← Гариб и словари

Гариб и словари · id 17077

الأضداد لابن الأنباري

ابن الأنباري

Полный текст (428 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قال: الصلامة بنو الأَربعين، والأَبكّ: المزاحِم، وسميت مكْة بكّة لازدحام النَّاس بها. والمذكّي: المسنّ، والضَّرَع: الصغير. ١٣٥ - ولا حرف من الأَضداد؛ تكون بمَعْنَى الجَحْد، - وهو الأَشهر فيها - وتكون بمَعْنَى الإثبات، وهو المستغرب عند عوام النَّاس منها، فكونها بمَعْنَى الجَحْد لا يُحتاج فيه إِلى شاهد، وكونها بمَعْنَى الإثبات شاهده، قول الله : وَحَرامٌ على قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعون معناه أَنّهم يرجعون. وكذلك قوله : ما مَنَعَكَ ألَاّ تَسْجُدَ، معناه أَن تسجد، فدخلت ما للتوكيد، ومثله قوله جلّ وعَلا: وما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءتْ لا يُؤْمِنون، معناه أَنها إِذا جاءت يؤمنون. وقالَ الشَّاعِر: أَبَي جودُهُ لا البُخْلَ واستعجلَتْ به ... نَعَمْ من فَتًى لا يَمنَعُ الجودَ قاتِلُهْ في لا أَربعة أَقوال؛ يقال: هي مؤكِّدة للكلام، والمعنى: أَبي جودُه البخلَ. ويقال: هي منصوبة بـ أَبي مضافة إِلى البخل؛ وكانَ

стр. 212

أَصحاب هذا القول يروون البيت: أَبي جودُه لا البخلِ على معنى كلمة البخل. والوجه الثالث: أَن تكون لا منصوبة بأَبي غير مضافة إِلى البخل، وينصب البخل على الترجمة عن لا كما تقول: رأَيت بكراً أَبا محمد. والوجه الرابع: أَبي جودُه لا البخلُ، على أَن تنتصب لا ب أَبي، ويرتفع البخلُ بإضمار هو كما تقول: مررت بعبد الله أَخوك، وأَنت تريد هو أَخوك. وإذا جعلت لا اسماً كان فيها وجهان: أَحدهما كرهت لا يا فتى، بالتسكين، وأَعجبتني لا، وفررت من لا. وكذلك نعم. والوجه الآخر: أَعجبتني لاء ونعمُ، وكرهت لاء ونعمَ، وفررت من لاء ونعم. ومن العرب من يذكّرهما ويُجْريهما، فيقول: أَعجبني نعمٌ، وأَحببت نعَما، وفررت من لاءٍ ونعمٍ، قال الشَّاعِر: كأَنَّكَ في الكتاب وَجَدْتَ لاءً ... مُحَرَّمَةً عليكَ فلا تَحِلُّ وأَنشدنا أَبو العباس عن ابن الأَعْرَابِيّ: ولَيْسَ يَرْجِعُ في لا بعدما سَلَفتْ ... منه نَعَمْ طائعاً حُرٌّ من الناسِ

стр. 213

وقال الآخر: جِفانُه رَذَمٌ وأَهْلُه خَدَمٌ ... وقولهُ نَعمٌ إِلَاّ لمسكينِ يقال: رَذَم ورُذُم. وقالَ الآخر في توكيد الكلام ب لا: ويومَ جَدودَ لا فَضحتمْ أَباكُمُ ... وسالمتُمُ والخيلُ تَدمَى نحورُها أَراد: ويوم جدود فضحتم أَباكم. وقال الآخر: من غَيْرِ لا مَرَضٍ ولكنَّ امرأً ... لَقِيَ البوائقَ والخطوبُ بَوادي أَراد: من غير مرض، وقالَ زهير: مُوَرَّثُ المَجْدِ لا يغتالُ هِمَّتَهُ ... عَنِ الرِّياسة لا عَجْزٌ ولا سأَمُ أَراد: لا يغتال همتَه عجز، وقال الآخر: أَفَعَنْكَ لا بَرْقٌ كأَنَّ وميضَه ... غابٌ تشَيَّمَهُ ضِرامٌ مُثقِبُ قال ابن السِّكِّيتِ: قوله أَفعنك لا برق، معناه: أَمن أَرضك ومن ناحيتك يأَيتها المرأَة برق هذه صفته! قال: والضِّرام والضَّرَم: مارقّ ودقّ من الحطب. وتَشَيّمه انشام فيه، أَي دخل فيه، ويُرْوى: تَسَيَّمهُ أَي علاه. والمُثْقِبُ: الَّذي يوقد النار ويحييها ويضيئها، يقال:

