الكرمي. وعرفت شعر شوقي وحافظ والمطران من قديم، ولست أدري إلى الآن ما الذي جمع مطران بهما وحشره معهما، وما هو من طبقتهما ولا من أقرانهما، وما قرأت له عشرة أبيات متوالية يُقال لها «شعر»، حتى قصيدته المشهورة عن بَعْلَبكّ ما هي إلاّ تاريخ منظوم وأفكار تمشي على الأرض، ليس فيها ما يطير إلى جوّ الشعر! وعرفت شعراء مصر أو أكثرهم من كتاب الصديق الأستاذ أحمد عبيد «مشاهير شعراء العصر».
ثم فُتح أمامي الباب على مصراعيه، فعرفت من «الهلال» وأخواتها أو بناتها ومن السياسة الأسبوعية ومن غيرهما أكثرَ أدباء مصر، وقرأت كل كتب العقّاد يومئذ («المطالعات» و «ساعات بين الكتب» والديوان وغيرها)، وكنت وأنا طالب أُعجَب بفكره وأستفيد من سعة اطّلاعه ولكنْ لا أطرب كثيراً لأسلوبه. وقرأت كتب المازني: «حصاد الهَشيم» و «قَبْض الريح»، ورواية «ابن الطبيعة» التي ترجمها عن الإنكليزية لا عن أصلها الروسي، وكادت تؤثر في ديني وتُفسِد فكري لولا أن أنقذني الله من شرّها. وقرأت له «إبراهيم الكاتب» و «غريزة المرأة» التي سرقها أو اقتبسها أو قلّد فيها الكاتب الإنكليزي غالسورثي، ما بدّل إلاّ الأماكن، فبدلاً من ميدان طرف الغار (١) مثلاً في لندن وضع ميدان السيدة، وبدلاً من الأسماء الإنكليزية وضع لأشخاص الرواية أسماء عربية، وفضحه محمد علي حماد في جريدة البلاغ (كما أظن) فنشر النص الأصلي من الرواية الإنكليزية في عمود وإلى
стр. 772
جانبه -في عمود آخر في الجريدة- نصّ رواية المازني. كما أخذ صفحات كثيرة من قصّة «ابن الطبيعة» (واسمها الأصلي «سانين») فوضعها في قصّته «إبراهيم الكاتب»! وللمازني أقصوصة على صورة حوار مع صحفي سأله فيها عن قصة حياته، فخبّره أنه كان له أخ وكانا توأمين فغرق أحدهما فمات ولم يدرِ: هل الذي غرق هو أو أخوه، إلخ. وقد وجدتها بذاتها بعد وقت طويل للكاتب الأمريكي الفَكِه مارك توين، سرقها منه المازني كما هي.
على أني أحببت المازني وكنت أطرب لأسلوبه وفكاهته وسخريته، وتأثرت به حيناً وحاولت تقليده، ولكن من أين لي خفّة روحه؟ وإنْ كان يؤذيني منه تهاونه بأمر دينه وكلامه عن شرب الخمر كأنه يتكلم عن شرب الشاي. وسواء لديّ أشربها أم كان على طريقة الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون، فالمهمّ عندي أثر ما يكتب الكاتب في نفوس القراء، وعليه أن يذكر أن الله سائله عنه. أمّا الرافعي فكنّا نقدمه يومئذ ونتعصب له ولا نُؤْثر عليه أحداً. وقد تبدّل نظري الآن إلى أسلوبه كما تغيّر حكمي على كثير ممّن كنت أقرأ لهم في شبابي.
أمّا طه حسين فقد عرفته من قديم، وشهدت في مصر لمّا كنت في دار العلوم سنة ١٩٢٨ طرفاً من معركة «الشعر الجاهلي». وأذكر أنه لما شكّك طه حسين في امرئ القيس والمجنون كتب المازني (سنة ١٣٤٥هـ) مقالة عنوانها «طه في ميزان التشكيك» قال فيها: لنفرض أن مؤرّخاً في القرن الثالث والعشرين -مثلاً- تناول حياة الدكتور بمثل تمحيصه وتحقيقه العلمي، فهل تكون النتيجة إلاّ كما يأتي: يزعمون أن رجلاً اسمه الدكتور طه حسين
стр. 773
عاش بمصر في أُولَيات القرن العشرين، وأنه صاحب هذه الكتب المختلفة التي نسبوها إليه ونحلوه إياها، ولكن ما اطّلعت عليه ممّا يُعزى له يحملني على التردّد بين رأيين: أحدهما أن يكون هناك أناس كثيرون يَتَسَمّون باسم طه حسين، وثانيهما أن يكون هذا اسماً استعاره فرد أو عدة أفراد لِما كتبوه ونشروه. ذلك أنه -على ما روي- أزهريّ النشأة، والأزهر هذا جامعة إسلامية كبرى يلبس طلابها الجبّة والقفطان والعمامة، وأنه كان في صدر أيامه يكتب في صحيفة يومية اسمها «الجريدة»، ولكني راجعت مجموعة هذه الجريدة في دار الكتب فألفيت أحد أدباء ذلك العصر واسمه عبد الرحمن شكري يسمّيه طه أفندي حسين. فهل طه أفندي حسين هو عين الشيخ طه حسين؟ ولا شك أن شكري يعرف طه حسين فقد كانت بينهما ملاحاة، يدلّ على ذلك قصيدة نشرتها «الجريدة» بإمضاء طه حسين مطلعها:
قُلْ لشكري فقدْ غلا وتمادى ... بعضُ ما أنت فيهِ يَشفي الفؤادا
وممّا يضاعف الشكّ في أنهما شخص واحد أن الشعر لم يكن من أدوات الشيخ طه حسين. ويُعزى إلى طه حسين (ولا أدري أيهما؟) مقال، بل عدة مقالات يدعو فيها إلى تغيير الهجاء ورسم الكلمات، فهل كان الداعي لهذا والمُلِحّ فيه الشيخ طه أو طه أفندي؟ أمّا الشيخ طه فكان -على ما يقولون- مكفوف البصر، وكان في ذلك الوقت طالباً بالأزهر، ومن المعلوم أن طلبة الأزهر كانوا من المحافظين ومن أشد الناس استنكاراً للبدع. زِدْ على ذلك أنه ضرير، وما اهتمام الضرير برسم الكلمات؟ ...
стр. 774
فالأرجح أن هناك شخصين اسم كل منهما طه حسين: أفندي مبصر وشيخ ضرير. والآن من هو الدكتور طه حسين صاحب «حديث الأربعاء»: أهو الشيخ أم الأفندي، أم شخص ثالث؟
* * *
ويمضي المازني في المقالة على هذا السَّنن، ويقارن بين أسلوب الشيخ طه حسين في كتابه «ذكرى أبي العلاء» وينقل عنه قوله: كان أبو العلاء يحرص أشدّ الحرص على أن يُخفي نفسه على القارئ، ولكن شخصه يأبى إلاّ الظهور، وكان يلقي بينه وبين القارئ أستاراً صَفيقة من غريب اللفظ وحُجُباً كثيفة من ثقيل السجع ويُقيم حوله أسواراً منيعة من المباحث اللغوية، ولكن عواطفه الحادّة تأبى إلاّ أن تخترق هذه الموانع كافة لتصل إلى قلب القارئ، إلخ. وهو أسلوب لاشذوذ فيه كما ترى، ولكن اقرأ الآن الفقرة الآتية من كلام «الدكتور» طه حسين في نفس الموضوع أو المعنى، قال: ذلك أن أبا العلاء كان -كما تعلم- من أشد الناس إيثاراً للغريب وتهالكاً عليه، ثم كان أبو العلاء إلى هذا (فيما أعتقد أنا) يتكلّف الغريب ويتعمّده ليصدّ عامة الناس وجُهّالهم، سواء في ذلك العلماء وغير العلماء، عن قراءته والظهور على ما فيه، إلخ.
ومقالة المازني هذه طريفة، يستطيع من شاء من القراء الرجوع إليها والإطّلاع عليها.
* * *
стр. 775
أقول: إنني كنت كما كان إخواني وأمثالي يعرفون سنة ١٩٣٣ كل شيء عن مصر وأدباء مصر ورجال مصر والأحزاب في مصر، ولكن أهل مصر لم يكونوا (إلاّ نفراً منهم) يعرفون عنّا شيئاً. ولا يغضبْ أحدٌ من هذا الكلام ولا يعتبْ أحد، فأنا أسجّل تاريخاً وأكتب عمّا كان، لا أكتب عن مصر وأبنائها الآن، فقد هدّوا اليوم السور الذي كانوا يحبسون أنفسهم وسطه وانطلقوا في البلدان، فلهم في كلّ بلد وجود وفي كلّ مكان أثر طيّب محمود. وإنما أتكلم عمّا كان قبل خمسين سنة، وسيمرّ بكم في هذه الذكريات أنها لمّا وُحِّدت محكمتا النقض في سوريا ومصر أيام الوحدة وذهبنا لعقد الجمعية العمومية للمحكمة في القاهرة (وكنت مستشاراً فيها) قلت هذا الكلام في خطبة في نادي القضاة، وضربت أمثلة واقعة ممّا كان من جهل المصريين يومئذ بأحوالنا في الشام وفي العراق. ما كان أكثرهم يفرّق بوضوح بين سوريا ولبنان وفلسطين، كلها بَرّ الشام وكلهم إخواننا العرب، كما أننا -في الشام- لم تكن في أذهاننا صورة واضحة عن طرابلس وتونس والجزائر والمغرب، كلها بلاد المغرب وكلهم إخواننا المغاربة.
