Полный текст (428 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
٨٤ - وبرِح حرف من الأَضداد؛ يقال: بَرِح الخفاءُ، إِذا ظهر. قال أَبو العباس: أَصل بَرِح صار في بَرَاح من الأَرض، وهو البارز المنكشف، والخفاءُ المستور المكتوم؛ فإذا قال القائل: بَرح الخفاءُ؛ فمعناه ظهر المكتوم؛ قال زُهير:
أَبي الشُّهداءُ عِنْدَكَ من مَعَدٍّ ... فليس بما تَدِبُّ به خَفَاءُ
وقالَ قُطرب: يقال: بَرِح الخفاءُ، يراد به استتر وخَفِيَ؛ فهذا مضادّ الأَول، ويقال: ما بَرِحَ الرَّجُل، يراد به ما زال من الموضع، ويقال: ما برح فلان جالساً؛ يراد
به ما زال جالساً؛ قال الله : لا أَبْرَحُ حتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، فمعناه لا أَزال، وقالَ الشَّاعِر:
إِذا أَنْت لم تَبْرَحْ تُؤَدِّي أَمانَةً ... وتحملُ أَخرى أَفْدَحتْكَ الودائع
معناه: إِذا أَنت لم تزل. وأَفدحتك، معناه أَثقلتك، وقال الآخر:
стр. 142
وأَبرحُ ما أَدامَ الله قَومي ... بحمْدِ الله منتطِقاً مُجيدا
معناه: ولا أَبرح، أَي ولا أَزال، فأَضمر لا كما قال الآخر:
فأَقْسمْتُ آسَى على هالِكٍ ... أَو أسأَلُ نائحةً ما لَها
معناه: لا آسى على هالك. وقالَ امرؤ القَيْس:
فَقُلْتُ يمينَ الله أَبْرَحُ قاعِداً ... وَلَوْ قَطَعوا رأْسي لَدَيْكَ وأَوْصالي
معناه لا أَزال.
٨٥ - والرّبيبة حرف من الأَضداد؛ قال قُطرب: يقال ربيبة للتي تُرَبِّب، وربيبة للتي تربَّب؛ قال الله : وَرَبائِبُكُمْ الَّلاتي في حُجورِكُمْ، فالربائب اللاتي يربَّبْن، وإذا كانت الربيبة الَّتي تُربَّب فالواجب فيها أَن يقال: امرأَة رَبيب، وجارية ربيب، بغير هاء؛ كما يقال: امرأَة قتيل، وكف خَضيب؛ إِلَاّ أَنهم زادوا الهاءَ لمَّا جعلوها اسماً مفرداً؛ كما قالوا: هي قتيلة بَنِي فلان. والرّبيبة: ابنة امرأَة الرَّجُل من غيره، والرَّبيب: ابن امرأَته من غيره، قال الشَّاعِر:
стр. 143
فإِنَّ لَها جارَيْن لَنْ يَغْدِرا بها ... ربيبُ النَّبِيِّ وابنُ خيرِ الخلائفِ
أَراد بربيب النَّبِيّ عمر بن أَبي سَلَمة، أُمّه أُم سلَمة زوج النَّبِيّ ﷺ . وابن خير الخلائف: عاصم ابن عمر بن الخطاب. ويقال لزوج أُم الرّبيب: الرّاب؛ كان مجاهد يكره أَن يتزوّج الرَّجُل امرأَة رابِّه. ويقال: قد رَبَّى فلان فلاناً وربَّبه وربَّه وربّتَه وتربَّبه بمعنًى، قال علقمة بن عَبَدَة:
وأَنت امرؤٌ أَفْضَتْ إليكَ أَمانَتي ... وقَبْلَكَ رَبَّتْني فَضِعْتُ رُبُوب
وقال الآخر:
تربَّبها التَّرْعيب والمحضُ خِلْفَة ... ومسكٌ وكافورٌ ولُبْنى تأكَّلُ
الترعيب: السنام. وقالَ ابن أَحمر:
مِمَّنْ تربَّبهُ النعيمُ ولم يخَفْ ... عُقبَ الكتاب ولا بنات المُسْنَدِ
المسنَد: الدهر، يريد من الأَحداث، من النساء الكاملات السرور، اللاتي لا يفكّرن في حوادث الدهور فيغيرهنّ ذلك. وقالَ الآخر:
ألَا لَيْتَ شِعْري هلْ أَبيتنَّ ليْلَة ... بحَرَّةِ ليلَى حيث ربَّتَني أَهْلي
стр. 144
أَراد ربّاني:
٨٦ - ويقال: نؤت بالحمل إِذا نهضت به، وناءَ بي الحمل أَيْضاً، نهضتُ به، قال الشَّاعِر:
وقامَتْ تُرائيكَ مُغْدَوْدِناً ... إِذا ما تَنوءُ به آدَها
المغدوْدِن: الشِّعْر الكثير. وتنوء به: تنهض به. وآدَها: أَثقلها، وقالَ الله : ما إنَّ مَفاتحَهُ لَتَنوءُ بالعُصْبَةِ، فمعناه: ما إنَّ العصبة لتنوءُ بمفاتحه، فخرج مقلوباً عند وضوح المعنى؛ هذا قول أَبي عُبيدة وقُطْرب.
وقالَ الفَرَّاءُ: معناه: ما إنَّ مفاتحه لَتُنِيءُ العصبةَ، أَي تثقلُهم وتُميلهم، فلما انضمت التاءُ سقطت الباءُ، كما يقولون: هو يذهب ببصر فلان، وهو يُذهب بصَرَ فلان. وقالَ الفَرَّاءُ: أَنشدني بعضُ العرب:
حتَّى إِذا ما التأَمَتْ مواصلُهْ ... وناَء في شِقِّ الشَّمالِ كاهلُهْ
يعني الرامي لما أَخذ القوسَ ونَزَع، مال عليها. ومن هذا قولهم: فعلتُ على ما ساءك وناءك، معناه: وأَثقلك وأَمالك؛ ويجوز أَن يكونَ أَصله على ما ساءك وأَناءك؛ فسقطت
стр. 145
الأَلف من الثانية لتزدوج اللفظتان، فتكونَ الثانية على مثال الأُولى؛ كما قالوا: إِنَّهُ ليأْتينا بالغَدايا والعَشايا، فجمعوا الغَداة غدايا لتزدوج مع
العشايا. وأَنشدنا أَبو العباس، عن سلَمة، عن الفَرَّاءُ:
هَتَّاكُ أَخْبيةٍ ولَاّجُ أَبْوِبَةٍ ... يَخْلِطُ بالجدِّ منه البِرَّ واللِّينا
جمع الباب على أَبوبة، ليشاكل جمعَ الأَخبية، والذين حملوا الآية على معنى القلب احتجُّوا بقول الشَّاعِر:
إنَّ سِراجاً لكريمٌ مَفْخَرُهْ ... تَحْلَى بهِ العينُ إِذا ما تَجْهَرُهْ
معناه يَحْلَى بالعين. وكانَ المفضّل الضبيّ ينشد بيت امرئ القَيْس:
نمسُّ بأَعْرافِ الجِيادِ أَكفَّنا ... إِذا نحن قُمْنا عن شِواءٍ مُضَهَّبِ
بالضاد، معناه: نمسّ أَعرافَ الجياد بأَكفنا. ورواه غير المفضل: نمشّ بأَعراف الجياد، أَي نمسح أَكفَّنا بأَعرافها؛ يقال: مَشَشْتُ يدي أَمُشّها مشًّا، إِذا مسحتَها بشيء خشِن. وقالَ بعضهم: يقال للمنديل المَشُوس. والمضَهَّب: الشواءُ الَّذي لم ينْضَج.
