إذا جاء الامتحان تَصدّع ما بيننا من ودّ، فقد كان يريد أن أعاونه في الامتحان وكنت طول عمري لا أعين أحداً في الامتحان ولا أستعين بأحد.
أتدرون من الذي أخرج هذا البطل؟ الله طبعاً هو خالق كل شيء والذين من دونه لا يخلقون ذباباً، ولكنْ أسأل عمّن كان السبب في ظهوره وظهور طائفة من الأبطال في عهد لم تكن للناس فيه عناية بالرياضة ولا مالَ مع أهلها للنهوض بها؟ (١) إنه الأستاذ أحمد عزة الرفاعي. وقد تركت دمشق وهو صحيح معافى، فإن كان حياً -مدّ الله في عمره- فانقلوا إليه كلامي وأبلغوه سلامي، ليعلم أنه لا يزال في الناس من يشكر المحسن ومن يحفظ الجميل، وإن كان الله قد توفّاه فاسألوه له الرحمة، فهي خير له وأجدى عليه من تحيّتي له ومن ثنائي عليه (٢).
كنّا في مكتب عنبر سنة ١٩٢٣، ومكتب عنبر -كما عرفتم- هو الثانوية الرسمية الوحيدة في دمشق، وكان المدرّسون فيها إمّا من المشايخ وإمّا من الضباط الذين سُرّحوا من الجيش العثماني لمّا نفخ إبليس في مناخير الاتحاديين أحفاد اليهود الذين تسلّطوا على الدولة فسلّوا منها روحها، وروحُها الإسلام، فتركوها جسداً بلا روح، وأدخلوها الحرب العامّة الأولى وما لها فيها
стр. 947
ناقة ولا جمل ولا شاة، دخلَتها وهي دولة معظَّمة فخرجت منها دولةً محطَّمة، ثم جاء الطاغوت الأكبر فأراد أن تكون دولة غير مسلمة، حسبُه جهنّم.
كان من هؤلاء الضبّاط ضابط صغير ملازم اسمه أحمد عزة الرفاعي، وكان ناظراً لم يكن مدرّساً، أي أن عمله صف الطلاّب وإدخالهم الفصول وإخراجهم منها، وكان معلّم الرياضة.
* * *
وكنّا نعيش في عصر نهضة حقيقية بعد نوم طويل، كنّا كأننا فئة عمل (ورشة)، كلٌّ يشتغل وكلٌّ يبذل جهده، وكلّ من كانت له خبرة أو كانت لديه فكرة قدّمها للشباب، وكان الشباب يقبلون كل ما يُقدَّم لهم من خير.
كانت الحماسة ملء جوانح الجميع، المعطين والآخذين. ولو استمرّت هذه الحماسة ولم نُبتلَ بالانتداب (وهو الاستعمار باسم مستعار (١))، ولم نصرف جلّ قوانا لاستعادة استقلالنا لكانت نهضتنا أظهر. على أن النهضة لم تَمُت أيام الانتداب بل بقيَت مستمرّة، نهضة في التعليم، نهضة في الزراعة، نهضة في الصناعة، ولولا الوباء الذي جاءنا أيام الوحدة، وباء الاشتراكية والتأميم، وربط أيدي العاملين بالحبال وسدّ أفواه القائلين عن المقال، لولا هذا ولو استمرّت النهضة الصناعية لكانت سوريا اليوم «يابان» صغيرة.
стр. 948
هل تريدون أدلّة على ما أقول؟ لمّا كنت مدرّساً في العراق كنّا نسافر بسيارات واردة من أوربّا أو من أميركا، فرأينا مرّة سيارة كبيرة (حافلة) قالوا إنها مصنوعة، أي مصنوع هيكلها في تل أبيب، فعجبنا وتألمنا. وكنّا قادمين لقضاء عطلة الصيف في الشام، فلما انتهت العطلة وجئنا نسافر لنعود إلى عملنا في العراق وجدناهما سيارتين. قلنا: ما هذا؟ قالوا: إن فلاناً، حدّاد شامي، رأى الأولى فصنع الثانية بأدوات دكّانه وبأيدي عُمّاله، فخرجَت مثلها حتى لا يكاد الرائي يفرّق بينهما.
ولمّا تمّ الجلاء عن سوريا وزاح عن صدرها كابوس الانتداب بدأ إنشاء المعامل، فكان عندنا أيام الوحدة فوق معمل الإسمنت (وهو قديم) معملُ الشركة الخماسية، ومعمل الدبس للنسيج، ومعامل حلب للحلج والنسيج، وعشرات من المعامل، عصف بها إعصار التأميم فخرّبها وأماتها في أرضها.
* * *
أعود إلى موضوع القوّة والرياضة.
كانت مدرستنا -كما عرفتم من قبل- في دار من الدور الشامية المترفَة الأنيقة ذات الصحن والإيوان، تغطّي جدرانَها النقوشُ والألوان. كانت عروساً يوم جلوتها، فهل رأيتم عروساً تلبس تبّان (أي مايوه) المصارع، أو قفّازات الملاكم، أو تخوض معركة فيها اللكم واللطم والنطح والرفس؟ ففي أي مكان من هذه الدار نضع الملعب؟ فتّشنا أرجاءها فوجدنا وراءها عرَصة خربة مهمَلة، فأقبل الأستاذ (حيّاه الله وقوّاه إن كان حياً، ورحمه وجزاه
стр. 949
عنّا خيراً إن كان قد مات) وأقبلنا جميعاً نعمل في تنظيفها وكنسها وتسويتها، ثم أقمنا فيها أجهزة التدريب: الثابت والمتوازيَين والحصان الخشبي ... واشترينا الأثقال المناسبة للتمرين.
من هذا الملعب البدائي خرج محمود البحرة، وحسن الهاشمي بطل ألعاب الخفّة والرشاقة، وسامي السمّان بطل القفز العالي، وآخرون غيرهم لا تعرفونهم فلن ينفعكم سرد أسمائهم عليكم. وما أقول هذا لأعرّفكم بهم، بل لأبيّن لكم أن الرجل الواحد -إذا كان متحمّساً يعمل مخلصاً يريد الخير للناس احتساباً للأجر لا للفخر ولا طمعاً بالشكر- يستطيع أن يصنع الكثير على قلّة المال وضعف الوسائل.
ثم أنشأ نادي قاسيون، يقابل نادي بردى الذي كان قبله، فكَثُر روّاده وكبر أثره، وأنشأ فرقاً لكرة القدم وكرة اليد وألعاب القوى.
وقد عرفتم أن المدرسة التجارية (التي كان أبي مديرها) خرّجَت من السابقين إلى العناية بالرياضة: الطبيب محمد طاهر الطنطاوي، وهو ابن عمي، والطبيب محمد سالم، وقد تخرّج كلاهما طبيباً سنة ١٩٢٠، فأقام الأول ملعباً كاملاً في بستان داره، وكانت داراً واسعة جداً هُدمت فأقيم على أرضها عمارتان كبيرتان، وعُنيَ الثاني بكرة القدم فكان من أوائل أبطالها.
ولم يكن يحتاج لاعبو كرة القدم إلى شراء أرض أو استئجارها لإقامة الملعب عليها، فإن في «المرج الأخضر» متسعاً للجميع. وهو مرج فسيح وَقَفه -كما أذكر- الملك الظاهر بيبرس
стр. 950
رابع الفرسان الثلاثة (عماد الدين ونور الدين وصلاح الدين) وأحد القادة العظام في التاريخ العسكري كله. وهذا المرج تقوم اليوم في جانبه أبنية المعرض السوري الدولي، وفي الجانب الآخر الملعب البلدي والتّكيّتان: تَكيَّة (١) السلطان سليم وولده السلطان سليمان، وقد أقيمتا في موضع «القصر الأبلق» الذي شاده الملك الظاهر المدفون في مدرسته (الظاهرية) التي فيها المكتبة. ولهؤلاء الأربعة تراجم في كتابي «رجال من التاريخ» (والمرج كله وقف إسلامي كما قلت من قبل).
وخرّجَت دمشق قبلهم بطلاً عالمياً، نال بطولة العالَم في المصارعة سنة ١٩٠٧ وعمره خمس وعشرون سنة، وكان اسمه يملأ أرجاء الشام ويمشي على كل لسان، يتناقل الناس أخبارَ قوّته ويتحدّثون عن بطولته، هو صائب بك العظم. كان أستاذه في المصارعة بطل العالَم الكوج محمد، ثم سافر إلى باريس سنة ١٩٠٥ فدرس الرياضة على أصولها ودخل مدرسة دوبونيه (على اسم البطل المعروف). صارع على حلبات أوربّا وأميركا وبلغ من الشهرة والمجد الرياضي مالم يبلغه ممّن نعرفه أو نسمع به من العرب أحد، تُوفّي سنة ١٩٦١، وكان ضخم الجسم متين البناء، جسده كله عضلات، وكان أعجوبة من الأعاجيب.
