← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

في نجد وجعلتها على صورة قصة، أخذها أحد أبنائنا الأفاضل في الرياض فطبعها في كتاب صغير (١)، وقد دفع لي أخي ناجي من أيام مجموعة أخرى من أشعار نجد، وما أحسب بقعة في الأرض قيل فيها من الشعر ما قيل في الحجاز ونجد، وحسبكم «حجازيات» سيد شعراء الغزل، الشريف الرضيّ. رأيت شجر الغَضا، وهو كثير في البوادي، فوجدته كشجر المشمش غير أنه أجمل شكلاً وأدقّ ورقاً وأشدّ خضرة. وما رأيت في البادية شجراً أكثر منه اخضراراً، أمّا جَمْره فهو كالفحم الحجري بلا مبالغة، في شدّة حرّه وطول بقائه. واستعاروا إحدى سياراتنا لتأتي بالأمير، ودعونا إلى دار قوراء واسعة أخلوها لنا، وكانت دار مفتّش الحدود عبد العزيز بن زيد، وأظنّه الذي صار من بعد سفير المملكة في سوريا أو لعلّه غيره، وكانت أكبر دار في القريات وأجملها لكنها خالية لا شيء فيها لغياب صاحبها، ففرشناها من القليل الذي كنّا نحمله معنا والكثير الذي حملوه هم إلينا. * * *

стр. 842

-٧٣ - رحلة الحجاز (٤) في الطريق إلى تبوك بتنا في دار ابن زيد هذا خير مبيت، وقد جاؤونا بالعشاء من قصر الأمير، فلما أصبحنا غدونا عليه، فرأيناه شاباً ذكياً ليس بالمتعلم، ولكن له مشاركة في بعض علوم الدين ويحفظ شيئاً من الحديث تلقّاه في مجالس العلم. وتلك سنّة سنّها عبد العزيز ﵀، فجعل أكثر ليله للعلم وللعبادة؛ يأتي مجلسَه العلماء فيقرؤون فيه كتاباً، فإذا أتمّوه شرعوا في غيره، وتكون شروح ومناقشات علمية يشترك فيها بنفسه. وقلّده أمراؤه في ذلك وساروا على سُنّته، فمِن هنا حفظ هذا الأمير الشابّ ما حفظ. وقد نسيت أن أقول إنه استقبلنا على عتبة الباب وأفاض علينا البِشْر والإيناس، وجلس معنا يحدّثنا ونارُ الغضا تكاد تلفح وجوهنا. ولبثنا على ذلك ساعة، لم يدع فيها الأمير دقيقة واحدة قوله: قهوة، شاهي، شاهي، قهوة. ينطقون كلمة القهوة بتسكين القاف، وكذلك الأعراب اليوم كلهم في الشام والعراق والجزيرة، مع أن من سنن العرب الأوّلين في كلامهم أنهم لا يبدؤون بساكن

стр. 843

ولا يقفون على متحرّك، وهذا هو الشيء الطبيعي، فمن بدأ «ساكناً» وقف فلم يتحرك ومن وقف على «متحرك» سقط فلم يثبت. ثم أديرت علينا «المَجْمَرة» وفيها البخور، فلم ندرِ ما نصنع بها حتى رأينا الأمير يضمّ عليها طرفَي عمامته (أي غترته) وعباءته حتى يتعشق الطيبُ ثيابه ثم يدعها، فتشبّهنا به فصنعنا صنيعه: فَتَشبّهوا إنْ لم تكونوا مِثلَهم ... إنّ التشبُّهَ بالكِرامِ فَلاحُ وانتهى تدوير البخور علينا، وأبصرنا الأمير ينظر إلينا فلم نفهم ماذا ينتظر منّا، فقام الشيخ الروّاف فاستأذن فقمنا معه، على أن نعود إلى الأمير الظهر للغداء. فلما خرجنا قال الشيخ ياسين الرواف: ألم تسمعوا المثل النجدي؟ قلنا: لا والله، فما هو؟ قال: «إذا دار العود فلا قعود». فعلمنا عندئذ سرّ نظر الأمير إلينا. * * * وجئنا الظهر للغداء، فمدّوا سماطاً على الأرض ووضعوا عليه قصعة هائلة كان يحملها اثنان وقد مُلئت أرزّاً، وأُلقي فوق الرز خَروف كامل برأسه. نعم، برأسه، فهل خافوا أن نحسبه دبّاً أو ذئباً أو قطاً كبيراً، فجاؤوا بالرأس دليلاً قاطعاً على أنه خروف ابن خروف من أمّة الظأن لا من شعب الذئاب والثعالب! كذلك خُيّل إليّ، ثم عرفت أنّ الرأس يُترَك لينال الضيف من أطايبه. ومن رجع إلى ما كتب الجاحظ علم أن الطيبات في الرأس، فالمخّ له طعم لا يشبه طعم اللسان، ولهذا كان للرأس في الشام

стр. 844

مطاعم خاصّة يُدعى صاحبها «الروّاس»، يقدّم من الرأس أصنافاً وألواناً. وكان الخروف مفتوح العينين فتوهّمت أنه ينظر إلينا، وكان ناعس الطرف فتذكّرت ما قال الشعراء في العيون النواعس. ثم رأيت أني إن استرسلت في أوهامي وخيالاتي بقيت جائعاً، لأن القوم أحدقوا بالقصعة وشَمّروا عن سواعدهم، ونظروا شزراً فعل من يُقدِم على معركة، فخشيت أن يذهبوا باللحم ويبقى لي الوهم والرز بلا لحم، فأتغدّى خيالاً وأدباً ويأكلون هم الخروف. فنسيت عينه المفتوحة وطرفه الناعس، واعتذرت إليه وأقبلت أخوض المعركة. ولكن كيف أخوضها بلا سلاح، بلا ملعقة؟ إن القوم يأخذون قبضة الرز واللحم فيديرونها حتى تصير كالكرة الصغيرة، ثم يقذفونها في حلوقهم فتقع في المرمى وتصيب «الهدف». فحاولت أن أعمل مثلهم، فانفلت الرز من بين أصابعي وملأ السمن كفي، فرفعته إلى فمي فسال على ثيابي، فجعلت أعمل على إدخاله فمي فدخلَت فيه أصابعي كلها حتى كدت أختنق وما دخل فيه الرز ولا اللحم، وغسل وجهي السمن حتى صار يلمع، لا يضيء بالتقوى ولكن بالدهن! وإني لفي هذه المحنة إذ أحسست بيد تمسّ كتفي، فظننته يريد أن أفسح له ففسحت، وإذا به يزيد في إكرامي فيأتي بطبق من خالص السمن العربي فيصبّه على الرز بين يدي. فقمت وعيني إلى الطعام تملؤها الشهوة إليه، وبطني فارغ تزقزق عصافيره تطلب العودة إليه، وذكرت من قال عن فقد عبده في إشبيلية (التي كانت تُسمّى حِمْصاً):

стр. 845

حمصُ الجنّةُ قالَتْ ... لغلامي لا رُجوعا رحِمَ اللهُ غلامي ... مات في الجنّةِ جُوعا * * * لماذا لا تأكل العصافير القمح في سنابله وهو أشهى شيء إليها؟ لأن الله ركّب في رأس السنبلة أشواكاً طريّة، فإذا مدّ العصفور منقاره ليصل إلى الحَبّ اعترضَته وجاءت في رقبته فمنعته، فهو يرى الطعام ولا يصل إليه: كالعيِس في البَيداءِ يقتُلُها الظّما ... والماءُ فوقَ ظهورِها مَحمولُ وكذلك كنت في وليمة أمير القريات سنة ١٣٥٣؛ الرز واللحم بين يدَيّ والرغبة فيه بين جنبَيّ، تصل إليه يدي ولكن لا تبلغ به فمي، فعلّموا يا أيها القرّاء أولادكم (ولو كنتم في المدن) الأكل بأصابعهم، فما تدرون متى يُضطرّون إليه، وعلّموهم كذلك الأكل في الموائد الرسمية باستعمال أنواع الشوكات والسكاكين، وكيف يأكلون اللحم وكيف يتناولون السمك والدجاج، فلعلّهم يحتاجون يوماً إليه. فما تعلّمت هذه ولا تعلّمت تلك، لذلك أكره أن آكل مع الأعراب كما أكره أن آكل مع الإفرنج والمتفرنجين. وجاؤونا بعد الطعام، ونحن في مجالسنا، بطست من النحاس عليه مصفاة فوقها قطعة صابون، وإبريق من مثل نحاس الطست (أو الطشت، كلاهما فصيح) له رقبة طويلة ملتوية: آخذ الصابون فأغسل يدي فوق الطست، والخادم يصبّ عليّ ثم يقدّم لي المنشفة.

