Полный текст (428 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وأَخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدَّثنا أَحمد بن إِبراهيم، قال: حدَّثنا حجاج، عن ابن جريح في قوله: كُلَّمَا خَبَتْ قال: خُبُؤُّها توقُّدها؛ فإِذا أَحرقتهم فلم تبق منهم شيئاً صارت جَمْراً تتوهَّج، فإِذا أَعادهم الله خَلْقاً جديداً عاودتهم. عن ابن عباس.
قال أَبو بَكْر: والذين يذهبون إِلى أَنَّ الخبوّ هو السكون يقولون: معنى قوله: كُلَّمَا خَبَتْ: كلَّما خبت سكنت، وليس في سكونها راحة لهم؛ لأَنَّ النَّار يسكن لهبها ويتضرَّم جَمْرُها؛ هذا مذهب أَبي عُبيدة.
وقالَ غير أَبي عُبيدة: نار جَهَنَّم لا تسكن البتَّةَ؛ لأَنَّ الله تعالى قال: لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ، وإِنَّما الخبوّ للأَبْدان، والتأْويل: كلَّما خبت الأَبدان زدناهم سعيراً، أَي إِذا احترقت جلودهم ولحومهم، فأَبدلَهم الله جلوداً غيرها ازداد تسعُّر النار في حال عملها في
الجلود المبَدَّلة.
أَخبرنا عبد الله، قال: حدَّثنا يوسف بن موسى، قال: حدَّثنا عَمْرو بن حمران، عن سعيد، عن قتادة، في قوله: كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعيراً، قال: كلَّما احترقت جلودهم بُدِّلوا جلوداً غيرها.
وقال بعض أَهل اللُّغة: الخبوّ لا يكون أَبداً إِلَاّ بمَعْنَى
стр. 177
السُّكون، والنَّار تَسْكُن في حال يأْمرها الله بالسُّكون فيها، قال: وهذا لا يبطله قوله: لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ، لأَنَّ معناه لا يفتَّر عنهم من العذاب الَّذي حُكِمَ عليهم به في الأَوقات الَّتي حكم عليهم بالعذاب فيها؛ فأَمَّا الوقت الَّذي تسكن فيه النَّار فهو خارج من هذا المذكور في الآية الأُخرى. قال: ويدلُّ على صحَّة هذا القول أَنَّهُ لو حَكم رجل على رجل بأَنْ يعذَّب أَوَّل النهار وآخره، وأَلَاّ يعذب في وسطه لجاز له أَن يقول: ما نقصتُه من العذاب شيئاً، وهو لم يعذِّبه وسط النَّهار، لأَنَّه يريد ما نقصته من العذاب الَّذي حكمتُ به عليه شيئاً.
وقال بعض أَهل اللُّغة أَيْضاً: الخبوّ لا يكون إِلَاّ بمَعْنَى السكون، وتأْويل الآية: كلَّما أَرادت أَن تخبوَ زدناهم سعيراً، فهي على هذا لا تخبُو؛ لأَنَّ القائل إِذا قال: أَردتُ أَن أَتكلَّم، فمعناه لم أَتكلَّم. واحتجُّوا بقول الله جلّ وعزّ: فَإِذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ باللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيم معناه: إِذا أَردت قراءة القرآن؛ لأَنَّ الاستعاذة حكمها أَن تسبِق القراءة.
وقالَ الآخرون: الخبوّ معناه السكون، وتأْويل الآية
стр. 178
كلَّما خبت كان خبؤُّها الزيادة في الالتهاب، فما خبؤُّه هكذا فلا خُبُؤَّ له؛ كما تقول: سأَلت فلاناً أَن يزورَني فكانت زيارته إِيَّاي قطيعتي؛ أَي جعل القطيعة بدل الزيارة، فمَنْ زيارته قطيعة فلا زيارة له. ومثله: ما لفلان عَيْبٌ غير السَّخاءِ؛ معناه: مَنِ السَّخاءُ عيبه فلا عيب فيه، قال الشَّاعر:
قُلْتُ أَطْعِمنِي عُمَيْمِ تَمْرَا ... فكان تَمري كَهزَةً وَزَبْرَا
عُمَيْم تصغير عَمّ، معناه: جعل الانتهار بدلاً من التَّمر. وقالَ النَّابِغَة الذُّبْيَانِيّ:
ولا عَيْبَ فيهم غيرَ أَنَّ سيُوفُهمْ ... بهنَّ فُلولٌ من قِراعِ الكَتائبِ
معناه: مَنْ عيبه فَلُّ سيفه لكثرة حربه، فلا عيبَ فيه.
١٠٩ - والقَرِيع حرف من الأَضْداد؛ وكذلك المقروع؛ يقال: فلان قَرِيع بَنِي فلان إِذا كان سيدَهم، وكذلك هو مقروع بَنِي فلان. والقَريع من الإِبِل أَيْضاً الكريم الَّذي يُنْتَخب للفِحْلة. والقريع أَيْضاً منها المرذول الَّذي يُقْرع أَنفه رغبة عن فِحْلَتِه.
قال ابن الأَعْرَابِيّ: يقال للرجل السيد: هو الفَحْلُ
стр. 179
لا يقرَع أَنفه، وقالَ ذو الرُّمَّة:
وَأَنْ لَمْ يَزَل يَسْتَسْمِعُ العامَ قَبْلَهُ ... نَدَا صوتِ مَقْروعٍ عن العَذْفِ عاذِبِ
والبعير القريع المذموم بهذا الوصف؛ يقال له المُسَدَّم. وقول النَّاس: رجل نادم سادم من هذا أُخِذ، يراد به قد مُنع من التّصرف، وفاته الرأْي وضاقت عليه الحيلة. ويقال: السادم هو المتغيّر العقل أَو كالمتغير العقل، من قولهم: مياه سُدُم، إِذا كانت متغيرة؛ قال ذو الرُّمَّة:
إِذا ما المِياهُ السُّدْمُ آضت كأَنَّها ... من الأَجْنِ حِنَّاءٌ معاً وصَبيبُ
وقالَ الوليد بن عُقْبة:
قَطَعْتَ الدَّهْرَ كالسَّدِمِ المُعَنَّى ... تُهَدِّرُ في دِمَشْقَ وما تَريمُ
١١٠ - وقالَ بعض أَهل اللُّغة: تصدَّق حرف من الأَضداد؛ يقال: قد تصدّق الرَّجُل إِذا أَعطى، وهو المعروف المشهور عند أَكثر العرب، وقد تصدَّق إِذا سأَل؛ وهو القليل في كلامهم، قال بعض الشعراء:
لا أُلْفِيَنَّكَ ثاوِياً في غُرْبةٍ ... إنَّ الغريبَ بكلِّ سهمٍ يُرْشَقُ
والنَّاس في طلبِ المعاشِ وإنما ... بالجَدِّ يُرْزَق منهمُ مَنْ يُرْزَقُ
стр. 180
ولو أَنَّهمْ رُزقوا على أَقدارِهمْ ... أَلفيتَ أَكثرَ مَنْ ترى يَتَصَدَّقُ
ما النَّاسُ إِلَاّ عامِلانِ فعاملٌ ... قدْ ماتَ مَن عَطَشٍ وآخرُ يَغْرَقُ
١١١ - وتحنّث حرف من الأَضداد، يقال: تحنَّث الرَّجُل إِذا أَتى الحِنْث، وقد تَحَنَّث إِذا تجنَّب الحِنْث. قال أَبو عبد الله محمد بن الجهم: حدَّثنا أَبو أَحمد السُّكَّرِيّ بحديث فيه: أَن النَّبِيّ ﷺ كان يقيم من كلّ سنة شهراً بحِراءَ، وكانَ هذا مما تتحنَّث به قريش. قال أَبو عبد الله: فسأَلت ابن الأَعْرَابِيّ عن التحنّث، فقال: لا أَعرفه، قال: وسأَلت أَبا عَمْرو الشيباني عنه - وكانَ خَيِّراً - فقال: لا أَعرف يتحنّث وإنما هو يتحنّف من الحنيفيّة، قال: فسأَلت الفَرَّاءُ عنه ففكر ساعة، ثمَّ قال: يتحنّث: يتجنب الحِنْث؛ يقال: قد تحنّث الرَّجُل إِذا تجنّب الحِنْث، وإذا أَتاه أَيْضاً، كما يقال: قد تأَثّم إِذا أَتى المأْثَم، وإذا تجنّبه.