صائب بك رجل اجتمعت له كل وسائل النبوغ، فهو من
стр. 951
آل العظم، أبوه وجيه كثير المال ولم يكن يبخل عليه بشيء، وكان قوي الجسد فلم يكن عجيباً أن ينبغ، ولكن العجيب هو محمد الزول، وهو رجل ليس من أسرة غنية ولا وُجد من يوفّر له الوسائل والأسباب، وكان يسكن في دار كانت ... لا، بل دعوني أرجع بكم قليلاً إلى الوراء.
لما كنت صغيراً سقطتُ فكُسرت يدي. وكنّا يومئذ نقصد المجبِّر، وهو بمثابة طبيب عظام بلديّ اكتسب خبرته بالتجرِبة لا بالدرس. وكان المجبّر في حي قديم اسمه حيّ القيمرية، وكان الدخول إلى بيته من حارة لم أرَ في عمري ولم أتخيل حارة أضيق منها، لو أردت دخولها الآن لما وسعتني أنا وبطني! في هذا البيت من هذه الحارة تَدَرّب الشابّ محمد الزول حفيد هذا المجبّر، أفتدرون إلى أين بلغ به هذا التدريب؟
لقد دخل مسابقة كمال الأجسام فكان بطل العالَم الثاني سنة ... عفواً لقد نسيت التاريخ، ولكن أذكر أنه كان قبل أكثر من ربع قرن، وله الآن معهد للتدريب والعلاج الطبيعي يؤمّه كثيرون من الشباب، بل ومن غير الشباب. وممّن كان يقصده من غير الشباب الشيخ رضا الحلو، وهو من تلاميذ صائب بك، وكان في الثمانين من عمره حين كان يذهب إلى هذا المعهد، يتدرب لئلاّ يشيخ!
وكان عندنا في الشام صنف آخر هم الأقوياء بالفطرة، كالذي قرأتم قديماً عن محمد بن الحنفية (وهو محمد بن علي ابن أبي طالب) وعن هلال بن الأسعر وقصته مع بطل المصارعة
стр. 952
(راجعوها في الأغاني للأصفهاني) (١)؛ أقوياء قوّة من الله ليست من ثمرة التدريب، منهم حَمي (٢) وابن عمّ أمي الأستاذ صلاح الدين الخطيب، كان من شيوخ القضاة في سوريا، وكان يعمد إلى الصفيحة المملوءة بالماء فيحملها بأصبعه، وكان يرفع أكثر من مئة كيل بيد واحدة. وقريب منه في القوّة صديقنا الداعية المخلص الشيخ صلاح الدين الزعيم، الأخ الأكبر لحسني الزعيم. ومثله الحاجّ أحمد المغربي الذي كان صاحب فندق الأهرام في بيروت، رحم الله الجميع.
ومن الأقوياء محمد علي بك العظم؛ كان يقعد على باب داره في الجسر الأبيض، فرأى مرّة عربة قد جمحت خيولها فاندفعت نازلة في هذا المهبط الخطر، وفيها امرأة معها طفلان وهي تستجير وتنادي، فصرخ: يا الله، ووثب فأمسك بمؤخرة العربة، وجرى معها قليلاً حتى أبصر ثغرة بين حجرين من حجارة الشارع فثبت قدميه فيها، وصبّ قوته في ذراعَيه ورجع بجسده
стр. 953
إلى الوراء وهو يدعو الله متضرّعاً بصدق وإيمان وانفعال، والناس ينظرون مدهوشين وقلوبهم معه ومع المرأة، فوقفت العربة وعجز الفَرَسان عن جرّها. ولولا أن الحادثة رآها الكثير وحدّثني بها غير واحد ممّن رآها ما رويتها.
ومنهم الأستاذ عبد الحميد سعيد، أول رئيس لجمعية الشبان المسلمين في مصر، وقد شهدت فيها سنة ١٩٢٨ حفلة رياضية كان من فقرات برنامجها مصارعة بين اثنين من أقوياء الشباب، رفض أحدهما قرار الحكم وأبى أن يفارق الحلبة وهدّد وتَوعّد ولم يقدر أحدٌ أن يُنزِله، فصعد عبد الحميد بك فأمره بالنزول فعصى، فرفعه بيديه كأنه يرفع طفلاً وهو لا يملك دفعاً ولا منعاً حتى وضعه خارج الحلبة.
على أن من أخبار القوّة ما يشتهر ويستفيض وهو غير صحيح. ألم تسمعوا مرّة أن فلاناً من الناس بلغ من قوّته أنه يمسك الدينار بين أصبعيه فيخرجه أمسح ما عليه كتابة؟ إنها قصة مشهورة، حتى إني قرأت مرّة عن أميرة من مصر كانت معروفة بالقوّة وكان أخوها مثلها، أرسلت إليه دنانير ليشتري لها قمحاً، فساءه إرسالها المال فمسح الدنانير بأصبعيه وقال لها: دنانيرك رديئة. فأخذت حفنة من القمح وضغطت عليها فكسرتها وقالت له: قمحك سيّئ.
ولا أدري أي الخبرين أكذب من الآخر، وكلاهما مستحيل عادة. ولو كانت أصبعه أو أصبعها مبرداً وكان مقدار قوتها وزن مئة كيل (كيلوغرام) لأنثقبت الكف، لأن المقاومة أقل من القوّة.
стр. 954
ولكن الناس يتساهلون ويتسامحون عند سماع مثل هذه الأخبار.
ومن الذين أعرفهم بالقوّة الهائلة من لِداتي (١) اثنان: منير مَشاقّة وابن عمّي الطبيب سامي الطنطاوي ﵀.
أما منير فقد كان معنا في كلّية الحقوق التي نلت شهادتها سنة ١٩٣٣، ثم لقيته زميلاً مدرّساً معي في ثانوية البصرة سنة ١٩٣٦، ورأيت من قوّته عجباً. ولهذا الصديق وإخوته قصّة نادرة، فقد كان أبوهم إسكندر مشاقة من أقدم من عرفَت دمشق من الأطباء (وهو من أوائل الذين فتحوا في الشام مختبَرات للتحليلات من الأطبّاء)، فجرّب تجرِبة ما جرّبها أحد إذ أرسل الأول من أولاده ليدرس في فرنسا فنشأ على طباعهم وعلى شكلهم، والثاني إلى إنكلترا والثالث إلى أميركا، فجعلوا من دارهم معرضاً لاختلاف الطباع وطرق السلوك في الحياة، وصدق فيهم ما قاله جبران خليل جبران.
أما ابن عمّي الدكتور سامي فقد كان ضابطاً طبيباً في الجيش العراقي سنة ١٩٣٨، فأجروا في نادي الضبّاط في السليمانية مباراة في القوّة، فقال لهم وأنا حاضر: أنا أقعد على الكرسي وأفتح فخذي، فمن شاء وقف بينهما ثم خرج بقوّته من بينهما، ومن شاء ضمّ رجليه على فخذي وأنا قاعد فمنعني من فتحهما. وجرّبوا جميعاً، وكانوا كما أذكر بضعة عشر من أقوى الأطباء
стр. 955
الشباب، فما نجح منهم في الاختبارَين أحد.
ومن الأقوياء زميلنا في القضاء الأستاذ محمد آقْبيق، كان جسمه عادياً ما فيه عضلات بارزة، ولكنه أُوتي قوّة في ساعده فلو أمسك برأس فحل هائج من الإبل لجعله يلين ويخضع.
* * *
أقام أستاذنا الرفاعي الملعب وعلّمنا الحركات بأسمائها التركية: «تيكول» و «شفتاكول» وأنواع المحاور في الالتفاف حول «الثابث» والدوران، ونبغ كثير، وكان منّا جماعة ابتعدوا عن هذا كله فكان يعرّض بهم ويتّهمهم بالعجز والضعف، منهم أنا ورفاقي سعيد الأفغاني أستاذ النحو المتقاعد، وجمال الفرّا الذي صار الأمين العامّ (أي الوكيل) لوزارة المعارف والخارجية، ومحمد الجيرودي المحامي.
أما أنا فكنت أعشق الرياضة من صغري وأهوى القوّة، ولو عُرضت عليّ وأنا شابّ عزَب صورة فتاة عارية ظاهر فتونها وصورة رياضي قوي العضلات متناسق الأعضاء مكتمل القوّة لكان منظره أحب إلى نفسي من منظرها. ولكني كنت من صغري بالغ الحرص على كرامتي أضنّ بها أن أفتح لأحد باب المساس بها، فكنت أخاف إن أدّيت الحركة المطلوبة أن أسيء فيها فيسخروا مني، لهذا لم أكُن أعملها، ولكني كنت أراقب وأدقّق، فإذا انتهت الساعة وخرج الطلاب رجعت وحدي إلى الملعب فجربت أداء الحركات كلها.
وجمعت على مدى الأيام في رفّين من مكتبتي كل ما وصل
стр. 956
إليّ من كتب الرياضة، فكنت أدرسها وأجرّبها. وكان صديقنا الأستاذ واصل الحلواني من صغار تلاميذ صائب بك قد نشر فينا طريقة الرياضي الأميركي ماك فادن، وهي القيام بالحركة مع تركيز الذهن عليها، فكنت أمارس كل حركة وحدي أمام المرآة مرّة واثنتين وستاً وعشراً حتى أحسّ أني أتقنتها أو قاربتُ.