стр. 846

ولم يكن ذلك غريباً عليّ، فقد كانت هذه عادتنا في الشام، ولطالما صببت على أيدي الضيوف بأمر من أبي. وكانت تلك أكره شيء إلى نفسي، لا سيما حين يُلقي الضيف ما في فمه في الإناء بعد أن يغسل فمه وأسنانه! وقد بَطُلَت هذه العادة حين اتخذنا «المغاسل» في البيوت. وهذه الطشوت وهذه الأباريق صناعة شامية عريقة يتفنّنون في أشكالها وفي العناية بها، كانت للاستعمال فصارت للزينة، وأقول (بالمناسبة): إن لولد شيخنا، أعني شيخ مشايخنا الشيخ جمال الدين القاسمي كتاباً (نفيساً جداً) عَدّ فيه الصناعات الشامية ووصفها وتكلّم عنها، وأكثر هذه الصناعات نُسيَ ومات أهله، فتضاعفت بذلك قيمة الكتاب (١). * * * وخرجنا نتجوّل في البلد (في القريات) فرأيناها كلها في جولة واحدة، ورأيت المساجد (في السعودية) أول مرّة. والمساجد تتفاوت في جمال بنائها وزخارف جدرانها والفن في منبرها ومحرابها واختلاف أشكال مآذنها، وهذا كلّه من البدع، وهو جميل رائع بمقياس الفنّ ولكنه مكروه مذموم بمقياس الدين، لأن كل ما يشغل المصلّي في صلاته عن الله مخالف لشرع الله. والمساجد في السعودية (ما رأيت منها سنة ١٣٥٣) خالية منه، فهي دانية السقوف، يقوم سقفها على عمد كثيرة متقاربة من جذوع النخل أو من اللبِن، وأرضها مفروشة بالرمل، لا سجّادة ولا بساط ولا حصير. ولمّا سألنا عن سرّ ما رأينا عجبوا من

стр. 847

سؤالنا، وكأنهم استخفّونا واستجهلونا لأن من المقرّر عندهم (أو عند عامّتهم) أن هذه هي سنّة السلَف وأن المساجد لا تُفرَش. وأنا رجل سلفي بحمد الله من قبل هذه الرحلة، ولكني لست «ظاهرياً» أتمسّك بحرفيّة النصّ وأحبس نفسي بحدود الألفاظ. وأنا أعلم أن الأصل في المسجد في بنائه وفرشه البساطة (البساطة بالمعنى المتعارف لا المعنى اللغوي)، فلما كانت أرض البيوت أو أكثرها من التراب كانت المساجد كذلك، أما أن نتخذ لبيوتنا أغلى السجّاد العجمي وأثمن الستائر وأفخم الفرش، ولا ندخلها بالأحذية المتربة الوسخة ونمسح عنها الغبار، ثم نجعل أرض المسجد من التراب، وأن نقعد عليه بأبيض الثياب وأن ندوس عليه بالأحذية (وإن كانت الصلاة بها مشروعة) وأن نضع أحذيتنا حيث يضع المصلّون جباههم فتؤذيهم وتكسر نفوسهم، فلا. وقد كانت الطرق في صدر الإسلام جافّة، وكانت نظيفة لأن تنظيفها وإماطة الأذى عنها من شُعَب الإيمان، فصارت الطرق مغمورة حيناً بماء المجاري النجس، حتى إنهم في بعض البلدان لا يمنعهم الدين ولا الذوق السليم أن يسقوا به الحدائق العامّة وسط الشوارع، فبدلاً من أن تشمّ شذى الورد وريّا الزهر تشم رائحة ماء المراحيض! * * * عدنا إلى الدار التي منحونا مفتاحها، ولكن ما الذي نصنعه فيها؟ ليس عندنا عمل نُنجِزه ولا كتاب نقرؤه، ولا جديد من الأحاديث نتناوله ونتجاذبه، وما بنا حاجة إلى المنام فننام، فطال علينا النهار وثقلت ساعاته. وأنا أفكّر من قديم في أمر نراه دائماً

стр. 848

ولا أعرف له تعليلاً: لماذا يضيق أحدنا بالزمان إذا لم يجد ما يقطعه به؟ لماذا تثقل عليه ساعات الفراغ؟ لماذا يملّ الانتظار؟ لماذا يكره أحدنا أن يخلو بنفسه؟ هل نفسي عدوّ لي أشتغل عنه دائماً بقراءة كتاب، فلماذا أقطع عمري بما يشغلني عن مراقبته والتفكير فيه؟ لقد وجدت الجواب: إنه ضعف الإيمان، ولو كنت كما ينبغي أن أكون لأنست في خلوتي بالله ولم أضِق بالوحدة ولا كرهتها، ولمَا أضعت لحظة من حياتي (التي سيسألني الله عنها) في غير ما ينفعني عنده يوم العرض عليه. ولكن ياأسفي! ما عندي إلاّ الكلام ورجاء العفو من الله. لماذا أقمنا ذلك النهار في القريات على قلّة العمل وكثرة الملل؟ لقد كنّا ننتظر الدليل الذي وعدنا أن يختاره لنا الأمير. وجاء الدليل فإذا هو سيد من سادات قبيلة الشّرَارات، وهم عُمّار تلك الديار، لمّا رأيناه أيقنّا أنْ قد أبدلنا الله بدرهمنا الزائف ديناراً صحيحاً حين صرف عنّا ذلك الدليل الجاهل الثقيل وجاءنا بهذا الأعرابي الفَكِه الظريف، الذي أفدنا منه فوائد كثيرة ولمسنا في صحبته السلائق العربية المسلمة: الذكاء والوفاء والإباء والمنطق البليغ، وكله بلهجة أهل البادية، والذاكرة القوية والجواب الحاضر والصبر والإيثار. ولقد أثمرَت لي صحبته أدباً جديداً حين كتبت قصته «أعرابي في حَمّام» و «أعرابي في سينما» و «الأعرابي والشعر»، وكلها نُشر في «الرسالة» وهي في كتابي «صور وخواطر». وما جاء

стр. 849

في هذه القصص من وصف الأعرابي هو وصف هذا الدليل الذي اسمه صْلِبي (بتسكين الصاد على عادة أعراب اليوم في الابتداء بالساكن)، وإن قامت هذه القصص على أعمدة من الخيال، خيال لم يُخرِجها من حدود الأدب الواقعي. والواقعية في الأدب ليست بسرد ما وقع فعلاً، بل بما يمكن أن يقع. جدّد لنا قدوم الدليل نشاطنا وشدّ من عزائمنا، فاتخذنا عُدّة الرحيل. وكان أهل البلد مجتمعين عند الدار التي كنّا ننزل فيها، جاؤوا يودّعوننا، فقد كان حضور وفدنا من الأحداث التي تُحفَظ ويُروى حديثها لأن القريات كانت -في تلك الأيام- كأنها منقطعة لا يكاد يمرّ بها أحد وليست على طريق يجتازه المسافرون. وكان السفر على الدوابّ، فلا سيارات ولا طرق يمكن أن تمشي فيها السيارات. هم جاؤوا يودّعوننا وذهبنا نحن معهم نودّع الأمير، فوجدناه قد أعد مجلساً عالياً يُشرِف منه على الفضاء الرحب. فاستقبلَنا ورحب بنا و «قَهْوانا»، ودعانا إلى المبيت وألحّ علينا وذهب يلتمس إلى إقناعنا الطرق، ونحن نشكر ونعتذر ونتملّص. لا أدري أكان ذلك حياء منه أن نطيل المكث في ضيافته أم كراهية البقاء في هذه البلدة الساكنة سكون المقبرة الخالية من كل شيء يشغل أو يسلّي، أم حماقة منّا! وقد تبيّن لنا بعد أن مشينا أنه ليس إلاّ الحماقة التي أعيت من قبلُ مَن يداويها. ولمّا عجز عن أن يقنعنا بالبقاء عرض علينا العشاء، فأصررنا على الاستئذان. ولست أنسى كلمة قالها هذا الشابّ، وكيل أمير القريات الذي لم يتعلّم في مدرسة ولم يحمل شهادة. قدّمنا إليه من الحلوى الشامية التي حملنا منها معنا،

