ولا يفكّرون في سواها، هي منطقة وادي بردى، ابتداء من الرَّبْوة والشّاذِروان إلى دُمَّر والهامَة، وإلى جنب الهامة قرية داثرة هي جَمرايا (٢) قرية الشاعر ابن واسانة التي قال فيها قصيدة طويلة لا نظير لها في الشعر العربي، يصف فيها ضيوفاً نزلوا عليه نزول البلاء وأكلوا ما عنده أكل الجراد، وخرّبوا عامره وسرقوا متاعه وهمّوا بالتعدي على عِرضه، كأنهم جيش الدفاع الإسرائيلي، أي الدفاع عن شرع إبليس لعنه الله ولعنهم ولعن من يُعينهم ويحمي أمنهم، إنه أمن اللصّ الذي يريد أن يسرق (على كيفه) فلا يروّعه صاحب الدار. وهذه القصيدة العجيبة في «يتيمة الدهر» فاقرؤوها.
وعند الهامة يتّسع الوادي قليلاً، ثم يأخذ في الضيق عند الجدَيْدة، فإذا صار عند «العين الخضراء» لم يبقَ منه إلاّ ما يسع بردى، يجري فيه كالشاب المتهوّر الطائش المجنون ولكنه قوي جميل، وعين الخضراء تتوارى وراء الصخرة عند رِجل الجبل كالفتاة الفتّانة المستحية العذراء. وهو أجمل من وادي زحلة عند البردوني، الذي قال فيه شوقي «يا جارة الوادي» وغنّى عبد الوهاب ما قال شوقي، فكان من ذلك أحلى لحن في أحلى شعر.
ثم يصل إلى «الفيجَة» (وقد سبق الحديث عنها)، فيمشي بعدها بين جبلين متقاربَين إلى «التكيّة» حيث نُصبت من قديم مولّدات الكهرباء يحرّكها الماء المتحدر، ثم يصير الوادي الضيّق
стр. 737
سهلاً فسيحاً، هو الصورة المصغّرة لسهل البقاع الذي تدور فيه الآن المعارك وتتحدث عنه الصحف والإذاعات. هذا هو سهل الزَّبَداني، عن يمينه مَضايا وبُقّين، وفي صدره وعن يساره الزبداني، وفوق الزبداني بْلودان، درة مصايف دمشق وأكثرها عمراناً، وأكثرها فساداً أيضاً. والحضارة المعاصرة لا تدخل بلداً إلاّ دخل معها الفساد.
والمنطقة الثانية منطقة النَّبْك ويَبرود، وسأحدثكم حديثها حينما أنتقل إليها -قاضياً فيها- سنة ١٩٤١.
يَبرودُ يَبرُدُ صيفاً من أقامَ بها ... لذاكَ قِيلَ مع الإشباعِ يَبرودُ
والإشباع مدّ الفتحة حتى تصير مثل الألف والضمة حتى تصير مثل الواو: كلمة «شَرٌّ» مثلاً تصير بالإشباع «شارون»: أصله وحقيقته شر ولكنهم شبّعوا الفتح والضم فصار شارون، وبقي شراً على الحالَين ... وهل يأتي من يهودي إلاّ الشرّ؟
والمنطقة الثالثة منطقة التل ومنين التي أتحدث عنها.
* * *
كان لدمشق يومئذ ثلاثة مداخل (أو مخارج): غربيّ من وادي الربوة إلى بيروت، وجنوبيّ من «القَدَم» في آخر الميدان إلى درعا ثم الأردن ثم إلى المدينة المنورة، وشرقيّ من آخر حيّ النصارى «القَصّاع»، وهو طريق حلب الذي يُضرَب به المثل في الوضوح فيُقال: «أوضح من طريق حلب»، يتفرع عنه من أوله طريق يوصل إلى القَابُون ثم إلى بَرْزَة، وكلاهما صار الآن من
стр. 738
أحياء دمشق. ومن برزة يبدأ وادٍ صغير مُقفِر (أو كان يومئذٍ مقفراً) إلى مَعْرَبا، وهي قرية تقع على الوجه الآخر لجبل قاسيون، ومنها إلى «التلّ»، وهي قرية كبيرة، أو بلدة صغيرة، وأهلها كلهم من البنّائين المَهَرة، وهم الذين بنوا بأيديهم مدينة الرياض في مطلع نهضتها العمرانية من نحو ثلاثين سنة أو أقلّ. ثم تمشي في وادٍ أخضر فيه الشجر والماء إلى منين، وعين منين من أجمل العيون: ينبوع صافٍ غزير حوله بِركة واسعة:
يَرُوعُ حصاهُ حاليةَ العَذارى ... فتلمَسُ جانبَ العِقدِ النّظيمِ
أي أن الفتاة ترى الحصى في الماء كاللآلئ فتحسب أنها حبات عقدها، فتلمسه لتتحقق من أنها لم تنفرط. وما رأيت في عمري نبعاً أصفى ماء وأجمل حصى من ماء عين منين وحصاها، وكم لي فيها من ذكريات، ولكنّا حُرمنا منها كما حُرمنا من العين الخضراء ومن كل المتنزَّهات لأن الخمر دخلتها فخرجنا نحن منها. وهذه المتنزَّهات للناس جميعاً، فإن لم تتبع شرع الله وتحرّم ما حرمه (وذلك حقّ الله على كل مسلم) فإن الديمقراطية هي (عندهم) حكم الشعب، والذين يشربون الخمر من الشعب لا يجاوزون بضعة أفراد في الألف، أفمن أجل بضعة أفراد من العُصاة نَحرم بقيّة الألف من الطائعين الاستمتاعَ بجمال بلادهم؟
* * *
كان الطريق المعبَّد ينتهي عند منين، فمن أراد الوصول إلى حلبون مشى على غير طريق. يصعد جبلاً ويهبط وادياً، يسلك سهلاً ووعراً. وكان الوصول إلى حلبون من جهة الوادي أسهل
стр. 739
ولكنه أطول، ومن فوق الجبل أقرب ولكنه أصعب. ولم تكن معنا سيارة (ولا تستطيع أن تمشي سيارة بلا طريق)، لذلك جاؤونا بدابّة واحدة لنتناوب ركوبها، فتركت لهم نوبتي وسرت على قدمي لأني وجدت المشي أهون من ركوب هذه الدابة.
"وذهبنا نصعد الجبل، وكلّما بدت لي قمة قلت: هذه هي النهاية. فإذا وصلت إليها بدت لي من بعدها قمم، وتلفتّ إلى الوراء فإذا منين كلها بقدر الكفّ، وإذا هي من عمقها كأنها في قعر البحر، وإذا أمامنا وعن أيامننا وعن شمائلنا جبال وبِطاح لا حدّ لها مغطّاة كلها بالثلج، وإذا نحن نبلغ موضعاً نُشرِف منه على دمشق من بعيد ونرى جبل قاسيون كأنه أكَمَة تحتنا (أو كذلك خُيّل لنا)، ثم تَوَعّر الطريق فغدا شِعْباً ضيّقاً، على يمينه جبل عال كأنه جدار وعن شماله وادٍ لا يبلغ البصر قرارته" (١). وبلغنا حلبون بعدما بلغت أرواحنا التراقي.
وليست القصة عن بلوغنا حلبون ولكن عن الرجوع منها.
بتنا فيها، فلما كان الغد أبى أنور أن يعود معي وأصررت على أن أعود، فذهبوا يفتّشون لي عن دابّة تحملني ودليل يدلّني، فلم يأتيا إلاّ بعد العصر، فودّعتهم وسرت مع الدليل. وقد نسيت أن أقول لكم إننا كنا في قلب الشتاء، وإن الثلج كان يغطّي تلك الجبالَ كلها ويرتفع سُمْكه أحياناً حتى تغوص فيه القدم، وربما علقت به فلم تدرك صلابة الأرض، وإن الوحوش كثيرة، يدفعها الجوع إلى الإقدام على الفتك بالإنسان. لذلك كنا كلما رأينا
стр. 740
صخرة أو أغصان شجرة يابسة تبدو في الثلج الأبيض حسبنا ما رأينا واحداً من هذه الضواري التي كنا نسمع أصواتها من بعيد ... ومن أفتكها الدببة، وما أدراك ما دببة حلبون؟ ولقد رأيت على باب المدرسة (وهو من الخشب السميك) آثارَ أنياب دبّ منها كأنها مسامير دُقّت في الخشب ثم نُزعَت.
ركبت ومشى معي الدليل، ثم عزمت عليه أن يركب هو وأمشي أنا لتكمل المساواة بيننا. وغابت الشمس فنويت الجمع لأني لم أجد مكاناً جافاً أصلّي فيه، وأظلم الكون وسكن الليل ونحن نمشي صامتَين، وبدا لي ضوء من بعيد، قلت: ما هذا؟ قال: هذه منين. قلت: ارجعْ إذن، فأنا أكمل الطريق وحدي. فأخذ الدابة ورجع، ونزلت في منحدر من الأرض فغاب عني الضوء، وكانت السماء غائمة لايبدو فيها نجم أستهدي به، فندمت على أن صرفت الدليل، فناديته فلم أسمع إلاّ صدى صوتي تردّده هذه البطاح، فخفت. نعم، خفت. أتريدون أن أكذب عليكم فأدّعي لنفسي شجاعة تجاوز حدود العقل؟ إن كل ما جاوز العقل جنون.
