← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

الشام، والتي سطعت منها بعد ذلك الشمس التي طمست بنورها الوهّاج أضواء تلك المشاعل؛ شمسُ الإسلام. كانت الجزيرة عند زيارتي التي أكتب عنها لا تزال نائمة، مرّ بها هذا القطار فلم يقف هو عليها ولم تشعر هي به. أفاقت متأخرة فرأت أن من ركب القطار قد مضى، فهل تبقى مكانها لأن القطار قد فاتها؟ فأين -إذن- هِمَم الرجال وأين ما يفعل المال؟ وأين إرث الحضارة في دمها وسموّ الإسلام في روحها؟ ومتى كان المسلم يرضى بالدنيّة ويقبل من المعالي بأن يسكن السفحَ والناسُ يتسابقون إلى الذُّرى؟ لذلك ركبَت سيارة السباق ولحقت القطار، فإذا هي إلى جنب مَن أسرع إلى ركوبه. بدأَت متأخرة ولكنها جاءت سابقة، فالبلاد التي عرفتُها في رحلتي الأولى (التي أتكلم عنها) ولم يكن فيها سبع مدارس ابتدائية رسمية صار فيها سبع جامعات، ولم يكن فيها واحد يحمل (فيما أعلم) شهادة جامعية صار الدكاترة فيها يُتعبون العادّين والمُحْصِين، والتي لم يكن فيها مستشفى واحد يمكن أن يُقال له مستشفى صار فيها عشرات من المستشفيات التي تزاحم بمناكبها في حلبة السباق أفاضل مستشفيات العالم، ولم يكن فيها قبل خمسين سنة لمّا زرتها مدرسة للبنات فصارت فيها مدارس البنات بالمئات. والمملكة العربية السعودية التي كانت (لولا عبقرية منشئها وشخصيته) خفيفة الوزن في ميزان الدول صارت من أثقلها وأعلاها صوتاً وأرجحها رأياً، وصارت مثابة لعظماء الأمم من

стр. 912

الشرق ومن الغرب؛ كل يزورها ليتلقّى (كما قال نيكسون هنا في كلمة له عرضها الرائي) يتلقّى الحكمة ويتلقّى المال: إما ريالات ودولارات وإما ذهباً أسود اسمه النفط، فكانت كما قال الأول: نَشُدُّ أحمالَنا إلى ملِكٍ ... نأخُذُ مِن مالِهِ ومِن أدَبِهْ لقد وضع عبد العزيز الأساس وأرسى الدعائم، وجاء أولاده يُعلّون الجدران ويقوّون الأركان ويجمّلون البنيان، مهتدين -إن شاء الله- بهدى القرآن. * * * أعود إلى الحديث عن جدّة وحولي ثمانية من الأطفال: سبعة صبيان وطفلة واحدة، أمهاتهم أربع من حفيداتي وآباؤهم اثنان من أحفادي (أو أسباطي) واثنان ليسا من ذرّيتي ولكن لهما مثل ما لهم من محبّتي؛ أنظر إلى الوليد نظرة وإلى أبيه نظرة: إني لأذكر تماماً الأب الطبيب وأخاه المهندس وهم أطفال كهؤلاء، كأني أنظر إليهم، ألمسهم، أضعهم في حِجْري، يوقظني من نومي بكاؤهم ويسعدني لعبهم وصخبهم، فكيف أتصوّر أن هذا الطبيب أو هذا المهندس بطوله وعرضه وشاربه ولحيته هو ذلك الطفل؟ هذا مثال جدّة اليوم وجدة الأمس. هل تريدون -يا أيها الشباب- أن تروا جدّة كما رأيتها أول مرّة؟ هل تعرفون باب مكّة؟ لا أريد الحيّ كله بل الباب الذي

стр. 913

كان. إنه ضاع بين العمارات فاسألوا الشيوخ عنه (١)، وتصوّروه باباً حقيقياً يُفتح نهاراً ويُغلق ليلاً، وباب شريف والباب الجديد وإلى جنبه أو بالقرب منه الكنداسة (الكوندانسيه)، ثم صِلوا بين الأبواب بسور بجدار متصل: هذه جدّة كلها. وكان موضع وزارة الخارجية -كما يُخيّل لي الآن- تلاًّ يقتعد الناس جوانبه عند كل عشيّة، وليس بعده شيء من العمارات إلاّ طائفة من البيوت القديمة على ساحل البحر. وكانت الرُّوَيْس قرية، ولست واثقاً من هذا الذي أقول فالصورة قد بهتت لطول العهد بها، خمسون سنة ليست شهوراً معدودات، ثم إني لم أُقِم يومئذ في جدّة إلاّ أياماً قضيناها في دار الشيخ محمد نصيف (الأفندي نصيف) ﵀. عرفته من تلك الأيام، ثم اتصل الودّ بيننا وتوثّقَت المعرفة حتى صارت صداقة على بُعد ما بيني وبينه في السنّ وفي المنزلة، وفي نبيل الخلال وفي كريم الفعال. لقد كتبت عنه يومئذ فقلت: إن من زار جدّة ولم يزُر الشيخ نصيف فما زارها، سرقت المعنى من قول ذي الرِّمّة:

стр. 914

تمامُ الحَجِّ أن تقفَ المطايا ... على خَرقاءَ واضعةِ اللّثام لقد كانت داره أكبر (أو من أكبر) الدور في جدّة، وكان هو أوجه (أو من أوجه) أهلها. كان من يقصد جدّة من كبار الناس ينزل في داره حين لم يكن في جدّة فندق ولا دار ضيافة، كانت دار الضيافة داره ودور أمثاله، حتى الملك عبدالعزيز ﵀ لمّا دخل جدّة من نحو ستين سنة نزل فيها، فماذا تقولون في دار تصلح لنزول ملك؟ وبناء هذه الدار له قصة سمعتها منه، ولم أحفظها كاملة لأرويها. ممّا أذكره أنه كلّما فرغت طائفة من البنّائين من عملها (الذين يقيمون الجدران ثم الذين يصلحونها ويصقلونها ثم النجّارون، ولست أعرف الطوائف كلها لأعدّها)، كلّما فرغت طائفة قال جده لكبيرها: ادعُ من شئت من زملاء صنعتك وأهل حرفتك من جدّة ومن مكّة، فيدعوهم ليريهم عمله، ويكون الشيخ قد أعدّ لهم وليمة ضخمة ووزّع عليهم هدايا مناسبة. وكان من تمام البراعة في بناء هذه الدار أني كنت أدخل غرفة الشيخ فينظر في مهبّ النسيم ويقول: يا ولد، افتح هذا الشبّاك وأغلق هذا الشبّاك ... فلا يزال النسيم رخيّاً في الغرفة والهواء جارياً من غير مروحة. وأحسب هذا من العلم الذي عرفه المسلمون من القديم، فإني لمّا زرت قصر المتوكّل، القصر الجعفري في «سُرّ مَن رأى» سنة ١٩٣٦، وكنّا نشكو الحرّ وتنضح أجسادنا بالعرق وتضيق أنفاسنا من وهج الصيف كأننا ننظر في تنّور، دخلنا القسم الصيفي، أعني أنقاضه الباقية، فوجدنا النسيم

стр. 915

عليلاً والهواء متحركاً ينعش النفوس لأنه مبني بناء لا ينقطع فيه جريان الهواء. اعذروني إن أطلت الكلام عن الشيخ محمد نصيف، فلقد كنت أحبّه وكنت أُجِلّه، ولمّا مات حزنت عليه مثل حزني على أجلّ أساتذتي وأكرم أصحابي. عرفته من سنة ١٣٥٣هـ واتّصل حبلي بحبله حتى توفّاه الله؛ إن قَدِمتُ جدّة فإن أول مكان أقصده بيت الشيخ نصيف، وأنا لا أجيب دعوة ولا أكاد آكل عند أحد، وكنت عنده آكل وأشرب وأنام إن شئت أن أنام. ولقد كان طرازاً وحده، كان رجلاً لا أكاد أعرف له من الرجال نظيراً فيما جمع من المزايا: كان تاريخاً ناطقاً، كان قاموساً للرجال، كانت عنده معلومات لم أجدها بعده في كتاب ولم أجد مثلها عند أحد. كانت في داره مكتبة من أكبر ما عرفت من المكتبات الخاصّة. ما كنت أزوره مرّة إلاّ وجدت عنده بعض أهل الفضل من المملكة ومن مصر ومن الشام ومن العراق ومن المغرب أدناه وأقصاه، كان له في كلّ بلد إخوان وأصدقاء، كانت داره فندقاً ولكنه أرخص الفنادق، لأن الأكل فيه والنوم بلا شيء، غرف النوم مُعَدّة ما عليها قفل ولا لها أبواب، والمائدة عامرة من شاء حضر الغداء، ولا يُسأل طاعم عن اسمه. كنت كلّما قَدِمت جدّة زرته، لمّا كنت أقدم من الشام قبل أن أقيم في المملكة ولمّا كنت أقدم من مكّة بعدما أقمت فيها. وجدت مرّة عنده رجلاً على الغداء، فلما عُدت بعد أسبوعين وجدتُه، ووجدته بعد شهر، فقلت: من هذا الذي أراه نازلاً عندك؟ فقال: رجل طيّب عرفته في بعض أسفاري إلى لبنان يبدو أن له أعمالاً هنا، لا أعرف اسمه.