стр. 850

والتي ملأت شهرتُها البلاد وعجزَت عن صنع مثلها أيدي الطهاة، فاستطابها وقال لنا إنه ما ذاق من قبل مثلها ولكنه (وهذه هي الكلمة)، قال: ولكنه كان يفضّل ألاّ يذوقها، لئلاّ يعوّده مذاقُها الترفَ ويسلبه روح الصحراء. كانت الحماقة وحدها هي التي حملتنا على ترك ضيافة الأمير؛ ذلك أننا لم نسِر إلاّ ساعة حتى أظلم الليل وتوعّرَت الأرض وتعذّر المسير، فقال لنا الدليل: قفوا، فوقفنا. فعرض علينا العودة إلى القريات لأن السير صعب والمبيت هنا أصعب، فأبينا، فنزل ودعا إلى النزول فنزلنا، قال: انظروا. فنظرنا، نظرنا فإذا الأرض تعصر ماء، وإذا هي سبخة من السباخ التي يُستخرج منها الملح، قال: ارجعوا فلا محطّ لكم هنا. فأبينا الرجوع، وتفرقنا وذهبنا يميناً وشمالاً نفتّش عن أرض خير منها نبيت فيها. قال: أين تذهبون؟ كل هذه المنطقة مثل هذه البقعة، فارجعوا فناموا في البلد، فإذا أصبح الصباح سرتم في ضوء النهار. قلنا: لا. قال: مَن أميركم؟ قلنا: كلنا أمير. فأنشد أبياتاً من الشعر النبطي ضحك منها الشيخ الرواف، لأن فيها -كما بدا- السخرية منّا والهزء بنا. أمّا نحن فلم نضحك ولم نبكِ لأننا ما فهمنا منها شيئاً، وربما كان الجهل نعمة على صاحبه أحياناً. وذهب هو والشيخ ياسين فقعدا في السيارة، وما أدري من أين هبط عليّ العقل تلك الليلة ففعلت فعلهما؛ آثرت أن أُمضي الليل قاعداً من أن أنام في الوحل. وما السبخة إلاّ وحل فيه ملح. وبسطوا هم بُسُطَهم على الماء فابتلّت، وناموا عليها

стр. 851

فما ناموا، ولكن قاموا يشكون كلهم الرثيّة (أي الروماتيزم) ويحسّون الألم في مفاصلهم وفي ظهورهم، وأصبحنا نحن وما نمنا فاسترحنا ولكنا ما مرضنا ولا وجعنا، ولقينا من الشدّة ما ذكرنا معه بالخير ليلة «أم الجمال»، وهذا جزاء الجاهل يركب رأسه ويعصي عقلاء الرجال. * * * تبدّل كل شيء بعد القريات. كنت أراها نهاية السفر فصارت بدايته، كانت هي غايتَنا فصارت الغاية تبوك، وأين منّا تبوك؟ ولو أننا مشينا مع خطّ الحديد نتجه جنوباً لكنّا قد وصلنا الآن إليها، فهي تبعد عن دمشق أقلّ من سبعمئة كيل ونحن قد مشينا إلى الآن أكثر من ألف وخمسمئة، لكننا كحمار السانية، وقديماً قالت العرب: «سَيرُ السّواني سفرٌ لا ينقطع»؛ أنها تسير وتسير وهي في مكانها، تدور في حلقة مفرَغة من حول بئر الماء، ونحن ندور حيث لا ظلّ ولا ماء. بدأت الآن المتاعب التي أرتنا ما كان قبلها بالنسبة إليها نوماً على فراش الحرير. كنت أتلفّتُ إلى دمشق بقلبي كما تلفّت الشريف، فلما رأيت هذه الصعاب صار تلفّتي إلى الأمام، إلى المَخلص منها والبعد عنها. لقد كانت سنة رحلتنا سنة جدب، حتى إننا سرنا ألف كيل بل أكثر، ما رأينا فيها ماء إلاّ ماء آسناً لا يُشرَب، ولا قابلنا فيها أحداً، فقد نزحَت القبائل عن تلك الديار، وما مررنا فيها ببقعة خضراء. ومن أين الخضرة ولا ماء، لا نابعاً من الأرض ولا نازلاً من السماء؟ لقد أحسَسْتُ كأننا منقطعون

стр. 852

حقاً عن العالَم، لقد صرنا وراء حدود الدنيا، فلا بشر إلاّ الرفقة التي أصحبها، وهي رفقة مختلفة لا مؤتلفة، مختلفة في الأفكار وفي العادات وفي المقاصد وفي الغايات، ما كنت أعرف منهم قبل الرحلة إلاّ الشيخ ياسين الرواف والسيد كامل البني، وكان معنا في المدرسة الابتدائية، وزكي آغا سكّر، لقيته مرّة لقاء لم تزِد صلتي به عليه. حتى الطبيعة من حولنا لا أحسّ منها إلاّ ما يبعث الخوف وينفي الأمان: تلال الرمال وصخور الجبال، وأرض تشتعل رمضاؤها وتنفث لهباً سماؤها، وسراب رأيتُه أول مرّة فحسبته ماء، لا يختلف منظره عن منظر بركة الماء فإذا جئته لم تجده شيئاً، فهو كالشهرة والمجد والجاه وكل ما في الدنيا من متع المال والجمال، كلها سراب يتمنّاها المحروم منها ولا يشعر بالمتعة بها من أوتيها. هل يستمتع صاحب السيارة الفخمة التي تمرّ بالفقير، والقصر الفخم الذي يمرّ به الفقير، المتعة التي يتصوّرها الفقير؟ سراب، صدّقوني إن اللذّات المادّية كلّها سراب. كان عملنا كله التدقيق في الأرض لئلاّ نغوص في رملة أو نمرّ على «شعيب» أو نصطدم بصخرة، والاستماع لما يقول الدليل إن كنّا في سيارته، أو تعليق أنظارنا بسيارته إذا كنّا في غيرها لنتبعها. لقد كنت أفكّر في هذا الإنسان الذي هو أنا وفي غروره: ما الإنسان بجنب هذه الصحراء، ما عمره في عمرها؟ ما مكانه منها؟ وهذه الصحراء ما هي من أرض الله الواسعة؟

стр. 853

وهذه الأرض ما منزلتها بين هذه الأجرام التي تُعَدّ الشمس بكبرها حجراً في صحرائها، وهذه الأجرام من الفضاء، وهذا الفضاء من السماوات؟ ونبّهَتني الصيحة فأنزلَتني من برجي، هل أقول «العاجي»؟ ما رأيت في عمري برجاً عاجياً ولا أعرف ما هو! الصيحة التي جعلَتنا نثب من السيارة لنُخرِجها من الرمل، وما أكثر ما كانت تغوص في الرمل. * * * سلكنا بعد القريات مَهامِهَ وفلوات لا يُعرَف لها أول ولا آخر، ولم أكُن أدري ولا يدري أحدٌ ممّن كان معنا أين موقعها على المصوَّر، وكلما ازددنا إيغالاً في الصحراء زادت بنا بُعداً عن مظاهر الحياة. وكنّا نستمع أخبار الدنيا من الرادّ فانقطعت عنّا لأننا لم نعُد نجد الوقت الذي نقعد فيه لاستماعه، ولا الكهرباء التي نمدّه بها لنستمع منه. لقد خافوا أن ينفد كهرباء السيارات، وكنّا أحوج إليه فلا نضيعه في سماع الأخبار. صرنا كأننا خارج الدنيا فلا نراها ولا نعرف أخبارها، فاسترحنا من مشاغل السياسة وهموم المجتمع وأعباء التفكير، وانحصر هَمّنا كله في أن تبقى هذه السيارات تحتنا تحملنا وتمشي بنا، وأن نجد ما نأكله وما نشربه، وأرضاً نُلقي عليها جُنوبنا. نصبنا السرادق أول ليلة فقط، ثم صرنا أعجز وأكسل من أن ننصبه. كنّا نسير النهار كلّه سيراً بطيئاً متعباً، ولطالما قفزنا من السيارات لنُخرِج واحدة غرقت في الرمل، كنّا نمشي:

стр. 854

في مَهْمَهٍ (١) تشابهَتْ أرجاؤهُ ... كأنّ لونَ أرضِهِ سماؤهُ ما في البريّة علامات يُهتدى بها إلاّ الشمس في النهار والنجوم في الليل، من هنا أدركت قوله تعالى: ﴿وبالنّجمِ هُمْ يَهتدونَ﴾، وعرفت سرّ اعتماد العرب عليها في تحديد مواقع البلدان وولع الشعراء بذكرها عند غلَبة الشوق إلى أرض الأحبّة والخلاّن، حتى إن الشاعر المحتضَر لَيسُرّه ويخفّف عنه سكرات الموت أن يرى سُهيلاً (٢) يطلع عليه من أرض العرب وهو يعالج السكرات في خراسان. * * * أمضينا من القريات إلى تبوك أربع ليالٍ، لعلّ ليالي السجين

стр. 855

المعذّب والعاشق المهجور، والتاجر الذي أفلس والتلميذ الذي رسب، لعلها كانت أهون منها؛ كنّا نمرّ على الأرض الصلبة المتماسكة فنحمد الله ونسرع السير، ونمرّ على «القاع» وقد عرفتم ما هو، ويُسمّى في بادية الشام «الطليحة»، ونمرّ على «الشُّعَيب» وهو مسيلٌ جَرَفَ الماءُ ترابَه وأبقى فيه حجارة صغاراً وكباراً تُعيق السيارة كبارها وصغارها، أو نصعد رابية يسهل صعود السيارة أولها ثم تعجز عن بلوغ ظهرها فتقف دون تسلّقها ... من شدّة إلى شدّة، ولا نعرف ما الذي يستقبلنا فيها. مررنا على مياه من مياه البادية، وهي متغيرة اللون والرائحة والطعم. تسألون: من أين عرفنا طعمها؟ لقد اضطُررنا مرّات إلى شربها. كنّا نضع المنديل أو العمامة (الغترة) بين أفواهنا ومائها، نشرب ما يقطر منه، ويبقى على وجه المنديل أو العمامة مثل الوحل المنتن الخبيث. هذه المياه تُسمّى «غطى» و «العيساوية» و «الفجر»، ولم نصادف ماءً صافياً قط لأنها كانت سنة قحط وجدب وجفاف. لقد وصفتُ مسيرنا بعد عودتنا لأخ من إخواننا هو الأستاذ ياسين الحموي الذي صار -من بعد- مدير «الكلّية الشرعية»، فرسم هذه الخريطة (١)، رسمها بناء على وصفي الطريق بعدما رجعت. ولم أكُن أعرف حين كنّا نمشي أين نحن من الأرض. كل

