هائلتين من صخور المرمر، تقومان رهيبتين مهيبتين كأنهما باب الغار المسحور في قصص الجنّ.
ولقد سرنا على كتف الوادي نُشرِف عليه من فوق كأننا نراه من طيارة، ثم صعد بنا الطريق وصعدنا معه نمرّ بالقرى العامرة والمشاهد الساحرة، حتى بلغنا قرية «قلعة جندل» حيث تصطفّ بيوت القرية صفّ الجند تقوم في لحف الجبل على علوّ ١٥٠٠ متر من سطح البحر، ثم صعدنا وصعدنا حتى وصلنا إلى قلعة بقعسا التي تعلو ١٧٠٠ متر عن وجه البحر، فإذا تحتنا منظر يعجز عن وصفه القلم يمتدّ إلى السهل الواسع الذي تذكرون برؤيته منظر سهل البقاع وسهل الزبداني، والإطار البارع لهذه اللوحة كلها جبلُ الشيخ، فحيثما توجّهت من عرنة إلى قلعة جندل إلى بقعسا إلى كفر حور إلى عين الشعرة (التي كان من حقها بروعة منظرها أن تُسمّى عين الشعراء)، هنالك تجد الجبل أمامك مُغطّى بالثلج الأبيض النقي إذا خالطه شعاع الشمس كان له مشهد عجيب، لا يكاد ثلجه يفارقه أبداً، ولقد كنّا نراه دائماً من دمشق فنبصر بياضه حتى في قلب الصيف.
هذا الجبل هو برَكة هذا الإقليم؛ من ثلوجه هذه الينابيع التي لا يُدرِكها الحَصر. وحسبك أن في قرية عرنة وحدها أكثر من ٣٠٠ عين، وبعض هذه العيون ينبع من أعالي الجبل: عين الوادي في قلعة جندل علوّها نحو ١٤٠٠ متر وحرارة مائها ٨ درجات، وعين الجوزة علوها ١٤٥٠ متراً، وعين الحقل ١٤٥٠ متراً وحرارة مائها ٨ درجات، لذلك لا تشعر فيه بالحر ولا تستثقل الشمس ولو كنت في تموز وآب. ومن كثرة عيونه وبرد جوّه ربما
стр. 807
فُضّل على إقليم الزبداني".
* * *
هذا كله طرف الجولان، فإذا مشيت إلى الجنوب انحدرتَ من ذروة جبل الشيخ الذي يعلو عن وجه البحر نحو ثلاثة آلاف متر إلى الحمّة التي هي تحت البحر منها، من الحمة تستمر الأرض منحدرة حتى تمرّ بطبريّا ثم تصل «الغَوْر» وهو أعمق بقعة على وجه الأرض إلى البحر الميت.
البحر الميت الذي يحوي من المعادن ما يُحيي الله به بلاداً كبيرة ميتة. وكثير من غنى هذا البحر جاءنا من نبع الحمة، وسأحدثكم عنها يوماً بمناسبة زيارتنا لها مع إخوة أربعة كنت أنا الخامس لهم. وكنّا نعتمد سائقاً صادقاً صالحاً بارعاً ماهراً في سيارة قوية جديدة سيارة عامّة، فنذهب معه كلنا نقصد معه كل جمعة مكاناً، واستمررنا على ذلك زماناً، وهم زميلنا في القضاء نهاد القاسم الذي صار وزير العدل المركزي في مصر أيام الوحدة، وزميلنا الأستاذ أنيس الملوحي، وقد ذهبا إلى رحمة الله، وزميلنا القاضي مرشد عابدين، وزميلنا في كلّية الحقوق الأستاذ الشيخ مصطفى الزرقا.
الحمة جنة في الشتاء، فيها من الغراس ما لم أرَ مثله إلاّ في سنغفورا وأندونيسيا لمّا زرتهما؛ أشجار وثمار وأزهار استوائية نبتت في غير أرضها، فكانت في ذلك تحفة نادرة. وهل تُقاس الأشياء إلاّ بندرتها؟ لو كان كل ما في الأرض من حجرٍ ألماساً لكان الألماس حجراً ما له قيمة.
стр. 808
الحمة في وادٍ منخفض هو ملتقى سوريا بالأردن بفلسطين، تتلاقى كلها في هذا الوادي، تنحدر إليه من حوران من فيق (أي من الزويّة) في طريق يتعرّج ويلتوي، أو تنحدر إليه من طريق القُنيطرة. جئناه نحن من حوران من درعا إلى الزويّة، ومررنا قريباً من موقعة اليرموك العظيمة، ورأينا شلاّلات «تلّ شهاب» التي تنحدر فيها المياه من علوّ شاهق والتي إذا استُثمرت جاءت بالخير العظيم.
وصلنا إلى مدخل فخم يقوم على جانبيه صفّان من الأشجار، ثم يلقاك الفندق الضخم والبيوت والدارات (أي الفيلاّت) وأبنية الحمّامات، تحفّ بها مَعارش يعرش على حافّتيها الورد والزهر ويمتدّ على طرفَيها المرجان (شجر المرجان)، ويجري خلال ذلك نهر اليرموك، ينشطر شطرَين فتكون بينهما جزيرة فتّانة في وسطها هضبة بارعة الجمال مغشّاة بغرائب الزرع وعجائب النبات، تُشرِف من منعطف النهر على مثل منظر الربوة ووادي الشاذروان في دمشق من قبة السيّار. وفي كلّ مكان طرق معبّدة ومسالك يجري فيها الماء، ووراء ذلك بيارة البرتقال جنة الحدائق.
ومن أراد أن يرى الحمة الآن استطاع أن يراها من الحمة الأردنية، والحمة السورية والحمة الأردنية يفصل بينهما نهر اليرموك. ترون منها ما فعلنا فيها وما أقمنا فيها من مبانٍ، وما مددنا فيها من ظلال وصنعنا من حدائق، يستطيع أن يراه ولكن من شقّ النهر الثاني (نهر اليرموك) الذي يفصل الحمة السورية عن الحمة الأردنية. وهما حمة واحدة لكن فرّق بينهما الاستعمار،
стр. 809
وفرّق بينهما البلاء الذي جاءنا بعد الاستعمار. وهما وقف إسلامي على الخطّ الحجازي الذي هو وقف إسلامي، والوقفية مصدّقة من أعلى هيئة قضائية هي محكمة التمييز، ومعترَف بها من عصبة الأمم التي ماتت في جنيف فخلفتها الأمم المتحدة التي تقيم الآن في نيويورك، وكلتاهما أداة في يد القوي الظالِم ولا ينتفع بهما ضعيف مظلوم!
* * *
الحمة فيها ثلاثة ينابيع حارة وينبوعان باردان. يقول الدكتور رشدي التميمي في بحث له عنها استعان عليه بخبراء من بلاد شتّى أجروا اختبارات وبحوثاً عن الحمة، فتبيّن له أن الينابيع الحارة تُخرج خمسة عشر مليون لتر من الماء في اليوم، فهي أغرز الينابيع المعدنية الحارة في العالم كله.
أولها المسمّى «المَقْلى»، حرارة مائه نحو ٤٧ درجة، في لونه زرقة خفيفة فيها رائحة ضعيفة لغاز الكبريت، يحتوي على طائفة جليلة من المواد الكيميائية مفصّلة مقاديرها في كتاب الدكتور التميمي، فمن شاء رجع إليه. ويقول الأطبّاء بالتجرِبة إنها تفيد فائدة عجيبة في حُصَيّات الكُلى والمرارة والمثانة، وفي العقم والتهاب الأعصاب وأشياء أخرى ليست من شأني ولكنها من شأن الأطباء.
الينبوع الثاني يُسمّى «البَلْسَم»، حرارته نحو الأربعين وله رائحة كبريتية قوية، يفيد في الأمراض الجلدية الحادّة والمزمنة (أنواع الأكزيما). الثالث يُسمّى «الرّيح»، حرارته ستّ وثلاثون
стр. 810
درجة، وهو منشّط مفيد للأعصاب. وكلها ذات إشعاع (راديو أكتيفيتي)، يخرج منها الإشعاع الراديومي مما ليس له مثيل -كما يقولون- في ينابيع العالم.
نبع «المقلى» هذا الأول، قال الخبراء بأنه ينبثق من عمق ٢٣٠٠ متر، أُقيمت عليه بركة كبيرة من الحجر المنقوش المزخرَف تنحدر المياه على أدراجها في منظر بارع الجمال، وقد أقيم لهذا النبع بركتان كبيرتان للنساء مستورتان تماماً وأخرى للرجال، وفوقها أبنية ضخمة وبركتان صغيرتان أخريان خاصتان. وسُحبَت مياهها إلى داخل المغاني (الفيلاّت) فيستطيع المقيم فيها الاستحمام في أي وقت شاء ليلاً أو نهاراً. أما «البلسم» فهو ينبع من أرض منخفضة تحفّ به بركة واسعة وحدائق غنّاء، وفيه أربع برك للاستحمام عليها بناء ضخم وبركتان صغيرتان. أما الثالث الذي يُسمّى «الريح» فهو أمتع الينابيع وألذّها، يستطيع المستحمّ أن يبقى فيه ساعات. وقد أقيمت على بِرَكه الواسعة التي يمكن السباحة فيها مبانٍ كبيرة وجميلة، وفي كلّ ينبوع حَمّامات للرجال وأخرى للنساء وبينهما حجاب ساتر.