стр. 916

ذكّرَتني هذه الحادثة بأخرى تشبهها ولو من بعيد: بعثتني وزارة العدل في الشام في مهمة قانونية إلى مصر أنا وزميلي في القضاء، رفيق السفر والحضَر الأستاذ نهاد القاسم ﵀، الذي صار وزير العدل في القاهرة أيام الوحدة. فلما قابلنا وزير العدل هناك (وكان خشبة باشا) كان أول ما قاله بعد السلام أنْ سألَنا عن رجل من الشام اسمه الشيخ أبو الخير الفرّا (أي الفرّاء)، فخبّرناه خبره وعجبنا من سؤاله عنه. ورأى العجب على وجوهنا فقال: أنا أخبركم بسبب سؤالي عنه. قدمت دمشق في العشرينيات من هذا القرن، فنزلت فندقاً في المرجة. فلما جلتُ في البلد وصعدت إلى «المهاجرين» على سفح قاسيون رأيت داراً مفتوحاً بابها وأمامه رجل على كرسي، فأعجبني المكان ومنظر البلد والغوطة من حولها يبدو واضحاً (١)، وسألت الرجل: أليس ها هنا فندق أنزل فيه أياماً؟ قال: نعم، تفضّل. ودخلت فأعطاني غرفة ما ارتضيتها، فقلت: أريد خيراً منها. فأعطاني غيرها فرضيتها، وسألت عن الطعام فقال: أطلب كل يوم ما تريده. فنزلت عنده، وجعلت أطلب الطعام والشاي وأكلّف الخادم بكل ما أشتهيه فيأتي به. استطبت المقام فأطلت المدّة، حتى إذا انقضى أسبوعان وعزمت على الرحيل فقلت له: أنا راحل غداً. قال: بسلامة الله. قلت: فأين قائمة الحساب؟ فضحك وقال: حساب إيش؟ هل تحسبه فندقاً؟ إنه بيتي وأنت ضيفي! * * *

стр. 917

أعود إلى الشيخ محمد نصيف. لقد دامت صلتي به نحو نصف قرن، وكنت كلما ازددت به معرفة أزداد له محبّة واحتراماً. ووثّق عُرى هذه الصلة أنه كان صديق شيخنا محمد بهجة البيطار وشيخه الشيخ محمد جمال الدين القاسمي، وصديق خالي محبّ الدين الخطيب. إن سيرة الشيخ نصيف تاريخ لهذا البلد ولوحة تعرض بعض مكارمه ونموذج لحياة رجال فقدناهم ولم نجد بعدهم أمثالهم، فأين أحفاده يكتبون سيرته، وهم جميعاً من صدور المثقفين والمتعلمين؟ وحسبكم أن منهم مدير الجامعة، وأخته عميدة الطالبات، وأخاه الذي يصفّي لنا ماء البحر فيجعله بإذن الله عذباً فُراتاً بعد أن كان مِلحاً أُجَاجاً (١)، وكلهم دكاترة لهم أذهان ولهم أقلام، فما لهم يقعدون عن أداء الواجب عليهم؟ وأنسباء الشيخ من آل جمجوم، وما أكثر الأفاضل والأماثل فيهم، وغيرهم ممّن عرف الشيخ. لا أريد أن يكتب سيرته من أجله هو، فهو في مكان

стр. 918

لا يصل إليه من أمجاد هذه الدنيا ومن زينتها ومن زخرفها شيء، ولَدعوةٌ له صادقة من قلب مؤمن أو ريال يُتصدَّق به عن روحه خيرٌ من مئة كتاب، ولكنْ تُكتَب سيرته مفصَّلة لتكون نبراس هدى للناشئة وقدوة لهم صالحة وصفحة عطرة زاهية من تاريخ المَكرُمات (١). ورجل آخر لا أزال متألماً لأن الناس لم يعرفوا له حقّه ولأن هذا البلد لم يُعطِه بمقدار ما أخذ منه، رجل لم ألقَه إلاّ في زيارات معدودة في أيام معدودة في بومباي في الهند سنة ١٩٥٤، ولكني لقيت ثمرات ما زرع؛ هو أبو التعليم في الحجاز الشيخ محمد علي زينل منشئ مدارس الفلاح. وقد قرأت في الصحف أن الرجل الفاضل الذي خدم البلاد بماله وبفكره، الذي افتقدناه من قريب، الشيخ إبراهيم الجفالي قد اشترى أرض «ملعب إسلام» في «البيبان» ووقفها على مدرسة الفلاح، فلماذا لا ينشط أخواه (وهما خليفتاه في عمل الخير) وأصدقاؤه ومن يريد للناس الخير ومن يرجو من الله الثواب، فيقيموا على هذه الأرض مدرسة جديدة ومُنشَأة خيرية تُعين الفقراء من طُلاّبها ومن غيرهم،

стр. 919

وتُسمّى «مبَرّة الفلاح» صدقة على روح إبراهيم الجفالي؟ * * * لمّا انقضت أيامنا في جدّة وعزمنا على التوجه إلى البلد الأمين ودّعْنا الشيخ ومشينا إلى باب مكّة بسياراتنا. وكان وصولنا إلى الباب في المساء، فسألَنا الجندُ ونظروا في أوراقنا وفتحوا لنا الباب، وخرجنا من باب مكّة. لم نرَ السوق الذي ترونه الآن ولا مررنا بوزارة الإعلام، ولا سلكنا هذه الشوارع، كل ذلك لم يكن؛ خرجنا من باب مكّة إلى أرض خلاء ما فيها بنيان قائم ولا طريق مشقوق، صحراء كالتي كنّا نمشي فيها قبل أن نصل جدّة، أذكر أن في مواضع منها «مشروع» طريق. حتى إذا وصلنا «بَحْرَة» (١) تشهّدنا وألقينا بأنفسنا على المقاعد الطويلة المصنوعة من القشّ المَضْفور، وهي لا تريح بل تكسر الظهر، وكانوا يسمّونها «الشايخانات» (الخانة أي المنزل) فهي محطّة لشرب الشاي. وليس البلاء فيما قبل بحرة بل فيما بعدها، في الشُّمَيْسي وبعد الشميسي بقليل. إنكم تمرّون بها الآن بسياراتكم المكيّفة المريحة المسرعة (على الطريق القديم) فلا تلتفتون إلى تلال واطئة من الرمل الناعم المتموّج، أو تنتبهون إليها للإعجاب

стр. 920

بمنظرها وبنعومتها وبأنها تشبه أمواج البحر إذا تجمّدَت. كان علينا أن نسير بسياراتنا فوق هذه التلال، فجرّبوا أن تسيروا فوقها عشرين متراً. إن الأقدام لاتثبت عليها، فكيف بدواليب سيارات عاديّة من طراز ١٩٣٤ مع ثقلها؟ هل تصدّقون أننا قطعنا على الطريق من جدّة إلى مكّة اثنتي عشرة ساعة؟ هل تصدّقون أنه قد خرج معنا أناس يركبون الحمير، فسبقت السيارةُ الحمارةَ بساعة واحدة فقط؟! تقولون: لقد تركناك في تبوك، فكيف وصلت إلى جدّة؟ وما لك لا تقصّ علينا نبأ السفر من تبوك إلى جدّة؟ والجواب في الحلقة القادمة إن شاء الله. * * *

стр. 921

-٧٩ - رحلة الحجاز (٧) مكّة المكرمة ولقاء الملك عبد العزيز وَعَدت أن أجعل هذه الحلقة في وصف الطريق من تبوك إلى جدّة. ويا له من طريق! ويا ما قاسينا فيه وما حملنا من مصاعب وما تجرّعنا من غُصَص! إنه حديث طويل إذا قرأه اليوم مَن يخرج بسيارته من تبوك فيصل جدّة بعد تسع ساعات يحسب أني أتلو عليه الأساطير أو أتخيّل الغرائب. إنه حديث مشوّق، ولكن كيف أسوقه إليكم وأنا واقف على أبواب مكّة؟ أتريدون أن أبلغ مكّة ولا أدخلها؟ وكل مسلم يتوجّه في صلاته إليها يتمنّى زيارتها ويحلم برؤيتها (١).