стр. 856

(صورة) مخطط طريق البعثة السورية بالسيارات لكشف طريق الحج عام ١٩٣٥

стр. 857

الذي عرفته أننا تركنا «وادي السرحان» العظيم عن شمائلنا وسرنا إلى الجنوب، جنوب بشرق، حتى لاحت لنا على اليمين جبال عالية فقصدناها، حتى إذا اقتربنا منها سرنا بحذائها على أرض ما رأيت أعجب منها، فهي أرض سوية متسعة فيها حجارة سود مرصوفة رصفاً، كأنها أرض ميدان واسع في مدينة كبيرة فُرشت ومُهّدت تمهيداً. مشينا في طرفها تسعين كيلاً حدّدها عدّاد السيارة، قال الدليل: إن اسم هذه الأرض «بُسَيْطة» بصيغة التصغير، حتى وجدنا ثغرة (شِعباً كبيراً مثل الوادي) فدخلنا هذه الثغرة، فإذا نحن في وادٍ موحش ما رأيت (وقد قطعت بعد ذلك ما بين سورابايا في آخر جاوة وفولندام في شمال هولاندة) ما رأيت مكاناً أوحش منه! كنّا فيه وحدنا لا إنسي ولا جنّي، ما رأينا فيه مخلوقاً حياً، حتى أمسى المساء فبتنا فيه ليلة اللهُ وحده يعلم كيف كانت، ولم يُدرِك الدليل -على حذقه- أننا ضالّون حتى أصبحنا غداة الغد. أكون أكذَبَ الناس إن قلت لكم إنني لم أخَف. لقد خفت وخاف كلّ من كان معي، خالط قلوبَنا الرعبُ من أن تكون نهايتنا ميتة في قفر ما فيه أحد يغسّلنا ويصلّي علينا ويواري أجسادنا التراب، ولا يكون لنا قبر يستوقف السالكين ليُهدوا إلينا بعد الموت هديّتهم: دعوة صالحة. وهل هنا من سالكين؟ نموت ولا نرى دمشق ومن خَلّفْنا في دمشق من إخوة وأهل وأحبّة؟ وأين منّا دمشق وبيننا وبينها مسيرة سبع ليال بالسيارة؟ وما إليها سبيل. أين بردى يجري زاخراً موّاراً ونحن هنا عِطاش، بدأ يشحّ

стр. 858

ما معنا من الماء وينفد ويستأثر بما معه منه من كان أقوى أو كان يحمل السلاح! لقد بلغت المسألة حدّ التنازع على الحياة، وهنا تتجلّى معادن الرجال، فإمّا الأثرة البشعة وهذا ما عند الأكثرين، وإما الإيثار البالغ وهو ما عند القلّة النادرة من عباد الله الصالحين. أين منّا عين الفيجة التي يتفجّر منها الماء الذي لم يخلق الله (فيما علمنا) أصفى منه ولا أبرد؟ أين عيون بلادنا وينابيعها؟ أنهلك ها هنا عطشاً ونحن أبناء الأرض المباركة، أرض العيون والينابيع؟ وكان الدليل حركة دائمة دائبة، لا يهدأ ولا يسكن، يصعد ذروة جبل وينظر، ثم يهبط ويصعد أخرى، فلا يرى شيئاً فيعود محتاراً متألماً. حتى نزل مرّة، وكان ذلك مساء اليوم الثاني لدخولنا هذا الوادي الذي سَمّيته «وادي الموت»، فلمح على البعد جبلاً، فهلّل وكبّر وقال: أبشروا فقد وصلنا، هذا شَرورَى. * * *

стр. 859

-٧٤ - رحلة الحجاز (٥) في تبوك لمّا قال الدليل مستبشراً فَرِحاً: "هذا شَرورى" أحسَستُ كأنه يهتف باسم حبيب قديم بَعُد به عهدي وطال عنه بُعدي، ذكرت الجبل الذي يطرب ويشرب ويغنّي، ألم يقُل الشاعر: سَقَوني وقالوا: لا تغنِّ، ولو سَقَوا ... جبالَ شَرورى ما سقوني لَغنّتِ على أنّ الذي كنت أحفظه «جبال حُنَين»، فأيّ الاثنين هو: شرورى كما قال ياقوت أم حُنين كما حفظت أنا؟ (١) أما حنين فهي جارة مكّة، طالما صرت من بعد (لمّا سكنت مكّة) أخرج إليها في عَشيّات أيام الربيع، أنفّس عن النفس باجتلاء جمالها وأروّح الروح برقيق نسيمها وعاطر روحها، بساتين كلّما زرتها ذكرت الغوطة وحسبت أنني فيها، فهل هربَت من الشام

стр. 860

حتى نزلت «الشّرائع»، كما زعموا أن الطائف هاجرت من الشام فطافت الأقطار حتى استقرّت هنا، فمن ثَمّ سُمّيت «الطائف»؟ وليس هذا من صحيح الأخبار ولكنه من طرائف اللطائف. وفي حُنَين (وهي الشّرائِع) عيون كانت تأنس عيونُنا بصفاء مائها وتسرح أفكارُنا مع انطلاق سواقيها، عيون ولا كعيون الشام، «مرعى ولا كالسَّعْدان وماء ولا كصَدّاء» (١)؛ تلك تنبثق من بطن الثرى باردة تُثلِج الفؤاد وتبلّ الصدى، وهذه تخرج دافئة فاترة تدفع العطش ولكنها لا تلذّ الشارب، على أن هذه في هذا القفر وأختها الكبرى (الجِعْرانة) أغلى وأثمن من تلك التي تخرج من الأرض التي تجري من فوقها الأنهار. * * * لمّا قال "هذا شَرورى" حسبت أننا قد دنونا منه وأننا نمشي ربع ساعة بالسيارة فنكون أمامه، ما كنت قد تعلّمت بعد أن البدوي يستصغر المسافات فتتجاوزها همته فيراها قريبة. فسرنا النهار كله إلى الليل وشرورى ما دنا منّا وما رأيتُنا قد دنونا منه؛ إنه لا يزال رابضاً مكانه على حدود الأفق. فنزلنا للمبيت، ولمّا

стр. 861

أضاء النهار عدنا فمشينا، حتى نزلنا غَوراً من الأرض غاب فيه عنّا شرورى، فلما خرجنا من الغور رأينا جبلاً عظيماً معترضاً، ما عرفت هل هو الذي غاب عنّا قد عاد فظهر لنا أم هو جبل غيره؟ فدار بنا الدليل من حوله ليجنّبنا صعوده، فإذا الجبل يدور معنا من حيث درنا، ولم يبقَ لنا بُدّ من أن نصعده. ولو كنّا نمشي على أقدامنا لكان أهون علينا، فإن متسلقي الجبال ربما ارتقوا جبلاً قائماً كالجدار مستعينين بالأوتاد وبالحبال، ولكن علينا أن نرتقيه بسياراتنا التي تحمل الأهوال من الأثقال، وتحملنا ومنّا من هو «أثقل» من كل تلك الأحمال. صرفنا نهاراً كاملاً في صعود الجبل، نمشي في مثل الممرّات الحلزونية، نرسم دوائر وسط دوائر، وقاسينا ما لا يبلغ مداه الوصفُ ولا يقوى عليه إلاّ صناديد الرجال، حتى بلغنا قنّته (١) فأشرفنا على عالَم جديد، على منبسط فسيح من الأرض كأنه البحر، في وسطه سواد كأنه باخرة ماخرة، قال لنا الدليل: هذه تبوك. * * * أقف قليلاً لأسألكم سؤالاً، أرجو أن تفكّروا معي في الجواب عليه: مالنا صار الاختلاف كأنه سجيّة فينا، مع أنه كان أبعد شيء عن سجايانا؟ هوجمنا في ديننا حتى كاد (لولا أن الله حافظه) يضيع الدين، تداعت الأمم علينا وغفلنا عن حقنا حتى غلبونا على بقعة من قلب بلادنا: على فلسطين، وطمع فينا