ولكن أستاذنا لم يعرف شيئاً من ذلك ولا رفاقنا. وكان قد ركّب لنا تمرينات جمعت بين الحركات السويدية التي تكون مع شدّ العضلة والدنمركية التي تبدأ بها مع إرخاء العضلة ثم تشدّها، وأتقنتها ولكني لم أُمتحَن فيها، فبِمَ امتُحنت؟
كان أحمد عزة الرفاعي وطنياً متحمساً وديّناً صادقاً، وقد عرف (ولست أدري من أين عرف) أني أجيد إلقاء الشعر، أعبّر عن معانيه بشدّة صوتي أو لينه وبرفعه أو بخفضه، وأُظهِر الحماسة في موضع الحماسة والعاطفة في مكان العاطفة، وتشارك تقاسيم وجهي في التعبير عمّا ينطق به لساني، فكان يكلّفني في الامتحان إلقاء المقطوعات الوطنية لشعراء ذلك الزمان: شوقي وحافظ والزركلي وخليل مردم والبزم.
وقد مر بكم أني ألقيت علناً في جمع ضمّ طُلاّب المدرسة وأساتذتها قصيدة شوقي «سلامٌ مِن صَبا بردى أرقُّ» وقصيدة الزركلي «الأهلُ أهلي والدّيارُ دياري»، والثورة قائمة والثوّار تبلغ غاراتهم باب المدرسة، وقنابل المدافع وقذائف الرشّاشات فوقنا ومن حولنا.
وبعد خروجي من المدرسة بأكثر من ربع قرن كنت قاضياً في
стр. 957
دمشق، أتغدّى في المحكمة وأشرب الشاي وأستريح ثم أذهب بعد ساعتين إلى دار محمود بحرة فنتدرّب، أعمل كل حركة يعملها ولكنني لا أتقنها مثل إتقانه، وإذا كرّرها ثلاثين مرّة أكرّرها أنا عشرين أو أقلّ. وكنت ذاهباً إليه يوماً فرأيت الأستاذ الرفاعي، فسلّمت عليه تسليم تلميذ على أستاذه. وسألني عن حالي فقلت له: أنا ذاهب إلى موعد، إذا تكرّمت يا سيدي فرافقتني إليه رأيت شيئاً تعجب منه وتُسَرّ به.
فذهب معي. فلما خلعت ثيابي ولبست ثياب الرياضة ورأى جسدي (وعندي مقاييسه من سنة ١٩٤٠ إلى ما قبل خمس عشرة سنة، وهي المقاييس النموذجية عندهم إلاّ أن صدري أضيق بثلاثة معاشير، أي سنتمترات) ثم لمّا رأى حركاتي دُهش، فقلت له: يا سيدي، أين الذين كنت تقدّمهم وتُثني عليهم وتذمّنا نحن وتُعَرّضُ بنا؟ إنهم اكتهلوا وترهّلوا وبقيت أنا كما ترى، وقد جاوزت من عمري الأربعين.
* * *
ولحديث الرياضة وقصّتي معها بقايا وبقايا، ولولا أني تركت التمرين من نحو سبع سنين لما شخت؛ فلقد كنت أتدرب على الأثقال، وعلى كيس الملاكمة، وعلى السندو، وعلى الدولاب الذي لم تُخترَع أداة رياضية أخفّ منه حملاً ولا أعظم فائدة للبطن ولا أسهل استعمالاً.
إني لا أزال «أعلم» الكثير عن التدريب وطرقه والحركات لكلّ عضو من الأعضاء، ولكني «لا أعمل» بما أعلم، فما فائدة
стр. 958
العلم بلا عمل؟ أما قصّتي مع السباحة فلها حديث آخر (١). وأنا أعترف الآن -مضطراً متحسّراً- أني شخت وأني أنا الذي جعلت نفسي أشيخ.
فيا أيها الشباب، عليكم بالرياضة فهي قوّة، والقوة زينة الرجال: قوّة الجسم، وقوة العقل، وقوة الإيمان. وهي أوسع أبواب «التسامي» بالميول عن الغوص في حمأة الشهوات (٢)، وهي أفضل ما يملأ الأوقات بعد أداء حقّ الله بالعبادة وحقّ العقل بالدراسة. والرياضة إن خلت من المحرّمات كانت أشرف ما يشتغل به الشباب (٣).
* * *
стр. 959
-٨٢ -
رحلة الحجاز (٩)
ساعة الوداع
لقد جاءت ساعة الوداع، وما أصعب الوداع.
إن آلام البشر كلها كتاب عنوانه «الوداع»؛ فالمرض وداع الصحّة، والفقر وداع الغِنى، والسجن وداع الحرّية، والموت وداع الحياة.
أين فرحتنا لحظة رأينا الكعبة قادمين من لوعتنا حين نودّعها قافلين؟
إنّ حُزناً في ساعةِ الموتِ أضعا ... فُ سرورٍ في ساعةِ الميلادِ (١)
توجّهنا إلى الأمام، إلى جدّة، وقلوبنا تتلفّت إلى الوراء، إلى الحرم، إلى الحَطيم، إلى الكعبة والمُلتزَم. لقد فهمت الآن معنى قول الشريف:
وتلفّتَتْ عيني فمُذْ خَفِيَتْ ... عنّي الطُّلولُ تلفّتَ القلبُ
стр. 960
ونأينا عن مكّة بأجسادنا وخلّفنا فيها قلوبَنا وأفئدتنا. ولولا أننا نأمل أن نداوي لوعة هذا الفراق بروعة ذلك التلاق، لقاء المدينة، لَتضعضعَت قلوبنا من موقف الوداع.
ومشينا من حيث مشى سيد البشر محمد ‘ إلى حيث أراد: من مكّة إلى المدينة. وذكرت الهجرة التي لم تكن نقلة لثلاثة رجال من قرية إلى قرية، ولكنها رحلة التاريخ البشري كله من عهد إلى عهد؛ من الليل الذي طال حتى ظنّ المظلومون الذين يترقّبون الفرج أنه لن يطلع عليهم بعده النهار، من عهد الاستبداد والقهر والجهل إلى عهد الحضارة الخيّرة النيّرة التي جمعَت مطامح الروح، ومطالب الجسد، ومنطلَقات العقل.
لقد كان أعظم موكب مشى على ثرى هذه الأرض. لم يكن موكباً ضخماً، ولم تكن تتقدمه الطبول والصّنجات، ولم تكن ترفرف فوقه الأعلام والرايات. ولم يكن يحفّ به الجيش معه الحرّاس والأعوان، ولكن تحفّ به ملائكة الرحمن وترفرف فوقه راية القرآن، وتتقدّمه البشائر من السماء بأن رحمة الله للعالمين قد أقبلَت، وتمثّلَت بشراً يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وُلد ويموت، وكان يصحّ ويمرض ويجوع ويشبع. بشر مثلكم ولكنكم لستم مثله وليس فيكم من يقدر أن يدانيه فضلاً عن أن يساويه أو أن يساميه، ولو لم يكن خاتم الرسل لكان أفضل البشر خُلُقاً وسُمُوّاً وصفاء ونقاء.
وإذا كان العرض العسكري تُمثَّل فيه فرق الجيش وفصائله بأفراد منها تمشي فيه، فهذا العرض يمشي فيه وراء محمد ‘ من خلال القرون الآتية خرّيجو مدرسة محمد من كل خليفة كان
стр. 961
صورة حيّة للمُثُل البشرية العليا، وكل قائد كان سيفاً من سيوف الله مسلولاً، وكل عالِم كان للبشر كالعقل من الجسد. "يمشي فيه أبو بكر وعمر ونور الدين وصلاح الدين وأورنغ زيب ... يمشي فيه خالد وطارق وقُتيبة وابن القاسم والملك الظاهر ومحمد الفاتح ... يمشي فيه البخاري والطبري وابن تيمية وابن حزم وابن خلدون ... يمشي فيه الغزالي وابن رشد وابن سينا والبيروني ... يمشي فيه الجاحظ والخليل وأبو حيان ... يمشي فيه أبو تمام والمتنبي والمعرّي ... (١). كل أولئك والمئات من أمثالهم كانوا معه وهم في عالَم الذرّ قبل أن يخرجوا إلى هذه الدنيا، كانت أرواحهم تمشي في طريق الهجرة وراء محمد ﷺ ، لأنهم ما كانوا عظماء لولا مدرسة محمد ﷺ .
يمشي فيه أبطال بدر واليرموك والقادسية وحطّين وعين جالوت، ومعارك الاستقلال في الريف المغربي والجزائر ومصر والشام والعراق، وأبطال المعارك القادمة التي سيقودها نور الدين (الجديد) وصلاح الدين (الجديد) لتطهّر الأرض التي قدّسها الله من رجس اليهود، كما طهّرها ممّن عدا عليها قبلهم وكان أقوى منهم.