стр. 922

ولكن مكّة التي بلغتها يومئذ ليست مكّة التي أقيم فيها الآن، فهل أستطيع وأنا في سنة ١٤٠٣ أن أعرض عليكم صورة مكّة التي عرفتها سنة ١٣٥٣؟ هل أقدر أن أحدّد معالمها، وقد طال العهد بها ومحت الأيامُ ذكراها؟ إنها خمسون سنة -يا سادة- طمست كثيراً من هذه المعالم في ذهني، بدّلت خطوط الصورة ورسمت في مكانها خطوطاً جديدة، فلم يبقَ من القديمة إلاّ بقع صغيرة بهتت ألوانها من كرّ الليالي ومرّ السنين. فهل تقنعون مني بعرض هذه البقع الباقية من الصورة إن لم أستطع عرض اللوحة كلها؟ وأنتم -يا أهل مكّة- أدرى بشعابها وأعرف بما كانت عليه وما صارت إليه، وفيكم أدباء في مثل سنّي ولهم أذهان أحدّ من ذهني وأقلام أمضى من قلمي، منهم مَن عرفت في تلك الزَّورة الأولى كالأستاذ محمد سعيد العامودي مدّ الله في عمره، فهم أولى بالكتابة مني. وما أعرفه عن مكّة من خمسين سنة مهما كثر لا يبلغ الأقلّ الأقلّ ممّا يعرفون؛ فهم أهل البلد وأنا عابر سبيل رأى شيئاً وغابت عنه أشياء. زرت مكّة ورجعت إلى بلدي، ثم زرتها مرّات ورجعت، ثم شرّفني الله وأكرمني بالإقامة فيها من عشرين سنة، فجئت هذه المرّة ولم أرجع لأنه قد حيل بيني وبين الرجوع، والله هو المستعان، أسأله وحده أن يكتب لي رؤية بلدي قبل الممات. وما بلدي بأفضل من مكّة أو المدينة، أستغفر الله، ما أؤثره ولا يؤثره مسلم عليهما، ولكن حُبّب إلى كل امرئ بلده: وحَبّبَ أوطانَ الرجالِ إليهمُ ... مآرِبُ قضّاها الشبابُ هنالكا

стр. 923

على أني إذا رجعت أخاف أن أندم لأني لن أجد إخواني ولا أقراني، إنهم سبقوني إلى الغاية التي تدنيني الأيام منها. وما نفع الأوطان وقد خَلَت من الإخوان وبدّلها صَرْفُ الزمان وتتابُع الحَدَثان؟ هل أقوم فيها إلاّ مقام الشاعر الذي يخاطب الأطلال يسائلها عمّن مضى من الأحباب؟ ينادي فلا يسمع إلاّ صدى النداء: ناديتُ: أينَ أحبّتي ... فأُجِبتُ: أينَ أحبّتي * * * كان أول ما رأيت من مكّة بقايا «البيبان» (أي الأبواب)، ثم الثكنة (القشلة)، كانت هي نهاية البلدة للخارج منها وأولها للقادم عليها، ما كانت «الزاهر» ولا «الزهراء»، ولا كان شيء من هذه الأحياء، كانت كلها أرضاً خلاء، ثم تمرّ في طرق ملتوية حتى تصل إلى الحرم، ما كان شارع المنصور ولا شارع الستين ولا شارع الحفاير. وكانت مكّة تنتهي من الجهة الأخرى عند مسجد الجنّ عند عمارة البريد، وكانت صخرة «كُداء» المطلة على مقبرة «المُعَلّى» قائمة كاملة ما قُطعت ليمرّ فيها شارع الحُجون إلى العُتَيْبَة، ولا كانت العتيبة. ما بعد عمارة البريد، أعني موضعها لا ذاتها، إلاّ مقاهٍ بلدية، ثم بيت السقاف الذي شَرُفنا فيه بمقابلة الملك عبد العزيز ﵀. أما الجامعة وحيّ العزيزية وما قام الآن بعده من أحياء فلم يكن منها شيء إلاّ «حَوْض البَقَر»، وهو حوض يسيل إليه الماء من قناة العين على يسار الخارج من مكّة على سفح الجبل،

стр. 924

وكان ماؤها سبيلاً يسقي منه الرعاة مواشيهم. هذه هي مكّة كلها. كان الحرم كما كان المسجد النبوي، وكما كان (ولا يزال) الجامع الأموي، محجوباً بالبيوت تستره وتحيط به، فمَن أراد أن يخرج من أحد الأبواب ليدخل من الآخر، لفّ ودار ومشى في حارات، إلاّ «باب أجْياد» فكان أمامه شارع لعله كان يومئذ أكبر شوارع مكّة (مع أن عرضه لا يتجاوز ستة أمتار كما أذكر)، وكان يقابله بناء صغير من طبقتين له باب عريض إلى جانبَيه نافذتان وفي الطبقة الثانية مثل ذلك، تمتدّ أمامها شرفة (بلكون) وكان هذا مركز الشرطة، فإن استقبلتَه ومشيت إلى اليسار مررت بأسواق وشوارع صغيرة قليلة تشقّ الأسواق، حتى تصل إلى صخرات ظاهرة هُنّ أصل جبل، فوقها قوس عريض، هذه «المَرْوَة»، يقابلها من جهة الحرم صخرات مثلها، هذا «الصَّفَا». وكانا جبلَين صغيرَين أكلهما الناس، والناس يأكلون كل شيء، حتى الصخر قطّعوه وجعلوه حجارة بنوا بها مساكنهم! وبين الصفا والمروة كان «المَسعى»، تختلط فيه جماعات الحُجّاج والمعتمرين بالسائرين وبالبائعين والشارين، وكانوا يسعون في وَقْدة الحرّ تحت الشمس فبنى لهم الملك عبد العزيز مظلة تظلّل الطريق قائمة من الجانبَين على أعمدة من الحديد. وأصررنا على أن ندخل الحرم من باب السلام، فدارت بنا السيارات في الطريق حتى بلغناه، وأذكر أنه كان إلى جنبه حنفيّات للوضوء أو ما يشبه هذا. ألم أقل لكم إنه لم يبقَ في ذهني إلاّ بقايا من الصورة؟

стр. 925

وإذا شئتم أن تتصوروا كيف كان الحرم فخذوا البناء القديم، وهو باقٍ ظاهر. وكان المطاف حول الكعبة ضيّقاً تُحيط به أعمدة من المعدن تدور من حوله، وكان أمام باب الكعبة مقام إبراهيم وكان بناء صغيراً، والمنبر، وباب بني شَيبة (قوس قائمة وسط الحرم) إلى جنبه بناء زمزم، وأظنّ أنّ المؤذّنين كانوا يقومون فيه للتبليغ. وحول الكعبة مقامات أئمة المذاهب الأربعة، لا أذكر منها إلاّ مقام الحنفية وكان مقابل ميزاب الرحمة، كنت أصعد إلى طبقته الثانية فأصلّي بجوار المؤذّنين وأرى الكعبة وأشاهد المصلّين والطائفين. وكانت عند أبواب الحرم مدارس أو مساجد صغيرة يصلّي الناس فيها، وفي الجهة الشمالية المحكمة، ولم أعُد أدري أين كانت. قابلت فيها الرجل الذي أكبرتُه لفضله وعلمه وما سمعت عن عدله وصلابته في الحقّ، وكان له في الناس ذكرٌ حسن، هو الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، وكان رئيس القضاة، وهو والد الوزير العالِم الشيخ حسن عبد الله آل الشيخ. وصرت أتردّد عليه مدّة إقامتي في مكّة، أجلس إليه وأستفيد منه. وكان عند باب السلام مكتبات كثيرة اجتمعتُ فيها بطائفة من أفاضل العلماء والأدباء، منهم من لا يزال الودّ متصلاً بيني وبينه من تلك الأيام كالشيخ محمد سعيد العامودي، ومنهم من ذهب إلى رحمة الله كالأستاذ محمد حسن عوّاد، وأهدى إليّ كتابا صغيراً كان اسمه -على ما أذكر- «خواطر مصرحة» وأهديت إليه كتاب «أبو بكر الصديق» و «التحليل الأدبي» و «بشار ابن برد»، وكل ذلك من بواكير الشباب مني ومنه. ومنهم من

стр. 926

توثّقَت صلتي به حتى أُولعَ بي وصار يراسلني، كالأستاذ عبد الله المزروع وهاشم الزواوي. ولمّا عدت واستقررت في مكّة كنت ألقى المزروع قليلاً، أما الزواوي فما لقيته إلاّ مرّة واحدة مصادفة على باب الحرم. وعلى ذكر الأستاذ المزروع أقول: إني أعرف أن عنده دفتراً، إذا كان باقياً واشتراه أحد الناشرين بوزنه ذهباً لما كان مغبوناً، لأنه طفق على مدى عشرات من السنين كلّما ورد زائر له اسم وله شأن من رجال العلم والأدب والسياسة استكتبه كلمات يكتبها بخطّه في هذا الدفتر، فاجتمع فيه من خطوطهم ومن آرائهم ومن أساليب كتابتهم ومن ملاحظاتهم ما لا يوجد مجتمعاً -فيما أعلم- في كتاب آخر. والرأي أن يُطبَع طبعاً مصوَّراً، ويُعرَّف بكل من ورد اسمه فيه ويترجَم له ترجمة مختصَرة، أو يتولّى ذلك نادي مكّة الأدبي. على أن يكون لبنات المؤلّف مكافأة مالية، أو تشتريه من الورثة إحدى الجامعات وتحفظه حتى يأتي مَن يطبعه. وأرجو ألاّ يذهب هذا الاقتراح في الهواء. * * * هذا هو الوصف الخارجي للحرم، أما الشعور الذي كان في نفسي وما أحسست به لما رأيت الكعبة أول مرّة فشيء يجلّ عن الوصف ويضيق عنه الكلام، ولقد قرأت مرّة تقريظاً لقصّة يقول صاحبه (ولعلّه إميل فاكيه الفرنسي): إني لا أتمنّى إلاّ أن أنساها لأستمتع بقراءتها من جديد. لقد كتبت كثيراً أحاول تصوير ذلك الشعور، فما حملَت