стр. 862

المُلحدون و «المبشّرون» وكل داعٍ إلى شرعة الشياطين، ونحن مع هذا كله لا نزال مختلفين. وقفت بكم على رأس جبل يُشرِف من بعيد على تبوك، ونحن قِلّة من الناس في جبل قَفر في برية منقطعة في ليل بهيم، معرّضون لخطر الضياع أو الهلاك، فلو تركنا الاختلاف مرّة لتركناه ونحن هنا. ولكنّا اختلفنا: أنبيت هنا حتّى يطلع النهار فنمشي في نوره إلى تبوك، أم نصبر على التعب وننزل إليها فننام فيها آمنين؟ ولم يكن علينا أمير مع أن نبيّنا علّمنا في مثل هذه السفرة (ولو كنّا ثلاثة) أن ننصّب علينا أميراً منّا، وطال الجدال وعلت الأصوات، وكنت مع الشيخ ياسين ﵀ والدليل في سيارة واحدة فأمر السائق بأن يهبط. ومن أين يهبط؟ إني لا أزال أرى المشهد بعين الخيال من وراء خمسين سنة كاملة: منحدَر مائل ميلاً شديداً ممتلئ بحجارة صغار. فتشهّدت واستغفرت الله واستودعته أهلي وأحبّتي، وأغمضت عيني حتى لا أرى، وأذني حتى لا أسمع صوت الحجارة تتدحرج من تحت دواليب السيارة كأنها سيل ماء يتدفّق! وكان يوم كيوم هبطت مع تلاميذ مدرسة الغوطة من جبل الربوة في دمشق، دقيقته ساعة وساعته يوم، والموت يتربّص بنا في كلّ دورة يدورها الدولاب وكل حصاة يمرّ عليها. وصرنا من ميل السيارة كأننا راكعون في الصلاة لأننا انكفأنا على وجوهنا، ومضت مدّة لست أدري كم هي بلغة (الساعات) ولكني أدري أنها

стр. 863

كانت بلغة المشاعر يوم عذاب. وما صدّقت أننا بلغنا السهل سالمين، وخرجنا ننفض غبار الموت عن ثيابنا، ورفعنا رؤوسنا فإذا أصحابنا لا يزالون فوق، تبدو سياراتهم كأنها -من صغرها- علب الكبريت. فجعلنا نناديهم لينزلوا وهم يصرخون بأنهم لا يستطيعون، فلا نحن نتبيّن كلامهم ولا هم يتبينون كلامنا، لأن صدى الصوت يختلط به فلا نفهم الكلام من تعاقُب الأصداء. فلجأنا إلى الإشارات بالمناديل ونحن واقفون أمام مصابيح السيارة لعلهم يُبصروننا، ومضت مدّة ثم رأينا السيارات تتعاقب هابطة، ما أبصرناها تماماً ولكن رأينا حركة أنوارها. ووصلوا إلينا مع وصول الجند الذين بعث بهم أمير تبوك لاستقبالنا وإرشادنا، وبلغنا البلد، ولكني لم أبصر منه شيئاً ولا حاولت أن أبصر، شغلني ما كنت أجد من الإعياء ومن شدّة «الانفعالات»، حتى دخلنا المنزل. لم يكن منزلاً كالذي رأيناه من منازل القريات. تلك بيوت من اللبِن والطين وهذا بناء حضري، حسن العمارة واسع الأبهاء فيه الممرّات والحُجَر الكثيرة، ودفعني الفضول إلى أن أتعرف ما هو فمشيت قليلاً، فجاءني واحد من «الخُوَيّان» فقال لي: من هنا. فتبعته، فأوصلني إلى باب مغلَق فأشار إليه وتركني، فدخلت الباب فوجدت شيئاً ما كنت أطمع في مثله ولا في المنام، مفاجأة ملأت قلبي بالدهشة وبالفرحة معاً.

стр. 864

وجدت حَمّاماً مثل حَمّامات الشام (١) فيه «البرّاني» و «الجوّاني» والماء الحارّ والبارد، ووجدت المناديل و «المناشف» معلّقة والصابون معَدّاً. فرجعت إلى حقيبتي فاستخرجت منها ثياباً نظيفة وعدت إلى الحمام، ولست أكتمكم أن الأثَرة (أي الأنانية) غلبَتني فخفت أن يسبقني أحد إلى هذه النعمة. وكنت لمّا خرجت من دمشق قد اجتهدت فأخطأت حين ألقيت عنّي ثيابي التي ألفتها: البنطال والرداء (الجاكيت)، ولبست ثوباً عربياً مفتوحاً من الأمام، يُضَمّ طرفه إلى طرفه بالشالة التي نعقدها على أوساطنا، وهو الذي كنّا نلبسه في الأعياد، وهو لباس المشايخ في مصر (القفطان) وهو من صُنع الشام، مع أنّ اللباس الإفرنجي (أقول الحقّ) أخفّ في هذه الرحلة وأنفع، فما بلغت تبوك حتى تمزّق هذا الثوب وامتلأ بالأوساخ. فلما رأيت هذا الحمّام خلعت كل ما كان على جسدي، وكان الحمّام يُوقَد من داخله بالحطب فرميت تلك الثياب كلها في موقد الحمّام، وأقبلت أصبّ الماء الحارّ على جسدي فأشعر بمثل ما تحسّ به الأرض الجافّة إذا هطل عليها المطر، هذا إذا كانت الأرض تحسّ. أنهيت اغتسالي على عجل لئلاّ يطول عنهم غيابي ولأفسح المجال لغيري، ولبست الثياب النظيفة وعدت بها إليهم، فشُدهوا

стр. 865

ودُهشوا، ولكن وجود الأمير أمسك ألسنتهم، فأسررت إلى أقربهم إليّ وأفهمتُه القصّة ودللتُه على الطريق. فما زالوا يقومون واحداً بعد واحد، يذهبون على حال ويعودون على حال. وكان قد حلّ الهزيع الأخير من الليل، فدُعِينا إلى الطعام، وكان الخروف المعهود برأسه، ولكن كان حوله أطباق الخضر وألوان الطَّبيخ وقد صُفّت حولها الملاعق وكؤوس الماء، فأكلنا أهنأ أكلة مُذْ فارقنا دمشق. ووجدنا من لطف الأمير وظرفه ومن كرمه وإيناسه ما لا يجزيه شكر، فيا أيها الأمير سامحني إن نسيت اسمك، فما نسيت كرمك ولا فضلك. ولقد عرفت أنه نُقل -بعد ذلك- أميراً للمدينة المنوّرة، وهو من الأسرة النبيلة الأصيلة من آل السديري. وما مثله بالذي يُنسى اسمه، ولكن مثلي من كبار السنّ هو الذي ينسى الأسماء، ﵀ وجزاه عنّا خيراً. * * * صلّينا الفجر ونمنا إلى قريب الظهر، فقمنا نرى البلد، فإذا المكان الذي أنزلونا فيه مستشفى بُني لمّا مُدّ الخطّ الحجازي، وأمامه رحبة كبيرة يقابلها من الجهة الأخرى بناء كبير هو المحطّة، وهي أكبر محطّة بين دمشق والمدينة المنورة. وعلى يسارك -وأنت واقف بباب المستشفى تستقبل المحطّة- بساتين فيها ثلاث عيون، يقول أصحاب «المغازي» إن الله بارك فيها لمّا وصل رسول الله ‘ في غزوة تبوك إليها، وبساتين كثيرة فيها النخل، وخلال الأشجار ومن ورائها بيوت القرية ولا تكاد تبلغ المئة، كذلك قدّرتها لما

стр. 866

رأيتها، في وسطها مسجد كمسجد القريات وقصر الإمارة، وهو مبنيّ بالطين لا يمتاز من بيوت القرية إلاّ بأنه أكبر. هذه هي تبوك التي عرفتها، ولقد عرضوا مرّات في الرائي (التلفزيون) مدينة جديدة فيها الشوارع على جانبَيها العمارات تتراكض فيها السيارات، مدينة فيها كل ما في المدن، حتى هذه التي لم أفهم لها معنى (أعني «المجسّمات الجمالية» التي يخلو أكثرها من الجمال) قالوا إنها تبوك. إن كانت هذه هي تبوك فما هي -إذن- تبوك التي مررنا بها وبتّ فيها؟ أم أنني رأيتها طفلة، فصارت الطفلة فتاة فتّانة يلعب جمالها بعقول الرجال؟ أم أنا اليوم كعالِم الآثار، يحفر في الأرض حتى يستخرج من بطنها بلدة أخرى، كانت قائمة على وجه الأرض يوماً ثم ماتت فدُفنَت في أحشائها، فجاء هو يُعيدُها إلى ظهرها؟ أنا أعرف القاهرة وبغداد وبيروت ودمشق (بلدي) كيف كانت قبل خمسين سنة وكيف صارت الآن، كلها امتدّ وتوسّع وزاد أضعافاً، ولكن لم يقطع شيءٌ منها شوطاً أبعد ممّا قطعت مدن المملكة، ولا يفهم معنى هذا الكلام إلاّ من عرفها تلك الأيام. * * * وذهبنا نزور الأمير في مقرّه، فدخلنا داراً قروية مثل دور القرية لها رحبة واسعة فيها غرف ولها درَج ملتوٍ صعدناه فبلغنا رحبة أصغر منها، في صدرها غرفة ليست بالكبيرة، في صدرها

