← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

١٩٠٨ (١٣٢٧هـ، وهي سنة مولدي)، ومُدّ له فرع من درعا قصبة حوران (التي كانت تُعرَف في التاريخ باسم أذرعات) إلى حيفا. ولقد ركبتُه مراراً قبل ضياع فلسطين، ردّنا الله إلى ديننا لنستطيع ردّها إلينا. وبلغ ما أُنفِقَ عليه إلى تاريخ نشوب الحرب الأولى سنة ١٩١٤ أربعة ملايين ونصف مليون ليرة ذهبية عثمانية، فاحسبوا كم تعدل الآن؟ وإن شئتم الرقم المضبوط فهو ٤٥١٥٨٢٩ ليرة. وبلغ من اهتمام الدولة العثمانية بأمر الخطّ أنها ألّفت له بعد إعلان الدستور مجلساً أعلى برياسة الذات السلطانية، أي السلطان نفسه، والمجلس يتألف من رئيس مجلس الوزراء، ومن ذهني باشا، والداماد (والداماد لقب تشريف لا يحمله إلاّ صهر السلطان) محمد شريف باشا، واللواء جواد باشا. وفي سنة ١٩١٣ (قبل قيام الحرب العامة بسنة واحدة) سُجّل الخطّ وقفاً إسلامياً ورُبط بوزارة الأوقاف، والسبب في ذلك أن وزير المالية جاويد باشا (وهو من أركان الاتحاديين، وهو كأكثرهم يهودي الأصل من طائفة الدونمة واسمه الأصلي دافيد، أي داود) كان في فرنسا يطلب قرضاً منها فاشترطَت على الدولة جعل الخطّ الحجازي رهناً بهذا القرض، فأبرق بذلك إلى حكومته، وكادت تتمّ الموافقة لولا أن ذاع الخبر وانتشر، وسمع به المسلمون في أرجاء الأرض فضجّوا وغضبوا وأمطروا الدولة بالبرقيات والاحتجاجات، فاضطُرّت إلى تسجيله وقفاً إسلامياً على أن تكون له إدارة مستقلّة ويكون له استقلال مالي، وصدر

стр. 877

بذلك القانون رقم ٤٨٨ عن مجلس النواب العثماني (١). وكان السلطان عبد الحميد ﵀ وبرّأه ممّا قالوا عنه وما افتروه عليه) قد اشترى أراضي كثيرة وقفها على هذا الخطّ، منها: (١) أراضي الحمّة التي فيها الينابيع المعدنية، وقد سبق الحديث عنها في هذه الذكريات. (٢) أراضي كثيرة في حيفا وعكا والناصرة تبلغ أثمانها اليوم أرقاماً خيالية. (٣) امتياز استثمار وادي اليرموك، وفيه مساقط المياه (الشلاّلات) العظيمة التي لم تُستثمَر إلى اليوم، وهي منجم طاقة لو وَجدت من يستفيد منها. (٤) بناء واستثمار مرفأ حيفا ومرفأ يافا. (٥) ممتلكات شركة الديليجانس التي كان لها امتياز نقل الركّاب بين دمشق وبيروت على عربات كبيرة تجرّها الخيول، كالتي ترونها في الرائي (أي التلفزيون) في أفلام الغرب الأميركي في القرن الماضي. وتشمل ممتلكات هذه الشركة (التي انتهت مدّة امتيازها) المكان الذي فيه اليوم فندق سميراميس في دمشق وفيه سينما العباسية وإدارة البرق والبريد، وهي في أغلى بقعة في البلد. وممّا تشمله محطّات الرّبْوة والهامَة في سوريا وشْتورَة والمَصْنع وبْعَبْدا وبيروت في لبنان، والمكان الذي فيه فندق سافوي وما جاوره من العقارات في ساحة البرج في قلب بيروت.

стр. 878

(٦) استثمار الفوسفات في الأردن. هذه كلها ملك الخطّ الحجازي وفيها حجج قضائية مصدّقة ووثائق ثابتة. فلما كان مؤتمر الصلح في لوزان في أعقاب الحرب الأولى طلب الحلفاء (الإنكليز والفرنسيون ومن كان معهم) التصرّف في هذا الخطّ، فوقف لهم عصمت باشا المعروف الآن بعصمت أينونو (١) (نسبة إلى معركة أينونو مع اليونان) وأثبت لهم أنّ هذا الخطّ ملك المسلمين، بُني بأموالهم وهو وقف عليهم كلهم، وأنه لم يكن ملك الدولة العثمانية وما كان مربوطاً بوزارة من وزاراتها، بل كانت له إدارة مستقلّة برياسة السلطان الذي كان خليفة المسلمين. وبعد عشرة أيام ردّ المسيو بومبار سفير فرنسا في سويسرا (في ٢٧/ ١/١٩٢٢) باسم الحكومتين الفرنسية والبريطانية العاملتين في سوريا وفلسطين وشرقي الأردن، بأنهما -رغبة منهما بالاعتراف بالصفة الدينية للخطّ الحجازي- "تعربان عن استعدادهما لقبول تشكيل مجلس خاصّ للإشراف عليه وتأمين صيانته ونقل الحُجّاج عليه، من أربعة أعضاء مسلمين من كل من سوريا وفلسطين وشرقي الأردن والمملكة الحجازية، وأن تنفَق أرباحه عليه" (٢). ونُصّ في المادّة «٦٠» من معاهدة لوزان أن كلّ دولة انضمّ إليها شيء من الأملاك العامّة لدولة بني عثمان يكون ملكاً لها إلاّ ما كان منها وقفاً كالخطّ الحجازي.

стр. 879

وعملاً بهذه المادة أبَت فرنسا أيام انتدابها على بلادنا أن تملّك الحكومة اللبنانية ما طلبَته من أملاك الخط في أراضيها وأصدرت بها سندات تمليك باسم الخط الحجازي، ولما وضعت فرنسا استثمار الخطوط في سوريا بيد إدارة الشركة الفرنسية استثنت من هذه الوكالة عقارات الخطّ الحجازي، وشكّلت لإدارتها لجنة ألّفتها من كبار رجال الدوائر الوقفية، أي من المراقب العامّ للأوقاف والقاضي الشرعي وطائفة من الخبراء، سُمّيت «إدارة أملاك الخط الحجازي». فلما أُعلن استقلال سوريا أصدر المجلس النيابي سنة ١٩٤٥ قانوناً بإنهاء وكالة الشركة الفرنسية بإدارة الخطّ وتأليف «مديرية عامّة» لإدارته، لها الاستقلال المالي والإداري ولها الشخصية الحقوقية؛ ونصّ على اعتباره وقفاً إسلامياً عاماً. إن هذا الخط وقف إسلامي وملك للمسلمين جميعاً لأنه أنشئ بأموال المسلمين كلهم، ولأنه يربطهم بمدينة نبيهم ‘، وكان المأمول -لو لم تَقُم الحرب الأولى- أن يربطهم بقبلتهم، ولأن مؤتمَر الصلح في لوزان أقرّ هذه الوَقفية بعد دراسة قانونية عميقة، ولأن الحكومات المتعاقبة في سوريا والأردن وفلسطين كلها قد أقرّتها، والمملكة العربية السعودية مُقرّة بها، وقد أُقِرّت صراحة في مؤتمر الرياض سنة ١٩٥٤. أما المحاولات التي جرت بعد ذلك لإعادته واللجان التي تألّفت والدراسات التي أُجريت فهي جديدة يعرفها أكثر القرّاء. هذه لمحة من تاريخ الخطّ الذي يستفيد منه -لو صدق العزم وصحت النيّة على إعادته- حُجّاجُ الشام والعراق والترك والعجم

стр. 880

الذين يمرّون بدمشق، يركب الواحد منهم القطار فيبقى مستريحاً على كرسيه حتى يبلغ غايته. كان في هذا الخطّ مدد حياة لمدينة رسول الله ‘ وشريان يحمل دم الصحّة لكل مكان يمرّ به، فهل ييسّر الله إعادته؟ * * * كان شعراء العرب يجوزون بالمكان الذي كان مثابة المحبّين ومجمع العشّاق، فيثيرهم مكان الخيمة ومضرب الوتد وموقد النار، فيَنْظمون في ذلك خوالد الأشعار، من يوم وقف شيخهم امرؤ القيس واستوقف وبكى واستبكى، وما يبكون إلاّ وصال حبيب افتقدوه، أو مجلساً منه أو قبلة أو ضمّة أو شَمّة، أفلا يبكي شعراؤنا اليوم هذه المحطّات الخالية التي ينعب فيها البوم وتنعق الغربان؟ ألم يقف واحدٌ منهم على محطّة باب العَنْبرية في المدينة أو محطّة تبوك، أو المعمل العظيم الذي أقاموه في «القدم» ظاهر دمشق، وكان في عهد عِزّه قادراً على إنتاج قاطرة كاملة؟ ألا يذكّرهم مرأى هذا الخطّ ممتداً في البادية تغطّيه الرمال، يصبح وحيداً ويمسي وحيداً، لم يبقَ له من يمرّ عليه؟ لِمَ لا تكون هذه الكلمة دعوة منّي للشعراء (وما أكثرهم بحمد الله) ليقفوا على هذا الخطّ وعلى محطّاته ويتذكّروا تاريخ حياته، ثم يصوغوا ما تشعر به قلوبهم شعراً باقياً تفيض به ألسنتهم؟ هذه دعوة، ولكن هل من مجيب؟ * * *