стр. 146
٨٧ - وأَرمّ حرف من الأَضداد. يقال: أَرمَّ العظم إِذا بَلِيَ، وأَرَمَّ العظم إِذا صار فيه مُخّ، والرِّمة البِلى، والرّمة السِّمَن؛ قال الشَّاعِر:
والنِّيبُ إنْ تَعْرُ مِنِّي رِمَّةً خَلَقا ... بعد الممات فإني كنتُ أَثَّئِرُ
وقال الآخر:
وهو جَبَرَ العظامَ وكُنَّ رِمًّا ... ومثل فعاله جَبَر الرَّميما
فالرِّم والرِّمة: ما يُتَقَمَّم من الأَشياء البالية؛ ومن هذا قولهم: جاءَ بالطِّم والرِّم، يراد جاءَ بالرَّطب واليابس. والرُّمة: قطعة حَبْل تُشدّ في رجل الجدْي أَو الحَمَل. وقول النَّاس: أَخذت الشَّيْء برُمتّه؛ معناه تامًّا وافياً لم يُنتَقص منه شيء، وأَصله من قولهم: أَخذتُ الجديَ برُمَّته، أَي بالحبل المشدود في رِجلِه. ويقال: حبل أَرْمام، إِذا كان متقطعاً بالياً؛ قال ذو الرُّمَّة:
أَشعثَ باقي رُمَّةِ التقليدِ
وقال الآخر:
تَصِلُ السَّهْبَ بالسُّهُوبِ إليهمْ ... وَصْلَ خَرْقاء رُمَّةً في رِمامِ
стр. 147
وقال الآخر:
عَنْ غَيْرِ مَقْلِيَةٍ وإنَّ حبالَها ... لَيْسَتْ بأرمامٍ ولا أَقْطاعِ
٨٨ - وعزَّرت حرف من الأَضداد. يقال: عَزَّرْتُ الرَّجل، إِذا أَدَّبتَه وعنّفتَه ولمتَه؛ ومنه قول الفقهاء: يجب عليه التعزير، ويقال: عَزّرْتُ الرَّجُل إِذا عظّمته وكرّمتَهُ، قال الله : لِتُؤْمِنوا بالله ورَسولِهِ وتُعزِّروهُ وتُوَقِّروهُ، أَراد بتعزروه تكرمونه وتعظمونه. وقالَ الشَّاعِر:
وكم من ماجدٍ لهمُ كريمٍ ... ومن لَيْثٍ يُعَزَّرُ في النَّدِيِّ
أَراد يعظَّم في المجلس.
٨٩ - وعزَرْت حرف من الأَضداد؛ يقال: عَزَرْت الرَّجُلَ، إِذا أَكرمتَه، وعَزَرْتَهُ، إِذا لمتَه وعنَّفته؛ قال القُطاميّ:
ألا بَكَرَتْ مَيٌّ بغيرِ سفاهةٍ ... تُعاتِب والمودودُ ينفعه العَزْرُ
أَراد ينفعه اللَّوم. وأَخبرنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد، قال: حدَّثنا أَبو مسلم - يعني أَباه عبد الرحمن بن واقد - عن يونس، عن أَبان، عن قتادة، أَنَّهُ قرأَ: وعَزَروهُ، بالتخفيف، فمعناه: وعظموه.
стр. 148
٩٠ - والرّهو حرف من الأَضداد؛ يقال: رَهْوٌ ورَهْوَةٌ، للمنخفض، ورَهْو ورَهْوة للمرتفع. وقالَ ابن السِّكِّيتِ وغيره: نظرَ أَعرابيّ إِلى فالج من الإِبِل فقال: سبحان الله! رَهْوٌ بين سَنامين، أَراد بالرَّهو الانخفاض.
وقالَ أَبو العباس النّميريّ: دَلَّيت رجلي في رَهْوَةٍ، يريد: في انخفاض. وقالَ بشر بن أَبي خازم:
تَبيتُ النِّساءُ المرضِعات بِرَهْوَةٍ ... تُفَزَّعُ من هَوْلِ الجنان قُلوبُها
أَراد بالرهوة الانخفاض. وقالَ الآخر:
إِذا هَبَطْنَ رَهْوَةً أَوْ غائطا
أَراد بالرّهوة الانخفاض؛ لأَنَّ الهبوط يدلّ على ذلك، والغائط: المطمئنّ من الأَرض؛ وإنما سمي الحَدث غائطاً باسم الموضع. وقالَ عَمْرو بن معدي كَرِب:
وَكَمْ مِنْ غائِطٍ مِنْ دونِ سَلْمى ... قليل الأُنس لَيْسَ به كتيعُ
وقالَ رُؤْبَةُ:
إِذا عَلَوْنا رَهْوَةً أَوْ خَفْضا
стр. 149
أَراد بالرَّهوة الارتفاع. وقالَ ابن السِّكِّيتِ في قول عَمْرو بن كلثوم:
نَصَبْنا مثْلَ رهوةَ ذات حَدٍّ ... مُحافَظةً وكنَّا السَّابِقينا
أَراد بالرَّهوة ما ارتفع وعَلا. والرَّهوة في غير هذا موضع الماء الَّذي يجتمع إِلى جَوْبَة تكون في محَلّة القوم تسيل إليها مياههم؛ قضى النَّبِيّ ﷺ أَن لا شُفعة في فِناء ولا طريق، ولا مَنْقَبة ولا رُكْح ولا رَهْوٍ. فالمنْقَبة الطَّريق الضيّق يكون بين الدارين، لا يُمكنُ أَحداً أَن يَسْلُكَه. والرُّكْح: البيت وناحيتُه من ورائه، وربّما كان فضاءً لا بناءَ فيه. والرَّهْو: الجَوْبة الَّتي تجتمع إليها مياه الناحية، فأَراد ﵇ أَنَّ مَنْ كان شريكاً في هذه المواضع الخمسة لم توجَبْ له شفعة؛ حتَّى يكون شريكاً في نفس الدار والحانوت. وهذا مذهب أَهل المدينة؛ لأَنَّهم لا يوجبون الشفعة إِلَاّ للشريك المخالط، وأَمّا أَهلُ العراق فإنهم يوجبون الشفعة لكل جارٍ ملاصق؛ وإن لم يكن شريكاً، فكأَن الجَوْبة سُمِّيَتْ رَهْواً لانخفاضها.
وجاءَ في الحديث: نهى رَسُولُ الله صَلّى اللهُ عليه وسَلّم
стр. 150
أَن يُمْنَعَ رَهْوُ الماء ونَقْعُ البئر، وهو أَصل الماء من الموضع الَّذي يُخْرَج من العين وغيرها، من قبل أَن يصير في وعاءٍ لأَحد أَو إناء؛ فإذا صار في وعاء لرجل فهو أَمْلَك به، لأَنَّه مالٌ من ماله. والرَّهو في هذا الحديث أَيْضاً معناه الانخفاض.
وسمعتُ أَبا العباس يقول: يقال للساكن: رَهْو، وللواسع: رهو، وللطائر الَّذي يقال له الكُرْكِيّ: رهو؛ قال الله : واتْرُكِ البَحْرَ رَهْواً، فمعناه ساكناً، وقالَ القُطاميّ:
يمْشينَ رَهْواً فلا الأَعجازُ خاذلةٌ ... ولا الصُّدورُ على الأَعْجازِ تَتَّكِلُ
معناه يمشين مَشْياً ساكناً. وقال الآخر:
أَنْتَ كالشَّمْسِ رِفْعَة سُدْتَ رَهْواً ... وبَني المجدِ يافعاً والداكا
وقال الآخر:
غداةَ أَتاهمُ في الزحف رَهْواً ... رسولُ الله وهوَ بهمْ بصيرُ
وقال الآخر:
كأَنَّما أَهلُ حَجْر يَنْظُرون مَتى ... يَرَوْنَنِي خارِجاً طَيْرٌ يَناديدِ
طيرٌ رأَت بازياً نَضْحُ الدِّماءِ به ... أَو أَمَةٌ خرجَتْ رَهْواً إِلى عِيدِ
أَرادَ بالرهو السُّكون.