стр. 867

مكتب عادي ومقاعد من الخشب ما فيها زخرف، بل إنه ليس عليها صباغ، فلم تكَد الغرفة تتسع لنا. نهض الأمير ومشى إلينا يستقبلنا، وما فرغنا من السلام عليه ومن أخذ مقاعدنا حتى قال بصوت منخفض: قهوة. وكنت قد لحظت وأنا داخل الرجال، أي الخُوَيّان (جمع خُوَيّ، أي الأخ الأصغر) واقفين في رحبة الدار وعلى السلّم وأمام الغرفة وعلى بابها. فما قال الأمير «قهوة» حتى صاح الذي على الباب «قهوة»، فقال الذي في الدرج «قهوة»، وكرّر الذي يليه «قهوة»، حتى وصل الصوت إلى صانع القهوة ولست أدري أين كان. سمعنا خمساً وخمسين قهوة، قهوة، هوه، هوه، وه، وه ... تخرج متعاقبة متلاحقة كأنها طلقات مدفع رشاش، خرجت كلها في ثلاث وأربعين ثانية، فارتعبنا ولم نعرف ما الحكاية وفعلَت المفاجأة بنا فعلها، فمنّا من أسرع يطلب الباب يريد الفرار، ومنا من صرخ، ومنا من سقط على الأرض، ومنّا من وضع يده على سلاحه! والأمير يضحك قد راقته هذه الدعابة، ونظر إليّ كالمتسائل فقلت: ما هذا؟ لقد حسبته الغزو. قال: لا، قد أمّن الله هذه البلاد بعبد العزيز فلم يبقَ فيها غزو ولا ما يشبه الغزو، ولكنها طريقتنا في طلب القهوة، نريد أن يسمع جيراننا ومن هم حولنا ليحضروا إلينا. ولذلك يكرهون (أو كانوا يكرهون حين الرحلة) طحن البُنّ بالمطحنة التي لا صوت لها ويستحسنون دقّه بالهاوِن (الكلمة

стр. 868

فصيحة). ويدقّونه عندنا في بادية الشام وقُراه بالمِهْبَاج، وهو هاوِن كبير من الخشب له مِدَقّة من مثله، ويُصنع من نوع معروف (عندهم لا عندي) من أنواع الخشب. ويكون المهباج منقوشاً مزخرَفاً، ومن يسمع الدقّ فيه ممّن يُحسنه يحسبه آلة موسيقية، لأنه يدقّ دقة على البُنّ في قعره ودقة على جوانبه، فكأنها «النوتة» العرفية التي يستعملها المغنّون ويضبطون بها النغمات: «دم» و «تك»، ويتولاّها الذي يمسك «الرقّ» في الجوقة (أي «التخت»، وكلمة الجوقة فصيحة). وقديماً كانوا يستعملون «تنّ» بالتشديد و «تنْ» بالتخفيف. ويُخرج الداقّ الحاذق أنواع النغمات والمقامات من المهباج الذي يدقّ فيه البُنّ. * * * وقد ذكرت في كتابي «من نفحات الحرم» بعض ما عرفنا من قوانين القهوة وأعرافها عند الأعراب وما رأينا من العناية بها، وقد فهمت سرّ حرصهم عليها لمّا رأيت أثرها في الجسد المتعب، فقد نصل غاية التعب فنشرب منها فناجين فنحسّ بالراحة والنشاط. ولا يطبخون القهوة كما نفعل في المدن، بل يضعون فيها من «الهيل» أكثر ممّا يضعون من مسحوق البُنّ، وينقلونها من دَلّة إلى دَلّة، ولهذه الدِّلال عند أصحابها من السُّقاة أسماء كأسماء الأولاد، فهذه «العروسة» وهذه «الأم»، إلخ. ومن آدابهم في تقديمها أن الساقي يمسك الآنية (الدَّلّة) باليسرى ويقدّم الفناجين باليمنى. ومَن صنع صنيعنا في الشام فقدّم الفنجان باليسرى عُدّ ذلك إهانة للضيف، ومن الإهانة أن

стр. 869

يتخطّى واحداً فلا يقدّم إليه الفنجان، والقاعدة أن يبدأ من اليمين ثم يقدّمها للقاعدين على تسلسل أماكن قعودهم، ولا يصبّ في الفنجان إلاّ قليلاً رشفة واحدة، وليس من الكرَم أن يملأه، ومن اكتفى هزّ الفنجان، فإن صبّه قبل أن يهزّه فعليه أن يشربه، فإن لم يشربه لم يَجُز أن يقدّمه الساقي لمن بعده بل يشربه هو أو يريقه على الأرض، ولو كانت مفروشة بالبساط الغالي أو السجّاد الثمين. هذا حُكم العادة، أمّا حكم الشرع فإن هذا لا يجوز لأنه من باب إضاعة المال وإفساده. وكان يدرّسنا اللغة الفرنسية من ستين سنة مدرّس فاضل اسمه شكري الشربجي، كان ضابطاً كبيراً في الحجاز بعد الحرب الأولى، وكان يقود فصيلاً من الجند أصلهم من الأعراب، فافتقدهم في ساعة عمل فلم يجدهم، فلما حضروا قال: فيمَ كنتم؟ قالوا: كنّا نَتَقهوى. قال: أفي مثل هذه الساعة وبلا إذن؟ قالوا: والله -يا البيك- نتقهوى ولو في خشم الأسد! وقد بطلت الآن بحمد الله أمثال هذه المشاهد وعمّ الجندَ الانضباط والنظام. ومن ولعهم بالقهوة أنهم نحتوا من اسمها فعلاً فقالوا: «تَقَهوى يَتَقهوى»، وتوسّعوا في معناه حتى صار يشمل ما يشمله اسم «حفلة الشاي». * * *

стр. 870

-٧٥ - الخطّ الحديدي الحجازي وقفت بكم في تبوك أمام محطّة الخطّ الحجازي، هذا الخطّ الذي يصل دمشق بالمدينة المنوّرة، عاصمة الدولة الإسلامية الثانية بعاصمة الدولة الإسلامية الأولى. هذا المولود الذي استمرّ حمله تسع سنين، حتى وُلد سنة ١٩٠٨ فابتهج به العالم الإسلامي وشارك في نفقات ولادته، ولكن لم تكَدْ تنتهي مباهج الفرحة حتى حلّت مواجع الوفاة؛ «المولود» الذي فرحنا به سنة ١٩٠٨ مات سنة ١٩١٨، ما مات على فراشه ولكن قُتل قتلاً، ونحن قتلناه بأيدينا. لقد خبّر ربنا خبر اليهود الذين ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأيْديهِمْ وَأيْدي المُؤْمنين﴾ فجئنا نحن نخرب بيوتنا بأيدينا وأيدي الكافرين، لماذا؟ لأن إبليس وسوس لنا بأن نطمس آية ﴿إنّما المُؤمنونَ إخوةٌ﴾ (ولا يقدر أحد أن يطمس آية من كتاب ربّ العباد) وأن نضع مكانها (وأستغفر الله ممّا أقول) آية ليست من كتاب الله هي: إنما العرب إخوة، لا أخوّة إلاّ أخوّة العروبة! وسخّر لذلك أقلامَ قوم من أهلنا (وليسوا في الحقيقة من أهلنا

стр. 871

لأنهم «عَمَلٌ غيرُ صالح») فدعوا إلى رباط القومية بدلاً من رباط الإيمان، وأعانهم على ذلك قوم سوء من الترك يبرأ منهم المؤمنون من الأتراك، هم الاتحاديون الذين نسوا أن دولة آل عثمان إنما قامت بالإسلام، والإسلام هو الذي نقل ملوكها من بدو رعاة لا يعرفون إلاّ القتل والقتال شأن الذئاب في الغاب، فجعلهم -لمّا اعتنقوه- سادة القارّات الثلاث وحُكّام الدولة التي كانت ثالثة الدولتين الكبرَيَين: دولة بني أميّة ودولة بني العباس. وقام ناس منّا، منهم من كان طاهر القلب صافي النية، ما يريد إلاّ دفع أذى هؤلاء «الاتحاديين» حين أرادوا محو ذكر العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، وبُعث النبيّ منهم، وكانت القبلة في أرضهم والحجّ في ديارهم، وأرادوا «تتريك» العناصر غير العثمانية. ومنهم من وجدها فرصة للنيل من الإسلام وشقّ عصا أهله وإحياء الدعوة إلى العصبية المفرّقة فيهم، وأكثرُ هؤلاء من غير المسلمين كزريق وعَفْلق. ومنهم نفر من المسلمين بالاسم ولكنهم كانوا أشدّ من الكفار حماسة في هذه الدعوة الباطلة واندفاعاً في تأييدها كساطع الحصري ... وتحرّك شياطين الإنس الذين كانوا هم واليهود مصدر كل بليّة وكانوا رأس حربة الاستعمار، فبعثوا واحداً من أبالستهم اسمه لورنس ليقود الغافلين المخدوعين، كما يقود الأشرار المعادين، إلى تخريب الخطّ الحجازي. فاشترك في هذا الإثم الفريقان يؤمّهم هذا الشيطان. وكلما قرأت في مذكراته التي سمّاها «أعمدة الحكمة السبعة» (وقبّحها الله من حكمة، أعمدتها سبعة بعدد أبواب جهنّم)، كلما