стр. 881

-٧٦ - ذكريات عن رمضان (١) قالوا: ألا تكتب عن ذكريات رمضان (١)، قلت: أي رمضان؟ أهو رمضان واحد حتى أكتب عن ذكرياته؟ لقد رأيت رمضان وكان على المائدة طبق المشمش الحموي الذي ملأه الله عسلاً والذي لا نظير له في غير الشام، أي أنني رأيته في قلب الصيف، ثم رأيته في وسط الشتاء، ثم درت معه خمس دورات من الشتاء إلى الصيف ومن الصيف إلى الشتاء، وكل دورة في خمس عشرة سنة، فعن أي الرمضانات أتكلّم؟ لقد اختلطت في نفسي الذكريات لمّا تعدّدَت الأحداث وتتابعَت المشاهد وكثرت الأسفار والرحلات. ألا ترون إلى الرائي (التلفزيون) حين يتفنّن المخرج أو المصوّر فيضع صورة فوق صورة، فترى المحدّث أو المغنّي أمامك يواجهك، تختلط صورته هذه بصورته الجانبية ويدخل معها مشهد من مشاهد الطبيعة، يعرض ذلك كله معاً، فلا تستطيع أن تميّز شيئاً من شيء بعد أن اختلطَت في الصورة الأشياء.

стр. 882

لقد كنّا في دمشق قبل الحرب العامة الأولى نصلّي العشاء وننام، فتخلو الطرق إلاّ من أعقاب السابلة أو من أهل الليل، وما أهل الليل إلاّ الفُسّاق والعُشّاق واللصوص. يسكن كل شيء ويلفّه الليل بثوبه الأسود. ننام بعد العشاء لنصحو قبل الفجر، وإن غلَبنا النوم (وللنوم سلطان) قمنا قبل طلوع الشمس لندرك صلاة الفجر؛ ما كنّا قد ألفنا السهر ولا تعوّدنا شرّ عادة حين جعلنا ليلنا نهاراً ونهارنا ليلاً، كأننا نخالف سنّة الله وطبائع الأشياء، والله قد جعل الليل لباساً والنهار معاشاً. وكنّا ننام على الأرض، ما كانت السّرُر إلاّ عند الأغنياء وما كانت أسرّتنا منهم. فكنّا نمدّ الفُرُش في الليل لنطويها في الصباح ثم نضعها في «اليوك». وإن لم تعرفوا ما هو «اليوك» فإن ثلاثة أرباع أهل الشام لم يعودوا يعرفونه؛ إنه مثل الخزانة في الجدار لكن بغير باب ومن غير رفوف، نصفّ فيها الفُرُش المطويّة بعضها فوق بعض، ويُسدَل على اليوك ستارة كانوا يعتنون بنقشها وتطريزها. فأحسست يوماً وأنا نائم حركة عند فراشي، وكان عمري خمس سنين (سنة ١٣٣٢) ولكني كنت واعياً، فنهضت فإذا خوان الطعام. وكنّا إذا أردنا الطعام مددنا الخوان على الأرض ووضعنا فوقه الصواني والصحون. فعجبت أشدّ العجب وأحسَستُ بمثل ما يحسّ به من يكشف شيئاً جديداً لم يكن معروفاً، ما لهم يستبدلون بالمنام الطعام؟ ما لهم يأكلون ليلاً وعهدي بالفطور أنه في النهار؟ وطار نومي من شدّة العجب، وسألت بنظرات عيني الحائرة

стр. 883

والدهشة المرسومة على وجهي، وسمعت المؤذّن، لكن لم يكن يؤذّن كما أسمعه كل يوم بل كان يُسرع، ينطق جملة «حيّ على الصلاة» مثلاً، ثم يمدّ لام الصلاة ويرخي صوته بها، ثم يرجّه رجّاً ثم يعود فيمدّه، فإذا بلغ المد أقصى مداه علا بصوته علوّاً مفاجئاً ورجّه رجّة سريعة، ثم صعد به أكثر فأكثر، ثم أخفاه حتى ينتهي الصوت فوق فتشعر كأنه طيارة ارتفعت حتى اختفت بين السحب وضاع أثرها. وأنا -كما قلت لكم من قبل- أوتيت أذناً لاقطة، فإن سمعت نغمة فلا أنساها، وقد لا أستطيع أداءها ولكن إذا سمعتها بعد ذلك عرفتها، لذلك أكشف الألحان التي يدّعيها الملحّنون وهي قديمة (كلحن «بلادي بلادي منار الهدى» الذي أحفظه بذاته من صغري). وكثرت عليّ العجائب تلك الليلة، فسمعت الباب يُقرَع. الباب يُقرَع في هذه الساعة من الليل؟ وسمعت رجلاً يضرب بالقضيب على طبلة معه ضرباً موزوناً، وينادي: يا شيخ أحمد أفندي، يا شيخ مصطفى أفندي (وهما اسما جدّي وأبي) قوموا لسحوركم ... ثم يقول كلاماً ظريفاً ما حفظته من أول مرّة. ولم يشأ أهلي أن يدَعوني في حيرتي ففسّروا لي ما خفي عني، قالوا إن هذا هو «المسحِّر» يدعو الناس للقيام للسحور لأنه قد جاء رمضان، وإن هذا الأذان العجيب بنغمته هو أذان السحور، فما دام صوت المؤذّن مسموعاً فإن الأكل يجوز، فإن انتهى فهو «الإمساك»، أما أذان الفجر للصلاة فيؤذّن به داخل المسجد. والعادة عندنا في الشام، وفي أكثر البلاد، أن يكون الإمساك قبل

стр. 884

الفجر بربع ساعة أو بعشر دقائق، مع أن الأكل يجوز بلا خلاف حتى يطلع الفجر. قالوا ولكني لم أفهم شيئاً. ما السحور؟ وما الصيام؟ وما رمضان؟ إن للأطفال يا أيها القرّاء قاموساً خاصاً بهم، وأكثر (إن لم أقُل كل) الذين يحدثون الأطفال في الإذاعة وفي الرائي، أو يكتبون لهم في المجلاّت، أو يؤلّفون لهم الكتب لا يدرون ما هو قاموس الأطفال، فيكلّمونهم بما ليس في معجمهم (أي قاموسهم). ذهب مرّة أحد أحفادي مع أبيه الذي يعمل مديراً في شركة كبيرة في جدّة (١)، فسألتُه: ماذا يصنع أبوك؟ قال: عنده برّاد (ثلاجة) يضع فيها الأوراق. أوراق في برّاد؟ إنه كان يعني صندوق الحديد لأن البرّاد أو الثلاجة هو الذي في قاموس الطفل. وهؤلاء الإخوان يكلّمون الأطفال بأسلوب الجاحظ، ولكن من غير بلاغة الجاحظ. وأنا أتمنّى على من يريد أن يحدّث الأطفال أن يجمع جماعة منهم من سِنّ مَن يريد أن يحدّثهم ثم يتكلم، فإن تركوا ما هم فيه وأقبلوا عليه وفهموا منه فقد نجح. وسمعت مرّة في الرائي مذيعة تزعم أنها تحدّث الأطفال، فتلقي عليهم كلاماً غريباً عنهم بعيداً منهم، ثم ترقّق صوتها وتتلطف في كلامها وتقول: فهمتم يا أعزائي الأطفال؟ وأنا واثق

