← Гариб и словари

Гариб и словари · id 17077

الأضداد لابن الأنباري

ابن الأنباري

Полный текст (428 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

شيء، أَي لَيْسَ يحسن سواءه، وأَنشد قُطْرب أَيْضاً: أَتوعدني وَراَء بَنِي رياحٍ ... كَذَبْتَ لتقصُرَنَّ بذاك عَنِّي ٣٥ - وأَفْرَطْتُ حرف من الأَضْداد. يقال: أَفرطت الرَّجل إِذا قدَّمْتَه، وأَفرطتُه إِذا أَخَّرْتَه ونسيتَه؛ قال الله : لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ، فمعنى قوله : مُفْرَطُونَ مقَدَّمونَ معجَّلُون. وقالَ جماعة من المفسِّرين والقرَّاء: معناه مَنْسِيُّون مَتْروكون. ويقال: قد فَرَطَ الفارط في طلب الماء إِذا تقدَّم، وهو الفارط، وهم الفُرَّاط؛ قال القُطَامِيّ: فَاسْتَعْجَلُونَا وكانُوا من صَحابَتِنَا ... كما تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ وقال الآخر: فأَثَارَ فارِطُهُمْ غَطاطاً جُثَّماً ... أَصواتُهُ كَتَرَاطُنِ الفُرْسِ الغَطاط: جنس من القطا. وقالَ النَّبِيّ ﵇: أَنا فَرَطُكُم على الحوْض، أَي أَنا أَتقدَّمكم إِلَيْه حتَّى تَرِدُوه عليَّ.

стр. 72

ويقال في الصَّلاة على الصَّبيّ الميت: اللَّهمَّ اجْعَلْه لنا فَرطاً، فمعناه أَجْراً سابقاً. ويقال: قدْ فَرَطَ من فُلان إِليَّ مكرُوه، أَي تقدَّم وتعجَّل، قال الله : إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى. ٣٦ - واشتريتُ حرف من الأَضْداد. يقال: اشتريتُ الشيءَ على معنى قَبَضْتُه وأَعطيت ثمنَه. وهو المعنى المعروف عند النَّاس، ويقال: اشتريتُه إِذا بعتَه، قال الله : أُولئِكَ الَّذينَ اشْتَرَوا الضَّلالَةَ بالهُدَى، قال جماعة من المفسِّرين: معناه باعُوا الضَّلالة بالهدى. وقالَ بعض أَهل اللُّغة: كلُّ من آثر شيئاً على شيءٍ فالعرب تجعل الإِيثار له بمنزلة شرائه، واحتجُّوا بقول الشَّاعِر: أَخَذْتُ بالجُمَّةِ رأْساً أَزْعَرَا ... وبالثَّنايا الواضحاتِ الدُّرْدُرَا وبالطَّويلِ العُمْرِ عُمْراً أَنْزَرا ... كما اشترى المسْلِمُ إذْ تَنَصَّرا ويقال: شريت الشَّيء إِذا بعتَه، وشريتُه إِذا ابْتَعْتَه، قال الله : ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ، فمعناه مَنْ يبيع نفسه. وقال الشَّاعر:

стр. 73

فإِنْ كانَ رَيْبُ الدَّهرِ أَمْضَاكَ في الأُلَى ... شَرَوْا هذه الدُّنْيا بجَنَّاتِهِ الخُلْدِ أَرادَ باعوا هذه الدُّنيا. وقالَ الشَّمّاخ: فلمَّا شَراها فاضتِ العينُ عَبْرَةً ... وفي الصَّدْرِ حزَّاز من اللَّوْمِ حَامِزِ أَرادَ باعها. وقالَ الحِمْيَرِيّ: وشَرَيْتُ بُرْداً لَيْتَنِي ... مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْ أَو هامَةً تَدْعُو صَدًى ... بين المشقَّرِ واليَمامَهْ أَرادَ: وبِعت بُرْداً. وقال الآخر في معنى ابتعت: اشْرُوا لها خاتِناً وابْغُوا لخاتِنِها ... مَعَاوِلاً ستَّةً فيهنَّ تَذْرِيبُ أَرادَ اشْتَرُوا لها. ٣٧ - وبعت من الأَضْداد؛ يقال: بعتُ الشَّيْء، على المعنى المعروف عند الناس، وبعتُ الشَّيْء، إِذا ابتعتَه؛ قال جماعة من الرُّواة: قيل لجرير: مَنْ أَشْعَرَ النَّاس؟ قال: الَّذي يقول: ويأْتيكَ بالأَخْبارِ مَنْ لمْ تَبِعْ لَهُ ... بَتَاتاً ولمْ تَضْرِبْ لهُ وَقْتَ مَوْعِدِ أَرادَ مَنْ لم تشتر له، والبتاتُ الزَّاد. وقالَ الفَرَّاءُ: سمعتُ أَعرابيًّا يقول: بِعْ لي تمراً بدرْهم، يريد اشتر لي تمراً،

стр. 74

وقالَ المسيَّب بن عَلَس: يُعطَى بها ثمناً فيَمْنَعُها ... ويقولُ صاحبهُ أَلا تَشْرِي بالتَّاء، قال الرُّواة: معناه أَلا تبيع. وقالَ قُطْرب: شَرَيْتُ بمَعْنَى بِعْت، لغة لغاضرة، وأَنشد لأَبي ذُؤَيْبٍ: فإِنْ تَحْسَبِيني كنتُ أَجْهَلُ فِيكُمُ ... فإِنِّي شرَيْتُ الحِلْمَ بعدكِ بالجَهْلِ وقال الآخر: وإِنِّي لأَسْتَحْيِي الخليلَ وأَتَّقِي ... تُقايَ وأَشْري من تِلادِيَ بالحَمْدِ وقال الآخر: شرَيْتُ غُلاماً بينَ حِصْنٍ ومالكٍ ... بأَصْواعِ تَمْرٍ إذْ خشيتُ المَهالِكا أَرادَ بعت غلاماً، وجاءَ في الحديث عن حُذيفة أَنَّهُ قال عند موته: بيعُوا لي كَفَناً، أَي اشتروه، وقال الشَّاعر: إِذا الثُّرَيَّا طلعتْ عِشاَء ... فبِعْ لراعِي غنمٍ كِساَء وقالَ:

стр. 75

إِذا الثُّريَّا طَلعتْ غُدَيَّهْ ... فبِعْ لِراعِي غنمٍ شُكَيَّهْ أَرادَ فاشتر. وقالَ كُثَيّر: فيا عَزَّ لَيْتَ النَّأْيَ إذْ حالَ بينَنَا ... وبينَكِ باعَ الوُدَّ لي منكِ تاجِرُ وقالَ أَوْس: قَدْ فارَقَتْ وهْي لم تَجْرَبْ وباعَ لها ... من الفَضافِصِ بالنُّمِّيِّ سِفْسِيرُ الفَصافِصِ: الرّطبة، والنُّمِّيِّ: الفُلوس، والسِّفْسير: القهرمان. وقال الآخر: وَبَاعَ بَنِيهِ بعضَهُمْ بخَسَارَةٍ ... وبعتُ لذُبْيَانَ العَلَاء بمالِكا ٣٨ - والبين من الأَضْداد؛ يكون البيْن الفراق، ويكون البين الوصال؛ فإِذا كان الفراق فهو مصدر بانَ يَبِينُ بَيْناً، إِذا ذهب؛ كقول جرير: بانَ الخَليطُ ولوْ طُووِعْتُ ما بانا ... وقطَّعوا مِنْ حبالِ الوصْلِ أَقْرانا طووعت: فوعلت، لأنَّه من طاوعت، وقال الله :

