Полный текст (428 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
يُلاقي مِنْ تَذَكُّر آل لَيْلَى ... كما يَلْقَى السَّليم مِنَ العِدادِ
العِداد: العِلَّة التي تأْخذ الإِنسان في وقت معروف، نحو الحُمَّى الرِّبع والغِبّ، وما أَشْبَه ذلك، قال النَّبِيّ ﷺ : ما زالتْ أَكْلَة خَيْبَر تُعادُّني فهذا أَوانُ قَطَعَتْ أَبْهَري، والأَبهر: عِرْق مُعَلَّق بالقلب إِذا انقطع مات الإِنسان، قال الشَّاعر:
وللفُؤَادِ وَجِيبٌ تحت أَبْهَرِهِ ... لَدْمَ الغُلامِ وَرَاَء الغَيْبِ بالحَجَرِ
وقالَ الأَصْمَعِيّ وأَبو عبيد: إنَّما سمِّي الملدوغ سَلِيماً على جهَةِ التَّفاؤل بالسَّلامة، كما سمِّيت المهلَكة مفازة على جهة التَّفاؤل لمن دخلها بالفوز.
وأَخبرنا أَبو العبَّاس، عن سلمة، عن الفَرَّاء، قال: قال بعضُ العرب: إنَّما سُمِّي الملدوغُ سليماً لأنَّه مُسْلَم لما به.
قال أَبو بَكْر: الأَصلُ فيه مُسْلَم فصرف عن مُفْعَل إِلى فعيل، كما قال الله : تِلكَ آيَاتُ الكِتَاب الحَكِيم، أَرادَ المحكَم.
٦١ - وغَرِضْتُ حرف من الأَضْداد؛ يقال: غَرِضَ
стр. 107
الرَّجُل غَرَضاً إِذا ضَجِر من الشَّيْء
وملّه، وغَرِضَ غَرَضاً إِذا اشتاق إِلَيْه وأَراده، فأَمَّا معنى الضَّجر فإِنَّه لا يُحتاج فيه إِلى شاهد لشهرته عند النَّاس، وأَمَّا المعنى الآخر، فإِنَّ أَهل اللُّغة أَنشدوا فيه:
مَنْ ذَا رَسُولٌ ناصِحٌ فمبلِّغٌ ... عَنِّي عُلَيَّةَ غَيْرَ قِيلِ الكاذِبِ
أنِّي غَرِضْتُ إِلى تَناصُفِ وجْهها ... غَرَضَ المُحِبِّ إِلى الحَبيبِ الغائبِ
معناه اشتقت إِلى وجهها، والتناصُف الحُسْن، يقال: وجه متناصف ومُقَسَّم وبَشير، إِذا كان حَسَناً، أنشد الفَرَّاءُ وغيرُه:
فَيوماً تُعاطِينا بوجهٍ مُقَسَّمٍ ... كأَنْ ظَبْيَةٍ تَعْطُو إِلى وارِقِ السَّلَمْ
وقال الآخر:
يا بِشْرُ حُقَّ لِوَجْهِكَ التَّبْشيرُ ... هَلَاّ غَضِبْتَ لا وأَنْتَ أَمِيرُ
والقِسْمَة الوجه، وجمعها قَسِمات. قال الشَّاعر:
كأَنَّ دَنانيراً على قَسِماتِهِمْ ... وإِنْ كان قَدْ شَفَّ الوُجوهَ لِقَاءُ
أَرادَ على وجوههم.
٦٢ - وبَعْد حرف من الأَضْداد؛ يكون بمَعْنَى التأْخير،
стр. 108
وهو الَّذي يفهمه النَّاس ولا يحتاج مع شهرته إِلى ذكر شواهد له، ويكون بمَعْنَى قبل، قال الله : ولَقَد كَتَبْنَا في الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ، فمعناه عند بعض النَّاس من قبل الذِّكْر، لأنَّ الذِّكر القرآن. وقالَ أَبو خرَاش:
حَمِدْتُ إِلهي بَعْدَ عرْوَةَ إذْ نَجَا ... خِراشٌ وبَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ
أَرادَ قبل عروة، لأنَّهم زعموا أَنَّ خِراشاً نجا قبل عُرْوة. قال الله : والأَرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحَاهَا، فمعناه: ولأرض قبل ذلك دحاها، لأنَّ الله خلق الأَرض قبل السماء. والدليل على هذا قوله: ثمَّ اسْتَوَى إِلى السَّماءِ وهيَ دُخَانٌ.
وقالَ ابن قتيبة: خَلَق الأَرْضَ قبل السَّماء ربوةً في يومين، ثمَّ دَحَا الأَرضَ بعد خلقه السموات في يومين، ومعنى دحاها بسطها.
قال أَبو بَكْر: وهذا القول عندنا خطأ؛ لأنَّ دَحْوَ الأَرض قد دخل في إِرسائها والتبريك فيها، وتقدير
стр. 109
أَقواتها، وذلك أَنَّهُ قال : وجَعَلَ فيها رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِها وبَارَكَ فيها وقَدَّرَ فيها أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّام، علمنا أَنَّ الدَّحْوَ دخل في هذه الأَيَّام الأَربعة، وهذه الأَيَّام الأَربعة قبل خلق السَّماء. فإِنْ كان الدَّحْوُ وقع في يومين خارجين من هذه الأَربعة فقد وقع الخلقْ في يومين سوى الأَربعة أَيْضاً، فتُحْمَلُ الآياتُ على أَنَّ الخلق كان في يومين، والدَّحْو في يومين، والإِرساء والتبريك والتقدير في أَربعة أَيام، فتنفرد الأَرض بثمانية أَيَّام. وهذا خلاف ما نصَّ عليه إذْ قال: ولَقَدْ خَلَقْنَا السَّموات والأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا في سِتَّة أَيَّام، فعلمنا بهذه الآية أَنَّ الخلق والدَّحْو جميعاً دخلا في الأرْبعة التي ذكرها الله مع الإِرساء والتبريك والتقدير.
فإِنْ قال قائل: كيف يدخُلُ يومَا الخلقِ في هذه الأَربعة حتَّى يصيرا بعضَها، وقد فَصَل الله اليومين من الأَربعة؟
قيل له: لمَّا كان الإِرساءُ من الخلق وانْضَمَّ إِلَيْه تقدير الأَقوات نُسِق الشَّيءُ على الشَّيءِ للزيادة الواقعة معه، كما يقول الرَّجُل للرَّجُل: قد بنيتُ لك داراً في شهر، وأَحْكَمْتُ
стр. 110
أَساسَاتِها، وأَعْلَيْتُ سُقُوفَها، وأَكثرتُ ساجَها، ووصلتها بمثلها في شهرين، فيدخل الشَّهرُ الأَوَّلُ في الشَّهرين، ويُعْطَفُ الكلام الثَّاني على الأَوَّل، لما فيه من معنى الزيادة، أَنشد الفَرَّاءُ:
فإِنَّ رُشَيْداً وابْنَ مَرْوانَ لم يكن ... لِيَفْعَلَ حتَّى يُصْدِرَ الأَمْرَ مَصْدَرَا
فرُشيد هو ابن مروان، نُسقَ عليه لما فيه من زيادة المدح. وقال الآخر:
يَظُنُّ سَعيدٌ وابْنُ عمرٍو بأَنَّني ... إِذا سَامَنِي ذُلاًّ أَكونُ بهِ أَرْضَى
فَلَسْتُ براضٍ عنه حتَّى يُنيلَني ... كما نالَ غيري من فوائده خَفْضَا
فسعيد هو ابن عمرٍو، نُسِقَ عليه؛ لأَنَّ فيه زيادة مدح.