стр. 885

أن أعزاءها الأطفال لم يفهموا شيئاً، فهم كأطفال برنامج «ظلال القرآن» يحفّظونهم جواب السؤال الذي سيُلقى عليهم، فإذا ردّدوه كما حفظوه قيل للمعلّق: ما رأيك؟ فخطب خطبة طويلة ثم قال: إن هذا الطالب (مع أنه تلميذ ابن عشر سنين لا طالب) (١) قد أجاد وأحسن. ماذا أجاد وقد حفّظتَه أنت الجواب؟ مع أني في أشدّ العجب وأكبر الإعجاب بحفظ هؤلاء الأطفال وحسن تلاوتهم. عفواً لقد خرجت عن الخطّ، وهذه عادتي، أو علّتي لم أستطع منها فكاكاً فاحتملوني عليها. * * * قالوا: جاء رمضان فلم نستطع الأكل بالنهار. أفتدرون ما الذي فهمته (سنة ١٣٣٢) وأنا طفل من هذا الكلام؟ فهمت أن رمضان هذا مخيف يمنع الناس من الأكل، فلا يأكلون إلاّ ليلاً لئلاّ يراهم! ولو قالوا لي: إن رمضان شهر من الشهور، والله الذي خلقنا ورزقنا قال لنا لا تأكلوا فيه شيئاً من الفجر إلى المغرب، وأن من أطاع يُدخِله الجنة، وهي بستان عظيم وبيت كبير فيه كل شيء لذيذ إذا طلبتَه وصلت إليه، والذي لا يطيع يضعه في النار ... لو قالوا هذا لفهمته، أو فهمت أكثره وإن لم أفهمه كله، وكان لنفسي ذخيرة إيمانية أستمدّ منها الخير طول العمر. ولكن الأطفال مظلومون، يُقال لهم دائماً ما لا يفهمون. ورأيتهم يستعدّون للخروج من الدار. قال جدّي: تذهب

стр. 886

معنا يا علي إلى المسجد؟ ففرحت وقلت: نعم. ومشينا في الطرق المعتمة إلاّ من ضوء مصابيح الكهرباء الصغيرة التي جاء بها الوالي ناظم باشا (وفي كتابي «قصص من الحياة» قصّة عنه) كما جاء بالترام من قبل مولدي بقليل. ووصلنا المسجد. وكنت قد جئت المسجد مرّة قبل هذه، ولكني وجدته هذه المرّة أسطع أنواراً وأكثر ناساً وأبهى رونقاً، ولمّا رجعوا إلى البيت ناموا. ما هذا؟ أأنا اليوم في بلاد العجائب؟ نأكل في الليل وننام في النهار، والمؤذّن يؤذّن بنغمة غريبة ولكنها حلوة، ورجل يضرب بطبلته في الحارة ويقرع الأبواب على الناس في البيوت؟ لم أفهم شيئاً، ولكني كنت مبتهجاً مسروراً كالذي يذهب إلى مدينة جديدة لا يعرفها يكشف جديدها، أو الذي يحلم حلماً يرى فيه ما يسرّ ولا يدرك سرّ ما يرى. ثم غلبني النوم فنمت، ولمّا نهضت قلت: ألا نفطر؟ فضحكوا وقالوا: نحن في رمضان، فكيف تأكل؟ ألست صائماً؟ قلت: وهل يراني رمضان إن أكلت؟ وماذا يعمل بي إن رآني؟ قالوا: بل يراك ربّ رمضان، يراك الله. وكنت أدرك إدراكاً مبهَماً أن الله الذي لا نراه هو خلقنا وعنده جنّة فيها ما شئت من السكّر والحلوى واللعب وكل ما أريد، يضع فيها من يحبه ومن يصلّي ومن يسمع كلام أمه وكلام أبيه، ولا يكذب ... أدركت ذلك من كثرة ما أسمعه من أهلي. ففهمت أننا لا نمتنع عن الطعام خوفاً من رمضان بل لأن الله لا يريد أن نأكل في النهار في هذه الأيام، وسكتّ راضياً وأنا أفكّر في المكافأة التي سأنالها من الله.

стр. 887

ولكني رجعت فسألت: إلى متى أبقى بلا طعام؟ قالوا: حين تسمع الأذان؟ قلت: الأذان الطويل؟ أعني أذان السحور. قالوا: لا، بل الأذان العادي. وجعلت أذني إلى المئذنة. وطال عليّ الانتظار، ووقت الانتظار عادة طويل مهما قصر، حتى سمعته فأسرعت أقول: هذا الأذان، قالوا: صحيح، فتعالَ لتأكل. وأكلت أكلة ما ذقت إلى يومها أطيب منها. أما قال الشاعر: «أُعِدّتِ الراحةُ الكبرى لمن تعِبا»؟ لذلك يفرح الصائم بفطره، والفرحة الكبرى يوم يلقى ربّه. اللهمّ اجعلني يومئذ من المسرورين، أنا ومن قال من القرّاء آمين، وجميع المسلمين (١). * * *

стр. 888

وكان من عادة أهل الشام أنهم يعلّمون الصغار الصيام الذي يسمونه «درجات المئذنة»؛ يصوم الطفل من الفجر إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى أن يفطر مع الكبار عند الغروب. ويُعِدّون له في أول يوم يصومه كاملاً «سفرة إفطارية»، وهي مائدة خاصة بالطفل الصائم فيها أطباق صِغار فيها من كل ما لذّ وطاب، من الطعام والشراب ومن أصناف الحلوى وأنواع الفاكهة الموجودة (لأننا لم نكن نجد الفواكه كلها في الفصول كلها كما تجدونها الآن، بل كان لكل موسم فاكهته). ويتصدرها الطفل الصائم يحفّ به الأهل ويمدحونه ويثنون عليه، ويعلمونه كيف يحمد الله ويشرحون له عظيم الأجر عند الله، حتى يسمعوا مدفع الإفطار. وكانت هذه المائدة من أشد الوسائل أثراً في تحبيب الصيام إلى الطفل. قلت «المدفع» لأن دمشق كانت صغيرة يُسمِعها المدفع الذي يُطلَق من جبل المِزّة، أما اليوم فلم تعد تُسمعها عشرة مدافع، ولا تُسمع جدة التي عرفتها يوماً متوارية وراء السور بين باب مكة وباب شريف والباب الجديد، طولها كيل واحد وعرضها كيل واحد. وعرفت الرياض التي كانت كلها الديرة فقط، وكان شارع البطحاء بطحاءَ حقيقية، فصارت كما ترون. فكيف بالقاهرة التي يسكنها عشرة ملايين؟ وكانت طرق دمشق وأسواقها تعجّ بعد العصر بالناس والأصواتُ تتعالى بالنداء على أطعمة رمضان تتخللها عبارة «الله وليك يا صايم» ولها نغمة خاصة. وقد عرفتم فيما سبق من هذه

стр. 889

الذكريات (١) أن نداء الباعة في الشام أشعار، إن فقدَت بلاغة اللفظ الفصيح فما فقدت وثبات الخيال وومضات العواطف، وفيها فوق ذلك روعة النغم. وللباعة في مصر أيضاً أنغام طالما سرق منها الملحّنون. هل سمعتم أغنية «يا فايتني وانا روحي معاك»؟ لقد أخذ محمد القصبجي لحنها من بيّاع زيتون، سمعه ينادي فلحقه يمشي وراءه في الأزقّة والحارات يحفظ النغمة، حتى أتقنها بعدما مشى وراءه إلى العباسية! واسألوا أبا الفرج الأصفهاني عن قصة الجارية التي كانت تحمل جرة الماء وتغني، فلحقها المغني المشهور (الذي نسيت الآن اسمه) يستعيدها النغم ويعطيها درهمين كلما أعادت، فقالت له: ما لكم؟ تعطّلون الجارية عن عملها وتعرضونها لغضب سيدها، وتعطونها درهمين وتأخذون لحناً تربحون به مئتَي ألف درهم! فكان كما قالت (٢). * * *

стр. 890

الشام أشد البلاد عناية بالطعام وبراعة في صنعه وكثرة في أصنافه، وما أقول ذلك فخراً لأني شامي المولد والمنشأ (وإن كنت مصري الجد)، فما فخر الإنسان بالطعام، إنما ذلك شأن الأنعام، ولكن الفخر بالدين والخلق. والشام (أو كانت الشام) مع عنايتها بالطعام من أكثر بلاد المسلمين تمسكاً بالدين وحفاظاً على الخلق الكريم. وأكثر ما يتجلى الأمران في رمضان: عندنا أطعمة خاصة بأزمان خاصة، ما لها أصل شرعي ولكنها عادات لا يأمر بها الشرع ولا ينهى عنها؛ ففي عاشوراء «الحبوب»، وهي أكلة معروفة وتسمى في مصر بالعاشوراء. وفي رجب يصنعون ما يسمّونه «ليلة الله» (أو «ليتَلاّ»، بلام مفخَّمة مشدَّدة)، وكنت أفرح بها وأنا صغير وأتغزّل (قبل أن أبلغ سن الغزَل) بشكلها قبل طعمها. إنها حلقات كالأساور، منها ما يكون بعرض الإصبع أو الإصبعين أو الأربعة، فيها خطوط ملوَّنة بشتى الألوان، كألوان الرائي (التلفزيون) الملون التي تظهر قبل عرض البرامج، مصنوعة من السكر المطبوخ الجاف على شكل الزجاج الملون، تنكسر إن وقعت أو مسّت شيئاً قاسياً، يوضع بعضها فوق بعض على عود من القنّب (وقد مر بكم ذكره في هذه الحلقات) (١)، عندما تراها عند البياع ترى منظراً عجباً، تحسب أنك وقعت على كنز من روائع البلّور (الكريستال). وهذه الحلوى تُصنَع في رجب.