وما ذلك بذنبنا ولا ذنب المصريين، ولكنه أثر الاستعمار، فلما زال الاستعمار (أعني الاستعمار العسكري) صار من المصريين مَن هو أعرف ببلدي وبلاد العرب مني ومن أهل تلك البلاد. ومصر بلد الأزهر لا تعيش بغير العرب، والعرب لا يعيشون بغير مصر، ونحن ومصر لا نعيش ولا نعتزّ ولا نَقوى ولا نَشْرُف إلاّ بالإسلام، فإنْ أعرضنا عنه فلا شرف لنا بل ولا وجود.
стр. 776
ما كانوا يعرفون في مصر من أدباء الشام إلاّ قليلاً، ممّن عاشوا فيها أو كتبوا في صحفها، أمثال كرد علي والمغربي ورفيق العظم ورشيد رضا وشكيب أرسلان ومحبّ الدين الخطيب، ثم خير الدين الزركلي وعادل زعيتر وإسعاف النشاشيبي وصاحب جريدة «الشورى» محمد علي الطاهر، ولست أحصيهم ولكن أمثّل لهم بمن خطرت على بالي الآن أسماؤهم.
وكانت أكثر الصحف يملكها ناس من نصارى الشام كالأهرام والمقطَّم والمقتطَف والهلال، حتى أنشأ الشيخ علي يوسف جريدة «المؤيّد» ومصطفى كامل «اللواء». وكانت أكثر دور النشر لشاميين تمَصّروا؛ كدار الهلال، ودارَي الخانجي والبابي الحلبي اللتين نشرتا من المخطوطات ما يملأ مكتبة كاملة، ثم الشيخ منير الدمشقي وحسام الدين القدسي، وقبلهما دار المنار والمطبعة السلفية لمحبّ الدين، التي خلّصت المؤلّفين من هذا المرض الذي نحسّ أوجاعه ولا نجد الدواء له، مرض الأخطاء المطبعية التي طالما فكّرت -من غيظي منها- أن أدع كتابة هذه الذكريات والفتاوى وأن أحرّم على نفسي النشر في الصحف! كانت «السلفية» (كما كانت قبلها «الأميرية» ببولاق) دار الأمان من الأخطاء، لأن خالي محبّ الدين كان يصحّح تجارِب الطبع بنفسه، والأميرية كان يصحّح فيها أكابر علماء مصر كالشيخ نصر الهوريني صاحب «المطالع النصرية».
أقول: إن مصر كانت هي الميدان المنوَّر، من أحب أن يُرى مكانه ذهب إليها أو نشر آثاره فيها، حتى إن الممثلين والموسيقيين لا يُعرَفون إلاّ إنْ عرفت بهم مصر، يأتونها مغمورين فتجعلهم
стр. 777
مشهورين: نجيب الريحاني (من الموصل)، جورج أبيض، أنور وجدي (من دمشق)، وقبلهم أبو خليل القبّاني (من دمشق) وسعاد محمد وفايزة وبديعة، وبنات الخطاط حسني البابا الدمشقي: نجاة وسعاد وغيرهن. فما أحبّ أن أكون داعية للمغنيات، وإن ذكرت مَن ذكرت فللتاريخ لا لتمجيدهنّ ولا ليكنّ قدوة يُقتدى بهنّ.
* * *
وكان الحدث الذي عرّف مصر بأدباء الأقطار العربية وزادهم معرفة بأدبائها هو إنشاء مجلّة «الرسالة». ولقد كتب كثيرون عن الرسالة، ولكن لم يُكتب بعدُ التاريخ المرجوّ لها. وتحت يدي كتاب عن «الزيات والرسالة» أهداه إليّ الأستاذ الرفاعي وهو الذي نشره، فيه الكثير ولكن الذي فات مؤلّفَه أكثر. ولست ألومه فقد بذل فيه جهده وأودعه كل ما بلغته يده، ولكنه وُلد بعد إنشاء الرسالة بثلاث سنوات كما كتب على غلاف كتابه، ولما أُغلقت كان يدرس في المدرسة مع الطلاب، ولو أنه مشى معها (مثلي) طريقَها كله، وكتب فيها طول عمرها، وتسلم الإشراف عليها شهوراً طويلة من سنة ١٩٤٧، وعرف كتّابها وشهد معاركها، لكان كتابه عنها أجمل وأجمع. وله مع ذلك الشكر والتقدير.
عرفت الزيات قبل الرسالة فيمن عرفت من أدباء مصر، قراءة لهم لا لقاء بهم. ولما صدر كتابه في تاريخ الأدب كنّا في سنة البكالوريا فقرأناه وفضلناه على «الوسيط»، وقرأت له «آلام فرتر» و «رافائيل»، وبلغ إعجابي بهما وحبي لهما الغاية لأني كنت في طَراءة الشباب وتيقّظ العاطفة وتفتّح النفس، وطربت لأسلوبهما
стр. 778
الذي قلت (ولا أزال أقول) إنه نموذج للترجمة الأدبية، وإن تبيّن لي لمّا قرأنا الأدب الفرنسي أنه لم يلتزم نقل ما كتب مؤلّفا القصتين. ولا يضرّه إن لم يلتزمه، ولو ترجمها ترجمة حرفية كما يفعل التراجمة الآن لأسقطهما وأذهب بهاءهما ومسخهما.
وعرفت الزيات لما مرّ بدمشق وألقى في المجمع العلمي محاضرة عن «ألف ليلة وليلة»، ولكني لم ألقَه.
وأنا لم آتِ «الرسالة» مبتدئاً، بل لقد كنت لمّا جئتها كاتباً معروفاً في بلدي، نشرت مئات (مئات حقاً لا مبالغة) من المقالات في السياسة وفي الحماسة وفي النقد وفي القصص التاريخي وفي المناظرات، حتى في المسرح. ولست أنكر فضلها عليّ ولكن لا أحب أن أبخس نفسي حقها، فإذا عُدّ مَن تخرج في الرسالة، أي من بدأ منها وفيها، فلست منهم، وإن كان للرسالة ولصاحبها أكبر الفضل عليّ؛ فقد فتح لي صدره واتخذني أخاً وولداً له، واتخذتُه أستاذاً ووالداً أو أخاً كبيراً، ولم أرَ منه على طول ما صحبتُه في العمل وفي النزهة وفي زياراتِ مَن أخذني لزيارتهم وفي مجالس المفاكهة أو المجادلة في مصر، وفي دمشق وفي قراها وجبالها لمّا أخذته أنا وأنور ﵀ ورحمه) إليها، لم أرَ منه إلاّ أطيب الخلق وأنظف اللفظ وأجمل المعاشرة. لقد كان صادق الودّ، عفّ اللسان، صافي الجنان.
ما كنت أول من نشر في الرسالة من أدباء الشباب في الشام؛ لقد كتب فيها قبلي من إخواننا سامي الدهّان وأنور العطّار وحلمي اللحّام وجميل سلطان، ﵏، وأخي ناجي نشر فيها قبلي
стр. 779
ترجمة شعرية لقصيدة للشاعر الفرنسي أندره شينيه عنوانها «اللقاء العجيب»، وخليل هنداوي.
ولا تؤاخذوني إن ذكرت حقيقة فيها مدح لنفسي، فأنا أعلم أن أثقل كلام على أذن السامع ما فيه ثناء من المتكلّم نفسه، ولكنني أسجّل حقائق مكتوبة منشورة مَن طلبها وجدها، لا أخترعها ولا أدّعيها. ذلك أن الزيات ﵀ -بأستاذيته وخبرته- كان يجعل لمن يكتب في الرسالة درجات، فمنهم من ينشر اسمه مجرداً بلا لقب، ومن يلقّبه بالأديب، ومن يقول عنه الأستاذ. وكل الذين نشروا قبلي في الرسالة كتب أسماءهم مجردة إلاّ أنور العطّار، لقّبه حيناً بشاعر الشباب السوري ثم أعاده إلى الاسم المجرد، وأنا كتب عني (ولا مؤاخذة) من أول يوم «للأستاذ فلان»، وكان يضع مقالتي بعد الطبقة الأولى من الكتّاب الكبار مباشرة، وأول من أخذ من الرسالة مكافأة مالية على مقالاته بعد الرافعي والعقّاد وطه حسين وأمثالهم هو كاتب هذه الذكريات.