стр. 872

قرأت أخبار نسف الخطّ وقتل «الوليد» الجميل الذي لم يتجاوز عمره عشر سنين، وحراسه وموظفيه من الأتراك المسلمين إخواننا في الدين، كلما قرأتها أو ذكرتها أحس الألم يحزّ في قلبي وأرى الدمع يقطر من عينَيّ. ولمّا قامت الدولة العربية في الشام سنة ١٩١٨، وكنت في آخر المدرسة الابتدائية، سمعت بأنه تألّفَت «مديرية خاصة» لإصلاحه، فأصلحَت أولاً ما بين دمشق ودرعا ثم ما بين درعا وحدود فلسطين. وفلسطين مثل سوريا والأردن ولبنان، كلها أرض الشام وكلها بلد واحد، ولكن المستعمرين إذا دخلوا بلدة قسّموها وجعلوها بلاداً وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة. كانوا أعزّة باتحادهم فصاروا أذلّة باختلافهم، «وكذلك يفعلون» دائماً. وأخذَت هذه المديرية تتابع إصلاح الخطّ الذي دمّره لورنس وتركه مُقطَّع الأوصال مقلَّع الخطوط مهدَّم المحطّات محطَّم القاطرات والحافلات فاسد المعامل والآلات، وكان على رأس هذه المديرية علاء الدين الدروبي، والي دمشق يومئذ. أمّا الأموال التي أُنفقت على بدء إصلاحه فلم تقدّمها الحكومة الجديدة الفقيرة، بل هي ما تَجَمّع من أموال أوقاف الحرمَين، وهي كثيرة جداً في الشام ومصر وغيرهما. ولو أن إدارة الحرمَين الآن (الشيخ سليمان بن عبيد والشيخ السبيّل) تابعتها وبحثت عنها ووكّلت محامين للمطالبة بها لأحسنَت صنعاً، ولشكرها الناس وأثابها الله، أو لو قامت بذلك رابطة العالم الإسلامي أو الندوة العالمية للشباب الإسلامي.

стр. 873

فلما وصل الإصلاح إلى مَعان كانت نكبة ميسلون ودخول الفرنسيين دمشق، فوقف العمل. * * * وبعد، فما قصة الخطّ الحجازي؟ إن لديّ من خبره ما لا يعرفه إلاّ القليل، أخذتُه من الصديق نديم الصواف (رحمة الله عليه)، وكان أعلم الناس بتاريخه لأنه عمل في إدارته نحو نصف قرن، من حين كان كاتباً صغيراً فيها إلى أن صار أكبر موظفيها، ومن مجموعة الوثائق التي أطلعني عليها وتقرير له شامل كان أعدّه. كان الحُجّاج من أهل الشام وما جاورها من البلدان يجتمعون في دمشق، فإذا كان موعد الحجّ خرجوا جميعاً إليه مع المَحْمِل الشامي ومعهم حامية عسكرية تحميهم بالقوّة، ومعهم «الصرة» تحرسهم بالمال، يدفعون كيد الأعراب الذي يمرّون عليهم بالترغيب وبالترهيب، فمن لم ينفع معه المال أفادت المدافع. وربما عجزت هذه وتلك عن دفع أذاهم فنال الأذى الحُجّاج. وفي «الصرة» ريع أوقاف الحرمَين ليوزّع على فقرائهما. و «المَحْمِل» هودج هرمي الشكل بارع النقش والزخرف يُحمَل على جمل (ولا يزال المحمل محفوظاً في متحف دمشق) يسبقه جمل آخر عليه «السّنْجَق»، وهو علم ملفوف. وكلا الجملَين يُلبِسونه ثوباً عليه مثل نقش المحمل وزُخرُفه، تتقدّمه الموسيقى العسكرية. ويكون «وداع المحمل» يوماً من أيام دمشق المشهودة،

стр. 874

يزدحم الناس على نوافذ البيوت التي يمرّ بها، وربما استُؤجِرت النافذة بالمبلغ المرقوم، وربما نام الناس على أطراف الطريق من قصر المُشيريّة (وهو الآن القصر العدلي) إلى آخر حيّ الميدان. وقد شهدت آخر مرّة خرج فيها المحمل، يمشي معه الوجوه والأعيان والمرتزِقة و «المهرجون» وأصناف الناس. فإذا انتهى الوداع خرج الحُجّاج في قافلة عظيمة إلى مُزَيْريب، وهي أدنى قرى حوران من دمشق، فدرعا (أذْرِعات)، فعمّان (وكانت عمان قرية، وأنا أعرفها كذلك)، ثم إلى معان. ويأتي الحُجّاج المصريون بقافلة مثلها أو أعظم منها من طريق العقبة فيها المحمل المصري، فيلتقي المحملان غالباً في معان ثم يمشيان إلى تبوك. وللمحمل المصري مراسم أضخم ووداع أعظم، وكلاهما بدعة في الإسلام تُرتكَب يوم وداعه في مصر وفي الشام مُنكَرات كثيرات، حتى كان حادث المحمل الذي سبّب الجفوة حيناً بين مصر والسعودية، وستعلمون نبأه بعد قليل. وكانت القافلة تقطع على الطريق من دمشق إلى المدينة أربعين ليلة، تمشي في النهار على الجمال (في الشقادف والهوادج) وعلى الدوابّ، وكثير من الناس يمشي على رجليه، فإذا دنت القافلة من المنزل سبقها الخيّامون فنصبوا الخيام، والباعةُ والصنّاع وتقدّمها الأعوان فأعدّوا الطعام، فلا يجيء الليل حتى تقوم في البرية مدينة كاملة، تُولَد العشيّة وتموت من صباح الغد.

стр. 875

فلما رأى السلطان عبد الحميد (الذي سوّد اليهود تاريخه كذباً وافتراء عليه، سوّد الله وجوههم، فنُسبت إليه ذنوب ما ارتكبها وأعمال لم يعملها، كل الذي عمله أنه طرد وفد يهود وبصق على ذهبهم وأموالهم وأبى عليهم امتلاك شبر في فلسطين، فرحمه الله وأخزى من افترى عليه، وسامح من صدّق المفترين عن غفلة منه ولا سامح من أيّدهم عن تعمّد وإصرار)، لمّا رأى ذلك عزم على مدّ هذا الخطّ الحديدي وبذل فيه خزائن المال، ورغّب المسلمين بالبذل فمدّوا إليه أكُفّاً مبسوطة بالعطاء. وشرع بالعمل سنة ١٩٠١، ولم تكفِ التبرّعات فأمر بإحداث طابع مالي يُلصَق على كلّ عريضة وكلّ معاملة رسمية، فدرّ على الخطّ مالاً كثيراً ولكنه قصّر عن إتمامه، فسخّر الجيش العثماني للعمل في مدّ الخطّ، فمات من الجند في سبيله آلاف، حتى قيل إن في كلّ مئة متر منه قبر شهيد. وصّلوا الخطّ أولاً بخط دمشق-بيروت، وكان خطاً ضيّقاً عرضه ١٠٥ معاشير (المعشار واحد من مئة من المتر؛ أي سانتي) ولا يزال يمشي عليه القطار إلى اليوم، وهو تحفة أثرية لا مثيل لها في الدنيا، ركبت فيه من قديم أنا وإخوتي فوصلنا بيروت في إحدى عشرة ساعة، فقط لا غير! والمسافة لا تزيد إلاّ قليلاً عن المسافة بين مكّة ومطار جدّة الجديد. لذلك جعلوه أول الأمر خطاً ضيّقاً بعرض خطّ بيروت، وكانت بدايته من مزيريب، ثم جاء المهندس الألماني مايسنر فأوصله إلى دمشق، واستمرّ العمل فيه فبلغ المدينة المنورة سنة