стр. 891

فإن جاء شعبان فله «الغُرَيْبَة»، حلوى من الدقيق المعجون بالسمن والسكّر تكاد تذوب في الفم قبل أن تمسها الأسنان، وهي معروفة هنا. أما الذين يفتَنّون في صنعها ويخرجونها بشتى الأشكال (بل وشتى الألوان) فهم أهل باكستان. وقد كنت أدخل مخازن الحلوى في كراتشي (١) لأمتع عيني بمرآها وهي في جامات من الزجاج مصفوفة صَفَّ نفيس الآثار في المتاحف أو ثمين الحلية عند الصيّاغ، والأنوار القوية مسلطة عليها، ولكني كنت معها كما جاء في أغنية عبد الوهاب عن القمر: «حظنا منه النظر»؛ ذلك أن أكثرها فيه الفلفل والشطة وما يُلهب الفم ويحرق البلعوم، ولو خلا شيء من طعامهم من الفلفل لخلت منه هذه الحلوى. فإذا كان رمضان جاءت «البَرَازِق» (وهي موجودة على طول السنة)، والنهش، وهو نوع من البَقلاوة ولكنه يكون طبقات أكثر من الرقائق، محشوّة بالفستق الحلبي معجونة بالسمن مشبعة بالقَطْر. وجاءت «الجَرَادِق» (وهي كلمة فصيحة)، وهي رقائق واسعة من العجين رقيقة جداً تنكسر لأدنى لمسة، أحسبها تُعجَن بالزيت فما أعرف على التحقيق، يُرَشّ عليها خيط من الدبس المَغلي، لعلها ألذّ من سائر أنواع الحلويات الشامية وإن كنت لا أعلم من أمر صنعها شيئاً. ومن حلويات رمضان «الكلاّج»، وهو رقائق رقيقة جداً من لُبّ البُرّ أو من النشاء، يوضَع بعضها على بعض وتسقى بالحليب وتُحشى بالقشطة الخالصة، ثم تُغمَر بالقطر.

стр. 892

قلت لكم إن الأسواق تزدحم بالناس من بعد العصر، وأكثر ما يكون الازدحام على الخبّاز. وفي الشام أنواع كثيرة من الخبز، ولكنهم يصنعون لرمضان نوعاً يسمى «المَعروك»، ونوعاً من خالص الدقيق طرياً على نضج، فيه قليل من السكر. وعلى الحمصاني، لأن للفول والحمّص في رمضان شأناً، فلا ترى -إذا اقترب المغرب- إلا حاملاً زبدية «التِّسْقِيَة». وهي ثريد بمرق الحمّص يوضع فوقها الحمص المسلوق وفوقه الصنوبر المقلي وأشياء ناعمة لا أعرف ما هي، ثم يُحمى السمن العربي ويُطَشّ فوقها (وكلمة طَشّ من العامي الفصيح). وربما صُنعت التسقية بالحمص المسلوق بلا سحق وفوقه اللبن الرائب وحب الرمان الحامض وأشياء أخَر، ثم السمن، وربما صنعت بالزيت «مكسوراً» بمادة قلوية (بَيكاربونات الصوديوم) فيصير لونه أبيض ويُرَشّ عليه مسحوق الكمّون. ويصنع من الحمص «المُسَبَّحة» وهي الحمص المسحوق مخلوطاً بالطحينة وعصير الليمون الحامض وأشياء أخَر لا أعرفها بالضبط، يُطَشّ فوقه السمن العربي المحمّى أو زيت الزيتون، ويسمى الحمص بالزيت، وهو طعام الإفطار التقليدي في لبنان، ويحسنون صنعه. والفول المدمَّس (وهي كلمة فصيحة، من الديماس). وله طرق لصنعه: بالحمص والبصل والثوم (لمن أراد الثوم) وفوقه الزيت. وقد يأكلونه في مصر ساخناً بلا حمص وفوقه السمن بدل الزيت، وفول الشام كبير وفول مصر صغير. فإذا دنا المغرب رأيت كلاً يسعى إلى بيته يحمل بعض ما

стр. 893

عدّدت من الطعام وما لم أعدّد. ولا بد مع ذلك كله من سطل شراب السّوس (العِرِقْسوس). وكان في الشام أناس معدودون يحسنون صنعه منهم أبو أحمد في العِمارة عند بوّابة الآس، وآخر في باب الجابية، وثالث بقي إلى قريب أمام الباب الشرقي لمسجد يَلْبُغا. والعرقسوسي لا ترى في دكانه إلا أواني عرق السوس والقدور التي يفرّغه منها وإليها والحفرة التي يكرّره فيها. وهو جذور (شُروش) نبات بري، تُجمَع وتغسل ثم تشبع بالماء، ثم يصب عليها الماء باستمرار، يدخل إليها ليخرج منها، وهذا هو التكرير، وهنا سرّ البراعة في صناعته. وهو من أنفع الأشربة، مذكور في جميع كتب الطب القديمة، يَعُدّون له فوائد كثيرة للصدر ويُستعمَل مليّناً للأمعاء ويفيد في قرحة المعدة، لكنه لا يصلح للمصابين بمرض السكر. * * * في الدقائق الأخيرة من النهار قُبَيل أذان المغرب يكون الرجال قد أووا إلى بيوتهم وخلت الطرق أو كادت ولم يبقَ إلا الأولاد، يتجمعون حول المنازل وفي زوايا الطرق، ينظرون إلى منارة العروس في الجامع الأموي (أو إلى غيرها إن كانوا بعيدين عنها لا يرونها)، فإذا أضيئت المنارة يكون قد دخل وقت المغرب. وهم يعتمدون في إضاءة المآذن أو ضرب المدفع على مئذنة الأموي. وللأموي منذ أكثر من سبعة قرون موقّتون ولهم رئيس،

стр. 894

وكان عمي الشيخ عبد القادر، العالم الفلكي، رئيس الموقتين. وهي وظيفة تشريف لا عمل. فإذا دخل الوقت أناروا المصابيح. وفي النهار -لمّا كانت مئذنة الأموي أعلى بناء في دمشق- يرفعون كرة كبيرة حمراء إلى رأس المئذنة ليراها الناس فيعلموا أن الوقت قد دخل. عندئذ يصيح الأولاد بنغمة موزونة: «أذن، أذن»، ويطيرون إلى بيوتهم مثل العصافير. * * *

стр. 895

-٧٧ - ذكريات عن رمضان (٢) أذّن المغرب فأبيحَ لنا ما كان محرّماً علينا؛ كنّا نرى الطعام الشهيّ أمامنا ونحن نشتهيه، والشراب البارد بين أيدينا ونحن نتمناه ونرغب فيه، فلا نمدّ إليه يداً، نكفّ النفس عنه ومُناها الوصولُ إليه، لا يمنعنا منه أحد ولا يرانا لو أصبنا منه أحد، ولكنه خوف الله. لذلك قال الله في الحديث القدسي: «كلّ عمل ابن آدم له إلاّ الصوم، فإنه لي». إن كلّ العبادات لله فما بال الصوم؟ ولماذا خصّه الله بالنصّ على أنه له؟ لست أدري، ولكني أظنّ -والله أعلم- أن العبادات عمل فأنت تستطيع أن تعملها رياء، أما الصوم فهو «ترك عمل» فلا يمكن أن يدخله الرياء، إلاّ إنْ جاء مَن يلازمك لزوم الظل فيكون معك في كلّ لحظة وفي كلّ مكان، وهذا ما لا يدخل في الإمكان، بل إن من الممكن أن يشرب العطشان من حنفيّة المغسلة في المرحاض، ويمكن أن يبتلع الماء وهو يتمضمض عند الوضوء فلا يحسّ به أحد ولو كان الناس حوله ينظرون

стр. 896

إليه. لذلك كان الصيام الحقّ سالماً من رياء الناس، فهل هذا هو الجواب أم يقصر ذهني عن إدراك الجواب؟ * * * كان يحمل الماءَ إلى البيوت في مكّة وجدة السقّاؤون، وقد بقي ذلك في البيوت القائمة على الجبال أمامنا إلى عهد قريب، أراهم من شُبّاك داري في أجياد، يحمل السقّاء الصفيحتين ممتلئتين ويرجع بهما فارغتين، من الصباح إلى المساء، فماذا تكون حاله لو أرحتَه النهار كله، ثم جمعت الصفائح كلها فكلّفتَه أن يصعد بها الجبل مرّة واحدة؟ ألا يعجز عنها ويسقط تحتها؟ هذا الذي يصنعه أكثرنا في شهر الصيام، نريح المعدة من الفجر إلى المغرب، فإذا أذّن المغرب شَمّرنا وهجمنا، نشرب ونشرب ونأكل ونأكل، نجمع الحارّ والبارد والحلو والحامض، وكل مشويّ ومقليّ ومسلوق، كمن يضع في الكيس بطيخاً، ثم يضع خلال حبات البطيخ تفاحاً، ثم يملأ ما بين التفاح لوزاً، ثم يفرغ على اللوز دقيقاً حتى لا يدع في الكيس ممراً يمرّ منه الهواء! هذا مثال ما نصنعه على مائدة الإفطار، فيتحوّل ذلك شحماً نحمله ونمشي به، فترى ناساً منّا (وأنا مع الأسف من هؤلاء الناس) لهم بطون حبالى في الشهر الخامس عشر، غير أن الحُبلى تلد فتضع حملها ويخفّ عنها ثقلها، والحبالى من الرجال لا يلدون ولا تُلقى عنهم أثقالهم أبداً. وهنا تظهر حكمة التراويح التي هي رياضة للجسد، وراحة للروح، ومدعاة للأجر.