قال أَبو بكر: والحِنْث معناه في كلام العرب الإثم العظيم، والحنيفية: التديّن بدين إبراهيم ﵇، ثمَّ تسمَّى مَنِ اختتنَ وحجّ البيت حنيفاً.
стр. 181
والحنيف اليوم المسلم، قال الشَّاعِر يذكر الحِرْباءَ:
تَراه إِذا دارَ العَشيُّ محنِّفاً ... تراه ويُضحي وهو نَفْرانُ شامِسُ
١١٢ - وبعض حرف من الأَضداد؛ يكون بمَعْنَى بعض الشَّيْء، وبمعنى كلّه، قال بعض أَهل اللُّغة في قول الله حاكياً عن عيسى ﵇: ولأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذي تَخْتَلِفونَ فيه، معناه: كلّ الَّذي تختلفون فيه، واحتجّ بقول لَبيد:
تَرَّاكُ أَمكِنةٍ إِذا لَمْ أَرْضَها ... أَو يعتلِقْ بعضَ النُّفوسِ حِمامُها
معناه أَو يعتلق كلّ النفوس، لأَنَّه لا يَسْلَمُ من الحِمام أَحد، والحِمام هو القَدَر، وقالَ ابن قيس:
مِنْ دونِ صَفْراَء في مفاصِلها ... لينٌ وفي بعض مشيها خُرُقُ
معناه: وفي كلّ مشيها. وقالَ غيره: بعض لَيْسَ من الأَضداد، ولا يقع على الكلّ أَبداً، وقالَ في قوله : ولأُبَيِّن لكم بعضَ الَّذي تختلفون فيه: ما أَحْضُرُ من
اختلافكم؛ لأَنَّ الَّذي أَغيب عنه لا أَعلمه، فوقعت بعض في الآية على الوجه الظاهر فيها، وقالَ في قول لَبيد:
стр. 182
أَو يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفوس حِمامُها
أَو يعتلق نفسي حِمامُها؛ لأَنَّ نفسي هي بعض النفوس. قالوا: ولم يقصد في هذا البيت قَصْدَ غيره. وقالوا في قول ابن قيس: وفي بعض مشيها خُرُق: إِذا استُحسن منها في بعض الأَحوال هذا وُجِد في مشيها، وربما كان غيرُ هذا من المشي أَحسنَ منه، فبعض دخلت للتبعيض والتخصيص، ولم يقصد بها قصد العموم.
١١٣ - ومما يشبه حروف الأَضداد نحن . يقع على الواحد والاثنين والجميع والمؤنث، فيقول الواحد: نحن فعلنا، وكذلك يقول الاثنان والجميع والمؤنث، والأَصل في هذا أَن يقول الرئيس الَّذي له أَتباع يغضبون بغضبه، ويرضون برضاه ويقتدون بأَفعاله: أَمَرْنا ونهينا، وغضِبْنا ورضينا؛ لعلمه بأَنه إِذا فعل شيئاً فَعَلهُ تُبَّاعه؛ ولهذه العلّة قال الله جلّ ذكره: أَرسلنا وخلقنا، ثمَّ كَثُر استعمال العرب لهذا الجمع حتَّى صار الواحد من عامة النَّاس يقول وحده: قمنا وقعدنا؛ والأَصل ذاك.
ويقال أَيْضاً للملك في خطابه: قد أَمرتم فلاناً، وقد غضِبتم على زيد؛ لمثل العلة المتقدمة؛ قال الله :
стр. 183
قال رَبِّ ارْجِعونِ، أَراد يا رب ارجعني، أَي ردّني إِلى الدنيا، فجمع الفعل وهو مخاطِب واحداً لا شريك له، وقالَ أَبو طالب:
يا رَبِّ لا تَجعل لَهُمْ سبيلاً ... على بناءٍ لم يَزلْ مأهولا
قد كان بانيهِ لكمْ خليلا
فخاطب الله تعالى بالجمع. وقال الآخر:
وآيَسَني مِنْ كُلِّ خيرٍ طلبتُه ... كأَنّا وضعْناه إِلى رَمْسِ مُلْحَدِ
فجمع بعد أَن وحّد. وقال الآخر:
أَلَمْ تَرَ ظَمياَء السِّبالِ تَبَدَّلَتْ ... بديلاً وحلَّت حَبلَها من حِباليا
لقد سُقِيَتْ عنَّا شراباً بسَلْوةٍ ... ولَم نَلْقَ عنها في ذَوي السَّلْوِ شافيا
وقال الآخر:
قالت لنا بيضاءُ من أَهلِ مَلَلْ ... مالي أَراكَ شاحباً قلتُ أَجَلْ
فوحّد بعد أَن جمع. وقال الآخر:
قالت لنا يومَ الرحيلِ خَوْزَلُ ... ما أَنتَ إِلَاّ هكذا مستعمَلُ
عيراً تُعَرِّيها وعيراً تَرْحَلُ ... مَهْلاً أَبا داودَ ماذا تفعلُ
واختلف النحويون في الاعتلال ل نحن، لِمَ كان للاثنين والجميع بلفظ واحد؟ فقال هشام ومن قال بقوله: جُعل
стр. 184
جمع أَنا وتثنيته على خلاف لفظه، كما قالوا: رجل، وفي جمعه قوم. وقالوا: امرأَة، وفي جمعها نسوة، وبعير وفي جمعه إبل؛ فلمّا كان جائزاً أَن يخرج الجمع على غير لفظ الواحد أَلحقوا نحن به.
وقالَ بعضهم: لم يجعلوا للتثنية لفظاً يخالف لفظ الجمع، كراهيَة أَن تكثر الفروق، فأَلحقوا التثنية بالجمع؛ لأَنَّ التثنية أَول الجمع إِذا كانت بضمِّ واحد إِلى واحد؛ كما أَنّ الجمع بضمّ شيء إِلى شيء.
وقالَ أَبو العباس: إنما سَوَّوْا بين تثنية أَنا وجمعه، وفرقوا بين تثنية أَنت وجمعه؛ لأَنَّ أَنا اسم للمخبِر عن نفسه، والمخبِر عن نفسه لا يشاركه في فعله اسم يكون لفظه مثل لفظه؛ كما يشارِك المخاطبَ اسم يكون لفظه مثلَ لفظه؛ ألا ترى أَنك تقول لرجلين تخاطبهما: أَنت قمت وأَنت قمت، فإذا ضممت أَنت إِلى أَنت كان أَنتما، ولا يجوز للمتكلم إِذا أَخبر عن نفسه وعن غيره أَن يقول: أَنا قمت وأَنا قمت؛ بل يقول: أَنا قمت وزيد قام؛ فلما كان الاسم الَّذي يضمُّه المتكلم إِلى اسمه يخالف لفظه اختُلِق له في التثنية والجَمْعُ اسم على غير بناءِ الواحد.
стр. 185
١١٤ - وقالَ قُطْرب: العَقُوق حرف من الأَضداد. يقال: عَقُوق للحامل وعَقوق للحائل. وقالَ غيره: العَقوق والنَّتُوج: الَّتي يتبيّن حملها ونِتاجها، يقال: قد أَعقَّتِ النّاقة فهي
عَقوق إِذا تبيّن حَمْلُها، وقد أَنتجَت فهي نَتُوج، إِذا تبيّن نِتاجها.
ويقال للسباع: مُلْمِع، ويقال لذوات الحافر: ملمِع أَيْضاً، ونَتوج، وعَقُوق؛ وذلك إِذا أَشرفت ضُروعها، واسودّت حَلَماتها. ويقال لكل مُقْرِب من الحوامل: مُجِحّ.