إن الغرام الواحد من الراديوم الذي استخرجَته مدام كوري وزوجها بيير (٢) لم ينقطع إشعاعه ولن ينقطع بعد عشرة آلاف سنة.
стр. 962
أفينقطع إشعاع القرآن ولو تطاول عليه الزمان؟ وإذا قَسَت الجلود اليوم فلم يعُد يؤثّر فيها، فهل تظنّون أن جلود هذه الأمة ستبقى على قسوتها؟ أوَلا تعتقدون أن الله سيبعث من أصلابها مَن يُعيد لها عزّتها ومجدها ووحدتها ومكانتها تحت الشمس؟
ألم تبقَ هذه القرية التي كانت يثرب ألفَي سنة لا تحسّ بها روما ولا تدري بها القسطنطينية، ولم يسمع باسمها ولم يعلم بوجودها من في الصين أو من في الفلبّين، فلما نزلها محمد ‘ ذهبت يثرب وجاءت المدينة المنوَّرة بنور الإسلام، بالنور الذي انبثق من حِراء، ثم انتشر منها فوصل إلى الهند والصين وأندونيسيا والفلبّين، وإلى أرض الثلوج من شمالي أوربّا وكندا وبلاد الرمال المستعِرة في الصحراء الكبرى وصحراء نيفادا وما حولهما، وصل إلى الأميركيتين وإلى أستراليا.
من حمله إليها؟ الجيوش المنظَّمة؟ إن ثلثَي العالَم وصل إليه نور الإسلام بعد انقضاء عهد الفتوح. دعاة من العلماء درسوا أصول الدعوة ووضعوا لها الخُطَط؟ إن أكثرها وصل إليه الإسلام عن طريق جنود مجهولين من التجّار.
لما زرت أندونيسيا سنة ١٩٥٤ ومشيت إلى أقصى الشرق منها فجاوزت سورابايا إلى كارّاشيك، «مقر الشيخ»، وهو الشيخ الذي حمل الإسلام إلى تلك الديار. ولما أردت أن أُؤلف كتابي «في أندونيسيا» سألت، فلم أجد أحداً يعرف من هو هذا الشيخ ولا من أين جاء! جندي مجهول، مجهول عندنا ولكنه معروف عند الله. رجل لا يعرفه أحد وُلدت على يديه أكبر دول الإسلام اليوم!
стр. 963
اذكروا أيام الفتوح الأولى حين كان عمر وهو في المدينة يدير ثلاث جبهات للقتال في الشام ومصر والعراق، يعطيها الأوامر التفصيلية، يرسم لها الخطط وكأن أمامه الهاتف الكهربي (الإلكتروني) والخريطة المجسَّمة، في عهد لم تكن فيه خرائط مجسّمة ولا هواتف. اقرؤوا كتاب أخبار عمر الذي ألّفته أنا وأخي ناجي، بل اقرؤوا من قبله أصلَه الذي أُخذ منه والذي ألّفته سنة ١٣٥٢، وهو الكتاب الكبير الذي كان اسمه «عمر ابن الخطاب» (١). اقرؤوه، فستحسّون عند قراءته بقلوبكم تهزّها خفقات الإعجاب، وبدموعكم يُسيلها ما فيه من مواقف الإيمان والتضحية النادرة ابتغاء ما عند الله، فإنّ منها ما يُسيل دمع التأثّر من عيون الصخر.
كان المجاهدون كلّما وقعوا في مأزق استنجدوا بعمر، فهزّ
стр. 964
عمر هذه القرية الصغيرة (المدينة) فإذا هي تُخرج الأبطال. لمّا أراد عمر قائداً يقف في وجه رستم، ورستم هو القائد العسكري الذي درس فنون القتال ونال أكبر قسط من الدراسة العسكرية في تلك الأيام وخاض معارك ونال انتصارات، نظر فوجد سعداً فقال: أنت يا سعد لها، فاذهب لتقف في وجه رستم.
أين درس سعد؟ سعد ما نال شهادة ابتدائية ولا دخل مدرسة عسكرية ولا وقف على تواريخ المعارك والحروب، ولكن سعداً خريج مدرسة محمد ﷺ ، مدرسة القرآن، وحسبه ذلك. وبذلك انتصر على رستم.
إني والله كلّما ذكرت المدينة أو سافرت إليها أشعر أنني أعود القهقرى في التاريخ، أطوي السنين، أتخطّى رقاب الأعوام لأصل إلى العهد الذي كان العهد الذهبي، لا للعرب وحدهم ولا للمسلمين فقط، بل للناس جميعاً. لأن محمداً ﷺ أفضل بالحضارة التي شاد أساسها وأقام بنيانها على كل من قال: أنا إنسان. المدينة، هذه القرية التي لبثَت نائمة بين الحرّتين على فراش من الصخر قروناً وقروناً، هي التي ولدت دمشق الأمويين الذين:
كانوا ملوكاً سريرُ الشرقِ تحتَهمُ ... فهلْ سألت سريرَ الغربِ ما كانوا؟
عالينَ كالشمسِ في أطرافِ دولتِها ... في كلِّ ناحيةٍ مُلكٌ وسُلطانُ
وبغداد بني العباس:
стр. 965
لو كانَ يقعُدُ فوقَ الشمسِ من كرمٍ ... قومٌ لَقيلَ اقعُدوا يا آلَ عبّاسِ
ثمّ ارتقُوا في شعاعِ الشمسِ إنّ لكمْ ... مجداً تليداً فأنتم أكرمُ الناسِ
وهي التي ولدت القاهرة التي جدّدَت عز الإسلام لما رثّ في مصر ونام عنه بنو العباس. وهي التي ولدت إسطنبول المسلمة (إسلام بول) التي حلّت محلّ القسطنطينية النصرانية، فصارت إسطنبول يوماً عاصمة الشرق والغرب، ورفرف علمها الأحمر ذو الهلال والنجم (الذي نشأت في صِغَري في ظلاله في الشام أيام الحرب الأولى) حتى بلغ أسوار فييَنّا وأسوار صنعاء وأطراف الشرق الأوسط، وهذه آثارها في الحرم في مكّة وفي المسجد النبوي في المدينة، ولا يزال اسم السلطان عبد المجيد مقروناً ببابه الشمالي (الباب المجيدي). وولدت غزنة التي خرج منها السلطان محمود الغزنوي ففتح الهند، ثم السلطان الغوري الذي وضع عرشه على هام دهلي، والملوك الذين امتدّ سلطانهم حتى شمل الهند إلاّ أقلها ... الهند التي حكمناها ثمانمئة سنة.
هذه مكانة المدينة المنورة.
* * *
عرض الرائي من سنوات قصّة خرافية عنوانها «نفق الزمان»، يدخل منه المشاهد فيردّه إلى ما سلف من الدهر.
إني حين أزور المدينة أحسّ أني دخلت هذا النفق، ولكني لا أهبط فيه نازلاً بل أرتقي صاعداً إلى ذُرى المجد وهام المعالي؛
стр. 966
من المفازة الجرداء إلى الواحة الشَّجْراء، وسط الظلّ عند ينبوع الماء. أفارق الذين فرّقوا دينهم لمّا فرّقتهم دنياهم فصاروا شِيَعاً وأحزاباً، لألقى الذين ألّف الله بين قلوبهم حتى أصبحوا بنعمته إخواناً.
سألني مرّة صحافي في المدينة: ما الذي تشعر به حين تزور المدينة أو تأتي مكّة؟ فقلت له: لمّا كنت في إحدى قدماتي المدينة سالَ العقيقُ، وكتبت عنه فصلَين في «الرسالة» سنة ١٩٣٥ (١)، وغرق في هذا السيل مرّة ثلاثة من الشبان. فلو أنهم نجوا وسألتَهم ما الذي يشعرون به، فبماذا تراهم يجيبون؟ إني أشعر بما يشعر به الغريق حينما تمتدّ إليه يد الإنقاذ فيصافح أنفه الهواء بعدما ملأ رئتيه الماء، أو السجين حينما يخلّف وراءه قضبانَ الحديد ويستقبل حياة الحرّية من جديد ... شعور المحبّ امتدّ به الفراق وازدادت منه الأشواق ثم نَعِمَ بساعة التلاق.
كل امرئ يحبّ وطنه لأنه إطار حياته وخزانة ذكرياته، ولكن إذا وقف على أطلال ديار الأحبّة أنساه موطنَ الجسد أنه رأى منزل القلب. فإن زار مَراح الأرواح، مبعث النور، مَشرق شمس الإسلام، نسي عند دار الروح دارَ الجسد ودارَ القلب.