ويجوز أَن يكون معنى الآية: والأَرض معَ ذلك دحاها، كما قال الله : عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلكَ زَنِيمٍ، أَرادَ مع ذلك. وقالَ الشَّاعر:
فَقُلْتُ لها فِيئي إِليكِ فإِنَّني ... حَرامٌ وإِنِّي بعد ذاك لَبيبُ
أَرادَ مع ذلك، وتأْويل دحاها بسطها، قال الشَّاعر:
دَحَاهَا فلَمَّا رآهَا اسْتَوَتْ ... على الماءِ أَرْسَى علَيْها الجِبالَا
стр. 111
وقال الآخر:
داراً دَحاهَا ثمَّ أَعْمَرَنا بها ... وأَقامَ في الأُخْرى الَّتي هيَ أَمْجَدُ
وقال الآخر:
يَنْفي الحَصى عن جَديد الأَرضِ مُبْترِكٌ ... كَأَنَّهُ فاحِصٌ أَو لاعِبٌ داحِي
وقالَ مقاتل بن سُلَيْمَان: خَلَق الله السَّماءَ قبل الأَرض، وذهب إِلى معنى قوله: ثمَّ اسْتَوَى إِلى السَّماءِ وهيَ دُخَانٌ، ثمَّ كان قد استوى إِلى السَّماءِ قبل أَن يخلُقَ الأَرْضَ، كما قال: هُوَ الَّذي خَلَقَ السَّمَوات والأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثمَّ اسْتَوَى على العَرْشِ. ثمَّ كان قد استوى. ويجوز أَن يكون معنى الآية: أَئنَّكم لَتكْفُرون بالَّذي استوى إِلى السَّماءِ وهي دخان، ثمَّ خلق الأَرض في يومين، فقدَّم وأَخَّر كما قال: اذْهَبْ بكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِليْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ، معناه: ثمَّ انظر ماذا يرجعون وتَوَلَّ عنهم.
٦٣ - والجَوْن حرف من الأَضْداد؛ يقال للأَبيض جَوْن، وللأَسود جَوْن؛ عَرَض أَنيس الجَرْميّ على الحجَّاج دِرْع
стр. 112
حَديد صافية في الشَّمس، فلم يتبيَّن الحجَّاج صَفَاءها، فقال: ما هي بصافية، فقال أَنيس - وكانَ فصيحاً - إِنَّ الشَّمْسَ جَوْنة؛ أَرادَ قد غلب صفاءها صَفاءَ الدرع، قال أَبو ذُؤَيْبٍ:
الدَّهرُ لا يَبْقَى على حَدَثَانِهِ ... جَوْنُ السَّراةِ لَهُ جَدائدُ أَرْبَعُ
جَوْن السَّراة: حمار أَسود الظَّهر، والجدائد: جمع جَدُود، وهي الأَتان الَّتي لا لَبَن
لها، ويقال: فَلاة جَدَّاء إِذا لم يكن بها ماءٌ. وقالت الخنساءُ:
فَلَنْ أُصالِحَ قَوْماً كنت حَرْبَهُمُ ... حتَّى يَعُودَ بياضاً جَوْنَةُ القَارِ
أَرادت بالجَوْنة السَّواد. ويُرْوَى: حُلْكَةَ القارِ، من قولهم: أَسود حالك. وقالَ الفرزدق:
وَجَوْنٍ عَلَيْهِ الجِصُّ فيهِ مَريضَةٌ ... تَطَلَّعُ مِنْهُ النَّفْسُ والمَوْتُ حاضِرُهْ
أَرادَ بالجصّ قصراً أَبيض. وقوله: فيه مريضةٌ معناه فيه امرأَة مريضة النَّظر. وقالَ ربيعة بن مقروم، يذكر حماراً وآتُنَه:
ظلَّ وَظَلَّتْ حَوْلَهُ صُيَّماً ... يُرَاقِبُ الجَوْنَةَ كالأَحْوِلِ
стр. 113
ثمَّ رَمَى اللَّيْلُ بهِ قارِباً ... يَسْتَوْقِدُ النِّيرانَ في الجَرْوَلِ
أَرادَ بالجَوْنة الشَّمس، وقال الآخر:
غيَّرَ يا بِنْتَ الحُلَيْس لَوْني ... مَرُّ اللَّيالي واخْتِلافُ الجَوْنِ
وَسَفَرٌ كانَ قليلَ الأَوْنِ
أَرادَ بالجَوْن النَّهار؛ وبالأَون الرفق والدّعة، يقال: أُن على نفسك، أَي ارفق بها. وقالَ ابن مقبل:
وَاطَأْتُهُ بالسُّرَى حتَّى تَرَكْتُ به ... لَيْل التَّمامِ تُرَى أَسْدافُهُ جُونا
أَرادَ تُرى ظُلَمه بيضاً، أَي سَرَيْت حتَّى أَضاءَ ليَ الصُّبح. ورواه الأَصْمَعِيّ: تُرَى أَعلامُه جُونا، أَي سوداً، يخبر أَنَّهُ سرى في اللَّيل الظُّلَم. وقال الآخر:
لا تَسْقِهِ حَزْراً ولا حَليبا ... إِنْ لم تَجِدْهُ سابحاً يَعْبُوبا
ذَا مَيْعةٍ يَلْتَهِمُ الجَبُوبا ... يُبَادِرُ الآثارَ أَنْ تَؤُوبا
وحَاجبَ الجَوْنَةِ أَنْ يَغِيبا
أَرادَ بالجَوْنة الشَّمس. وقالَ ذو الرُّمَّة يذكر حماراً وآتُنا:
يُعَاوِرْنَهُ في كلِّ قاعٌ هَبَطْنَهُ ... جَهَامَةَ جَوْنٍ يَتْبَعُ الرِّيحَ ساطعِ
قوله: يعاورنه معناه، إِذا أَثارَ غُباراً أَثرن مثله. والجهامة
стр. 114
السحابة. والجوْن: الغبار الأَسود، شبَّهه بالسَّحابة.
٦٤ - والسُّدفة حرف من الأَضْداد؛ فبنو تميم يذهبون إِلى أَنَّها الظُّلمة، وقيس يذهبون إِلى أَنَّها الضَّوْء.
وقالَ الأَصْمَعِيّ: يقال: أَسْدِفْ، أَي تَنَحَّ عن الضَّوْء. وقالَ غيرُه: أَهل مكَّة يقولون للرجل الواقف على البيت: أَسْدِفْ يا رجل، أَي تنحَّ عن الضَّوْء حتَّى يبدُو لنا، قال ابن مُقْبِل:
وليلةٍ قد جعلتُ الصُّبْحَ مَوْعِدَهَا ... بصُدرَةِ العَنْسِ حتَّى تَعْرِفَ السُّدَفا
العَنْس: النَّاقة. ومعنى البيت أنِّي كَلَّفت هذه النَّاقة السَّير إِلى أَن يبدوَ الضَّوْءُ وتراه. وقال الآخر:
قَدْ أَسْدَفَ اللَّيْلُ وصَاحَ الحِنْزَابْ
أَرادَ بأَسْدَفَ أَضاء، والحِنْزَاب: الدِّيك، وقالت امرأَة تذكر زوجها:
لا يَرْتَدِي مَرادِيَ الحريرِ ... ولا يُرَى بِسُدْفَةِ الأَمِيرِ
أَي لا يُرى بقصر الأَمير الأَبيض الحسن. وزعم
стр. 115
بعضُ النَّاس أَنَّ السُّدفة في هذا البيت الباب، وأَنَّ العرب تذهب بالسُّدفة إِلى معنى الباب. وقالَ ذو الرُّمَّة:
ولمَّا رأَى الرَّائي الثُّرَيَّا بِسُدْفَةٍ ... ونَشَّتْ نِطافُ المبْقِيَات الوقائِعِ
ويُرْوَى: ونَشَّت بقايا المبْقِيَاتِ. السُّدفة في هذا البيت: الظلمة. وقال الآخر:
وأَطْعَنُ اللَّيْلَ إِذا ما أَسْدَفَا
وقالَ بعضُ شعراءِ هُذَيل:
وماءٍ وَرَدْتُ قُبَيْلَ الكرَى ... وَقَدْ جَنَّهُ السَّدَفُ الأَدْهَمُ
أَرادَ بالسَّدفِ الظُّلْمة. وقالَ إِبراهيم بن هَرْمة:
إِليْكَ خاضتْ بنا الظَّلْماَء مُسْدِفَة ... والبيدُ تَقطَع فِنْداً بعْدَ أَفْنادِ
المُسْدفة: الداخلة في الظُّلمة، والفِنْد: الشِّمْراخ من الجَبَل. وقالَ حُذَيفة جَدّ جرير المعروف بالخَطَفى:
يَرْفَعْنَ للَّيْلِ إِذا ما أَسْدَفا ... أَعناقَ جِنَّانٍ وهاماً رُجَّفا
وعُنَقا بعدَ الكَلالِ خَطفا
ويُرْوَى: خَيطفا.