وقالَ أَبو زيد: الأَصل في الإجحاح للسباع، ثمَّ استعمل للناس؛ كما أَن الحبَل أَصله للناس، ثمَّ استعمل لغير النَّاس. ويقال للحامل من النوق: خَلِفة، ولا يقال لغيرها. ويقال للناقة إِذا أَتى عليها من حملها عشرة أَشهر: عُشَراءُ وقد عَشَّرت. ويقال في جمع العُشراءِ: عِشار وعُشْراوات. ويقال قد نُتِجَت الناقَة، ولا يقال نتَجتِ الناقةُ، قال الكُمَيْتُ:
стр. 186
وقالَ المذمِّر للناتجين ... مَتَى ذُمِّرَتْ قَبْليَ الأَرْجُلُ
يعني دواهيَ، ضرب لها اليَتْن مثلاً، واليتْن: الَّذي تَخرج رجلاه قبل يديه، قال عيسى بن عمر: سئل ذو الرُّمَّة عن شيء فقال للسائل: أَتعرف اليتْن؟ قال: نعم، قال: فكلامك هذا يَتْنٌ، أَي مقلوب.
وذكرت أُمّ تأَبط شرًّا ولدها فقالت: والله ما حملتهُ وُضْعاً وَتُضْعاً، ولا أَرضَعته غَيْلاً، ولا ولدته يَتْناً، ولا أَبَتُّهُ مَئِقاً؛ فالوُضْع والتُّضْع أَن تحمل في آخر طُهرها عند استقبال الحيض، واليتْن هو الَّذي فُسِّر، وفيه ثلاث لغات: اليَتْنُ، والأَتْن. والغَيْل: أَن تؤتَى وهي تُرضعه، أَو ترضعه وهي حامل، قال امرؤ القَيْس:
فمثلُكِ حُبْلَي قد طرقتُ ومُرضِعٌ ... فأَلهيتها عن ذي تمائمَ مُغْيَلِ
والمئِق: الَّذي يبكي، والمَأْقة البكاءُ، والمذمّر: الَّذي يُدخِل يده في رحِم النّاقة ليعلَم أَذكرٌ الجنين، أَم أُنثى، وإنما قيل له مُذَمِّر؛ لأَنَّ يده تقع على مذمَّر الجنين، ومذمَّره أَصل قفاه.
١١٥ - وقالَ ابن قتيبة: توسَّد حرف من الأَضداد؛
стр. 187
يقال: قد توسَّد فلان القرآن إِذا نام عليه وجعله كالوِسادة له، فلم يُكثِر تلاوتَه، ولم يَقُمْ بحقِّه. ويقال: قد توسّد القرآن
إِذا أَكثَر تلاوتَه، وقام به في الليل فصار كالوِسادة، وبدلاً منها، وكالشعار والدِّثار.
وقالَ في حديث حدثناه أَبو جعفر محمد بن غالب الضبيّ المعروف بالتمتام، قال: أَخبرنا زكريا بن عدي، قال: أَخبرنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهريّ، عن السائب بن يزيد، قال: ذكر عند رَسُولُ الله ﷺ شُريح الحضرميّ، فقال: ذاك رجل لا يتوسَّد القرآن، فقال ابن قتيبة، يجوز أَن يكون هذا مدحاً وذمًّا من النَّبِيّ ﷺ ، على ما مضى من التفسير.
وقالَ أَبو بكر: فالقولُ عندنا في توسَّد القرآن أَنه لا يكون إِلَاّ ذمًّا، لأَنَّ متوسِّد القرآن هو النائم عليه، والجاعل له كالوسادة؛ فإذا قام به في الليل وأَكثر تلاوتَه في النهار لم يشبَّه بالنِّيام، وإذا زال عنه شَبَه النِّيام لم يوصف بالتوسُّد، لأَنَّ التوسّد من آلات النوم. وحديث رَسُولُ الله ﷺ لا يحتمل إِلَاّ معنى المدح، أَي ذاك رجل يقوم بالقرآن في ليله ونهاره، فلا يكون بمنزلة المتوسّدين له، جاءَ في الحديث: مَنْ قرأَ في كلّ
стр. 188
ليلة ثلاث آياتٍ من القرآن لم يبت متوسِّداً للقرآن.
وقالَ الحسن: لعن الله مَنْ يتوسَّد القرآن. وقالَ غيره: يأَيها الناس، لا توسّدوا القرآن، وأَكثروا تِلاوته، ولا تستعجلوا ثواباً؛ فإِنَّ له ثواباً. وقالَ رجل لبعض أَصحاب رَسُولُ الله ﷺ : إنِّي أُحبّ أَن أَتعلّم العلم، وأَخاف ألَاّ أَقوم بحقه، فقال: لأَنَّ تتوسّد العلمَ خير لك من أَن تتوسّد الجهل، أَي تحفظ العلم وتنام عليه وإن لم تعمل به؛ خيرٌ لك من أَن تنام على الجهل؛ لأَنَّ العلم يؤَمَّلُ لصاحبه وإن تَرَك العمل به في وقتٍ أَن يُنبَّه للعمل به في وقت آخر.
قال بعض العلماء: طلبنا العلم لغير الله فأَبى العلم إِلَاّ أَن يكون لله . وأَنشد الفَرَّاءُ:
يا رُبّ سارٍ باتَ ما تَوَسَّدا ... إِلَاّ ذِراعَ العَنْسِ أَو كَفَّ اليَدا
أَي كان ذراع النّاقة بمنزلة الوِسادة، وموضع اليد خفض بإضافة الكفّ إليها،
وثبتت الأَلف فيها وهي مخفوضة لأَنَّها شبهت بالرّحا والفتى والعصا؛ وعلى هذا قالت جماعة من العرب: قام أَباك، وجلس أَخاك، فشبهوها بعصاك ورحاك، وما لا يتغير من المعتلة، هذا مذهب أَصحابنا.
стр. 189
وقالَ غيرهم: موضع اليد نصب بكفّ، وكفّ فعل ماض من قولك: قد كفّ فل ان الأَذى عنا.
١١٦ - وقالَ بعض أَهل العلم: إنْ حرف من الأَضداد. أَعني المكسورةَ الهمزة المسكّنة النون، يقال: إن قام عبد الله. يراد به: ما قام عبد الله؛ حكى الكِسَائِيّ عن العرب: إِنْ أَحدٌ خيراً من أَحد إِلَاّ بالعافية؛ فمعناه ما أَحد. وحكى الكِسَائِيّ أَيْضاً عن العرب: إِنّ قائماً؛ على معنى: إِن أَنا قائماً، فتُرِك الهمز من أَنا، وأُدْغمت نون إِنْ في أَنا؛ فصارتا نوناً مشددة، كما قال الشَّاعِر:
وتَرْمينني بالطَّرْف أَي أَنتَ مُذْنِبٌ ... وتَقْلينَني لكنَّ إيَّاكِ لا أَقْلي
أَراد لكن أَنا وإياك؛ فترك الهمز وأَدغم؛ يقال: إن قام عبد الله، بمَعْنَى قد قام عبد الله.
قال جماعة من العلماء في تفسير قوله : فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتْ الذِّكْرى، معناه: فذكر قد نفعت الذكرى. وكذلك قالوا في قوله: ولَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فيما إنْ مَكَّنَّاكُمْ فيه، ومعناه في الَّذي قد مكناكم فيه.