نُشرَت أول مقالة لي في العدد الثاني والعشرين (١٦ شعبان ١٣٥٢)، وكان عنوانها «سؤال». قلت فيها:
إذن فأخبرني يا سيدي: هل تنشر الآثار -إذ تنشرها في «رسالتك» - لأنها وافقت خطّة معروفة اختَطّتها لنفسها الرسالة في الأدب، وطريقة معيّنة اتخذَتها، أم أنت تنشر كل جيّد يُبعَث به إليك، لا تبالي منه إلاّ بشرف القول وحسن الأداء والبلاغة في التعبير عن القصد؟ وهل تفعل هذا إلى أمد قريب ثم تطلع على الناس بخُطّتك الأدبية وتحمل كتّابك عليها، أم أنت تفعله
стр. 780
أبداً؟ ثم أخبرني: ألا ترى أن الأدب العربي قد شبّ ولم يعُد طفلاً يدلَّل ويرقّص، وأن الإيمان به قد خالط قلوب الأدباء فلم يعودوا من المؤلَّفة قلوبهم الذين يُسترضَون ويُعطَون لئلاّ يَجنحوا إلى الردّة بعد الإيمان؟ وأن من مصلحة هذا الأدب أن يتفق طائفة من شيوخه وقادته على مذهب واحد فيه، ثم يعلنوا هذا المذهب للناس ليتبعوه ويؤثروه؟ ومذاهب الأدب كثيرة، ولكنا منها بين اثنين: مذهب «الأدب للفن» ومذهب «الأدب للحياة». أنعمل وغايتنا «الجمال الفني» وحده، وسواء لدينا أكان هذا الجمال في مقطوعة ماجنة أم قصّة مفسدة أم مقالة ملحدة، وسواء لدينا ... أم نعمل وغايتنا تسخير الأدب للقضية الكبرى، واتخاذه أداة لتحقيقها ووسيلة من وسائل الإصلاح، الإصلاح الأخلاقي والسياسي والاجتماعي؟ أوَلا ترى -ياسيدي- أن هناك حقيقة أسمى من الحقيقة الفنية (إن كان للفن حقيقة)؟ وأنه لا يجوز أن نقول بمقالة بعض الفرنجة «الفن للفن» لأن هذا هو القياس مع الفارق، ولأن لأولئك مدافع وأساطيل وكياناً واستقلالاً، ونحن قوم يبنون لأنفسهم كِياناً واستقلالاً، فيجب أن نجمع قُوانا كلها على هذا البناء وأن نجعل الأدب في مقدّمة هذه القوى ...
إلى آخر ما جاء في المقال الذي صيغ صياغة السؤال. وكنت أريد به أن تكون «الرسالة» من المجلاّت الملتزمة، لا بما تُلزِمها به أهواء الحكّام أو شهوات القراء أو أسباب الرّواج، بل تلتزم بألاّ تنشر ما ينافي الدين وما ينافي الخلق الكريم وما يعارض الحقّ والعدل.
стр. 781
وقد علّق عليها الأستاذ الزيات بهذه الكلمة: يسأل الأستاذ الفاضل: أتنشر الرسالة ما تنشر من الأدب لأنه يسير في طريقها المرسومة إلى غايتها المعلومة، أم تنشره لأنه امتاز بشرف القول وبلاغة العرض وحسن الأداء؟ ثم يصوغ هذا السؤال صيغة فنية فيقول: أنعمل وغايتنا الأدب أم نعمل وغايتنا الأدب للحياة، إلخ.
(إلى أن قال): أمّا خطّة «الرسالة» وغايتها فلعل الأستاذ يذكر أننا رسمناها في استهلال العدد الأول منها، وما نشرنا ولن ننشر إلاّ ما يساير هذه الخطّة بوجه من الوجوه، نقول بوجه من الوجوه لأن القول بأن «يتفق طائفة من شيوخ الأدب ...» قول تأباه الطبيعة وتنكره أصول الفطرة، إلخ.
(إلى أن قال): وهذه جملة قصيرة من الجواب، أما سائر الجواب فستقرؤونه مفصَّلاً في العدد المقبل.
* * *
وفي العدد الثالث والعشرين كتب الأستاذ أحمد أمين مقالة مطوَّلة عنوانها «جواب على سؤال»، قدّم لها الأستاذ الزيات بكلمة قال فيها: وجّه الأستاذ علي الطنطاوي في العدد الماضي إلينا وإلى كتّاب الرسالة سؤالاً خلاصته (وذكر خلاصة السؤال)، وقد أجبنا عن بعضه وتفضّل صديقنا الأستاذ أحمد أمين فأجاب تفصيلاً عن البعض الآخر.
وقال الأستاذ أحمد أمين: لك الحقّ -يا أخي- أن تصرخ ونصرخ معك في وجه زعماء الأدب العربي، طالبين أن يلتفتوا
стр. 782
إلى الأدب القومي ويُكثِروا القول فيه، فالعالَم العربي كله يجيش صدره بآلام وآمال، والأدب يجب أن يعبّر عن هذه الآلام والآمال بأسلوبه الرشيق وعواطفه القوية وخياله الرائع، إلخ. (إلى أن قال): ثم التفَتوا إلى الأدب القديم فلم يجدوا فيه غذاءهم كافياً، ليس فيه شعر يتغنّى بالحرية كما نودّ ولا بالقومية كما نحبّ ... (إلى أن قال): فلك الحقّ أن تطلب من الزعماء وأن تطلب من «الرسالة» أن تدعو الكتّاب والشعراء أن يلتفتوا إلى مواطن النقص فيكملوها ... لك الحقّ أن تنعى على الأدباء أن أكثرهم لم يتّجه هذا الاتجاه إلاّ قليلاً. وإلاّ فأين هو أدبنا القومي؟ وأين التغنّي بمناظر طبيعتنا؟ وأين الروايات الاجتماعية تصفنا؟
(إلى أن قال): وبعد، فموقف الرسالة -كما أفهم من مبادئها- يجب أن يكون الدعوة إلى تكميل النقص في الأدب العربي. وأن يكون موقفها -فوق الموقف الأدبي- موقف المصلح؛ فترفض أن تنشر الأدب الساقط المرذول المضعف للخلق المفسد للرجولة، إلخ. ويجب أن تكون بجانب دعوتها إلى الإصلاح سجلاًّ للنزعات الأدبية مع اختلاف أنواعها، ما لم تكن النزعة مستهتِرة تُميط قناع الحياء وتخرق حجاب الحشمة. وأخيراً لك الشكر -يا أخي- على ما حوى كتابك من غيرة صادقة وعاطفة نبيلة، وما أثرتَ من موضوع يستحقّ العناية ويدعو إلى طول التفكّر. أحمد أمين.
والمقالة منشورة كلها في الجزء العاشر من كتابه «فيض الخاطر».
* * *
стр. 783
حاشية: سألني سائل: هل قرأت على الكوثري الذي قلت عنه «أستاذنا»، وهل أنت معه في كلّ ما كتب؟
والجواب: لا؛ ما قرأت عليه، ولكن قلت عنه «أستاذنا» لأني استفدت من علمه ولأنه كان السبب في طبع «رسائل الإصلاح»، وهي أول ما كتبتُ. ولست معه في كلّ ما كتب ولا مع غيره؛ أنا لا أمشي مع أحد أبداً مغمض العينين، بل آخذ من كل عالِم وأدَع، إلاّ قول الله وما صحّ من قول رسول الله ‘، آخذه كله وأسأل الله أن يعينني على العمل به.
والكوثري -كغيره- يصيب ويخطئ، ولكني قدّرتُه لعلمه ولِمَا أحسنَ إليّ. ولم يجمعني به إلاّ بضعة مجالس في دمشق، ومجلس في مصر خرجت منه مخالفاً له في كلام قاله عن ابن تيمية ... بعد أن تحررت من كره ابن تيمية في صباي بتأثير بعض مشايخي، ثم من الإفراط في حبه بتأثير خالي محبّ الدين وأستاذي كرد علي، ثم العودة إلى الانصراف عنه بتأثير الكوثري، ثم الرجوع إلى الإقبال عليه بتأثير شيخنا بهجة البيطار، ثم تحررت من هذا كله ونظرت إليه بعين الإنصاف فرأيت عظيم مزاياه وواسع علمه، وأنه لو سبق به الزمان لكان أحد الأئمة المتبوعين. وبقيَت مسائل مما يقول به لم أستطع إلى الآن قبولها، وكل عالِم يؤخَذ منه ويُترَك إلاّ ما بيّن فيه حكم الله وأيد بيانه بالدليل القطعي.