لمّا جئنا كنا ثلاثة ومعنا دابة ودليل ونحن في النهار، وقد قرأتم وصف ما مرّ بنا، فكيف بي الآن وأنا وحدي والدنيا ليل، لا يبين لي طريق فأسلكه ولا نجم في السماء فأهتدي به، وما معي سلاح أردّ به عن نفسي وحشاً يهجم عليّ؟
خفت، ومن خوفي جعلت أعدو لا أعرف إلى أيّ وجهة أتجه، أسقط في حفرة أخفاها الثلج المتراكب عني، ثم أنهض
стр. 741
فأخرج منها. وكنت ألبس دِثاراً (١) من الصوف فوق القميص، ومن فوقه الرداء (الجاكيت) ومعطف ثقيل، فابتلّت ثيابي كلها من العرق كأنّها غُسِلت بالماء. وكان الجوّ بارداً، جوّ ثلج، فإن وقفت في البرد وثيابي مبتلة أصابني «الرشح»، فلم يكن أمامي من خيار إلاّ الحركة الدائمة. لم أشعر بالتعب ولا الجوع، لأن الشعور بالخوف غطّى عليهما.
قطعنا على الطريق من منين إلى حلبون لمّا جئنا ثلاث ساعات، وقد مضت عليّ الآن خمس ساعات وأنا كحمار الرحى، أدور وأدور وأنا في مكاني، أعلو وأنزل وأنحرف يميناً وشمالاً على غير هُدى، حتى مَنّ الله عليّ فأبصرت مرة ثانية الضوء الذي قال لي الدليل في أول الليل إنه ضوء منين. فأخذت سَمتي إليه لا أنحرف عنه مهما اعترضني لأن الأمر صار أمر حياة أو موت، وفي مثل هذه الحال قد يتحقق المحال. وصلت منين -بعدما قاسيت ما لم يعلم به إلاّ الله- وقد صارت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وكان مدير الناحية فيها صديقي وقريبي نذير الخطيب (أبوه الشيخ عبد القادر الخطيب ابن عمّ أمي) فاستحيت أن أدق الباب عليه، فسلكت طريق «التل»، وهو وادٍ متعرّج يجري فيه ماء عين منين في نهر صغير مزبد متحدّر له صوت، فاستسهلت ما كنت فيه وأنا فوق الجبل: كنت أرى ما حولي أحسّ بالخطر قبل أن يصل إليّ، فصرت هنا لا أرى ما بعد منعطف الوادي. وبمقدار جمال الماء المتحدّر المتكسّر في ضياء الشمس
стр. 742
يكون الخوف منه في سواد الليل، لذلك كان سلوك هذا الوادي أشقّ عليّ من الضلال فوق الجبال!
ووصلت «التل» وقد بقي دون الفجر أقل من ساعتين، وكانت سيارات البلد الكبيرة رابضة تنتظر طلوع النهار وتوافُد الركاب، وكانت أجرة السيارة إن هي امتلأت مقاعدُها كلها ثلاثَ ليرات، فقلت: خذوا ثلاث ليرات وأوصلوني إلى دمشق، فما قبلوا.
فماذا أصنع؟ مشيت الليل كله وأنا جائع خائف وثيابي كلها تقطر ماء، والليلة باردة، وقد أنفقت آخر ذرة من طاقتي. فاضطُررت أن أسأل عن دار معلّم المدرسة، ووجدت بعض المبكّرين فدلّوني عليها، فقرعت عليه الباب فقال: مَن؟ قلت: عليّ الطنطاوي، افتح لي. ففتح مدهوشاً (وربما كان مرعوباً)، فقلت: تسبّني، تشتمني، تقول عني ما شئت، الحقّ معك والله يسامحك، بس (١) أدخلني وأعطِني قميصاً وثوباً حتى أجفّف ثيابي، وشيئاً آكله.
فأدخلني وأوقد المدفأة، وجاءني بثياب وتركني أنزع قميصي وردائي وألبس ما جاءني به، وأتاني بالشاي وبالطعام فأكلت وشربت، ورويت له قصتي باختصار، وتركني لأنام.
* * *
стр. 743
نمت ثلاث ساعات، ثم نهضت فكتبت له ورقة أشكره فيها وهربت.
أما هذا المعلم فهو الأستاذ محمود مهدي الإسطنبولي، رفيق المدرسة، كان في مكتب عنبر بعدي بسنة واحدة ثم صار صديقي، أحبّه ويحبّني وأناقشه فأسبّه ويسبّني، ألتقي معه في أصول المسائل وأخالفه في فروعها، نفترق فنشتاق ثم نجتمع فنختصم.
فإذا لقيتموه فأبلغوه أنها مرّت اثنتان وخمسون سنة شمسية ولكني لم أنسَ ما صنع لي تلك الليلة، إنها ليلة أموت ولا أنساها.
* * *
стр. 744
-٦٥ -
من سَقْبا في بطن الغوطة
إلى رَنْكوس في رأس الجبل
وصلت الآن في ذكرياتي إلى سنة ١٩٣٣ (١٣٥٢هـ)، وأنا لا أزال أمشي في تدوينها على ترتيب السنين، تذكّرني -إن نسيت- أوامر وزارة المعارف بنقلي من مدرسة إلى مدرسة وتواريخ الصحف التي نُشرت فيها مقالاتي، وإن بقي عندي الأقلّ منها وضاع أكثرها.
وكانت دمشق هذه السنة، بل كانت سوريا كلها، كأنها تعيش بجوار بركان يفور أحياناً فتفتح أبواب جهنّم ويهدأ أحياناً؛ سنة مظاهرات وهزّات، تسكن دمشق قليلاً فتتحرّك حلب، أو تهيج حمص أو حماة، وكنت ممّن يُضرِم هذه النار وينفخ فيها بلساني وبقلمي، كما يصنع كثير من أقراني وأمثالي. ما كنت في ذلك وحدي، وإن كنت من أحدّهم لساناً وأمضاهم قلماً، وأنا أشير (على سبيل المثال) إلى مقالة عنوانها: «يا أمة الحرية» نُشرت في جريدة «اليوم» عدد ٢٧/ ١٢/١٩٣١، وعندي إحدى عشرة مقالة مثلها كتبتها في ذلك العهد. وهاكم فقرات منها:
стр. 745
أنا لا أجمجم الكلام ولا أديره على وجوهه التي ترضون عنها، فقد يئست حتى ما في نفسي مكان لأمل ولا متّسَع لخوف، واليائس لا يخيفه شيء، وإن نحن عجزنا عن أن نعيش أحراراً فلن يُعجِزنا أن نموت أحراراً، وما بعد الذي كان يوم الأحد أمل ولا خوف.
لقد قُضي علينا أن نهبط من عليائنا وأن نُسلَب حرّيتنا ونفقد استقلالنا، ولكن لم يأتِ بعد، ولن يأتي أبداً، اليوم الذي نخسر فيه إيماننا وكريم خلالنا. إننا اليوم كما قال ملككم فرنسوا الأول: «خسرنا كل شيء إلاّ الشرف»، كتب ذلك في رسالة بعث بها إلى الملك المسلم العظيم سليمان القانوني يستنجده، فوجد منه النجدة والمدد. فجئتم أنتم -يا أحفاده- تردّون جميل صنعه لكم بقبيح صنعكم بنا، ولا عجب، فقديماً قال شاعرنا:
ملكنا فكان العدلُ فينا سجيّةً ... فلما ملكتُم سال بالدّمِ أبطحُ
وحلّلتمُ قتلَ الأُسارى وطالَما ... غدونا على الأسرى نمُنُّ ونصفَحُ
فحسبُكمُ هذا التفاوُت بينَنا ... فكُلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضَحُ
لقد قاسينا منكم الظلم وعايشنا الفقر وشاهدنا الخراب، وأصبحَت مدينتنا أطلالاً وأهلها مشرّدين ونساؤها ثاكلات، فماذا نخاف بعد هذا؟ عندكم أشدّ من الرصاص؟ فقد فتحنا له صدورنا. والقنابل؟ قد أعددنا لها دورنا. هل عندنا أغلى من الأرواح؟ لقد بذلناها ثمناً للاستقلال.
ثمنُ المجدِ دمٌ جُدنا بهِ ... فانظروا كيفَ دفعنا الثمنا
стр. 746
كيف سقينا بدمنا وادي ميسلون وجنان الغوطة، وبطاح حماة وحمص وأرجاء حلب. والأرض التي تُسقى بالدم لا تُنبِت إلاّ الاستقلال.
ألم يقُل لكم أحد: إن الدم العربي أحمر مثل الدم الفرنسي حارّ مثل الدم الفرنسي، وإن لشهدائنا آباء وأمهات يبكون ويتألمون ثم يصبرون أو يُقدِمون وينتقمون، كما يصنع الآباء في فرنسا؟ فإذا كانت ثورتكم الكبرى التي تعتزّون بها قد أثمرت -كما تزعمون- قوّة فرنسا، فإن ثمرات ثورتنا ستجيء حين يجيء موعدها.
فاملؤوا المرجة دبّابات، واقتلوا منّا المئات، واكذبوا فانشروا ما شئتم بلاغات، فكل ما هو آتٍ آت.