زرناها سنة ١٩٥٢ ووصفتها هذا الوصف في حديثي في إذاعة دمشق (وكانت الأحاديث في الإذاعة أسبوعية). ولم يكن يعرفها من الناس إلاّ قليل، فأقبل الناس عليها وتسابقوا إليها، وبنوا فيها وشادوا وزرعوا، فذهب ذلك كله إلى «إسرائيل»!
* * *
أمّا الذي أحيا هذا المشروع (لأن من الأمانة أن نذكر صاحب
стр. 811
الفضل بفضله) وغارس جنّاتها ورافع بنيانها فهو رجل رآها سنة ١٩١٠ مقفرة مهمَلة مملوءة بالأشواك والحيّات والوحوش (١)، فصنع فيها هذا كله، صنعه وهو شيخ في عمره ولكنه شابّ في قلبه. هذا الرجل هو سليمان نصيف، من الحقّ أن أذكر اسمه وقد مات (وأخوه أمين نصيف صاحب جريدة «مرآة الشرق»، من الصحف التي صدرت في مصر في وقت مبكّر). وقد عرض عليه اليهود مبالغ هائلة ليشتروا منه مشروع الحمة فأبى، ففاوضوه على أن يأخذوا الماء الذي يفيض عن الحمّامات لثلاثين سنة بمئة ألف جنيه فلسطيني في تلك الأيام، فأبى.
* * *
هذه هي الحمة ذات التاريخ المجيد القديم وذات المعادن والمنافع، والتي هي وقف إسلامي مصدَّق من أعلى الجهات القضائية وأعلى الهيئات السياسية في العالم، هذه التي أصبحَت الآن في أيدي اليهود، وسنستردّها إن شاء الله.
* * *
стр. 812
-٧٠ -
رحلة الحجاز (١)
الخروج من دمشق
أحدّثكم اليوم عن رحلتنا إلى الحجاز. تقولون: وما رحلة إلى الحجاز، وكل يوم يذهب من دمشق إليه ناس ويعود ناس؟ وهل كشفتم في هذه الرحلة أميركا؟
لا، ولكن الذي لقيناه فيها من المتاعب والمصاعب إنْلم يزِد على ما لقيَه كولومبس وأصحابه فإنه لا يكاد يقلّ عنه. وحسبكم أنه مرّ الآن على هذه الرحلة خمسون سنة كاملة (كانت سنة ١٣٥٣هـ). ولا تزال أحداثها متمكّنة من ذهني ماثلة أمام عيني.
أمضينا فيها على الطريق من دمشق إلى مكّة ثمانية وخمسين يوماً، لم نكُن نمشي فيها على الحرير ولم نتقلب في نعيم الراحة والأنس والأمان، ولم نكن نسلك الجادّة التي يؤمَن فيها العثار، بل كنّا نعتسف البوادي، نسير في أرض نبصر أولها ولا ندري إلى أين ينتهي بنا آخرها، نطأ الحجارة، نواجه الصخور، نغرق في كثبان الرمل الناعم، فنخرج من سياراتنا ونربط الحبال بأكتافنا
стр. 813
وأعناقنا لنُخرِج السيارات الغارقة فيها.
ضعنا أياماً، بتنا ليالي والوحوش قريبة منّا، والعقارب كانت تدبّ من حولنا ونحن ننام على الأرض، قلّ معنا الزاد فكدنا نُشرِف على الهلاك، وفقدنا الماء حتى إذا وجدناه والدود الأحمر يملؤه نزعنا العمائم (أي الغتر) من فوق رؤوسنا وصفّيناه بها، فشربنا ما قطر من الماء ونفضنا الدود نفضاً.
وكان أدلاّؤنا يمشون بنا حيث تمشي الإبل لأن الدليل ما دلّ -من قبل- سيارات، بل كان يدلّ قوافل الجمال، فكان يأتي بنا إلى مثل الدرَج في الصخر يريد أن تصعده السيارة كما يصعده الجمل، فإذا أدرك أنْ ليس للسيارة يد ترفعها كما يرفع يدَه البعيرُ عاد يسلك بنا طريقاً غيره، فنغرم بهذه العودة ثلاثين أو أربعين كيلاً ضاعت هدراً.
ذقنا في هذه الرحلة العذاب ألواناً ورأينا الموت عياناً أحياناً، أمضينا فيها شهرين في نَصَب وتعب، وفي خوف وحذر، ولكني خرجت منها بذخيرة من الذِّكَر والعِبَر ومن الأخبار والطرائف لا أزال أتحدّث عنها، ما نفد ما عندي منها وإن مضى عليها نصف قرن. وأقطع اليوم الطريق نفسه في ساعتين وأنا على المقعد المريح في الطيّارة «المكيَّفة»، طعامي يوضع أمامي وفراشي تحتي، إن نعست مسست زراً فصار المقعد فراشاً، لا أتعب في الرحلة ولكني لا أربح منها شيئاً، لا أخرج منها بذكرى، أنساها وأنسى كل ما كان فيها بعد يومين لأنها لم تُرِني عجباً ولم تُثِر في نفسي عاطفة؛ لا أحس فيها رهبة ولا خوفاً ولا تطلعاً إلى جديد.
стр. 814
ربحنا الوقت ووفّرنا الجهد، ولكنا خسرنا المشاعر والذكريات.
* * *
قررت حين دُعيت إلى تلك الرحلة وعزمت عليها أن أدوّنها وألاّ أكتفي -على عادتي- بما تحمل ذاكرتي، فاتخذت دفتراً (١) كنت أتأبطه دائماً، فلا نسلك طريقاً ولا نقطع وادياً ولا نُبصِر جبلاً إلاّ كتبت اسمه وصِفَته وطبيعة أرضه، ولا نلقى قوماً أو نحلّ أرضهم إلاّ سألت عن أنسابهم وأحوالهم، ووصفت مساكنهم وما عرفت من عاداتهم وحكيت ما سمعت من لغاتهم ولهجاتهم، ولا بتنا ليلة إلاّ ذكرت كيف حططنا الأحمال وكيف نهضنا الغداةَ للارتحال، ولا أرى منظراً أو أشهد مشهداً إلاّ سجّلت في دفتري أثره في نفسي وما بعث فيها من ذكرى وما هاج فيها من عاطفة وملأته بما يناسب المقام من الشعر (وكنت أحفظ الكثير منه، ولا أزال)، وإن سمعت من شعر البادية شيئاً كتبته مَشكولاً مَشروحاً لأن الكثير منه ممّا لم أفهمه، وإن كان هذا الشعر قد قيل في حادثة معروفة كتبتها وعرّفت بها، على ضبط في الأرقام وتحرٍّ في جمع الأخبار وتوثّقٍ من صدق الراوي، على قدر ما أستطيع من التحرّي والتوثّق.
حتى إذا دنونا من المدينة وأوفى الكتاب على التمام وقاربَت الرحلة الغاية، امتدّت يدٌ لم أعرف صاحبها (الله وحده يعرفه) فذهبَت بالدفتر. ولا تزال لوعة فقده في قلبي إلى اليوم، ولو فقدت مالي لكان أهون عليّ، لأن المال يُعوَّض، والريالات
стр. 815
والليرات والدولارات تختلف مقاديرها عدداً ولكن تتفق أفرادها شكلاً، كالكتاب المطبوع يضيع منك فتشتري غيره. أما ذلك الدفتر فمن أين آتي بمثله؟
وأعزّي نفسي أحياناً فأقول: لعلّه لم يكن كما وصفتُه ولعلّ فَقده زيّنه في عيني، كالوالدَين يحصران في ابنهما الذي مات المزايا كلّها وربما لم تكن كلها فيه. ومهما يكن فإن الدفتر قد فُقد، وأسأل الله عِوَضه ثواباً.
لذلك امتنعت بعدها عن الكتابة إلاّ مقالات بعثت بها خلال الرحلة إلى «الرسالة» فنشرها الزيات، ﵀ وجزاه عني خيراً، وإلى «ألف باء» في دمشق فنشرها الأستاذ يوسف العيسى. ولم أدوّن الذي كتبته عنها والذي أودعتُه كتابي «من نفحات الحرم» إلاّ بعد سنوات طوال.
وما أنشر هنا ما في الكتاب، إلاّ أن أستشهد بفقرات منه أو أن يقتضي تسلسل القصة إعادة شيء ممّا فيه، فأكتبها بأسلوب آخر أو ألخّصها تلخيصاً.
* * *
وبعد، فما قصة هذه الرحلة؟
لمّا وحّد الملك عبد العزيز ﵀ الجزيرة وأنشأت المملكة «معتمَديّة» في دمشق كان أول معتمَد هو الشيخ ياسين الروّاف. وقد قلت لكم إنه كانت في دمشق أُسَر نجدية الأصل تُسمّى «العقيل»، وكان أبناؤها غالباً أدلاّء للحُجّاج عندما يخرج موكب المحمل. والمسنّون من أهل مكّة والمدينة يعرفون «المَحْمِل
стр. 816
المصري» و «المحمل الشامي»، وهما من البدع المُحدَثة وربما عدت إلى الحديث عنهما.
وكنت أعرف الشيخ ياسين ﵀، حتى إنه سبّب لي لوماً شديداً من بعض مشايخي لأني خطبت في حفلة المعتمدية. لماذا؟ لأنها لم تكن وضحت الأمور وتبيّنَت الحقائق وعرف المسلمون ما هي دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فكان كل من اتصل بالمعتمَدية وهّابياً.