ها هنا في المدينة وفي مكّة مهاد الأفئدة، هنا الإيمان والأمان، هنا منازل الأحبّة، هنا أذكر محمداً وصحبه. هنا عاش تاريخ المجد، وُلد هنا ونما هنا. فهل في الأرض مسلم لا يفضّل
стр. 967
على كل منزل في الأرض الحجرةَ التي عاش فيها محمد ﷺ : تنفّس هواءها واضطجع على ثراها، ثم ثوى جسده الشريف فيها؟ هل في الأرض مسلم لا يؤثرها على حجرته في داره، ويقبل راضياً (إذا خُيّر واضطُرّ) أن تُنسَف داره من الأساس وأن لا تَمسّ يدٌ بأذى حُجرةَ الحبيب الأعظم ﷺ ؟
لمّا زرت المدينة في تلك الرحلة داروا بي من حولها فأروني موضع الخندق لمّا تحزّبَت الأحزاب وأحاطوا بالمدينة وضاق بالمسلمين الأمر واشتدّت عليهم الحال. فأين اليوم الأحزاب؟ وأين مِن قبلُ قريش التي أرادت أن تحبس صوت محمد ﷺ بين جبلَي مكّة، فيضيع صداه في هذا الوادي فلا يستجيب لدعوته أحد؟ أين قريش؟ وما لها لا تأتي عرفات يوم الوقفة حين يقف ألف ألف ومعهم مثلهم ألف ألف، جاؤوا من كلّ أرض في الأرض ومن تحت كل نجم في السماء يجيبون دعوة محمد؟ من كل جنس وكل شعب ينادون كلهم استجابة لدعوة الله على لسان محمد يقولون: لبّيك اللهم لبّيك، دعوتَنا فجئنا نقول لبّيك. أمرتنا فقدمنا طائعين نقول لبّيك، وسنلبّي دعوتك إلى الجهاد نقول لبّيك، نجاهد بأنفسنا وبأموالنا كل طاغٍ فاجر يريد أن يطفئ بفمه نور الله، يريد أن يحجب بكفّه عن الدنيا ضياء الشمس، يريد أن يقضي على القرآن الذي أنزله وتعهّد بحفظه الله ربّ العالمين.
أين مُشركو مكّة؟ إنهم بين مَن هداه الله إلى الإسلام فجعله الإسلام من عظماء البشر، وبين مَن أصرّ وكفر فأرداه الله، فطمس أثره ومحاه من الأرض. أين الأحزاب؟ أين يهود المدينة؟ أين
стр. 968
المنافقون؟ لقد صدّ الأحزابَ الخندقُ الذي حفره المسلمون في الأرض ليحول بينهم وبين الوصول إلى المدينة، ليحمي موطن الإسلام من أعداء الإسلام، والخندق الذي حفروه قبله في نفوسهم ليحول بينها وبين الشبهات والشهوات والمذاهب الباطلة والعقائديات (١) ويحميها من كيد الشياطين، شياطين الجنّ وشياطين الإنس. فاحملوا معاولكم لتحفروا خندقاً جديداً يمنع الإلحاد والفساد والفسوق والعصيان أن يصل إليكم.
* * *
من هنا طلع البدر علينا، من ثَنِيّات الوداع. ولكن أين ثَنيّات الوداع؟ لقد خلد اسمَها هذا النشيدُ الذي بقي في الأذهان على طول الزمان ومشى على كلّ لسان، ولا يعرف إلاّ العالمون من أهل المدينة أين ثنيّات الوداع.
لقد غرّدت به وَلائدُ المدينة تستقبل به الطفولةُ المبرّأة رسولَ الله المبرَّأ من العيوب، حين عاد من تبوك (أو حين وصل المدينة يوم الهجرة) فغدا نشيدَ المسلمين كلّما طغى بهم الشوق إلى هذه الرحاب، كلّما أذابهم الحنين إلى العيش في ذكرى الهجرة والمدينة التي شرّفها الله فجعل رسوله يهاجر إليها ويستقرّ جسده الشريف في ثراها.
يا ولائد المدينة، ما طلع البدر عليكنّ وحدكنّ بل عليكنّ
стр. 969
وعلينا، على الدنيا كلها، يزيح ظلام الباطل الطويل الثقيل عن صدرها، ظلام حكم كسرى وقيصر، وأمثالهما من كل متكبر جبّار يسري في الظلام ليصل إلى ظلم الأنام، يدوس الضعاف في طريقه لأنه لا يراهم، ولا يريد أن يقدح زناده فيشعل سراجاً فيراهم.
البدر الذي طلع على الدنيا كلها فأضاء للعقول طريق التفكير، وللقرائح سبيل الابتكار والإبداع، وجعل الأيدي تبني وتشيد، فكانت حضارة دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة ودهلي وبخارى ... ولولا البدر الذي طلع على المدينة ما كان هذا كله.
يا ولائد المدينة، ما غاب البدر ولا أدركَته ليالي المحاق. إنه لا يزال طالعاً، طالعاً بشريعة الله، طالعاً بخيرات ما دعا إليه محمد ‘، طالعاً بالكتاب المحفوظ والسنّة المَصونة. ولئن حجبَته عنّا غيوم سوداء تصاعدت من أبخرة بحار معاصينا، ومن كيد أعدائنا وغفلتنا عن كيدهم لنا، فإن السحب ستنقشع ويصفو الجوّ ويعود البدر ليبهر بنوره الأبصار.
* * *
يا أيها القراء، إن لم تكن هذه الحلقة من صميم الذكريات فخذوها على أنها تحيّة لمدينة الرسول (عليه من الله الصلاة والسلام) ولأهل المدينة الكرام.
* * *
стр. 970
-٨٣ -
في التعليم: مواقف ومساومات
انتهت رحلة الحجاز، وكل شيء في هذه الدنيا إلى انتهاء، ما لشيء فيها بقاء.
عدت إلى بلدي، مهد طفولتي ومرتع شبابي، وفرحت بعودتي ولكني أسيت على ما فارقت؛ على أني بعدت عن مهبط الوحي ومنزل النبوّة، وعن مواجهة القِبلة وأنا أصلي أراها أمامي عياناً، وعلى أني تركت البلد الحُرّ الذي لا يحكمه أجنبي ولا تلوح فوقه راية غريب كافر، أسيت على ترك بلد الإيمان والأمان، الذي لا يُعلَن فيه منكَر ولا يُجهَر فيه بفاحشة، ولا يتخلف فيه أحد عن الصلاة إذا نادى المؤذن: «حيّ على الصلاة».
عدت إلى بلدي المنكوب بالاستعمار، وإن بدل الاستعمار الثياب وغيّر اللوحة على الباب فسمى نفسه الانتداب. إلى البلد المفتَّح لكل الدعوات الباطلة والمذاهب الخبيثة، يندسّ فينا مَن ينشرها في أبنائنا، حتى إذا اقتنعوا بها شبّوا عليها، حتى إذا صار الأمر بأيديهم ساروا وسيّروا أمتهم عليها، ولكني -على ذلك- أعدّها بلادي:
стр. 971
بلادي وإن جارَت عليّ عزيزةٌ ... وأهلي وإن ضنّوا عليّ كرامُ
عدنا إلى دمشق، وكانت دمشق لا تزال لأهلها، أحياؤها معروفة وأهل كل حي يتعارفون بينهم. وكانت الأحياء تتسابق إلى الخير وتتنافس عليه، فلما عدنا بعد أن حقّقنا ما كان يعدّه أكثر الناس مستحيلَ التحقيق، وهو وصول السيارات من دمشق إلى مكّة، وبعد أن انقطعَت أخبارنا مدّة كتبَت فيها الصحف وتساءل الناس وخافوا علينا، فكانت لعودتنا فرحة عامّة في دمشق، وتبارت الأحياء في استقبال أبنائها من أعضاء الرحلة وفتح الأعضاءُ بيوتَهم للمهنّئين. أمّا الوجهاء منّا وذوُو المال من أصحاب المنازل الكبيرة والخدم والحشم فقد زيّنوا دورهم والطرقَ المؤدّية إليها، وأوقدوا المصابيح سلاسل على جوانبها كما يكون في بيوت الأعراس في مكّة، وفتحوها للمئات والمئات من المهنّئين. أما أنا فكنت أسكن في طريق مسجد القصب الذي يكاد يُعَدّ يومئذ من أطراف دمشق، ما كان فيه إلاّ البساتين وبيوت قليلة بُنِيَت في أطرافها في شارع بغداد الذي فُتح أيام الثورة سنة ١٩٢٥، أي قبل رحلتنا هذه بعشر سنين. وكان خالياً، ما قامت على جوانبه إلاّ بيوت معدودة، أمّا داري فمساحتها كلها بمقدار بهو واسع من دور الأغنياء المترَفين، كانت داراً خشبية تدخل منها إلى رحبة مكشوفة في صدرها غرفة لا تزيد على أربع أذرع في أربع، والرحبة في مثل سعتها، يصعد منها درَج من الخشب في وسطه غرفة صغيرة إلى غرفة عليا كالغرفة الأرضية؛ هذه هي الدار كلها.
وأراد أهل حيّنا أن يباروا الأحياء الأخرى، فجمعوا من
стр. 972
المال (جزاهم الله خيراً) ما مدّوا به سلاسل المصابيح من مسجد القصب إلى دارنا، مسافة ستّمئة متر أو تزيد، وأقاموا الأقواس من أغصان أشجار الغوطة وزيّنوها -على عادة الشاميين في تلك الأيام- بصوَر زعماء الوطنية أمثال هاشم الأتاسي وزكي الخطيب وشكري القوّتلي، ومعها الصورة المتخيَّلة التي تُعلّق على جدران القهوات، صور عنترة وأبي زيد الهلالي.