إن الهرّة إذا حُبست وضويقت انقلبَت لبؤة، والبركان إن سُدّت فوهته كان الانفجار، والشعب إذا استُذِلّ ثار، والنار ولا العار، وللشهداء عقبى الدار.
* * *
هذا مثال ممّا كنت أكتبه في أوائل الثلاثينيات من هذا القرن الميلادي، تنشره الجرائد لأن الصحافة كانت حرّة، ولا تنالني منه مضرّة لأنه لا حبس إلاّ بحكم المحكمة. كذلك كانت الحال أيام الاستعمار، فما الذي صار؟
واشتدّت الحركة في أوائل كانون الأول (ديسمبر) ١٩٣٣، وكانت دمشق هائجة: أسواقها مغلَقة والمظاهرات فيها مستمرّة، والمصادمات بين المتظاهرين وقُوى الأمن قائمة، هؤلاء بالسلاح
стр. 747
وأولئك بالحجارة. في ذلك اليوم خطر لابن خالتي (وأستاذي) الشيخ شريف الخطيب مدير المدرسة الأمينية (التي سبق الكلام عنها) أن يسوق تلاميذه، وهم يزيدون على المئتين، ويزورني بهم، لعلّ هذه الزيارة تنقل حُمّى الحماسة إلى الغوطة فتشارك دمشق النضال. وبعث من يخبرني أنه وصل بهم إلى طرف القرية، فرأيت أن من الخير ألاّ يدخل بهم المدرسة لئلاّ يحمل ذلك الفرنسيين على إغلاقها، وبعثت من يدلّهم على مكان متّسع ليلعب فيه التلاميذ إلى أن ألحق بهم.
وانتظرت حتى انتهى «الدوام»، وكان يوم خميس، فصففت تلاميذي ووكّلت بهم من يقودهم إلى المكان. وكانوا يمشون بنظام مشي الجند، سواء أكنت معهم أم كنت بعيداً عنهم، وكان من يرى ذلك يعجب منه ويراه شيئاً كبيراً، وما هو إلاّ التدريب والإقناع مني والطاعة عن رضا وقناعة منهم.
فلما خرجوا -وكنت على وشك اللحاق بهم- جاءني من يدعوني إلى الهاتف لأني مطلوب من دمشق، فذهبت. قلت: نعم؟ قال مَن في الطرف الثاني من الخطّ: أنت الأستاذ؟ فلما سمعت لقب الأستاذ اطمأننت لأن من يريد الشرّ لا يدعوك الأستاذ، وقلت: نعم، أنا. قال: هنا قيادة الدرَك، وقد فهمنا أنك دعوت قريباً لك مدير مدرسة لتُحدِثوا قلاقل في الغوطة، فنحن ننصحك أن ترجعهم. قلت: أما أنه قريبي فنعم، ولكني ما دعوته وما نويت أن أحدث حدَثاً ولا أن أخلّ بالأمن، وأنا لا أملك إرجاعهم لأنهم ليسوا عندي، وليس من عملي ولا في طاقتي أن أرجعهم.
стр. 748
وتركتُه ولحقت بالشيخ ومعه معلّمو مدرسته وتلاميذه، فاجتمع نحو أربعمئة من التلاميذ، فأكلوا وشربوا، وكانت خطب وكانت لعب. ثم حضر ثلاثة من رجال الدرَك على الخيول فصاحوا بنا ليهوّلوا علينا: اسمعوا، ممنوع بقاؤكم هنا، يجب أن تنصرفوا حالاً.
ظنّوا أن هذا يخيفنا، ولكنا ما خفنا، بل دعوناهم ليقعدوا معنا ويأكلوا من زادنا ويشربوا من شاينا، فأخذ كبيرهم وضع الجدّ، وكان رقيباً كبير السن، وقال: يا أفندي هذه أوامر الحكومة، ونحن قد جئنا لتنفيذها لا لنأكل ونشرب ونلهو ونلعب. قلت: على كيفكم، اعملوا ما يجب عليكم، أمسكوا الأولاد وأرجعوهم أنتم لأننا لا نريد الرجوع الآن.
فصرخ: يا أولاد، هنا، اصطفّوا. فما ردّ عليه أحد، فأمسك بواحد وقال له: قف هنا لا تغادر هذا المكان. وولاّه ظهره ليأتي بغيره فهرب، وحسبها الأولاد «لعبة يعيش»، وهي لعبة كانت معروفة ينقسم فيها اللاعبون إلى قلّة تمثل دور الشرطة وكثرة تقوم بدور المتظاهرين، وكلما أمسكت الشرطة بواحد أي قتلته (بالرمز لا في الحقيقة) جاء أحد رفاقه فلمسه فيعيش، فكأن مهمة الشرطة في اللعبة الإمساك بالآخرين ومنع رفاقهم من الاقتراب.
وبلغت النشوة والفرحة بالتلاميذ أقصى مداها حين رأوا أنهم يلعبون مع عسكر حقيقيين لا مع عسكر ممثّلين، وعلَت ضحكاتهم وارتفع هتافهم، ورجال الدرك المساكين قد كلّت أرجلهم من السعي وألسنتهم من الشتم، لا سيما الكهل رئيسهم.
стр. 749
فقمت إليه فقلت له: اسمع مني وتعالَ أنت وأصحابك فاقعدوا فاستريحوا واشربوا كوباً من الشاي ودَعوا هذه اللعبة السخيفة فلن تأتي بنتيجة. هؤلاء أولادكم، فهل تطيب قلوبكم بإيذائهم؟ وهل معكم أمر بإطلاق النار عليهم؟ ولو أمروكم أفتنفّذون أمر أجنبي كافر في أولادكم؟ لقد عملتم ما استطعتم ونحن نشهد بذلك معكم، فلا ترهقوا أنفسكم خدمة لعدوّكم ومحتلّي بلادكم، فإنّ أخسرَ الناس من باع دينه بدنيا غيره.
قال: والله صحيح، الله يلعن أبو فرنسا واللي جابها، لعنة الله عليهم! ودعا صاحبيه أن تعالوا يا شباب، حاجِة (١) مَسْخَرة، نلحق أولاد صغار بعد هذا العمر؟ الله يلعن أبو فرنسا واللي جابها!
وكسبنا المعركة ولكن خسرنا الحرب، إذ لم تمضِ إلاّ أيام حتى تلقّيت الكتاب الرسمي بنقلي إلى رَنْكوس.
* * *
أرأيتم الذي غرقت سفينته فتعلق بخشبة منها، قد انحصرَت أمانيه في الوصول إلى الشطّ، تدفعه موجة إليه فيقرب منها فيستبشر، فتأتي موجة أخرى فتبعده عنه فييأس؟ كذلك كنّا أنا وإخواني جميعاً، كنّا معلّمين في القرى فإن اقترب أحدنا من دمشق دنا منه الفرج، نُقلت إلى سقبا فكأني صرت في دمشق، لم تبقَ بيني وبينها إلاّ خطوة، فما لي الآن أُرجِعت خطوات إلى الوراء، إلى رَنكوس؟
стр. 750
هل تذكرون كلامي في الحلقة الماضية عن منين وكيف تركتها وأخذت شمالي إلى حَلبون؟ إن منين هي محطّة في الطريق إلى رنكوس، يمشي بعدها الطريق صاعداً في الجبل حتى يصل إلى صِيدْنايا؛ وفيها الدير الكبير وهو من أكبر أديِرَة النصارى وأعمرها، وله تاريخ طويل، والنصارى يحجّونه ويعتقدون فيه عجائب الأباطيل. ثم يزداد الطريق صعوداً ووعورة حتى يبلغ رنكوس.
عندنا قريتان كانتا تُعجِزان الحكومات، صلابة وشدّة وعنفاً وجرأة منقطعة النظير، هما رَنْكوس هذه وفيها آل سرسق (١) وسَرْغايا من هناك، وهي بعد الزّبداني وفيها آل الشمّاط. لا أقول إنهما أسرتا فتوّات، فما كانا عليه أكبر من عمل الفتوّات؛ كان أشبه بعمل عُتاة العصابات، أقصد الذي كان لا أتكلم عن حالهما الآن.
والذي زاد ألمي أنه كان معنا في الصفّ (أي الفصل) في مكتب عنبر طالب أكبر منّا سناً ولكنه مقصّر دائماً، ينجح سنة ويسقط أخرى رغم عناية بعض الأساتذة به لأنه ابن أسرة كبيرة وجيهة، وكان أبوه (كما أظن) وزيراً. صار هذا الطالب معلّماً في رنكوس، وكان أهله يبذلون طاقتهم كلّها ويسخّرون وجاهتهم لنقله، فلما حدث هذا الحادث استندوا إليه فنقلوني معلّماً في رنكوس مكانه وأعطوه مكاني.
стр. 751
لقد آلمني هذا الظلم وكان أشدّ عليّ من الإبعاد.
* * *
فارقت سَقبا وسلّمتها إلى هذا المعلم الجاهل. ولست أسبّه إن قلت إنه جاهل، هل تسبّ الحمار إن قلت إنه حمار ولم تقُل إنه غزال بآذان طوال؟ ولكن لا، أستغفر الله لي وله، فقد مضى إلى رحمة ربه وأنا ماضٍ بعده، ولقد كان رفيقي في المدرسة، فاللهمّ ارحمه وسامحني.