وكانت تهمة الوهابية شيئاً مخيفاً، حتى إن الأستاذ المودودي ﵀ حدّثني عن رجل هندوسي تاجر كان يعامل المسلمين هناك ويعاملونه، فكان خصام بينه وبين أحد التجار المسلمين، فأعلن في المسجد أن فلاناً (أي الهندوسي) وهّابي، فقاطعوه حتى اختلّت تجارته، ولم يخلّصه إلاّ أن أرضى التاجر المسلم فجاء المسجد فأعلن أنه تاب من الوهابية ورجع إلى بوذيته، فرجعوا إلى معاملته! وقد رويت هذه القصة في كتابي «محمد ابن عبد الوهاب» المطبوع سنة ١٣٨١هـ.
الداعي إلى هذه الرحلة والذي أعدّ لها هو الشيخ ياسين الرواف، بعد أن ترك المعتمدية ووضع الملك عبد العزيز ﵀ أخاه الأكبر الشيخ عيداً مكانه فيها، ونقله هو إلى وظيفة أخرى. أمّا القصد منها فهو فتح طريق للسيارات يربط دمشق بمكّة، وكان يومئذ حلماً من الأحلام.
﵀، كم قابل رجالاً وكم أقام من حُجَج وكم تعب وكم بذل من وقته ومن راحته حتى استطاع إقناع خمس من
стр. 817
شركات السيارات بالقيام بهذه الرحلة، شركات صغيرة فقيرة لا يملك أقواها وأغناها أكثر من عشرين أو ثلاثين سيارة. وأعدّوا لهذه الرحلة أربع سيارات من طراز بويك وواحدة ناش، وحملوا معهم مااستطاعوا من صفائح البنزين، وأخذوا معهم أحسن خبير (ميكانيكي)، وهو رجل يستطيع أن يفكّ السيارة قطعة قطعة ثم يعيدها.
كانت سياراتنا أول سيارات تطأ هذه الصحراء من يوم خلق ربي هذه الصحراء، اللهمّ إلاّ سيارة الشيخ عبد العزيز بن زيد الذي كان يومئذ (أي سنة ١٣٥٣هـ) مفتّش الحدود، ثم صار سفير المملكة في دمشق وشرّفني بصداقته، وقبله السفير رشيد باشا. فقد قطع الشيخ عبد العزيز بالسيارة ما بين القُرَيّات ودمشق.
* * *
كانت تلك الرحلة مثلاً مُفرَداً في «باب التنظيم»، فيها نوادر لولا أنها واقعة وأنني كنت أحد أبطالها لما صدّقتها. كان طريقنا على إمارة شرقي الأردن (التي صارت الآن المملكة الأردنية الهاشمية) ولم يكن لها ممثّل في دمشق، فكان على من يريد دخولها أن يطلب الإذن من القنصل البريطاني. أنا العربي المسلم إن أردت دخول أرض الأمير عبد الله العربي الهاشمي المسلم، أستأذن من الإنكليزي غير العربي وغير المسلم! وطلبنا الإذن فأباه علينا، كأن الأرض أرضه وأرض أبيه وجَدّه هم الذين فتحوها بسيوفهم وهم الذين نشروا فيها النور الذي هبط من حراء عليهم، وكأن جبل حراء بجنب لندن لا بجوار مكّة!
стр. 818
فماذا نصنع؟ جاءنا من يقول لنا إنه يعرف طريقاً ينقلنا من سوريا إلى الحجاز من غير أن نمرّ على الأردن، وصدّقناه، ولم يخطر على بال واحد منّا (ولا أنا، الذي كان يحمل يومئذ ليسانس الحقوق) أن يُلقي نظرة على المصوَّر (١) ليرى أنْ ليس بين سوريا والحجاز حدود مشتركة وأنه لا بد من المرور بالأردن!
يقولون إن الهوى يُعمي ويُصِمّ. وكان هوانا في أن نرى الكعبة ونشرب من زمزم، ونقوم في الروضة ونزور رسول الله ‘، كأن هوانا هذا قد أعمانا فلم نرَ الحقيقة الماثلة أمامنا. إني لأذكر ذلك الآن فأضحك من نفسي، من جهلي وجهل من كان معي.
إن الرسول ‘ أمرَنا إذا كنّا ثلاثة أن نؤمّر علينا واحداً منّا، ونحن هنا ثلاثون لا ثلاثة، ولم نتخذ لنا أميراً، وكنّا كعادتنا دائماً: كنّا جميعاً أمراء! كرؤوس الثوم، هل نسيتم قصة رؤوس الثوم؟ فكانت رحلتنا -كما قلت- مثلاً مُفرَداً في باب التنظيم، أقصد عدم التنظيم، أي أنها المثَل الكامل للفوضى.
ما إن عرض عليّ الشيخ ياسين ﵀ الأمر حتى وافقت، وافقت بلا تفكير. تصوّرت أني أتوجّه كل يوم خمس مرّات إلى الكعبة، وبيني وبينها الآماد البعاد والجبال والرمال والمسافات الطوال، فأحنّ إليها ويهفو قلبي -على البعد- إليها، فهل أستطيع، وقد عُرض عليّ الوصول إليها والطواف بها والتعلّق بأستارها، أن أقول: لا؟
стр. 819
لم أفكّر أني موظف مرتبط بوظيفة عيشي وعيش أهلي منها، وأن لي إخوة أنا مسؤول عنهم لا يسَعني تركهم، وأن الرحلة تحتاج إلى مال وأنا رجل لا مال لي، وأنّى؟ وما ورثت من أحد شيئاً، وراتبي ست وثلاثون ليرة في الشهر؟
ما فكّرت بشيء من هذا لِما غلبني من الشوق إلى هاتيك المعاهد، إلى الأرض التي استقبلَت آخر رسالات السماء، إلى البلد الذي وُلد فيه رسول الله ﷺ وحبيب كل مسلم، والبلد الآخر الذي عاش فيه ومات فيه، والذي يحسّ مَن يزوره أن كل مكان فيه وكل جبل وكل حائط (أي بستان) يحدّثه حديث المصطفى الحبيب ويتلو سيرته.
إن الذي يحبّ إنساناً حباً أرضياً جسدياً يأنس بزيارة الدار التي وُلد فيها والبلدة التي عاش فيها، ويحبّ ما يذكّره به ويُخبره خبره، فكيف وحب المصطفى في قلب كل مسلم هو الحب السماوي، لأنه يتصل بوحي السماء الباقي، لأنه من شؤون الآخرة الباقية لا الدنيا الفانية؟
وشيء آخر جعلني أسارع إلى الموافقة وإن لم يكن كالأول، هو أني كنت أراها أمنيّة من الأماني، كلاماً يذهب في الهواء، كتصريحاتنا كلها واحتجاجاتنا وخطبنا وصياحنا في مظاهراتنا، وكنت موقناً أنها لن تكون رحلة ولن يذهب في هذه الرحلة أحد. فلما جاءني الشيخ ياسين يقول وهو مستبشر فرحاً: "هيا استعدّ فقد تقرّر السفر" سُقط في يدي ولم أدرِ ماذا أفعل! وقعت بين مشكلتين: إخلاف الوعد أو ضياع الوظيفة. ثم وجدت أن ضياع
стр. 820
الوظيفة أسهل من الإخلاف، ومع مَن؟ مع نَجدي سَلَفيّ لا يعرف من كلمة «نعم» إلاّ أنها وعد مُبرَم لا يحلّه إلاّ الموت، فقلت له: أنا حاضر.
ويسّر الله فسمحَت لي الوزارة بالسفر، وأعددت الجواز وكان أمر استخراجه سهلاً، وحُدّد موعد المسير، وكان بعد عشرة أيام. هل تدرون لماذا أجّلوه عشرة أيام؟ كان ذلك لسبب لا يخطر لكم على بال؛ هو أن تطول لحاهم ليذهبوا إلى مكّة بلحى مُعفاة لا بذقون محلوقة، لأنهم سمعوا أن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر تمسك من كان حليق الوجه! لهذا أعفوها، أو أعفاها أكثرهم. لا اتّباعاً لسنّة رسول الله فقط، بل لأنهم سمعوا أيضاً أن الرجل هناك بلحيته، فمن كان أطولَ لحية كان أعلى قدراً!
وجاء الموعد ولم يكن سفر، فضاقوا ذَرعاً باللحى التي ربّوها لغير الله، واستحيوا أن يواجهوا بها الناس وضنّوا بها أن يحلقوها بعدما ربّوها. وكان موعد جديد، وجاءنا الأهل والإخوان مودّعين، وأعددنا الحقائب وقلنا: الرحيل غداً، ولكن جاء الغد ولم نرحل. وتكررت القصّة ستّ مرّات حتى مللنا وملّ المودّعون، وقلّ اهتمامنا بالرحلة واهتمام إخواننا وأهلينا بنا، ثم جاؤوا فقالوا: هذه الحاسمة، السفر بعد غد فهاتوا ثقلكم. وأخذوا الثقل فبيّتوه في المرأب (الكاراج)، وذهبنا نبيت في بيوتنا على أن نوافي المرأب الفجر.