* * *
стр. 784
المحتويات
الحلقة (٣٩) رسائل «سيف الإسلام» ... ٥
الحلقة (٤٠) في اللجنة العليا لطلاّب سوريا ... ١٥
الحلقة (٤١) في المقاومة الوطنية ... ٢٧
الحلقة (٤٢) دمشق، صُوَر من جمالها وعِبَر من نضالها ... ٤١
الحلقة (٤٣) جريدة «الأيام» ... ٥٣
الحلقة (٤٤) أطفال الصّحراء ... ٦٧
الحلقة (٤٥) من الصّحافة إلى التعليم ... ٧٩
الحلقة (٤٦) أمّي وأبي ... ٩٣
الحلقة (٤٧) يوم ماتت أمّي ... ١٠٥
الحلقة (٤٨) هنا مسقط رأسي وهنا قبر أبي وأمّي ... ١٢١
الحلقة (٤٩) مآتم الشام وكيف كان مأتم أمّي ... ١٣٥
الحلقة (٥٠) المدرسة الصيفية ومجلة البعث ... ١٥١
الحلقة (٥١) الدعوة إلى العقال ... ١٦٣
الحلقة (٥٢) ذكريات عن الأساتذة والمشايخ ... ١٧٣
الحلقة (٥٣) ذكريات عن الجامعة والامتحانات ... ١٨٩
الحلقة (٥٤) فارس الخوري ... ٢٠٣
الحلقة (٥٥) مع أستاذنا شفيق جبري ... ٢١٧
الحلقة (٥٦) في سَلَمْيَة ... ٢٣١
стр. 785
الحلقة (٥٧) في مدرسة سَلَمْيَة ... ٢٤٥
الحلقة (٥٨) العودة إلى دمشق ... ٢٥٩
الحلقة (٥٩) بَرَدى والغوطة ... ٢٧٧
الحلقة (٦٠) جلسة في مقهى (في صورة قديمة) ... ٢٩٣
الحلقة (٦١) في مدرسة سَقْبا ... ٣٠٧
الحلقة (٦٢) دفاع عن فلسطين ... ٣٢٣
الحلقة (٦٣) الشعر والأدب عند أساتذتنا ورفقائنا ... ٣٣٧
الحلقة (٦٤) من أصعب الأيام في حياتي ... ٣٤٩
الحلقة (٦٥) من سَقْبا في بطن الغوطة
... إلى رَنْكوس في رأس الجبل ... ٣٦٣
الحلقة (٦٦) المَجْمَع الأدبي في دمشق ... ٣٧٧
الحلقة (٦٧) ظهور مجلّة «الرسالة» ... ٣٩١
стр. 786
من آثار المؤلف
١ ـ أبو بكر الصديق ... ١٩٣٥
٢ ـ قصص من التاريخ ... ١٩٥٧
٣ ـ رجال من التاريخ ... ١٩٥٨
٤ ـ صور وخواطر ... ١٩٥٨
٥ ـ قصص من الحياة ... ١٩٥٩
٦ ـ في سبيل الإصلاح ... ١٩٥٩
٧ ـ دمشق ... ١٩٥٩
٨ ـ أخبار عمر ... ١٩٥٩
٩ ـ مقالات في كلمات ... ١٩٥٩
١٠ـ من نفحات الحرم ... ١٩٦٠
١١ـ سلسلة حكايات من التاريخ (١ ـ ٧) ... ١٩٦٠
١٢ـ هتاف المجد ... ١٩٦٠
١٣ـ من حديث النفس ... ١٩٦٠
١٤ـ الجامع الأموي ... ١٩٦٠
١٥ـ في أندونيسيا ... ١٩٦٠
١٦ـ فصول إسلامية ... ١٩٦٠
١٧ـ صيد الخاطر لابن الجوزي (تحقيق وتعليق) ... ١٩٦٠
١٨ـ فِكَر ومباحث ... ١٩٦٠
стр. 787
١٩ـ مع الناس ... ١٩٦٠
٢٠ـ بغداد: مشاهدات وذكريات ... ١٩٦٠
٢١ـ سلسلة أعلام التاريخ (١ـ ٥) ... ١٩٦٠
٢٢ـ تعريف عام بدين الإسلام ... ١٩٧٠
٢٣ـ فتاوى علي الطنطاوي ... ١٩٨٥
٢٤ـ ذكريات علي الطنطاوي (١ـ ٨) ... ١٩٨٥ـ ١٩٨٩
٢٥ـ مقالات في كلمات (الجزء الثاني) ... ٢٠٠٠
٢٦ـ فتاوى علي الطنطاوي (الجزء الثاني) ... ٢٠٠١
٢٧ـ فصول اجتماعية ... ٢٠٠٢
٢٨ـ سيّد رجال التاريخ (محمد ﷺ ... ٢٠٠٢
٢٩ـ نور وهداية ... ٢٠٠٦
إلى القرّاء الكرام
لقد بذلتُ في تصحيح هذا الكتاب غايةَ ما استطعت من الجهد، لكنّي لا آمَنُ أن يكون فيه خطأ سهوتُ عنه، لأن الكمال ليس لأحد من البشر، إنما هو من صفات خالق البشر. فأرجو أن يَمُنّ عليّ قارئه (وقارئ سائر كتب جدّي التي صحّحتُها وأعدت إخراجها من قريب) فينبّهني إلى أي خطأ سهوت عنه لكي أتداركه في الطبعات الآتيات، وأنا أشكره وأدعو له اللهَ بأن يجزل له الأجر والثواب.
مجاهد مأمون ديرانية
mujahed@al-ajyal.com
стр. 788
ذكريات
علي الطنطاوي
الجزء الثالث
طبعة جديدة
راجعها وصحّحها وعلّق عليها حفيد المؤلف
مجاهد مأمون ديرانية
دار المنارة
للنشر والتوزريع
стр. 789
حقوق الطبع محفوظة
يُمنَع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر
الطبعة الخامسة
٢٠٠٦
دار المنارة
للنشر والتوزريع
ص ب ١٢٥٠ جدة ٢١٤٣١ المملكة العربية السعودية
هاتف ٦٦٠٣٦٥٢ فاكس ٦٦٠٣٢٣٨ المستودع ٦٦٧٥٨٦٤
стр. 790
-٦٨ -
شهادة للبيع
والانتقال معلّماً إلى «زاكية»
كنت أعجب لشيخنا الرافعي؛ هو في دولة الأدب «لواء» أو «فريق»، وفي عالَم الوظيفة «عريف» أو «رقيب». كاتب كبير من كتّاب الطبقة الأولى و «كاتب» في محكمة طنطا. كيف تكون هذه منزلته بين الأدباء وتلك منزلته بين الموظفين؟
فكرت في هذا وأنا أسجل ذكريات سنة (١٩٣٣ - ١٩٣٤) فرأيتني مثله، مثله في وضعه وحاله لست مثله في أدبه وبيانه: كتبت في أكبر المجلاّت ساجلت العلماء والأدباء، وقرأت الكثير ولا زلت عاكفاً على القراءة، كنت أؤمّ مجالس العلم حلقات المدرّسين، من درس الشيخ بدر الدين الحسني السيد محمد ابن جعفر الكتاني، وكانا شيخَي دمشق، وسائر من عرفت من علماء دمشق ممّن سيأتي طرف من سِيَرِهم إن شاء الله، إلى مجلس الأستاذ محمد كرد علي والجندي والمبارك ومصطفى برمدا وأمثالهم، ومجلس الشيوخ: شيوخ الأدب والعلم والتجرِبة والسنّ، وأرجو أن أتكلم عنه يوماً. ما كنت أدع مجلساً فيه فائدة
стр. 791
إلاّ حضرته، ولقد كنت مواظباً على محاضرات المجمع العلمي (على عهد كرد علي) وكانت مدرسة لنا، وبقيت -مع ذلك- معلّماً في مدارس القرى، ذلك لأني بدأت أتسلّق الجبل من الحضيض، وممّن جاء بعدي من تلاميذي من بدأ من صُلب الجبل فسبقني صعوداً، وإن لم يسبقني دراسة ولا تحصيلاً ولم يكن أكثرَ مني آثاراً ولا أقوَم ثقافة ولا أبلَغَ لساناً ولا قلماً، بدأ من التدريس في الثانوية أو في الجامعة وأنا بدأت من المدرسة الأولية في القُرى، أي أنني كنت شيخ كتّاب. أليست المدرسة الأولية هي الكتّاب؟
ولمّا نلت شهادة الحقوق، وكنت يوماً في ساعة ضيق وفي شبه اليأس (والمؤمن لا ييأس من رحمة الله) فكتبت مقالة (هي في كتابي «من حديث النفس») عنوانها: «شهادة ليسانس للبيع»، قلت في آخرها: "إني أعرض شهادتي هذه ولقبي الكريم «ليسانسيه في الحقوق» للبيع برأس المال، أي بالرسوم والأقساط، أما فوسفور دماغي وأيام عمري فلا أريد لشيء منه ثمناً، وأجري على الله. فمن يشتري؟ المراجعة في جريدة «ألف باء» الغرّاء. شهادة على ورق أبيض بخطّ جميل، ولها إطار بديع، عليها توقيعات وأختام أصحاب الفخامة والدولة والمعالي: رئيس الجمهورية، والوزارة، والوزير، ورئيس الجامعة ... فرصة نادرة، لا تضيعوها".