стр. 76

﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بيْنُكُمْ﴾، فمعناه وصلكم، وقال الشَّاعر حجَّةً لهذا المذهب: لقَدْ فَرَّقَ الواشينَ بيْني وبيْنُها ... فَقَرَّتْ بذاكَ الوصلِ عَيْنِي وعَيْنُها أَرادَ: لقد فرَّقَ الواشينَ وصلي ووصلها. وقال الآخر: لعمْركَ لولا البَيْنُ لانْقَطَعَ الهَوَى ... ولولا الهَوَى ما حنَّ للبَيْنِ آلِف ٣٩ - والمستخفي من الأَضْداد؛ يكون الظاهرَ ويكون المتواريَ، فإِذا كان المتواريَ فهو من قولهم: قد استخفى الرَّجُل إِذا توارَى، وإِذا كان الظاهر فهو من قولهم: خَفيتُ الشَّيء إِذا أَظهرتَه؛ من ذلك الحديث المرويّ: لَيْسَ على المختفِي قَطْع، معناه لَيْسَ على النَّبَّاش؛ وإِنَّما سمِّي النَّبَّاش مختفياً لأَنَّه يُخْرِج الموتى، ويُظْهِر أَكفانهم. ٤٠ - والسارب أَيْضاً من الأَضْداد، يكون السارب المتواريَ، من قولهم: قَدِ انْسَرَب الرَّجل إِذا غاب وتوارى عنك؛ فكأَنَّه دخل سَرَباً، والسارب: الظاهر؛ قال الله : وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفِ باللَّيْلِ وَسَرِبٌ بالنَّهارِ

стр. 77

ففي المستخفي قولان، يقال: هو المتواري في بيته، ويقال: هو الظَّاهر. وفي تفسير السارب قولان أَيْضاً، يقال: هو المتوارِي ويقال: هو الظَّاهر البارز، قال قَيْس بن الخطِيم: أَنَّى سَرَبْتِ وكُنْتِ غير سَرُوبِ ... وتُقَرِّبُ الأَحْلامُ غَيْرَ قَرِيبِ ويُرْوَى: أَنَّى اهتديت، أَرادَ: أَنَّى ظهرتِ وكنت غير ظاهرة؛ وقد يفسَّر على المعنى الآخر. ومن قال: السارب الظَّاهر، قال: سَرَبَ الرَّجلُ يَسْرُب سَرْباً، إِذا ظهر. ٤١ - وبَيْضَة البلد كم الأَضْداد؛ يقال للرَّجل إِذا مُدِح: هو بيضة البلد، أَي أَهله والمنظور إِلَيْه منهم، ويقال للرَّجل إِذا ذُمَّ: هو بيضةُ البلد، أَي هو حقير مَهِين كالبيضة التي تفسدها النَّعامة فتتركها ملقاةً لا تلتفت إِليها، قالت امرأَةٌ من العرب تَرْثِي عمراً بن عبد وَدّ، وتذكر قتل عليّ بن أَبي طالب - رضوان الله عليه - إِيَّاه: لو كانَ قاتِلُ عَمْرٍو غيرَ قاتِلِهِ ... بكيتُه ما أَقامَ الرُّوحُ في جَسَدي لكنَّ قاتِلَهُ مَنْ لا يُعابُ بهِ ... وكانَ يُدْعَى قَديماً بَيْضَةَ البَلَدِ

стр. 78

وقال الآخر في معنى المدْح: كانتْ قُرَيْشٌ بيْضةً فَتَفلَّقَتْ ... فالمُحُّ خالصُهُ لعَبْدِ مَنَافِ وقال الآخر: إِنَّ الجلابيب قد عَزُّوا وقدْ كثرُوا ... وابْنَ الفُريْعَةِ أَضْحَى بيْضَةَ البَلَدِ فبيضة البلد هاهنا مدح، والجلابيب: العبيد، ويقال: هم السَّفِلَة. وابن الفُريْعَةِ هو حسَّان. وقال الآخر في معنى الذّم: تأْبى قُضاعَةُ أَنْ تَعْرِفْ لكُمْ نسباً ... وابْنا نِزارٍ فأَنْتُمْ بَيْضَةُ البَلَدِ أَرادَ: أَن تعرفَ لكم نسباً، فأَسكن الفاء تخفيفاً، كما قال عِمران بن حِطَّان: بَراكَ تُراباً ثمَّ صَيَّرْكَ نُطْفَةً ... فسوَّاكَ حتَّى صِرْتَ ملتئِمَ الأَسْرِ الأَسْر: الخلق، من قول الله : وشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وأَرادَ عِمران: ثمَّ صَيَّرَك فأَسكن الرَّاء. وأَكثر ما يقع في التخفيف في الياء والواو؛ كقول الأَعشى:

стр. 79

فَتًى لو يُنَادِي الشَّمْسَ أَلْقَتْ قِناعَها ... أَو القمرَ السَّاري لأَلْقَى المقالِدا أَرادَ الساريَ، فأَسكن الياء. وقال الآخر: لكنَّهُ حَوْضُ مَنْ أَوْدَى بإِخْوَتِه ... رَيْبَ المنُونِ فأَضحَى بيضَةَ البلَدِ ٤٢ - وعَنْوَة من الأَضْداد؛ يقال: أَخذَ الشَّيْءَ عَنْوَة، إِذا أَخذه غَصْباً وغَلَبَة، وأَخذه عنوة إِذا أَخذه بمحبَّة ورضاً من المأْخوذ منه؛ أَخبرنا بهذا أَبو العبَّاس، وأَنشدنا قولَ كُثَيِّر: فما أَخذُوها عَنْوَةً عَنْ مَودَّةٍ ... ولكنْ بحَدِّ المَشْرَفيِّ اسْتقالَها وقال الآخر: هلَ انْتَ مُطيعِي أَيُّها القلبُ عَنْوَةً ... ولَمْ تُلْحَ نفْسٌ لم تُلَمْ في اختيالِها وقال الله : وَعَنَتِ الوُجُوهُ للحَيِّ القَيُّوم، فمعناه خضعت وذلَّت. وقالَ المفسِّرون: هو وضْعُ المسلِم يديه وركبتيه وجبهتِه على الأَرض. ويقال: قد عنوتُ لفلان إِذا خضعتَ له، ويقال: الأَرض لم تَعْنُ بنبات ولم تَعْنَ بنبات، أَي لم تظهر النبات، قال أُميَّة بن أَبي الصَّلْت:

стр. 80

مَلِكٌ على عَرْشِ السَّماءِ مُهَيْمِنٌ ... تَعْنُو لِعِزَّتِهِ الوُجُوهُ وتسْجُدُ وقالَ أُميَّة أَيْضاً: الحمدُ للهِ الَّذي م يتَّخِذْ ... ولَداً وقَدَّرَ خَلْقَهُ تقْدِيرَا وعَنَا لهُ وجهي وخَلْقي كلّه ... في الخاشعين لوجهِه مشكورَا ويقال: للأَسير: عان لخضوعه وذلِّهِ، جاءَ في الحديث: اتَّقوا الله في النِّساءِ فإِنَّهُنَّ عندكم عوان، أَي أُسَراء. ٤٣ - والصَّريخُ والصَّارِخ من الأَضْداد؛ يقال: صارخ وصَريخ للمغيث، وصارخ وصَريخ للمستغيث، قال سَلَامة بن جَنْدَل: كُنَّا إِذا ما أَتانَا صارِخٌ فزِعٌ ... كان الصُّراخُ لهُ قَرْعَ الطَّنابِيبِ وشدَّ كُورٍ على وَجْناَء ذِعْلبَةٍ ... وشدَّ سَرْجٍ على جَرْداَء سُرْحُوبِ أَرادَ بالصَّارِخ المستغيث. والطَّنابيب: جمع الطُّنْبوب، والطُّنْبوب: عظْم السَّاق، أَي تقرع سوق الإِبِل انْكِماشاً وحِرْصاً على إِغاثته، ويقال: قد قَرَعَ فلانٌ طُنْبُوب كذا وكذا إِذا انكمش فيه. وفي التعزِّي عنه. ويقال أَيْضاً: قرع لذلك الأَمر طُنبوبه وساقه إِذا عزم عليه، قال

стр. 81

الشَّاعِر يذكر صاحِباً فارقه، فتعزَّى عنه: قَرعْتُ طَنابيبي على الصَّبْرِ بعدَهُ ... وقدْ جَعلتْ عَنْهُ القرينَةُ تُصْحِبُ والقرينة: النَّفس، وتُصْحِب: تنقاد، وقال الآخر: إِذا عُقَيْلٌ عقدوا الرَّاياتِ ... ونَقَع الصَّارِخُ بالبَياتِ أَبَوْا فما يُعْطُونَ شيئاً هاتِ أَرادَ بالصَّارِخ المستغيث. ومعنى قولِهِ: هاتِ، أَي قائل هات صاحب هذه الكلمة. وتأْويل نقع صَارَخَ؛ من ذلك الحديث المرويّ عن عمر ﵀ أَنَّهُ قال لمَّا مات خالد بن الوليد: مَا على نساء بَنِي المغيرة أَن يُرِقْنَ دموعهنَّ على أَبي سُلَيْمَان ما لم يكن نَقْع ولا لَقْلَقَة. فالنّقع: الصِّياح، واللَّقْلَقَة: الولولة، قال الله : فَلَا صَرِيخَ لهُم، فمعناه. فلا مغيث لهم، وقالَ: مَا أَنا بمُصْرِخِكُمْ ومَا أَنْتُمْ بمُصْرِخِيَّ، فمعناه: ما أَنا بمغيثكم. وقال الشَّاعر: أَعاذِلَ إنَّما أَفْنى شَبابي ... ركوبي في الصَّريخِ إِلى المنادِي أَرادَ في الإِغاثة.