стр. 897

ولن أجدّد المعركة التي كانت يوماً في دمشق، معركة بالألسن على المنابر وبالأقلام في الصحف وبالأيدي حيناً في المساجد! معركة التراويح: هل هي عشرون ركعة كما يصلّيها المسلمون من قديم الزمان، أم هي ثماني ركعات فقط كما صحّ في الحديث؟ ولقد كنت يومئذ قاضي دمشق وخطيب مسجد جامعتها، فقلت للناس: إن الله لم يوجب التراويح، فمَن صلاّها ثماني ركعات فقد أحسن، ومن صلاّها عشرين فما أساء ولا ارتكب محرّماً ولا حمل إثماً، إنما يجترح الإثمَ من يفرّق جماعة المسلمين بلا سبب ويشغلهم عن معركتهم الأصلية، معركة الكفر والإيمان، بمعارك جانبية ما لها لزوم، يفلّ بها بأسهم ويُذهِب بها رِيحَهم، ولا يصنع هذا إلاّ عدوّ للإسلام متعمّد الضرر أو ساذج قصير النظر. * * * وكان أكثر أئمة المساجد في دمشق ينقرون التراويح نقراً يتبارون فيها سرعة، يقرؤون الفاتحة بنفَس واحد ثم يتلون: ﴿الرّحْمن، عَلّمَ القُرآنَ، خَلَقَ الإنْسانَ، عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ ويكبّرون ويركعون، ومثل ذلك في الركعات كلها. إلاّ نفراً منهم كانوا يصلّونها على مهل ويناجون الله لا يعدّون الركعات، ومنهم من كان يقرأ كل ليلة جزءاً من القرآن يرتّله ترتيلاً، وأشهر هؤلاء إمام المشهد الحسيني في جامع بني أمية، وهو فاضل من آل الحمزاوي، شيخ صالح، وكان يقصده الناس من أطراف دمشق ليصلّوا معه. أما التراويح في «الأموي» فكانت ونحن صغار عجباً

стр. 898

من العجب: أربعة أئمة من أتباع المذاهب الأربعة يصلّون في وقت واحد، ووراء كل إمام مبلّغ من أصحاب الحناجر القوية والأصوات الندية، فتختلط أصواتهم فيسمع المقتدي تكبيرة الانتقال من غير إمامه فيسجد وإمامه لا يزال قائماً، حتى جاء مدير للأوقاف نسيت الآن اسمه (ولكن الله لا ينسى له فعله) فوحّد الجماعات وجعل الإمامة كل ليلة لإمام، هذا الذي لا يرضى غيره الإسلام. وأنت إذا دخلت الأموي من بابه الشرقي (وهو أقدم الأبواب) وجدت المحراب المالكي، وهو المحراب الأصلي للمسجد، وكان يُسمّى محراب الصحابة. وكان الجامع قبل أن يوسّعه الوليد بن عبد الملك ويبنيه البناء الذي كان إحدى العجائب في سالف العصور، كان الجامع بمقدار النصف ممّا تراه اليوم ولم يكن له إلاّ هذا المحراب، فلما بناه الوليد زاد المحراب الكبير، وهو إلى جنب المقصورة في نحو منتصف جدار القبلة. وفي سنة ٦١٧هـ نُصب محراب الحنابلة في الرواق الثالث الغربي، وقد عارض بعض الناس في نصبه، ولكن ركن الدين المعظّمي ناصَرَ الحنابلة فأقيم، وأمّ الناسَ فيه الموفّقُ ابن قدامة المقدسي مؤلّف المغني والكافي. ثم رُفع في حدود سنة ٧٣٠هـ وعُوّضوا عنه بالمحراب الغربي جنب باب الزيادة، وهو الباقي إلى اليوم. أما محراب الشافعية فأقيم سنة ٧٢٨ بأمر تنكز، باني المسجد المعروف في دمشق. فصارت المحاريب أربعة: محراب الخطيب وهو الكبير، وإلى جنبه المنبر وهو للحنفية، ومحراب الشافعية وهو الذي يليه

стр. 899

من جهة الغرب، ومحراب المالكية وهو في أقصى الشرق من جدار القبلة، والحنابلة وهو في أقصى الغرب. وكانوا قبل سنة ٦٩٤ يُصَلّون الفروض الخمسة في وقت واحد، ثم رُسم للحنابلة أن يصلّوا قبل الإمام الكبير، وفي سنة ٨١٩ انتقل الإمام الأول إلى محراب الشافعية، ثم استقرّت الحال على أن أول من يصلّي إمام الكلاّسة، وهي مدرسة شمالي الأموي ملحَقة به، وهي إلى جنب مدفن صلاح الدين الأيوبي، أو لعلّ صلاح الدين دُفن فيها، يعرف ذلك أخونا الدكتور صلاح الدين المنجّد، فهو والشيخ دَهْمان من أعرف أهل دمشق بدمشق. ثم إمام مشهد الحسين، والمشاهد في عرف أهل الشام مساجد صغيرة ملحَقة بالجامع وبابها إليه، وهي جزء منه يضمها سوره. والوضع اليوم على أن يصلي إمام الشافعية أولاً ثم الحنفي ثم المالكي ثم الحنبلي، وتُرِكت الجماعات التي كانت في المشاهد (١). وهذا كله مخالف للسنّة ومفرّق للجماعة ومن المحدَثات في الإسلام، والصحيح أن المساجد التي لها إمام راتب لا يجوز أن تتكرّر فيها الجماعات، وهذا مذهب الحنفية (٢)، بل إن المحاريب نفسها لم تكن في القرن الأول وهو خير القرون. * * * وإذا أنا خصصت الجامع الأموي بطول الكلام عنه فلأنه

стр. 900

أقدم مساجد الإسلام، صارع النار والدمار وثبت على الأعصار والأدهار، تكسّرَت على جدرانه موجات الزمان وهو قائم كما تتكسّر أمواج البحر على أقدام الصخرة الراسية عند الشاطئ. ذهبَت أمية بسلطانها ومالها ولبث وحده يخلّد في الدنيا اسم أميّة، فكان أبقى من كل ما نالت أميّة من مال وسلطان. كان معبداً من أكثر من ثلاثة آلاف سنة، تداولته أيدي اليونان والرومان وأقوام كانوا قبلهم نسي التاريخ خبرهم، ثم صار كنيسة للمسيح، ثم انتهى لمحمد ‘ وعلى أخيه المسيح ابن مريم، عبد الله ورسوله، فبقي لأتباع محمد إلى يوم القيامة. إن ذكرياتي عن رمضان مستقَرّها الجامع الأموي، وأبناؤه وأحفاده: مساجد دمشق. وأين تكون ذكريات رمضان إن لم تكن في المساجد؟ في حلقات العلم والوعظ في المساجد، وفي صفوف المصلّين التي تملأ في رمضان المساجد؟ على أن في المساجد في رمضان ما يأباه الذوق السليم والخلق القويم، هو النوم فيها بين الصلوات. فهل أُنشئت المساجد لترى الناس نائمين فيها مضطجعين بالطول والعرض لا يحترسون من أن يؤذوا الناس؟ أنا لا أنكر أن الاعتكاف عمل مشروع وسنّة متّبَعة، ولكن هذا الذي يصنعه الناس ليس من الاعتكاف المشروع. إن ذكرياتي عن الأموي لا أكاد أحصيها، منها ما له نظير في غيره ومنها ما لا أعرفه إلاّ فيه. فمن أقدم الذكريات التي نُقشت صورتها في نفسي من عهد الصغر ثريّا ضخمة جداً على هيئة قبّة قطرها نحو أربعة أمتار، ليست من البلور (أي الكريستال) ولا من الصفر أو النحاس، ولكنها قضبان متشابكة من الحديد، إذا رأيتها