* * *
وكان لهذه المقالة أصداء وقد عُلّقت عليها تعليقات كثيرة. ولست أدري لماذا كان أستاذنا محمد كرد علي يُعجَب بها (مع أني أنا أقرؤها الآن فلا أرتضيها ولا يسرّني أن تُنسَب إليّ) كما
стр. 792
كان يُعجَب بمقالة «وداع العمامة» للشيخ (أي الشيخ سابقاً) علي عبدالرازق، وقد نزعها (إثر ما كان) لمّا ألّف كتابه «الإسلام وأصول الحكم»، وقد أخطأ فيه وما أصاب، وأساء وما أحسن، وجار وما عدل، واستحقّ كل ما قيل عنه وما وقع عليه. وإن كنت أشهد له، ولأخيه الشيخ مصطفى الذي عرفته أستاذاً جليلاً ولم أقرأ عليه، وشيخاً للأزهر وقد راجعته مرّات في بعض شؤون الطلبة السوريين في الأزهر، فما رأيت منه (ومن أخيه أيضاً) إلاّ خلقاً كريماً، ونبل نفس، ونظافة لسان، وأخلاق عالِم.
ولعلّ إعجاب أستاذنا كرد علي بمقالتي ومقالة الشيخ علي عبد الرازق إعجاب من يتمنّى الشيء ولا يقدر عليه، فهو كاتب جادّ موضوعيّ، لا يمدّ رأسه ولا يُظهِر نفسه من بين سطور مقالاته، ونحن كنّا نسلك طريق «الرومانسيين» الذين يَشغلون الناس بأخبار ذواتهم ويُشرِكونهم معهم في مشاعرهم: في مسرّاتهم وأحزانهم، يسفرون عن وجوههم، وقد يُسرِفون فيكشفون للملأ عن عوراتهم كما فعل رائد الرومانسية (روسّو) في اعترافاته حين ذكر ما صنع الفاسق به! وما وصلنا إلى هذا الدرك من الإسراف في الإسفاف.
في تلك الأيام، وأنا في تلك الشدّة وكل أملي أن أُنقَل إلى قرية هي أقرب إلى دمشق، قابلت في الترام سامي بك العظم مدير (أي وكيل) وزارة العدل، وهو صديق أبي ومن إخوان خالي محبّ الدين ومن جماعة الشيخ طاهر الجزائري، وهو أكثر آل العظم تواضعاً وصفاء. فسألني عن حالي، فلما خبّرته بما ألقى من وزارة المعارف قال: دعهم وتعالَ إلينا، فإن لديّ وظيفة شاغرة.
стр. 793
قلت: وما الوظيفة؟ قال: وظيفة قاض؛ نحن بحاجة إلى قضاة من حملة شهادة الحقوق.
ولم أعُد أفهم تمام الجملة، فقد فوجئت وأحسست -لما نشأنا عليه من التربية العثمانية- بالخجل، وشعرت -ممّا ضممت نفسي- أن بعضي يدخل في بعض. كنت أرى منصب القاضي كبيراً جداً لا أملأ كرسيه، كنت أبصره عالياً جداً لا أصل ولو وثبت إليه. وأخذت الكلمة على أنها كلمة مجاملة وتشجيع، مع أني علمت بعد تسع سنين (لمّا دخلت القضاء فعلاً) أنه كان يقول حقاً وأن ما عرضه عليّ كان ممكناً.
* * *
طُبع لي في تلك الأيام (١٩٣٤) رسالة صغيرة في أقلّ من عشرين صفحة، كتبتها في جلسة واحدة عنوانها: «مقالة في التحليل الأدبي»، وهي موجودة في كتابي «فكر ومباحث». إذا لم تسخروا مني قلت لكم إني لا أزال معجَباً بها، بل إني لأعتزّ بها مع أن أكثر ما كتبته في تلك الأيام لا أرتضيه الآن.
تكلمت فيها عن مكان الحقيقة من الأدب، وعرّفت الأدب، وفرّقت بينه وبين النقد وتاريخ الأدب، وهذه كلها مقدمات للبحث. والبحث هو «تحليل شخصية الأديب» والعوامل التي كوّنتها، وقلت: هل إلى حصر هذه العوامل من سبيل؟ هل تستطيع أن تحصر العوامل التي كوّنَت شخصيتك؟ هل تعرف كل خُلُق من أخلاقك وطبع من طباعك من أين مصدره، وما هو منحدره إلى نفسك؟ ". وبعد كلام عن الشخصية حصرت
стр. 794
العوامل في تكوين شخصيات الأدباء في خمس هي: الزمان والبيئة والثقافة والوراثة والحالة الجسدية. وتكلمت بالتفصيل عن كل منها، فبيّنت أنْ ليس المراد من الزمان أحداثه التاريخية ولكن الوصول -على قدر الإمكان- إلى معرفة الذوق الأدبي العامّ في ذلك الزمان. وأن المراد بالبيئة بلد الأديب وأثره فيه، وأسرته، والأسلوب الذي تربّى عليه، ومَن أهمّ أساتذته الذين أثّروا فيه ورفاقه الذين كان يرافقهم، ومثلت بذلك ببشار وأبينواس. وشرحت صعوبة الوصول إلى معرفة بيئات أكثر أدبائنا، وتكلمت عن الثقافة اللغوية والفكرية والاجتماعية وعن الوراثة، وعن التكوين الجسمي، وضربت المثل ببشار بن برد والمعرّي وأثر ذلك في غزلهما، إلخ.
وأنا أفكر الآن: كيف كتبت ذلك الفصل؟ لم أنقله نقلاً من كتاب، ولا يمكن أن أكون قد اخترعته اختراعاً؛ فهو -إذن- حصيلة دراستي للأدب. أمّا تاريخ الأدب العربي الذي قرأناه في المدرسة في «الوسيط» ثم في كتاب الزيات فليس فيه شيء من هذا، ولا في كتب الأدب التي كنت أعكف عليها وأدمن النظر فيها، فلم يبقَ من مصدر لي إلاّ ما قرأناه في تاريخ الأدب الفرنسي. ولقد قرأنا كثيراً: كنّا نرجع إلى كتاب لانسون، هذا المرجع الكبير كنّا نعرفه ونقرأ فيه، وكنّا قرأنا لإميل فاكيه ولأناتول فرانس، وقرأنا آثار النقّاد سانت بوف وتين وبرونتيير، قرأنا كثيراً في المنهج الرسمي (وهو كما قلت لكم المنهج الذي يتبعه طلاب المدارس الفرنسية في فرنسا بذاته) وفي غيره.
وأنا لا أحفظ ما أقرأ وأردّده بألفاظه، بل أُدخِله نفسي كما
стр. 795
تدخل الموادّ الأوّلية المصنع وتخرج منه شيئاً آخر، هو منها ولكنه ليس ذاتها. وربما آخذ فكرة لغيري فأرويها منسوبة إليه، ولكن «مصنع ذهني» يعدّلها ويبدّلها أو ينقص منها، فيكون لي فيها مثل عمل شارح ديوان الشاعر يفسّر كلامه تفسيراً ما خطر له على بال. لكني لا أصنع هذا -بحمد الله- في الأحكام الشرعية، ولا أنكر أني من كبر السن صرت أنسى شيئاً منها وأُقِرّ بأني ناسيه، لكن لا أبدّل فيها ولا أغيّر، ومالست متوثّقاً منه لا أُفتي فيه، وإن كان الخطأ يقع مني فإن نُبّهت إليه رجعت عنه.
في تلك السنة اقترح عليّ الأستاذ أحمد عبيد، أحد أصحاب المكتبة العربية، وهو الأديب الشاعر أن أضع كتاباً عن أبي بكر الصديق. وقد أعانني فكان يأتيني بالمراجع، وهو مِن أعرَف الناس بها. ومنها ما لم أكن أعرفه من قبل ومنها ما هو مخطوط، وهو مِن أعلَم الناس بالمخطوطات، تُوفّي إخوته الأربعة وبقي أطال الله عمره. واشتغلت بتأليف الكتاب ولم يعترضني في شيء، لكن لمّا جئت آخذ الأخبار التي جمعناها من مئة كتاب (مذكورة في آخر كتابي) وأنشئ منها دراسة عن حياة أبي بكر ﵁، أبى إلاّ أن نضع الأخبار كما هي ونكتفي بالتعليق عليها، وطبع الكتاب على ما أراد في رجب سنة ١٣٥٣هـ.
ودفع لي عن حقّ التأليف ثلاثين ليرة سورية، وكان راتبي يومئذ ستاً وثلاثين ليرة في الشهر.
* * *
أعود إلى حديث الوظيفة.
стр. 796
تركتموني وأنا معلّم في رَنكوس، بقيت فيها شهراً في سجلّ الوظيفة من (١/ ١/١٩٣٤ إلى ٣١/ ١/١٩٣٤) وإن لم أبقَ إلاّ ساعتين في واقع الزمن. وأين أبقى والقرية منقطعة وليس فيها نُزُل أنزل فيه ولا مدرسة أدرّس فيها، وهي في رأس جبل ما لي فيها مقام ولا إليها سبيل، والشتاء بارد يَقصّ من برده المسمار، والثلج بساط أبيض يغطّي الأرض؟!