стр. 927

أزهى الصور التي جئت بها إلاّ كوباً من بحر ممّا شعرت به. وأحسست مثل ذلك أو بأكثر منه لمّا رأيت المدينة بعد اختراقنا الصحراء، لمّا قال لنا الدليل: أكتب يالْ الكاتب، هذا «أُحُد». لقد دخل تحت يدي في حياتي أشياء كثيرة ثمينة وعزيزة، وأضعت في مساربها أشياء كثيرة جميلة وغالية، وما ملكت شيئاً ثم خسرته كان أكبرَ قدراً وكان فَقدُه أعظمَ خسراً من ذلك الشعور عندما تكحّلَت عيناي بمرأى مثوى الرسول ‘ في المدينة والكعبة في مكّة. وأنا لا أفرّق بين الحرمَين، وأنا أعلم أن مكّة أفضل وأن ثواب الصلاة في حرمها أجزل، ولكن لا أدري لماذا أجد أُنسَ النّفسِ في المدينة؛ ألأن المدينة مرتبطة بعزّ الإسلام؟ ألأن الفتوح انطلقت منها فكانت عاصمة الدنيا؟ ألأنها وَلدت دمشق المسلمة وبغداد والقاهرة وخرجت منها الرايات التي ظلّلَت ثلث المسكون يومئذ من الأرض في ثلث قرن، فاقترن اسمها بالنصر والمجد والظفر؟ أم لأن لنا -أهل الشام- صلة قديمة بأهل المدينة من أيام الحرب الأولى، حين هاجر أكثر أهلها إلينا فعرفناهم وعرفونا، وأحببناهم وأحبّونا، وأخذنا بعض عاداتهم وتعبيراتهم في كلامهم وأخذوا منّا؟ أم الأمر كما كان يقول أحد مشايخنا: التجلّي في مكّة تجلّي جلال وفي المدينة تجلّي جمال؟ على أن مكّة لا تزال أصل الإسلام؛ فيها بيت الله وهي أحبّ البلاد إلى الله، ولمّا صعدت جبل حراء سنة ١٩٥٧ (وكان فيّ بقية من الشباب) كان الدليل "يطأ الصخر وطء متعسّف جبّار ويدحرج الحجارة بقدميه، فصرخت به: ترفّق ويحك، فإن هذه

стр. 928

الصخور قد سمعت يوماً أول كلمة من حديث السماء في أذن الأرض، إنها شهدت أول آية في كتاب الله، الذي هبط به سيد الملائكة جبريل على سيد البشر محمد، لقد انقطع بريد السماء مُذْ مات محمد ‘، ولم يبقَ من شهود الوحي إلاّ هذه الشعاف وهذه الأصلاد" (١). على أننا لا نقدّس جبلاً ولا نعبد حجراً، حتى الحجر الأسود نقبّله امتثالاً لأمر الشرع ونعلم أنه حجر، والأنصاب في منى نرميها امتثالاً لأمر الشرع ونعلم أنها حجر، وما عظّمنا الأولَ لذاته ولا حقّرنا الثاني لذاته. أنا مقيم في مكّة من عشرين سنة والحرمُ إلى جنبي، فلماذا لم أجد ذلك الشعور؟ لماذا؟ أهو شيء في طبيعة الإنسان أن يتمنّى البعيد عنه ويزهد بما هو بين يديه؟ أم أنا (لا قدّر الله عليّ) ضعيف الإيمان؟ اللهمّ إني أعوذ بك من ضعف الإيمان وأشهد أنه لا إله إلاّ أنت وأنه لا يُعبَد غيرك، وأن الحبّ المطلَق لك والخوفَ المطلَق منك والطاعة المطلَقة لك، فارزقنا اللهم الشعور بحلاوة الإيمان. اللهم لا حول ولا قوّة إلاّ بك، فقوّنا اللهمّ على طاعتك وحسن عبادتك. * * * قابلنا أولَ قدومنا نائب الملك (وكان نائب الملك هو الملك فيصل ﵀ في دار كبيرة أو قصر أظنّ أنه في «الغَزّة» مقابل عمارة البنك العربي، وكان في غرفة صغيرة في صدر بهو واسع.

стр. 929

وكان أكثر من معنا من أصحاب شركات السيارات في دمشق وبعض الوجهاء، فكان يفتتح الكلامَ الشيخ ياسين الرواف، أول ممثّل للملك عبد العزيز في دمشق. ولم تكن للمملكة سفارة ولا مفوّضية، بل كانت تُسمّى المعتمَدية، ثم عُين في الوظيفة أخوه الشيخ عيد، ثم رشيد باشا، وأظنّ أنه كان في الأصل من جماعة ابن الرشيد أمير حائل، ولكن الملك عبدالعزيز -على طريقته في تألّف أعدائه- يوليهم الثقة فيعطونه الإخلاص، وكذلك خلفه الشيخ عبد العزيز بن زيد كان أيضاً من جماعة ابن الرشيد، وكلاهما تشرّفت بصداقته، أزوره دائماً مع شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار، ووثّق الصداقةَ أني لم أكُن أريد من أحدهما شيئاً ولا أطلب منه طلباً. ولقد كُفّ بصر رشيد باشا في أواخر أيامه ولم يعُد يرى، ذهب بصره ولكن قويَت بصيرته، وكنت أدخل عليه أحياناً مع الشيخ بهجة فلا أسلّم ولا أتكلم وأجلس فيوجّه إليّ الخطاب باسمي حيث أكون جالساً. ومن الذين كانوا مع خصوم الملك عبد العزيز ثم صاروا من أخلص الناس له وأشدّهم له حباً السفير العالِم الأديب السيد عبدالحميد الخطيب، وهو أحد الرجال القلائل الذين يُحسَدون على ما أعطاهم الله (أي يُغبَطون عليه) ولا حسد إلاّ في اثنين: رجل آتاه الله مالاً فأفاض منه على الناس، ورجل أعطاه الله علماً فنشره في الناس (أو كما قال). والسيد عبد الحميد جمع الله له الأمرَين، عرفته في كراتشي وكانت أكثر أيامنا فيها عنده، وفي قصره في دمّر، ﵀، وعرفت ولده الشيخ فؤاد في كراتشي، وسمعت أنه الآن في وظيفة كبيرة هو أهل لها ولأكبر منها.

стр. 930

لقد خرجت عن الخطّ فعفوكم. كنت أقول إن الشيخ ياسين كان يفتتح الكلام ثم أكون أنا الناطق عن الوفد، وإن كانت خطبةٌ ومنبر كنت أنا -على مقدار طاقتي- لها. خرجت من لقاء نائب الملك، أي الفيصل، وأنا ممتلئ القلب إكباراً له، لسعة اطّلاعه وسداد منطقه ومعرفته بالدنيا، وأنه يقول الكثير بالألفاظ القليلة، مع أنه كان يومئذ شاباً (كان رحمة الله عليه أكبر مني بثلاث سنوات). ثم كان لقاؤنا بالملك عبد العزيز؛ كان ينزل في بيت السقّاف، هكذا كانوا يسمّون القصر الذي ينزل فيه. وما هو بالقصر الفخم، ما هو إلاّ بيت واسع مثل بيوت أوساط الناس. وأنا أخشى مثل هذا اللقاء، وأشعر أن مقابلة مئة ألف من وراء المنبر أهون عليّ من غشيان مجلس لا أعرف أهله معرفة كاملة تزيح الكلفة وتمحو الوحشة. فكيف دخلت على الملك؟ أنا هنا من عشرين سنة في عزلة كاملة ما زرت أميراً ولا وزيراً، وإن فعلت أجد أني أخجل خجل ابن ثماني سنين وأنا على عتبة الثمانين، فإن صرت داخل المجلس سَهُل الأمر وانطلق اللسان، فكيف -إذن- دخلت على الملك؟ لقد سَهّل الأمرَ عليّ أني لم أكُن وحدي، وأني كنت أعرف عن الملك الكثير، وكنت أكتب إليه ويتفضّل فيجاوبني. جرّأني على الكتابة إليه شيخنا الشيخ بهجة، وكنّا نجعل عنوان الرسالة: «إلى جلالة الملك عبد العزيزبن عبد الرحمن الفيصل آل سعود»، ما كنت أطلب شيئاً لنفسي، كانت رسائلي كلها في أمور فيها مصلحة للناس ورضا لله، أو وساطة لأصحاب حقّ، وكان يأتيني جوابه الكريم في كلّ مرّة.