وجاءت الوفود مهنّئة أفواجاً أفواجاً. ولكن أين أستقبلها وما في الدار إلاّ غرفة واحدة ما فيها أرائك (كَنَب)، ما فيها إلاّ فرش عربي لا يصلح إلاّ لاستقبال الأصدقاء المقرّبين والأقرباء الأدنَين، وما في الدار كراسي أصفّها ليقعد عليها القادمون من المهنّئين؟ ولكن كانت لنا يومئذ رابطة أضعناها؛ كان الجيران كلهم كأنهم إخوة، كانت بيوت الحارة جميعاً كأنها بيت واحد، فإن كان في بيت منها عُرس أو كان فيه مأتم، فكل كراسي الحارة تكون عندهم وكل الكؤوس والأواني التي يحتاجون إليها تأتي إليهم.
وأنا رجل يعرفني الناس كلهم من فوق المنبر ومن صحائف الجرائد، ولكني كنت (ولا أزال) متوحّشاً لا أنغمس في الحياة الاجتماعية، وكنت (ولا أزال) أعُدّ أكبر المتع خلوة بكتاب أقرؤه أو إخوان زادت بيني وبينهم الألفة وزالت الكلفة أجلس معهم. وجاءت الوفود وتبرّع أهل الحارة ومن كان من الجيران في استقبالهم ووداعهم، وفعلت ما أقدر عليه، إلى أن جاءني أحد الجيران راكضاً يلهث، قال: قم فانظر، سبعون أو أكثر من الفرسان من «الزكرتيّة» جاؤوا على خيولهم، على رأسهم
стр. 973
عبدالسلام الطويل. وهو ابن صديق والدي الشيخ موسى الطويل، التاجر العالِم المجاهد الذي أبلى في الثورة أحسن البلاء، وكان له عمل ظاهر في كلّ أعمال الخير.
أين -ناشدتكم الله- أضع سبعين خيّالاً في دار لا تزيد مساحتها على مساحة إسطبل واحد لفرس واحد من هذه الخيول؟ فخرجت إليهم إلى شارع بغداد. وكان الجيران والأقرباء قد جاؤوا بقِدْرٍ كبير عصروا فيه أرطالاً من الليمون البلدي وصنعوا شراباً، وجمعوا من بيوت الحارة كل ما عندهم من أكواب وصواني، وخرجَت الصواني عليها الأكواب تسقي الفرسان. وألقيت عليهم خطبة من الخطب التي كنت ألقيها في تلك الأيام، خُطَب حروفها من لهب النار وكلماتها من تيار الكهرباء، وهي مزدانة بألمع الصور، صور الجهاد الإسلامي من صدر تاريخنا الرائع الذي لم تملك أمة في الدنيا مثله، وكنت يومئذ أغلي بالحماسة وأتفجّر بالشباب، كنت ابن سبع وعشرين سنة، لست الشيخ ابن السبع والسبعين الذي يكتب هذا الكلام.
وامتلؤوا حماسة، وتراءت لهم صور الأمجاد من تاريخنا الماجد. ثم قلت لهم وأنا أشير بيدي: إلى الأمام يا أيها الأبطال، إلى الأمام ... إلى المجد، إلى العلا، إلى الاستقلال!
وركضوا خيولَهم وأسرعوا يعدون بها. ومشوا إلى الأمام فما انتبهوا إلاّ وهم في القَصّاع حيث ينتهي شارع بغداد. ما دنوا من المجد ولكن ابتعدوا عن داري، لابُخلاً ولا لؤماً، فما أنا بحمد الله من البخلاء ولا اللئام، ولكن الله لايكلّف نفساً إلاّ وسعها،
стр. 974
وثوب الولد الصغير مهما شددتَه لا يسع جسد المصارع الضخم، فكيف تتسع داري الصغيرة لهذا الجيش من الفرسان؟ على أنها لم تكن داري ولكني كنت مستأجرها، وأجرتها خمس ليرات في الشهر، أي أقل من ريالين بسعر الصرف اليوم (أوائل سنة ١٤٠٥)؛ أجرة الدار في الشهر كله أقل من ريالين!
* * *
وعدت معلّم صبيان كما كنت من قبل هذه الرحلة.
ولكن لماذا صرت معلّم صبيان وأنا بالمقياس الرسمي أحمل إجازة الحقوق (ليسانس) من سنة ١٩٣٣ وأستطيع أن أكون قاضياً؟ ولقد عرض عليّ ذلك الأستاذُ سامي بك العظم، صديق والدي وصديق خالي محبّ الدين الخطيب، وكان معدوداً مع جماعة الشيخ طاهر الجزائري من الطبقة التي كانت قبلنا من الرجال أمثال أستاذنا كرد علي وخالي محبّ الدين. وكنت أستطيع أن أكون محامياً، ولكنها -كما يقولون- «الظروف».
كانت لي صِلات بكبار رجال الأدب ورجال العلم، وكانت لي مكانة أدبية غير رتبتي الرسمية، كان لي بين المشايخ مكان ولي فيهم صوت مسموع، وإن كنت من أصغرهم وكان كثير منهم من مشايخي، وممّن أقبّل أيديهم وأُجِلّ أقدارهم وأعرف لهم حقوقهم. ولي في الأدباء منزلة، وإن كان فيهم من له سابقة ليست لي وكان له ذكر قبل نشوئي، وكان منهم من هو بموضع أساتذتي. وكانت مقالتي في الرسالة توضع بعد مقالات العشرة الكبار مباشرة من أمثال الزيات والعقّاد وطه حسين والمازني.
стр. 975
وكنت في المجالس الأدبية وعلى منابر الخطابة أو كراسي المحاضرة أقعد مع من هم وزراء وأمناء (أي وكلاء) أو مديرون ... فإن جاءت الوظيفة بقي هؤلاء في أماكنهم ونزلت حتى أقعد مع معلّمي الابتدائي، أي مع موظفي الدرجة الخامسة، أي مع الذين لا تزيد رواتبهم الشهرية عن ست وثلاثين ليرة في الشهر!
ولكن كيف أقول هذا ولا أخشى أن أُتَّهم بأنني مُدّعٍ بلا دليل وأني مغترٌّ بنفسي بلا حقّ؟ كيف آمن أن يعدّني القراء من مادحي أنفسهم؟ إن لديّ أثواباً جميلة غير ما يراه عليّ من يعرفني هنا الآن، ولكني إن لبستها ورآني من لم يرَها عليّ ظن أني سرقتها أو استعرتها، فكيف لي بإقناعه أنها ثيابي أنا، لم أسرقها ولم أستعرها؟ كيف أقول لهم إني كنت في الوظيفة معلّم ابتدائي، موظفاً من الدرجة الخامسة، ولكني كنت في المجتمع وفي مجال الأدب ومجال العلم في مرتبة أعلى من ذلك؟ ولكن لماذا رضيت بالدنيّة فصرت معلّم ابتدائي؟ كان الطلاب هم المحرّك (الدينمو)، وكنت أقود الطلاّب وأحرّكهم. كنت أول خطيب بين الشباب يرتجل خُطَباً تثير الناس وتهيج الجماهير، وكان لي فوق ذلك قلم إن شئته غصناً من أغصان الجنّة أورقَ وأزهرَ وأنعشَ القلوب، وإن شئتُه حطبة من حطب جهنّم أحرقَ ودمّر. وكنت فوق هذا وذاك أعمل في أكبر جريدة وطنية هي جريدة «الأيام». وكانوا مستعدّين -لمّا عرضوا عليّ الوظيفة- أن يُعطوني وظيفة من الدرجات العُلى كما فعلوا مع غيري ممّن جاء بعدي وكان دوني، ممّن لا يملك من الوسائل التي تخيفهم منه وتدفعهم إلى استرضائه ما أملك، فلماذا قبلت أنا أن أكون معلّماً؟
стр. 976
إني لأفكر في هذا الآن فأرى أنني فعلت ذلك لأسباب؛ أولها: أنني اشتغلت من قبل بالتعليم، والمعلّم وإن كان موظفاً مقيّداً بقيود الوظيفة ولكنه في الفصل حر، يأمر كثيراً ولا يُؤمَر إلاّ قليلاً. ولأن تعييني مدرّساً في الثانوية كان يومئذ أمراً كالمستحيل، لأنه لم يكن في الشام إلاّ ثانوية رسمية واحدة هي «مكتب عنبر»، وقد عرفتموه، وكان يدرّس فيه أساتذتي، فهل أزاحم أساتذتي على كراسيهم وهم أحياء؟
أما الثانويات الأهلية فقد درّست فيها، كنت مدرّس الأدب العربي في الكلّية العلمية الوطنية سنة ١٩٣٠ أو سنة ١٩٣١ (وطُبع لي يومها كتاب عن بشّار لاأرتضيه الآن). كنت معلّم ابتدائي ولكني كنت متمرّداً، أقوم بعملي كله أو بأكثر منه لأني كنت أحبّ عملي، ولكن لا أشعر بالخضوع لمدير. ولمّا جاءت بدعة دفتر التحضير رفضتها، ولم يستطع أحد أن يجبرني عليها لأنني إذا ضُويقتُ فزعت إلى قلمي فجرّدته فقرعت به أركان وزارة المعارف. كانوا يعرفون هذا ويعرفه كل من أدرك تلك الأيام، لا أقول هذا فخراً وادّعاء بل أقرّر حقيقة يعرفها من عاش في دمشق قبل خمسين سنة. وأنا لا أرى للشباب أن يقلّدوني فيه، ولكن أذكر ما كان. وأنا أعلم أنّه لا يستقيم أمر أمّة إذا تمرّد موظفوها على رؤسائهم أو تكبّر عليهم رؤساؤهم؛ إنما يستقيم أمرها إذا وقّر صغيرُها كبيرَها ورحم كبيرُها صغيرَها، واتّبعوا في ذلك منهج الإسلام وسنّة الرسول ﵊.