وقالَ ابن السِّكِّيتِ: قال الفَرَّاءُ: يقال أَتيته بِسدْفة،
стр. 116
وشدْفَة، وسَدْفة، وشَدْفة، وهو السَّدَف والشَّدَف.
٦٥ - والناهل حرف من الأَضْداد؛ يقال للعطشان: ناهل، وللريان ناهل. وزعموا أَن الأَصل فيه للريّ، وإنما قيل للعطشان ناهل، تفاؤلاً بالرِّي. قال امرؤ القَيْس يذكر الخَيْل:
فَهُنَّ أَقْساطٌ كرِجْلِ الدَّبا ... أَو كقَطا كاظمةَ النَّاهِلِ
الأَقْسَاط: القِطَع، شبّه الخيل في سرعتها برِجْل من الدَّبا، وهو القطعة منه، أَو بقطاً عطاش تطلب الماءَ، فهي لا تأْلوا طَيَراناً منه، وقال الآخر:
وأُقْسِمُ لَوْ لاقَيْتَهُ غَيْرَ مُوثَقٍ ... لَنابَكَ بالجَزْعِ الضِّباعُ النَّواهِلُ
أَرادَ العطاش، وقال الآخر:
والطَّاعِنُ الطَّعْنَةَ يَوْمَ الوَغى ... يَنْهَلُ منها الأَسدُ الناهل
أَرادَ: يُرْوَى منها. وقال الآخر:
وظلّتْ على حَوْضِ البَرودِ نِهالُها ... رِواءً وبالقاع المرَبِّ عُطونُها
النِّهال هاهنا: العِطاش. والمرَبّ: الموضع الَّذي تقيم فيه، والعُطُون: المقيمة في العَطَن، والعَطَن مَبَارك الإِبِل عند الحياض، ومَبَارك الإِبل عند البيوت يقال لها
стр. 117
ثاية. وقالَ الأخطل:
وأَخوهما السَّفَّاحُ ظَمَّأَ خَيْلَهُ ... حتَّى وَرَدْنَ حِبيَ الكُلابِ نِهالَا
يخْرُجْنَ مِنْ ثُغَر الكلَابِ عَلَيْهِمُ ... خَبَبَ الذِّئابِ تُبادِرُ الأَوْشالا
ويقال: رجل مُنْهِل، إِذا كانتْ إبله عطاشا، كما يقال: رجل مُعْطِش، ورَجُلٌ منهِل على القياس؛ إِذا كانت إبله رِواءُ، قال الشَّاعِر:
كما ازْدَحَمَتْ شُرْفٌ لمَوْرِدِ مُنْهِلِ ... أَبتْ لا تَنَاهَى دُونَهُ لِذِيادِ
الشُّرُفُ: جمع شارف، وهي الناقَة الهَرِمة. والذياد. الحبس؛ يقال: ذُدْتُ الإِبل ذَوْداً وذِياداً إِذا حبستَها، قال الشَّاعِر:
وقد سَلَبتْ عصاكَ بنو تميمٍ ... فما تدري بأيّ عصاً تَذودُ
وقال الآخر:
أَوْ شَنَّةٍ يُنْقَحُ من قَعْرِها ... عَطٌ بكَفَّيْ عَجِلٍ مُنْهِلِ
والنَّهل الشرب الأَوّل، والعَلَل الشرب الثاني، ويقال لشرب الغداة: الصَّبوح، ولشرب العَشيّ: الغَبوق، ولشرب نصف النهار: القَيْل، ولشرب أَول اللّيل: الفَحَمة - ويقال: وهو شرب الليل إِلى السَّحَر - ولشرب السَّحَر: الجاشِرِيّة.
стр. 118
٦٦ - وإذ وإذا حرفان من الأَضداد؛ تكون إذْ للماضي وإذا للمستقبل، وهذا هو المشهور فيهما، وتكون إذ للمستقبل، وإذا للماضي إِذا شُهِر المعنى ولم يقع فيه لَبْس. فأَما كون إذ للماضي وإذا للمستقبل فشهرته تغني عن إقامة الشّواهد عليه، وأَما كون إذْ للمستقبل فقول الله : وَلَوْ تَرَى إذ الظَّالِمون مَوْقوفونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، أَرادَ المستقبل، وكذلك قوله: ولَوْ تَرَى إذْ فَزِعوا فَلا فَوْتَ، معناه إِذا يفزعون. وقالَ ﷻ : إذْ قال الله يا عيسَى بنَ مَرْيَم، معناه: وإذا يقول الله؛ وأَما كون إِذا للماضي فقول الشَّاعِر، وهو أَوْس بن حَجَر:
والحافِظُ النَّاسَ في الزَّمانِ إِذا ... لم يَتْرُكُوا تَحتَ عائذٍ رُبَعا
وَهَبَّتِ الشّمْأَلُ البَليلُ وإذْ ... باتَ كَميعُ الفَتَاةِ ملتفعا
أَرادَ: إِذا لم يتركوا تحت عائذ، والعائذ: النّاقة الحديثة النِّتاج، وجمعها عُوذ.
стр. 119
وقالَ بعضُ أَهل اللُّغة: إِذا لم تقع في هذا البيت إِلَاّ للمستقبل؛ لأَنَّ المعنى: والَّذي يحفظ النَّاس إِذا كان كذا وكذا، والأَول قول قُطْرب. وقالَ الآخر:
فالآنَ إذْ هازَلْتُهُنَّ فإِنَّما ... يَقُلْنَ ألا لَمْ يَذْهَبِ المرْءُ مَذْهَبا
معناه إِذا هازلتهنّ، وقالَ أَبو النجم:
ثمَّ جَزاهُ اللهُ عَنَّا إذْ جَزَى ... جَنَّاتِ عَدْنٍ في العَلاليِّ العُلَا
أَرادَ إِذا جزى. وقالَ بعض أَهل العلم: إنما جاز أَن تكون إذْ بمَعْنَى إِذا في قوله: وإذْ قال الله يا عيسَى بنَ مَرْيَم، لأَنَّه لمَّا وقع في علم الله أَنَّ هذا كائن لا محالة كان بمنزلة المشاهَد الموجود، فخبّر عنه بالمضيّ، كما قال: ونادَى أَصْحابُ الجَنَّةِ أَصحابَ النَّار، وهو يريد: وينادي وروى قُطْرب هذا البيت:
ونَدْمانٍ يَزيدُ الكأسَ طِيباً ... سَقَيْتُ إِذا تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ
أَرادَ إذْ تغورت. ورواه غير قُطْرب: سقيت وقد تغورت.
стр. 120
وتكون إِذا بمَعْنَى إن، فتجزم المستقبل، فيقال: إِذا تزرْني تكرمْني، وإذا تزورُني تكرمُني، الجزم على معنى: إن تزرْني تكرمْني، والرفع على معنى وقت تزورُني تكرمُني، قال الشَّاعِر في الجَزْمِ:
واسْتَغْنِ ما أَغْناكَ رَبُّكَ بالغِنى ... وإذا تُصِبْكَ خَصاصَةٌ فَتَجَمَّلِ
وقال الآخر في الرفع:
وإذا تكونُ شَديدَةٌ أُدْعَى لَها ... وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدْعيَ جُنْدَبُ
٦٧ - ومَقْتَوين حرف من الأَضداد. يقال: رجل مَقْتَوين، إِذا كان خادماً، ورَجُلٌ مَقْتوين، إِذا كان مالكاً، قال الشَّاعِر:
أَري عَمرو بنَ صِرْمة مَقْتَويناً ... له من كلِّ عان بَكْرَتان
أَرادَ: أَرى عمراً مالكاً. وقالَ عَمْرو بن كلثوم:
تهدَّدْنا وأَوْعِدْنا رُوَيْداً ... متى كنّا لأمك مَقْتَوينا
قال أَبو عُبيدة: المَقْتَوُون الخدم، واحدهم مَقْتَوِيّ. قال: وقالَ أَبو عُبيدة: قال رجل من بَنِي الحِرْماز: هذا رجل مَقْتَوين، وهذان رجلان مَقْتَوين، وهؤلاء رجال مَقْتَوين، وهذه امرأَة مقتوِين، وكذلك التثنية والجَمْعُ.