стр. 931

دخلنا مجلس الملك فقام لنا، وكان يقوم للداخل، وذلك قبل أن يثقل عليه ألم رُكبته ويتخذ الكرسي ذا الدواليب الذي أهداه إليه روزفلت. وجعلنا نحضر مجلسه كل يوم فلحظت أن له مقعداً خاصاً به، لا يختلف عن بقية المقاعد لكن لا يقعد عليه غيره. وكنّا نحضر عنده درساً، لا، ليس درساً بل قراءات جهرية؛ يُنصَب كرسي لشيخ يوضع له مصباح إلى جنبه، فيقرأ صفحات من كتاب في التفسير والحاضرون يستمعون، وربما علق الملك نفسه على بعض ما قرأ القارئ. وقد لحظت أنه يحفظ كثيراً من الأحاديث ومن أقوال الأئمة، وقد يشترك بعض الحاضرين فلا يمنعهم، ومنهم من يعارض رأيه فيناقشه الملك ويفرّع أوجه الرد فيقول: أولاً، ثانياً، ثالثاً ... ويقيم أمامه ستاراً من الحُجَج ومن الأدلّة. وكنّا نكلّم الملك في غير موعد القراءة ونحدّثه، فإذا رأيته منطلق الأسارير سُقت إليه الطرائف المناسبة ممّا أحفظ (وكنت أحفظ من الأخبار والأسمار والأشعار ما هو أكثر من الكثير، أيام كانت مطالعاتي مستمرّة وذاكرتي غضّة قوية). وقد رويت له من النوادر ما أضحكه مرتين، ولكني إن وجدت وجهه منقبضاً تبدو عليه بوادر الغضب سكتّ كما يسكت غيري. ولم أرَه غضبان وقد أقمنا في مكّة نحو أسبوعين نزور مجلسه كلّ يوم، ولكن سمعت أنه إن غضب كان غضبه مروّعاً. ورأيت أولاد الملك صفاً عن يمينه، على ترتيب أعمارهم، ورأيتهم إن جاء أمير منهم تنحّى له من هو أصغر منه ولو بأسبوع حتى يأخذ مكانه بحسب عمره. وكان يدخل عليه من الناس من شاء، وكان أهل البادية يدعونه باسمه: "والله يا عبد العزيز كان

стр. 932

كذا" ... ولا عجب، فهذه هي سنّة العرب، ما كانوا يقولون "يا فخامة أمير المؤمنين" بل يا عمر، بل كان الأعرابي يدخل مجلس الرسول ‘ فيسأل: أيّكم محمد؟ كانوا يعرضون شكاواهم فيقضي فيها، وربما قال للشاكي: رُح للشرع، أي أنه يأمره بمراجعة القاضي. ثم يقوم ونقوم معه إلى الطعام، على سماط مبسوط على الأرض. والطعام الأصلي الرز واللحم، ولكنّ على المائدة ألواناً من الطّبيخ، وليس للمائدة مُصطلَح (أي بروتوكول)، فمن شبع قام وقعد غيره مكانه، ولكني وجدت الملك لا يقوم حتى يحسّ أنهم شبعوا جميعاً. وكان من عجيب أمر الملك أنه أوتي بَسطة في الجسم، فهو طويل عريض المنكبَين إن مشى مع الناس ظهر كأنه راكب وهم مُشاة، وكان أكله -مع ذلك- قليلاً جداً، لا أعلم كيف كان يكفيه هذا الأكل القليل! لقد كان الملك عبد العزيز رجلاً من أفذاذ الرجال: ذكاء فطري يصغر أمامه كبار الأذكياء، وفكر نيّر يطوي أفكار العلماء، وقدرة نادرة على سرعة الفهم والقدرة على الإفهام، يدرك مُرادَك قبل أن تُتمّ كلامك، ويلخّص في جُمَل معدودات ما يحتاج إلى محاضرات، شهد روزفلت أنه فهم منه في مجلس واحد عن قضية فلسطين ما لم يفهمه من كبار الساسة في سنين، تواضُع ولِين حين يَحْسُنُ اللين وشدّة حين لا ينفع إلاّ الشدّة، خبير بنقد الرجال ومعرفة معادنهم. ﵀ فلقد كان أحد عباقرة التاريخ. * * *

стр. 933

-٨٠ - رحلة الحجاز (٨) في مكّة تكلمت من حلقتين عن جدّة التي عرفتها سنة ١٣٥٣ ووصفت سورها وأبوابها، وقبل أن أقرأ هذه الحلقة منشورة في «الشرق الأوسط» قرأت في «عُكاظ» (١) مقالة عن أبواب جدّة الثلاثة، وإشارة إلى أمر الملك فهد بإعادتها كما كانت وأن أمين مدينة جدّة بادر إلى تنفيذ الأمر، ففرحت بهذا الخبر كأني قد أُعطيت به عطيّة أو نلت مكافأة، وذكّرني بكلمة الخليفة العبقري (٢) عمر بن الخطاب: «لا يزال المسلمون بخير ما ذكروا أمر جاهليتهم». ذلك لأنه لا يعرف نعمة الغنى إلاّ من ذاق الفقر، ولا الضياء إلاّ من عاش في الظلام، ولا الصحّة إلاّ من قاسى المرض، ولا يدرك مقدار ما تنعم به المملكة اليوم إلاّ من زارها كما زرتها أنا

стр. 934

من خمسين سنة. وليس بدعاً أن يُترك أحد أبواب السور القديم في وسط الشارع العريض في البلدة الجديدة، فإن أحد أبواب دمشق السبعة (وهو باب توما) تركوه قائماً وحده في الشارع، ورأيت في القدس لمّا مررت بها وأنا ذاهب إلى مصر سنة ١٩٢٨ باباً مثله، ورأيت في آخن (وهي التي يسمّيها الفرنسيون «إكس لا شابل»، التي كانت عاصمة شارلمان وتقع اليوم على حدود ألمانيا وبلجيكا وهولندا وتلتقي الحدود الثلاثة في داخلها)، رأيت فيها أبواباً قديمة من أكثر من ألف ومئتَي سنة أبقوها قائمة في الشوارع الحديثة. بل إن من المدن ما بقي على حاله وجعلوا المدينة الجديدة إلى جنب القديمة كما صنعوا في فاس. ولمّا زرت مدينة هانوفر سنة ١٩٧٠ وجدت في بلديّتها (أو بلدية فرانكفورت، نسيت) خريطة مجسَّمة لما كانت عليه لمّا صَحَتْ من حلم الحرب الثانية وهي مدينة مخرَّبة، مجموعة عمارات مهدَّمة، إذ كانت تظلّلها سحائب الموت، ألف طيارة أو أكثر من طيارات الحلفاء تمطرها الموت والدمار ألواناً وأشكالاً ممّا أنتجَته حضارة المتمدّنين، أنصار حقوق الإنسان الذين قدّموا من الخيرات للبشرية ما لم يقدّم مثلَه أحدٌ قبلهم: قنبلة هيروشيما، وإسرائيل، والاستعمار، والماركسية، وأمراضاً جديدة جنسية ما حفظت أسماءها ... هل في ثمرات الحضارات ما هو أعظم؟ فيا ليت أمانة جدّة تصنع خريطة مجسّمة للبلدة الآن تبيّن سعتها وامتداد شوارعها بصورة تقريبية، وتضع وسطها خريطة

стр. 935

جدّة التي كانت من خمسين سنة بسورها وأبوابها بصورة بارزة، ويا ليت أمانة مكّة تصنع مثل ذلك، وأمانة الرياض، حتى يوازن المُشاهِد بين حاضرها وماضيها. بل ليتنا نترك بعض البلدان أو بعض أحيائها وأقسامها على هيئتها التي كانت عليها، كما فعلت ألمانيا في مونشاو مثلاً، وكما هي الحال في أمستردام: في أقنيتها وجسورها الحجرية القديمة القائمة فوقها، وتمنع البلديات تبديل مظهرها الخارجي وتعوّض أصحابها عما ينقص ذلك من حرّيتهم في التصرف بأملاكهم. وشيء آخر أتمناه هنا في المملكة خاصّة، لا سيما في مكّة والمدينة، هو إبقاء الأسماء التاريخية للأماكن على حالها؛ فقد امتلأت بهذه الأسماء كتبُ التاريخ وفاضت بها الأشعار وخلّدَتها روائع الأدب، بدلاً من هذه الأسماء الجديدة للشوارع، لا سيما ما أُحدِثَ أخيراً في مكّة من اختلاط الأرقام والحروف بالجهات في عبارات ما فهمتها ولا صادفت إلى الآن من فهمها. أما الأسماء الجديدة لشوارع جدّة فهي إلى النكات والنوادر أقرب منها إلى الجدّ وإلى حسن اختيار الأسماء! وإذا وفّق الله ووُضعت هذه الخريطة المجسَّمة لمكّة قبل خمسين سنة فلا تنسوا أن تضعوا فيها الجبال كما كانت قبل أن تُخطّط هذه الطرق التي تبلغ عليها السيارات ذُراها وقبل أن تُفتح فيها هذه الأنفاق، والأودية قبل أن تقام عليها هذه الجسور، ليرى المُشاهد كيف كانت قبل خمسين سنة، بل كيف كانت قبل خمس سنين!