فكنت ذا صفة رسمية، معلّم ابتدائي، وصفة اجتماعية كما
стр. 977
ذكرت لكم. وكنت أستطيع أن أحرّك البلد وأن أغلق الأسواق، وكنت أنجح في حالات كثيرة بمعونة جماعات من التجّار وجمعية الهداية الإسلامية في الشام. والذي يجعل الناس يُصغون إليّ ويستمعون مني أني لم أكُن منتسباً يوماً إلى حزب ولا إلى هيئة ولا إلى جماعة، وما كان لي مقصد أو منفعة شخصية أبتغيها وأحرص عليها. قيّدوني بقيود الوظيفة ولكن ما استطاعوا أن يشدّوا لساني بخيط أو أن يربطوه برباط، كنت أقول ما أعتقد، لا أهاب فيه أحداً ولا أخشى له مغبّة. حتى حين كبرت وشخت وضاقت بلساني مسالك القول في أكثر البلدان، وسُدّت أمام القلم صفحات الجرائد والمجلاّت، صرت أسكت أحياناً مضطراً، أسكت عن كلمة الحقّ لأني لا أقدر أن أقولها، ولكن ما قلت قط كلمة الباطل. صرت أبتعد عن الصدع بالأولى أمام من بيدهم السلطان، بل أبتعد عنهم، ولكن ما قلت إلى الآن كلمة تُسخِط الله وتجافي الحقّ لأسترضي بها صاحب سلطان، والمطبوع ممّا كتبت إلى الآن (وهو تحت أعيُن الناس، يزيد عن عشرة آلاف صفحة) يشهد لي إن شاء الله بما أقول. ولا أزكّي نفسي ولا أدّعي العصمة، فالعصمة للرسول ‘، ولا أقول إني كامل، ولكن أقول إني أحرص دائماً على أن لا أنطق بغير الحقّ.
كانت لي مواقف وأنا معلّم آذيت فيها الرؤساء بمخالفتهم وآذوني في رزقي وفي وظيفتي بسلطانهم؛ دُعيت مرّة أن أكون من اللجنة العليا الفاحصة في امتحان الشهادة الابتدائية (السيرتيفيكا)، وكان يُعقَد له على عهد الفرنسيين امتحان عامّ. وكنّا يومئذ نُعنى بالعربية عناية قد يعجب منها من يسمع الآن خبرها، من ذلك أن
стр. 978
التلميذ الذي يخطئ في الإملاء، أي في مواقع الهمزات وسط الكلمة، يُكسَر له درجة من عشر (وكانت الدرجة الكاملة عشراً)، فإن كان الخطأ فاحشاً كُسرت له درجتان، أي أن خمس خطيئات في الإملاء تعطيه صفراً، ومن أخذ صفراً في مادّة من الموادّ (مهما كانت) يرسب في الامتحان، ولو أخذ أعلى الدرجات في جميع الدروس.
كنت في لجنة اللغة العربية، وكان رئيسها شيخنا الشيخ عبد القادر المبارك رحمة الله عليه. وقد عرفتم ممّا مضى من هذه الذكريات منزلته في الحفظ والاطّلاع على اللغة وأنه كان قليل النظير، ولكنه (وأقول هذا مضطراً) كان أمام الرؤساء ليّناً، لا يستطيع أن يثبت في وجه واحد منهم أو أن يردّ إرادة لهم. وكان المشرف العامّ على الامتحان مستشار المعارف، أي المسيو راجه الذي تقدّم ذكره ونُشرَت صورته لمّا كانت تُنشر هذه الذكريات في «المسلمون»، وكان في الشام مثل دنلوب المشهور في مصر.
وكانت أسماء الطلاب في أوراق الامتحان مكشوفة، فجاءت ورقة لتلميذ من مدرسة نصرانية، والمستشار يريد أن تهتمّ به اللجنة وأن ينجح. أحصينا خطيئاته في الإملاء فبلغت عشراً، وخمس منها كافية ليرسب الرسوب النهائي في الامتحان. أراد أهل اللّين والمسايرة من إخواننا أن يعطوه ولو رُبع درجة لئلاّ يأخذ الصفر، وأصررت أنا على تطبيق النظام وعلى أن يأخذ الصفر. وكانت مشادّة احتكمنا فيها إلى شيخنا المبارك ﵀، فكأنه مال معهم. وكبرت المسألة حتى جاء المسيو راجه والله
стр. 979
بنفسه ومعه ترجمانه ميشيل السبع، ويعرف القصّة بعض إخواننا من المسنّين. فدخل عليّ فكلّمني باللّين، ثم شدّد في كلامه، ثم هدّدني.
قلت للترجمان: بلّغ سعادة المستشار أنني أعلم أنه يقدر الآن أن يأخذ ورقة من فوق المكتب وأن يكتب فيها قرار عزلي من الوظيفة، ولا يردّ قرارَه أحد. يستطيع ذلك ولكنه لا يستطيع، لا هو ولا أكبر منه، أن يجعلني أوقّع على ماأعتقد أنه باطل. وثبتّ في موقفي حتى رسب الطالب، وكان لذلك صدى في دمشق.
* * *
الحوادث كثيرة. كانوا يبتعثون الطلاّب إلى فرنسا للدراسة العليا إذ لم يكن عندنا في جامعة دمشق إلاّ كلّيتان، وكنّا نسمّي الكلّية المعهد: معهد الحقوق ومعهد الطبّ. فمن أراد التخصّص (الإخصاء) (١) في مادّة أخرى كانوا يبعثونه إلى فرنسا. فزيّن لهم بعض الناس أن يبعثوا بعثة لدراسة اللغة العربية في فرنسا (٢). وتعجّب الناس من ذلك، وكنت مستمراً على الكتابة في الصحف فكتبت مقالة عنيفة جداً انتقدت فيها هذا العمل، وقلت فيها: هل ترسلونه إلى أصمعي العصر المسيو مارسيه؟
ومرّت الأيام فاستدعاني وزير المعارف، فذهبت إليه، ولا
стр. 980
أريد أن أسَمّيه. قابلني بكِبْر وهو قاعد في مكانه، وسلّمت عليه فلم يردّ السلام وتشاغل بأوراق أمامه، ثم رفع رأسه وقال لي: أنت ماذا تعمل؟ ما هو عملك؟ عندئذ نسيت الوظيفة ونسيت أني محتاج إلى مرتّبها وأنني أعول إخوة لي لا مورد لهم غير هذا الراتب، نسيت هذا كله ولم أذكر إلاّ أن كرامتي قد مُسّت. قعدت أولاً بلا إذن منه وقلت له: أنا وظيفتي معلّم، أعلّم الكبار والصغار، أعلّمك أنت قبل كل شيء أن تستقبل ضيوفك باحترام لأن العربي يُكرِم ضيفه، وأن تردّ السلام على من سلّم عليك لأن ردّ السلام واجب في دين الإسلام. قال: لي أنا تقول هذا الكلام؟ قلت: نعم، وستقرؤه في الجريدة وتسمعه من فوق المنبر.
لمّا رأى هذه اللهجة وهذا الكلام قال: لماذا أنت على هذه الدرجة من العصبية؟ ثم لان وبدّل أسلوبه معي وقال: أنتم هكذا معشر الشباب! وتكلّم بأمثال هذا الكلام، وطلب لي كوباً من الشاي وهدّدني خفية بالنقل إلى دير الزور أو إلى الجزيرة. عندئذ كلّمته وقلت: يا معالي الوزير، أنا والله إن ذهبت إلى الجزيرة لا أتبخّر بشمسها ولا أذوب بمائها، وأبقى صامداً كما أنا الآن ولا أقول -إن شاء الله- إلاّ كلمة الحقّ. فلم يكن منه أمام هذا الصمود وهذه اللهجة الحاسمة إلاّ أن وقف وودّعني بنفسه، ولم يلُمني على شيء بل كاد يوافقني على ما كتبته. وهذا الوزير كان معدوداً من الوطنيين!