رجعت إلى وزارة المعارف، وكان ركناها -كما قلت لكم- هما الأستاذ العالِم المربّي مصطفى تمر وهو المفتّش، مفتّش واحد لدمشق وملحقاتها، والأستاذ الشاعر الأديب شفيق جبري. كانا في غرفة واحدة، هذا في ركنها الأيمن في الزاوية وذاك في الركن الأيسر، وهما جسيمان هادئان قليلا الكلام طويلا الصمت، يبقيان النهار كله لا يتحدثان إلاّ إن زارهما (معاً) زائر أو جمعهما حديث لا بد منه، حتى يحين موعد الانصراف، فيرفع جبري بصره إلى تمر، يسأله بعينه وبهزّة خفيفة لا تُدرَك من رأسه أن: تقوم؟ فيقول الآخر بمثلهما من عينيه ورأسه: أي نعم، فيتحركان في كرسييهما، ثم ينهضان كأن أحدهما يرى الآخر في المرآة، ثم يرتدي كلٌّ معطفه ويتوجّهان إلى الباب.
دخلت عليهما فرحّبا بي، وإن كان في نفس جبري شيء (بل أشياء) مني لأني رددت عليه وكتبت عنه، ولكني لم أرَ لذلك أثراً في معاملته لي. وكلاهما كان أستاذي: مصطفى تمر في السلطانية الثانية سنة ١٩١٩، وشفيق جبري في كلّية الآداب سنة ١٩٣٠.
وابتدرني مصطفى تمر قائلاً: ثو جابك؟ لازم تكون في
стр. 797
رنكوث. أنت حاثب الوظيفة لعبة؟ وكان ﵀ ألثغ، ينطق السين ثاء والشين قريباً من الثاء والزاي ذالاً، (يقول: شو جابك؟ لازم تكون في رنكوس. إنت حاسب الوظيفة لعبة). قلت: اسمح لي أسألك، هل زرت رنكوس؟ فأدرك بذكائه ما أريد فقال: ثو فيها؟ هواء نقي ومناظر جميلة. قلت: نعم، ولذلك «أكلنا هَوَا» ورجعنا.
وكلمة «أكلنا هوا» في عامية أهل الشام لها معنى مشهور يشير إلى شيء قبيح، تُقال عند الخيبة وضياع الأمل، فتبسّم لي وسكت عني، وضحك شفيق بك.
وانتهت المقابلة بإعطائي إجازة شهر. وعند انقضاء الشهر (أي في ١/ ٢/١٩٣٤) نُقلت إلى «زاكْية» (١)؛ من قرية في جبل أهلها أشدّاء إلى قرية في حَرّة فيها مثل أهل رنكوس. وأنتم تعرفون حرّتَي المدينة المنورة، وفي معجم ياقوت أسماء حِرار كثيرة في جزيرة العرب، ولكن حرّة زاكية (أو «وَعرة زاكية» كما تُسمّى في الشام) أشدّ منها كلها: حجارة بركانية الواحدة منها أكبر من الجمل البارك، كثيرة متقاربة، وأرضها من الصخر. أمّا الطريق إليها فمن دمشق إلى المِزّة (مِزّة كلب، أي بني كلب قديماً) ثم إلى الجنوب، ثم يتشعب الطريق إلى ثلاث شعب: شعبة إلى اليمين إلى قَطَنا، وهي مركز القضاء وهي قصبة منطقة وادي العجَم، إلى سفح جبل الشيخ الذي يُطلّ على دمشق بعمامته البيضاء من الثلج، والذي سلّمَه انقسامُنا وتخاذلنا وبُعدُنا عن شرعة ربنا إلى
стр. 798
اليهود، وشعبة إلى اليسار إلى زاكية ثم إلى الكِسْوَة، والطريق من الأمام إلى القُنَيْطرة، القنيطرة عاصمة هضبة الجولان التي تقرؤون اسمها في الصحف وتسمعونه من الإذاعات.
أفتدرون ما هضبة الجولان؟ أنا لا أحسن الوصف الجغرافي وليس تحت يدي مصوَّر (١) يحدّد المسافات، ولكن أعرض من ذهني صورة عامة كما يتصورها رجل (عامّي) زار المكان. هذه الهضبة الواسعة التي تضمّ مدينة القنيطرة وقُراها الكثيرة تنتهي عند الجنوب بخطّ، كأنّك -إذ تصل إليه- تقف على جدار قلعة عالية تُشرف منها على منبسط من الأرض. هل رأيتم الهَدى (٢) والمنظر الذي تطلّ عليه؟ لا، بل عندكم نموذج هو أقرب إلى هضبة الجولان هو منظر تِهامة من السَّودة (أو السوداء) قرب أبها. أتذكرونها؟ ألا ترون تحتكم جداراً مائلاً ارتفاعه ألف متر ثم بقعة بارزة ضيّقة تحتها جدار آخر مثله، وتهامة من تحت تُطلّون عليها؟
كذلك كنّا نُطلّ من طرف الجولان على بلادنا التي سرقها اليهود، وأعانهم قوم آخرون سيجزيهم الجبّار بما يستحقّون ويُخزيهم وينصركم عليهم، إن نصرتم الله باتّباع دينه. كنّا نرى تحتنا طَبَريّا ووادي الحِمّة، أغزر الينابيع المعدنية في العالَم كله
стр. 799
وأغناها بالمواد الكيميائية، المشهورة من القديم، وعليها بناء أثري من أيام الرومان، وإليها جاء عمرو بن لحي الخزاعي وأخذ منها «هُبَل» فنصبه إلهاً وسط الكعبة، «شحده» شحادة، أرأيتم إلهاً يُشحَد؟ وكان من العقيق فوقع على الأرض فكُسرت يده، أرأيتم إلهاً تُكسَر يده؟!
أين هُبَل وأين اللات والعُزّى، وأين عمرو بن لحي، وأين كل طاغية عُبِد من دون الله وكل جبّار طغى وتكبّر على عباد الله؟ مضوا وصاروا أحاديث، وسيمضي كل طاغوت وكل طاغ جبّار. والمغرور من اغترّ بدنيا مصيرُها الزوال، والعاقل من صبر (وهو مؤمن) على عذابها أياماً قصاراً، ابتغاء سعادة أيام لا ينقضي نعيمها.
* * *
هذه البقعة التي تُطلّ عليها من شفير هضبة الجولان متحف للأمجاد، «سوق مركزية» تُعرَض فيها أحداث من أجلّ أحداث التاريخ؛ في هذه البقعة أو قريباً منها كانت معركة حطّين التي استردّ بها صلاح الدين قلبَ فلسطين، وعن يسارك غيرَ بعيد، في أول هذا الوادي الذي يجري فيه نهر اليرموك ليصبّ في بحيرة طبرية، كانت قبل حطّين معركة لا تقلّ عنها، بل إنها لتزيد عليها، معركة من المعارك الفاصلة في تاريخ البشرية هي معركة اليرموك. وغير بعيد (جداً) من هذه البقعة كانت معركة أخرى من المعارك الفاصلة وقعت بعد حطّين بزمن غير قريب، هي معركة عين جالوت. وبجوار زاكية التي نُقلت إليها معلّماً فيها، في قرية طالما قرأتم اسمها وما منكم من يعرفها هي قرية شقحب، بل
стр. 800
إنني عُيّنت معلّماً في زاكية وهي إلى جوارها ولم أعرف وصف المعركة وطبيعة الأرض التي وقعت عليها إلاّ من الأستاذ زهير الشاويش، هو أعرَف بها لأن لأبيه أرضاً فيها، فمن هنا عرفها.
منه علمت لماذا اختار المسلمون هذه القرية وجرّوا العدو إليها لتجري المعركة فيها. وكان المسلمون يختارون هم -غالباً- مكان المعركة، من معركة بدر الكبرى إلى أكثر معارك الفتوح إلى يوم حطّين، ومن تتبّع ذلك وجد الشواهد عليه. شقحب كما شرح لي زهير فيها نبع صغير إذا حُصِر أهلها شربوا منه، يمشي قريباً منها نحو الأعوج (وهو، كاسمه، معوجّ المجرى كثير المنعطَفات) ومن جهة أخرى جبل المانع (وهو جبل عالٍ يُرى من أرجاء دمشق، وأكثر الناس يستدلّون به على القبلة)، فإذا هجم العدوّ سَدّوا النهر وطوَّفوا ماءه فغطّى الأراضي الشرقية حتى يتعذّر السير فيها، ويتصل الماء بالوعرة (أي الحرّة) فلم تعُد تنفع فيها الخيل، لأن الراجل يصعد إحدى الصخور فيتناول الفارس من فوق فرسه أو يُرديه هو والفرس، ومَن فرّ لم يجد مفراً إلاّ أن يلجأ إلى «اللجا»، ولا منجى لهارب من اللجا.
وكان بطل معركة شقحب شيخ الإسلام ابن تيمية، كما كان بطل عين جالوت هو سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام، لأن اللسان الصادق يصنع ما لا يصنع السنان الصائب إن كان ينطق عن إخلاص لله ملأ قلبَه، يخاطب أقواماً ملأ الإيمان قلوبهم. فهاتوا أمثال الشيخين تروا النصر إن شاء الله؛ فما ذهبَت عزة الإيمانمن نفوس المسلمين ولكن خَبَتْ نارُها فهي تحتاج إلى من ينفخ فيها.