стр. 151
وأَخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدَّثنا يوسف بن موسى، قال: حدَّثنا سلمة بن الفضل، عن إسماعيل، عن قَتادة، في قوله : واتْرُكِ البَحْرَ رَهْواً، قال: ساكناً. وأَخبرنا عبد الله، قال: حدَّثنا يوسف، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثنا إسماعيل بن مسلم: عن الحسن في قوله: واتْرُكِ البَحْرَ رَهْواً، قال: طريقاً يَبَساً.
٩١ - وخَجِل حرف من الأَضْداد؛ قال ابن السِّكِّيت: قال أَبو عَمْرو: يقال: خَجِل الرَّجُل إِذا مَرِح، وخَجِل إِذا كَسِل. وأَنشد ابن السِّكِّيت:
إِذا دَعا الصَّارِخُ غَيْرَ مُتَّصِلٍ ... مَرًّا أَمَرْت كُلَّ مَنْشُورٍ خَجِلْ
المنشور: المشهور الأَمر.
وأَخبرنا أَبو عليّ العَنَزِيّ، قال: حدَّثنا عليّ بن الصّباح، قال: أَخبرنا أَبو المنذر هشام بن محمد، قال: أَخبرني رجل من النَّخَع، قال: أَخبرنا ليث بن أَبي سُلَيْم، عن
منصور بن المعتمر، قال: أَقبلتْ سائلةٌ، فسأَلت عائشة، رحمها الله، ورسول الله ﷺ في المتوضَّأ، فقالت عائشة لخادمها: أَعطيها وأَقلِّي، فخرج رَسُولُ الله ﷺ ،
стр. 152
فقال: يا عائشة لا تُقَتِّري فيقتّر الله عليك، إِنَّكنَّ لتكفُرْنَ العشير، وتَغْلِبْنَ ذا الرَّأْي على رأْيه، إِذا شبعتُنَّ خجِلْتُنَّ، وإِذا جُعْتُنَّ دقِعْتُنَّ.
قال أَبو بَكْر: قال بعض أَهل اللُّغة: خجلتُنَّ، معناه مَرِحْتُنَّ، ودقِعتنّ معناه خضعتنّ؛ يقال: قد دَقع الرَّجُل دَقْعاً، إِذا خضع ولصِق بالتُّراب وبالدَّقْعاء من شدَّة الخضوع. وقالَ أَبو عُبيد: قال أَبو عَمْرو: الدَّقَع: الخضوع في طلب الحاجة والحرْص عليها، والخَجَل: التَّواني في طلب الرزق.
وقالَ ابن السِّكِّيت: قال ابن الأَعْرَابِيّ عن أَبي تمام الأَسَدِيّ: الخَجَل: سوء احتمال الغِنى، والدَّقَع: سوء احتمال الفقر. وقالَ الكُمَيْتُ يمدح قوماً:
ولَمْ يَدْقَعُوا عِند ما نابَهُمْ ... لِوَقْعِ الحرُوبِ ولَم يَخْجَلُوا
أَرادَ: ولم يخضعوا ولم يَكْسَلوا ويفشلوا، ويقال: واد خَجِل، إِذا كان كَثير النَّبات؛ لا يكاد أَصحابه يبرحون منه لكمال خصْبه، ويقال: نبات مُخْجِل إِذا كان
стр. 153
كثيراً، قال أَبو النَّجم:
في رَوْضِ ذَفْرَاءَ ورُغْلٍ مُخْجِلِ
٩٢ - وقالَ قُطْرب: رَاغَ حرف من الأَضْداد. يقال: راغ فلان على القوم إِذا أَقبل عليهم، وراغ عنهم إِذا ولَّى عنهم وذهب، قال: وفي كتاب الله : فَرَاغَ عَلَيْهمْ ضَرْباً باليَمين، معناه: أَقبل عليهم، وفي كتاب الله في موضع آخر: فَرَاغَ إِلى أَهْلِهِ، فمعناه ذهب إِلى أَهله. وقالَ الفَرَّاءُ: لا يقال لمن رجع: راغ إِلَاّ أَن يكون مُخْفياً رجوعه، قال: فلا يجوز أَن يقالَ: راغ الحاجّ من مكَّة، لأَنَّهم لا يُخفون رجوعهم، فمتى أَخفى ذلك مُخْفٍ قيل: راغ فهو رائغ. وقالَ غير الفَرَّاء: لا يكون راغ أَبداً إِلَاّ بمَعْنَى رجع، على السَّبيل الَّذي ذكرَ الفَرَّاء؛ وليس بحرف من الأَضْداد
стр. 154
على ما ادَّعى قُطْرب.
٩٣ - والزاهق حرف من الأَضْداد؛ يقال للميت: زاهق، ويقال للسَّمين: زاهق، ويقال: فرس زاهق، إِذا حسُنت حالُه وحَمَل اللَّحم، ويقال: قد زَهَق الرَّجُل، إِذا مات، أَو شارف الموت، وزَهَق الباطل معناه بَطَل.
وقال بعض أَهل اللُّغة: يقال أَيْضاً للمقدّم: زاهق، قال زُهَير:
القائِدُ الخيلَ مَنْكوباً دَوابرُها ... منها الشَّنُونُ ومنها الزَّاهقُ الزَّهِمُ
قال أَبو بَكْر: الشَّنُون: الَّذي اضطرب لحمه وتخدَّد، والزَّاهق: السَّمين، والزَّهِم: الَّذي بلغ الغاية في السِّمن. وقال الآخر:
ولَقَدْ شَفى نفْسي وأَذهَبَ حُزْنَها ... إِقدامهُ مُهْراً لهُ لم يَزْهَقِ
أَرادَ لم يَعْطَب، ولم يشارف الهَلَكة.
٩٤ - وغَفَر حرف من الأَضْداد؛ يقال: غفر المريضُ يغفر، إِذا نُكس في وَجَعه، ويقال له أَيْضاً: غَفر يَغْفر، إِذا بَرَأَ، أَنشدنا أَبو العبَّاس:
стр. 155
خليليّ إِنَّ الدَّار غَفْرٌ لذي الهَوَى ... كما يَغْفِر المحمومُ أَو صاحب الكَلِمْ
معناه إِذا نظر إِلى الدَّار عاوده حزنُه ووجعه؛ فكان بمنزلة مَنْ تُعاوده العلَّة بعد البُرْء. وأَخبرنا أَبو العبَّاس، عن سلمة، عن الفَرَّاء، قال: يقال: غَفِر المريض يغفَر، إِذا نُكِسَ. وقالَ غيره: مغفرَةُ الله من هذا مأْخوذة؛ فإِذا قال القائل: اللهمّ اغْفِر لنا؛ فمعناه: غَطِّ علينا ذنوبَنا؛ وإِنَّما سمِّي المِغْفَر مِغْفَراً لأَنَّه يستر الرأْس ويجمع الشِّعْر.
٩٥ - والمَنين حرف من الأَضْداد؛ سمعت أَبا العباس يقول: حبل مَنين إِذا كان ضعيفاً قد ذهبت مُنَّتُهُ، أَي قوَّته.