وخرجت من مدرسة سقبا كأني لم أدخلها ولم أبِت فيها ليلة قط ولم أعِش فيها عاماً ونصف عام، وكأنّي لم أُودِعها من ذكرياتي ومن حياتي ما لا أستطيع أن أنساه لأنه صار جزءاً مني، أي من الـ «أنا» التي أقوم بها وتقوم بي.
وإن أنسَ لا أنسَ يومَ الوداع، يوم ألقيت على هؤلاء الصغار الأطهار وصيّتي الأخيرة ثم فارقتُهم فراق الأب أبناءه. خرجت وهم يشيّعونني واجمين، الحزن يملأ قلوبهم ولكن العجز عن البيان يمسك ألسنتهم، ولقد رأيت فيهم مَن يتكلم بدمعه لمّا عجز عن الكلام بفمه. وليس هذا عجيباً، فقد أشعرتُهم أني كنت لهم أباً أو أخاً كبيراً، أؤدّبهم وقد أضربهم ولكنني كنت أخاف عليهم وأحبّهم، ألا يؤدّب الأبُ ابنَه الذي يحبّه؟
لقد كان يهوّن عليّ فراقَهم أنني ما غششتهم وأني نصحت لهم، وأني لم أدّخر وسعاً في تقويمهم وتربيتهم؛ لم أكُن معلّماً كالمعلّمين بل كنت مرشداً وناصحاً. نبّهت الإيمان في قلوبهم الصغيرة، ما قلت إني غرسته لأن الإيمان مغروس في أعماق كلّ
стр. 752
قلب، ولكن يغفل فيحتاج إلى تنبيه ويُستَر (أي يُكفر) فيحتاج إلى إظهار. علّمتُهم الصدق حتى إن أحدهم يعترف بذنب ارتكبه لم يرَه عند ارتكابه أحد. كانت وراء المدرسة قطعة أرض كبيرة تابعة لها مهمَلة فكلّفت التلاميذ انتخاب نفر منهم ليفلحوها ويزرعوها، وعلّمتُهم كيف يكون الانتخاب فانتخبوهم بإشرافي. بدأت منهجاً علمياً في التربية وفي التعليم، ولكنهم لم يدَعوني أُتمّه من أجل خاطر رفيقنا ابن الأكرمين، فانهدّ البناء كله لمّا تركتُه.
وجدت ورقة في دفتر قديم فيها سطور كتبتها يوم ٣١ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٣٣ هذا نصّها أنقله كما وجدته: "أنا الآن في قعر الهوّة، فهل أخرج منها؟ هل أذكر هذه الأيام المريرة فأتحدّث عنها وأحمد الله على الخلاص منها، أم قد ذهبَت الآمال إلى غير رجعة؟ هل قُضي عليّ أن أبقى أبداً معلّماً في القرى أم ... "
أم ماذا؟ لم أجد بقيّة الجملة، ومهما تكن فإن الله -وله الحمد- قد نقلني من تلك الهوة إلى «أم» (١).
فيا أيها الواقعون في الضيق، الذين يعيشون الشدائد، الذين يقاسون المصائب ويتحمّلون الآلام، لا تيأسوا من رَوح الله؛ إن الله عنده من كل ضيق مخرج وبعد كل شدّة فرج. هل قرأتم كتاب «الفرج بعد الشدّة» للقاضي التنوخي؟ لقد قرأته وعمري إحدى عشرة سنة، ثم قرأته أكثر من ثلاثين مرّة وحفظت قصصه كلها من كثرة ما أعدت النظر فيه، وصحّحت من حفظي الكثير
стр. 753
من أخطاء النسخة المطبوعة منه، ولو وجدت له نسخة مخطوطة صحيحة لحقّقتُه وأعدت نشره لأني صرت من أعرف الناس به. فاقرؤوه -على كثرة أغلاطه- تجدوا فيه ما لا تجدون مثله في كتاب آخر من صور المجتمع العباسي ومصطلحات أهله، وأحوال الموظفين وأوضاع التجّار، وأقلّ ما تستفيدون منه أنه يهوّن على المحزون منكم حزنه حين يرى أن مِن الناس مَن أصابه أكثرُ ممّا أصابه. ولكن فيه كلمات من اللغة العبّاسية لا يكاد أحدٌ يعرف معناها معرفة يقين (١)، ومثلها في «البخلاء» للجاحظ، حاول بعض المستشرقين تفسيرها فوُفّقوا في بعضها.
خرجت عن الموضوع كالعادة فمعذرة.
* * *
стр. 754
لمّا نُقِلت هذه النقلة كنت في قلب الشتاء، وكنت أستطيع أن أطلب إجازة ولكني لم أقبل الهزيمة، وكانت هِمّة الشباب تملأ جوانحي، فحزمت حقيبتي وركبت إلى صيدنايا، فلما بلغتها ووقفَت السيارة الكبيرة فيها ونزل منها رُكّابها قلت: ولكني أريد الوصول إلى رنكوس. فقالوا: مستحيل. قلت: ولِمَ؟ قالوا: الطريق مقطوع قد سدّته الثلوج. قلت لصاحب السيارة: أدفع لك ما تريد فأوصلني. قال: ما عندنا ركّاب فهل تدفع أجر المقاعد كلها؟ قلت: نعم. قالوا: وإن لم نستطع الاستمرار في السير؟ قلت: إن لم تستطيعوا فعودوا والأجرة لكم.
وسرنا وسط الثلوج في طريق جبلي خطر، فلما بلغنا نصفه أو أكثر قليلاً لم يعُد بالإمكان أن تتقدم السيارة ذراعاً واحداً. فقلت: عودوا وأنا أمشي. قالوا: كيف تمشي؟ الطريق خطر ولا يخلو من وحوش، والثلوج كما ترى.
فأصررت ومشيت؛ مشيت نحو ساعتين ونصف الساعة، الله وحده يعلم ما قاسيت فيهما، وكان البرد يَقصّ العظم. ووصلت فسألت: أين المختار (أي العمدة)؟ فنظروا إليّ مدهوشين كأنهم يرون فيّ جنّياً طلع عليهم، وقالوا: مَن أنت؟ وكيف جئت؟ قلت: أنا المعلم، وقد جئت ماشياً من نصف طريق صيدنايا.
وكانوا رجالاً صِلاب العود يقحمون الأهوال، فعجبوا من شابّ شامي يبدو في أنظارهم رقيق العود قليل الصمود، يفعل ما لا يُقدمون على فعله. ودلّوني على المختار، وكان قاعداً مع صحبه على دكّة (مَصطبة) يواجه شمس الشتاء الضعيفة، فسلّمت فردوا
стр. 755
رداً ضعيفاً وقالوا: مَن الأخ؟
فخبّرهم من كان معي أنني المعلم وأنني جئت ماشياً، فكبرت في أعينهم قليلاً. ودعوني إلى القعود، ثم قال المختار: لا يا جماعة، بل يدخل فيأكل شيئاً ويستريح. ودخلت معهم إلى «المَضافة» فشربت الشاي وأكلت ما حضر، وسألت: أين المدرسة وأين تلاميذها؟ فسبّوا الحكومة وشتموا المعلّم، وفهمت من كلامهم أن الوزارة لم تستأجر داراً للمدرسة، ولا صنعَت ولا صنع المعلّم شيئاً للقرية. وتلقّيت أنا هذه الشتائم بوصفي الموظف الحكومي الوحيد بينهم!
وكان الناس قد تواردوا على «المضافة» ليروا هذا المعلّم العجيب الذي بلغ حبّه التعليم وشغفه به أن يخوض إليه الثلج ويلتحف البرد ويتعرض للمهالك. فلما كثر عددهم قمت فألقيت عليهم خطبة نارية مجلجلة، أثرت بها وطنيتهم ونبّهت إيمانهم وحيّيت بطولتهم ورجولتهم، ورغّبتهم بالعلم ليكون من أبنائهم من يحتلّ هذه الكراسي التي يقتَعِدُها الجواسيس والمنافقون من رجال السلطة وأذناب الاستعمار.
وما إن انتهيت حتى صرت عندهم شيئاً آخر غير الذي رأوه أول مرّة. واستأذنتهم أن أرجع اليوم وأعود إليهم إن شاء الله بعد أن تُفتح المدرسة وتستكمل عدّتها. ولم أرجع ماشياً، بل تطوّع واحد منهم عنده سيارة فحملني إلى قلب صيدنايا.
* * *
هل كان يخطر على بالي يومئذ أنها ستمرّ إحدى وخمسون
стр. 756
سنة، وأني سأكون في مكّة، وأني أذكر تلك الأيام وقد انطفأت حرارة ألمي منها حتى لأتحدث عنها كأن غيري هو المُصاب فيها؟
كنت أراها في حينها هي الواقع كله، كنت أحسب أنها آخر الدنيا وأنه كُتب عليّ تجرّعها وإن لم أسِغْها، فالحمد لله أن جعلها مجرد ذكرى وصيّرها حديثاً يُروى. فليأخذ المتألمون المعذَّبون العبرة من هذا الذي أقول، فما أسرد خيالات ولا ألقي مواعظ، بل أروي لهم ما وقع لي. وسيأتي على هؤلاء المتألمين المعذَّبين بمرض ينغّص عليهم عيشتهم، أو فقر ينكّد عليهم أيامهم، أو سجن ظالِم يقيّد أيديهم ويحرمهم أهلهم وأولادهم، أو عذاب مستمر من جبّار آثم يغاديهم به ويماسيهم ... سيأتي عليهم يوم يكون فيه هذا كله ذكرى في النفس وحديثاً في المجالس.