стр. 936

إذا سَمَتْ بأمين العاصمة المقدّسة همّته وأعانه شبابه والحكمة التي ورثها من أبيه معالي الأخ الشيخ محمد عمر توفيق، إذا أراد ما هو أكمل من هذا أعدّ في دار الأمانة بهواً يكون متحفاً صغيراً يعرض فيه جبال مكّة وواديها قبل أن يرفع فيه سيدنا إبراهيم القواعد من البيت وابنه إسماعيل، واللوحة الثانية أو الخريطة (١) المجسّمة الثانية للكعبة كما أقامها إبراهيم: بناء يعلو نصف علوّ الكعبة اليوم تشمل نحو نصف الحِجر، لها زاويتان (ركنان) من جهة الجنوب وشبه دائرة من الشمال، لها بابان لاصقان بالأرض وليس حولها بيوت. والثالثة للكعبة قبل قصي والبيوتُ بعيدة عنها وحولها أرض فضاء، ثم ما كانت عليه بعد قصي وحولها المطاف، أي فناء الكعبة والبيوت محيطة بها، لا تعلو مثل علوّها بل هي أخفض منها، وبين البيوت مسالك توصّل إليها. ولوحات أو مجسّمات لمكّة تبيّن تطوّرها وتظهر في كلّ عهد الأماكن التاريخية فيها، كدار أبي طالب ودار الندوة (وموقعها اليوم وسط المسجد الحرام) ودار أبي سفيان. وما أظنّ أن أحداً يُفتي بأن الشرع يحرّم ذلك، لأنه لا يخطر اليوم على بال أحد أن يقدّس هذه الآثار تقديساً يُفضي به إلى عبادتها، أو تعظيمها التعظيم المطلَق الذي هو من مظاهر العبادة. والعبادة بجميع طرقها وكافة مظاهرها لله وحده، وروحُ العبادة الحب المطلَق والخوف المطلَق، وألاّ تطلب ما لا يُدرَك بالأسباب المادّية من غير مَن وضع هذه الأسباب، وأن تعلم أن

стр. 937

الذي بداية المخلوقات كلهم منه ومرجعهم جميعاً إليه هو الله، هو الربّ الخالق الحافظ، وهو الملك القادر المتصرف، وهو الإله الذي لا يُعبَد معه سواه، ولا يستحقّ العبادةَ غيرُه، وأن تؤمن بكل ما نزل به وحيه على رسوله، لا تُنكِر شيئاً منه ولا تردّه ولا تؤمن بشيء يخالفه ولا تقبله. فإذا كنت كذلك واجتنبت كبائر ما نهى الله عنه وأتيت ما أمر به، لم يضرّك أن تأخذ بهذا الذي اقترحت لتدرك مقدار ما أنعم الله علينا، لنحمده ونشكره عليه. * * * أعود إلى حديث الذكريات: أنزلونا لمّا جئنا مكّة في دار كبيرة أُعدّت للضيافة، كانت قائمة إلى عهد قريب جداً في أجياد، بين عمارتَي الأشراف والكعكي (ولم يكن يومئذ عمارة الكعكي ولا الأشراف) كنت أمرّ ببابها كل يوم لأني أسكن بجوارها من عشرين سنة، أمرّ بها فأذكر أيامي فيها، ولكن لم أفكّر مرّة في دخولها. كان مديرَ هذه الدار رجل من مصر فاضل جداً رضيّ الخلق حسن السيرة اسمه السيد عبد السلام غالي، ولم يكن يدَع شيئاً يقدر عليه فيه راحة لنا إلاّ قدّمه إلينا. ولم يكن في مكّة يومئذ كهرباء، كانت الكهرباء في الحرم فقط، مصابيح كهربائية (لَمْبات) صغيرة تستمدّ نورها من محرّك (موتور) أحسب أن أحد مسلمي الهند أهداه إليه. ولم يكن بعد هذه الدار إلاّ حيّ «بئر بليلة» وقصر لنائب الملك الأمير فيصل ﵀، وله قصر آخر في نهاية مكّة من أعلاها فمكّة

стр. 938

كلها بين قصَريه، وبعد ذلك الجبل: جدار من الصخر ... أتخيّل الآن كيف تكون حال الرجل من أهل مكّة يومئذ لو قلت له إن السيارة ستصعد هذا الجبل وتمرّ منه إلى عرفات، بل كيف تكون حاله لو قلت له إن جبال مكّة كلها ستُشَقّ أجوافها وتمتدّ الطرق في أحشائها من السَّد (١) إلى الأبطح (أي المعابدة)، وأن الطائرات الوثّابة (الهليوكبتر) ستحوم فوقها، وأن عدد السيارات الخاصّة في المملكة زاد على المليون بما هو قريب من ربع المليون، وأنّ وأنّ ... ممّا نراه الآن أمامنا وما كان قبل خمسين سنة ضرباً من الخيال الجامح، حتى لو جاء به أديب لأمسك النقّاد بتلابيبه وقالوا: إن الخيال مقبول، ولكن إن بلغ هذا المبلغ صار من التوهّم المرذول وصار صاحبه محموماً يهذي لا أديباً يتخيّل. الذي تحقق الآن كان قبل خمسين سنة فقط ممّا يُظَنّ أنه مستحيل. مشينا إلى الأمام على طريق الحضارة (أو المدنية) المادّية، ولكنا رجعنا إلى الوراء في طريق الحضارة الروحية، أو ما شئتم فسمّوها. كان من المشاهد المألوفة سنة ١٣٥٣ أن أسمع الأذان فأرى البياعين يتركون دكاكينهم مفتوحة، يضعون في مدخل الدكّان كرسياً أو يجعلون فوق البضاعة عصاً، حتى إن الصرّافين وأمامهم أكوام الريالات وأنواع العملات يتركونها أو يغطّونها بقطعة من القماش ويذهبون إلى المسجد، فلا يمسّ ما تركوا أحد ولا يخطر على بال أحد أن يمسّه. ولمّا قدمنا المدينة (في الطريق إلى مكّة) افتقدنا حقيبة، فخبّرْنا أمير المدينة عبدالعزيز

стр. 939

ابن إبراهيم، وهو رجل عبقري كتبت عنه كثيراً وكنت أنا والشيخ ياسين الرواف ضيفَين عليه في داره مدّة إقامتنا في المدينة. فطمأنَنا بأننا سنجدها حيث سقطت منّا، فلما رجعنا ومررنا بالمكان الذي قدّرنا أنها سقطت فيه لم نجدها، فقال الرجل الذي أرسله الأمير معنا: إذا كنتم قد فقدتموها هنا فإنكم ستجدونها. وجعل يدور معنا ويتلفت، فرأى في الرمل الناعم المتموج بقعة عالية فأدخل يده فيها، فإذا الحقيبة قد غطّاها الرمل وهي على حالها. ولم تكن ترى وقت إقامة الصلاة أحداً يمشي في الطريق، كان الناس كلهم في المساجد. أمّا سبب هذا الأمان العجيب فهو إقامة حدود الله وتنفيذ شرعه، وهاكم فقرات من مقالة لي نُشرت في الرسالة سنة ١٩٣٥: سمعت وأنا في مكّة أن أمراً سيقع بعد صلاة الجمعة (آخر محرم ١٣٥٤هـ) فجعلت أراقب وأنتظر، لا أحب أن أسأل أحداً كيلا تفوتني لذّة المفاجأة. حتى إذا قُضيت الصلاة ابتدر الناس أبواب الحرم يستبِقون إلى شارع الحكومة، وهو في أسفل «أَجْيَاد»، يمتدّ من شمال الصفا حتى يجاوز باب إبراهيم. فلم تكن إلاّ هنيّات حتى امتلأ بالناس ولم يبقَ فيه مَوطئ قدم، فجعلت أزاحم الناس لأخلص إلى الساحة فلا أتقدم خطوة ... ويئست وهممت بالعودة إلى الحرم، فإذا بالشيخ يوسف ياسين فتعلقت به وقلت: لا أدعك حتى تبلغ بي الساحة. وقادوني إلى غرفة أُعدّت للأمير فيصل ابن الملك ونائبه على الحجاز، فوقفت في النافذة بين فتية من آل بيته، فيهم ابن له في نحو الثانية عشرة من العمر، ما رأيت في لِداته أثقب منه ذهناً ولا أصحّ جواباً ولا