وقالَ جماعة من أَهل اللُّغة: يُقال: حبل مَنين إِذا كان قويًّا، والمُنَّة أَيْضاً تقع على معنييْن متضادَّيْن، يقال للقوَّة: مُنَّة، وللضَّعف مُنَّة، قال الشَّاعر:
فلا تَقْعُدوا وبِكُمْ مُنَّةٌ ... كفى بالحوادث للمرءِ غُولَا
وإِن لك يكن غير إِحداهما ... فسِيروا إِلى الموتِ سيراً جميلَا
وقال الآخر:
стр. 156
عَلامَ تقول السيرُ يقطعُ منَّتي ... ومن حُمرِ الحاجات عَيْرٌ بدِرْهَمِ
وقال الآخر:
سَيْراً يُرخِّي مُنَّة الجَلِيد
وقال الآخر:
بحَوْقَلٍ قد مَنَّهُ الوَجِيفُ
وقالَ ذو الرُّمَّة:
إِذا الأَرْوَعُ المَشْبوبُ أَضحَى كَأَنَّهُ ... على الرَّحْلِ ممَّا مَنَّهُ السَّير عاصِدُ
وفسِّر قول الله : فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونِعلى ثلاثة أَوجه، فقال بعضهم: المحسوب. وقالَ آخرون: الممنون: الَّذي لا يُمَنُّ به؛ فالله لا يَمُنّ بإِنعامه على من يُنْعِم عليه، قال الشَّاعر:
أَنَلْتِ قَليلاً ثمَّ أَسْرَعْتِ مِنَّةً ... فنَيْلُكِ ممنونٌ كذاكِ قليلُ
ويقال: الممنون: المقطوع الَّذي قد قطعت مُنَّته، وإِنَّما سمِّيت المنونُ المنونَ لأَنَّها تذهب بمُنَّة الإِنسان وتُضعفه.
стр. 157
وقالَ الأَعشى:
لَعَمْرُكَ ما طولُ هذا الزَّمَنْ ... على المرءِ إِلَاّ عَناءٌ مُعَنّْ
يظلُّ رجيماً لريْب المَنو ... ن والسُّقْم في أَهلِه والحَزَنْ
والمَنُون تؤنِّثها العرب في حالٍ على معنى المنيَّة، وتذكِّرها على معنى الدَّهر، وتجعلها جمعاً على معنى المنايا، قال الشَّاعر:
فقلتُ إِنَّ المَنُونَ فانطلقِي ... تَسْعَى فلا نستطيعُ نَدْرَؤُها
وكانَ الأَصْمَعِيّ يروي بيتَ أَبي ذُؤَيْبٍ:
أَمِنَ المَنُونِ ورَيْبهِ تتَوَجَّعُ ... والدَّهر لَيْسَ بمعتِبٍ من يَجْزَعُ
ويَقُولُ: أَرادَ بالمَنُون الدَّهر. ورواه غيرُ الأَصْمَعِيّ: أَمن المَنُون ورَيْبها، على معنى المنيَّة. وقالَ الفرزدق:
إِنَّ الرَّزيةَ لا رزيئة مثلُها ... في النَّاسِ موتُ محمدٍ ومحمدِ
مَلِكانِ عُرِّيَتِ المَنابِرُ منهما ... أَخَذَ المَنُونُ عليهما بالمرصَدِ
أَرادَ بالمحمَّدَيْن أَخا الحجَّاج وابنَه. وقالَ عديّ بن زيد في الجمع:
стр. 158
منْ رأَيتَ المَنُونَ عَدَّيْنَ أَمْ مَن ... ذا عليه من أَن يُضامَ خَفيرُ
والمنّ يقع على معنيين: أَحدهما يوصَف الله به، والآخر لا يوصَف به، فالَّذي يوصَف به جلَّ اسمه ما يكون بمَعْنَى الإِعطاء والإِنعام؛ كقولك: مننتُ على فلان بكذا وكذا من المال، ومننتُ على الأَسير فأَعتقْتُه، فكذلك قالوا: يا حنَّان يا منَّان، فوصفوه بالفضل والإِنعام على خَلْقه. والمنّ: الَّذي لا يوصَف الله به الافتخارُ والتزيّن، والاستعظام للنعمة الَّتي يُولاها المُنعَم عليه، كقول القائل: فلان يَمُنّ عليَّ بما أَصار إِليَّ من ماله، وأَنالني من معروفه؛ والله تعالى لا يقع منه مَنٌّ على هذه الجهة.
٩٦ - والفارِي حرف من الأَضْداد؛ يقال للذي يقطع الأَديم: فارٍ، وللَّذي يخرِزه: فارٍ، ويقال للمزادة المخروزة، مفريَّة، قال ذو الرُّمَّة:
ما بالَ عينكَ منها الماءُ ينسَكِبُ ... كأَنَّها من كُلَى مَفْرِيَّةٍ سَرِبُ
وفراَء غَرْفِيَّةٍ أَثأَى خَوارِزُها ... مُشَلْشِلٌ ضَيَّعَتْهُ بينها الكُتَبُ
المفريَّة: المزادة المخروزة، والكُلَى: جمع كُلْية، وهي رقعة تجعل في عُرْوة المزادة. ويُرْوَى: كَأَنَّهُ من تُلَى مَفْرِيَّةٍ.
стр. 159
فالتُّلى جمع تِلْوة، وهي سير يُخْرَز به الأَديم، ووفراءُ تابع لمفريَّة، والوفْراءُ المزادة الواسعة، والغَرْفِيَّة: الَّتي قد دُبغت بالغَرْف؛ وهو شجر. وأَثأَى: أَفسد، والخوارز: النِّساءُ يَخْرِزْنَ الأَديم؛ والمشلشِل:
الماء؛ وهو مردود على السَّرب. ويُرْوَى: مشلشلاً بالنصب على الحال ممَّا في ينسكب؛ كأَنَّك قلت: ما بال عينك منها الماءُ ينسكب مُشَلْشِلاً؛ أَي في هذا الحال. والكُتَب: جمع كُتبة، وهي الخَرَزة.
وبعضُ أَصحابنا يقول: إنَّما سُمِّيَ الفَرَّاءُ فَرَّاء؛ لأَنَّه كان يُحسن نظم المسائل، فشبِّه بالخارز الَّذي يخرِز الأَديم، وما عُرِف ببيع الفرَاءِ ولا شرائِها قطّ. وقالَ بعضهم: سُمِّيَ فرَّاء لقطعه الخُصُوم بالمسائل الَّتي يُعْنَتُ بها، من قولهم: قد فَرَى، إِذا قطع، قال زهير:
ولأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْ ... ضُ القوم يَخْلُق ثمَّ لا يَفْرِي
معناه تَخْرِزُ ما قدّرت. والخلْق التقدير، قال الله جلَّ اسمه: وتُخْلُقُونَ إِفْكاً، أَي تقدّرون كذباً، وقالَ جلَّ وعلا: فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخالِقين، أَي المقدّرين. وقالَ الأَعشى:
стр. 160
أَرادوا أَنْ تُزايلَ خالِقَاتٍ ... أَدِيميْهمْ يَقِسْنَ ويَفْتَرِينَا
وأَخبرنا أَبو العبَّاس، قال: قال الكِسَائِيّ: يقال: أَفرى يُفْري، إِذا أَفسد، أَي قطع ليفسد. وفَرَى يَفْرِي، إِذا أَصلح. وخُولف الكِسَائِيّ في هذا فقيل: العرب تقول: فَرَى للفساد والإِصلاح، أَنشدنا أَبو العبَّاس:
فَرَى نائباتُ الدَّهرِ بيني وبينها ... وصَرْفُ اللَّيالي مثلَ ما فُرِيَ البُرْد
٩٧ - وممَّا يشبه الأَضداد الأَصفر ، يقع على الأَصفر، وربما أَوقعته العرب على الأَسود، قال الله : صَفْرَاءُ فَاقعٌ لَوْنُها، فقال بعض المفسِّرين: هي صفراءُ، حتَّى ظِلْفها وقرنها أَصفران. وقالَ آخرون: الصَّفْراءُ السَّوداءُ. وقالَ جلَّ اسمه: كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ، فقال عدَّة من المفسِّرين: الصُّفْر: السُّود، وقالَ الفَرَّاءُ: إنَّما قالت العرب للجمل الأَسود: أَصفر؛ لأَنَّ سواده تعلُوه صُفرة، فسمَّوْه أَصفر، كما قالوا للظبي الأَبيض: آدم، لأَنَّ بياضه تعلوه ظلمة.
وأَخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدَّثنا يوسف القطَّان، قال: حدَّثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثنا إِسماعيل بن
стр. 161
مسلم، عن الحسن في قوله: كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ قال: الصُّفْر: السُّود. وأَنشد أَبو عُبيد للأَعشى:
تلك خَيْلِي منه وتِلكَ رِكابي ... هُنَّ صُفْرٌ أَلوانُها كالزَّبيب
أَرادَ: هنَّ سود، والَّذين فسَّروا قوله جلَّ وعزّ: صَفْرَاءُ فَاقع لونُها، فقالوا: هي صفراءُ فاقع لونها، احتجُّوا بقوله جلّ وعزّ: فَاقعٌ، فقالوا: الفُقوع خُلُوص الصُّفرة، فكيف توصف بهذا وهي سوداءُ! واحتجَّ عليهم أَصحاب القول الآخر بأَنَّ الفُقوع قد توصف به الصّفرة والبياض والسَّواد، فيقال: أَصفرُ فاقع، وأَسود فاقع، وأَبيض فاقع، وأَخضر فاقع، قال محمد بن الحكم، عن أَبي الحسن اللِّحْيانِيّ: يقال في الأَلوان كلّها فاقع وناصع، خالص.
وقالَ غيره: يقال: أَسودُ فاحم، وحُلْبُوب، وودَجُوجِيّ، وخُدَارِيّ، وغِرْبيب، وحَالك، وحانك. ومثل حَلَكِ الغراب، وحنَكِه؛ فحَلكُه: سواده، وحَنكُه: منقاره. ويقال: أَسودُ حَلَكُوك ومُحْلَولك، وسُحْكُوك ومُسْحَنْكِك، قال الرَّاجِزُ:
تَضْحَكُ مِنِّي شَيخَةٌ ضَحُوكُ ... واسْتَنْوَكَتْ وللشَّباب نُوكُ
стр. 162
وقَدْ يَشِيب الشَّعَر السُّحْكُوكُ
ويقال: أَسود غَيْهب، وغَيْهم، ودُجَاجِيّ، وقاتم، ومُدْلَهِمّ، وغُرَابِيّ، وغُدَافِيّ، ويقال: أَحمر قانئ، وقاتم، وذَرِيحيّ، وفاقع، وفُقَاعيّ، وأَقشر، وسِلَّغْذ، وأَسلَغ، ونَكِع، وعَتك، وقَرْف، ويقال أَيْضاً: أَحمر كالقَرْف، إِذا خَلَصتْ حُمرته، والقَرْف: الأَديم الأَحمر. قال الشَّاعر:
أَحْمَرُ كالقَرْفِ وأَحْوَى أَدْعَجُ
ويقال: أَحمر كَأَنَّهُ الصَّرْبة؛ وهي صمغة حمراءُ خالصة الحُمْرة. ويقال: أَخضر ناضر وزَاهر. ويقال: أَبيض وابص ويقَق، ولَهَق، ولِياح، ولَياح، وقَهْد، وقَهْب،
وحُضيّ، ودُمَّرْغ، إِذا كان خالصاً.
٩٨ - ومن الحروف المشبهة للأَضداد أَيْضاً الكأْس . قال ابن السِّكِّيت: قال أَبو عُبيدة: يقال للإِناءِ: كأْس، وللشَّراب الَّذي فيه كأْس.
وقالَ الفَرَّاءُ: الكأْس الإِناء بما فيه؛ فإِذا شُرِب الَّذي فيه لم يُقَلْ له كأْس؛ بل يُرَدُّ إِلى اسمه الَّذي هو اسمه من
стр. 163
الآنية؛ كما تقول العرب: المِهْدَى للطبق الَّذي عليه الهديَّة؛ فإِذا أُخذت الهديَّة من عليه قيل له: طبق، ولم يُقَلْ له: مِهْدَى.
وقالَ بعض المفسِّرين: الكأْس: الخمر؛ يذهب إِلى أَنَّها اسم للإِناء والخمر، ولهذا المعنى أُنِّثت، قال الله : بكَأْسٍ منْ مَعينٍ. بيْضَاءَ لَذَّة للشَّارِبين. وقالَ الشَّاعر:
وما زالَت الكأْسُ تَغْتَالُنا ... وتَذهبُ بالأَوَّلِ الأَوَّلِ
٩٩ - ومن الحروف أَيْضاً الحَفَض ؛ يقال لمتاع البيت: حَفَض، وجمع الحَفَض أَحْفاض، قال الشَّاعر:
فكَبَّهُ في بالرُّمْحِ في دِمائِهِ ... كالحَفَضِ المَصْرُوعِ في كِفائِهِ
وقال الآخر:
لا تَكُ في الصِّبا حَفَضاً ذَلُولا ... فإِنَّ الشَّيبَ والغَرَل الثُّبُورُ
وقال الآخر:
يابْنَ قُرومٍ لَسْنَ بالأَحْفاضِ
ويُرْوَى بيتُ عَمْرو بن كلثوم على وجهين:
стр. 164
ونحنُ إِذا عِمادُ الحيِّ خَرَّتْ ... عن الأَحفاضِ نَمْنَعُ ما يَلِينا
ويُرْوَى: على الأَحفاض، فمن رواه: عن الأَحفاض، قال: الأَحفاض الإِبل، ومن رواه: على الأَحفاض، قال: الأَحفاض الأَمتعة.
١٠٠ - ومن الحروف أَيْضاً الظَّعينَة ؛ المرأَة في الهودج، والظَّعينة: الهوْدج، وقد يقال
للمرأَة وهي في بيتها: ظعينة، والأَصل ذاك. وقالَ ابن السِّكِّيت: يقال: بَعير ظَعون إِذا كان يحمل الظعائن، قال زهير:
تَبَصَّرْ خَليلي هَلْ تَرَى مِنْ ظعائِنٍ ... تحمَّلْنَ بالعلْياء من فوق جُرْثُمْ
وأَنشدنا أَبو العبَّاس:
إِنَّ الظعائن يَوْمَ حَزْمِ سُوَيْقَةٍ ... أَبْكَيْنَ عِنْدَ فِراقهنَّ عُيُونا
وقالَ أَبو عكرمة الضَّبّيّ: قال بعض أَهل اللُّغة: لا يقال للمرأَة: ظعينة؛ حتَّى تكون في هَوْدج على جَمَل، فإنْ لم يجتمع لها هذان الأَمران لم يُقَل لها ظعينة.
١٠١ - ومن الحروف الرَّاوية ؛ يقال للمزادة: راوية، وللبعير الَّذي يحمل المزادة راوية، قال أَبو النَّجم:
стр. 165
تمشي من الرَّدَّةِ مَشْيَ الحُفَّلِ ... مَشْيَ الرَّوايا بالمزادِ الأَثْقَلِ
أَرادَ بالرَّوايا الإِبل، وقالَ الحُطَيْئة:
مُسْتَحْقِباتٍ رَوَاياهَا جَحافِلَها ... يَسْمُو بها أَشعريٌّ طَرْفُه سامي
معناه أَنَّهم يركبون الإِبل ويقودُون الخيل، فإِذا أَعيت الخيل أَلقت جحافلَها على الإِبل، فصارت جحافِلُها كالحقائب للإِبل، والجَحْفلة للفرس، بمنزلة الشّفَة من الإِنسان. ويقال: قد رَوَى الرَّجُل يروِي رَيًّا إِذا استقى، رَوَى يروي مثل رَمَى يرمِي، قال ابن أَحمر يذكر القَطاة وفراخها:
تَرْوِي لَقاً أُلْقِيَ في صَفْصَفٍ ... تَصْهَرُهُ الشَّمْسُ وما يَنْصَهِرْ
اللَّقى: الشَّيْء الملقى الَّذي لا يُلتفت إِلَيْه، فشبَّه الفرخَ به، ومعنى تَروِي تستقي، ويقال في جمع اللَّقى: أَلْقَاء.