وقالَ الفَرَّاءُ: لا تكون إن بمَعْنَى قد؛ حتَّى تدخل
стр. 190
معها اللام أَو أَلا؛ فإذا قالت العرب: إِن قام لَعبد الله، وأَلا إن قام عبد الله، فمَعناه قد قام عبد الله، قال الشَّاعِر:
أَلا إِنْ سَرَى هَمِّي فبتُّ كئيبا ... أحاذِرُ أَن تَنأَى النَّوى بغَضوبا
معناه قد سرى هَمّي. وقال الآخر:
أَلا إنْ بِلَيلٍ بانَ منِّي حبائبي ... وفيهنّ مَلْهًى لو أَردنَ لِلاعبِ
معناه قد بان منّي حبائبي بليلٍ. وقالَ في إدخال اللام:
هَبَلتْك أُمُّكَ إنْ قَتلتَ لمُسْلِماً ... وَجَبَتْ عَلَيْكَ عُقوبَةُ المتعمِّدِ
معناه: قد قتلت مسلماً، فالذي احتجّ به أَصحابُ القول الأَول من قوله : ما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فيه لَيْسَ الأَمْر فيه كما قالوا؛ لأَنَّه أَراد: في الَّذي ما مكناكم فيه وفي الَّذي لم نمكنكم فيه؛ فإِنَّ معناها الجَحْد، وليست إيجاباً. ولا حجة لهم أَيْضاً في قوله: فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتْ الذِّكْرى لأَنَّ إِنْ لَيْسَتْ إيجاباً، وإنما معناها الشرط، والتأْويل: فذكِّر إنْ نفعهم تذكيرُك، أَي إن دمت على ذاك وثبتَّ، فكأنه تحضيض للنبي ﷺ وتوكيدٌ عليه أَن يُديم تذكيرَهم وتعليمَهم، والله أَعلمُ وأَحكمُ.
стр. 191
١١٧ - والمتظلّم حرف من الأَضداد؛ يقال للرجل الظّالم: متظلِّم؛ وللمظلوم متظلِّم، وقالَ نابغة بَنِي جَعْدة:
وما يَشْعُر الرُّمْحُ الأَصَمُّ كُعوبُه ... بِثَرْوَةِ رهطِ الأَبلخِ المتظلِّمِ
ويقال: قد تظلّم الرجل، إِذا ظُلِم وطَلب النُّصرة، وقد تظلّم إِذا ظَلَمَ؛ قال الشَّاعِر:
تَظلَّمَني مالي خَديجٌ وعَقَّني ... على حينِ كانت كالحَنِيِّ ضُلُوعي
وقال الآخر:
تَظَلَّمَني مالي كذا ولَوَى يَدي ... لَوَى يَدَه الله الَّذي هو غالِبُهْ
أَراد ظَلمني
١١٨ - وهل حرف من الأَضداد؛ تكون استفهاماً عمّا يجهله الإنسان ولا يعلَمه؛ فتقول: هل قام عبد الله؟ ملتمساً للعلم وزوال الشكّ، وتكون هل بمَعْنَى قد في حال
стр. 192
العلم واليقين وذهاب الشكّ؛ فأَمّا كونها على معنى الاستفهام فلا يُحتاج فيه إِلى شاهد، وأَما كونُها على معنى قد، فشاهده قول الله : هَلْ أَتَى على الإنسانِ حينٌ منَ الدَّهْرِ، قال جماعة من أَهل العلم: معناه قد أَتى على الإنسان؛ والإنسان في هذا الموضع آدم صَلّى اللهُ عليه. والحين أَربعون سنة، كان الله : خلَق صورة آدم ولم ينفخ فيه الروح أَربعين سنة، فذلك قوله: لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكوراً. وقالَ النَّبِيّ ﵇ في بعض غزواته: اللَّهم هَلْ بَلَّغْت!، هل بلَّغت، فمعناه: قد
بلّغت.
وقالَ بعض أَهل اللُّغة: إِذا دخلت هل للشيء المعلوم فمعناها الإيجاب، والتأْويل: أَلَمْ يكن كذا وكذا! على جهة التقرير والتوبيخ، من ذلك قوله : كَيْفَ تَكفُرون بالله وكُنْتم أَمْواتاً، ومنه أَيْضاً: فَأَيْنَ تَذْهَبون، لم يرد بهذين الاستفهامين حدوث علم لم يكن؛ وإنما أُريد بهما التقرير والتوبيخ، ومن ذلك قول العجّاج:
стр. 193
أَطَرَباً وأَنْتَ قنَّسْرِيُّ ... والدهرْ بالإنسانِ دَوَّارِيُّ
أَراد التقرير. وأَنشدنا ثَعْلَبٌ أَبو العباس:
أَحافِرَةً على صَلَعٍ وشَيْبٍ ... معاذَ الله ذلك أَن يكونا
وقول الله : يَوْمَ نَقولُ لِجَهَنَّمَ هَل امتلأتِ وتَقولُ هَلْ من مَزيدٍ، معنى هل قد عند بعض الناس، والتأْويل: قد امتلأَت، فقالت جهنم مؤكدة، لقول الله : هَلْ من مَزيد، أَي ما من مزيد يا ربّ، فهل الثانية معناها الجحد، وهو معنى لها معروف يخالف المعنيين الأَولين، قال الله : هَلْ يَنْظُرونَ إِلَاّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ، معناه ما ينظرون؛ وقالَ الشَّاعِر:
فهلْ أَنتمْ إِلَاّ أَخونا فتَحدَبوا ... علينا إِذا نابتْ علينا النوائِبُ
وقال الآخر:
فهل أَنا إِلَاّ من غَزِيَّةٍ إن غَوَتْ ... غَوَيْتُ وإن تَرْشُد غَزِيَّةُ أَرْشُدِ
وقال الآخر:
هل ابنُكِ إِلَاّ ابنٌ من الناسِ فاصبري ... فَلَنْ يَرْجعَ الموتَى حَنينُ النوائحِ
معناه: ما ابنك إِلَاّ ابن من النَّاس. وأَنشد الفَرَّاءُ:
стр. 194
فقلت لا بَلْ ذاكُما يا بِيَبا ... أَجْدَرُ أَلَاّ تُفْضَحا وتُحْرَبا
هل أَنتَ إِلَاّ ذاهبٌ لتَلعبا
معناه: ما أَنت. وأَنشد الفَرَّاءُ أَيْضاً:
تَقولُ إِذا اقْلَوْلَى عَلَيْها وأَقْرَدَتْ ... ألا هَلْ أَخو عيشٍ لذيذٍ بدائمِ
وقالَ أَبو الزوائد الأَعرابيّ - وتزوج امرأَة فوجدها عجوزاً:
عجوزٌ ترجِّي أَن تكونَ فَتِيَّةً ... وقد لحبَ الجَنْبانِ واحْدَوْدَبَ الظهرُ
تَدُسُّ إِلى العَطار ميرةَ أَهلِها ... وهل يُصلِح العطارُ ما أَفسدَ الدهرُ
وما راعني إِلَاّ خضابٌ بكفِّها ... وكُحْلٌ بعينها وأَثوابُها الصُّفْرُ
وَزُوِّجْتُها قبل المُحاق بليلةٍ ... فكان مُحاقاً كلُّه ذلكَ الشهرُ
فأَجابته:
عَدِمتُ الشيوخَ وأَبغضْتُهمْ ... وذلك من بعضِ أَفعاليَه
تَرى زَوْجةَ الشيخِ مُغْبَرَّةً ... وتُضْحي لصُحبتِه قاليَه
فلا بارك اللهُ في دَلِّهِ ... ولا في غُضونِ استه البالِيَه
وقالَ بعض النَّاس: معنى الآية: يوم نقول لخزنة جهنم هل امتلأت، وتقول الخزنة هل من مزيد؟، فحذف الخزنة وأُقيمت جهنم مقامهم؛ كما تقول العرب: استتبَّ المجلس، وهم يريدون أَهل المجلس، وكما يقولون: يا خيل الله اركبي، وهم يريدون يا فرسان خيل الله اركبوا.
стр. 195
وقالَ بعض أَهل العلم: لا يجوز هذا من جهنم، إِلَاّ بعقل يركِّبه الله فيها، فتعرف به معنى الخطاب والردّ، كما جعل للبعير عقلاً، حتَّى سجد للنبيّ ﷺ ، وكما جعل للشجرة عقلاً حتَّى أَجابتْه ﵇ حين دعاها.
وقالَ ثَعْلَبٌ: ظاهر الخطاب لجهنم؛ ومعنى التوبيخ لمن حضر ممن يستحقّ دخولها، كما قال جلّ اسمه: أَأَنْتَ قُلْتَ للنَّاسِ اتَّخِذوني وأُمِّي إلهَيْنِ من دون الله، لعيسى ﵇، وقد علم أَنه ما قال هذا قطّ إِلَاّ ليوبِّخ الكفار بإكذاب من ادَّعوا عليه هذه الدعوى الباطلة إياهم.