стр. 901

اليوم رأيت فيها مئات ومئات من المصابيح الكهربائية، وهذه حالها اليوم، أمّا حالها لمّا كنت في الابتدائية قبل خمس وستين سنة فقد كانت شيئاً آخر، شيئاً يوصَف ولا يُرى لأنه فُقد ولم يعُد يوجد. كان مكان المصابيح الكهربائية سرج: كؤوس صغيرة جداً كالتي نشرب فيها الشاي، تُملأ بالزيت ويوضع فيه الفتيل، وهو خيط غليظ من القطن المفتول ولذلك سُمّي بالفتيل، لأن «فَعيل» تأتي بمعنى «فاعل» وبمعنى «مفعول». والصورة الراسخة في الذاكرة هي صورة هذه الثريّا التي تعدل بحجمها قبة مسجد، المربوطة بحبل معلّق ببَكَرة، يُنزِلونها حتى تستقرّ على الأرض بعد أن يبسطوا تحتها بساطاً مشمّعاً لئلاّ يوسخ الزيتُ السجّاد، ثم يلتفّون حولها ويُشعِلون الفتيل في السراج حتى تضيء السرُج كلها، ثم يشدّون الحبل فيرفعونها، فتراها من تحتها والسّرُج ترتجف شعلاتها وتتراقص مثل النجوم المتلألئة في السماء الصافية في الليلة الساكنة. ويستغرق إيقاد هذه السرُج الوقت كله من المغرب إلى العشاء. * * * نشأت في دمشق، وفي دمشق عرفت رمضان وأحببت رمضان. ثم كتب الله لي (أو كتب عليّ) أن أشرّق في الأرض وأغرّب، مشيت إلى أقصى الجنوب الشرقي من آسيا إلى مدينة سورابايا وإلى فولندام في أقصى الشمال من هولندا (١) وأن أرى

стр. 902

رمضان حيثما سرت، لا في سنة واحدة بل في سنوات كثيرات وأزمنة متباعدات. في مصر سنة ١٩٢٨ وأنا طالب في دار العلوم ومحرّر في «الفتح» وفي «الزهراء»، لمّا كان سكان مصر ثلث سكّانها اليوم وكانت القاهرة بربع حجم القاهرة، لمّا كانت القاهرة عاصمة العرب، شوارعها أنظف الشوارع وميادينها أجمل الميادين ومواصلاتها أسهل وأسرع المواصلات، والجامعة الوحيدة في بلاد العرب كلها كانت فيها (ولم أعدّ جامعتَي بيروت الأميركية واليسوعية لأنهما ليستا لنا)، وكان الأزهر «جامعاً» للطلاّب المسلمين فصار «جامعة» للناس أجمعين، وفيها حديقة الحيوان التي لا تفوقها جمالاً وسعة وعظمة إلاّ ثلاث حدائق في العالم، وفيها وفيها ... فما كتبت اليوم لأعدّ الذي كان فيها. وأن أرى رمضان في العراق لمّا كنت مدرّساً فيه، تنقّلت بين بغداد والبصرة وكركوك، أمضيت في الأعظمية سنة قلّما استراحت روحي مثل راحتها فيها. كنت أدرّس في الثانوية المركزية وأحاضر في دار المعلّمين العليا، وكنت حلقة من النحاس في سلسلةٍ حلقاتها من خالص الذهب: كان سَلَفي الأستاذان أحمد حسن الزيات ومحمد بهجة الأثري، وخلَفي الأستاذ زكي مبارك، هم الذهب وأنا حلقة النحاس. وكنت أدرّس في مدرسة الإمام الأعظم أبي حنيفة الذي تشرّفَت الأعظمية بانتسابها إليه، وكنت أنام في المدرسة وهي متصلة بالمسجد، فكان بين مضجعي المؤقّت في الكلّية ومضجع جسده في مدفنه ثلاثون متراً.

стр. 903

يا سقى الله أيامي في أعظمية بغداد وأهلها! كانوا يقولون لنا: "جايين تقَشْمرونا، تاخدون فلوسنا وتنسونا"، ما قال ذلك خاصّتهم وفضلاؤهم بل بعض العامّة منهم، فها هي ذي سبع وأربعون سنة قد مرّت، فهل رأيتموني يا أهل بغداد قد نسيتكم؟ هل كتب أحد عن بغداد بعد زكي مبارك أكثر ممّا كتبت أنا؟ أوَلَم أؤلّف كتاباً عن بغداد حالت عواصف السياسة وغبار تلك العواصف بينه وبين أهل بغداد، فلم يطّلع عليه إلاّ قليل منهم؟ وما لي بالسياسة من أرب وما كنت من أربابها ولا من أحبابها، ولكن كان ذنبي فيه أني وصفت ما رأيت، فمدحت ناساً صار مديحهم يؤذي من نزل بعدهم منازلهم وحلّ محلّهم. وكذلك الدنيا: مقاعد قطار، يصعد واحد وينزل واحد. ورأيت رمضان في البصرة، ومتّعت البصر بمرأى شطّ العرب وملايين من أشرف العرائس يستحممن في مائه، عرائس النخيل في الأُبُلَّة التي هي اليوم أبو الخصيب. ألم يشهد لهم شيخ المعرّة حين قال: وردنا ماءَ دجلةَ خيرَ ماءٍ ... وزرنا أشرفَ الشجرِ النّخيلا وفي كركوك لمّا كانت قرية أو كالقرية، وكنّا نستضيء في لياليها بشمعات ثلاث لا تنطفئ أبداً، لا في الليل ولا في النهار ولا تحت المطر، ذلك لأننا لم نكُن نعرف أن الغاز الطبيعي له ثمن وأنه يمكن أن يُباع، فكنّا نحرقه لنخلص منه يوم لم يكن قد ظهر النفط في غير العراق. ورأيت رمضان في بيروت سنة ١٩٣٧ وأنا مدرّس في الكلّية

стр. 904

الشرعية التي غدت اليوم أزهر لبنان، وكان من تلاميذها رجال بلغوا المعالي منهم العالِم المجاهد المفتي الشيخ حسن خالد. ورأيت رمضان في باكستان، وفي الهند، وفي أندونيسيا لما رحلت إليها مع بركة العصر الشيخ أمجد الزهاوي، وقد كتبت عنه بإذنه ورضاه في كتابي «في أندونيسيا»، وكانت رحلة لخدمة فلسطين والتعريف بقضية فلسطين، ما قبضنا فيها مالاً ولا تسلّمنا ممّا جمعوه قرشاً، بل أعطيناهم عنوان المؤتمَر الإسلامي وقلنا لهم: أرسلوا إليهم ما جادت أيديكم به. * * * قطّعت حياتي قِطَعاً وتركت في كلّ من هذه البلاد فلذة منها، لي في كلّ واحدة ذكرى أو ذكريات لو جمعتها ودوّنتها لجاء منها أدب أخلّفه بعدي. ولكن ما جدوى هذا كله وأنا أبقيه هنا: الأدب والشهرة والمجد؟ إن الذي يُجدي عليّ وينفعني هو الذي أحمله للرحلة الطويلة التي لا محيص عنها ولا رجعة منها، فعلامَ الأسى على زهرات لا تعيش إلاّ يوماً واحداَ ثم تذبل وتموت؟ إني أُدوّن هنا ذكرياتي، بل الأقلّ ممّا بقي في ذهني من ذكريات. والفضل فيها بعد الله لولدي الأستاذ زهير الأيوبي و «المسلمون» ثم «الشرق الأوسط»، أما أكثر الذكريات فقد سقط مني في مسالك الحياة أو امتدّت إليه فسرقَته أيدي النسيان. وجدت لرمضان في هذه البلاد كلها حقيقة واحدة ولكن صورها مختلفة، ومن أسرار خلق الله أنه جعل التعدّد في الوحدة والوحدة في التعدّد، فهندسة الوجوه كلها واحدة: عينان تحت حاجبَين وجبين فوق العينَين، وجعل فماً وشفتين، ولكنه لم

стр. 905

يجعل فيها وجهَين متماثلَين، بل إن التوأمَين بينهما -لو دقّقت النظر- فروق، وإلا لما عرفَت زوجةُ أحدهما زوجَها. والأحياء كلها على تعدّد أنواعها تكاد هندسة بنائها تكون واحدة: العمود الفقري وقفص الصدر والأطراف، حتى عدد فقرات العنق في الزرافة وفي الحيوان الذي لا يبدو له رقبة، حتى أعضاء التناسل في الذكر والأنثى هندستها واحدة على تعدّد أنواع الحيوان. أليس في هذا دليل من آلاف الأدلة على أن الصانع واحد؟ لو زرت معرض صور فيه مئات من اللوحات، نوع ورقها وأصباغها وطريقة ضرب الريشة فيها، كل ذلك واحد، ألا تفهم من ذلك أن مصوّرها واحد؟ ثم إن اختلاف صور رمضان في تلك البلدان جاء ممّا ابتدعه الناس وأحدثوه؛ فالدين واحد، والصورة الأصلية صورة مجتمَع الصحابة الذي كان يُشرِف عليه ويهديه سيد البشر محمد ‘، لو بقي المسلمون عليها لما اختلفوا، ولكنهم ابتدعوا بدعاً ألصقوها بالدين، وجاء العلماء فكشفوا تلك البدع. وهذا معنى الحديث: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدّد لها دينها»، يجدّده كما يغسل المرء ثوبه من الأوساخ فيعود جديداً كيوم اشتراه، التجديد المراد هو هذا لا أن يأتي بدين جديد غير ما جاء به رسول الله. * * * وكان أصعب رمضان مرّ عليّ هو الذي قضيته في جاكرتا، أنزل وحدي في فندق من أعظم ما رأيت من الفنادق، لي وحدي