стр. 876

١٩٠٨ (١٣٢٧هـ، وهي سنة مولدي)، ومُدّ له فرع من درعا قصبة حوران (التي كانت تُعرَف في التاريخ باسم أذرعات) إلى حيفا. ولقد ركبتُه مراراً قبل ضياع فلسطين، ردّنا الله إلى ديننا لنستطيع ردّها إلينا. وبلغ ما أُنفِقَ عليه إلى تاريخ نشوب الحرب الأولى سنة ١٩١٤ أربعة ملايين ونصف مليون ليرة ذهبية عثمانية، فاحسبوا كم تعدل الآن؟ وإن شئتم الرقم المضبوط فهو ٤٥١٥٨٢٩ ليرة. وبلغ من اهتمام الدولة العثمانية بأمر الخطّ أنها ألّفت له بعد إعلان الدستور مجلساً أعلى برياسة الذات السلطانية، أي السلطان نفسه، والمجلس يتألف من رئيس مجلس الوزراء، ومن ذهني باشا، والداماد (والداماد لقب تشريف لا يحمله إلاّ صهر السلطان) محمد شريف باشا، واللواء جواد باشا. وفي سنة ١٩١٣ (قبل قيام الحرب العامة بسنة واحدة) سُجّل الخطّ وقفاً إسلامياً ورُبط بوزارة الأوقاف، والسبب في ذلك أن وزير المالية جاويد باشا (وهو من أركان الاتحاديين، وهو كأكثرهم يهودي الأصل من طائفة الدونمة واسمه الأصلي دافيد، أي داود) كان في فرنسا يطلب قرضاً منها فاشترطَت على الدولة جعل الخطّ الحجازي رهناً بهذا القرض، فأبرق بذلك إلى حكومته، وكادت تتمّ الموافقة لولا أن ذاع الخبر وانتشر، وسمع به المسلمون في أرجاء الأرض فضجّوا وغضبوا وأمطروا الدولة بالبرقيات والاحتجاجات، فاضطُرّت إلى تسجيله وقفاً إسلامياً على أن تكون له إدارة مستقلّة ويكون له استقلال مالي، وصدر

стр. 877

بذلك القانون رقم ٤٨٨ عن مجلس النواب العثماني (١). وكان السلطان عبد الحميد ﵀ وبرّأه ممّا قالوا عنه وما افتروه عليه) قد اشترى أراضي كثيرة وقفها على هذا الخطّ، منها: (١) أراضي الحمّة التي فيها الينابيع المعدنية، وقد سبق الحديث عنها في هذه الذكريات. (٢) أراضي كثيرة في حيفا وعكا والناصرة تبلغ أثمانها اليوم أرقاماً خيالية. (٣) امتياز استثمار وادي اليرموك، وفيه مساقط المياه (الشلاّلات) العظيمة التي لم تُستثمَر إلى اليوم، وهي منجم طاقة لو وَجدت من يستفيد منها. (٤) بناء واستثمار مرفأ حيفا ومرفأ يافا. (٥) ممتلكات شركة الديليجانس التي كان لها امتياز نقل الركّاب بين دمشق وبيروت على عربات كبيرة تجرّها الخيول، كالتي ترونها في الرائي (أي التلفزيون) في أفلام الغرب الأميركي في القرن الماضي. وتشمل ممتلكات هذه الشركة (التي انتهت مدّة امتيازها) المكان الذي فيه اليوم فندق سميراميس في دمشق وفيه سينما العباسية وإدارة البرق والبريد، وهي في أغلى بقعة في البلد. وممّا تشمله محطّات الرّبْوة والهامَة في سوريا وشْتورَة والمَصْنع وبْعَبْدا وبيروت في لبنان، والمكان الذي فيه فندق سافوي وما جاوره من العقارات في ساحة البرج في قلب بيروت.

стр. 878

(٦) استثمار الفوسفات في الأردن. هذه كلها ملك الخطّ الحجازي وفيها حجج قضائية مصدّقة ووثائق ثابتة. فلما كان مؤتمر الصلح في لوزان في أعقاب الحرب الأولى طلب الحلفاء (الإنكليز والفرنسيون ومن كان معهم) التصرّف في هذا الخطّ، فوقف لهم عصمت باشا المعروف الآن بعصمت أينونو (١) (نسبة إلى معركة أينونو مع اليونان) وأثبت لهم أنّ هذا الخطّ ملك المسلمين، بُني بأموالهم وهو وقف عليهم كلهم، وأنه لم يكن ملك الدولة العثمانية وما كان مربوطاً بوزارة من وزاراتها، بل كانت له إدارة مستقلّة برياسة السلطان الذي كان خليفة المسلمين. وبعد عشرة أيام ردّ المسيو بومبار سفير فرنسا في سويسرا (في ٢٧/ ١/١٩٢٢) باسم الحكومتين الفرنسية والبريطانية العاملتين في سوريا وفلسطين وشرقي الأردن، بأنهما -رغبة منهما بالاعتراف بالصفة الدينية للخطّ الحجازي- "تعربان عن استعدادهما لقبول تشكيل مجلس خاصّ للإشراف عليه وتأمين صيانته ونقل الحُجّاج عليه، من أربعة أعضاء مسلمين من كل من سوريا وفلسطين وشرقي الأردن والمملكة الحجازية، وأن تنفَق أرباحه عليه" (٢). ونُصّ في المادّة «٦٠» من معاهدة لوزان أن كلّ دولة انضمّ إليها شيء من الأملاك العامّة لدولة بني عثمان يكون ملكاً لها إلاّ ما كان منها وقفاً كالخطّ الحجازي.

стр. 879

وعملاً بهذه المادة أبَت فرنسا أيام انتدابها على بلادنا أن تملّك الحكومة اللبنانية ما طلبَته من أملاك الخط في أراضيها وأصدرت بها سندات تمليك باسم الخط الحجازي، ولما وضعت فرنسا استثمار الخطوط في سوريا بيد إدارة الشركة الفرنسية استثنت من هذه الوكالة عقارات الخطّ الحجازي، وشكّلت لإدارتها لجنة ألّفتها من كبار رجال الدوائر الوقفية، أي من المراقب العامّ للأوقاف والقاضي الشرعي وطائفة من الخبراء، سُمّيت «إدارة أملاك الخط الحجازي». فلما أُعلن استقلال سوريا أصدر المجلس النيابي سنة ١٩٤٥ قانوناً بإنهاء وكالة الشركة الفرنسية بإدارة الخطّ وتأليف «مديرية عامّة» لإدارته، لها الاستقلال المالي والإداري ولها الشخصية الحقوقية؛ ونصّ على اعتباره وقفاً إسلامياً عاماً. إن هذا الخط وقف إسلامي وملك للمسلمين جميعاً لأنه أنشئ بأموال المسلمين كلهم، ولأنه يربطهم بمدينة نبيهم ‘، وكان المأمول -لو لم تَقُم الحرب الأولى- أن يربطهم بقبلتهم، ولأن مؤتمَر الصلح في لوزان أقرّ هذه الوَقفية بعد دراسة قانونية عميقة، ولأن الحكومات المتعاقبة في سوريا والأردن وفلسطين كلها قد أقرّتها، والمملكة العربية السعودية مُقرّة بها، وقد أُقِرّت صراحة في مؤتمر الرياض سنة ١٩٥٤. أما المحاولات التي جرت بعد ذلك لإعادته واللجان التي تألّفت والدراسات التي أُجريت فهي جديدة يعرفها أكثر القرّاء. هذه لمحة من تاريخ الخطّ الذي يستفيد منه -لو صدق العزم وصحت النيّة على إعادته- حُجّاجُ الشام والعراق والترك والعجم

стр. 880

الذين يمرّون بدمشق، يركب الواحد منهم القطار فيبقى مستريحاً على كرسيه حتى يبلغ غايته. كان في هذا الخطّ مدد حياة لمدينة رسول الله ‘ وشريان يحمل دم الصحّة لكل مكان يمرّ به، فهل ييسّر الله إعادته؟ * * * كان شعراء العرب يجوزون بالمكان الذي كان مثابة المحبّين ومجمع العشّاق، فيثيرهم مكان الخيمة ومضرب الوتد وموقد النار، فيَنْظمون في ذلك خوالد الأشعار، من يوم وقف شيخهم امرؤ القيس واستوقف وبكى واستبكى، وما يبكون إلاّ وصال حبيب افتقدوه، أو مجلساً منه أو قبلة أو ضمّة أو شَمّة، أفلا يبكي شعراؤنا اليوم هذه المحطّات الخالية التي ينعب فيها البوم وتنعق الغربان؟ ألم يقف واحدٌ منهم على محطّة باب العَنْبرية في المدينة أو محطّة تبوك، أو المعمل العظيم الذي أقاموه في «القدم» ظاهر دمشق، وكان في عهد عِزّه قادراً على إنتاج قاطرة كاملة؟ ألا يذكّرهم مرأى هذا الخطّ ممتداً في البادية تغطّيه الرمال، يصبح وحيداً ويمسي وحيداً، لم يبقَ له من يمرّ عليه؟ لِمَ لا تكون هذه الكلمة دعوة منّي للشعراء (وما أكثرهم بحمد الله) ليقفوا على هذا الخطّ وعلى محطّاته ويتذكّروا تاريخ حياته، ثم يصوغوا ما تشعر به قلوبهم شعراً باقياً تفيض به ألسنتهم؟ هذه دعوة، ولكن هل من مجيب؟ * * *
следующие страницы →