стр. 940

أحَدّ ذكاء، وقد علمت بعد ذلك أنه الأمير عبد الله الفيصل. وفي هذه المقالة وصف لقطع عنق قاتل وقطع يد مفسد في الأرض ورِجله، وهي في كتابي «من نفحات الحرم». * * * وزرت في مكّة الشيخ يوسف ياسين في جريدة «أم القرى»، وكان المشرف عليها. وأذكر أن مطبعتها كانت تُدار باليد، إذ لم تكن في مكّة -كما قلت- كهرباء، وكان الفضل في مدّها إليها لله ثم للصديق الفقيد الشيخ إبراهيم الجفالي ولأخويه اللذين لم أعرفهما (١). وممّن زرت في مكّة الشيخ عبد الله السليمان وزير المالية، بل الساعد الأيمن للملك عبد العزيز في أمور المال يوم كانت الموارد قليلة والخزانة غالباً فارغة، والملك كما يعرف الناس كلهم: تعوّدَ بسطَ الكفِّ حتى لوَ انّه ... ثناها لقَبْضٍ لم تُطِعهُ أنامِلُهْ ولو لم يكن في كفِّهِ غيرُ روحِهِ ... لجادَ بها، فليتّقِ اللهَ سائلُهْ وأولاده في حياته ومن بعده كلهم على سنّته، لا يستطيعون ولو أرادوا أن يقولوا لسائل حاجة «لا»، ربّاهم على ذلك منذ الصغر. زرت الوزير (أي عبد الله السليمان)، وإذا قيل «الوزير» كان هو المقصود، وشارع الوزير في الرياض عُرف به ونُسب إليه لأنه

стр. 941

أول شارع فُتح خارج السور. زرناه في داره في مكّة التي فيها الآن مكتبة الحرم، وكان البنّاؤون قد فرغوا يومذاك من بنائها، وكانت أجمل بناء جديد في مكّة، ربما جاء الناس من خارج مكّة ليروها. وكان لها حديقة كبيرة، بستان واسع قعدنا فيه وشربنا الشاي، فيه من الزهر أنواع وألوان وفيه من كل فاكهة زوجان، من أبهى ما رأيت من البساتين. وزرنا دائرة الصحة، وأول من قام بها جماعة من الأطباء السوريين منهم رئيسهم الدكتور حمودة والدكتور بشير الرومي (وهو من حارتنا في دمشق) والدكتور مدحت شيخ الأرض، وسمعت أن الملك عبد العزيز ﵀ ضحك لمّا سمع اسمه وقال: مَن جعلك شيخ الأرض؟ الناس يتقاتلون على قطعة منها ثم لا يكادون يصلون إلى امتلاكها! وكان هؤلاء الأطبّاء قبل الدكتور رشاد فرعون. وزرنا المعهد السعودي، وأقيمت لنا فيه حفلة كبيرة خطب فيها بعض الأفاضل، ولولا أني نسيت أسماءهم لحلّيت هذه الحلقة بذكرهم، فقالوا وأحسنوا. وخطبت أنا خطبة مناسبة، افترى عليّ بعض الناس في دمشق فنسبوا إليّ فيها كلاماً لم أقُله، فاضطُررت أن أنشر في جريدة «ألف باء» في دمشق -لما عدت إليها- مقالة في عدد يوم ٨/ ٦/١٩٣٥ دفعت فيها عن نفسي هذه التهمة. والمقالة في كتابي «من نفحات الحرم» (١). كانت أحياء مكّة لمّا زرتها ثلاثة عشر حياً، سألت مَن لقينا

стр. 942

من أهلها عنها وكتبت أسماءها هي: أَجْياد، والشُّبَيْكة، والباب، والقشاشية، والشاميّة، والقَرارَة، وسوق الليل، والنّقا، وجَرْوَل، وشِعب عامر، والسّليمانية، والمَعابدة، والمَسْفَلة. وما زاد عليها فهو ممّا أُحدِثَ بعدُ، ومن هذه الأحياء ما هو كبير وما هو صغير. وقد امتدّت مكّة اليوم من مصنع الكسوة إلى ما بعد الجامعة أو المدينة الجامعية، مسافة أكثر من خمسة وعشرين كيلاً. * * * وبمناسبة ذكر الكسوة فقد كانت تُصنَع في مصر وتُرسَل كل سنة إلى مكّة، تَرِدُ إليها باحتفال كالاحتفال بالمحمل. والمحمل بدعة لا أصل لها في الشرع، ولقد قرأتُ (ولم أتحقق) أن أصله الهودج الذي كان يحمل شجرة الدرّ لمّا حكمت مصر أمداً قصيراً. هذا المحمل المصري، فما قصة المحمل الشامي الذي سبق الكلام عنه في هذه المذكّرات؟ وكان سبب إبطال هذه البدعة أن الحُجّاج من السلفيين من أهل نجد وصلوا إلى مِنى يوم النحر من سنة ١٣٤٤ فرأوا المحمل المصري منصوباً والجند من حوله يحفظونه ويضربون طبولهم وينفخون في مزاميرهم، أي أنها الموسيقى العسكرية تصدح عنده، فعجبوا ممّا رأوا وأنكروه، ورأوا الجند كأنهم يعظّمونه فلم يدروا ما هو، فقال قائل منهم: صنم، يعبدون صنماً في مِنى! وتصايحوا: الصنم الصنم، وأقبلوا يَحْصبونه ويرمونه كما يرمون الجمرات التي يرونها رمزاً للشيطان. وكان قائد الجنود المصريين

стр. 943

أحد الباشوات العسكريين، ويبدو أنه كان أهوج طيّاشاً لا يعرف الحكمة ولا يحسن تدبير الأمور، فنصب مدافعه ووجّه رشّاشاته وأمر بإطلاق النار على الحُجّاج وهم بلباس الإحرام، فسقط منهم خمسة وعشرون قتيلاً، وأربعون من الإبل ومن الدواب أصابها الرصاص. وسمع الملك وهو في سرادقه الصوت، فأقبل يعدو حتى وقف بين الفريقَين لا يبالي بالرصاص، يمدّ ذراعيه ينادي: أنا عبدالعزيز، أنا عبد العزيز ... فلما رآه قائد الحامية المصرية أمر بوقف إطلاق النار. وراح الملك يهدّئ الأمور، وأمر ولده فيصلاً (الملك فيصلاً ﵀ فأخذ قطعة من الجيش السعودي فأحاطت بالجنود المصريين لمنعهم من ارتكاب حماقة أخرى ولحمايتهم من الناس، حتى إذا أتموا مناسكهم رحل بهم محروسين إلى جدّة حتى ركبوا البحر سالمين. وغضب الملك فؤاد فقطع العلاقات مع المملكة أكثر من سنتين، ولكن الملك عبد العزيز ما قطع من جهته موصولاً ولا نسي أخوّة ولا قابل إساءة بإساءة. كل ما صنعه أن أنكر هذا المنكَر الذي كان إنكاره حقاً ومنْعُه واجباً أكيداً، فمنع المحمل، فانقطع بحمد الله من تلك السنة. وكانت كسوة الكعبة تُصنَع في مصر وتُرسَل منها، فلما قطعتها حكومة مصر يومئذ (ومنعت وصول ريع أوقاف الحرمَين إلى أصحابه) كان جواب الملك عبد العزيز ما يُرى لا ما يُسمع؛ فأمر بصنع الكسوة في المملكة. وصُنِعت على عجل، ثم حُسّنت صناعتها وارتقَتْ يوماً بعد يوم حتى أنشئ لها مصنع في جَرْوَل، ثم فُتح هذا المصنع الكبير في مدخل مكّة

стр. 944

فجاءت الكسوة محلّية خالصة، تُنسج هنا وتُكتب خطوطها هنا وتخاط هنا. فكان هذا الحادث خيراً وبركة، أزال بدعة منكَرة وأقام مصنعاً نافعاً. لقد كُتب عن الملك عبد العزيز الكثير الكثير ولا يزال في سيرته مجال لكتابة الكثير. * * *

стр. 945

-٨١ - ذكريات عن القوّة والرياضة هذه ذكريات عن القوّة وعن الرياضة، أعرضها منثورة لا يجمعها نظام (١)، أسوقها كما تخطر على بالي لا أراعي فيها التاريخ. والذي أثارها في نفسي صورةٌ قديمة وجدتها بين أوراقي لرفيقنا محمود البحرة الذي كان بطل سوريا في «الجمناز» (٢) وكان من أبطال رياضة كمال الأجسام وكثير من ألعاب القوى، نبغ نبوغاً سريعاً ثم حاز شهادة معهد التربية في مصر، وكان فيها موضع الدهشة والإعجاب من كل من عرفه، وكان -على هذا- ديّناً صالحاً، ألهمه الله حفظ القرآن فحفظه على كبر وجوّد قراءته وأدام مراجعته، وكان يتلو كل يوم ثلاثة أجزاء لئلاّ ينسى ما حفظ. كان ﵀ رفيقي في المدرسة، في مكتب عنبر الذي أطلت الكلام عنه في مطلع هذه الذكريات. وكنّا صديقَين إلاّ أننا