ومهما اشتدّ الضيق فالفرج موجود. اقرؤوا ما كتب الأستاذ مصطفى أمين عمّا قاسى في سجنه، وما كتب غيره عمّا في سجون الظالمين ومعتقلات المجرمين، وها هو ذا قد نجا منها ورجع يكتب والتفاؤل ملء بردَيه والأمل يظهر على سنّ قلمه.
وإن لم يرَ البائسُ الفرح في الدنيا، فما الدنيا؟ أيام معدودة، وإن الحياة الباقية لهي الحياة الآخرة، وهنالك يعوَّض المظلوم تعويضاً يرضيه، ويرى الظالم ما قدّم لنفسه.
* * *
стр. 757
-٦٦ -
المَجْمَع الأدبي في دمشق
في هذه الأيام التي أكتب عنها عاد من أوربّا منير العَجْلاني يحمل الدكتوراة في الحقوق. ولم يحمل هذه الشهادةَ قبله إلاّ قليل من أهل الشام من أقدمهم أستاذي كامل نصري، ونجيب الأرمنازي، وكامل عيّاد. أما الأطباء فيحملون الدكتوراة لقَباً بلا شهادة، ولم يحصل على الشهادة فيما أعلم أحدٌ قبل عارف صدقي الطَّرَقْجي الذي جمع دكتوراة الطبّ والحقوق معاً.
ولم نكن نفرّق بين شهادات الدكتوراة حتى كتب منير العجلاني فبيّن أن في فرنسا نوعين منها: دكتوراة الدولة وهي المعتبَرة، ودكتوراة الجامعة. وعلمنا بعدُ أن في ألمانيا (التي تخرّج فيها نصري وعياد) نوعين منها أيضاً. ونوع ثالث موجود في فرنسا وألمانيا وأمريكا وكل مكان، وهو شهادة دكتوراة ولكنها مثل شهادة الزور أمام القاضي، تُشترى بالمال ولا تقترن بالعلم، ادفع تجد من يكتب لك الرسالة من الأساتذة وتجد من الأساتذة من يضمن لك الفوز في مناقشتها، وكل شيء له ثمن، فمن دفع الثمن نال ما يطلب وعاد يغشّ به البشر.
стр. 758
عرفت منير العجلاني قبل أن ألقاه من مقدّمته التي كتبها لرواية «سيد قريش»، بأسلوب ناعم رشيق مملوء بالأمثال والشواهد من الأدب الفرنسي، تدلّ على أنه متمكّن منه وأنه قد خالط نفسه وعايشه. أسلوب لا أدري لماذا يذكّرني كلما قرأته بصوت فيروز: فيه كل مزايا الأصوات القادرة المعبّرة لكن بمقياس صغير صغير، كأنك ترى المنظر الجميل بالمنظار المقرّب، ولكن من الجهة الأخرى، فترى المنظر كله ولكنْ مصغّراً بدلاً من أن تراه مكبّراً.
وقد كان له نشاط بين الطلبة في فرنسا، فلما عاد أراد أن يصنع شيئاً، لم يستطع أن يقعد خاملاً، فجمع أدباء الشباب ممّن هم في سنّي وسنّه ومَن هم أكبر قليلاً، وجعل يحدّثنا عمّا جدّ في الأدب، يحدّثنا عن الشعر الصافي (١) وعن المذاهب الجديدة وأهلها. وكان يجمعنا في مكتب أخيه المحامي في عمارة العابد، أقدم وأضخم (وإن لم تكن أعلى) عمارة في دمشق، يقدّم لنا أطيب المرطّبات وأنفس الحلوى. ثم انتقلنا من الأحاديث المتفرّقة في الأدب والمناقشات والمناظرات إلى اقتراح إنشاء نوع من الروابط بيننا، جمعية أو لجنة أو رابطة. واختلفنا وأمضينا وقتاً طويلاً في الاتفاق على اسم نسمّيها به، أي أننا نسجّل اسم الولد في دوائر النفوس قبل أن يولد وقبل أن نعرف هل المولود ذكر أم أنثى! ومرّت عدّة اجتماعات لم نملّ منها ولم تعزف نفوسنا عنها، لأن المرطّبات والحلويات مستمرّة، وهذا هو المطلوب. ثم اقترحت أنا (أذكر ذلك تماماً) أن نسمّي ما نحن فيه «المَجمع
стр. 759
الأدبي» ليكون في الاسم -إن لم يكن في الفعل- موازياً للمجمع العلمي، ووافقوا على الاسم ولم يبقَ إلاّ معرفة المسمّى.
و «المَجْمَع العلمي» في دمشق أقدم المجامع العربية، أسّسه أستاذنا محمد كرد علي سنة ١٩٢٠، وبُدِّل اسمه أيام الوحدة مع مصر فسُمّي «مجمع اللغة العربية». «المجمع الأدبي» اسم جميل موافق. ولكن ما عمله؟ ومرّت أسابيع أخرى ونحن نتساءل عن عمله لنجعل ما نتفق عليه «غاية» ونضع للوصول إلى هذه الغاية طريقاً و «منهجاً»، ثم ننتخب اللجان.
ودعوني أنقل لكم فقرة من مقالة كانت إحدى حلقات سلسلة «من رسائل الصيف» التي كنت أنشرها في جريدة «ألف باء» سنة ١٩٣٣، قلت فيها:
"وانتخب السادة منير العَجْلاني سكرتيراً أو ناموساً، ومحمد الجيرودي خازناً، وأنور العطّار وسعيد الأفغاني وميشيل عفلق وعلي الطنطاوي أعضاء إداريين، وسليم الزّركلي وجميل سلطان وحلمي اللحّام وزكي المَحاسني ومصطفى المَحايري أعضاء عاملين.
هؤلاء الأعضاء المؤسّسون انضمّ إليهم السادة كامل عياد ومصطفى العظم وأنور حاتم وإبراهيم طوقان وآخرون. أما غاية المجمع فهي إيقاظ الروح الأدبية في هذا البلد، والتعاون على الإنتاج، ومساعدة كل أديب نابغ أقعده عارض من عوارض الدهر، وإنشاء أدب جديد قوي.
стр. 760
والتجديد كما نفهمه (أو كما أفهمه أنا على الأقلّ) لا يكون بقطع الصلة بالماضي، ولا بالخروج على قواعد اللغة وسنن العرب في كلامها، ولا بالدعوة الحمقاء إلى العامّية، ولا بأن نعمد إلى عقود الشعر فنقطع خيوطها وننثر حبّاتها ونأتي بشيء لا هو بالنثر ولا هو بالشعر؛ بل أن تبقى اللغة عربية سليمة من العلل، بليغة قوية بعيدة عن الركاكة والضعف، ونصبّ فيها بعد ذلك ما شئنا من أساليب جديدة وأفكار جديدة، أي أن نصنع ما صنع أجدادنا في العهد العبّاسي حين ترجموا كتب اليونان والفرس فجعلوها عربية، ولم يجعلوا لغتهم من أجلها يونانية ولا فارسية ولا لغة ممسوخة مسخاً، هي من أصلها العربي كالقرد الذي كان إنساناً فمُسخ قرداً أو خنزيراً (١).
هذه اللغة القردية التي نراها في المجلاّت، تترجم عن الإنكليز والفرنسيين أدبهم، تنقله إلينا كما يُنقَل التمثال البديع لكن بعد كسره، لا تنقله تمثالاً بل رفات تمثال! وقد أنفق ساعة من وقتي أحاول أن أفهم صفحة منه ثم لا أفهمها".
هذا كلامي في مقالة منشورة قبل نصف قرن كامل، أي قبل أن يولد هذا المولود المشوَّه الكريه الذي اسمه «الشعر الحرّ»، الذي سكرت أبصار الناس حتى رأوا فيه حَسَناً ما ليس بالحَسَن، وما هو إلاّ مسخ للشعر كما مُسخ من قبلُ قوم بيغن وشارون.
* * *
стр. 761
كان عليّ وأنا أكتب عن «المجمع الأدبي» بعد هذا الأمد الطويل أن يكون تحت يدي ما أذكر به ما نسيت وما أستشهد به على ما أذكر، فلقد فتح له صاحب «القبس» الأستاذ نجيب الريّس صفحة كاملة في جريدته، نُشر فيها شعر كثير وأدب كثير ليس عندي شيء منه الآن، وإن كان قد بقي منه شيء فهو عند الدكتور منير، فهل يكتب هو ذكرياته؟ وهل ينصرف أحد طلاب كلّية الآداب فيعدّ رسالة ماجستير عن الأدب الشامي في ذلك العهد؟
لقد كان منّا نحن الشباب (أعني الذين كانوا شباباً قبل خمسين سنة) أصحاب أقلام وقرائح، وكانت لهم في الأدب آثار تستحق العناية والدرس، وإن كانوا يتنازعون الصدارة في هذه الصفحة الأدبية يختلفون على من تُنشر مقالته أولاً، مع أن تقديم النشر لا يرفع القدر، والصدر حيث يكون الصدر، والتافه لا ينفعه التقديم والجيد لا يضره التأخير.