стр. 82

٤٤ - وأَكْرَى حرف من الأَضْداد؛ يقال: أَكْرى إِذا أَطال، وأَكْرى إِذا قصَّر، ويقال: أَكْريتُ العَشاءَ، إِذا أَخَّرتَه، قال الشَّاعر يَصِفُ قِدْراً: تُقَسِّمُ ما فيها فإِنْ هي قُسِّمَتْ ... فذاكَ وإِنْ أَكْرتْ فعن أَهْلِها تُكْرِي أَرادَ: فإِن نَقَضَتْ فعن أَهلها تَنْقُضُ، أَي ضرر النُّقصان على أَهلها يرجع. وشبيه بهذا القول الآخر: أُقَسِّمُ جِسْمي في جسومٍ كثيرةٍ ... وأَحْسو قَرَاحَ الماءِ والماءُ باردُ أَي أُقَسِّم فيأْكلُ منه جماعة من النَّاس. ويُرْوَى بيت الحُطَيْئة: وأَكْريْتُ العَشاَء إِلى سُهَيْلٍ ... أَو الشِّعْرَى فطالَ بيَ الأَناءُ فمعنى أَكْريتُ أَخَّرتُ، وقالَ فقيه العرب: مَنْ سَرَّهُ البقاءُ ولا بقاء، فليباكرْ الغداءَ، ولْيُكْرِ العَشاءَ، وليُخفِّفِ الرِّداءَ. أَرادَ بيُكْرِي يؤخِّر، والرِّداء الدَّيْن. وكانت العرب تقول: تَرْك العَشاء يَذْهَب بعَضَلَة العَضُد، وكاذّة الفَخِذ؛ فالكاذَّة عندهم: لحم باطن الفَخِذ.

стр. 83

ويُحكَى عن أَبي عُبيدة أَنَّهُ كان يروي بيت الحُطَيْئة: وأَكْريْتُ العَشاَء إِلى سُهَيْلٍ ... أَو الشِّعْرَى فطالَ بيَ الكَرَاءُ ٤٥ - والدائِم من الأَضْداد، يقال للساكن دائم، وللمتحرِّك الدائر دائم، جاءَ في الحديث: نهى رَسُولُ الله ﷺ أَن يُبَالَ في الماءِ الدائم. وقالَ الجعْديّ: تَفُورُ عَلَيْنا قِدْرُهُمْ فنُدِيمُها ... ونفْثَؤُها عنَّا إِذا حَمْيُها عَلا أَرادَ: نُدِيمها، نسكِّنُها، ويقال: قد دوَّم الطائرُ في السَّماءِ إِذا تحرَّك ودار. وقالَ الأَصْمَعِيّ: لا يقال دوْم إِلَاّ في السَّماء، وقالَ: أَخطأَ ذو الرُّمَّة في قوله: حتَّى إِذا دوَّمتْ في الأَرضِ راجعَهُ ... كِبْرٌ ولو شاَء نجَّى نفْسَه الهربُ ويقال: بالرَّجل دُوام، أَي دُوار؛ وإِنَّما سمِّيت الدَّوامة بحركتها ودَوَرانها. ٤٦ - والسَّميع من الأَضْداد؛ يقال: السَّميع للَّذي يَسْمَع، والسَّميع للَّذي يُسْمِع غيرَه، والأَصل فيه مُسْمِع،

стр. 84

فصرِف عن مُفْعِل إِلى فَعِيل، كما قال ﵎: ولَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ، أَرادَ مُؤلم مُوجع. وقالَ عَمْرو ابن معدِي كَرِب: أَمِنْ ريْحانَة الدَّاعي السَّميع ... يُؤَرِّقُني وأَصحابي هُجُوعُ أَرادَ المسمِع. وقالَ ذو الرُّمَّة: وتَرْفَعُ منْ صدُورِ شَمرْدلاتٍ ... يَصُكُّ وُجوهَها وَهَجٌ أَليمُ أَرادَ مُؤْلم. ٤٧ - والصَّريم من الأَضْداد؛ يقال للَّيل صَرِيم، وللنَّهار صَرِيم؛ لأَنَّ كلَّ واحد منهما يَتَصرَّم من صاحبه، قال الشَّاعر: بكرَتْ عَليَّ تلُومُني بصريمِ ... فلقدْ عَذَلْتِ ولُمْتِ غَيْرَ مُليم أَرادَ بليل. وقال الآخر: عَلامَ تَقُولُ عاذِلَتِي تلُومُ ... تُؤَرِّقُنِي إِذا انْجابَ الصَّريمُ أَرادَ بالصَّريم اللَّيل، وقال الله : فأَصْبَحَتْ كَالصَّريمِ، فمعناه كاللَّيل الأَسود. قال زُهَيْر:

стр. 85

غَدَوْتُ عليهِ غُدْوَةً فوَجدْتُهُ ... قُعُوداً لديْهِ بالصَّريمِ عَواذِلُهْ أَرادَ باللَّيل قبل أَن تبْدُوا معالم الصُّبح؛ فيأْخذَ في الاستعداد للشَّرابِ، ويمنعه الشُّغل به عن استِماع عَذْل العواذل. وشبيه بهذا قول ابنِ أَحْمر: قدْ بكرَتْ عاذِلتي سُحْرَةً ... تَزْعُمُ أَنِّي بالصِّبا مُشْتَهرْ وقالَ بِشْر بن أَبي خازِم يذكر ثَوْراً: فباتُ يقولُ أَصْبِحْ لَيْل حتَّى ... تَجَلَّى عنْ صَرِيمتِه الظَّلامُ أَي عن الضَّوْء. وقالَ أَبو عُبيدة: صَرِيمتِه هاهنا: الرَّملة التي كان فيها. ٤٨ - وأَطلبُ حرف من الأَضْداد. يقال أَطْلَبْتُ الرَّجُلَ، إِذا أَعطيتَه ما يطلب، وأَطلبتُه، إِذا عرَّضتَه للطلب ولم تُعْطِه. ويقال: قد أَطلبَ الماءُ، إِذا حانَ له أَن يُطْلب؛ قال ذو الرُّمَّة يذكر بعيراً شبَّه به الظَّليم: أَضلَّهُ راعيَا كَلْبِيَّةٍ صَدَرَا ... عَنْ مُطْلِبٍ وطُلَى الأَعناقِ تضْطَرِب أَراد أَضلَّه راعيا إبِل كلْبيّة؛ وإنما خَصَّ إبلَ كَلْب؛ لأنها أَشدُّ سواداً من غيرها. ومعنى قوله: عن مُطْلِب عن

стр. 86

ماءٍ مُطْلِب، وهو الَّذي قد حان له أَن يُطْلَب. ٤٩ - وعفا حرف من الأَضداد. يقال: عفا الشيءُ إِذا نقص ودَرَس، وعفا إِذا زاد؛ فمن الدّرُوس قولهم: عليه العَفاءُ، قال زُهَيْر: تَحَمَّلَ أَهْلُها مِنْها فَبانُوا ... على آثارِ ما ذَهَبَ العَفَاءُ وقالَ امرؤ القَيْس: فتُوضِحَ فالمِقْراةِ لم يَعْفُ رَسْمُها ... لِما نَسَجْنها مِنْ جَنُوبٍ وشَمْأَلِ فمعناه: لم يدرس رسمها لنسج هاتين الريحين فقط، بل دَرَس لتتابع الرياح وكثرةِ الأَمطار، والدّليل على هذا قوله في البيتِ الآخر: فَهَلْ عِنْدَ رَسْم دارِسٍ مِنْ مُعَوَّلٍ ويقال: لم يعفُ رسمُها أَي لم يزِدْ رسمها لما نسجتها من هاتين الريحين، فالرّسم على هذا القول غير دارس. ومعنى قوله في البيت الآخر: فهل عند رسم دارس؟ فهل عند رسم سَيَدْرُس فيما يُسْتَقبَل، وهو السّاعةَ موجود باق! ويقال: معنى قوله: دارس قد درس بعضُه وبقي بعضُه. وقالَ أَبو بكر العَبْدِيّ: معناه لم يَعْفُ رسمها