стр. 906

جناح أكبر من بيتي في الشام، ولكني كنت فيه في سجن، كان حاشرة (زنزانة) ولكنها واسعة، أرى بعيني ولا أتكلم بفمي، أبصر (١) من حولي الهولنديين (من بقي منهم سنة ١٩٥٤) أبصرهم مع أسرهم وأولادهم وبيني وبين أولادي ربع محيط الأرض. وجاء العيد، والناس يفرحون بالعيد وأنا أنشد مع المتنبي ما قال في العيد، وخرجت إلى ساحة مرديكا (ومعناها ساحة الاستقلال، وكان اسمها قبل الاستقلال ساحة كامبير) وبنفسي من الضيق ما لو وُزّع على ذلك الحشد الذي لا يُحصي أفرادَه عدٌّ لغَمّهم كلهم، الألعاب والباعة والأطفال، دنيا من الناس يموج بعضهم في بعض، وأنا في دنيا من هَمّي وغَمّي وضيق صدري، لا أجد من أكلّمه أو أفهم عنه أو يفهم عني. وما العيد إن لم يكن معه الأنس ببلدك وأهلك وأصدقائك؟ وما العيد إن لم يكن فيه للنفس متعة وللقلب اطمئنان؟ إنه لا يبقى منه إلاّ رقم على صفحة التقويم. وجدت ساحة كامبير كأن قد نبتت فيها عشرون ألف زهرة في ليلة واحدة، لا أعني زهرات الحقل ولكن زهرات البيوت؛ كان نساء جاوة الحلوات (غير الجميلات) يختَلْنَ في الثياب العجيبة الملوّنة بمثل ألوان زهر الروض، وكان لهن أفانين من التسليات والألاعيب، ولكني كنت عن ذلك كله في غفلة. كنت أمشي بلا قلب لأن قلبي بعيد، بعيد في المكان والزمان، إنه يهيم في أودية الماضي يسرح في تلك السفوح الحبيبة من قاسيون ...

стр. 907

حتى بلغت حديقة لحظت أنها مرتع أطفال الأغنياء لما يبدو عليهم من آثار السرف والترف، وكان على باب الحديقة عجوز قد أمال ظهرَها ثقلُ ما حملت من كثرة السنين، وفي يدها طفلة كأنها الفلة المتفتحة جمالاً وطهراً في ثياب قديمة لكنها نظيفة، وكانت تنظر إلى هذا العالَم كأنه غريب عنها. وكان الأولاد يشترون أكف «الشوكلاطة» من بياع هناك، وكانت تنظر إليهم وهم يقشرون أوراقها ويأكلونها بعيون يلمع فيها بريق الرغبة المحرقِة يعقبها خمود اليأس المرير، ثم غلبها الطمع فلكزت خصر جدتها العجوز بمرفقها، حتى إذا التفتَت إليها أشارت بغمزة من عينها وحركة سريعة من يدها إلى الشوكلاطة، فتبسّمَت الجدةّ بعينيها ولكنّ مقلتيها كانتا تبكيان بلا دموع، وقلّبَت كفّيها إشارة العجز والفقر. فاشتريت لها أكبر كفّ من الشوكلاطة وذهبت فدفعته إليها، فنظرَت إليّ نظرة المشدوه، ثم نظرَت إلى جدتها كأنها تستنجد بها تسألها، فأشرق وجه العجوز بابتسامة كأنها إطلالة الشمس في يوم كثيف الغمام، وقالت بلسانها كلاماً لم أفهم منه إلاّ «تريما كاسي» (أي شكراً) «بنجاوم عمر» (أي الله يطول عمرك). وأسرعت البنت تجرّ جدّتها تُسرع بها، كأنها قطة أعطيتها قطعة لحم فهي تسرع بها كأنما تخاف أن أندم فألحقها لأستردّها منها. لم أخسر أكثر من أجرة سيارة أركبها في نزهة أريدها، ولكني ربحت من اللذّة ما لا أجده في مئة نزهة. أحسست أن ما كان في قلبي من الضيق قد انفرج، وما كنت فيه من الكرب قد زال، وأنه رُفع المنظار الأسود عن عيني فرأيت بهاء الكون

стр. 908

وبياض النهار، ووجدت العيد. فيا أيها القرّاء، ليست السعادة بالأموال ولا بالقصور ولا بالخدم ولا بالحشم، ولكن بسعادة القلب. وإنّ أقرب طريق إلى سعادة القلب أن تُدخِل السعادة على قلوب الناس، وإنّ أكبر اللّذّات هي لذّة الإحسان. فمن أراد منكم أن يجد العيد فلن يجده في سفره إلى لندن ولا باريس ولابانكوك ولا نيس، بل يجده على وجوه من يُوليهم الإحسان. * * *

стр. 909

-٧٨ - رحلة الحجاز (٦) جدّة قبل نصف قرن أعود إلى الحديث عن ذكريات رحلة الحجاز. أكتب هذه الحلقة في جدّة، جدّة التي يقطع الماشي اليوم من شرقيها على طريق مكّة إلى شماليها على طريق المدينة أكثر من ثلاثين كيلاً، يمشي في غابة من العمارات الفخمة، في شبكة من الشوارع المعبّدة. هل هذه هي جدّة التي أكتب ذكرياتي عنها؟ إن جدّة الماضية ليست إلاّ «ذكرى» في ذهن جدّة الحاضرة، وجدة الحاضرة ما هي إلاّ «أمل» عند جدّة الماضية. بل لم يكن أحدٌ في جدّة يأمل أو يتصور أنه يمكن أن يصير طول جدّة ثلاثين كيلاً، ولو خبّرته بأن ذلك سيكون لعدّك أحد المجانين. إن الذي تحقّق في جدّة وفي مكّة وفي الرياض وفي مدينة الرسول ‘، بل في أصغر القرى الضائعة بين صخور جبال السَّرَاة وفي أوديتها، ما تحقّق يتعدى حدود الخيال. فهل سمعتم بحقيقة

стр. 910

سبقت شطحات الخيال؟ هذا ما وقع في المملكة في خمسين سنة، من زيارتي الأولى سنة ١٣٥٣هـ إلى الآن. إن قطار الحضارة والفكر يجري دائماً إلى الأمام، يسيّره في كلّ مرحلة قائد من إحدى الأمم. ولقد مرّ يومٌ كنّا فيه أصحاب هذا القطار، وقدناه في الليالي السود حيث لا يدلّنا على الطريق صُوىً (١) منصوبة ولا مصابيح، حتى إذا بلغنا به المحطّة الآمنة جلسنا نستريح فنمنا. وجاء من زاد القطارَ قوّة في محرّكه وسرعة في سيره، وقاده من دوننا ونحن نيام، حتى بدأنا نستيقظ. وكانت يقظتنا الروحية على دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب والمادية على صوت مدافع نابليون؛ أفاقت مصر ثم أفاقت الشام على وقع أقدام المستعمرين، ما جاؤوا حباً بنا ولكن طمعاً فينا، فعلمنا بهذه الحضارة الجديدة وجعلنا نأخذ منها، من خيرها ومن شرّها، يمرّ القطار على بلادنا بلد بعد بلد يوقظ بضجيجه من بقي نائماً. فكان آخر من استيقظ هذه الجزيرة، جزيرة العرب التي كانت قديماً أول من أفاق، ومنها خرجَت الشعوب التي حملت مشاعل الحضارات الأولى فسارت إلى وادي النيل ووادي الرافدَين وإلى سواحل