جمع هذا «المجمع الأدبي» المتفرقين وحاول أن يؤلّف بين المختلفين. ماذا يجمع بين علي الطنطاوي وسعيد الأفغاني، وبين ميشيل عفلق وأنور حاتم؟ إن الماء والزيت تخضّهما فيختلطان، ولكن حين تدَعهما يفترقان، وكذلك كان. بقي في المجمع الأدباءُ الذين تربّوا على أدب القرآن وعلى نهج البُلَغاء من الأدباء، وخرج مَن هُم أميَل إلى غير ذلك فألّفوا لأنفسهم جماعة أظن أنهم سَمّوها «ندوة المأمون».
وقامت حرب أو شبه حرب بين فكرتين وأسلوبين. وكنت قد اعتزلت الكتابة في الصفحة الأدبية، فلما حمي الوطيس
стр. 762
واشتدّت المعركة جاؤوا إليّ لأخوضها، فكتبت مقالات لا أرتضي الآن أسلوبها لأن أكثرها كُتب على طريقة شيخنا الرافعي، بل وأستاذنا العقّاد أيضاً، وكان ذلك الأسلوب رائجاً وكان يومئذ معروفاً غيرَ منكَر.
وقد ضاعت هذه المقالات إلاّ واحدة وجدتها في دفتر كتبه أخي عبد الغني، أنقل بعضها لأمثّل به لأسلوب النقد في هاتيك الأيام عنوانها: «المجمع الأدبي وخصومه: نَحْطِمُهم كما يَحْطِم النسرُ أمةً من الذباب بضربة من جناحه».
وقد قدّمَت لها الجريدة مقدّمة قصيرة بقلم منير العجلاني، أنقلها بنصّها وإن لم يحسن بي أن أنقل مدحي بنفسي، قالت:
قدمنا إلى قُرّائنا طائفة من أعضاء المجمع الأدبي الذين تلطّفوا بمؤازرة «القبس» بمقالاتهم وأشعارهم، ولكن النّقادة الأديب الأستاذ علي الطنطاوي طلب منّا أن ننشر مقاله بلا تمهيد ولا تقديم، فنحن نجاريه في رغبته على إعجابنا الشديد بأسلوبه العالي وأدبه القوي، وقال الطنطاوي:
تفنّدني فيما ترى مِن شراستي ... وشِدّةِ نفْسي أمُّ عمروٍ ولا تدري
فقلت لها: إنّ الكريمَ وإنْ حلا ... لَيلقى على حالٍ أمرَّ من الصّبرِ
وفي اللينِ ضَعفٌ والشراسةُ قوّةٌ ... ومَن لا يهَبْ يُحمَلْ على مَركَبٍ وَعْرِ
стр. 763
وما بي على مَن لانَ لي منْ فظاظةٍ ... ولكنّني فظٌّ أبيٌّ على القَسْرِ
وبعد، فقد طالما لنّا لهؤلاء الذين ينخرطون في أمر الأدب، ويدخلون فيه وما هم من أهله، ويتجرؤون على هذا المَجمع وينطحون صَفاتَه (١)، ولم نحبّ أن يكون بيننا وبينهم جدال خشية أن يُظَنّ أنّا منهم أو أنهم منّا، فخلّينا بينهم وبين ما يريدون وكنّا وإياهم كما قال الأول:
وكمْ قائلٍ: ما لي رأيتُكَ راجلاً؟ ... فقلت له: مِنْ أجلِ أنّكَ راكبُ
حتى إذا أكثروا علينا وحسبوا سكوتَنا عجزاً وترفّعَنا جُبْناً، لم نجد بُدّاً من أن نريَهم شيئاً من غِلظتنا كما أريناهم «أشياء» من ليننا. ونحن ما أنشأنا هذا المجمع الأدبي إلاّ لأن طائفة من الناس ادّعت هذا الأدب (وما الدعيّ كالصحيح النسب)، وبَعْبعَت بغير علم، وظنّت أن كلّ من أمسك بقلم وخطّ في صحيفة كان كاتباً نحريراً.
(إلى أن قلت): وإذا أنت سألته: ما الدليل على أنك كاتب أديب؟ قال: لأني نشرت كيت وكيت في صحيفة كذا وكذا. فإن قلت: فلماذا نشرت ما نشرت؟ قال: لأني أديب كاتب. فهو أديب لأنه نشر مقالات، وهو قد نشر مقالات لأنه أديب! أما أن يقرأ كما يقرأ الأدباء ويدرس كما يدرسون، فيتقن النحو والصرف
стр. 764
ويتمكن من اللغة ويدمن النظر في آثار البلغاء ويمسك بأسباب البيان، فهذا ما لا يخطر له ببال.
وكثرت هذه الطائفة وانتشر بلاؤها، وملأت الصحفَ بآثارها والمجامعَ والمجالس بأحاديثها، وطفقَت تكتب في الأدب، وما كتابتها إلا كصلاة حارثة الذي قال فيه الشاعر:
ألم ترَ أن حارثةَ بنَ بدرٍ ... يُصَلّي وهْوَ أكفرُ من حمارِ
(وأقول الآن: إن الحمار لا يكون كافراً؛ لا يكفر إلاّ الإنس والجن لأن الله أعطاهما حرّية الاختيار وسلوك أحد طريقَي الجنّة أو النار، وسائر المخلوقات مطيعة الله تتبع ما فطرها عليه وتسعى إلى ما سخّرها إليه، كلّها يسبح بحمده ﴿ولكنْ لا تَفقَهون تَسبيحَهُم﴾).
أعود إلى المقالة: فأنشأنا هذا المجمع وانتخبنا له خير أدباء الشباب (١)، وقلنا للناس: هذا عملنا، فمَن عمل مثله فهو مثلنا، ومن عمل خيراً منه فهو خير منّا، ومن عمل دونه فهو دوننا، لا فضل لأحد على أحد إلا بفضل عمله. وحفظنا لشيوخ الأدب في البلد أقدارَهم ولم يفكر واحد منّا في انتقاصهم والتسميع (٢) بهم. نستغفر الله، أننتقص شيوخنا وأساتذتنا؟ إنّا إذن لقوم سوء. ولا نزعم لأنفسنا احتكار الأدب ولا الاستئثار به، وهل الأدب بضاعة تُحتكَر؟ نقول هذا صادقين ونعلنه، فمَن لم يفهمه أو لم يُرِد أن يفهمه فما علينا من إثمه شيء:
стр. 765
عليَّ نحتُ القوافي من معادنِها ... وما عليَّ إذا لم تفهمِ «البشرُ»
أو «البقر» كما قال الشاعر! وما علينا شيء من الإثم إذا كان في البلد قوم لايرضون عن المجمع إلا إذا جعلناهم أعضاء فيه، ونحن لا نقدر على ذلك لأنه مجمع «أدبي» وما هم من الأدباء. وليس في طوقنا إرضاء الناس جميعاً، ولكن في طوقنا أن نعمل ما نستطيع، وأن نسمع ونطيع لكل ناقد ناصح ينطق بالحقّ ويَهدي للّتي هي أحسن، ونقول له مقالة الرجل العظيم عمر: «رحم الله امرءاً أهدى إليّ عيوبي». أما الذين لم يتعلموا من «النقد» إلاّ باب السبّ والشتم فلا نحفل بهم، ولا نقيم لهم وزناً، ولا نرد عليهم، ولا نقابل قولهم بمثله:
ومَنذا يعَضُّ الكلبَ إن عَضّهُ الكلبُ
بل نقنع من رضا الناس برضا عقلائهم وذوي الرأي فيهم:
إذا رَضِيَتْ عنّي كرامُ عَشيرتي ... فلا زال غَضباناً عليَّ لئامُها
هذا منطق المجمع وذاك منطق خصومه؛ ندعوهم إلى نقدنا النقد الصحيح فيسبّوننا السبّ البذيء، ونقول لهم: اعملوا ونحن معكم، فيقولون لنا: اعملوا أو لا تعملوا فنحن عليكم. فاحكموا -يا أيها القراء- بيننا. دلّونا على الرجل العالِم البليغ بين خصوم المجمع وأنا أناظره علَناً، وأعده أمامكم وعداً صادقاً أنني أخضع للحق إن ظهر أن معه الحقّ.
دلّونا على العاقل بينهم يأخذ على المجمع زلّة أو يخالفه في مسألة، يثبت أنه هو المصيب فيها ونحن المخطئون، لندَع خطأنا
стр. 766
ونعود إلى صوابه. يقولون: حفلة المازني. أنا لم أحضر الحفلة التي أقامها المجمع لتكريم المازني في دمشق ولكن إخواني حضروها، فقولوا لي ما الذي أخذتموه عليها حتى أميل معكم إلى الحقّ الذي تقولونه، أو تميلوا أنتم عن الباطل الذي تفترونه.