* * *
وقعَت لي في هذه الفترة حوادث أذكر لكم واحدة منها: أرأيتم النمل إذا مشى صفاً واحداً لا تحيد عنه نملة. كل واحدة
стр. 981
تأخذ بعقب أختها؟ امسح بإصبعك جزءاً من خطّ سيرها تَرَها قد اضطربَت وحارت وماج بعضها في بعض؛ ذلك أنّ كل نملة تُفرِز شيئاً له رائحة تهتدي برائحته التي بعدها، فإذا مسحتَ الخطّ وزالت هذه المادّة ضلّت طريقها. كذلك الإنسان في حياته: عندما يعترض طريقه الذي يمشي فيه شيء يبقى حيران، لا يدري أيّ مسلك يسلك ومن أين يمشي.
لقد وقع لي مثل ذلك وأنا معلّم، أتنقّل بين القرى ثم بين المدارس في دمشق، أجد المصاعب والمتاعب أريد مَنْجى منها، فقابلت العالِم الجليل المعمَّر الشيخ سليمان الجوخَدار (وسأتحدّث عنه حين أتحدّث إن شاء الله عمّن عرفت من الرجال) (١)، وكان شيخ أبي، وكان مفتي الشام من قبل الحرب الأولى بأزمان. فسألني عن حالي فشكوت ما أنا فيه، فقال لي: قابلني غداً في السراي (أي في قصر الحكومة المُطلّ على بردى) بعد العصر في غير أوقات الدوام الرسمي لأعرّف بك الأستاذ الشعباني.
وكان الشعباني وزير المالية يومئذ قد أُعطيَ سلطات واسعة، فأصدر قرار التنسيق المشهور الذي اعتبر جميع الموظفين مُسَرَّحين، أي شبه معزولين، إلاّ من يصدر قرار جديد بتثبيته، وكان لذلك رجّة في الشام لا أدري هل دوّن أحدٌ قصّتها أم ضاعت فيما ضاع من أخبار تاريخنا القريب. أمّا أنا فأكتب
стр. 982
ذكرياتي، لا أؤلف تاريخاً، لذلك أذكر ما يدخل في نطاق هذه الذكريات.
وجئت في الموعد. وكان الدخول إلى السراي في تلك الساعة ممنوعاً، ولكن الحرّاس من الشرطة أذنوا لمّا عرفوا اسمي لأن الشيخ كان قد خبّرهم بأمري، وكان يومئذ وزيراً. وصعدت إلى البهو الكبير المُطلّ على النهر لألقى فيه الشيخ الجوخدار، وفوجئت برئيس الجمهورية محمد علي بك العابد، وهو ابن أحمد عزّة باشا العابد الذي كان الرجل الأول من العرب في قصر السلطان عبد الحميد وكان أوجه العرب في ذلك الدور. وكان معه الوزير شاكر نعمة الشعباني ووزراء آخرون، وكانوا -كما بدا لي- في اجتماع لمجلس الوزراء انفضّ قبل قليل.
وأنا أرتبك في مثل هذه المقابلات وأتضايق وأودّ لو وجدت مهرباً منها، ولكن لم يكن بد من السلام على رئيس الجمهورية، فقابلني ببِشْره المعهود، وسلّمت على من عرفت من الوزراء، وأوصلني إلى الشعباني، وكانا قد انتحيا ناحية من البهو فقال له: هذا فلان، عني. وأثنى على ذكائي وفصاحة لساني وقوّة قلمي، وأمثال ذلك ممّا يَسهُل على قائله أن يُفيض فيه ولكن يصعب أن يرويه الممدوح بفيه، فاعذروني إن رويته بلساني. رحّب الشعباني بي وقال لي: لقد أفهمك معالي الأفندي (وكنّا نطلق على أصحاب المناصب من المشايخ لقب «الأفندي»، فيقولون قاضي أفندي ومفتي أفندي، وذلك من مصطلحات الأتراك)، قال لي: لقد أفهمك الموضوع فما رأيك؟
стр. 983
تصوّروا حالي وأنا لم أعرف ما الموضوع، والأفندي لم يُفهِمني شيئاً قط، وما جئت إلاّ أملاً بمساعدة منه بنقلي إلى مدرسة أخرى أستريح فيها. ففوجئت بما لم أتوقع ولم أنتظر، وتردّدتُ، هل أقول له: "إني لا أعرف شيئاً عن الموضوع الذي تشير إليه" فيكون قولي تكذيباً أو شبه تكذيب للشيخ سليمان، أم أسكت. وركّزت ذهني كله وحصرت انتباهي لعلّي أمسك طرف الخيط فأعرف عمّ يتكلم وإلامَ يشير. وقلت: إني أستمهل معاليك لأفكر، ولكن أحب أعرف شيئاً عن التفاصيل. فقال: سيكون العمل في دمشق لا في حلب، وإن شئت بقيت في وظيفتك وكان عملك معنا انتداباً، وإن شئت تركتها ولم تأسف على تركها. وستكون حُراً في التحرير إلاّ في الأمور التي هي من سياسة الدولة، أو التي هي من أغراض الجريدة الأساسية.
وهذا الكلام الذي ألخّصه الآن في ثلاثة أسطر بقيتُ على أشدّ حالات التنبه وتركيز الذهن ربع ساعة حتى فهمتُه من كلامه؛ تكلّم ربع ساعة حتى فهمت من الكلام هذه الأسطر القليلة.
لقد كان الشعباني صاحب جريدة «الأهالي»، وهي جريدة مكروهة تصدر في حلب، تمشي مع الفرنسيين وتُعارض الوطنية وأهلها. فهمت أنه يريد نقلها إلى دمشق وإصدارها باستعداد ضخم، لتكون لسان الحكومة كما كانت «الأيام» من قبل لسان الوطنيين، ويريد أن أتولّى أنا تحريرها كما كنت أتولّى في جريدة «الأيام» سنة ١٩٣١ ما يشبه إدارة التحرير. وأشار إلى أني سأُعطى مرتّباً لمّا بيّنه لم أصدّق سمعي، لأنه كان يُعَدّ في تلك الأيام مبلغاً كبيراً جداً.
стр. 984
واستمهلت لأفكّر، وخرجت إلى ساحة المرجة ووقفت في زاويتها الغربية وأنا في عالَم آخر، أرى الداخلين إلى سينما غازي والمارّين في المرجة أمامي كأني أرى شخوصاً تمرّ بي في المنام. هل أقبل أم أرفض؟ هل أبقى عمري كله معلّم أولاد أم أستغلّ هذه الفرصة التي جاءت هي إليّ وهبطَت عليّ؟ لقد كنت كالمغامر بماله كله، إما أن يزيده ضعفَين أو أن يخسره كله. تارة أقول لنفسي: وهل الحياة إلاّ مغامرة؟ وهل يستكين ويرضى بالأقلّ إلاّ الخامل؟ وتارة أقول: أنا مكلَّف بإخوتي ما لهم بعد الله غيري، فهل أدع الطريق المسلوك الآمن ولو كان طويلاً ضيّقاً، وأسلك المفازة وأقتحم العقبة رجاء أن أجد وراءها كنزاً أو أن أصيب غنيمة؟
ولست أدري كم وقفت أفكر حتى مرّ بي صديق نسيت اسمه، وأنا آسف لنسيانه لكنني أتصوره، وإذا أجهدت ذهني ذكرتُه. سلّم عليّ وكان من أقرب أصدقائي، فتردّدت: هل أخبره أم أفارقه؟ ثم ذكرت أنه عاقل وأنه كاتم للسر، وأنه محبّ لي راغب في نصحي، فلما سألني: ما لك؟ ما شأنك؟ خبّرته واستكتمته وسألته رأيه. ففكّر وقال: إنك كمن يبيع غداءه ويشتري ورقة يانصيب، فإمّا أن يربح فيتغدى من ربحه السّنة كلها غداء أفضل من هذا الغداء وإما أن يبقى جائعاً. ثم إني أعرفك؛ إنك لا تستطيع أن تسلك طريقاً لا يطمئنّ إليه قلبك ولا يرتضيه ضميرك، فهل يريح قلبَك أن تعمل مع مثل الشعباني، ولطالما كتبتَ أنت بقلمك تردّ عليه وعلى جريدته؟ إنك ستتركه بعد شهرَين على أبعد تقدير وتخرج بلا وظيفة ولا عمل، فدعها.
стр. 985
جزاه الله خيراً، وإن نسيت من هو. لقد فعلتُ ما أشار عليّ به ولم أعُد إلى الأفندي (الشيخ سليمان) ولا إلى الوزير، بل تناسيت الأمر كله. وما مرّت إلاّ مدّة قصيرة حتى سقطَت الوزارة التي فيها الشعباني، وتبدّل العهد كله، وجاء الوطنيون الذين كنت أكتب عندهم وأعمل معهم وأنا رئيس لجنة الطلبة معهم، وأراد الله لي الخير فاللهمّ لك الحمد.
* * *