стр. 121
وقالَ أَبو عُبيدة: أَنشدنا الأَحمر:
إنِّي امْرُؤٌ من بَني فَزَارَةَ لا ... أُحْسِنُ قَتْوَ المُلوك والخَبَبَا
أَرادَ بالقَتْو خدْمة الملوك. وقالَ أَبو عُبيدة: قال رجل من بَنِي الحِرْماز: المَقْتَوين: الذين يَعْمَلون مع النَّاس بطعام بطونهم. وقالَ الفَرَّاءُ في قول عَمْرو:
مَتَى كُنَّا لأُمِّكَ مَقْتَوِينا
واحدهم مَقْتَوِيّ، قال: وهوَ مَنْسوب إِلى مَقْتًى، ومَقْتًى مَفْعَل من القَتْو، والقَتْو: خِدْمة الملوك خاصة، فلما جمع اضطر إِلى تخفيف الياء؛ إذْ كانوا قد يخففونها في مثل نيَّة ونيَة، وطيَّة وطِيَة. وقالَ بعض النَّاس: معنى قول الله جلّ وعزّ: وقالوا لإخْوانِهِم إِذا ضَرَبوا في الأرض: إذْ ضربوا، وكذلك قالوا في بيت عَمْرو:
أَخَذْنَ على بُعُولَتِهِنَّ عَهْداً ... إِذا لاقَوْا فَوارِسَ مُعْلِمينا
معناه إذْ لاقوا.
стр. 122
وقالَ الفَرَّاءُ: إِذا على بابها. وقالوا بمَعْنَى يقولون، كَأَنَّهُ قال: لا تكونوا كالذين يكفرون ويقولون لإخوانهم إذْ ضربوا في الأرض. وقالَ الفَرَّاءُ: وأَما قول الشَّاعِر:
ما ذاقَ بُؤْسَ مَعيشَةٍ ونَعيمَها ... فيما مَضى أَحَدٌ إِذا لم يَعْشَقِ
فمعناه: ما ذاق بؤس معيشة فيما مضى، ولن يذوقه فيما يستقبل إِذا لم يعشق.
٦٨ - ومُقْوٍ حرف من الأَضداد. يقال: رَجُل مُقْوٍ، إِذا كانت ركابه قوية وحاله حسنة، ورَجُلٌ مُقْوٍ إِذا ذهب زادُه، وعَطِبَتْ ركابُه، من قولهم: قد أَقوَى المنزل إِذا خلا من أَهله، وبات فلان القَواء إِذا بات بالقَفار، قال النَّابِغَة:
يا دارَ مَيَّةَ بالعَلْياءِ فالسَّنَدِ ... أَقْوَتْ وطالَ عَلَيْها سالِفُ الأَبَدِ
وقال الآخر:
رَبْعٌ قَواءٌ أَذاع المُعْصِراتُ بِهِ ... وكُلُّ حَيْرانَ سارٍ ماؤُّهُ خَضِلُ
الرَّبْع: المنزل، والقواءُ: الَّذي لا أَنيس به. وقالَ الآخر:
стр. 123
خَليليَّ مِنْ عُلْيا هَوازِنَ سَلِّما ... على طَلَلٍ بالصَّفْحَتَيْنِ قَواءِ
وربما قُصِر القواء في الشعر، وأَنشد الفَرَّاءُ:
وإنِّي لأخْتارُ القَوَا طاويَ الحَشَا ... مُحاذَرَةً مِنْ أَنْ يُقالَ لَئيمُ
رواه الكِسَائِيّ والفراءُ برفع يقال. وقالَ الكِسَائِيّ: رفعه بالياء ولم يُعْمِل فيه أَن، وقالَ الفَرَّاءُ: شبه أَن بالذي، فوصلها بالمستقبل المرفوع، كما يصل الَّذي به. وأَنشد الفَرَّاءُ:
يا صاحِبَيَّ فَدَتْ نَفْسي نفوسَكُما ... وَحَيْثُما كنْتُما لاقَيْتُما رَشَدا
إنْ تحْمِلا حاجَة لي خَفَّ مَحْمِلُها ... تَسْتَوْجِبا نِعْمَة عِنْدي بها وَيَدا
أَنْ تَقْرَآنِ على أَسْماَء وَيْحَكُما ... مِنِّي السَّلامَ وألَاّ تُخْبِرا أَحَدا
فرفع تقرآن لما ذكرناه. ويقال: أَرض قيٌّ إِذا لم يكن بها نبات، ويقال: أَنْفض وأَرمل إِذا ذهب زادُه، أَنشدنا أَبو العباس، عن ابن الأَعْرَابِيّ لابن مَحْكان:
وَمُرْمِلُو الزَّادِ مَعْنِيٌّ بحاجَتِهِم ... مَنْ كان يَرْهَبُ ذَمَّا أَو يَقي حَسَبَا
٦٩ - وأَمَم حرف من الأَضداد. يقال: أَمْر أَمَم إِذا كان عظيماً، وأَمر أَمَم، إِذا كان صغيراً، قال الشَّاعِر:
стр. 124
يا لَهْفَ نَفْسي على الشَّبابِ ولَمْ ... أَفْقِدْ بِهِ إذْ فَقَدْتُهُ أَمَمَا
أَرادَ: ولم أَفقد به شيئاً صغيراً، وقال الآخر:
أَتاني عَنْ بَني الأَحْرا ... رِ قَوْلٌ لم يَكُنْ أَمَمَا
أَرادُوا نَحْتَ أَثْلَتِنا ... وَكُنَّا نمْنَعُ الخُطُما
وقالَ الأَعشى:
لئِنْ قَتَلْتَ عَميداً لم يكن أَمَماً ... لَنَقْتُلَنْ مثلَهُ منكمْ فَنَمْتَثِلُ
أَرادَ لم يكن حقيراً، ورواه ابن السِّكِّيتِ:
لئنْ قَتَلْتُم عَميداً لم يكن صَدَداً
أَي لم يكن مقارباً. ويقال: الأَمَم القصد والقُرْب، قال الشَّاعِر:
يا لَيْتَ شِعْري عَنْكَ والأَمْرُ أَمَمْ
أَي قصدٌ. وقالَ أُمية بن أَبي الصَّلْت:
قَوْمي إيادٌ لَوْ أَنَّهُمْ أَمَمُ ... ولَوْ أَقاموا فَتُهْزَلُ النَّعَمُ
قَومٌ لهُمْ ساحَةُ العِراقِ إِذا ... ساروا جَميعاً والقِطُّ والقَلَمُ
وَيْلُ أمِّ قومي قوماً إِذا قَحَط ال ... قَطْرُ وآضَتْ كأَنَّها أَدَمُ
стр. 125
وشُوِّذَتْ شمْسُهُمْ إِذا طَلَعَتْ ... بالجِلْبِ هِفًّا كَأَنَّهُ الكَتَمُ
معناه: قومي إياد لو أَنهم قريب لَطلبتُهم، وأَحببتُ نزولَهم معي، ولو هُزلت النَّعم. والقِطّ: الصَّكّ. وقوله: وآضت كأنها أَدم معناه: وعادت كأَنها أَدَم في حُمْرَتها، لأنهم كانوا يقولون إِذا اشتدّ الجدب: احمرّ أُفُق السَّماء. وشُوِّذَت: معناه عُمِّمَتْ. والجِلْب: طرّة من الغيم. والهِفُّ، الَّذي لا ماءَ فيه، يقال: جئتني بشُهْد هفّ؛ إِذا لم يكن فيه عسل، والكَتَم: صبغ أَحمر.