١١٩ - وما حرف من الأَضداد. تكون اسماً للشيء، وتكون جَحْداً له، وتكون مزيدة
للتوكيد. فيقول القائل: طعامُك ما أَكلتُ، وهو يريد طعامَك الَّذي أَكَلتُه، فتكون ما اسماً للطعام، وتقول: طعامَك ما أَكلتُ، وهو يريد: طعامَك لم آكل. وتقول: طعامَك ما أَكلتُ، وهو يريد: طعامَك أَكلت، فيؤكُد الكلام ب ما. وتقول أَيْضاً: عبد الله ما قام، على جَحْد القيام، وعبد الله ما قام على إثباته. وما زيدت
стр. 196
للتوكيد فكون ما جَحْداً لا يُحتاج فيه إِلى شاهد لشهرته وبيانه، وكونها اسماً شاهده قول الله : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وما عِنْدَ الله باقٍ وكونها مزيدة، شاهده قول الله : مِمَّا خَطيئاتِهمْ أُغْرِقوا معناه من خطاياهم.
وقوله أَيْضاً: فَبِما نَقْضِهم ميثاقَهُم، فمعناه فبنقضهم ميثاقهم. وقوله: إنَّ الله لا يَسْتَحْيي أَنْ يَضْربَ مَثَلاً ما بَعوضَةٍ فَما فَوْقَها، معناه: مثلاً بعوضة. وقالَ نابغة بَنِي ذُبيان:
المرءُ يَهوى أَن يعي ... ش وطولُ عيشٍ ما يضرُّهْ
تَفْنَى بشاشتُهُ ويَبْ ... قَى بعد حُلْوِ العيش مرّهْ
وتَصَرَّفُ الأَيامُ حتَّى ... ما يَرَى شيئاً يَسُرُّهْ
كم شامتٍ بي إن هَلَكْ ... تُ وقائل لله دَرُّهْ
أَراد وطول عيش يضرّه، فأَكَّد بما. ويجوز أَن تكون ما بمَعْنَى الذي، والتأْويل: وطول عيشٍ الَّذي يضرّه، كما قال أَبو صخر الهُذَلِيّ:
стр. 197
هَجَرْتكِ حتَّى قلتِ ما يَعرِف القِلَى ... وزُرْتُكِ حتَّى قلتِ لَيْسَ لهُ صَبْرُ
أَراد: حتَّى قلت الَّذي يعرفه القلى، ولو كانت جَحْداً لفسد معنى البيت. وقال الآخر:
ذَريني إنّما خَطَئي وصَوْبي ... عَلَيَّ وإنّ ما أَنفقتُ مالُ
أَراد: وإن الَّذي أَنفقتُ مال.
١٢٠ - والمُفْرَح حرف من الأَضداد؛ المفرَح المسرور، والمفرح المثقَل بالدين؛ قال النَّبِيّ
ﷺ : العقل على المسلمين عامّةً ولا يترك في الإسلام مُفْرَح. قال الأَصْمَعِيّ: المفرَح: المثقَل بالدين.
قال أَبو بكر: نصب عامة على المصدر، أَي يعمّهم عامّة يُقْضَى دينه من بيت المال إِذا لم يجد سبيلاً إِلى قضائه؛ يقال: قد أَفرحَ فلاناً الدَّيْن إِذا أَثقله؛ قال الشَّاعِر:
إِذا أَنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تؤدِّي أَمانةً ... وتَحمِل أَخرى أَفرَحتْك الودائعُ
أَراد: أَثقلتك الودائع. ويروى: ولا يترك في الإسلام
стр. 198
مفرج، بالجيم، فالمفرَج: الرَّجُل يكون في القوم من غيرهم؛ فحقَّ عليهم أَن يعقلوا عنه.
وقالَ أَبو عُبيدة: المفرَج: أَن يسلِم الرَّجُل ولا يوالي أَحداً؛ يقول: فتكون جنايتُه على بيت المال؛ لأَنَّه لا عاقلَةَ له. وقالَ غيره: المفرَج: الَّذي لا ديوان له.
وقالَ آخرون: المفرَج القتيل يوجد بأَرض فلاة، لا يقرب من قرية ولا مدينة فيودَى من بيت المال ولا يبطل دمُه. ويقال: قد فَرِح الرَّجُل إِذا سُرَّ؛ فهو فَرِح، وفَرَّحته أَنا وأَفرحته؛ فهو مفرّح ومُفْرَح، ويقال: قد فَرِح، إِذا بطِر، فهو فَرِح إِذا كان أَشِراً؛ قال الله : إذْ قال لهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنّ الله لا يُحِبُّ الفَرِحين، أَراد الأَشِرِين. وقال ابن أَحمر:
ولا يُنْسينيَ الحَدَثانُ عِرْضي ... ولا أُلقي من الفَرَح الإزارا
أَراد من المرَح. وقال الآخر:
ولستُ بمِفراحٍ إِذا الدَّهْر سَرَّني ... ولا جازعٍ من صَرْفِه المتقلِّبِ
وقال الآخر:
إِذا ما امْرُؤٌ أَثْنَى بآلاءِ مَيِّتٍ ... فلا يُبعِد الله الوليدَ بن أَدْهَما
стр. 199
فما كان مِفْراحاً إِذا الخيرُ مَسَّهُ ... ولا كان مَنَّاناً إِذا هو أَنْعَما
لَعَمْرُكَ ما وارَى الترابُ فَعالَهُ ... ولكنَّه وارَى ثياباً وأَعْظُما
١٢١ - والدِّعْظَاية حرف من الأَضداد؛ يقال: رجل دِعْظاية إِذا كان طويلاً، ودِعْظاية إِذا كان قصيراً.
١٢٢ - ومنها. البيّع ، المشتري والبائع.
١٢٣ - والكرِيّ: المكتري، والمكتري منه.
١٢٤ - ومنها. المفزّع: الشجاع، والمفزّع الجبان، قال الفَرَّاءُ: إِذا قيل للجبان مفزَّع، فمعناه تُوقَع الأَفزاع به، وإذا قيل للجبان مفزَّع، فمعناه يَفْزَع من كلّ شيء؛ كما قيل للغالب والمغلوب: مغلّب، قال الله : حتَّى إِذا فُزِّعَ عن قُلوبِهِمْ، أَراد: حتَّى إِذا جُلِّيَ الفزعُ عن قلوبهم؛ لأَنَّه لما كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما انقطع الوحي، ثمَّ بعث الله محمداً ﷺ ، ونزلت الملائكةُ عليه بالوحي، فلمّا
стр. 200
سمع بعضُ الملائكة بذلك ذُعِروا وظنّوا أَنه قيام الساعة؛ فلما زال بعضُ ذُعْرِهم قال بعضهم لبعض: ماذا قال رَبُّكُمْ قالوا الحق، أَي قالوا: قال ربُّنا الحقّ. فلذلك قال جلّ اسمه: حتَّى إِذا فُزِّعَ عن قُلوبِهِمْ.
وأَخبرنا إدريس، قال: حدَّثنا خلَف، قال: حدَّثنا الخَفّاف، عن سعيد، عن قتادة، أَنه قرأَ: فَزَّعَ عن قُلوبِهِم. قال أَبو بكر: فالمعنى: حتَّى إِذا فَزَّعَ الله عن قلوبهم، أَي جَلَّى الله الفَزعَ عنها.
وأَخبرنا أَبو عليّ الهاشميّ، قال: حدَّثنا القُطَعيّ؛ قال: حدَّثنا محبوب، عن عَمْرو، عن الحسن أَنه قرأَ: حتَّى إِذا فُرِّغَ عن قُلوبِهِمْ قال أَبو بكر: فمعنى هذه القراءة: حتَّى إِذا فُرِّغَتْ قلوبُهم عن الفزع.