стр. 87

من قلبي، وهو دارس من الموضع. وقالَ بعضهم: أَراد بقوله: لم يَعْفُ رسمها لم يَدْرُس، ثمَّ أَكذب نفسَه بقوله. فهل عند رسم دارس، كما قال زهير: قِفْ بالدِّيارِ التي لم يَعْفُها القِدَمُ ... بَلَى وغَيَّرَها الأَرْواحُ والدِّيَمُ وقالَ الآخر: فلا تَبْعَدَنْ يا خَيْرَ عَمْرِو بنِ مالكٍ ... بَلى إنَّ من زار القبورَ لَيَبْعَدُ ويقال: قد عفا الشَّعر إِذا كثر، قال الله : حتَّى عَفَوْا، فمعناه حتَّى كثروا، قال الشَّاعِر: ولكنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنْها ... بأَسْوُقِ عَافِياتِ اللَّحْمِ كُومِ أَرادَ كثيرات اللَّحم، يقال: قد عفا وبرُ البعير إِذا زاد. وقالَ محمد بن كعبٍ القُرَظِيّ لعمرَ بن عبد العزيز: لِمَا عَفَا من شَعَركَ. ويقال: أَعفيتُ الشاًعَر وعفوته إِذا كثَّرتَهُ وزدتَ فيه. أَمر رَسُولُ الله ﷺ أَن

стр. 88

تُحْفَى الشَّوارب وتُعْفَى اللِّحَى، أَي تُوفَّر. ويقال: قد عفا فلانٌ فلاناً إِذا سأَله والتمس نائلَه، وجَمْع العافي عافُون وعُفَاة، قال الأَعشى: تَطُوفُ العُفَاةُ بأَبْوابِهِ ... كطَوْفِ النَّصارَى ببَيْتِ الوَثنْ وقال الآخر: تَطُوفُ العُفَاةُ بأَبْوابِهِ ... كما طافَ بالبِيعَةِ الرَّاهِبُ أَرادَ كالرَّاهب الَّذي طاف بالبِيعَة. ٥٠ - والذَّفَر من الأَضْداد؛ يقال: شَمِمْتُ للطِّيب ذَفَراً والنَّتْن ذَفَراً، والذَّفَرُ حِدَّة الريح في الطيب والنّتْن جميعاً، والدَّفْرُ، بتسكين الفاء مع الدال، لا يقال إِلَاّ في النَّتْن، من ذلك قولهم: الدنيا أَم دَفْر، وللأَمَة: يا دَفَارِ، ومنه قول عمر بن الخطاب ﵀: وادَفْراه! ٥١ - ورَتَوْت من الأَضداد. قال أَبو عَمْرو: يقال: رَتَوْتُ الشَّيْء، إِذا قوّيتَه، ورتوتُه، إِذا ضعَّفتَه؛ فمن التضعيف والنّقص قول الحارِث بن حلّزة يَصِفُ جبلاً: مكْفَهِرًّا على الحوادِثِ لا تَرْ ... توهُ للدَّهْرِ مُؤيدٌ صَمَّاءُ

стр. 89

أَي لا تنقُصه ولا تُضعِفه. قال لَبيد يذكر كتيبةً أَو درعاً: فَخْمةً دَفْراَء تُرْتَى بالعُرى ... قُرْدَمانيًّا وتَرْكاً كالبَصَلْ فمعنى تُرتى تُقْبَض وتُجْمَع؛ لأنَّ الدِّرع يكون لها عُرًى في وَسَطِها؛ فإذا طالت على لابسها شمَّر ذيلَها فشدَّهُ في العُرَى. وقالَ زُهَيْر: ومُفَاضَةٍ كالنِّهْي تَنْسِجُهُ الصَّبَا ... بَيْضاَء كفَّتْ فَضْلَها بمهنَّدِ ذهب إِلى أَنَّ الدِّرع لما طالت على لابسها عَلّق الذَّيْل بمِعْلاق في السيف. والرَّتْو أَيْضاً: الجمع والشدّ؛ قال النّبي ﷺ : الحَساءُ يَرْتُو فُؤادَ الحَزين، ويَسْرو عن فؤاد السقيم. والرَّتْوة: الخطو. والرَّتوة: الخطوة، يقال: رتوْتُ، إِذا خطوتُ، ومعنى يسرو يكشف، سَرَوْتُ الثَّوْبَ عن الرَّجل، إِذا كشفتَه، قال ابن هَرْمة: سَرَا ثَوْبَهُ عَنْكَ الصِّبَا المتَخَايلُ ٥٢ - وجَلَل من الأَضداد. يقال: جَلَل لليسير، وجلل للعظيم، قال لَبيد: وَأَرَى أَرْبَدَ قد فارَقني ... وَمِنَ الأَرْزاءِ رزْءٌ وَجَلَلْ

стр. 90

أَي عظيم. وقالَ نابغَة بَنِي شيبان: كُلُّ المُصيباتِ إنْ جَلَّتْ وإنْ عَظُمَتْ ... إِلَاّ المصيبةُ في دينِ الفَتى جَلَلُ والشِّعْر شيءٌ يَهيمُ النَّاطقون بهِ ... منه غِناءٌ ومنه صادِقاً مَثَلُ أَراد كلّ المصيبات يَسيرة. وقالَ الآخر: كُلُّ رُزْءٍ كان عِنْدي جَلَلاً ... غَيْرَ ما جاَء به الرَّكْبُ ثنِيَ وقالَ عِمران بن حِطّان: يا خَوْلَ يا خَوْلَ لا يَطْمحْ بكَ الأَملُ ... فقَدْ يكذِّبُ ظنَّ الآملِ الأَجَلُ يا خَوْلَ كيْفَ يَذوقُ الخفْضَ مُعْتَرِفٌ ... بالموْتِ والموتَ فيما بَعْدَهُ جَلَلُ وقالَ المثقَّب: كُلُّ رُزْءٍ كان عندي جَلَلاً ... غير كُرْسُفَّةَ مِنْ قِنْعَى قُطُرْ وقال الآخر: لقَتْلِ بَنِي أَسدٍ ربَّهُمْ ... أَلا كُلُّ شيءٍ سواهُ جَلَلُ وقال الآخر: فَلَئِنْ عَفَوْتُ لأَعْفُوَنْ جَلَلا ... ولئِنْ سَطَوْتُ لأُوهِنَنْ عَظْمِي

стр. 91

أَرادَ: فلئن عفوت لأَعفونّ عفواً عظيماً. ويُرْوَى: لأَعْفُوَنْ جُلُلاً، فجُلُل جمع جَليل، يقال: أَمر جليل وجَلَل، وأُمورٌ جُلُل؛ قال الشَّاعر: رَسْمِ دارٍ وَقَفْتُ في طَلَلِهْ ... كِدْتُ أَقْضِي الحياةَ مِنْ جَلَلِهْ أَراد من عِظَمه عندي، ويقال: قد جلَّت المصيبة، إِذا عظمت؛ وإِلى هذا كان يذهب الأَصْمَعِيّ في البيت. وقالَ الكِسَائِيّ والفرَّاءُ: معنى قوله: من جَلَله من أَجله؛ يقال: فعلت هذا من أَجلك، ومن إِجلك، ومن إِجلاك، ومن جَلَلك، ومن جَلَالِك، ومن جرَّاك، ومن جَرَّائك؛ بمعنًى، قال الشَّاعر: أَمِنْ جَرَّى بَنِي أَسَدٍ غَضِبْتُمْ ... ولو شئتمْ لكان لكمْ جِوارُ ومِنْ جَرَّائِنَا صِرْتُم عَبيداً ... لقومٍ بَعْدَما وُطِئ الخَبَارُ وقال الآخر: أُحبُّ السَّبْتْ مِنْ جَرَّاكِ حتَّى ... كأَنِّي يا سَلامَ من اليَهُودِ أَرادَ: من أَجلك. ٥٣ - ووثبَ حرف من الأَضْداد، يقال: وَثب الرَّجلُ إِذا نهض وطَفَر من موضع إِلى موضع، وحِمْيَر تقول:

стр. 92

وَثَب الرَّجُل، إِذا قعد. وقالَ الأَصْمَعِيّ وغيرُه: دخل رجلٌ على ملكٍ من ملوك حِمْيَر، وكانَ الملكُ جالساً في موضع مُشْرِف، فارتقى إِلَيْه، فقال له الملك: ثِبْ؛ يريد اجْلِس، فطفَر، فسقط فاندقَّتْ عنقُه، فقال الملك: من دَخَل ظَفَارِ حَمَّر، أَي تكلَّم بلسانِ حِمْيَر. وقالَ بعضهم: مَعْنَى حَمَّر تزيَّا بزيِّهم ولبس الحُمْر من الثياب. وظَفَارِ: اسم مدينة باليمن، وإِليها يُنسب الجَزْع الظَّفارِيّ، وظَفَارِ، كسرت لأَنَّها أُجريت مجرى ما سُمِّي بالأَمر، كقولك: قَطَامِ وحَذَامِ؛ لأَنَّهما على مثال قَوالِ ونَظَارِ؛ ومن ذلك حَلَاقِ، من أَسماءِ المنِيَّةِ، وطَمَارِ اسم جَبَل، قال الشَّاعر: فإِنْ كُنْتِ لا تَدْرِينَ ما الموتُ فانْظُري ... إِلى هانئِ في السُّوقِ وابنِ عَقيلِ إِلى بَطَلٍ قَدْ عَفَّرَ التُّرْبَ خَدَّهُ ... وآخرَ يَهْوي مِنْ طَمَارِ قَتيلِ ويُرْوَى: طَمَارَ، ويجوز: مَنْ دخل ظَفَارَ حَمَّر؛ على أَنْ يجري ظَفَارَ مَجرى زينب ونوار. ٥٤ - والنَّبَل من الأَضْداد؛ يقال: نَبَل لِلْجلَّة العظام، ونَبَلَ للصِّغار.

стр. 93

ومن الصِّغار حديث النَّبِيّ ﷺ في الغائط: اتَّقوا الملَاعن وأَعِدُّوا النَّبَل، فالملاعِن الطرقات والمواضع التي يَلْعن النَّاسُ مَنْ قَذَّرها. والنَّبَل: حجارةُ الاستنجاء، سُمِّيت نَبَلاً لصِغَرها. قال أَبو عُبيدة: حدَّثني إِسحاق بن عيسى، قال: سمعت القاسم بن معن يقول: مات رجل من العرب، فورِثه أَخوه، فعيَّر الحيَّ بعضُ العرب، ونسبه إِلى أَنَّهُ قد فرح بموت أَخيه لِمَا صار إِلَيْه من ماله، فقال الرَّجُل: إِنْ كنت أَزْنَنْتَنِي بها كذِباً ... جَزْءُ فلاقَيْتَ مِثْلَها عَجِلَا أَفْرَحُ أَنْ أُرْزَأ الكرامَ وأَنْ ... أُورَثَ ذَوْداً شَصائِصاً نَبَلَا الشَّصائص: التي لا أَلبان لها، والنَّبَل: الصِّغار الأَجسام وأَنكر ابن قتيبةَ هذا، وقالَ: إنَّما هو وأَعِدُّوا النُّبَل بضمّ النُّون، قال: والنُّبَل: جمع نُبْلة، والنُّبْلَةُ: ما انتبلتَ من الأَرض من حَجَر، أَي تناولت؛ فالنُّبْلة: اسم المتناوَل، بمنزلة الغُرْفة اسماً للمغروف، والحُسوة

стр. 94

للشَّيء الَّذي يُحْسَى، قال: وهذا البيت هو شَصائِصاً نُبَلاً بضمّ النُّون، أَي عطيَّة وعِوَضاً. قال أَبو بَكْر: فالَّذي قاله ابنُ قتيبةَ عندي خطأ من ثلاثة أَوجه: أَحدُهنّ: أَنَّ النُّبَلَ لو أُريد بها ما يُتناول من الأَرض، لجاز أَن يقال لقطع الخزف والزُّجاج وما أَشبههما: نُبَل، وهذا غير معروف فيهما، ولا يجاز الاستنجاءُ بهما. والحجَّة الثانية: أَنَّ العرب لا تقول: فَعْلة وفُعْلة في معنى المصادر والأَسماء المبنيَّة على الأَفعال إِلَاّ إِذا تكلَّموا بفعلت، فيقولون: حَسَوْت حَسْوَةً، والحُسْوة الاسم، وغرفت غَرْفة، والغُرفة الاسم، وخطوتُ خَطْوة، والخُطوة الاسم، وفَرَجْتُ فَرْجة، والفُرْجة الاسم؛ ولا يقال في هذا نَبَلْتُ، فمتى لم يُتكلَّم ب فعلت لم يتكلَّم منه بفَعْلة وفُعْلة، أَلا تَرى أَنَّ العربَ تقول: انتبلت؛ فغير جائز أَن يقول القائل: انتبلتُ نَبْلة؛ بل يجب أن يقول: انتبلتُ انتبالة. والحجَّة الثالثة: أَنَّهُ قال في حديث أَبي هُرَيْرَة: لو حَدَّثت بكلِّ ما أَعلم لرَموْني بالقِشَع، والقِشَع: جمع قَشْعَة، والقَشْعَة: ما يُقْشع من الأَرض من الحجر والطِّين والخزف وغير ذلك. والقِشَع: جمع قَشْعة، كما تقول: بَدْرة

стр. 95

وبِدَر، فنقَض ابنُ قتيبة بهذا على نفسه ما ادَّعاه في تأْويل الحديث الأَوَّل؛ لأَنَّه إِذا صلَح أَن تكون القَشْعة اسماً لما يُقْشع من الأَرض، وأَن يُقال في جمعها قِشَع، صَلَح أَن تكون النَّبَلَة اسماً لما يُتَنَبَّل من الأَرض، وأَن يقال في جمعها: نِبَل ونَبَل، كما يقال: حَلْقة وحِاَق، وحَلَق، وعَبْرة وعِبَر وعَبَر. وقالَ ابن قتيبة في شعر لَبِيد: كأَرْآمِ النُّبَلْ، فجعل هذا شاهداً لقوله، وهذا عندنا تَصْحِيف منه، إِذا كانت الرُّواة روت البيت على غيرِ ما وصف، فاتَّفقوا على أَنَّهُ: وَمُرِنَّاتٍ كأَرْآمِ تُبَلْ وقالوا: المُرِنَّات النِّساء اللَّواتي يُعْلِنَّ الرنَّة، والأَرآم: الظباء، فشبَّه النِّساءَ بالظباءِ في تُبَل. وتُبَل: اسم موضع. ٥٥ - وأَخْفَيت حرف من الأَضْداد؛ يقال: أَخفيت الشَّيء، إِذا سترتَه، وأَخفيتُه إِذا أَظْهرتَه، قال الله : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها، فمعناه أَكاد أَسترها، وفي قراءة أُبَيّ: أَكادُ أَخْفيها من نفسي،

стр. 96

فكيف أُطلعكم عليها، فتأْويل من نفسي: من قبلي ومن غيبي، كما قال: تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أَعْلَمُ ما في نَفْسِكَ، ويقال: معنى الآية: إِنَّ السَّاعة آتية أَكاد أُظهرها. ويقال: خَفَيْتُ الشَّيءَ، إِذا أَظهرتَه. ولا يقع هذا - أَعني الَّذي لا أَلف فيه - على السَّتر والتَّغطية. قال الفَرَّاءُ: حدَّثنا الكِسَائِيّ، عن محمد بن سهل، عن وقاء، عن سعيد بن جُبَيْر أَنَّهُ قرأَ: أَكاد أَخْفيها، فمعنى أَخفيها أُظهرِها. وقالَ عَبْدة بن الطَّبيب يذكر ثوراً يحفِر كِناساً، ويستخرج ترابَه فيظهره: يَخْفِي التُّرابَ بأَظْلافٍ ثَمانيةٍ ... في أَربعٍ مَسُّهُنَّ الأَرْضَ تحْليلُ أَرادَ يظهر التُّراب. وقالَ الكِنديّ: فإِنْ تَدْفِنُوا الدَّاَء لا نَخْفِهِ ... وإِنْ تَبْعَثُوا الحرْبَ لا نَقْعُدِ أَرادَ لا نظهره، وقالَ النَّابِغَة: يَخْفِي بأَظلافهِ حتَّى إِذا بلغَتْ ... يُبْسَ الكثيب تَدانَى التُّرب وانْهَدَمَا أَرادَ يظهر. قال أَبو بَكْر: يجوز أَن يكون معنى الآية: إِنَّ السَّاعة آتية أَكاد آتي بها؛ فحذف آتي لبيان معناه، ثمَّ