٧٠ - وخائف حرف من الأَضداد؛ يقال: رجلٌ خائف، إِذا كان يخاف غيرَه، وسَبيل خائف إِذا كان مَخوفاً؛ قال عبيد بن الأَبرص:
بَلْ إنْ أَكُنْ قدْ عَلتْني ذُرْأَةٌ ... والشَّيْبُ شَيْنٌ لمن يَشيبُ
فرُبَّ ماءٍ وردتُ آجنٍ ... سَبيلُه خائِفٌ جَديبُ
أَرادَ سبيله مخوف. والآجن المتغيّر. والذُّرأَة: الشيب في مقدّم الرأْس.
٧١ - والعائذ حرف من الأَضداد، يكون الفاعل ويكون المفعول، يقال: رجل عائذ بفلان، بمَعْنَى فاعل، ويقال:
стр. 126
ناقة عائذ، أَي حديثة النّتاج، وهي مفعولة، لأَنَّ ولدها
يعوذ بها، وجمعها عوذ؛ قال أَبو ذُؤَيْبٍ:
وإنَّ حَديثاً مِنْكِ لوْ تَبْذُلينَهُ ... جَنَى النَّحْلِ في أَلْبانِ عُوذٍ مَطافلِ
مَطافيلَ أَبكارٍ حديثٍ نِتاجُها ... تُشابُ بماءٍ مِثْلِ ماءِ المفاصِلِ
قال الأَصمعيّ: المفاصل منقَطع الجَبَلِ من الرَّمْلة، وفيه رَضْراض وحصى صغار؛ فالماءُ يرقّ عليه ويصفو. وقالَ أَبو عُبيدة: المفاصل: مسايل الوادي. وقالَ أَبو عَمْرو: المفاصل: مفاصل العظام. وقالَ الآخر:
لا أُمْتِعُ العُوذَ بالفِصالِ ولا ... أَبْتاعُ إِلَاّ قَريةَ الأَجَلِ
٧٢ - ويقال: أَمر عارف ، أَي معروف، ورَجُلٌ عارف؛ إِذا كان فاعلاً، ويقال: ما هو بحازم الرأْي، أَي بمحزوم الرأْي. ويقال: طلَّقَها تطليقة بائنة، أَي مُبانة. ويقال: ما عنده بائتة ليلة، أَي مَبيت ليلة. ويقال: اللهم لا تجعل النار صائري، أَي مصيري. ويقال: رجل طاعم كاس، إِذا كان فاعلاً؛ وإذا كان مُطْعَماً مكسوًّا؛ قال الشَّاعِر:
دَعِ المكارِم لا تَرْحَلْ لِبغْيَتِها ... واقْعُدْ فإِنَّكَ أَنتَ الطَّاعِمُ الكاسي
أَرادَ المطعَم المكسوّ.
стр. 127
٧٣ - ويقال: رجل نائم ، وليل نائم، إِذا كان مَنوماً فيه، قال جرير:
لَقَدْ لُمْتِنا يا أُمَّ غَيْلانَ في السُّرَى ... ونِمْتِ وما لَيلُ المطيِّ بنائمِ
وقال الآخر:
حارِثُ قَدْ فَرَّجْتَ عَنِّي غَمِّي ... فَنامَ لَيْلي وتَجَلَّى هَمِّي
وأنشدنا أَبو العباس:
أُبْلِغْ أَبا مالك عَنِّي مُغَلْغَلَةً ... أَنَّ السِّنانَ إِذا ما أُكْرِهَ اعتاما
إنَّ الذين قتلتمْ أَمسِ سَيِّدَهُمُ ... لا تَحْسِبوا لَيْلَهم عَنْ لَيْلكُمْ ناما
مَنْ يُولِهِمْ صالحاً يُمْسِكْ بجانِبِهِ ... ومَنْ يَضِمْهُم فإيَّانا إِذاً ضاما
أَدُّوا الَّتي نَقَصَتْ سَبْعين من مائة ... ثمَّ ابْعَثوا حَكَماً بالعَدْلِ حَكَّاما
٧٤ - ويقال: رجل عازم ، وأَمر عازم، أَي معزوم عليه، قال: فإذا عَزَمَ الأَمْرُ. ويقال: ليل أَعمى إِذا كان يُعْمِي الناس، ونهار أَعمى، إِذا لم يبصر النَّاس فيه، قال الشَّاعِر:
نَهارُهُمُ ظَمْآنُ أَعْمى ولَيْلُهُمُ ... وإن كان بَدْراً ظُلمةُ ابن جَميرِ
ابن جَمير: آخر ليلة من الشهر، ويقال: ليل بصير؛ إِذا كان مضيئاً يبصر النَّاس فيه، قال الشَّاعِر:
стр. 128
بأَعْوَرَ مِنْ نَبْهانَ أَمَّا نَهارُهُ ... فَأَعْمَى وَأَمَّا ليّلُهُ فَبَصيرُ
وأنشدنا أَبو العباس:
أَمَّا النَّهارَ فَفي قَيْدٍ وسِلْسلَةٍ ... واللَّيْلَ في قَعْرِ مَنْحوتٍ من السَّاجِ
فوصف الليل والنهار بصفة الرَّجُل الَّذي يفعل به هذا في الليل والنهار. والراحلة: الفاعلة، والراحلة المرحولة. والحالقة: الفاعلة، والحالقة المحلوقة، قالت خِرْنق:
نُفَلِّقُ حَوْلَ هادي الوَرْدِ مِنْهُمْ ... رءوساً بين حالِقةٍ وَوَفْرِ
أَرادت بين محلوقة. وقالت نائحة هَمَّام بن مُرّة:
لقَدْ عَيَّلَ الأَيتامَ طَعْنَةُ ناشرَهْ ... أَناشِرَ لا زالت يمينُك آشِرَه
آشرة، معناه مقطوعة، أَي مأْشورة، من قولهم: أَشَرْت الخشبة، إِذا قطعتَها. ويقال أَيْضاً: وَشَرْتُها ونشرْتُها، ويقال: هو المئشار، والميشار والمنْشار.
٧٥ - والعاصم من الأَضداد؛ يقال: الله عاصمٌ لمن أَطاعه، ويقال: رجلٌ عاصم، أَي معصوم، إِذا فهم المعنى؛ قال الله : لا عاصمَ اليَوْمَ من أَمْر الله إِلَاّ مَنْ رَحمَ، فمعناه لا معصوم اليوم من أَمر الله إِلَاّ
стр. 129
المرحوم، ويجوز أَن يكون عاصم بمَعْنَى فاعل، وتكون مَنْ في موضع نصب أَو رفع على الاستثناء المنقطع.
٧٦ - الغابر حرف من الأَضداد. يقال: غابر للماضي، وغابر للباقي، قال الله : إِلَاّ عَجوزاً في الغابرينَ معناه في الباقين. وقالَ العجّاج:
فما وَنى مُحمدٌ مُذْ أَنْ غَفَرْ ... له الإلَهُ ما مضى وما غَبَرْ
وأَنشد الفَرَّاءُ:
مَخافَةَ ألَاّ يجمعَ اللهُ بيننا ... ولا بَيْنَها أُخْرى اللَّيالي الغَوابرِ
وقال الآخر:
تَعَزَّ بِصَبْرٍ وَجَدِّكَ لَنْ تَرى ... سَنامَ الحِمى أُخْرى اللَّيالي الغَوابِرِ
كأَنَّ فُؤادي مِنْ تَذَكُّرِهِ الحِمى ... وأَهْلَ الحِمى يَهْفو بهِ ريشُ طائر
وقال الآخر:
أَعابِرانِ نحنُ في العُبَّارِ ... أَم غابِرانِ نحن في الغُبَّارِ
وقالَ الأَعشى:
عَضَّ بما أَبْقَى المَواسي له ... مِنْ أُمِّهِ في الزَّمَنِ الغابرِ
معناه في الزمن الماضي.