وأَخبرنا أَبو عليّ، قال: حدَّثنا القُطَعيّ، قال: حدَّثنا عُبيد، عن هارون، عن عمرو، عن الحسن، أَنه قرأَ: حتَّى إِذا فُرِغَ عن قُلوبِهِمْ بالتخفيف والراء والغين. قال هارون: وبعض النَّاس يقول: حتَّى إِذا فَرَغَ عن قُلوبِهِم، بفتح الفاء والغين.
стр. 201
قال أَبو بكر: فإِنْ صحّتْ هاتان القراءتان فهما لغتان، معناهما موافق لمعنى فُرِّغَ.
١٢٥ - وحَرْف حرفٌ من الأَضداد؛ يقال للرجل القصير حَرْف، ويقال: للناقة العظيمة حَرْف. وقالَ بعض البصريين: يقال للناقة الصغيرة حَرْف، وللعظيمة حَرْف؛ وإنما قيل للعظيمة حرف لشدتها وصلابتها؛ شبهت بحرْفِ الجبل. ويقال: بل قيل لها ذلك لسرعتها؛ شُبِّهت بحرف السيف في مَضَائه؛ قال الشَّاعِر:
وإذا خليلُك لم يَدُمْ لَكَ وَصْلُه ... فاقْطَعْ لُبانَتَه بِحَرْفٍ ضامِرِ
وَجْناَء مُجْفَرةِ الضُّلوعِ رَجيلةٍ ... ولَقَى الهَواجرِ ذاتِ خَلْق حادِرِ
الوجْناءُ؛ شُبّهت بِوَجين الأَرض من شدّتها؛ ويقال: هي العظيمة الوَجَنات. والحادر: الممتلئ. والوَلَقَى: السريعة.
١٢٦ - وجدا حرف من الأَضداد؛ يقال جَدا فلانٌ فلاناً إِذا سأَله، وجداه، إِذا أَعطاه؛ ويقال في المستقبل: يجدو، وفي الدائم: جادٍ؛ قال الشَّاعِر:
جَدَوْتُ أُناساً موسِرِين فما جَدَوْا ... ألا الله فاجْدوه إِذا كنت جادِيا
أَراد بجدوت سأَلت، وبجدوْا أَعطوْا؛ ويقال: قد
стр. 202
تعرّض فلان لجدا فلان ولجدْواه، إِذا تعرَّض لعطائه؛ قال خلف بن خليفة:
يَنالُ نَداكَ المعتفي عن جنابَةٍ ... وللجارِ حَظٌّ من جَداكَ سَمينُ
ويقال: كان مطرُنا هذا جَداً، أَي عامًّا مطبِّقاً للأرض.
١٢٧ - وقالَ قُطْرب: الصَّرعان من الأَضداد؛ يقال للغداة، ويقال للعشي. وقالَ غيره: الصَّرْعان: الغداة والعشيّ جميعاً، ولا يقع على واحدٍ منهما دون صاحبه؛ وكذلك القَرْنان والبَرْدان، كما يقال لليل والنهار: المَلَوان، والفَتَيان، والرِّدْفان، والعَصْران، والجَديدان، والأَجَدَّان، وابنا سُباتِ؛ قال حُميد بن ثور:
ولا يَلْبَثُ العَصْرانِ يَوْمٌ وليلةٌ ... إِذا طَلَبا أَن يُدْرِكا ما تَيَمَّما
وقال الآخر:
أَلا يا ديارَ الحيِّ بالسَّبُعانِ ... أَلَحَّ عَلَيْها بالبِلَى المَلوانِ
وقال الآخر:
وأَمْطلُه العَصرَيْنِ حتَّى يَملَّني ... ويَرْضَى بنِصف الدَّيْنِ والأَنْفُ راغِمُ
стр. 203
وقال الآخر:
وَكُنَّا وَهُمْ كابْني سُباتٍ تَفَرَّقا ... سِوى ثمَّ كانا منْجِداً وتهامِيا
وقالَ ذو الرُّمَّة:
كأَنَّني نازعٌ يَثْنيه عن وَطَنٍ ... صَرْعان رائحةً عَقْلٌ وتَقْييدُ
قال ابن السِّكِّيتِ: الصَّرْعان: الغداة والعشيّة. وقوله رائحة عقل، معناه يُعْقَل في وقت العَشِيِّ ويقيّد بالغداة. فالتأْويل: وغداة تقييد؛ فلما وضح المعنى حذف الغداة.
١٢٨ - والغريم حرف من الأَضداد؛ فالْغَرِيم الَّذي له الدَّيْن، والغريم الَّذي عليه الدَّيْن، قال الشَّاعِر:
تُطالِعُنا خَيالاتٌ لِسَلْمَى ... كما يَتَطَلَّعُ الدَّيْنَ الغَريمُ
١٢٩ - وقالَ قُطْرب: الشَّرَف حرف من الأَضداد؛ يقال للارتفاع: شَرَف، وللانحدار شَرَف. وأَنشد ابن السِّكِّيتِ في معنى الارتفاع:
هَزِئَتْ قُرَيْبَةُ أَنْ كَبِرْتُ ورابَها ... قَوْدي إِلى الشَّرَفِ الرَّفيعِ حِماري
стр. 204
قال: معنى البيت: ورابَها أَنِّي أَقود حماري إِلى الموضع المرتفع لأركبه إذْ كنت لا أَستطيع الركوب من الموضع المنخفض.
١٣٠ - وقالَ قُطْرب: الفادر حرف من الأَضداد؛ يقال للمسنّ من الوعول فادر، وللشابّ منها فادر. وقالَ هشام بن إبراهيم الكرنَبانيّ: قال الأَصْمَعِيّ: الفادر من الوعول المسنّ الضخم، والْفَادر من الإِبِل الَّذي قد جَفَر، وجُفوره وفدوره ذهاب ماء صلبه.
وقالَ الكرنَبانيّ: وقالَ أَبو زيد: الفادر من الوعول الشابّ الممتلئ شباباً، قال: ثمَّ هو بعد ذلك وَعِل. والناخس الَّذي عَظُم قرناه حتَّى نخسا اسْتَه، وليس له بعد هذا
سنّ؛ يقال من الناخس: قد نَخَس يَنْخَس، ولا يُتَكَلَّمُ من الفادر بفعْل. ويقال في جمع الفادر: فُدُر وفوادر. وأَنشد الفَرَّاءُ:
رُهْبانُ مَدْيَنَ لَوْ رأَوْكِ تَنزَّلوا ... والعُصْمُ من شَعَفِ العَقولِ الفادِرِ
العُصْم: جمع الأَعصم، وهو الوعِل الَّذي في يديه بياض، والشعَفَةُ: أَعلى الجبل، والعَقول: الوعِل المعتصم بالجبل، الَّذي قد جَعَله مَعْقِلَه. وقالَ الرَّاعي:
стр. 205
وكأَنما انْبَطَحت على أَثْباجِها ... فدُرٌ تَشابهُ قد يَمَمْنَ وُعولا
وقالَ الأعشى:
قدْ يَتْرُكُ الدَّهْرُ في خَلْقاء راسيةٍ ... وَهْياً ويُنْزِلُ منها الأَعْصَمَ الصَّدَعا
الصَّدَع من الوعول: الَّذي جسمه بين الجسمين؛ لَيْسَ بعظيم ولا صغير، قال الشَّاعِر:
فلو أَن من حَتْفِه ناجيا ... لألفيتَه الصَّدَعَ الأَعْصَما
وقال الآخر في جمع الأَعصم:
وأَدْنَيْتِني حتَّى إِذا أَن سَبيْتني ... بقولٍ يُحِلُّ العُصْمَ سَهْلَ الأَباطِحِ
تَوَلَّيْتِ عَنِّي حين لا لِيَ حِيلَةُ ... وخَلَّفْتِ ما خلَّفْتِ بين الجوانحِ
وقال الآخر:
وحديث بمثلِه يَنْزِلُ العُصْ ... مُ رخيمٌ يَشوبُ ذلك حِلْمُ
فالفادر من الوُعول لا يتصرف فعله، فيقال منه: فَدَرَ. والفادر من الإِبِل: الَّذي نَفِدَ ماءُ صُلْبِه عند
стр. 206
الهَرَم، يصرَّف فعله فيقال: فَدَرَ يَفْدُر، وجفر يجفُر؛ إِذا لحقه ذاك، قال امرؤ القَيْس:
وغَوَّرْنَ في ظِلِّ الفَضا وتركْنَهُ ... كَقَرْمِ الهِجانِ الفادِرِ المتشمِّسِ
وقالَ آخر يذكر ثوراً:
بِهِ كلُّ ذَيَّالِ العَشِيِّ كأَنَّه ... هِجانٌ نحَتْه للجُفورِ فَوادِرُه
قوله: نحته معناه عدلته إِلى مثل حالها، ويروى دعته.