صلّينا الفجر وجعلنا ننتظر حتى طلعت الشمس، وكان الضحى، وأذّن الظهر، وكان العصر، وهممنا بالانصراف ولكن
стр. 821
السيارات حضرت، وعلّقوا في صدرها لوحة كبيرة كتبوا فيها «الوفد السوري لاكتشاف طريق الحجّ البري». مع أن الطريق كان معروفاً ومسلوكاً، تمشي فيه قافلة الحُجّاج كل سنة ومعها قوّة عسكرية لتحميها، ولم تكن تنجو مع ذلك من الأعراب ومن قُطّاع الطرق. وكانت القوّة تحمل معها «الصرّة» وفيها مال من الدولة يُوزَّع على الأعراب وقُطّاع الطرق. وكانت الدولة العثمانية قد أقامت على الطريق سلسلة من القلاع لتضمن سلامة سالكيه، ووكّلت بكل قلعة أسرة من أسر «الميدان» الكبيرة لحمايتها. كذلك كان طريق الحجّ، فرحم الله عبد العزيز.
* * *
في هذه اللحظة أيقنت بالسفر. وفكّرت كيف أفارق أهلي وموطني وأطوّح بنفسي في هذه الصحراء في رحلة فقدَت كلّ أسباب السلامة، فلا خطّة لها نتبعها، ولا قوّة معها تحميها، ولا أمير لها يحكم أمرها. واستفاقت في نفسي مئات من الذكريات، فأبصرت في كلّ بقعة من دمشق التي أفارقها قطعة من حياتي، وفي كلّ طريق وفي كلّ مسجد وكلّ بستان وكل مئذنة تبدو لي على البعد، وفي قاسيون الذي يعانق هذا كله يحيطه بذراعَيه الحانيتين.
وهل حياة المرء إلاّ في قلوب أصدقائه ووجوه أصحابه، وجوانب داره ومشاهد بلده؟ من أجل ذلك اقترن الموت بالخروج من الديار، ومن أجل ذلك كانت الهجرة لله جهاداً في سبيل الله. واستغرقت في هذه الأفكار، ما نبّهني إلاّ أصوات مئات من أبواق السيارات! وإذا نحن قد سرنا وسار خلفنا المودّعون، في قطار
стр. 822
طويل بلغ أوله «بوّابة الله» (١) في آخر «الميدان» جنوبي البلد وآخره لا يزال في «باب الجابية»، حتى لقد ظننت أنها لم تبقَ في دمشق سيارة لم تمشِ معنا. وكان مشهد ظلّ يذكره ويحدّث به من كان رآه سنين وأعواماً.
وقف الموكب ظاهر دمشق حول قبة العسالي وقد ملأ الناس الساحة على رحبها، وقام الخطباء يخطبون، وقمت أنا أشكرهم باسم الوفد وأودّعهم وأشرح مقاصد الرحلة. وكانت الشمس قد جنحت إلى المغيب فزاد شحوبها الموكب رهبة وجلالاً، وأقبل كلّ من المودّعين على ذويه يودّعهم، فلم تكن ترى إلاّ العناق والتقبيل والدموع التي تسيل.
ورقّت نفسي رِقّة شديدة. وحين ترقّ النفس ويحضر القلب ينطلق اللسان بما لا عهد لصاحبه به، وألقيت على الناس كلمة لو سُئلت ماذا قلت فيها لما دريت، لأني لم أُلقِ كلاماً أدبياً من طرف اللسان بل قولاً روحانياً من أعماق الجنان.
وقد وقع لي مثل هذا مرّات سأذكرها تحدّثاً بنعمة الله، منها: يوم اجتمع علماء سوريا كلها وقابلوا (أيام الوحدة مع مصر) كمال الدين حسين، وشرّفوني فكلّفوني الكلام عنهم. ويوم انقطع
стр. 823
الغيث (أيام الوحدة أيضاً) سنين متعاقبة، فدعوت إلى إحياء سنّة الاستسقاء، وكانت معطَّلة في الشام من زمن قديم، فتكلّم السيد مكي الكتاني الرجل الصالح النبيل، ثم تكلمت أنا بكلام لم أحفظه، لكن رأيت من أثره وأثر ما قال السيد أن العيون فاضت بالدموع والقلوب توجّهَت إلى الله بالدعاء، وكان حولنا مركز للدفاع المدني فيه بنات سافرات كنّ قبل الصلاة وقبل الخطب في نقاش مع نسائنا المتحجبات، فأبصرتهن يبكين مع الباكين ويمددن الأيدي للدعاء مع الداعين. ولطف الله بعباده، بكرمه لا بخُطَبنا، فهطلَت الأمطار بعد يوم أو يومين، حتى امتلأت العيون ورُوي الناس والحيوان وأمرعت الأرض، وكان فضل الله عظيماً (١).
عفواً أيها السادة، لقد نسيت موضوعي فتكلمت عن يوم الاستسقاء. وما أكثر الأيام التي رجعنا فيها إلى الله ذراعاً فرجع إلينا خيرُه باعاً، وما أكثر ما نسينا بعد ذلك وابتعدنا! اللهمّ دُلّنا عليك وأعدنا إليك ولا تحرمنا فضلك.
وأذّن مؤذّن نديّ الصوت فردّدَت الأقطار الأربعة أذانه، ثم اصطفّ القوم كلهم لصلاة المغرب، حتى إذا قُضِيَت الصلاة مشينا على بركة الله، نخوض ظلام الليل في طريق طويل مجهول، وقد سلّمنا أمورنا لله.
* * *
стр. 824
-٧١ -
رحلة الحجاز (٢)
في متاهات الصحراء
تركتكم عند «قبّة العسالي» ظاهر دمشق. وأمامها قرية «القدم» التي زعم أهلها أن على صخرة فيها أثر قدم الرسول ﷺ لمّا زارها، مع أنه لم يزُرها ولم يتجاوز في سفره إلى الشام مدينة بُصرى، وما زعموه ما له أصل.
وسرنا إلى دَرْعا (أَذْرِعات) على الطريق المعروف، وكنّا سكوتاً لا نتحدث لأن كل واحد منّا كان في حديث مع نفسه، مع حياته التي خلّفها وراءه وفيها كل عزيز عليه حبيب إليه، ومع المجهول المَخوف الذي يُقدِم عليه: وهو اقتحام الصحراء التي لا يعرف عنها شيئاً، ولا يدري إذا ما دخلها أيخرج منها أم يكون آخر العهد به فيها؟ كنّا نشعر بمثل ما يشعر به «المكتشفون» الذين مشوا يرون منابع النيل في أدغال إفريقيا أو مكان القطب وراء ثلوج ألاسكا.
وبلغنا درعا. ودرعا اليوم مدينة، لكنها كانت -من قبل- قرية
стр. 825
من قرى حوران، فلما مُدّ الخطّ الحجازي (سنة مولدي) جعلوا محطّاته بعيدة أحياناً عن القُرى ليكون مستقيماً فلا يتعرّج ليصل إلى كل قرية منها، فنشأت حول المحطّة بُلَيدة مُحدَثة، لكنها جديدة البناء حسنة التخطيط، وكان فيها دار الحكومة وسوق التجار. بلغناها بعد العشاء فوقفنا فيها ريثما حيّينا مَن جاء للسلام علينا، وهتفنا بآل المقداد في بُصرى (وهم وجوهها وأعيانها) نخبرهم بقدومنا وتوجهنا إلى بصرى.
لمّا كنّا نتعلم في المدرسة الابتدائية على عهد الترك كانوا يسمّونها «بصرى إسْكي الشام»، أي الشام القديمة، لأنها كانت يوماً حاضرة الشام وأكبرَ مدنها، ولا يزال فيها من الآثار ما يشهد بما كانت عليه؛ من ذلك المدرّج الروماني، وهو أكمل المدرّجات الرومانية الباقية، لا ترى مثله ولا في إيطاليا. ليس مدرّجاً فقط كالذي في عَمّان، بل إن فيه وراء المسرح أبنية ضخمة لها واجهات قائمة على أعمدة ولها شرفات، كلها من الحجارة الكبيرة المصقولة.
والمدن كالناس تُولَد وتموت، وتشبّ وتشيخ، وتعزّ وتذلّ. هذه إسطنبول (إسلامبول) كانت يوماً عاصمة أوربا، نازعَتها القيادة قرية في الأناضول هي أنقرة، التي مرّ بها امرؤ القيس وقال فيها: «رُبّ جفنة مثعنجرة، وطعنة مسنحفرة، تبقى غداً في أنقرة» وذكرها أبو تمّام في بائيته التي لم يقُل أعظم منها المتنبي. وهذه برلين العظيمة أخذت منها الصدارةَ قرية كبيرة تُدعى بون، بل ضاحية منها هي بادكودنبرغ (ومعناها حمام الجبل الجميل).
стр. 826
وكذلك صنع الزمان ببصرى والجابية وممفيس التي ذهبت وبقيت خيمة عمرو بن العاص (أي فسطاطه)، والمدائن صارت «سلمان بك». نسي الناس اسم كسرى وذكروا اسم سلمان، فكان قبره أبقى على الزمان من ذلك الإيوان!
استقبلَنا أهلُ بصرى بالأضواء والمشاعل والأهازيج والأغاريد. وكانت ليلة وصولنا كأنها ليلة العيد، خلَت فيها البيوت وسالت بأهلها الطرق، ونزلنا على قوم كِرام أرونا من ألوان الرعاية ما عجز عن شكره اللسان، وأرادونا على المبيت فأصررنا على السفر، وطلبنا دليلاً عارفاً بالأرض يسلك بنا مسلكاً يوصلنا إلى «القُرَيّات» في أرض عبد العزيز دون أن نمرّ على الأزرق التي يسيطر عليها «أبو حنيك».