أما السبّ والشتم فنحن -والله- أقدر عليه لو أردناه، ولا يُعجِزنا إذن أن نكيل لهم الصاع سبعة أَصْوُع وأن نَحْطِمهم كما يحطم النسر أمة من الذباب بضربة من جناحه:
ولي فرَسٌ للحِلْمِ بالحِلْمِ مُلجَمٌ ... ولي فرسٌ للجهلِ بالجهلِ مُسرَجُ
فمَنْ رامَ تقويمي فإني مقوَّمٌ ... ومَنْ رامَ تعويجي فإني مُعَوَّجُ
ولكنّا لا نحب أن نعجّل عليهم بالشرّ، وما نحب أن نكون من الجاهلين.
على أن سبل النقد واضحة لمن يعرفها. وللنقد قواعد يُعتمَد عليها وآداب يُرجَع إليها، وفي المجمع كتّاب وفي المجمع شعراء، فهَلُمّوا انقدوا كتابتهم وشعرهم وبيّنوا مواضع النقص ومواطن الخطأ والانحراف فيها. وما كتبه خصوم المجمع إلى الآن ليس من النقد الفني في شيء، وإنما هو هجاء بذيء ولغط وهذَيان، وليس من النقد الفني ما جاء في مجلة «الدهور» على التخصيص، وما هو إلا مجموعة من الخطأ في الفكر واللحن في اللغة والركاكة في التعبير، وهو دليل على سوء النيّة وقلّة البضاعة، فاستحيوا فإن الحياء من الإيمان، واكتموا حسدكم
стр. 767
واكظموا غيظكم، واستروا نقدكم هذا كما تستر الهرّة ما يخرج منها وتغطّيه بالتراب ... ولعلّ الذي يخرج منها أقلّ نجساً وقبحاً من الذي يخرج من ألسنتكم وأقلامكم!
* * *
وكانت بدايةَ معركة هي إحدى المعارك القلمية الكثيرة التي خضت غمارها، وقد بقي عندي من الصحف التي فيها ما كتبت في هذه المعارك ما يملأ كتاباً كبيراً، أعددته للطبع وكنت أنوي أن أسَمّيه «مناظرات وردود» ثم آثرت ألاّ أخرجه للناس الآن. ولو كان تحت يدي ما كتبت في معركة المجمع هذه وما كتبوا لصوّرت المعركة للقراء، ولكني لم أجد الآن شيئاً من ذلك إلاّ صفحة مصفرّة قديمة من «القبس» عليها صورتي (في تلك الأيام)، وتحت الصورة كلمات قدّمت بها الجريدة لإحدى مقالاتي في هذه المعركة، وفوقها صورة إبراهيم طوقان الشاعر العبقري (عضو المجمع الأدبي) ومقطوعة شعرية له، وجدت مقدّمة المقالة ولم أجد المقالة نفسها.
* * *
ومن المعارك الصغيرة معركة كانت في تلك الأيام بيني وبين ماري ينّي، وهي أديبة فلسطينية أو لبنانية (لم أعُد أتذكّر) وأظنّ أنها كانت صاحبة مجلّة نسائية، وكان موضوع المناظرة أو المعركة «المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة». جادلتها بالتي هي أحسن وسُقت لها الأدلة والحُجَج، فلما رأيت أن ذلك كله لم يُفِد معها ملت إلى السخرية، فقلت لها (والمقالة منشورة في صحيفة
стр. 768
«ألف باء»): "الآن حصحص الحقّ وتبيّن أني أنا المخطئ وأنت «المُصيبة» (والدنيا لا تخلو من المصائب)، لذلك أرجع عما قلت إلى ما قلتِ أنت، وسأُعِدّ عريضة وأقف في رأس سوق الحميدية وأوقّعها من الرائح والغادي، وأرفعها إلى الحكومة لتأمر بتحقيق هذه المساواة الكاملة، وتُصدِر قانوناً مستعجَلاً يُلزِم الزوج أن يحبل سنة وتحبل المرأة سنة، ويُرضِع هو الطفل سنة وتُرضِع هي سنة؛ إذ لا يُعقَل ولا تتحقق المساواة بأن يعملا معاً في الإدارة أو في المصنع ويحمل كل منهما على عاتقه نصيبه من العبء، وتحمل هي فوقه في بطنها ما لا يحمل في بطنه مثله. وإلى أن يصدر هذا القانون ويُطبَّق فعلاً، أقطع هذه المناظرة معترفاً بأني قد انهزمت وأني غُلبتُ، وأنها هي التي غلبَت وانتصرَت".
* * *
هذا هو «المجمع الأدبي»: جمع أشتاتاً وضم نقائض، وحاول أن يخالف طبائع الأشياء فيمزج الزيت بالماء في سائل واحد متماسك مؤتلف.
وأين الآن أعضاؤه؟ أمّا أنور وجميل وزكي وطوقان فقد قدّموا للأدب العربي في هذا العصر أجمل ما قدروا عليه من شعر، ثم مضوا إلى حيث يمضي كل حيّ، وبقيَت أشعارهم تحت أنظار الناقدين والدارسين. وأمّا سليم الزِّرِكلي وهو الشاعر المجوّد، وسعيد الأفغاني الباحث الذي انتهت إليه الصدارة في علم النحو في الشام، ومنير العجلاني الأستاذ الأديب، وعلي الطنطاوي فهم باقون يسألون الله دوام العافية وحسن الخاتمة،
стр. 769
ومثلهم محمد الجيرودي وإن شغلَته المحاماة عن الأدب فهجره من قديم. وأمّا عفلق فتعرفون عنه ما يُغنيكم عن الكلام فيه، وكامل عياد شغلَته الفلسفة وتدريسها منذ كان، ما كان أديباً قط، وأنور حاتم سمعت أنه اليوم أستاذ للأدب الفرنسي في جامعة من أكبر جامعات فرنسا، أظن أنها جامعة ليون. عربي نصراني يعلّم الفرنسيين الأدب الفرنسي! وهو أنبغ مَن عرفت من أصحابنا في الفرنسية، ولقد اتفقنا مرّة أن أعلّمه العربية ويعلّمني الفرنسية، ولم نستمرّ على ذلك طويلاً. وممّن أتقن الفرنسية من أصحابنا ظافر القاسمي، وهو ابن أستاذ أساتذتنا الجمال القاسمي.
كان «المجمع الأدبي» تجرِبة مثل تجرِبة «الرابطة الأدبية» التي أشرت إليها في هذه الذكريات، ورجال المجمع أعرق -في الجملة- في الأدب وأقدر على النظم والكتابة من أعضاء الرابطة، حاشا الأجلاّء منهم: كسليم الجندي وخليل مَرْدَم وعزّ الدين التنوخي وأمثالهم، ولكن الرابطة أصدرت مجلّة حفظت بعض إنتاجها ونحن كتبنا في الصحف اليومية فلم تُحفَظ ولا حُفظنا.
وفي هذه السنة (١٩٣٣) كان حدث كبير في تاريخ الأدب العربي في هذا العصر، حدث مبارَك كانت له ثماره الطيبة وآثاره العظيمة، هو صدور مجلّة «الرسالة». وفي الحلقة القادمة -إن شاء الله- الكلام عن ذكرياتي عنها.
* * *
стр. 770
-٦٧ -
ظهور مجلّة «الرسالة»
كانت مصر في السنة التي أتكلم عنها (١٩٣٣) كالأرض العالية؛ ينزل الماء منها إلى ما دونَها ولا يصعد ممّا تحتها إليها، فالمطبوعات في مصر (من كتب ومجلاّت) تُقرأ في الشام (أي سوريا ولبنان وفلسطين) وفي العراق وفي جزيرة العرب، والمطبوعات في الشام تُقرأ في العراق والجزيرة ولكن قلّما تُقرأ أو تُعرَف في مصر، والمطبوعات في العراق لا تكاد -يومئذ- تصل إلى غيره، أما الجزيرة فلم تكن فيها مطبوعات تُذكَر، أمّا المغرب فقد قطع المستعمرون صلتَنا به فلا يصل إلينا شيء من مطبوعاته.
ولقد أمضيت أنا أكثر سِنِي دراستي الابتدائية والمتوسطة وأنا عاكف على كتب الأدب القديم، ما عرفت من الجديد إلاّ المنفلوطي الذي نشأنا على «نظراته»، أدمنت قراءتها حتى حفظتها، و «عبَراته» وما تُرجم له فكتبه بقلمه من القصص الفرنسية. وعرفت -كما قلت لكم- «مجلّة الرابطة الأدبية» التي صدرت في الشام نحو سنة ١٩٢٠ ومجلّة «الميزان» التي كان يُصدِرها أحمد شاكر
стр. 771
الكرمي. وعرفت شعر شوقي وحافظ والمطران من قديم، ولست أدري إلى الآن ما الذي جمع مطران بهما وحشره معهما، وما هو من طبقتهما ولا من أقرانهما، وما قرأت له عشرة أبيات متوالية يُقال لها «شعر»، حتى قصيدته المشهورة عن بَعْلَبكّ ما هي إلاّ تاريخ منظوم وأفكار تمشي على الأرض، ليس فيها ما يطير إلى جوّ الشعر! وعرفت شعراء مصر أو أكثرهم من كتاب الصديق الأستاذ أحمد عبيد «مشاهير شعراء العصر».