стр. 130
٧٧ - والأَوْن حَرف من الأَضداد؛ يقال: الأَون للرفق والدَّعة، والأَوْن للتعب والمؤونة، قال الشَّاعِر في معنى الرفق والدَّعَة:
كَرُّ اللَّيالي واخْتِلافُ الجَوْنِ ... وسَفَرٌ كان قليلَ الأَوْنِ
معناه: قليل الرفق والدّعة، والمؤونة، أُخذت من الأَوْن؛ وهو التَّعَب والنَّصَب؛ والأَصل فيه مَأْوُنة مَفْعُلة من الأَوْن، فنقلت ضمةُ الواو إِلى الهمزة. ويجوز أَن تكون مَفْعُلة من الأَوْن وهو الرّفق والدَّعة؛ فإذا قالوا: هو عظيم المؤونة، فمعناه عظيم التَّسْكين والرفق، ويجوز أَن تكون المؤونة مَفْعُلة من الأَيْن، والأَيْن التعَب، قال الشَّاعِر:
لا يَغْمِزُ السَّاقَ مِنْ أَيْنٍ ولا نَصَبٍ ... ولا يَعَضُّ على شُرسوفهِ الصَّفَرُ
وأَصلها على هذا القول مأْيُنة، فحوّلوا ضمة الياء إِلى الهمزة، وجعلوا الياء واواً لانضمام ما قبلها، كما قال الآخر:
وَكُنْتُ إِذا جاري دعَا لِمضُوفَةٍ ... أُشَمِّرُ حتَّى يَنْصُفَ السَّاقَ مِئزَري
стр. 131
فمضوفة مفعلة من الضيافة، وأَصلها مَضْيُفة ففعل بها ما فعل بمؤونة، وتكون المؤونة فَعُولة؛ من مُنْت الرَّجُل، فتهمز الواو لانضمامها، كما قال امرؤ القَيْس:
ويُضْحِي فتيتُ المِسْك فَوْقَ فراشِها ... نَؤومُ الضُّحَى لم تَنْتَطِقْ عَنْ تَفَضُّلِ
فنؤوم فَعُول من النوم، همز الواو لانضمامها.
٧٨ - وضِعْف حرف من الأَضداد عند بعض أَهل اللغة، يكون ضعْفُ الشَّيْء مثلُه، ويكون مثليْه، قال الله : يُضاعَفُ لَها العَذابُ ضِعْفَيْن؛ قال أَبو العباس، عن الأَثْرم، عن أَبي عُبيدة: معناه يُجْعَل العذاب ثلاثة أَعذبة، قال: وضعْف الشَّيْء: مِثْله، وضعفاه: مثْلاه.
وقالَ أَبو عبد الله هشام بن معاوية: إِذا قال الرَّجل: إن أَعطيتَني درهماً فلك ضعفاه؛ معناه فلك مثْلاه؛ قال: والعرب لا تفرد واحدهما، إنَّما تتكلم بهما بالتثنية. وقالَ غير هشام وأبي عُبيدة: يقع الضِّعْف على المثلين. قال أَبو بكر: وفي كلام الفَرَّاءُ دلالة على هذا.
٧٩ - ومثْل حرف من الأَضداد، يقال: مثْل للمُشْبِه
стр. 132
للشَّيء والمعادِل له، ويقال: مثل للضِّعف، فيكون واقعاً على المثْلين؛ زعم الفَرَّاءُ أَنه يقال: رَأَيتُكُمْ مثلَكم، يراد به رأَيتُكم ضعْفكم، ورأَيتُكُم مثْلَيْكُم، يراد به رأَيتُكم ضعْفَيكم؛ من هذا قول الله : يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْن، معناه يَرَى المسلمون المشركين ضعْفَيْهم، أَي ثلاثة أَمثالهم؛ لأَنَّ المسلمين كانوا يَوْم بدر ثلثمائة وأَربعة عشر رجلاً، وكانَ المشركون تسعمائة وخمسين رجلاً، فكان المسلمونَ يَرَوْن المشركين على عَدَدهم ثلاثة أَمثالهم.
فإِن قال قائل: كيف كان هذا في هذه الآية تكثيراً وفي سورة الأَنفال تقليلاً حين يقول جلّ وعزّ: وإذْ يُريكُموهُمْ إذْ التقَيْتُمْ في أَعْيُنكُمْ قليلاً ويُقَلِّلُكُم في أَعْيُنهمْ. قيل
له: هذه آية للمسلمين أَخبرهم بها، وتلك آية للمشركين؛ مع أَنك قائل في الكلام: إنِّي لأرَى كثيرَكم قليلاً، أَي قَدْ هُوِّن عَلَيَّ، فأَنا أَرى الثلاثة اثنين.
قال أَبو بكر: هذا قول الفَرَّاءُ؛ وقد طَعَن عليه فيه
стр. 133
بعضُ البصريّين، فقال: محال أَن يكونَ المسلمون رَأَوا المشركين يوم بدر على كمال عَددهم تسعمائة وخمسين، لأَنَّه لو كان الأَمر كذا بطلت الآيةُ؛ ولم يكن في هذا أُعجوبة ينبِّه الله عليها خَلْقه، وإنّما معنى الآية: يرى المسلمون المشركين مِثْلَيْهم ستمائة ونيّفا وعشرين، لتصحّ الأُعجوبة، بأَن يروْهم أَقلَّ من عددهم.
قال أَبو بكر: لا حجّة على الفَرَّاءُ في هذا؛ لأَنَّ الأُعجوبةَ لم تكن في العدد، وإنما كانت في الجَزَع الَّذي أَوقعه الله جلّ وعزّ في قلوب المشركين، على كثرة عددهم، وقلة عدد المسلمين، وللشجاعة الَّتي أَوقعها الله في قلوب المسلمين، فهانَ المشركون عليهم وهم يتبيَّنون كثرةَ عددهم، وصار احتقارُ المسلمين إياهم على كمال العدد أَعجبَ من احتقارهم إياهم على نُقصان العدد. وقد أَجاز الفَرَّاءُ القول الآخر، واختار الأَوّل، وقالَ: الدليل على أنَّ المِثْل يقع على المثليْن، أن الرَّجُل يقول وعنده عبد: أَحتاج إِلى مثلَيْ عبدي، فمعناه أَحتاج إِلى ثلاثة؛ لأَنَّه غير مستغن عن عبده، ويَقُولُ: أَحتاج إِلى مثل هذا الأَلف، يريد: أَحتاج إِلى أَلفين. ومن قرأَ: تَرَوْنَهُمْ مثْلَيْهمْ جعل الفعل لليهود، أَي
стр. 134
يا معاشر اليهود، ترون المشركين مثلَي المسلمين.
وقالَ أَبو عَمْرو بن العلاء: من قرأَ: تَرَوْنَهُمْ بالتاء لزمه، أَن يقول: مِثْلَيْكُمْ، فرُدّ هذا القول على أَبي عمرو، وقيل المخاطبون اليهود، والهاءُ والميم المتصلتان بمثل للمسلمين.