وأبو حنيك هذا هو غلوب باشا الإنكليزي، داهية من الدواهي، والعرب يعبّرون بصيغة التصغير عن التعظيم والتكبير، فيقولون في مثله: «دُوَيهِيةٌ تَصْفَرُّ منها الأناملُ» (١). رافق العربَ وعاش معهم في باديتهم وجرى على عاداتهم في طعامهم ومنامهم، وعرف لهجات قبائلهم وصار يكلّمهم بلهجاتهم. وأنا أحسب أنه كان صادقاً في حبّ العرب، أعني عاداتهم ولغاتهم لا أعني أنه يُؤْثر مصالحهم على مصالح أمته. ويؤكّد هذا حديث لمندوب من «المجلّة» أجراه معه من قريب، ولقد سَمّى ولده باسم عربي وملأ داره في لندن بذكريات حياته مع العرب التي يبدو أنه لا ينساها ولا يزال يأنس بذكراها.
стр. 827
جاؤونا برجل اسمه «الحاجّ نمر» قالوا إنه يعرف البادية كما يعرف صحن داره، وإنه يسلك بنا طريقاً إلى القُرَيّات لا يمرّ به على الأزرق ولا يدنو من مخافر الجيش الذي كان يقوده أبوحنيك. وضَمِنوه لنا فوثقنا به، وسلّمناه رقابنا ومشينا مع الحاجّ نمر، الذي تبيّن لنا بعد قليل أن أولى به أن يُدعى «الحاج غراب» على قاعدة: «قدْ ضَلَّ مَن كانتِ الغِربانُ تهديهِ»!
سار بنا جنوباً لا يتبع طريقاً مرسوماً، وما كان ثمة طرق مرسومة نتبعها. وكان مسيرنا في آخر الهزيع الأول من الليل، فما مضى إلاّ قليل حتى أبصرنا أنفسنا وسط بلدة أثرية بها بنيان كثير وفيها أزقّة وطرقات، وفيها برج عالٍ قديم، لكنها مهجورة كما يظهر منذ قرون ليس فيها ديّار ولا نافخ نار، اسمها «أم الجمال». لم أدرِ ما تاريخها، وأنا أعجب كيف مرّت هذه المدّة كلها وأنا لم أعرف إلى الآن ما خبرها، وأظنّ (ولست مؤكداً) أني سمعت الشيخ حمد الجاسر يذكرها مرّة في الإذاعة، فأرجو منه وممّن له علم بها أن يتفضّل عليّ ويبعث به إليّ، أو يكتبه وينشره لينتفع الناس به إذا عرفوا خبره.
وطلبنا الدليل، فإذا هو مريض قد غثَت نفسه وغلبه القيء، فأسعفناه. وكان معنا كلّ ما يحتاج إليه الإسعاف العاجل، كما كان معنا من الطعام ومن الشراب ومن الأدوات والآلات ما لا يُستغنى عنه في مثل هذه الرحلة، كما حملنا معنا مئتي صفيحة بنزين مختومة، لأنه لم يكن ينبع النفط إلاّ في العراق ولا كنّا نعرف محطّات الوقود على الطرقات.
стр. 828
لمّا صحا سألناه، فاعتذر بأنه لم يركب سيارة من قبل، فلذلك دار رأسه وانقلبَت معدته. وتبيّن أنه لا يعرف في هذا المكان طريقاً نسلكه، وطلب أن نرسله وحده في سيارة ليكشف بها الطريق وننتظر نحن عودته هنا. وغاب وطال غيابه، وكانت ليلة باردة ونحن في العراء لا غطاء ولا وطاء، ولا نستطيع أن ننام، وأين وكيف ينام من يريد المنام؟ حتى طلع النهار فإذا هو قريب منّا، فسألناه لماذا لم يرجع إلينا، فكان جوابه أنه كان ينتظر أن نلحق نحن به!
اتضح لنا الآن أننا خُدعنا به وأنه قليل الخبرة، ولكن ماذا نصنع؟ إن كان قليل الخبرة بالمسالك فنحن لا خبرة لنا بها أبداً، والقليل خير من الصفر، ولا يمكن أن نعود لنأتي بغيره. فرجوناه ورفقنا به، وشتمناه وقسونا عليه، وأطعمناه ووعدناه وخوّفناه وهددناه، فكأنه استعاد ما فقد من المعرفة بالطرق ومن الثقة بنفسه، وأقسم أنه يخبر هذه الأرض شبراً شبراً وأنه مشى فيها بعدد شعر رأسه. فاطمأننّا قليلاً وسرنا معه، وكانت الشمس قد بزغت وانقضت أول ليلة من ليالي الرحلة.
مشي بنا في جبل وعر فيه أحجار وفيه حُفَر، ومضت ساعة كاملة وهو لا يزداد إلاّ وعورة، فثار به القوم وأوسعوه أسئلة وشتائم، وهو يحتمل: إما صبراً وحسن أخلاق أو بلادة وفَقد حِسّ، ثم ادّعى أنه ليس بيننا وبين القريّات إلاّ أن نقطع هذه الوعرة. فصدّقه ناس منّا ومالوا إلى رأيه وأعلن آخرون: حسبنا ما جرّبنا. وصرنا -كما يقول المثل الشامي العامّي- مثل أهل الحمّام إذا انقطع عنه الماء! ولم يكن لنا أمير نرجع إليه فكثر الجدل
стр. 829
والصياح، ثم قال الذين غلبوا وانتصروا: لابد من العودة. فعدنا ننزل من الجبل الذي صعدناه بدلالة «الحاجّ غراب».
ونزلنا فوجدنا جادة معبّدة فسرنا فيها، والدليل صامت، لم يعُد يسأله أحد ولا يبدأ هو أحداً بالكلام. سرنا أربع ساعات والجادة لا تنتهي ولا توصلنا إلى شيء، ثم وجدنا مركزاً عسكرياً فيه ضابط إنكليزي فسألناه: إلى أين تمشي هذه الجادة؟ قال: إلى العراق!
وبلغ من إهمالنا أننا لم نصحب معنا خريطة ولا حملنا بُوصْلة (١) نستدلّ بها على الجهات. هنالك وثبوا على الدليل يسبّونه ويضربونه، وهو يتحمّل ساكتاً صابراً صبراً عجيباً. ثم تركوه وركن كلٌّ منّا إلى اجتهاده، فقال قائل من السوّاقين: إن هنا حرّة فيها طريق يصل إلى القريات، وقد جزته وأنا أعرفه. قالوا: هلمّ بنا إليه. قال: الحقوني.
ووصل بنا إلى حَرّة من أوسع الحِرار وأعجبها، واسعة ممتدّة الجوانب ملتوية الأرض مفروشة بحجارة سوداء لمّاعة كأنما قد صُبّ عليها الزيت، أكثرها حادّ الأطراف كالسكاكين، فلما بلغنا وسطها رأينا بقايا طريق كان يوماً معبّداً ولكنه تخرّب وغطّته الحجارة، فكنّا ننزل من السيارة فنزيح الأحجار من طريقها لتمشي، وكنّا إذا بلغنا هضبة لا تقوى السيارة على صعودها ربطنا السيارة بالحبال وجررناها من أمامها ودفعها ناس منّا من خلفها. واستمرّ ذلك إلى الغروب، وقد قطعنا في هذا الطريق تسعين
стр. 830
كيلاً، فلما خرجنا منها وجدنا أننا أمام «الأزْرَق» الذي هربنا منه، وإذا بنا قد وقعنا فيه.
* * *
من المشاهد ما يبقى محفوراً في ذاكرة الإنسان حتى كأنه يراه أمامه، منها هذا المشهد. كنّا ننزل في منحدَر وأمامنا عن بُعد مركز «الأزْرَق» يلوح العلم فوقه ويقف الجند حوله وتحفّ السيارات العسكرية به، فخشينا أن يكونوا قد رأونا فتضيع جهودنا كلها ويذهب تعبنا عبثاً، وكان عن شمائلنا أدغال وعرة فيها نبت من نبت الصحراء ذو أشواك، أرضها من الرمل الناعم، وهو العدوّ الأكبر للسيارات لأن دواليبها تغوص فيه فلا تُستخرج منه إلاّ ببالغ المشقّة، ولكنْ ليس أمامنا إلاّ دخولها. فدخلناها تقوم بنا السيارة وتقعد وتميل وتستقيم، وكانت مثقَلة بأحمالها، فيها فوق رُكّابها الحقائب والزاد وقطع التبديل، ومئتا صفيحة (أي تنكة) بنزين.
ورحمَنا الله فوصلنا إلى قاعٍ مستوٍ وقفنا فيه وتهيّأنا للمبيت. والقاع في عُرف البدو مستنقَع ماء أو غدير جفّ فكان بقعة مستوية كأنها الكفّ، أرضها من الطين المتماسك فيه شقوق. وكان خالياً موحشاً، فلما نُصِب فيه السرادق (وهو خيمة كبيرة) وأُشعلت فيه مصابيح الغاز (الأتيريك)، وأُوقدت أمامه النار ومُدّت فيه البُسُط، رأيت القاع قد استحال إلى قرية صغيرة أو معسكَر من معسكَرات الكشافة. وكنّا قد أحضرنا معنا رادّاً (راديو) وصّلوه بكهرباء السيارة فانطلق يصدح بالأغاني، ولم تكن هذه الروادّ الصغيرة التي توضع في الجيب وتعمل على الأحجار، أي البطاريات الصغيرة.