١٠٢ - ومن الحروف أَيْضاً قولهم يومٌ أَرْوَنان ؛ إِذا كان صعباً، وإِذا كان سهلاً أَيْضاً، وكذلك إِذا كان فيه خير، وإِذا كان فيه شرّ، أَنشدنا أَبو العبَّاس:
стр. 166
وظَلَّ لِنِسْوَةِ النُّعمانِ منَّا ... على سَفَوَانَ يَوْمَ أَرْوَنانُ
١٠٣ - والشِّفّ: حرف من الأَضْداد؛ يقال للزيادة: شِفّ، وللنقصان شِفّ، فمن الزيادة قولهم: فلان حَريص على الشِّفّ. ويقال: فلان أَشَفّ من فلان، أَي أَكبر منه. ويقال: لا تُشِفُّوا الدراهم بعضَها إِلى بعض، فتكون رِباً. ويقال في المعنى الآخر: الدَّراهم تَشِفّ قليلاً، أَي تنقص، وإِن حُمِلَ على المعنى لم يكن خطأً، قال الشَّاعر:
فلا أَعْرِفْنَ ذَا الشِّفِّ يَطْلُب شِفَّهُ ... يُدَاويهِ منكمْ بالأَديمِ المسلَّمِ
معنى البيت أَنَّهُ نهاهم أَن يزوِّجوا رجلاً دونهم في الشَّرَف لكثرة ماله وقلَّة أَموالهم، فيشرُف بمصاهرتهم، ومثل هذا البيت:
رَأَيْتُ خُتونَ والعامَ العامِ قَبْلَه ... كحائضةٍ يُزْنَى بها غَيْرَ طاهرِ
وصف سَنَتَيْ جدب اضطُرَّ من أَجلهما ذوو الشَّرف إِلى أَن يُزَوِّجُوا غير الأَكفاء، ليُصيبوا من أَموالهم. ويجوز في: غير طاهر الخفض على النعت لحائضة، والنَّصب
стр. 167
على الحال من الضمير المتَّصل بالباء. ومثل هذين البيتين قول الآخر:
أَرادَ ابنُ كُرْزٍ والسفاهَةُ كاسْمِها ... ليِستادَ فينا أَن شَتَوْنَا ليالِيَا
تبغَّ ابنَ كُرْز في سِوانا فإِنَّه ... غَذَا النَّاسُ مذْ قامَ النَّبِيُّ الجَواريا
تَبَغَّ؛ أَمر من تبغيت. قوله: ليَستادَ فينا معناه ليصير سيداً بمصاهرتنا. وقوله: أَن شَتَوْنَا معناه أَن أَصابنا الجدب. والشتاءُ عند العرب وقت الجدب، قال الحُطَيْئة:
إِذا نَزَلَ الشِّتاء بجارِ قَوْمٍ ... تجنَّب جارَ بيتِهم الشِّتاءُ
وقوله:
تبغَّ ابنَ كُرْز في سِوانا فإِنَّه ... غَذَا النَّاسُ مذْ قامَ النَّبِيُّ الجَواريا
معناه قد حرَّم النَّبِيّ ﵇ وأْدَ البنات، فنحن لا نخاف عليهنَّ الهَلَكة. وقال الآخر:
أَلستُ عَتيدَ القِرى سَهْلَهُ ... كثيراً لَدَى البَيْعِ إِشْفَافِيَهْ
أَرادَ زيادتي.
стр. 168
وقالَ الجعديّ يَصِفُ فرساً أَدرك حمارَ وحش:
فاسْتَوتْ لِهَزْمَتَا خدَّيْهِما ... وجَرَى الشِّفّ سواءً فاعْتَدَلْ
١٠٤ - والمشمولة من الأَضْداد؛ يقال: خلائق مشمولة؛ إِذا كانت مباركة حسنة، وخلائق مشمولة؛ إِذا كانت نِكدة مشئومة؛ قال زهير:
جَرتْ سُنُحاً فقلتُ لها أَجيزِي ... نَوًى مَشْمولةً فمتى اللِّقاءُ
أَرادَ مشئومة؛ وقال الآخر:
فلتَعرِفنَّ خلائقاً مشمولة ... ولتندمَنَّ وَلاتَ ساعَةَ مَنْدَمِ
وقال الآخر:
كأَنْ لم أَعِشْ يوماً بصَهْبَاَء لذَّةٍ ... ولم أَنْدُ مشْمولاً خلائقهُ مِثلِي
أَرادَ: مباركاً خلائقه، وقوله: ولم أَند، معناه: ولم أُجالس، من النادي والنديّ، وهما المجلس، والجَمْعُ أَندية؛ أَنشدنا أَبو عليّ العنزيّ، للأَعشى:
فَتًى لو يُنادي الشَّمسَ أَلْقَتْ قِناعَها ... أَو القمرَ السَّاري لأَلْقَى المَقالِدا
أَرادَ بيُنادِي يجالس. وقال الآخر:
стр. 169
وجارُ البيتِ والرَّجُلُ المندِي ... أَمامَ الحيِّ حقُّهما سواءُ
أَرادَ بالمنادي المجالس. ويقال: ندوت القوم أَندوهم إِذا جلست إِليهم، وناديتهم أُناديهم إِذا جالستَهم، ويقال للمجلس: النديّ والنادي، ويقال في الجمع أَندية، قال الشَّاعر:
كانوا جِمالاً للجميعِ وموئلاً ... للخائفين وسادةً في النادِي
وقال الآخر:
وَدُعيتُ في أُولَى النَّدِيِّ ولمْ ... يُنظَرْ إِليَّ بأَعيُنٍ خُزْرِ
١٠٥ - وتَأَثَّمَ حرف من الأَضْداد؛ يقال: قد تأَثَّم الرَّجُل، إِذا أَتى ما فيه المأْثم، وتأَثَّم، إِذا تجنَّب المأْثم؛ كما يقال: قد تحوَّب الرَّجُل إِذا تجنَّب الحُوب.
ولا يستعمل تَحَوَّب في المعنى الآخر؛ أَخبرنا محمد بن أَحمد بن النَّضر، قال:
حدَّثنا معاوية بن عَمْرو، قال: حدَّثنا زائدة، عن هشام، قال: قال الحسن ومحمد: ما علمنا أَحداً منهم ترك الصَّلاة على أَحدٍ من أَهل القبلة تأَثُّماً من ذلك، أَي تجنُّباً للمأْثم. والحُوب: الإِثم العظيم، قال الله : إِنَّهُ كان حُوباً كَبيراً، وقالَ الشَّاعر:
стр. 170
فَلا تُخْنُو عليَّ ولا تُشِطُّوا ... بقول الفَخْرِ إِنَّ الفخرَ حُوبُ
وقالَ نابغة بَنِي شيبان:
نماكَ أَربعةٌ كانوا أَئمَّتَنا ... فكانَ مُلكُك حقًّا لَيْسَ بالحُوبِ
ويقال: قد حاب الرَّجُل يحوب فهو حائب حَوْباً، إِذا أَثِم، أَنشدنا العنزيّ:
أَتاه مهاجرانِ تكنَّفَاهُ ... بتَرْكِ كبيرهِ ظلَمَا وحَابَا
وقرأَ الحسن: إِنَّهُ كان حَوْباً كَبيراً. وقالَ الفَرَّاءُ: الحائب في لغة بَنِي أَسد: القاتل. ويقال: قد تحوَّب الرجل، إِذا تغيَّظ وتندَّم؛ قال طُفَيْل:
فذُوقُوا كما ذُقْنا غَداة محجِّرٍ ... من الغيظِ في أَكبادِنا والتَّحَوُّبِ
والحَوْبة: الفعلة، من الحوْب بمنزلة القَومة من القيام. والحوْبة أَيْضاً: الأُمّ، ويقال: هي كلّ من قرب من نسائه إِلَيْه في النسب، والحِيبة: من الحُوب، بمنزلة الرِّكْبة من الرُّكوب، وأَصل الياءِ واو جعلت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها؛ قال الكُمَيْتُ يذكر ذئباً:
وصُبَّ له شَوْلٌ من الماءِ غائرٌ ... به ردَّ عنه الحِيبَةَ المتحوِّبُ
стр. 171
ويقال: بات فلان بحيبةِ سوء، إِذا بات بهمٍّ يقلقه ويزعجه.