стр. 801
إن طال يوم الصهاينة في فلسطين فلقد مرّ بها يوم أطول وتسلّط عليها عدوّ أكبر، الصليبيون، أي دول أوربّا كلها، ومن بعدهم المغول والتتر، أي قبائل المشرق كلها. فدعوا أمريكا تتخلّى عن مدّهم بالسلاح والمال وروسيا عن مدّهم بالرجال، ثم انظروا كم تعيش دولة إسرائيل؟ والله يمدّ للظالم ثم يأخذه.
* * *
стр. 802
-٦٩ -
الجولان وجبل الشيخ
حدّثتكم عن الجولان وجبل الشيخ يُطلّ عليها من طرفها. عين منه عليها وعين على البقاع في لبنان، فهو يُشرِف على سوريا ولبنان معاً. وما كانا قطّ إلاّ بلداً واحداً، هل تفرّق حدود على الأرض أو ألوان على المصوَّر بين مكّة وجدّة أو بين القاهرة والإسكندرية أو بين بغداد والبصرة؟ بل إن الشام كلّه من جنوبي تبوك في اصطلاح العرب الأولين إلى جبال طورس بلد واحد؛ إذا ذُكرت الشام في كتب التاريخ أو كتب الجغرافيا العربية شملَت هذا كلّه. ولكن ما لي نسيت الحقيقة الكبرى التي ما انقطعت يوماً عن ترديدها، ما كَلّ منها قلمي ولا ملّ منها لساني، الحقيقة التي يردّدها معي كلّ مؤذّن على كل منارة وكل تالٍ للقرآن ما بين بغداد وتطوان، بل ما بين أميركا واليابان حين يقرأ قوله تعالى: ﴿إنّمَا المُؤمنونَ إخْوَة﴾، أخوّة ربطت عقدتَها يدُ الله فلن تحلّها يدُ بشر، أمة واحدة بنص القرآن الذي هو دستور السماء فلن تصير أمماً ولو اجتمعت دساتير الأرض على تفريقها.
جبل الشيخ الذي أقول (ورأسي من الخجل منحنٍ على
стр. 803
صدري وبصري منخفض إلى الأرض) أقول: إننا تركنا أخسّ الأمم تصعده أمامنا وتملكه من دوننا! سُمّي «الشيخ» لأن المشايخ عندنا يُعرَفون بالعمائم البيض، وهذا معتَمٌّ أبداً بعمامة من الثلج لها منه بياضه ولها طهره ولها خيره. ولقد درت مرّة بالقرى على سفحه، أخذني إليها صديق لي عبقري في الهندسة وعبقري في الرسم فنّان من طراز نادر المثال، ذهب إلى رحمة الله هو الأستاذ الضاشوالي. انظروا كتابه «المرايا»، المرايا مجموعة لوحات، مجموعة صور في لوحات «كاريكاتورية» لخمسين أو ستين (لا أذكر الآن) من رجال السياسة والأدب، كل لوحة في صفحة. لا كما تعرفون من «الكاريكاتور» بل هو نوع منه أخصّ وأسمى نادر. اطلبوه واطّلعوا عليه. وتحت كل صورة بيت من الشعر أو جملة من بليغ القول هي أيضاً صورة فنّية أخرى.
أنا -يا سادتي القرّاء- قد تلقّيت حكمكم عليّ بأني أخرج دائماً عن الموضوع وأنني أستطرد وأنا اعترفت بالذنب وقبلت الحكم، ولقد سرّني ما قرأت في «الجزيرة» للأستاذ أبي عقيل الظاهري يوم الخميس ٢٤/ ٦/١٤٠٣؛ إنه دفاع عن الاستطراد قوي مقنع من محام ذكيّ وخطيب مصقع، لكنْ ليته جاء قبل صدور الحكم عليّ، ولا بأس فإنني أستأنف.
لقد وجدت الآن أوراقاً بالية فيها مسوَّدة كتاب كتبته إلى الأستاذ الضاشوالي بعد هذه الرحلة، ولا أدري هل بيّضت هذه المسوَّدة ونقّحتها وأرسلتها إليه أم طويتها ونسيتها، أم أنا قد نشرتها بعد التنقيح، لا أذكر من ذلك شيئاً. ومهما يكن فإن فيها صورة صادقة لهذه القرى المَنثورة على سفوح جبل الشيخ
стр. 804
تسمعون أسماءها كل يوم في الأخبار عن الجولان وما فيه، وإذا سمحتم فإني أقرأ لكم طرفاً من هذا الرسالة. قلت له: (١)
"يا أخي الأستاذ عبد اللطيف، إنني أشكرك. لقد كنت أعرف بلادي فزدتَني معرفة بها، وكنت أحبّها فصيّرتَني أكثر حباً لها، وكنت أظنّ أن الشام أجمل بلاد الدنيا فأريتَني أمس أنها أجمل ممّا كنت أظنّ، وأشهدتَني من جمالها ما لم أكن قد شهدته. أفليس عجيباً أن أكون ابن دمشق وأنني لا أزال من خمسين سنة (خمسون سنة يوم كتبت هذه الرسالة) أتسلّق جبالها وأهبط أوديتها، وأتيمّم ينابيعها وأجول في قراها، حتى حسبت أني قرأت كلّ صفحة من كتاب روعتها وكلّ جملة من حواشيها وعرفت كلّ بقعة من بقاعها، فأتيت أنت من حلب لتثبت لي أني لا أزال أجهل كثيراً من بهائها، وأنني أجهل الأكثر من كنوزها؟
(والرسالة طويلة، إلى أن قلت): سلكنا طريق القنيطرة (القنيطرة التي أخذها اليهود ثم رُدَّت إلينا الآن وحدها مهدَّمة)، حيث الفضاء ممتدّ على جانبَي الطريق والأرض الممرعة الخضراء تصل إلى الأفق منبسطة كصفحة الكفّ، وإذا بنا نميل عن الجادة ثم ننحدر، فإذا الستار ينحسر لنا فجأة عن عالَم من المفاتن كان مخبوءاً وراءه، وإذا الأرض التي كانت منبسطة صارت أودية
стр. 805
وتلالاً وصخوراً تُخفي وراءها ينابيع وزهوراً، كانت من قبل سهولاً مكشوفة كحقائق العلم فغدت جِناناً مطوية ومفاتن غامضة كأنها صور الحلم.
لا تتقدم في الطريق مئة متر حتى يتبدّل المنظر من حولك، فإذا أنت في دنيا جديدة وفتنة جديدة، معرض للصور لا تُقدِم فيه على صورة تحسب من روعتها أن الجمال كله فيها حتى تجد إلى جنبها صورة أجمل منها: ها هنا مدرّج من الرفارف الخضر يستدير من حول ينبوع وعلى جنباته الزهر، تخطر أشجاره المثمرة على تلك السفوح المخضرّة كما تخطر صبايا القرية على طريق العين، فإذا درت حول الهضبة رأيت بستاناً كأنه سُرق من الغوطة فألقُي به في ذلك الوادي، فإذا هبطت الوادي أبصرت نهراً متحدّراً جيّاشاً تتكسّر مياهه في شعاع الشمس يسير من حول التلّ يبرق مثل بريق عقد من الألماس حول عنق الكاعب الغيداء، فإذا صعدت الجبل تجمّعَت لك المشاهد حتى تأخذ ببصرك الوادي كله، فترى القرى متمدّدات على السفوح تمدّد الحصّادات الحسان على بساط الكلأ عند الظهيرة في ساعة الراحة بعد العمل، والبيوت متجاورات عند الصخرات دانيات تتناجى تناجي المحبّين عند العشيّة، والمآذن شامخات كأنهن أصابع ممتدّات تشهد أن لا إله إلاّ الله.
في كلّ جهة عين، وعلى جنب كل درب ساقية، وفي كلّ ناحية شلاّل يتدفق، ينبثق ماؤه مسرعاً إسراع العاشق إلى موعد لقاء، وللسواقي وشوشة كأنها مناغاة الأحبّة بعد طول فراق! ووراء ذلك كله الوادي العظيم، وادي بحيران، بأشجاره المثمرة ومياهه المتحدّرة وجوانبه المزهرة، ينتهي بشقّ ضيّق بين صخرتين
стр. 806
هائلتين من صخور المرمر، تقومان رهيبتين مهيبتين كأنهما باب الغار المسحور في قصص الجنّ.
ولقد سرنا على كتف الوادي نُشرِف عليه من فوق كأننا نراه من طيارة، ثم صعد بنا الطريق وصعدنا معه نمرّ بالقرى العامرة والمشاهد الساحرة، حتى بلغنا قرية «قلعة جندل» حيث تصطفّ بيوت القرية صفّ الجند تقوم في لحف الجبل على علوّ ١٥٠٠ متر من سطح البحر، ثم صعدنا وصعدنا حتى وصلنا إلى قلعة بقعسا التي تعلو ١٧٠٠ متر عن وجه البحر، فإذا تحتنا منظر يعجز عن وصفه القلم يمتدّ إلى السهل الواسع الذي تذكرون برؤيته منظر سهل البقاع وسهل الزبداني، والإطار البارع لهذه اللوحة كلها جبلُ الشيخ، فحيثما توجّهت من عرنة إلى قلعة جندل إلى بقعسا إلى كفر حور إلى عين الشعرة (التي كان من حقها بروعة منظرها أن تُسمّى عين الشعراء)، هنالك تجد الجبل أمامك مُغطّى بالثلج الأبيض النقي إذا خالطه شعاع الشمس كان له مشهد عجيب، لا يكاد ثلجه يفارقه أبداً، ولقد كنّا نراه دائماً من دمشق فنبصر بياضه حتى في قلب الصيف.