стр. 831
وكانت هذه ليلتنا الثانية، ولكن لم تكن كالأولى بل كانت ليلة أُنس ومسرّة، نضج الطعام فتعشّينا وشبعنا، وأكلنا من حلوى الشام التي حملناها معنا، وسمعنا من موسيقى مصر التي نقلها الرادّ إلينا، وجدنا معنا عبد الوهاب وأم كلثوم هنا بين الشيح والقيصوم!
وما كان معي إلاّ «إحرام» واسع كنّا نستعمله في دمشق في الشتاء، من الصوف الخالص ناعم رقيق إن بسطته غطّى عشرة أشخاص نيام وإن شئت زيادة في الدفء طويته، فكان هو فراشي وكان لحافي. وبسط كل منّا ما حمل معه، ونمنا نومة كانت بعد ذلك التعب ألذّ نومة نمتها في حياتي. وأنا في العادة أستدعي النوم طويلاً وهو يتدلّل عليّ، ولكني ما وضعت خدي تلك الليلة على المخدّة حتى غرقت في المنام. ولو كنت في غرفتي في بيتي لما كفاني نوم تسع ساعات، ولكني صحوت في الصحراء قبل أن يُطِلّ الفجر من الأفق الشرقي نشيطاً قوياً، فرأيت الفجر عياناً وما عرفته من قبل إلاّ على السماع أو في الكتب. رأيت الفجر الكاذب الذي يكون فيه النور خيوطاً متفرقة كأذناب البقر، والفجر الصادق الذي يطلع معترضاً يملأ الأفق، كما عرفت نجوم الليل وما كنت أراها من قبل إلاّ لماماً، ما استطعت قبل تلك الليلة أن أستلقي وأن أتأملها وأتصوّر مدى عظمتها وكثرتها فيسجد قلبي لمبدعها وخالقها. عرفت في هذه الرحلة معنى قول الرافعي ﵀:
إنّما الإسلامُ في الصحرا امتهدْ ... لِيَجيءَ كلُّ مسلمٍ أسَدْ
ذلك أن الصحراء لا يعيش فيها ضعيف ولا جبان، لا تعيش فيها إلاّ الأسود والفهود والصخور الصلد والجبال الرواسي.
стр. 832
الصحراء التي لا يعرف أهلها الغشّ ولا النفاق لأنها مكشوفة ليس فيها سقوف تستتر تحتها المعاصي ولا زوايا يختبئ فيها الخداع.
وأبصرت الإخوان كلهم قد صحوا مثلي واحداً بعد واحد، فتوضّأ أكثرهم وصلّى معنا جماعة، وتغافل الباقون ممّن لم يكن يصلّي. فألقيت كلمة ذكّرتُهم فيها من غير أن أنفّرهم، وحاولت أن أوقظ الإيمان في قلوبهم، فاستجاب بعضٌ وبقي بعضٌ على إعراض، فدعوت لهم بعد الصلاة بالهداية وصدقت في دعائي لهم وأمّنَ المصلّون، ثم ألهم الله أحد المصلّين كلاماً كان -على عامّيته- أبلغ فيهم من كلامي، وتكلّم ثالث، ثم قلت: يا إخوان، إننا مُقدِمون على سفرة مجهولة العواقب، قد نتعرّض فيها للهلاك أو نقابل الموت. إننا نغامر بحياتنا، أفلا نضمن تعويضاً عنها أبقى منها؟ يا إخوان، إن اعتمدتم على قوّتكم وحدها فسترون أن الصحراء وأهوالها أقوى منكم، فاعتمدوا على ربكم، صَفّوا حسابكم مع الله قبل أن تمشوا. إن تصفية الحساب إنما تكون بالتوبة والاستغفار وأن تؤدّوا حقّ الله عليكم، وأكبر حقوقه بعد تصحيح العقيدة إقامة الصلاة.
وأفضت في مثل هذا المعنى. ثم قام أحد السوّاقين -وقد مسّته نفحة من نفحات الإيمان- فقال مقالة خرجَت من قلبه، فأحسَسْت أنا أنها حرّكت أعماق قلبي وأسالت الدمع من عينَيّ، وفعلَت بالحاضرين مثل الذي فعلَت بي، فلم يبقَ في القوم من لم يتوضأ ويقف بين يدي الله مصلّياً تائباً، آيباً إليه قارعاً بابه طالباً ثوابه، وكانت هذه هي البداية الخيّرة لهذه الرحلة.
* * *
стр. 833
-٧٢ -
رحلة الحجاز (٣)
الوصول إلى القُرَيّات
بدأنا اليوم الثالث من رحلتنا بأحسن مبتدأ، بذكر الله وبالصلاة وبوقوفنا جميعاً صفاً واحداً بين يدي الله، بالاجتماع على التوبة وعلى الرجوع إليه، فالحمد لله. والمسلم يبدأ كل أمر مهمّ بحمد الله، لا الحمد من طرف اللسان بل من قرارة القلب الراضي عن الله.
وأفطرنا مبكّرين، ومشينا نسابق الشمس، نريد أن نخرج من هذه الأدغال قبل أن تخرج هي من خدرها وتُطِلّ على الدنيا بنورها وبخيرها، فرأينا على الرمل آثاراً جديدة لدواليب سيارات عسكرية جديدة تبدو واضحة تدور من حول المكان الذي كنّا فيه قبل أن ندخل الدغل، فقدّرنا أنهم رأوا أضواء سياراتنا من الأزرق فأقبلوا يفتّشون عنّا.
وأبصرنا أعرابيَين (بدويَّين) طلعا علينا من عُرْض البَرّ، فأشرنا إليهما فأقبلا. ومن مزايا الأعراب (البدو) أنك تدعو الواحد منهم فيأتي إليك من بُعد كيل أو كيلَين لتسأله عن الطريق أو
стр. 834
لتطلب منه شيئاً، لا يغضب ولا يتأفّف ولا يمنّ عليك ولا ينتظر منك أجراً؛ خليقة اضطرّتهم إليها طبيعة أرضهم وطيبة قلوبهم.
سألناهما ففهمنا منهما أنهما هنا منذ الأمس، وقالا إن سيارات «أبو حنيك» مرّت من هنا تفتّش عن غرباء دخلوا المنطقة، فنظر بعضنا في وجوه بعض وابتسمنا. وقلنا: أين نحن الآن؟ قالا: على ماء «الهزيم»، وها هو ذا عند تلك الطّلحة.
والطلح شجر من شجر البادية لا يُثمِر. وكان الأعرابيان بثياب رثّة، أسمال بالية، يقودان جملاً هزيلاً. ففتحت حقيبة لي فيها مال، وفهم الشيخ ياسين أنني أريد إعطاءهما فأشار إليّ أن لا تفعل. ففهمت إشارته ولكني تجاهلتها لأني وجدتهما فقيرَين، واستخرجت شيئاً من المال مددت يدي به إليهما، فغضبا وقالا ما لم أفهمه، فندمت على أني لم أُطِع الشيخ ياسين. ما كنت أعلم أن البدويّ يحمل نَفْس أمير وإن ارتدى ثوب شحّاذ، ولم أعُد بعدها إلى مثلها.
وحوّلت مجرى الحديث، فقلت: وأنتما ما خطبكما؟ قالا: أضلَلْنا بعيرَين لنا فنحن في طلبهما منذ ثلاث. فأحسست أني دخلت البادية حقاً، بل لقد شعرت أنني دخلت التاريخ أعيش فيه. إن تاريخ العرب الاجتماعي والأدبي يعيش اليوم في باديتهم «حاضراً» يُرى لا «ماضياً» يُروى.
ومشينا إلى ماء الهزيم نرى ما هو، فلما رأيناه انهزمنا نحن منه إذ وجدناه ماء آسناً منتناً، فتركناه وسرنا.
* * *
стр. 835
كنت أعجب من سيارات أبي حنيك (وهو غْلوب، كنّوه أبا حنيك لأن رصاصة أصابت في الحرب حنكه فتركت فيه تشويهاً لا يزول)، كنت أعجب منها: لماذا لم تتعقّب سياراتنا وأثرُها ظاهر يراه كلّ ذي عينين، فكيف بالخبراء من رجال الجيش؟
وسرعان ما جاءني الجواب؛ لقد رأينا خطاً ممدوداً فيه السلك (١) الشائكة، وفي وسطه لوحة مكتوب عليها «المملكة العربية السعودية»، فعلمت أني قد وصلت إلى دار الأمان، إلى البلد الذي لم تدنّس ثراه أقدامُ مستعمر كافر ولم ترفرف فوقه راية لفاتح كافر، البلد الذي خُلق حُراً وعاش حراً وبقي حراً، على حين ابتُلِيَت بلاد المسلمين حيناً بالاستعمار وغلب عليها يوماً الكفار.
لقد امّحت من وجوهنا سمات الخوف وكُتبت عليها سطور الفرح. أهو الفرح لأننا صرنا في السعودية، أم لأننا دنونا خطوة من بيت الله ومن مدينة رسوله ﷺ ، أم لأننا نجونا ممّن كان يطاردنا، ويلاحقنا ليطردنا أو يثبّتنا ويحبسنا؟
وتجدّد نشاطنا وصُبّ الأمل في نفوسنا، فتقدمنا مطمئنّين على وعورة الأرض وكثرة الرمال، وجعلنا نعلو ناشزاً من الأرض ونهبط غائراً، حتى بدت لنا تلّة عالية فوقها سواد تبين لنا أنه خباء من أخبية الشعر، فأنسنا به وأسرعنا المسير إليه، فلما دنونا منه رأيناه مخفراً من مخافر الحدود فوقه علم مكتوب فيه «لا إله إلاّ الله محمد رسول الله» وتحتها سيفان، كلمة الحقّ لمن أراد الحقّ
стр. 836
والسيف لمن أبى إلاّ العدوان.