ثم فُتح أمامي الباب على مصراعيه، فعرفت من «الهلال» وأخواتها أو بناتها ومن السياسة الأسبوعية ومن غيرهما أكثرَ أدباء مصر، وقرأت كل كتب العقّاد يومئذ («المطالعات» و «ساعات بين الكتب» والديوان وغيرها)، وكنت وأنا طالب أُعجَب بفكره وأستفيد من سعة اطّلاعه ولكنْ لا أطرب كثيراً لأسلوبه. وقرأت كتب المازني: «حصاد الهَشيم» و «قَبْض الريح»، ورواية «ابن الطبيعة» التي ترجمها عن الإنكليزية لا عن أصلها الروسي، وكادت تؤثر في ديني وتُفسِد فكري لولا أن أنقذني الله من شرّها. وقرأت له «إبراهيم الكاتب» و «غريزة المرأة» التي سرقها أو اقتبسها أو قلّد فيها الكاتب الإنكليزي غالسورثي، ما بدّل إلاّ الأماكن، فبدلاً من ميدان طرف الغار (١) مثلاً في لندن وضع ميدان السيدة، وبدلاً من الأسماء الإنكليزية وضع لأشخاص الرواية أسماء عربية، وفضحه محمد علي حماد في جريدة البلاغ (كما أظن) فنشر النص الأصلي من الرواية الإنكليزية في عمود وإلى
стр. 772
جانبه -في عمود آخر في الجريدة- نصّ رواية المازني. كما أخذ صفحات كثيرة من قصّة «ابن الطبيعة» (واسمها الأصلي «سانين») فوضعها في قصّته «إبراهيم الكاتب»! وللمازني أقصوصة على صورة حوار مع صحفي سأله فيها عن قصة حياته، فخبّره أنه كان له أخ وكانا توأمين فغرق أحدهما فمات ولم يدرِ: هل الذي غرق هو أو أخوه، إلخ. وقد وجدتها بذاتها بعد وقت طويل للكاتب الأمريكي الفَكِه مارك توين، سرقها منه المازني كما هي.
على أني أحببت المازني وكنت أطرب لأسلوبه وفكاهته وسخريته، وتأثرت به حيناً وحاولت تقليده، ولكن من أين لي خفّة روحه؟ وإنْ كان يؤذيني منه تهاونه بأمر دينه وكلامه عن شرب الخمر كأنه يتكلم عن شرب الشاي. وسواء لديّ أشربها أم كان على طريقة الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون، فالمهمّ عندي أثر ما يكتب الكاتب في نفوس القراء، وعليه أن يذكر أن الله سائله عنه. أمّا الرافعي فكنّا نقدمه يومئذ ونتعصب له ولا نُؤْثر عليه أحداً. وقد تبدّل نظري الآن إلى أسلوبه كما تغيّر حكمي على كثير ممّن كنت أقرأ لهم في شبابي.
أمّا طه حسين فقد عرفته من قديم، وشهدت في مصر لمّا كنت في دار العلوم سنة ١٩٢٨ طرفاً من معركة «الشعر الجاهلي». وأذكر أنه لما شكّك طه حسين في امرئ القيس والمجنون كتب المازني (سنة ١٣٤٥هـ) مقالة عنوانها «طه في ميزان التشكيك» قال فيها: لنفرض أن مؤرّخاً في القرن الثالث والعشرين -مثلاً- تناول حياة الدكتور بمثل تمحيصه وتحقيقه العلمي، فهل تكون النتيجة إلاّ كما يأتي: يزعمون أن رجلاً اسمه الدكتور طه حسين
стр. 773
عاش بمصر في أُولَيات القرن العشرين، وأنه صاحب هذه الكتب المختلفة التي نسبوها إليه ونحلوه إياها، ولكن ما اطّلعت عليه ممّا يُعزى له يحملني على التردّد بين رأيين: أحدهما أن يكون هناك أناس كثيرون يَتَسَمّون باسم طه حسين، وثانيهما أن يكون هذا اسماً استعاره فرد أو عدة أفراد لِما كتبوه ونشروه. ذلك أنه -على ما روي- أزهريّ النشأة، والأزهر هذا جامعة إسلامية كبرى يلبس طلابها الجبّة والقفطان والعمامة، وأنه كان في صدر أيامه يكتب في صحيفة يومية اسمها «الجريدة»، ولكني راجعت مجموعة هذه الجريدة في دار الكتب فألفيت أحد أدباء ذلك العصر واسمه عبد الرحمن شكري يسمّيه طه أفندي حسين. فهل طه أفندي حسين هو عين الشيخ طه حسين؟ ولا شك أن شكري يعرف طه حسين فقد كانت بينهما ملاحاة، يدلّ على ذلك قصيدة نشرتها «الجريدة» بإمضاء طه حسين مطلعها:
قُلْ لشكري فقدْ غلا وتمادى ... بعضُ ما أنت فيهِ يَشفي الفؤادا
وممّا يضاعف الشكّ في أنهما شخص واحد أن الشعر لم يكن من أدوات الشيخ طه حسين. ويُعزى إلى طه حسين (ولا أدري أيهما؟) مقال، بل عدة مقالات يدعو فيها إلى تغيير الهجاء ورسم الكلمات، فهل كان الداعي لهذا والمُلِحّ فيه الشيخ طه أو طه أفندي؟ أمّا الشيخ طه فكان -على ما يقولون- مكفوف البصر، وكان في ذلك الوقت طالباً بالأزهر، ومن المعلوم أن طلبة الأزهر كانوا من المحافظين ومن أشد الناس استنكاراً للبدع. زِدْ على ذلك أنه ضرير، وما اهتمام الضرير برسم الكلمات؟ ...
стр. 774
فالأرجح أن هناك شخصين اسم كل منهما طه حسين: أفندي مبصر وشيخ ضرير. والآن من هو الدكتور طه حسين صاحب «حديث الأربعاء»: أهو الشيخ أم الأفندي، أم شخص ثالث؟
* * *
ويمضي المازني في المقالة على هذا السَّنن، ويقارن بين أسلوب الشيخ طه حسين في كتابه «ذكرى أبي العلاء» وينقل عنه قوله: كان أبو العلاء يحرص أشدّ الحرص على أن يُخفي نفسه على القارئ، ولكن شخصه يأبى إلاّ الظهور، وكان يلقي بينه وبين القارئ أستاراً صَفيقة من غريب اللفظ وحُجُباً كثيفة من ثقيل السجع ويُقيم حوله أسواراً منيعة من المباحث اللغوية، ولكن عواطفه الحادّة تأبى إلاّ أن تخترق هذه الموانع كافة لتصل إلى قلب القارئ، إلخ. وهو أسلوب لاشذوذ فيه كما ترى، ولكن اقرأ الآن الفقرة الآتية من كلام «الدكتور» طه حسين في نفس الموضوع أو المعنى، قال: ذلك أن أبا العلاء كان -كما تعلم- من أشد الناس إيثاراً للغريب وتهالكاً عليه، ثم كان أبو العلاء إلى هذا (فيما أعتقد أنا) يتكلّف الغريب ويتعمّده ليصدّ عامة الناس وجُهّالهم، سواء في ذلك العلماء وغير العلماء، عن قراءته والظهور على ما فيه، إلخ.
ومقالة المازني هذه طريفة، يستطيع من شاء من القراء الرجوع إليها والإطّلاع عليها.
* * *
стр. 775
أقول: إنني كنت كما كان إخواني وأمثالي يعرفون سنة ١٩٣٣ كل شيء عن مصر وأدباء مصر ورجال مصر والأحزاب في مصر، ولكن أهل مصر لم يكونوا (إلاّ نفراً منهم) يعرفون عنّا شيئاً. ولا يغضبْ أحدٌ من هذا الكلام ولا يعتبْ أحد، فأنا أسجّل تاريخاً وأكتب عمّا كان، لا أكتب عن مصر وأبنائها الآن، فقد هدّوا اليوم السور الذي كانوا يحبسون أنفسهم وسطه وانطلقوا في البلدان، فلهم في كلّ بلد وجود وفي كلّ مكان أثر طيّب محمود. وإنما أتكلم عمّا كان قبل خمسين سنة، وسيمرّ بكم في هذه الذكريات أنها لمّا وُحِّدت محكمتا النقض في سوريا ومصر أيام الوحدة وذهبنا لعقد الجمعية العمومية للمحكمة في القاهرة (وكنت مستشاراً فيها) قلت هذا الكلام في خطبة في نادي القضاة، وضربت أمثلة واقعة ممّا كان من جهل المصريين يومئذ بأحوالنا في الشام وفي العراق. ما كان أكثرهم يفرّق بوضوح بين سوريا ولبنان وفلسطين، كلها بَرّ الشام وكلهم إخواننا العرب، كما أننا -في الشام- لم تكن في أذهاننا صورة واضحة عن طرابلس وتونس والجزائر والمغرب، كلها بلاد المغرب وكلهم إخواننا المغاربة.
وما ذلك بذنبنا ولا ذنب المصريين، ولكنه أثر الاستعمار، فلما زال الاستعمار (أعني الاستعمار العسكري) صار من المصريين مَن هو أعرف ببلدي وبلاد العرب مني ومن أهل تلك البلاد. ومصر بلد الأزهر لا تعيش بغير العرب، والعرب لا يعيشون بغير مصر، ونحن ومصر لا نعيش ولا نعتزّ ولا نَقوى ولا نَشْرُف إلاّ بالإسلام، فإنْ أعرضنا عنه فلا شرف لنا بل ولا وجود.