١٠٦ - وقَلَصَ حرف من الأَضْداد؛ يقال: قَلَصَ الشَّيْء إِذا قَصُرَ وقلّ، وقَلص الماءُ، إِذا جمَّ وزاد؛ فمن المعنى الأَوَّل قولهم: قلصَ الظِّلُّ إِذا قلَّ وقَصُر، ومن المعنى الثاني قولهم: هذه قَلَصَةُ الماءِ، أَي جمَّته وكثرته، قال امرؤ القَيْس:
فأَوْرَدَها من آخرِ اللَّيلِ مَشْرَباً ... بلاثِقَ خُضْراً ماؤهنَّ قليصُ
أَي مرتفع كثير. وقال الآخر:
قَلَّص عَنِّي كقلوصِ الظِّلِّ
وقال الآخر:
يا ريَّها من باردٍ قَلَاّصِ ... قد جَمَّ حتَّى هَمَّ بانْقِياصِ
الانقياص: انشقاق الرَّكِيَّة طولاً، يقال: قد انقاصت البئر إِذا لحقها ذلك، وقد انقاصت سِنُّ الرَّجُل، إِذا انشقَّت طولاً.
حدَّثنا محمد بن يونس، قال: حدَّثنا أَبو بشر المعصوب،
стр. 172
قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن الأَصبهانيّ، عن عِكرمة، أَنَّهُ قرأَ: جِدَاراً يُريدُ أَن يَنْقَاصَ، وروى ابن عباس عن أُبَيّ، عن النَّبِيّ ﷺ : جِدَاراً يُريدُ أَن يُنْقَضَ، قال الشَّاعر:
فِراقاً كقَيْصِ صَدْرَ أَبي بَراءٍ ... ويَرْغَبُ عَنْ دِماءِ بَنِي عُقَيْلِ
١٠٧ - والإِهماد حرف من الأَضْداد؛ يقال للسير والجِدّ فيه إِهماد، ويقال لقطع السير والتواني عنه إِهماد؛ قال الشَّاعر:
ما كان إِلَاّ طَلَقَ الإِهْمادِ ... وجَذْبَنَا بالأَعْرُبِ الجِيادِ
على رَكِيَّاتِ بَنِي زِيادِ ... حتَّى تحاجَزْنَ عَنِ الرُّوَّادِ
تحاجُزَ الرِّيِّ وَلَمْ تكادِي
قال الأَصْمَعِيّ: ولم تكادي، خطاب للإِبل. وقالَ أَصحابنا: تكادي خبرٌ عنها، والأَصل فيه ولم تكد،
стр. 173
فلمَّا تحرَّكت الدَّال رجعت الأَلف. وقال الآخر في معنى قَطْع السير والتواني عنه.
لمَّا رَأَتْني راضياً بالإِهْمادِ ... كالكُرَّز المشدود بين الأَوْتادْ
معناه: لمَّا رأَتني قد كبرت وانقطعت عن الرحْل والسير. والكُرَّز: البازي يُشَدُّ؛ لأَنْ يسقط ريشه.
وأَخبرنا أَبو العبَّاس، قال: يقال: هو البازُ، وهو البازِي؛ فمن قال: هو البازُ قال
في التثنية: هما البازان، والجَمْعُ البِيزان؛ على مثال قولهم: الخال والخِيلان. ومن قال: هو البازي قال في التثنية: هما البازيان، وفي الجمع البُزاة، على مثال القاضي والقضاة.
قال أَبو بَكْر: في الباز لغة ثالثة لم يذكرها في هذا الكتاب، وذكرها لنا في بعض أَماليه، قال: ويقال: هو البأْز، بهمز الأَلف، مثل الفأْس والكأْس، وتجمعه في أَدنى العدد من ثلاثة إِلى عشرة؛ فتقول: ثلاثة أَبؤُز؛ كما تقول: أَفؤس وأَكؤس، فإِذا كثرت فهي البئوز؛ كما تقول كئوس وفئوس، فجمع القلَّة على أَفعل، مثل الأَفلس والأَبحر، وجمع الكثرة على الفعول مثل
стр. 174
الفلوس والبحور. قال أَبو بَكْر: في الباز لغة رابعة، يقال: هو البازيّ بياءٍ مشدَّدة تشبه ياء النسبة، وأَنشد:
تَقَضِّيَ البازِي إِلى البَازِيِّ
فجاءَ باللُّغتين: بهذه اللُّغة، وباللُّغة الَّتي يخرج فيها مخرج القاضي والرَّاعي. ويقال: قد أَهمد فلان أَمرَه، إِذا أَماته. ويقال: قد هَمَدَتِ الأَرض إِذا انقطع عنها المطر، قال الله : وَتَرَى الأَرضَ هَامِدَةً، فقال أَبو عُبيدة: معناه يابسة لا نبات فيها.
وقالَ غيرُه: هامدة ميِّتة.
وقالَ آخرون: هامدة خاشعة. ويقال: قد هَمَدَ الثوب إِذا بَلِيَ، ورماد هامِد، وطَلل هامد إِذا كانا دارسيْن؛ قال الأَعشى:
قالت قُتَيلةُ ما لجسمِكَ شاحباً ... وأَرَى ثيابَكَ بالياتٍ هُمَّدَا
وقالَ الكُمَيْتُ:
ماذا عَليْك مِنَ الوُقُو ... فِ بهامِدِ الطَّلَلَيْنِ دَاثِرْ
стр. 175
وقال الآخر:
وَرُبَّ أَرْضٍ رأَيناها وقَدْ هَمَدَتْ ... جادَ عليها ربيعٌ صَوْبُه دِيَمُ
ويقال: قد همدت النار تهمُد هموداً، إِذا خَمدَت.
١٠٨ - وخَبَتْ حرف من الأَضْداد. يقال: خَبت النَّارُ إِذا سكنت، وخبت إِذا حميت، وقالَ الكُمَيْتُ:
ومِنَّا ضِرارٌ وابْنَماه وحاجِبٌ ... مُؤَجِّجُ نيرانِ المَكارمِ لا المُخْبِي
أَرادَ بالمُخْبِي المسكِّن للنَّار. وقال الآخر:
أَمِنَ زَيْنَبَ ذي النَّارُ ... قُبَيْلَ الصُّبح ما تخبُو
إِذا ما خمدتْ يُلقَى ... عليها المَنْدَلُ الرَّطْبُ
قال أَبو بَكْر: أَرادَ: أَمِنْ زينب هذه النار. وقالَ القُطاميّ:
وكُنَّا كالحريقِ أَصابَ غَابا ... فيخبُو ساعةً ويَهُبُّ ساعَا
وقول الله : كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعيراً، قال بعض المفسِّرين: معناه توقَّدت. وهذا ضدُّ الأَوَّل.
حدَّثنا محمد بن يونس، قال: حدَّثنا بكر بن الأَسود، قال: حدَّثنا علي بن مسهر، عن إِسماعيل، عن أَبي صالح، في قوله: كُلَّمَا خَبَتْ قال: معناه كلَّما حَمِيَتْ.
стр. 176
وأَخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدَّثنا أَحمد بن إِبراهيم، قال: حدَّثنا حجاج، عن ابن جريح في قوله: كُلَّمَا خَبَتْ قال: خُبُؤُّها توقُّدها؛ فإِذا أَحرقتهم فلم تبق منهم شيئاً صارت جَمْراً تتوهَّج، فإِذا أَعادهم الله خَلْقاً جديداً عاودتهم. عن ابن عباس.
قال أَبو بَكْر: والذين يذهبون إِلى أَنَّ الخبوّ هو السكون يقولون: معنى قوله: كُلَّمَا خَبَتْ: كلَّما خبت سكنت، وليس في سكونها راحة لهم؛ لأَنَّ النَّار يسكن لهبها ويتضرَّم جَمْرُها؛ هذا مذهب أَبي عُبيدة.