стр. 97

ابتدأَ فقال: أُخْفِيها لتُجْزَى كُلُّ نفس، قال ضابئ البرجميّ: هَمَمْتُ ولمْ أَفعلْ وكِدْتُ وليتَني ... تركْتُ على عُثْمانَ تَبْكي حَلائِلُهْ أَرادَ: وكدت أَقتله، فحذف ما حذف، إِذا كان غير مُلبِس. ويجوز أَن يكون المعنى: إِنَّ السَّاعة آتية أُريد أُخفيها، قال الله : كذَلِكَ كِدْنَا ليُوسُفَ، فيقال: معناه أَردنا. وأَنشدَنا أَبو عليّ العنزيّ للأَفْوَه: فإِنْ تَجَمَّعَ أَوْتادٌ وأَعْمِدَةٌ ... وسَاكنٌ بلغوا الأَمرَ الَّذي كَادُوا معناه الَّذي أَرادوا، وقال الآخر: كادَتْ وكِدْتُ وتلك خير إِرَادَةٍ ... لوْ عادَ مِنْ لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضَى معناه أَرادت وأَردت. ويجوز أَن يكون معنى الآية: إِنَّ السَّاعة آتية أَخفيها لتُجْزَى كُلُّ نفس؛ فيكون أَكاد مزيداً للتَّوكيد، قال الشَّاعر: سَريعاً إِلى الهيجاءِ شاكٍ سِلاحُهُ ... فما إِنْ يَكادُ قِرْنُهُ يتنفَّسُ أَرادَ: فما كاد قرنه. وقالَ أَبو النَّجم: وإِنْ أَتاكَ نَعِيِّي فانْدُبنَّ أَبَا ... قَدْ كادَ يَضْطَلِعُ الأَعْداَء والخُطَبَا

стр. 98

معناه قد يضطلع. وقال الآخر: وأَلَاّ أَلومَ النَّفْسَ فيما أَصابَني ... وأَلَاّ أكادَ بالَّذي نِلْتُ أَبْجَحُ معناه: وأَلَاّ أَبجح بالَّذي نلت. وقالَ حسَّان: وَتَكادُ تكسلُ أَنْ تجيَء فِراشَهَا ... في جِسْمِ خَرْعَبَةٍ وحُسْنِ قَوامِ معناه: وتكسل أَن تجيءَ فِرَاشها. وقال أَبو بَكْر: والمشهور في كدت مقاربة الفعل، كدت أَفعل كذا وكذا: قاربت الفعل ولم أَفعله. وما كدت أَفعله، معناه فعلتُه بعد إِبطاءٍ، قال الله : فَذَبَحُوهَا ومَا كَادُوا يَفْعَلُونَ، معناه فعلوا بعد إِبطاء لغَلائها، قال قيس بن الخَطيم: أَتعرفُ رَسْماً كاطِّرادِ المذاهِبِ ... لِعَمْرَةَ وَحْشاً غَيْرَ مَوْقِفِ رَاكِبِ دِيارُ التي كادتْ ونَحْنُ على مِنًى ... تحُلُّ بنا لولا نَجاءُ الرَّكَائِبِ معناه قاربت الحلول ولم تحلّ. وقالَ ذو الرُّمَّة: وَقَفْتُ على رَبْعٍ لِميَّةَ ناقَتي ... فما زِلْتُ أَبْكِي عِنْدَهُ وأُخاطِبُهْ وأُسْقِيهِ حتَّى كادَ ممَّا أَبُثُّهُ ... تُكَلِّمُني أَحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ معناه: قارب الكلام ولم يكن كلام. وقال الآخر:

стр. 99

وَقَدْ كِدْتُ يَوْمَ الحزْنِ لمَّا تَرَنَّمتْ ... هَتُوفُ الضُّحَى مَحْزُونَةٌ بالتَّرَنُّمِ أَموتُ لِمَبْكاها أسي إِنَّ عَوْلَتي ... وَوَجْدِي بِسُعدى شَجْوُهُ غَيْرُ مُنْجمِ ويقال: خفا البرق يخفو، إِذا ظهر، وهو من قولهم: خَفَيْتُ الشَّيْءَ، إِذا أَظهرتَه، قال حُمَيد بن ثور: أرِقْتُ لبَرْقٍ في نَشَاصٍ خَفَتْ بهِ ... سَواجِمُ في أَعناقهنَّ بُسُوقُ بُسوق: طول، بَسَقَ الرَّجُل إِذا طال. ٥٦ - ويقال: تهيَّبتُ الطَّريق وتهيَّبَني الطَّريق ، بمعنًى، وهذا من الأَضْداد، قال الشَّاعر: وإِنْ أَنْتَ لاقَيْتَ في نجْدَةٍ ... فَلا تَتَهَيَّبْكَ أَنْ تُقْدِما وقالَ الرَّاعي: ولا تَهَيَّبُني المَوْماةُ أَركبُها ... إِذا تَجاوَبَتِ الأَصْداءُ بالسَّحَرِ قال أَبو بَكْر: وهذا عندي ممَّا يُقْلَب؛ لأنَّ اللَّبْس يؤمن في مثله، فيقال: تهيَّبني الطَّريقُ، لأَنَّه معلوم أَنَّ الطَّريقَ لا تتهيَّب أحداً، فإِذا جاءَ ما يمكن اللَّبس فيه لم يكن

стр. 100

الفاعل بتأْويل المفعول، والمفعول بتأْويل الفاعل، أَلا ترَى أَنَّهُ لا يسوغ لقائل أنْ يقول: ضَربني عبد الله، وهو يريد ضربتُ عبد الله؛ لأنَّ في هذا أَعظم اللَّبْس، والقلب معروف في كلام العرب عند بيان المعنى، قال البَعيث بن بشر: أَلا أَصبحتْ خَنْساءُ جاذمَةَ الحَبْلِ ... وضَنَّتْ علينا والضَّنِينُ من البُخْلِ معناه: والبخل من الضَّنين، قال الأصمعي، أَنشدني أَبو عَمْرو: إِنَّ بَنِي شُرَحْبِيلَ بنِ عَمْرو ... تمادَوْا والفُجورُ من التَّمادي معناه: والتَّمادي من الفُجور، وقالَ القُطاميّ: فَلَمَّا أَنْ جَرَى سِمَنٌ عليها ... كما بَطَّنْتَ بالفَدَنِ السَّيَاعا الفَدَن: القصر، والسَّياع: الصَّارُوج، ومعنى البيت: كما بطنت الفَدَن بالسَّيَاع. وقالَ العبَّاس بن مرْداس: فَدَيْتُ بنَفْسِهِ نَفْسِي ومَالي ... ولا آلوك إِلَاّ ما أُطيقُ معناه فديتُ نفسَه بنفسي، وقالَ الأَعشى: ما كنتُ في الحَرْبِ العَوانِ مُغَمَّراً ... إذْ شبَّ حَرُّ وقودِها أَجذَالَهَا معناه إذْ شبَّ أَجذالُها حَرَّ وقودها، وقال الآخر:

стр. 101

وتُرْكَبُ خَيلٌ لا هَوادَةَ بينها ... وتَشقى الرِّماحُ بالضَّيَاطِرَةِ الحُمْرِ معناه: وتشقَى الضَّيَاطِرة بالرِّماح. والضَّيَاطِرة: جمع ضَيْطار، والضَّيطار: الكثير اللَّحم. وقالَ الفرزدق: غَدَاةَ أَحَلَّتْ لابنِ أَصْرَمَ طَعْنَةٌ ... حُصَيْنٍ عبيطاتِ السَّدائِفِ والخَمْرُ رواه الكِسَائِيّ والفرَّاءُ وهشام وغيرهم برفع الطَّعنة، ونصب العبيطات ورفع الخمر على معنى: والخمر كذلك، أَي والخمر أَحلَّتها الطَّعنة أَيْضاً. وقالَ الفَرَّاءُ: هو بمنزلة قول الآخر: يأَيُّها المشتكي عُكْلاً ومَا جَرَمَتْ ... إِلى القَبائِلِ مِنْ قَتْلٍ وإِبْآسِ إِنَّا كذاكَ إِذا كانت هَمَرَّجَةٌ ... نَسبِي ونَقتلُ حتَّى يُسْلِمَ النَّاسُ أَرادَ: وإِبآس كذاك. وروى بيتَ الفرزدق البصريون: غَدَاةَ أَحَلَّتْ لابنِ أَصْرَمَ طعنة ... حصينٍ عبيطاتُ السَّدائِفِ والخَمْرُ وجعلوه مقلوباً، تأْويله: أَحلَّت عبيطاتُ السَّدائف والخمرُ الطَّعنةَ. وقالَ ابن قَيْسِ الرُّقيات: أَسْلَمُوها في دِمَشْقَ كَما ... أَسْلَمَتْ وَحْشِيَّةٌ وَهَقَا قال أَبو عُبيدة: معناه كما أَسلم وهقٌ وحشيّة، وقالَ

стр. 102

الأَصْمَعِيّ: معناه كما أَسلمت وحشيَّة وَهَقاً، فنجت منه ولم تقع فيه، وقالَ الحُطَيْئة: فَلَمَّا رأَيتُ الهُونَ والعيرُ مُمْسِكٌ ... على رَغْمِهِ ما أَثْبَتَ الحبْلَ حافِرُهْ قال أَبو عُبيدة: معناه ما أَثبت الحافرَ الحبلُ. وقالَ الأَصْمَعِيّ: معناه ما أَثبت الحافرُ الحبلَ، فمنعه من أَن يخرج. وأَنشدَنا أَبو العبَّاس، عن ابن الأَعْرَابِيّ، لأَبي حيَّة النُّمَيْرِيّ: تَرَحَّلَ بالشَّبَابِ عَنَّا ... فَلَيْتَ الشَّيْبَ كان بهِ الرَّحِيلُ أَرادَ: ترحَّلَ الشَّبابُ بالشَّيب، فقلب. ٥٧ - وقالَ بعض النَّاس: طَرِبَ حرف من الأَضْداد؛ يقال: طرب إِذا فرح، وطرب إِذا حزن؛ قال ابن الدُّمينة في معنى الفرح والسُّرور: أَنشدناه أَبو العبَّاس: فَلا خير في الدُّنيا إِذا أَنتَ لم تَزُرْ ... حبيباً ولم يَطْرَبْ إِليكَ حبيبُ وقالَ لَبِيد في معنى الحُزن: وأَراني طَرِباً في إِثْرِهمْ ... طَرَبَ الوالِهِ أَو كالمختَبلْ

стр. 103

معناه: وأراني حزيناً. ويُرْوَى أَو كالمحتبلْ، بالحاءِ، أَي كالَّذي يقع في حُبالة الصَّائد. ولم يصب هذا القائل عندي، لأنَّ الطَّرب لَيْسَ هو الفرح ولا الحزن؛ وإِنَّما هو خِفَّة تلحق الإِنسان في وقت فرحه وحَزَنه، فيقال: قد طرب إِذا اسْتخفّ، قال بعض الأَعراب: ومَا هَاجَ هذا الشَّوْقَ إِلَاّ حَمَائمٌ ... لَهُنَّ بساقٍ رَنَّةٌ وَعَويلُ تَجَاوَبْنَ في عَيْدانَةٍ مُرْجَحِنَّةٍ ... من السِّدرِ رَوَّاها المصيفَ مسيلُ فأَطربنَني حتَّى بكيتُ وإِنَّما ... يَهيج هَوَى جُمْلٍ عليَّ قَليلُ ٥٨ - وقالَ قُطْرب: المأْتم حرف من الأَضْداد؛ يقال للنِّساءِ المجتمعات في الحزن: مأْتم، وللمجتمعات في الفرح: مأْتم، قال العجَّاج: لنَصْرَعَنْ ليثاً يُرِنُّ مأْتَمُهْ ... مُعَلَّقاً عِرْنِينُه ومِعْصَمُهْ وقالَ ابن مُقْبِل: ومأْتمٍ كالدُّمَى حُورٍ مدامِعُها ... لم تَلبِس البُؤْسَ أَبكاراً ولا عُونَا وقالَ ابن أَحمر: وكَوْمَاَء تَحْبُو ما تُشيِّع ساقُها ... لَدَى مِزْهَرٍ ضارٍ أَجَشَّ ومَأْتَمِ

стр. 104

وقال الآخر: رَمَتْه أَنَاةٌ مِنْ رَبيعةِ عامر ... نَئُوم الضُّحى في مأْتم أَيّ مأْتَمِ وغير قُطْرب يقول: المأتم لَيْسَ من الأَضْداد؛ لأَنَّه إنَّما يُراد به النِّساء المجتمعات، فاجتماعهنَّ في الفرح كاجتماعهنَّ في الحزْن، قال أَبو عطاء السِّندي يَرثي ابنَ هُبَيْرة: أَلا إِنَّ عيناً لم تَجُدْ يَوْمَ وَاسِطٍ ... عليكَ بِجاري دَمْعِها لَجَمُودُ عَشِيَّةَ قامَ النَّائحاتُ وشُقِّقتْ ... جُيوبٌ بأَيادِي مأْتم وخُدودُ وقالَ حُمَيْد بن ثور يذكر حمامةً وفَرْخَها: أتِيحَ لها صَقْرٌ مُسِفٌّ فلمْ يَدَعْ ... بموضعه إِلَاّ رَميماً وأَعْظُمَا تَبَكَّتْ على ساقٍ ضُحيًّا فلمْ تَدَعَ ... لباكيةٍ في شَجْوِهَا متلوَّما فهاج حَمامَ الغيضتين نُواحُها ... كما هَيَجَّتْ ثكْلى على النَّوْحِ مأْتَما والعامَّة تخطئ فتتوهَّم أَنَّ المأْتم الاجتماع في الحُزن خاصَّة، وقد عرَّفتُك مذاهبَ العرب فيه. ٥٩ - ومن الأَضْداد أَيْضاً المفازة ؛ تقع على المنجاة وعلى المهلَكة، قال الله : فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بمَفازَة مِن

стр. 105

العَذَاب، فمعناه: بمنجاة من العذاب؛ وهي مفعلة من الفوز. وقالَ امرؤ القَيْس في المعنى الآخر: أَمِنْ ذِكْرِ لَيْلَى إذْ نَأَتْكَ تَنُوصُ ... فتُقْصِرُ عنْها خَطْوة وتبُوصُ تَبُوصُ وَكَمْ مِنْ دُونِها مِنْ مَفازَةٍ ... وكم أَرْضِ جَدْبٍ دُونَها ولُصُوصُ واختلف النَّاس في الاعتلال لها: لِمَ سُمِّيت مفازة على معنى المهلَكة؛ وهي مأْخوذة من الفَوْز؟ فقال الأَصْمَعِيّ وأَبو عبيدٍ وغيرهما: سُمِّيت مفازة على جهة التَّفاؤل لمن دخلها بالفَوْز، كما قيل للأَسود: أَبو البَيْضاءِ، وقيل للعطشان: ريَّان. وقالَ ابن الأَعْرَابِيّ: إنَّما قيل للمهلَكة مَفَازة؛ لأنَّ مَنْ دَخَلَها هَلك، من قول العرب: قد فَوَّزَ الرَّجُل إِذا مات، قال الكُمَيْتُ: ومَا ضَرَّهَا أَنَّ كَعْباً ثَوَى ... وفَوَّزَ مِنْ بَعْدِهِ جَرْوَلُ ٦٠ - والسَّليم حرف من الأَضْداد؛ يقال: سليم للسَّالم، وسليم للملدوغ؛ جاءَ رجلٌ إِلى النَّبِيّ ﷺ ، فقال: إِنَّ في الحيِّ سَلِيماً، أَي ملدوغاً. وقالَ الشَّاعر:

стр. 106

يُلاقي مِنْ تَذَكُّر آل لَيْلَى ... كما يَلْقَى السَّليم مِنَ العِدادِ العِداد: العِلَّة التي تأْخذ الإِنسان في وقت معروف، نحو الحُمَّى الرِّبع والغِبّ، وما أَشْبَه ذلك، قال النَّبِيّ ﷺ : ما زالتْ أَكْلَة خَيْبَر تُعادُّني فهذا أَوانُ قَطَعَتْ أَبْهَري، والأَبهر: عِرْق مُعَلَّق بالقلب إِذا انقطع مات الإِنسان، قال الشَّاعر: وللفُؤَادِ وَجِيبٌ تحت أَبْهَرِهِ ... لَدْمَ الغُلامِ وَرَاَء الغَيْبِ بالحَجَرِ وقالَ الأَصْمَعِيّ وأَبو عبيد: إنَّما سمِّي الملدوغ سَلِيماً على جهَةِ التَّفاؤل بالسَّلامة، كما سمِّيت المهلَكة مفازة على جهة التَّفاؤل لمن دخلها بالفوز. وأَخبرنا أَبو العبَّاس، عن سلمة، عن الفَرَّاء، قال: قال بعضُ العرب: إنَّما سُمِّي الملدوغُ سليماً لأنَّه مُسْلَم لما به. قال أَبو بَكْر: الأَصلُ فيه مُسْلَم فصرف عن مُفْعَل إِلى فعيل، كما قال الله : تِلكَ آيَاتُ الكِتَاب الحَكِيم، أَرادَ المحكَم. ٦١ - وغَرِضْتُ حرف من الأَضْداد؛ يقال: غَرِضَ

стр. 107

الرَّجُل غَرَضاً إِذا ضَجِر من الشَّيْء وملّه، وغَرِضَ غَرَضاً إِذا اشتاق إِلَيْه وأَراده، فأَمَّا معنى الضَّجر فإِنَّه لا يُحتاج فيه إِلى شاهد لشهرته عند النَّاس، وأَمَّا المعنى الآخر، فإِنَّ أَهل اللُّغة أَنشدوا فيه: مَنْ ذَا رَسُولٌ ناصِحٌ فمبلِّغٌ ... عَنِّي عُلَيَّةَ غَيْرَ قِيلِ الكاذِبِ أنِّي غَرِضْتُ إِلى تَناصُفِ وجْهها ... غَرَضَ المُحِبِّ إِلى الحَبيبِ الغائبِ معناه اشتقت إِلى وجهها، والتناصُف الحُسْن، يقال: وجه متناصف ومُقَسَّم وبَشير، إِذا كان حَسَناً، أنشد الفَرَّاءُ وغيرُه: فَيوماً تُعاطِينا بوجهٍ مُقَسَّمٍ ... كأَنْ ظَبْيَةٍ تَعْطُو إِلى وارِقِ السَّلَمْ وقال الآخر: يا بِشْرُ حُقَّ لِوَجْهِكَ التَّبْشيرُ ... هَلَاّ غَضِبْتَ لا وأَنْتَ أَمِيرُ والقِسْمَة الوجه، وجمعها قَسِمات. قال الشَّاعر: كأَنَّ دَنانيراً على قَسِماتِهِمْ ... وإِنْ كان قَدْ شَفَّ الوُجوهَ لِقَاءُ أَرادَ على وجوههم. ٦٢ - وبَعْد حرف من الأَضْداد؛ يكون بمَعْنَى التأْخير،

стр. 108

وهو الَّذي يفهمه النَّاس ولا يحتاج مع شهرته إِلى ذكر شواهد له، ويكون بمَعْنَى قبل، قال الله : ولَقَد كَتَبْنَا في الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ، فمعناه عند بعض النَّاس من قبل الذِّكْر، لأنَّ الذِّكر القرآن. وقالَ أَبو خرَاش: حَمِدْتُ إِلهي بَعْدَ عرْوَةَ إذْ نَجَا ... خِراشٌ وبَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ أَرادَ قبل عروة، لأنَّهم زعموا أَنَّ خِراشاً نجا قبل عُرْوة. قال الله : والأَرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحَاهَا، فمعناه: ولأرض قبل ذلك دحاها، لأنَّ الله خلق الأَرض قبل السماء. والدليل على هذا قوله: ثمَّ اسْتَوَى إِلى السَّماءِ وهيَ دُخَانٌ. وقالَ ابن قتيبة: خَلَق الأَرْضَ قبل السَّماء ربوةً في يومين، ثمَّ دَحَا الأَرضَ بعد خلقه السموات في يومين، ومعنى دحاها بسطها. قال أَبو بَكْر: وهذا القول عندنا خطأ؛ لأنَّ دَحْوَ الأَرض قد دخل في إِرسائها والتبريك فيها، وتقدير

стр. 109

أَقواتها، وذلك أَنَّهُ قال : وجَعَلَ فيها رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِها وبَارَكَ فيها وقَدَّرَ فيها أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّام، علمنا أَنَّ الدَّحْوَ دخل في هذه الأَيَّام الأَربعة، وهذه الأَيَّام الأَربعة قبل خلق السَّماء. فإِنْ كان الدَّحْوُ وقع في يومين خارجين من هذه الأَربعة فقد وقع الخلقْ في يومين سوى الأَربعة أَيْضاً، فتُحْمَلُ الآياتُ على أَنَّ الخلق كان في يومين، والدَّحْو في يومين، والإِرساء والتبريك والتقدير في أَربعة أَيام، فتنفرد الأَرض بثمانية أَيَّام. وهذا خلاف ما نصَّ عليه إذْ قال: ولَقَدْ خَلَقْنَا السَّموات والأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا في سِتَّة أَيَّام، فعلمنا بهذه الآية أَنَّ الخلق والدَّحْو جميعاً دخلا في الأرْبعة التي ذكرها الله مع الإِرساء والتبريك والتقدير. فإِنْ قال قائل: كيف يدخُلُ يومَا الخلقِ في هذه الأَربعة حتَّى يصيرا بعضَها، وقد فَصَل الله اليومين من الأَربعة؟ قيل له: لمَّا كان الإِرساءُ من الخلق وانْضَمَّ إِلَيْه تقدير الأَقوات نُسِق الشَّيءُ على الشَّيءِ للزيادة الواقعة معه، كما يقول الرَّجُل للرَّجُل: قد بنيتُ لك داراً في شهر، وأَحْكَمْتُ

стр. 110

أَساسَاتِها، وأَعْلَيْتُ سُقُوفَها، وأَكثرتُ ساجَها، ووصلتها بمثلها في شهرين، فيدخل الشَّهرُ الأَوَّلُ في الشَّهرين، ويُعْطَفُ الكلام الثَّاني على الأَوَّل، لما فيه من معنى الزيادة، أَنشد الفَرَّاءُ: فإِنَّ رُشَيْداً وابْنَ مَرْوانَ لم يكن ... لِيَفْعَلَ حتَّى يُصْدِرَ الأَمْرَ مَصْدَرَا فرُشيد هو ابن مروان، نُسقَ عليه لما فيه من زيادة المدح. وقال الآخر: يَظُنُّ سَعيدٌ وابْنُ عمرٍو بأَنَّني ... إِذا سَامَنِي ذُلاًّ أَكونُ بهِ أَرْضَى فَلَسْتُ براضٍ عنه حتَّى يُنيلَني ... كما نالَ غيري من فوائده خَفْضَا فسعيد هو ابن عمرٍو، نُسِقَ عليه؛ لأَنَّ فيه زيادة مدح. ويجوز أَن يكون معنى الآية: والأَرض معَ ذلك دحاها، كما قال الله : عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلكَ زَنِيمٍ، أَرادَ مع ذلك. وقالَ الشَّاعر: فَقُلْتُ لها فِيئي إِليكِ فإِنَّني ... حَرامٌ وإِنِّي بعد ذاك لَبيبُ أَرادَ مع ذلك، وتأْويل دحاها بسطها، قال الشَّاعر: دَحَاهَا فلَمَّا رآهَا اسْتَوَتْ ... على الماءِ أَرْسَى علَيْها الجِبالَا
следующие страницы →