هذا الجبل هو برَكة هذا الإقليم؛ من ثلوجه هذه الينابيع التي لا يُدرِكها الحَصر. وحسبك أن في قرية عرنة وحدها أكثر من ٣٠٠ عين، وبعض هذه العيون ينبع من أعالي الجبل: عين الوادي في قلعة جندل علوّها نحو ١٤٠٠ متر وحرارة مائها ٨ درجات، وعين الجوزة علوها ١٤٥٠ متراً، وعين الحقل ١٤٥٠ متراً وحرارة مائها ٨ درجات، لذلك لا تشعر فيه بالحر ولا تستثقل الشمس ولو كنت في تموز وآب. ومن كثرة عيونه وبرد جوّه ربما
стр. 807
فُضّل على إقليم الزبداني".
* * *
هذا كله طرف الجولان، فإذا مشيت إلى الجنوب انحدرتَ من ذروة جبل الشيخ الذي يعلو عن وجه البحر نحو ثلاثة آلاف متر إلى الحمّة التي هي تحت البحر منها، من الحمة تستمر الأرض منحدرة حتى تمرّ بطبريّا ثم تصل «الغَوْر» وهو أعمق بقعة على وجه الأرض إلى البحر الميت.
البحر الميت الذي يحوي من المعادن ما يُحيي الله به بلاداً كبيرة ميتة. وكثير من غنى هذا البحر جاءنا من نبع الحمة، وسأحدثكم عنها يوماً بمناسبة زيارتنا لها مع إخوة أربعة كنت أنا الخامس لهم. وكنّا نعتمد سائقاً صادقاً صالحاً بارعاً ماهراً في سيارة قوية جديدة سيارة عامّة، فنذهب معه كلنا نقصد معه كل جمعة مكاناً، واستمررنا على ذلك زماناً، وهم زميلنا في القضاء نهاد القاسم الذي صار وزير العدل المركزي في مصر أيام الوحدة، وزميلنا الأستاذ أنيس الملوحي، وقد ذهبا إلى رحمة الله، وزميلنا القاضي مرشد عابدين، وزميلنا في كلّية الحقوق الأستاذ الشيخ مصطفى الزرقا.
الحمة جنة في الشتاء، فيها من الغراس ما لم أرَ مثله إلاّ في سنغفورا وأندونيسيا لمّا زرتهما؛ أشجار وثمار وأزهار استوائية نبتت في غير أرضها، فكانت في ذلك تحفة نادرة. وهل تُقاس الأشياء إلاّ بندرتها؟ لو كان كل ما في الأرض من حجرٍ ألماساً لكان الألماس حجراً ما له قيمة.
стр. 808
الحمة في وادٍ منخفض هو ملتقى سوريا بالأردن بفلسطين، تتلاقى كلها في هذا الوادي، تنحدر إليه من حوران من فيق (أي من الزويّة) في طريق يتعرّج ويلتوي، أو تنحدر إليه من طريق القُنيطرة. جئناه نحن من حوران من درعا إلى الزويّة، ومررنا قريباً من موقعة اليرموك العظيمة، ورأينا شلاّلات «تلّ شهاب» التي تنحدر فيها المياه من علوّ شاهق والتي إذا استُثمرت جاءت بالخير العظيم.
وصلنا إلى مدخل فخم يقوم على جانبيه صفّان من الأشجار، ثم يلقاك الفندق الضخم والبيوت والدارات (أي الفيلاّت) وأبنية الحمّامات، تحفّ بها مَعارش يعرش على حافّتيها الورد والزهر ويمتدّ على طرفَيها المرجان (شجر المرجان)، ويجري خلال ذلك نهر اليرموك، ينشطر شطرَين فتكون بينهما جزيرة فتّانة في وسطها هضبة بارعة الجمال مغشّاة بغرائب الزرع وعجائب النبات، تُشرِف من منعطف النهر على مثل منظر الربوة ووادي الشاذروان في دمشق من قبة السيّار. وفي كلّ مكان طرق معبّدة ومسالك يجري فيها الماء، ووراء ذلك بيارة البرتقال جنة الحدائق.
ومن أراد أن يرى الحمة الآن استطاع أن يراها من الحمة الأردنية، والحمة السورية والحمة الأردنية يفصل بينهما نهر اليرموك. ترون منها ما فعلنا فيها وما أقمنا فيها من مبانٍ، وما مددنا فيها من ظلال وصنعنا من حدائق، يستطيع أن يراه ولكن من شقّ النهر الثاني (نهر اليرموك) الذي يفصل الحمة السورية عن الحمة الأردنية. وهما حمة واحدة لكن فرّق بينهما الاستعمار،
стр. 809
وفرّق بينهما البلاء الذي جاءنا بعد الاستعمار. وهما وقف إسلامي على الخطّ الحجازي الذي هو وقف إسلامي، والوقفية مصدّقة من أعلى هيئة قضائية هي محكمة التمييز، ومعترَف بها من عصبة الأمم التي ماتت في جنيف فخلفتها الأمم المتحدة التي تقيم الآن في نيويورك، وكلتاهما أداة في يد القوي الظالِم ولا ينتفع بهما ضعيف مظلوم!
* * *
الحمة فيها ثلاثة ينابيع حارة وينبوعان باردان. يقول الدكتور رشدي التميمي في بحث له عنها استعان عليه بخبراء من بلاد شتّى أجروا اختبارات وبحوثاً عن الحمة، فتبيّن له أن الينابيع الحارة تُخرج خمسة عشر مليون لتر من الماء في اليوم، فهي أغرز الينابيع المعدنية الحارة في العالم كله.
أولها المسمّى «المَقْلى»، حرارة مائه نحو ٤٧ درجة، في لونه زرقة خفيفة فيها رائحة ضعيفة لغاز الكبريت، يحتوي على طائفة جليلة من المواد الكيميائية مفصّلة مقاديرها في كتاب الدكتور التميمي، فمن شاء رجع إليه. ويقول الأطبّاء بالتجرِبة إنها تفيد فائدة عجيبة في حُصَيّات الكُلى والمرارة والمثانة، وفي العقم والتهاب الأعصاب وأشياء أخرى ليست من شأني ولكنها من شأن الأطباء.
الينبوع الثاني يُسمّى «البَلْسَم»، حرارته نحو الأربعين وله رائحة كبريتية قوية، يفيد في الأمراض الجلدية الحادّة والمزمنة (أنواع الأكزيما). الثالث يُسمّى «الرّيح»، حرارته ستّ وثلاثون
стр. 810
درجة، وهو منشّط مفيد للأعصاب. وكلها ذات إشعاع (راديو أكتيفيتي)، يخرج منها الإشعاع الراديومي مما ليس له مثيل -كما يقولون- في ينابيع العالم.
نبع «المقلى» هذا الأول، قال الخبراء بأنه ينبثق من عمق ٢٣٠٠ متر، أُقيمت عليه بركة كبيرة من الحجر المنقوش المزخرَف تنحدر المياه على أدراجها في منظر بارع الجمال، وقد أقيم لهذا النبع بركتان كبيرتان للنساء مستورتان تماماً وأخرى للرجال، وفوقها أبنية ضخمة وبركتان صغيرتان أخريان خاصتان. وسُحبَت مياهها إلى داخل المغاني (الفيلاّت) فيستطيع المقيم فيها الاستحمام في أي وقت شاء ليلاً أو نهاراً. أما «البلسم» فهو ينبع من أرض منخفضة تحفّ به بركة واسعة وحدائق غنّاء، وفيه أربع برك للاستحمام عليها بناء ضخم وبركتان صغيرتان. أما الثالث الذي يُسمّى «الريح» فهو أمتع الينابيع وألذّها، يستطيع المستحمّ أن يبقى فيه ساعات. وقد أقيمت على بِرَكه الواسعة التي يمكن السباحة فيها مبانٍ كبيرة وجميلة، وفي كلّ ينبوع حَمّامات للرجال وأخرى للنساء وبينهما حجاب ساتر.
زرناها سنة ١٩٥٢ ووصفتها هذا الوصف في حديثي في إذاعة دمشق (وكانت الأحاديث في الإذاعة أسبوعية). ولم يكن يعرفها من الناس إلاّ قليل، فأقبل الناس عليها وتسابقوا إليها، وبنوا فيها وشادوا وزرعوا، فذهب ذلك كله إلى «إسرائيل»!
* * *
أمّا الذي أحيا هذا المشروع (لأن من الأمانة أن نذكر صاحب