وقالَ غير أَبي عُبيدة: نار جَهَنَّم لا تسكن البتَّةَ؛ لأَنَّ الله تعالى قال: لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ، وإِنَّما الخبوّ للأَبْدان، والتأْويل: كلَّما خبت الأَبدان زدناهم سعيراً، أَي إِذا احترقت جلودهم ولحومهم، فأَبدلَهم الله جلوداً غيرها ازداد تسعُّر النار في حال عملها في
الجلود المبَدَّلة.
أَخبرنا عبد الله، قال: حدَّثنا يوسف بن موسى، قال: حدَّثنا عَمْرو بن حمران، عن سعيد، عن قتادة، في قوله: كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعيراً، قال: كلَّما احترقت جلودهم بُدِّلوا جلوداً غيرها.
وقال بعض أَهل اللُّغة: الخبوّ لا يكون أَبداً إِلَاّ بمَعْنَى
стр. 177
السُّكون، والنَّار تَسْكُن في حال يأْمرها الله بالسُّكون فيها، قال: وهذا لا يبطله قوله: لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ، لأَنَّ معناه لا يفتَّر عنهم من العذاب الَّذي حُكِمَ عليهم به في الأَوقات الَّتي حكم عليهم بالعذاب فيها؛ فأَمَّا الوقت الَّذي تسكن فيه النَّار فهو خارج من هذا المذكور في الآية الأُخرى. قال: ويدلُّ على صحَّة هذا القول أَنَّهُ لو حَكم رجل على رجل بأَنْ يعذَّب أَوَّل النهار وآخره، وأَلَاّ يعذب في وسطه لجاز له أَن يقول: ما نقصتُه من العذاب شيئاً، وهو لم يعذِّبه وسط النَّهار، لأَنَّه يريد ما نقصته من العذاب الَّذي حكمتُ به عليه شيئاً.
وقال بعض أَهل اللُّغة أَيْضاً: الخبوّ لا يكون إِلَاّ بمَعْنَى السكون، وتأْويل الآية: كلَّما أَرادت أَن تخبوَ زدناهم سعيراً، فهي على هذا لا تخبُو؛ لأَنَّ القائل إِذا قال: أَردتُ أَن أَتكلَّم، فمعناه لم أَتكلَّم. واحتجُّوا بقول الله جلّ وعزّ: فَإِذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ باللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيم معناه: إِذا أَردت قراءة القرآن؛ لأَنَّ الاستعاذة حكمها أَن تسبِق القراءة.
وقالَ الآخرون: الخبوّ معناه السكون، وتأْويل الآية
стр. 178
كلَّما خبت كان خبؤُّها الزيادة في الالتهاب، فما خبؤُّه هكذا فلا خُبُؤَّ له؛ كما تقول: سأَلت فلاناً أَن يزورَني فكانت زيارته إِيَّاي قطيعتي؛ أَي جعل القطيعة بدل الزيارة، فمَنْ زيارته قطيعة فلا زيارة له. ومثله: ما لفلان عَيْبٌ غير السَّخاءِ؛ معناه: مَنِ السَّخاءُ عيبه فلا عيب فيه، قال الشَّاعر:
قُلْتُ أَطْعِمنِي عُمَيْمِ تَمْرَا ... فكان تَمري كَهزَةً وَزَبْرَا
عُمَيْم تصغير عَمّ، معناه: جعل الانتهار بدلاً من التَّمر. وقالَ النَّابِغَة الذُّبْيَانِيّ:
ولا عَيْبَ فيهم غيرَ أَنَّ سيُوفُهمْ ... بهنَّ فُلولٌ من قِراعِ الكَتائبِ
معناه: مَنْ عيبه فَلُّ سيفه لكثرة حربه، فلا عيبَ فيه.
١٠٩ - والقَرِيع حرف من الأَضْداد؛ وكذلك المقروع؛ يقال: فلان قَرِيع بَنِي فلان إِذا كان سيدَهم، وكذلك هو مقروع بَنِي فلان. والقَريع من الإِبِل أَيْضاً الكريم الَّذي يُنْتَخب للفِحْلة. والقريع أَيْضاً منها المرذول الَّذي يُقْرع أَنفه رغبة عن فِحْلَتِه.
قال ابن الأَعْرَابِيّ: يقال للرجل السيد: هو الفَحْلُ
стр. 179
لا يقرَع أَنفه، وقالَ ذو الرُّمَّة:
وَأَنْ لَمْ يَزَل يَسْتَسْمِعُ العامَ قَبْلَهُ ... نَدَا صوتِ مَقْروعٍ عن العَذْفِ عاذِبِ
والبعير القريع المذموم بهذا الوصف؛ يقال له المُسَدَّم. وقول النَّاس: رجل نادم سادم من هذا أُخِذ، يراد به قد مُنع من التّصرف، وفاته الرأْي وضاقت عليه الحيلة. ويقال: السادم هو المتغيّر العقل أَو كالمتغير العقل، من قولهم: مياه سُدُم، إِذا كانت متغيرة؛ قال ذو الرُّمَّة:
إِذا ما المِياهُ السُّدْمُ آضت كأَنَّها ... من الأَجْنِ حِنَّاءٌ معاً وصَبيبُ
وقالَ الوليد بن عُقْبة:
قَطَعْتَ الدَّهْرَ كالسَّدِمِ المُعَنَّى ... تُهَدِّرُ في دِمَشْقَ وما تَريمُ
١١٠ - وقالَ بعض أَهل اللُّغة: تصدَّق حرف من الأَضداد؛ يقال: قد تصدّق الرَّجُل إِذا أَعطى، وهو المعروف المشهور عند أَكثر العرب، وقد تصدَّق إِذا سأَل؛ وهو القليل في كلامهم، قال بعض الشعراء:
لا أُلْفِيَنَّكَ ثاوِياً في غُرْبةٍ ... إنَّ الغريبَ بكلِّ سهمٍ يُرْشَقُ
والنَّاس في طلبِ المعاشِ وإنما ... بالجَدِّ يُرْزَق منهمُ مَنْ يُرْزَقُ
стр. 180
ولو أَنَّهمْ رُزقوا على أَقدارِهمْ ... أَلفيتَ أَكثرَ مَنْ ترى يَتَصَدَّقُ
ما النَّاسُ إِلَاّ عامِلانِ فعاملٌ ... قدْ ماتَ مَن عَطَشٍ وآخرُ يَغْرَقُ
١١١ - وتحنّث حرف من الأَضداد، يقال: تحنَّث الرَّجُل إِذا أَتى الحِنْث، وقد تَحَنَّث إِذا تجنَّب الحِنْث. قال أَبو عبد الله محمد بن الجهم: حدَّثنا أَبو أَحمد السُّكَّرِيّ بحديث فيه: أَن النَّبِيّ ﷺ كان يقيم من كلّ سنة شهراً بحِراءَ، وكانَ هذا مما تتحنَّث به قريش. قال أَبو عبد الله: فسأَلت ابن الأَعْرَابِيّ عن التحنّث، فقال: لا أَعرفه، قال: وسأَلت أَبا عَمْرو الشيباني عنه - وكانَ خَيِّراً - فقال: لا أَعرف يتحنّث وإنما هو يتحنّف من الحنيفيّة، قال: فسأَلت الفَرَّاءُ عنه ففكر ساعة، ثمَّ قال: يتحنّث: يتجنب الحِنْث؛ يقال: قد تحنّث الرَّجُل إِذا تجنّب الحِنْث، وإذا أَتاه أَيْضاً، كما يقال: قد تأَثّم إِذا أَتى المأْثَم، وإذا تجنّبه.
قال أَبو بكر: والحِنْث معناه في كلام العرب الإثم العظيم، والحنيفية: التديّن بدين إبراهيم ﵇، ثمَّ تسمَّى مَنِ اختتنَ وحجّ البيت حنيفاً.
следующие страницы →