وقالَ الفَرَّاءُ: يجوز أَن يكون يَرَوْنَهُمْ بالياء لليهود، وإن كان قد تقدم خطابُهم في قوله : قدْ كان لَكُمْ آيةٌ، لأَنَّ العرب ترجع من الخطاب إِلى الغيبة، ومن
الغيبة إِلى الخطاب، كقوله : حتَّى إِذا كُنْتُمْ في الفُلْك وجَرَيْنَ بهمْ، أَراد بكم. وقالَ في موضع آخر: وسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهوراً. إنَّ هذا كان لَكُمْ جَزاءً، معناه كان لهم جزاءً، فرجع من الغيبة إِلى الخطاب، وقالَ الأَعشى:
عنده البِرُّ والتُّقَى وأَسى الصَّدْ ... عِ وحَمْلٌ لِمُضْلِعِ الأَثْقالِ
وَوَفاءٌ إِذا أَجرْتَ فما غُرّ ... تْ حِبالٌ وصلتَها بحبالِ
أَرْيَحِيٌّ صَلْتٌ يَظلُّ لهُ القوْ ... مُ رُكوداً قيامَهُمْ للهلالِ
стр. 135
فقال: عنده البرّ، ثمَّ قال: ووفاءٌ إِذا أَجرتَ فخاطب. وقالَ معن بن أَوس:
فكمْ من ثَناءٍ صالحٍ كُنْتَ أَهْلهُ ... مُدِحْتَ بهِ تَجْزي يَداكَ وتقْبَلُ
فأَنْتَ المصفَّى من قريش دِعامة ... لمن نابه حِرْزٌ نجاةٌ ومَعْقِلُ
أَرادَ: لمن نابك. وقال الآخر:
يا لَهفَ نفسي كان جِدَّةُ خالدٍ ... وبياض وجهكَ للترابِ الأَعْفَرِ
أَرادَ: وبياض وجهه. وقالَ عنترة:
شَطَّتْ مَزارُ العاشِقينَ فأَصْبَحَتْ ... عَسِراً عليَّ طلابُكِ ابنَةَ مَخْرَمِ
أَرادَ طلابها. وقالَ لَبيد:
باتت تَشكَّى إليّ النفسُ مُجْهشَةً ... وقَدْ حَمَلْتُكِ سَبْعاً بَعْدَ سَبْعينا
إنْ تُحْدِثي أَمَلاً يا نفس كارهة ... ففي الثَّلاث وفاءٌ للثَّمانينا
أَرادَ: وقد حملتها. وقال الآخر:
لا زال مِسْكٌ ورَيحانٌ له أَرَجٌ ... على صَداكَ بصافي اللَّونِ سَلْسالِ
يَسْقي صَداهُ ومُمْساهُ ومُصْبَحُهُ ... رِفْهاً وَرَمْسُكَ مَحْفوفٌ بأَظْلالِ
أَرادَ: يسقي صداك. وقالَ كُثَيِّر:
أَسيئي بنا أَوْ أَحسني لا مَلومَةً ... لدَيْنا ولا مَقْليَّةً إنْ تَقَلَّتِ
стр. 136
أَراد: إن تقلّيت. وقالَ أَبو عبيد: معنى قوله ﵎: يَرَوْنَهُم مثْلَيْهمْ يرى
المشركون المسلمين مثليْهم. ويروى عن ابن عباس يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ، أَي يُري الله المشركين المسلمين مثليْهم. ويروى عن أَبي عبد الرحمن تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِم على مثل معنى قراءة ابن عباس. والدليل على أَن الضِّعْف يكون بمَعْنَى المثلين قول الشاعر، يعني عبد الله بن عامر:
وأَضْعَفَ عبد الله إذْ غابَ حَظهُ ... على حَظِّ لَهْفانٍ من الحِرْصِ فاغِرِ
أَرادَ أَعطاه مثْليْ جائزة اللهفان.
٨٠ - وسَمِع حرف من الحروف الَّتي تشبه الأَضداد؛ يكون بمَعْنَى وَقَع الكلام في أُذنه أَو قلبه، ويكون سمع بمَعْنَى أَجاب، من ذلك قولهم: سَمِع الله لمن حمده، معناه: أَجاب الله مَنْ حَمِده، ومن هذا قوله : أُجيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ، قال بعض أَهل العلم: معناه: أَسمع دعاءَ الداعي إِذا دعان.
وقالوا: يكون سمِع بمَعْنَى أَجاب، وأَجاب بمَعْنَى سمِع، كقولك للرجل: دعوتُ من لا يجيب؛ أَي
стр. 137
دعوتَ من لا يسمع. وأَنشدنا أَبو العباس:
دعوتُ اللهَ حتَّى خِفتُ ألَاّ ... يكون الله يَسْمَعُ ما أَقولُ
أَرادَ: يجيب ما أَقول. وقالَ جماعة من المفسرين: معنى الآية: أُجيبُ دعوةَ الداع إِذا دعان فيما الخيرة للداعي فيه؛ لأَنَّه يقصد بالدعاء قَصْدَ صلاح شأْنه؛ فإذا سئل ما لا صلاح له فيه كان صَرْفه عنه إجابةً له في الحقيقة.
٨١ - وخفت حرف من الأَضداد، يكون بمَعْنَى الشكّ، ويكون بمَعْنَى اليقين؛ فأَما كونُه على الشكّ فكثير واضح لا يحتاج إِلى شاهد، وأَما كونه على اليقين فشاهده قولُ الله : وإن امرَأَةً خافَتْ من بَعْلها نُشوزاً أَوْ إعْراضاً، قال أَبو عُبيدة وقطرب: معناه عَلِمَتْ.
وقالَ في قوله : إِلَاّ أَنْ يَخافا ألَاّ يُقيما حُدودَ الله، معناه إِلَاّ أَن يعلما. وقالَ الشَّاعِر:
стр. 138
يا فَقْعسيُّ لِمْ أَكلتَهُ لِمَهْ ... لو خافك الله عليْه حَرَّمهْ
معناه: لو علم الله ذاك منك. وقوم من العرب يجعلون الخوف في معنى الرجاء فيقولون: أَتَيْت فلاناً فما خفت أَن أَلقاه فلقيته. يريدون فما رجوت، يذهبون بالخوف مذهب الرجاء؛ كما ذهبوا بالرجاء مذهب الخوف في مثل قول الشَّاعِر:
تَعَسَّفْتُها وَحْدي فَلمْ أَرْجُ هَوْلَها ... بحرفٍ كقَوْس القانِ باقٍ هبابُها
معناه: ولم أَخف هولها. وقال الآخر:
وأَعْتَقْنا أُسارَى من نُميْرٍ ... لخوف الله أَوْ نَرْجو العِقابا
٨٢ - وقالَ بعض النَّاس: الحميم من الأَضداد. يقال: الحميم للحارّ، والحميم للبارد، ولم يذكر لذلك شاهداً، والأَشهر في الحميم الحارّ، قال الله : حَميماً وغَسَّاقاً، فالحميم الحارّ، والغَسَّاق البارد، يُحْرِقُ كما يُحْرِقُ الحارّ. ويقال: الغَسَّاق: البارد المنتن بلسان الترك، ويقال: الغَسَّاق البارد الَّذي لا يقدرون على شربه من بَرْده، كما لا يقدرون على شرب الحَميم من حرارته.
стр. 139
ويقال: الغَسّاق: ما يغْسِق من صديد أَهل النار، أَي ما يسيل، قال عمران بن حِطّان:
إِذا ما تذَكّرْتُ الحياةَ وطيبَها ... إليَّ جَرى دمعٌ من العين غاسِقُ
أَي سائل. وقالَ عُمارة بن عقيل:
تَرَى الضَّيْفَ بالصَّلْعاءِ تَغْسِقُ عَيْنُهُ ... من الجوعِ حتَّى تحسِبَ الضَّيْفَ أَرمَدا
وقال الآخر في الحميم:
فَحُشَّتْ بها النَّارُ نارُ الحميمِ ... وصُبَّ الحميمُ على هامِها
والحميم: القريب في النَّسب، قال الله : ولا يَسْأَلُ حَميمٌ حَميماً، وقالَ الشَّاعِر:
لَعَمْرُكَ ما سَمَّيْتُهُ بمناصِحٍ ... شفيقٍ ولا أَسمَيْتُهُ بحميمِ
٨٣ - وقالَ بعض أَهل اللُّغة. أَوزعتُ حرف من الأَضداد؛ يقال: أَوزعت الرَّجُلَ، إِذا
أَغريتَه بالشيء وأَمرتَه به، وأَوزعتُه، إِذا نهيتَه وحبستَه عنه، قال الله : فَهُمْ يوزَعونَ، أَي يُحْبَسُ أَولُهم على آخرهم. قال أَبو بكر: والصحيح عندنا أَن يكون أَوزعتُ بمَعْنَى أَمرتُ وأَغريت، ووَزَعْت بمَعْنَى حَبَست، الدليل على هذا
стр. 140
قوله : رَبِّ أَوْزِعْني، معناه أَلهمني. وقالَ طَرَفة:
نَزَعُ الجاهِلَ في مَجْلِسِنا ... فَتَرَيَ المجْلِسَ فينا كالحَرَمْ
وقال الآخر:
أَمَّا النَّهارَ فَلا أُفَتِّرُ ذِكْرَها ... واللَّيلَ يوزِعني بها أَحْلامُ
وقالَ النَّابِغَة الذُّبْيَانِيّ:
على حينَ عاتَبْتُ المشيب على الصِّبا ... وقُلْتُ أَلَمَّا تَصْحُ والشيْبُ وازعُ
وقال الآخر:
كفَى غِيَرُ الأَيَّامِ لِلْمَرْءِ وازعاً ... إِذا لم يَقِرْ رِيًّا فيصْحوَ طائعا
وقالَ الحسن لما وَليَ القضاءَ، وكثُر النَّاس عليه: لا بدّ للناس من وَزَعة، أَي من شُرَطٍ يكفُّونَهم عن القاضي. وقالَ الجعديّ:
وَمَسْروحَةٍ مثلِ الجراد وَزْعتُها ... وكلَّفْتُها ذِئباً أَزَلَّ مُصَدَّرا
معناه كففتها. والاختيار أَن يكون الوزْع الحبْس. وقالَ أَصحاب القول الآخر: معناه أَغريتها بالشيء الَّذي كلّفتها إياه.