١٣١ - والجُدّ حرف من الأَضداد؛ قال قُطْرب: يقال للبئر الكثيرة الماء جُدّ، ويقال أَيْضاً للقليلة الماء جُدّ، وأَنشد للأعشى:
ما يَجْعَلُ الجُدُّ الظَّنونُ الَّذي ... جُنِّبَ صَوْبَ اللَّجِبِ الماطِرِ
مِثْلَ الفُراتي إِذا ما طَما ... يَقذِف بالبوصيّ والماهِرِ
البوصيّ: النوتيّ الملاّح؛ ويقال: البوصيّ الزَّوْرق، والنوتيّ الملاح، والظَّنون القليلة الماء؛ قال الشماخ:
كِلا يَوْمَيْ طُوالَة وَصْلُ أَرْوَى ... ظَنونٌ آن مُطَّرَحِ الظُّنونِ
أَراد: وصل أَروى ضعيف في كِلا يَوْمَيْ طُوالة، فالبئر الظنون هي الَّتي لا يوثَق بمائها، كما لا يوثق بالوَصْل الظنون.
стр. 207
وقالَ غير قُطْرب: الجُدّ عند العرب: البئر الجيِّدة الموضع من الكلأ، قال طرفة:
لَعمْرُكَ ما كانت حَمولةُ مَعْبَدٍ ... على جُدِّها حَرْباً لِدِينكِ من مُضَرْ
والجُدّ في غير هذا، الرَّجُل العظيم الجَدّ في الناس، يقال: رجل جُدّ إِذا كان كذلك، ويقال: قد جُدّ الرَّجُل يَجَدُّ، إِذا صار ذا جَدّ في الناس، والجَدّ: الحظّ، أَنشدنا أَبو العباس:
فَلَقَدْ يَجدُّ المرْءُ وهوَ مُقَصِّرٌ ... ويَخيبُ سَعْيُ المرءِ غَيْرَ مُقَصِّرُ
ويقال: قد جَدّ يَجِدّ من الجِدّ؛ وهو الانكماش، كقول الشَّاعِر:
فإِنَّ الَّذي بَيْني وبينَ بَنِي أَبي ... وبَين بَنِي عَمِّي لمختلفٌ جِدّا
ويقال: قد جَدَّ يَجُدُّ جَدًّا، إِذا قطع الثمر وغيره.
١٣٢ - وأَرديت حرف من الأَضداد. يقال: أَردَيْت الرَّجُل إِذا أَهلكتَه، ويقال: قد رَدِيَ الرَّجُلُ يَرْدَى رَدًى، إِذا هلك؛ قال عليٌ بن أَبي طالب رضوان الله عليه:
ولا تصحبْ أَخا الجهلِ ... وإياكَ وإيّاهُ
فكمْ من جاهل أَرْدَى ... حليماً حين آخاهُ
стр. 208
وقال الآخر:
لَعَلَّ الَّذي يَرْجو رَداي ويَدَّعي ... به قبلَ موتي أَن يكونَ هوَ الرَّدي
وقالَ طالب بن أَبي طالب:
أَلا إنَّ كَعْباً في الحروب تَخَاذَلوا ... فَأَرْدَتْهُمُ الأَيامُ واجْتَرَحوا ذَنْبا
وقالَ الله : وما يُغْني عنهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى، معناه إِذا هلك. وقالَ بعضهم: معناه إِذا تردّى في النار، قال الشَّاعِر:
خَطِفَتْهُ مَنِيَّةٌ فتردَّى ... وهو في المُلْكِ يأمُل التعميرا
ويقال: أَرديت الرَّجُل إِذا أَعنتَه، من قول الله : فَأَرْسِلْهُ مَعيَ رِدْءاً يُصَدِّقُني، معناه عَوْناً. ويقال منه: أَردأت الرَّجُل وأَرداتُه وأَرديتُه، فمن قال: أَرداتُه لَيّن الهمزة، ومن قال: أَرديته، انتقل عن الهمزة؛ وشبه أَرديْتُ بأَرضيت؛ ومثل هذا قول العرب: قرأَت بتحقيق الهمز، وقرات بتليين الهمزة، وقريْت بترك الهمز؛ والانتقال عنه إِلى التشبيه بقضيت ورميت، وكذلك يقال: اقرأْ رُقعتي بالتحقيق، واقرا رقعتي بالتليين، واقْرَ رُقعتي بالترك؛ وهو أَقلُّ الثلاثة.
стр. 209
وكذلك لم يجيء فلان، ولم يجي، بتسكين الياء، ولم يجِ بحذف الياء وهي أَقلَّها.
ويقال: صحيفة مقروءة، وامرأَة مشنوءة على التحقيق. وصحيفة مقروّة وامرأَة مشنوّة، على التليين، وصحيفة مقريّة وامرأَة مشنيّة على الانتقال عن الهمز، والتشبيه بمقضيّة ومرميّة.
أَخبرنا أَبو العباس، عن سلمة، عن الفَرَّاءُ، قال: سمع الرُّؤاسيّ من سمع نُصَيْبا الشَّاعِر - وكانَ فصيحاً يقول: قد قَرَت، وأَنشد الفَرَّاءُ:
ما خاصم الأَقوامَ من ذي خصومةٍ ... كوَرْهاء مَشْنِيٍّ إليها حَليلُها
وأَنشد الكِسَائِيّ والفراء:
أَلا يا غرابَ البينِ مالَكَ تَهْتِفُ ... وصَوْتُكَ مَشْنِيٌّ إليَّ مُكَلَّفُ
وأَنشد الفَرَّاءُ أَيْضاً:
لانتَ أَذلُّ من وَتِدٍ بقاعٍ ... يُوَجِّي رَأسَه بالفهْرِ واجي
أَراد: يُوَجِّئ رأسه واجئ، فترك الهمزة. وأَنشد الفَرَّاءُ أَيْضاً:
راحَتْ بمسلمةَ الرِّكابُ عَشِيَّةً ... فارْعَيْ فَزارَةُ لا هَناكَ المَرْتَعُ
أَراد لا هنأَك. وأَنشد الفَرَّاءُ أَيْضاً:
إنّي من القومِ الذين إِذا ابتَدَوْا ... بدأوا بحقّ الله ثمَّ النائلِ
стр. 210
وقالَ زهير:
جَرِيٌّ متى يُظْلَمْ يعاقِبْ بظُلْمه ... سريعاً وإلاّ يُبْدَ بالظُّلْم يَظلِم
أَراد يُبْدَأْ فترك الهمز.
١٣٣ - والخُلُوف حرف من الأَضداد؛ يقال: قوم خُلوف، إِذا كانوا مقيمين، وخُلوف إِذا كانوا ظاعنين، أَنشد ابن السِّكِّيتِ:
أَصْبَحَ البيتُ بيتُ آلِ بيانٍ ... مُقْشَعِرًّا والحيُّ حيٌّ خُلُوفُ
١٣٤ - وقالَ قُطْرب: الجَرَبَّة حرف من الأَضداد؛ يقال: عيال جَرَبَّة، إِذا كانوا يأْكلون كثيراً، فكأَنهم يَقْوَوْنَ بذلك، وعيال جَرَبَّة إِذا كانوا ضعفاء، وأَنشد:
جَرَبَّةٌ كَحُمُرِ الأَبَكِّ ... لا ضَرَعٌ فينا ولا مُذَكِّي
قال: فالجربّة هاهنا الأَقوياء. وأَخبرنا أَبو العباس، قال: الجَربّة: الذين يأْكلون ولا يدّخرون منه شيئاً، وأَنشدنا هذا البيت وما قبله:
لَيْسَ بنا فَقْرٌ إِلى التشكِّي ... صَلامَةٌ كحُمُرِ الأَبَكِّ
لا ضَرَعٌ فينا ولا مُذَكِّي
стр. 211
قال: الصلامة بنو الأَربعين، والأَبكّ: المزاحِم، وسميت مكْة بكّة لازدحام النَّاس بها. والمذكّي: المسنّ، والضَّرَع: الصغير.