стр. 946

إذا جاء الامتحان تَصدّع ما بيننا من ودّ، فقد كان يريد أن أعاونه في الامتحان وكنت طول عمري لا أعين أحداً في الامتحان ولا أستعين بأحد. أتدرون من الذي أخرج هذا البطل؟ الله طبعاً هو خالق كل شيء والذين من دونه لا يخلقون ذباباً، ولكنْ أسأل عمّن كان السبب في ظهوره وظهور طائفة من الأبطال في عهد لم تكن للناس فيه عناية بالرياضة ولا مالَ مع أهلها للنهوض بها؟ (١) إنه الأستاذ أحمد عزة الرفاعي. وقد تركت دمشق وهو صحيح معافى، فإن كان حياً -مدّ الله في عمره- فانقلوا إليه كلامي وأبلغوه سلامي، ليعلم أنه لا يزال في الناس من يشكر المحسن ومن يحفظ الجميل، وإن كان الله قد توفّاه فاسألوه له الرحمة، فهي خير له وأجدى عليه من تحيّتي له ومن ثنائي عليه (٢). كنّا في مكتب عنبر سنة ١٩٢٣، ومكتب عنبر -كما عرفتم- هو الثانوية الرسمية الوحيدة في دمشق، وكان المدرّسون فيها إمّا من المشايخ وإمّا من الضباط الذين سُرّحوا من الجيش العثماني لمّا نفخ إبليس في مناخير الاتحاديين أحفاد اليهود الذين تسلّطوا على الدولة فسلّوا منها روحها، وروحُها الإسلام، فتركوها جسداً بلا روح، وأدخلوها الحرب العامّة الأولى وما لها فيها

стр. 947

ناقة ولا جمل ولا شاة، دخلَتها وهي دولة معظَّمة فخرجت منها دولةً محطَّمة، ثم جاء الطاغوت الأكبر فأراد أن تكون دولة غير مسلمة، حسبُه جهنّم. كان من هؤلاء الضبّاط ضابط صغير ملازم اسمه أحمد عزة الرفاعي، وكان ناظراً لم يكن مدرّساً، أي أن عمله صف الطلاّب وإدخالهم الفصول وإخراجهم منها، وكان معلّم الرياضة. * * * وكنّا نعيش في عصر نهضة حقيقية بعد نوم طويل، كنّا كأننا فئة عمل (ورشة)، كلٌّ يشتغل وكلٌّ يبذل جهده، وكلّ من كانت له خبرة أو كانت لديه فكرة قدّمها للشباب، وكان الشباب يقبلون كل ما يُقدَّم لهم من خير. كانت الحماسة ملء جوانح الجميع، المعطين والآخذين. ولو استمرّت هذه الحماسة ولم نُبتلَ بالانتداب (وهو الاستعمار باسم مستعار (١))، ولم نصرف جلّ قوانا لاستعادة استقلالنا لكانت نهضتنا أظهر. على أن النهضة لم تَمُت أيام الانتداب بل بقيَت مستمرّة، نهضة في التعليم، نهضة في الزراعة، نهضة في الصناعة، ولولا الوباء الذي جاءنا أيام الوحدة، وباء الاشتراكية والتأميم، وربط أيدي العاملين بالحبال وسدّ أفواه القائلين عن المقال، لولا هذا ولو استمرّت النهضة الصناعية لكانت سوريا اليوم «يابان» صغيرة.

стр. 948

هل تريدون أدلّة على ما أقول؟ لمّا كنت مدرّساً في العراق كنّا نسافر بسيارات واردة من أوربّا أو من أميركا، فرأينا مرّة سيارة كبيرة (حافلة) قالوا إنها مصنوعة، أي مصنوع هيكلها في تل أبيب، فعجبنا وتألمنا. وكنّا قادمين لقضاء عطلة الصيف في الشام، فلما انتهت العطلة وجئنا نسافر لنعود إلى عملنا في العراق وجدناهما سيارتين. قلنا: ما هذا؟ قالوا: إن فلاناً، حدّاد شامي، رأى الأولى فصنع الثانية بأدوات دكّانه وبأيدي عُمّاله، فخرجَت مثلها حتى لا يكاد الرائي يفرّق بينهما. ولمّا تمّ الجلاء عن سوريا وزاح عن صدرها كابوس الانتداب بدأ إنشاء المعامل، فكان عندنا أيام الوحدة فوق معمل الإسمنت (وهو قديم) معملُ الشركة الخماسية، ومعمل الدبس للنسيج، ومعامل حلب للحلج والنسيج، وعشرات من المعامل، عصف بها إعصار التأميم فخرّبها وأماتها في أرضها. * * * أعود إلى موضوع القوّة والرياضة. كانت مدرستنا -كما عرفتم من قبل- في دار من الدور الشامية المترفَة الأنيقة ذات الصحن والإيوان، تغطّي جدرانَها النقوشُ والألوان. كانت عروساً يوم جلوتها، فهل رأيتم عروساً تلبس تبّان (أي مايوه) المصارع، أو قفّازات الملاكم، أو تخوض معركة فيها اللكم واللطم والنطح والرفس؟ ففي أي مكان من هذه الدار نضع الملعب؟ فتّشنا أرجاءها فوجدنا وراءها عرَصة خربة مهمَلة، فأقبل الأستاذ (حيّاه الله وقوّاه إن كان حياً، ورحمه وجزاه

стр. 949

عنّا خيراً إن كان قد مات) وأقبلنا جميعاً نعمل في تنظيفها وكنسها وتسويتها، ثم أقمنا فيها أجهزة التدريب: الثابت والمتوازيَين والحصان الخشبي ... واشترينا الأثقال المناسبة للتمرين. من هذا الملعب البدائي خرج محمود البحرة، وحسن الهاشمي بطل ألعاب الخفّة والرشاقة، وسامي السمّان بطل القفز العالي، وآخرون غيرهم لا تعرفونهم فلن ينفعكم سرد أسمائهم عليكم. وما أقول هذا لأعرّفكم بهم، بل لأبيّن لكم أن الرجل الواحد -إذا كان متحمّساً يعمل مخلصاً يريد الخير للناس احتساباً للأجر لا للفخر ولا طمعاً بالشكر- يستطيع أن يصنع الكثير على قلّة المال وضعف الوسائل. ثم أنشأ نادي قاسيون، يقابل نادي بردى الذي كان قبله، فكَثُر روّاده وكبر أثره، وأنشأ فرقاً لكرة القدم وكرة اليد وألعاب القوى. وقد عرفتم أن المدرسة التجارية (التي كان أبي مديرها) خرّجَت من السابقين إلى العناية بالرياضة: الطبيب محمد طاهر الطنطاوي، وهو ابن عمي، والطبيب محمد سالم، وقد تخرّج كلاهما طبيباً سنة ١٩٢٠، فأقام الأول ملعباً كاملاً في بستان داره، وكانت داراً واسعة جداً هُدمت فأقيم على أرضها عمارتان كبيرتان، وعُنيَ الثاني بكرة القدم فكان من أوائل أبطالها. ولم يكن يحتاج لاعبو كرة القدم إلى شراء أرض أو استئجارها لإقامة الملعب عليها، فإن في «المرج الأخضر» متسعاً للجميع. وهو مرج فسيح وَقَفه -كما أذكر- الملك الظاهر بيبرس

стр. 950

رابع الفرسان الثلاثة (عماد الدين ونور الدين وصلاح الدين) وأحد القادة العظام في التاريخ العسكري كله. وهذا المرج تقوم اليوم في جانبه أبنية المعرض السوري الدولي، وفي الجانب الآخر الملعب البلدي والتّكيّتان: تَكيَّة (١) السلطان سليم وولده السلطان سليمان، وقد أقيمتا في موضع «القصر الأبلق» الذي شاده الملك الظاهر المدفون في مدرسته (الظاهرية) التي فيها المكتبة. ولهؤلاء الأربعة تراجم في كتابي «رجال من التاريخ» (والمرج كله وقف إسلامي كما قلت من قبل). وخرّجَت دمشق قبلهم بطلاً عالمياً، نال بطولة العالَم في المصارعة سنة ١٩٠٧ وعمره خمس وعشرون سنة، وكان اسمه يملأ أرجاء الشام ويمشي على كل لسان، يتناقل الناس أخبارَ قوّته ويتحدّثون عن بطولته، هو صائب بك العظم. كان أستاذه في المصارعة بطل العالَم الكوج محمد، ثم سافر إلى باريس سنة ١٩٠٥ فدرس الرياضة على أصولها ودخل مدرسة دوبونيه (على اسم البطل المعروف). صارع على حلبات أوربّا وأميركا وبلغ من الشهرة والمجد الرياضي مالم يبلغه ممّن نعرفه أو نسمع به من العرب أحد، تُوفّي سنة ١٩٦١، وكان ضخم الجسم متين البناء، جسده كله عضلات، وكان أعجوبة من الأعاجيب. صائب بك رجل اجتمعت له كل وسائل النبوغ، فهو من
следующие страницы →