стр. 911

الشام، والتي سطعت منها بعد ذلك الشمس التي طمست بنورها الوهّاج أضواء تلك المشاعل؛ شمسُ الإسلام. كانت الجزيرة عند زيارتي التي أكتب عنها لا تزال نائمة، مرّ بها هذا القطار فلم يقف هو عليها ولم تشعر هي به. أفاقت متأخرة فرأت أن من ركب القطار قد مضى، فهل تبقى مكانها لأن القطار قد فاتها؟ فأين -إذن- هِمَم الرجال وأين ما يفعل المال؟ وأين إرث الحضارة في دمها وسموّ الإسلام في روحها؟ ومتى كان المسلم يرضى بالدنيّة ويقبل من المعالي بأن يسكن السفحَ والناسُ يتسابقون إلى الذُّرى؟ لذلك ركبَت سيارة السباق ولحقت القطار، فإذا هي إلى جنب مَن أسرع إلى ركوبه. بدأَت متأخرة ولكنها جاءت سابقة، فالبلاد التي عرفتُها في رحلتي الأولى (التي أتكلم عنها) ولم يكن فيها سبع مدارس ابتدائية رسمية صار فيها سبع جامعات، ولم يكن فيها واحد يحمل (فيما أعلم) شهادة جامعية صار الدكاترة فيها يُتعبون العادّين والمُحْصِين، والتي لم يكن فيها مستشفى واحد يمكن أن يُقال له مستشفى صار فيها عشرات من المستشفيات التي تزاحم بمناكبها في حلبة السباق أفاضل مستشفيات العالم، ولم يكن فيها قبل خمسين سنة لمّا زرتها مدرسة للبنات فصارت فيها مدارس البنات بالمئات. والمملكة العربية السعودية التي كانت (لولا عبقرية منشئها وشخصيته) خفيفة الوزن في ميزان الدول صارت من أثقلها وأعلاها صوتاً وأرجحها رأياً، وصارت مثابة لعظماء الأمم من

стр. 912

الشرق ومن الغرب؛ كل يزورها ليتلقّى (كما قال نيكسون هنا في كلمة له عرضها الرائي) يتلقّى الحكمة ويتلقّى المال: إما ريالات ودولارات وإما ذهباً أسود اسمه النفط، فكانت كما قال الأول: نَشُدُّ أحمالَنا إلى ملِكٍ ... نأخُذُ مِن مالِهِ ومِن أدَبِهْ لقد وضع عبد العزيز الأساس وأرسى الدعائم، وجاء أولاده يُعلّون الجدران ويقوّون الأركان ويجمّلون البنيان، مهتدين -إن شاء الله- بهدى القرآن. * * * أعود إلى الحديث عن جدّة وحولي ثمانية من الأطفال: سبعة صبيان وطفلة واحدة، أمهاتهم أربع من حفيداتي وآباؤهم اثنان من أحفادي (أو أسباطي) واثنان ليسا من ذرّيتي ولكن لهما مثل ما لهم من محبّتي؛ أنظر إلى الوليد نظرة وإلى أبيه نظرة: إني لأذكر تماماً الأب الطبيب وأخاه المهندس وهم أطفال كهؤلاء، كأني أنظر إليهم، ألمسهم، أضعهم في حِجْري، يوقظني من نومي بكاؤهم ويسعدني لعبهم وصخبهم، فكيف أتصوّر أن هذا الطبيب أو هذا المهندس بطوله وعرضه وشاربه ولحيته هو ذلك الطفل؟ هذا مثال جدّة اليوم وجدة الأمس. هل تريدون -يا أيها الشباب- أن تروا جدّة كما رأيتها أول مرّة؟ هل تعرفون باب مكّة؟ لا أريد الحيّ كله بل الباب الذي

стр. 913

كان. إنه ضاع بين العمارات فاسألوا الشيوخ عنه (١)، وتصوّروه باباً حقيقياً يُفتح نهاراً ويُغلق ليلاً، وباب شريف والباب الجديد وإلى جنبه أو بالقرب منه الكنداسة (الكوندانسيه)، ثم صِلوا بين الأبواب بسور بجدار متصل: هذه جدّة كلها. وكان موضع وزارة الخارجية -كما يُخيّل لي الآن- تلاًّ يقتعد الناس جوانبه عند كل عشيّة، وليس بعده شيء من العمارات إلاّ طائفة من البيوت القديمة على ساحل البحر. وكانت الرُّوَيْس قرية، ولست واثقاً من هذا الذي أقول فالصورة قد بهتت لطول العهد بها، خمسون سنة ليست شهوراً معدودات، ثم إني لم أُقِم يومئذ في جدّة إلاّ أياماً قضيناها في دار الشيخ محمد نصيف (الأفندي نصيف) ﵀. عرفته من تلك الأيام، ثم اتصل الودّ بيننا وتوثّقَت المعرفة حتى صارت صداقة على بُعد ما بيني وبينه في السنّ وفي المنزلة، وفي نبيل الخلال وفي كريم الفعال. لقد كتبت عنه يومئذ فقلت: إن من زار جدّة ولم يزُر الشيخ نصيف فما زارها، سرقت المعنى من قول ذي الرِّمّة:

стр. 914

تمامُ الحَجِّ أن تقفَ المطايا ... على خَرقاءَ واضعةِ اللّثام لقد كانت داره أكبر (أو من أكبر) الدور في جدّة، وكان هو أوجه (أو من أوجه) أهلها. كان من يقصد جدّة من كبار الناس ينزل في داره حين لم يكن في جدّة فندق ولا دار ضيافة، كانت دار الضيافة داره ودور أمثاله، حتى الملك عبدالعزيز ﵀ لمّا دخل جدّة من نحو ستين سنة نزل فيها، فماذا تقولون في دار تصلح لنزول ملك؟ وبناء هذه الدار له قصة سمعتها منه، ولم أحفظها كاملة لأرويها. ممّا أذكره أنه كلّما فرغت طائفة من البنّائين من عملها (الذين يقيمون الجدران ثم الذين يصلحونها ويصقلونها ثم النجّارون، ولست أعرف الطوائف كلها لأعدّها)، كلّما فرغت طائفة قال جده لكبيرها: ادعُ من شئت من زملاء صنعتك وأهل حرفتك من جدّة ومن مكّة، فيدعوهم ليريهم عمله، ويكون الشيخ قد أعدّ لهم وليمة ضخمة ووزّع عليهم هدايا مناسبة. وكان من تمام البراعة في بناء هذه الدار أني كنت أدخل غرفة الشيخ فينظر في مهبّ النسيم ويقول: يا ولد، افتح هذا الشبّاك وأغلق هذا الشبّاك ... فلا يزال النسيم رخيّاً في الغرفة والهواء جارياً من غير مروحة. وأحسب هذا من العلم الذي عرفه المسلمون من القديم، فإني لمّا زرت قصر المتوكّل، القصر الجعفري في «سُرّ مَن رأى» سنة ١٩٣٦، وكنّا نشكو الحرّ وتنضح أجسادنا بالعرق وتضيق أنفاسنا من وهج الصيف كأننا ننظر في تنّور، دخلنا القسم الصيفي، أعني أنقاضه الباقية، فوجدنا النسيم

стр. 915

عليلاً والهواء متحركاً ينعش النفوس لأنه مبني بناء لا ينقطع فيه جريان الهواء. اعذروني إن أطلت الكلام عن الشيخ محمد نصيف، فلقد كنت أحبّه وكنت أُجِلّه، ولمّا مات حزنت عليه مثل حزني على أجلّ أساتذتي وأكرم أصحابي. عرفته من سنة ١٣٥٣هـ واتّصل حبلي بحبله حتى توفّاه الله؛ إن قَدِمتُ جدّة فإن أول مكان أقصده بيت الشيخ نصيف، وأنا لا أجيب دعوة ولا أكاد آكل عند أحد، وكنت عنده آكل وأشرب وأنام إن شئت أن أنام. ولقد كان طرازاً وحده، كان رجلاً لا أكاد أعرف له من الرجال نظيراً فيما جمع من المزايا: كان تاريخاً ناطقاً، كان قاموساً للرجال، كانت عنده معلومات لم أجدها بعده في كتاب ولم أجد مثلها عند أحد. كانت في داره مكتبة من أكبر ما عرفت من المكتبات الخاصّة. ما كنت أزوره مرّة إلاّ وجدت عنده بعض أهل الفضل من المملكة ومن مصر ومن الشام ومن العراق ومن المغرب أدناه وأقصاه، كان له في كلّ بلد إخوان وأصدقاء، كانت داره فندقاً ولكنه أرخص الفنادق، لأن الأكل فيه والنوم بلا شيء، غرف النوم مُعَدّة ما عليها قفل ولا لها أبواب، والمائدة عامرة من شاء حضر الغداء، ولا يُسأل طاعم عن اسمه. كنت كلّما قَدِمت جدّة زرته، لمّا كنت أقدم من الشام قبل أن أقيم في المملكة ولمّا كنت أقدم من مكّة بعدما أقمت فيها. وجدت مرّة عنده رجلاً على الغداء، فلما عُدت بعد أسبوعين وجدتُه، ووجدته بعد شهر، فقلت: من هذا الذي أراه نازلاً عندك؟ فقال: رجل طيّب عرفته في بعض أسفاري إلى لبنان يبدو أن له أعمالاً هنا، لا أعرف اسمه.
следующие страницы →