١٣٥ - ولا حرف من الأَضداد؛ تكون بمَعْنَى الجَحْد، - وهو الأَشهر فيها - وتكون بمَعْنَى الإثبات، وهو المستغرب عند عوام النَّاس منها، فكونها بمَعْنَى الجَحْد لا يُحتاج فيه إِلى شاهد، وكونها بمَعْنَى الإثبات شاهده، قول الله : وَحَرامٌ على قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعون معناه أَنّهم يرجعون. وكذلك قوله : ما مَنَعَكَ ألَاّ تَسْجُدَ، معناه أَن تسجد، فدخلت ما للتوكيد، ومثله قوله جلّ وعَلا: وما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءتْ لا يُؤْمِنون، معناه أَنها إِذا جاءت يؤمنون. وقالَ الشَّاعِر:
أَبَي جودُهُ لا البُخْلَ واستعجلَتْ به ... نَعَمْ من فَتًى لا يَمنَعُ الجودَ قاتِلُهْ
في لا أَربعة أَقوال؛ يقال:
هي مؤكِّدة للكلام، والمعنى: أَبي جودُه البخلَ.
ويقال: هي منصوبة بـ أَبي مضافة إِلى البخل؛ وكانَ
стр. 212
أَصحاب هذا القول يروون البيت: أَبي جودُه لا البخلِ على معنى كلمة البخل.
والوجه الثالث: أَن تكون لا منصوبة بأَبي غير مضافة إِلى البخل، وينصب البخل على الترجمة عن لا كما تقول: رأَيت بكراً أَبا محمد.
والوجه الرابع: أَبي جودُه لا البخلُ، على أَن تنتصب لا ب أَبي، ويرتفع البخلُ بإضمار هو كما تقول: مررت بعبد الله أَخوك، وأَنت تريد هو أَخوك.
وإذا جعلت لا اسماً كان فيها وجهان: أَحدهما كرهت لا يا فتى، بالتسكين، وأَعجبتني لا، وفررت من لا. وكذلك نعم.
والوجه الآخر: أَعجبتني لاء ونعمُ، وكرهت لاء ونعمَ، وفررت من لاء ونعم.
ومن العرب من يذكّرهما ويُجْريهما، فيقول: أَعجبني نعمٌ، وأَحببت نعَما، وفررت من لاءٍ ونعمٍ، قال الشَّاعِر:
كأَنَّكَ في الكتاب وَجَدْتَ لاءً ... مُحَرَّمَةً عليكَ فلا تَحِلُّ
وأَنشدنا أَبو العباس عن ابن الأَعْرَابِيّ:
ولَيْسَ يَرْجِعُ في لا بعدما سَلَفتْ ... منه نَعَمْ طائعاً حُرٌّ من الناسِ
стр. 213
وقال الآخر:
جِفانُه رَذَمٌ وأَهْلُه خَدَمٌ ... وقولهُ نَعمٌ إِلَاّ لمسكينِ
يقال: رَذَم ورُذُم. وقالَ الآخر في توكيد الكلام ب لا:
ويومَ جَدودَ لا فَضحتمْ أَباكُمُ ... وسالمتُمُ والخيلُ تَدمَى نحورُها
أَراد: ويوم جدود فضحتم أَباكم. وقال الآخر:
من غَيْرِ لا مَرَضٍ ولكنَّ امرأً ... لَقِيَ البوائقَ والخطوبُ بَوادي
أَراد: من غير مرض، وقالَ زهير:
مُوَرَّثُ المَجْدِ لا يغتالُ هِمَّتَهُ ... عَنِ الرِّياسة لا عَجْزٌ ولا سأَمُ
أَراد: لا يغتال همتَه عجز، وقال الآخر:
أَفَعَنْكَ لا بَرْقٌ كأَنَّ وميضَه ... غابٌ تشَيَّمَهُ ضِرامٌ مُثقِبُ
قال ابن السِّكِّيتِ: قوله أَفعنك لا برق، معناه: أَمن أَرضك ومن ناحيتك يأَيتها المرأَة برق هذه صفته! قال: والضِّرام والضَّرَم: مارقّ ودقّ من الحطب. وتَشَيّمه انشام فيه، أَي دخل فيه، ويُرْوى: تَسَيَّمهُ أَي علاه. والمُثْقِبُ: الَّذي يوقد النار ويحييها ويضيئها، يقال:
стр. 214
أَثقبت ناري أُثقِبها، وثَقَبت النار تثقُب فهي ثاقبة ثقوباً، وقال الله : إِلَاّ مَنْ خَطِفَ الخَطْفَةَ فأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، وقالَ أَبو الأَسود:
أَذاعَ بِهِ النَّاس حتَّى كَأَنَّهُ ... بعلياَء نارٌ أُوقِدَتْ بِثُقُوبِ
أَي بضياء، وقال الآخر:
قد يَكسِبُ المالَ الهِدانُ الجافِي ... بغير لا عَصْفٍ ولا اصطرافِ
أَرادَ: بغير عَصْف. وقال الآخر:
وَقَدْ حَدَاهُنَّ بلا غُبْرٍ خُرُقْ
وقال الآخر:
فما أَلومُ البيض أَلا تَسْخرا ... لمَّا رأَينَ الشَّمَط القَفَنْدَرَا
أَرادَ: أَن تسخرا، والقَفَنْدَر: القبيح، قال الآخر:
أَلا يا لَقَوْمِي قد أَشَطَّتْ عَواذِلي ... ويَزْعُمْنَ أَنْ أَوْدَيَ بحقِّيَ باطِلي
وَيَلْحَيْنَنِي في اللَّهْوِ أَلَاّ أُحِبَّهُ ... ولِلَّهْوِ دَاعٍ دائب غير غافِلِ
أَرادَ: أَن أَحبّه. وقالَ جماعة من أَهل العربية في بيت العجَّاج:
стр. 215
في بِئرِ لا حُورٍ سَرَى ومَا شَعَرْ
أَرادَ: في بئر حُورٍ، أَي في بئر هلاك. وقالَ الفَرَّاءُ: لا جَحْد مَحْض في هذا البيت، والتأْويل عنده: في بئر ماء لا يُحِير عليه شيئاً، أَي لا يردّ عليه شيئاً. وقالَ العرب: تقول: طحنتِ الطاحنة؛ فما أَحارت شيئاً، أَي لم يتبيَّن لها أَثر عمل. وقالَ الفَرَّاءُ أَيْضاً: إنَّما تكون لا زائدة إِذا تقدَّم الجَحْد، كقول الشَّاعِر:
ما كان يرضى رَسُولُ اللهِ دينَهُم ... والطَّيِّبانِ أَبو بكر ولا عُمَرُ
أَرادَ: أَبو بكر وعمر. أَو إِذا أَتَى بعدها جحد، فقدمت للإِيذان به، كقوله : لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتابِ أَلَاّ يَقْدِرُونَ على شَيءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ، معناه: لأَن يعلم.
وقالَ الكِسَائِيُّ وغيره في تفسير قول الله : لا أُقْسِمُ بيَوْم القِيَامَةِ، معناه: أُقسم، ولا زائدة.
وقالَ الفَرَّاءُ: لا: لا تكون أَوَّل الكلام زائدة، ولكنَّها ردّ على الكفرة، إذْ جعلوا لله : ولداً وشريكاً وصاحبة،
следующие страницы →