стр. 141
٨٤ - وبرِح حرف من الأَضداد؛ يقال: بَرِح الخفاءُ، إِذا ظهر. قال أَبو العباس: أَصل بَرِح صار في بَرَاح من الأَرض، وهو البارز المنكشف، والخفاءُ المستور المكتوم؛ فإذا قال القائل: بَرح الخفاءُ؛ فمعناه ظهر المكتوم؛ قال زُهير:
أَبي الشُّهداءُ عِنْدَكَ من مَعَدٍّ ... فليس بما تَدِبُّ به خَفَاءُ
وقالَ قُطرب: يقال: بَرِح الخفاءُ، يراد به استتر وخَفِيَ؛ فهذا مضادّ الأَول، ويقال: ما بَرِحَ الرَّجُل، يراد به ما زال من الموضع، ويقال: ما برح فلان جالساً؛ يراد
به ما زال جالساً؛ قال الله : لا أَبْرَحُ حتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، فمعناه لا أَزال، وقالَ الشَّاعِر:
إِذا أَنْت لم تَبْرَحْ تُؤَدِّي أَمانَةً ... وتحملُ أَخرى أَفْدَحتْكَ الودائع
معناه: إِذا أَنت لم تزل. وأَفدحتك، معناه أَثقلتك، وقال الآخر:
стр. 142
وأَبرحُ ما أَدامَ الله قَومي ... بحمْدِ الله منتطِقاً مُجيدا
معناه: ولا أَبرح، أَي ولا أَزال، فأَضمر لا كما قال الآخر:
فأَقْسمْتُ آسَى على هالِكٍ ... أَو أسأَلُ نائحةً ما لَها
معناه: لا آسى على هالك. وقالَ امرؤ القَيْس:
فَقُلْتُ يمينَ الله أَبْرَحُ قاعِداً ... وَلَوْ قَطَعوا رأْسي لَدَيْكَ وأَوْصالي
معناه لا أَزال.
٨٥ - والرّبيبة حرف من الأَضداد؛ قال قُطرب: يقال ربيبة للتي تُرَبِّب، وربيبة للتي تربَّب؛ قال الله : وَرَبائِبُكُمْ الَّلاتي في حُجورِكُمْ، فالربائب اللاتي يربَّبْن، وإذا كانت الربيبة الَّتي تُربَّب فالواجب فيها أَن يقال: امرأَة رَبيب، وجارية ربيب، بغير هاء؛ كما يقال: امرأَة قتيل، وكف خَضيب؛ إِلَاّ أَنهم زادوا الهاءَ لمَّا جعلوها اسماً مفرداً؛ كما قالوا: هي قتيلة بَنِي فلان. والرّبيبة: ابنة امرأَة الرَّجُل من غيره، والرَّبيب: ابن امرأَته من غيره، قال الشَّاعِر:
стр. 143
فإِنَّ لَها جارَيْن لَنْ يَغْدِرا بها ... ربيبُ النَّبِيِّ وابنُ خيرِ الخلائفِ
أَراد بربيب النَّبِيّ عمر بن أَبي سَلَمة، أُمّه أُم سلَمة زوج النَّبِيّ ﷺ . وابن خير الخلائف: عاصم ابن عمر بن الخطاب. ويقال لزوج أُم الرّبيب: الرّاب؛ كان مجاهد يكره أَن يتزوّج الرَّجُل امرأَة رابِّه. ويقال: قد رَبَّى فلان فلاناً وربَّبه وربَّه وربّتَه وتربَّبه بمعنًى، قال علقمة بن عَبَدَة:
وأَنت امرؤٌ أَفْضَتْ إليكَ أَمانَتي ... وقَبْلَكَ رَبَّتْني فَضِعْتُ رُبُوب
وقال الآخر:
تربَّبها التَّرْعيب والمحضُ خِلْفَة ... ومسكٌ وكافورٌ ولُبْنى تأكَّلُ
الترعيب: السنام. وقالَ ابن أَحمر:
مِمَّنْ تربَّبهُ النعيمُ ولم يخَفْ ... عُقبَ الكتاب ولا بنات المُسْنَدِ
المسنَد: الدهر، يريد من الأَحداث، من النساء الكاملات السرور، اللاتي لا يفكّرن في حوادث الدهور فيغيرهنّ ذلك. وقالَ الآخر:
ألَا لَيْتَ شِعْري هلْ أَبيتنَّ ليْلَة ... بحَرَّةِ ليلَى حيث ربَّتَني أَهْلي
стр. 144
أَراد ربّاني:
٨٦ - ويقال: نؤت بالحمل إِذا نهضت به، وناءَ بي الحمل أَيْضاً، نهضتُ به، قال الشَّاعِر:
وقامَتْ تُرائيكَ مُغْدَوْدِناً ... إِذا ما تَنوءُ به آدَها
المغدوْدِن: الشِّعْر الكثير. وتنوء به: تنهض به. وآدَها: أَثقلها، وقالَ الله : ما إنَّ مَفاتحَهُ لَتَنوءُ بالعُصْبَةِ، فمعناه: ما إنَّ العصبة لتنوءُ بمفاتحه، فخرج مقلوباً عند وضوح المعنى؛ هذا قول أَبي عُبيدة وقُطْرب.
وقالَ الفَرَّاءُ: معناه: ما إنَّ مفاتحه لَتُنِيءُ العصبةَ، أَي تثقلُهم وتُميلهم، فلما انضمت التاءُ سقطت الباءُ، كما يقولون: هو يذهب ببصر فلان، وهو يُذهب بصَرَ فلان. وقالَ الفَرَّاءُ: أَنشدني بعضُ العرب:
حتَّى إِذا ما التأَمَتْ مواصلُهْ ... وناَء في شِقِّ الشَّمالِ كاهلُهْ
يعني الرامي لما أَخذ القوسَ ونَزَع، مال عليها. ومن هذا قولهم: فعلتُ على ما ساءك وناءك، معناه: وأَثقلك وأَمالك؛ ويجوز أَن يكونَ أَصله على ما ساءك وأَناءك؛ فسقطت
стр. 145
الأَلف من الثانية لتزدوج اللفظتان، فتكونَ الثانية على مثال الأُولى؛ كما قالوا: إِنَّهُ ليأْتينا بالغَدايا والعَشايا، فجمعوا الغَداة غدايا لتزدوج مع
العشايا. وأَنشدنا أَبو العباس، عن سلَمة، عن الفَرَّاءُ:
هَتَّاكُ أَخْبيةٍ ولَاّجُ أَبْوِبَةٍ ... يَخْلِطُ بالجدِّ منه البِرَّ واللِّينا
جمع الباب على أَبوبة، ليشاكل جمعَ الأَخبية، والذين حملوا الآية على معنى القلب احتجُّوا بقول الشَّاعِر:
إنَّ سِراجاً لكريمٌ مَفْخَرُهْ ... تَحْلَى بهِ العينُ إِذا ما تَجْهَرُهْ
معناه يَحْلَى بالعين. وكانَ المفضّل الضبيّ ينشد بيت امرئ القَيْس:
نمسُّ بأَعْرافِ الجِيادِ أَكفَّنا ... إِذا نحن قُمْنا عن شِواءٍ مُضَهَّبِ
بالضاد، معناه: نمسّ أَعرافَ الجياد بأَكفنا. ورواه غير المفضل: نمشّ بأَعراف الجياد، أَي نمسح أَكفَّنا بأَعرافها؛ يقال: مَشَشْتُ يدي أَمُشّها مشًّا، إِذا مسحتَها بشيء خشِن. وقالَ بعضهم: يقال للمنديل المَشُوس. والمضَهَّب: الشواءُ الَّذي لم ينْضَج.
следующие страницы →