ورأينا ثلاثة شُبّان كأنهم الرماح، بأثواب عربية فوقها رداء (جاكيت) عسكري، يهبطون من فوق التلّ لاستقبالنا بوجوه يشرق فيها الكرم، وجباه يسطع منها النبل، وملامح فيها القوّة وفيها الطِّيب، عليهم مناطق الرصاص، بأيديهم بنادق جديدة وعليها كتابة، لمّا قربوا منا قرأتها فوجدت فيها: «وقف لله تعالى، وقفه عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود».
ساروا أمامنا ونحن نتبعهم حتى بلغنا الخباء في أعلى التلّ، فإذا فيه البسُط والجلود ورحل جمل يتّكئ الجالس عليه، وفي وسط الخباء حفرة فيها نار موقَدة قد وُضعت حولها «دِلال» القهوة، فأجلسونا على أفضل ما عندهم من أثاث وبذلوا لنا أكثر ما يقدرون عليه من إكرام، وقدّموا القهوة، ولم ينقطع ترحيبهم بنا وسؤالهم إيانا عن سفرنا.
وقد شعرنا أنهم في مثل موقف المحرَج؛ فالواجب الرسمي عليهم أن يتحقّقوا من أسمائنا ويستقْرُوا (١) أحوالنا، وهم يعرفون الواجب الرسمي، والعرف العربي في البادية ألاّ يُسأل عن اسمه الضيف حتى يكون هو الذي يخبر به، وهم بين واجب الشرطي وكرم المضيف. وقد حلّ المشكلة الشيخ ياسين الرواف ﵀، وهو نجدي الأصل قصيمي، شامي المولد والنشأة دمشقي، فخبّرهم خبرنا وأعطاهم جوازات سفرنا، فوضعوا الخاتم عليها، ولمّا اطمأنّوا إلى أنهم أدّوا واجب الوظيفة الرسمية تفرّغوا لأداء
стр. 837
واجب الضيافة العربية.
أكلنا طعامهم، وهو أفضل طعام وأخفّه على المعدة وأنفعه للجسم: الزبد والرز والتمر. وشربنا من ألبان النياق، وما ألذّه من شراب! حلبوه أمامنا وجاؤونا به تعلوه الرغوة، فوجدته مُحلّى وما مسّه سُكّر مصنوع، وما شربتُه قبل هذه المرّة. وحدّثونا حديثاً حلواً كتمرهم سائغاً كلبنهم، ثم سألونا عن الطريق الذي نعتزم على سلوكه فأشرنا إلى الدليل، فحدّثوه فألْفَوه أجهل الناس ووجدوه فلاّحاً يضرب بنا في الصحراء المهلكة على غير هُدى، فاختاروا واحداً منهم يمشي معنا إلى القريات يدلّنا ويهدينا. وكان فتى أسمر حلو الخُلق والخَلْق، ولكنه على جماله ورشاقته أمضى من السيف الباتر وأسرع من السهم الغائر، وكان اسمه «سلامة» فتفاءلنا باسمه خيراً، وكان ﵊ يتفاءل بحسن الأسماء. قلت: "رافقَتنا إن شاء الله السلامة"، ونكّس الحاج غراب ذقنه وصمت لا يُبدي ولا يُعيد.
ما فعل الله بك الآن يا سلامة؟ وأنتم أيها الشبان هل أنتم أحياء؟ وأيّ سماء تُظِلّكم وأي أرض تُقِلّكم؟ وهل تذكرون هذا الركب الذي مرّ يوماً بكم أم أنسَتكم خبرَه الأيام؟ أم قد سبقتمونا إلى اللقاء الذي ما منه بدّ ولا مهرب: لقاء الله؟ جزاكم الله خيراً وأحسن إليكم، وأجزل عنّا مكافأتكم أحياء لا تزالون أم أمواتاً. لقد أحسنتم إلينا، وكان لقاؤكم براعة الاستهلال في هذه الرحلة وكان بداءة خير لها.
* * *
стр. 838
وعدنا نخرق صدر البادية. والباديةُ كالبحر، داخلها مفقود والخارج منها مولود. لا يدري معنى هذا الكلام مَن يقطعها اليوم على طريق مزفَّت (١) يمشي عليه كما يمشي في شوارع المدينة، لا يخشى أن «تغرز» دواليب سيارته في الرمل ولا أن يضلّ في المفاوز ولا أن يتعرّض للمهالك، يقطعها على طريق مزفَّت يمتدّ متّصلاً بلا انقطاع من الدمّام على شطّ الخليج إلى جدّة على سِيف البحر، ومن مكّة إلى اليمن جنوباً، أو إلى بغداد أو طهران ... امتدّت طرق ما كنت أتصوّرها تلك الأيام ولا بالمنام. بل يفهم هذا الكلام مَن أقدمَ -مثلنا- يمشي بسيارته على أرض باقية كما خلقها الله؛ يصعد مع الجبل ويهبط مع الوادي، ويخوض الرملة أو يدور من حولها، مسيرة لا يُدرِكها إلاّ من سارها.
ولكنّا كنّا هذه المرّة في أمان مع «سلامة» وقد أخذ مكانه جنب السائق يقول له: يمين، شمال، اصعد التلّ، تجنّب الرملة، دُر من حول الصخرة، أسرع، أبطئ ... والسائق يسمع ويطيع، ونحن نتغلغل بين هاتيك التلال التي لا يبلغها الحصر. حتى إذا كان الأصيل أبصرنا رملة بيضاء فسيحة، لها منظر البحر في سعته وتموّجه واستوائه أو سهل الزبداني وقد بسط الشتاءُ عليه بساطاً أبيض من ندف الثلج؛ منظر يملأ العينَ بالجمال والقلبَ -من سلوكه- بالخوف، يلوح من ورائها سواد قليل كأنه خيال البنيان أو بساتين النخيل، فقال سلامة: هذه هي القريات، قُرَيّات الملح.
стр. 839
وقد علمت أنها ستّ قُرى صغيرة متقاربة أكبرها تُدعى «كاف». وفي تونس بلدة اسمها «كاف» منها شيخنا المعمّر الشيخ محمد الكافي الذي سأتحدث عنه إن شاء الله فيمن أثّر فيّ من الرجال. ولكن جميع هذه القرى لا يبلغ عددُ سكانها نصفَ سكان قرية من قُرى الشام، أو هكذا كانت لما زرناها من خمسين سنة كاملة، ولست أعرف ما وضعُها الآن.
وهي في منخفض من الأرض، كان أول ما استقبلَنا منها الحصنُ، وهو حصن كبير من الحجر الأبيض المسنون، علمت أن الأمير نواف بن النوري بن الشعلان بناه أيام تسلّطه على تلك الديار من نحو سبعين سنة، يوم كانت الجزيرة العربية إمارات ودولاً قبل أن يوحّدها الملك عبد العزيز. أما بيوت القرى الستّ فهي أكواخ، أو شيء يقارب الأكواخ من اللبِن والطين، قائمة على شاطئ الرملة البيضاء كالميناء على شاطئ البحر، يحفّ بها نخيل قليل وحقول صغيرة تزرع الخضر، وتُسقى من عين جارية وفيرة الماء تقوم برَيّ متّسع من الأرض لو كان هناك مال ... هذا ما قلته سنة ١٣٥٣هـ قبل أن يُخرِج الله لنا كنوز الأرض ذهباً أسود نستطيع أن نشتري به الدنيا ونشتري الآخرة؛ فإن المال ثمن قصور الجنة لمن أرادها فأنفق ماله فيما يُرضي الله، مؤمناً بالله طالباً ثواب الله. وحول القرية وبساتينها صخور كالأهرامات الهائلة رهيبة المنظر، كأنها سور أحاط الله به هذه القرى. أما مورد رزق أهلها فأكثره من الملح الذي يستخرجونه من «السِّباخ» الكثيرة القريبة منهم، يبيعونه في حوران وشرقي الأردن.
والقريات «إمارة»، ومن مصطلَح السعوديين أنهم يسمّون
стр. 840
كل من يلي مدينة «أميراً»، فأمير الشرائع مثلاً أمير وأمير المنطقة الغربية كلها أمير. ولو أنهم عدّدوا الألقاب بتعدّد منازل الولايات لكان في رأيي أحسن، وفي جدّة لقب من بقايا اصطلاحات الأتراك هو «قائم المقام».
* * *
وكان الأمير لمّا وصلنا غائباً في مكّة لم يرجع -بعدُ- من موسم الحج، يقوم مقامه ابن أخٍ له، وكان في قرية أخرى من القُرى (أي القُرَيّات) فلم نرَه. ولقد كانت جدّتي إذا رضيَت عني تدعو لي أن أمسك التراب فيصير ذهباً، وإن أبطأتُ عليها في حاجة لها قالت لي: «الله يطعَمَك حجّة والناس راجعة»! فاستُجيبَت الثانية؛ فأطعمني الله الرحلة إلى منزل الوحي ومكان الحجّ بعدما رجع الناس من الحجّ، ولم تُستجَب الأولى، وإن كنت (والحمد لله) راضياً عنه شاكراً له، بلغت هذا العمر ولم احتَج إلى سؤال أحد، قد أغناني الله بفضله عن الناس، لا أحتاج إلاّ إلى دعوة صادقة بظهر الغيب من أخ مؤمن له قلب حاضر، على ألاّ يخبرني بها لأقول له أشكرك فتصير «مجاملة»، بل يَدَعُها بينه وبين الله، وله من الله بكرمه مثلها.
وقد أدخلونا القصر بغياب الأمير ونائبه وأكرمونا، وأوقدوا النار بعيدان الغَضا (ولعلّ هذا من مظاهر الإكرام) فجدّد لي الغضا ما أحفظ فيه من الشعر. وإني لأحفظ إلى الآن كثيراً ممّا قال الشعراء فيه، ومنهم من كنّى به عن نجد، مهوى الأفئدة منهم ومثوى الجمال ومثار الخيال. ولقد جمعت مرّة طائفة ممّا قيل
стр. 841
في نجد وجعلتها على صورة قصة، أخذها أحد أبنائنا الأفاضل في الرياض فطبعها في كتاب صغير (١)، وقد دفع لي أخي ناجي من أيام مجموعة أخرى من أشعار نجد، وما أحسب بقعة في الأرض قيل فيها من الشعر ما قيل في الحجاز ونجد، وحسبكم «حجازيات» سيد شعراء الغزل، الشريف الرضيّ.
رأيت شجر الغَضا، وهو كثير في البوادي، فوجدته كشجر المشمش غير أنه أجمل شكلاً وأدقّ ورقاً وأشدّ خضرة. وما رأيت في البادية شجراً أكثر منه اخضراراً، أمّا جَمْره فهو كالفحم الحجري بلا مبالغة، في شدّة حرّه وطول بقائه.
واستعاروا إحدى سياراتنا لتأتي بالأمير، ودعونا إلى دار قوراء واسعة أخلوها لنا، وكانت دار مفتّش الحدود عبد العزيز بن زيد، وأظنّه الذي صار من بعد سفير المملكة في سوريا أو لعلّه غيره، وكانت أكبر دار في القريات وأجملها لكنها خالية لا شيء فيها لغياب صاحبها، ففرشناها من القليل الذي كنّا نحمله معنا والكثير الذي حملوه هم إلينا.
* * *
стр. 842
-٧٣ -
رحلة الحجاز (٤)
في الطريق إلى تبوك
بتنا في دار ابن زيد هذا خير مبيت، وقد جاؤونا بالعشاء من قصر الأمير، فلما أصبحنا غدونا عليه، فرأيناه شاباً ذكياً ليس بالمتعلم، ولكن له مشاركة في بعض علوم الدين ويحفظ شيئاً من الحديث تلقّاه في مجالس العلم. وتلك سنّة سنّها عبد العزيز ﵀، فجعل أكثر ليله للعلم وللعبادة؛ يأتي مجلسَه العلماء فيقرؤون فيه كتاباً، فإذا أتمّوه شرعوا في غيره، وتكون شروح ومناقشات علمية يشترك فيها بنفسه. وقلّده أمراؤه في ذلك وساروا على سُنّته، فمِن هنا حفظ هذا الأمير الشابّ ما حفظ.
وقد نسيت أن أقول إنه استقبلنا على عتبة الباب وأفاض علينا البِشْر والإيناس، وجلس معنا يحدّثنا ونارُ الغضا تكاد تلفح وجوهنا. ولبثنا على ذلك ساعة، لم يدع فيها الأمير دقيقة واحدة قوله: قهوة، شاهي، شاهي، قهوة. ينطقون كلمة القهوة بتسكين القاف، وكذلك الأعراب اليوم كلهم في الشام والعراق والجزيرة، مع أن من سنن العرب الأوّلين في كلامهم أنهم لا يبدؤون بساكن
стр. 843
ولا يقفون على متحرّك، وهذا هو الشيء الطبيعي، فمن بدأ «ساكناً» وقف فلم يتحرك ومن وقف على «متحرك» سقط فلم يثبت.
ثم أديرت علينا «المَجْمَرة» وفيها البخور، فلم ندرِ ما نصنع بها حتى رأينا الأمير يضمّ عليها طرفَي عمامته (أي غترته) وعباءته حتى يتعشق الطيبُ ثيابه ثم يدعها، فتشبّهنا به فصنعنا صنيعه:
فَتَشبّهوا إنْ لم تكونوا مِثلَهم ... إنّ التشبُّهَ بالكِرامِ فَلاحُ
وانتهى تدوير البخور علينا، وأبصرنا الأمير ينظر إلينا فلم نفهم ماذا ينتظر منّا، فقام الشيخ الروّاف فاستأذن فقمنا معه، على أن نعود إلى الأمير الظهر للغداء. فلما خرجنا قال الشيخ ياسين الرواف: ألم تسمعوا المثل النجدي؟ قلنا: لا والله، فما هو؟ قال: «إذا دار العود فلا قعود». فعلمنا عندئذ سرّ نظر الأمير إلينا.
* * *
وجئنا الظهر للغداء، فمدّوا سماطاً على الأرض ووضعوا عليه قصعة هائلة كان يحملها اثنان وقد مُلئت أرزّاً، وأُلقي فوق الرز خَروف كامل برأسه. نعم، برأسه، فهل خافوا أن نحسبه دبّاً أو ذئباً أو قطاً كبيراً، فجاؤوا بالرأس دليلاً قاطعاً على أنه خروف ابن خروف من أمّة الظأن لا من شعب الذئاب والثعالب! كذلك خُيّل إليّ، ثم عرفت أنّ الرأس يُترَك لينال الضيف من أطايبه. ومن رجع إلى ما كتب الجاحظ علم أن الطيبات في الرأس، فالمخّ له طعم لا يشبه طعم اللسان، ولهذا كان للرأس في الشام
стр. 844
مطاعم خاصّة يُدعى صاحبها «الروّاس»، يقدّم من الرأس أصنافاً وألواناً.
وكان الخروف مفتوح العينين فتوهّمت أنه ينظر إلينا، وكان ناعس الطرف فتذكّرت ما قال الشعراء في العيون النواعس. ثم رأيت أني إن استرسلت في أوهامي وخيالاتي بقيت جائعاً، لأن القوم أحدقوا بالقصعة وشَمّروا عن سواعدهم، ونظروا شزراً فعل من يُقدِم على معركة، فخشيت أن يذهبوا باللحم ويبقى لي الوهم والرز بلا لحم، فأتغدّى خيالاً وأدباً ويأكلون هم الخروف. فنسيت عينه المفتوحة وطرفه الناعس، واعتذرت إليه وأقبلت أخوض المعركة. ولكن كيف أخوضها بلا سلاح، بلا ملعقة؟ إن القوم يأخذون قبضة الرز واللحم فيديرونها حتى تصير كالكرة الصغيرة، ثم يقذفونها في حلوقهم فتقع في المرمى وتصيب «الهدف». فحاولت أن أعمل مثلهم، فانفلت الرز من بين أصابعي وملأ السمن كفي، فرفعته إلى فمي فسال على ثيابي، فجعلت أعمل على إدخاله فمي فدخلَت فيه أصابعي كلها حتى كدت أختنق وما دخل فيه الرز ولا اللحم، وغسل وجهي السمن حتى صار يلمع، لا يضيء بالتقوى ولكن بالدهن! وإني لفي هذه المحنة إذ أحسست بيد تمسّ كتفي، فظننته يريد أن أفسح له ففسحت، وإذا به يزيد في إكرامي فيأتي بطبق من خالص السمن العربي فيصبّه على الرز بين يدي.
فقمت وعيني إلى الطعام تملؤها الشهوة إليه، وبطني فارغ تزقزق عصافيره تطلب العودة إليه، وذكرت من قال عن فقد عبده في إشبيلية (التي كانت تُسمّى حِمْصاً):
стр. 845
حمصُ الجنّةُ قالَتْ ... لغلامي لا رُجوعا
رحِمَ اللهُ غلامي ... مات في الجنّةِ جُوعا
* * *
لماذا لا تأكل العصافير القمح في سنابله وهو أشهى شيء إليها؟ لأن الله ركّب في رأس السنبلة أشواكاً طريّة، فإذا مدّ العصفور منقاره ليصل إلى الحَبّ اعترضَته وجاءت في رقبته فمنعته، فهو يرى الطعام ولا يصل إليه:
كالعيِس في البَيداءِ يقتُلُها الظّما ... والماءُ فوقَ ظهورِها مَحمولُ
وكذلك كنت في وليمة أمير القريات سنة ١٣٥٣؛ الرز واللحم بين يدَيّ والرغبة فيه بين جنبَيّ، تصل إليه يدي ولكن لا تبلغ به فمي، فعلّموا يا أيها القرّاء أولادكم (ولو كنتم في المدن) الأكل بأصابعهم، فما تدرون متى يُضطرّون إليه، وعلّموهم كذلك الأكل في الموائد الرسمية باستعمال أنواع الشوكات والسكاكين، وكيف يأكلون اللحم وكيف يتناولون السمك والدجاج، فلعلّهم يحتاجون يوماً إليه. فما تعلّمت هذه ولا تعلّمت تلك، لذلك أكره أن آكل مع الأعراب كما أكره أن آكل مع الإفرنج والمتفرنجين.
وجاؤونا بعد الطعام، ونحن في مجالسنا، بطست من النحاس عليه مصفاة فوقها قطعة صابون، وإبريق من مثل نحاس الطست (أو الطشت، كلاهما فصيح) له رقبة طويلة ملتوية: آخذ الصابون فأغسل يدي فوق الطست، والخادم يصبّ عليّ ثم يقدّم لي المنشفة.