стр. 214

أَثقبت ناري أُثقِبها، وثَقَبت النار تثقُب فهي ثاقبة ثقوباً، وقال الله : إِلَاّ مَنْ خَطِفَ الخَطْفَةَ فأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، وقالَ أَبو الأَسود: أَذاعَ بِهِ النَّاس حتَّى كَأَنَّهُ ... بعلياَء نارٌ أُوقِدَتْ بِثُقُوبِ أَي بضياء، وقال الآخر: قد يَكسِبُ المالَ الهِدانُ الجافِي ... بغير لا عَصْفٍ ولا اصطرافِ أَرادَ: بغير عَصْف. وقال الآخر: وَقَدْ حَدَاهُنَّ بلا غُبْرٍ خُرُقْ وقال الآخر: فما أَلومُ البيض أَلا تَسْخرا ... لمَّا رأَينَ الشَّمَط القَفَنْدَرَا أَرادَ: أَن تسخرا، والقَفَنْدَر: القبيح، قال الآخر: أَلا يا لَقَوْمِي قد أَشَطَّتْ عَواذِلي ... ويَزْعُمْنَ أَنْ أَوْدَيَ بحقِّيَ باطِلي وَيَلْحَيْنَنِي في اللَّهْوِ أَلَاّ أُحِبَّهُ ... ولِلَّهْوِ دَاعٍ دائب غير غافِلِ أَرادَ: أَن أَحبّه. وقالَ جماعة من أَهل العربية في بيت العجَّاج:

стр. 215

في بِئرِ لا حُورٍ سَرَى ومَا شَعَرْ أَرادَ: في بئر حُورٍ، أَي في بئر هلاك. وقالَ الفَرَّاءُ: لا جَحْد مَحْض في هذا البيت، والتأْويل عنده: في بئر ماء لا يُحِير عليه شيئاً، أَي لا يردّ عليه شيئاً. وقالَ العرب: تقول: طحنتِ الطاحنة؛ فما أَحارت شيئاً، أَي لم يتبيَّن لها أَثر عمل. وقالَ الفَرَّاءُ أَيْضاً: إنَّما تكون لا زائدة إِذا تقدَّم الجَحْد، كقول الشَّاعِر: ما كان يرضى رَسُولُ اللهِ دينَهُم ... والطَّيِّبانِ أَبو بكر ولا عُمَرُ أَرادَ: أَبو بكر وعمر. أَو إِذا أَتَى بعدها جحد، فقدمت للإِيذان به، كقوله : لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتابِ أَلَاّ يَقْدِرُونَ على شَيءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ، معناه: لأَن يعلم. وقالَ الكِسَائِيُّ وغيره في تفسير قول الله : لا أُقْسِمُ بيَوْم القِيَامَةِ، معناه: أُقسم، ولا زائدة. وقالَ الفَرَّاءُ: لا: لا تكون أَوَّل الكلام زائدة، ولكنَّها ردّ على الكفرة، إذْ جعلوا لله : ولداً وشريكاً وصاحبة،

стр. 216

فردَّ الله عليهم قولهم، فقال: لا، وابتدأَ بـ أُقسم بيوم القيامة. وقالَ الفَرَّاءُ أَيْضاً في قوله: مَا مَنَعَكَ أَلَاّ تَسْجُدَ: المنع يرجع إِلى معنى القول، والتأْويل: مَنْ قال لك: لا تسجد؟ فلا: جَحْد مَحْض، وأَن دخلت إِيذاناً بالقول، إذْ لم يتصرَّحْ لفظه؛ كما قال أَبو ذُؤَيْب في مرثيَّة بَنِيه: فأَجَبْتُها أَنْ ما لجِسْمِي أَنَّه ... أَوْدَى بَنِيَّ مِنَ البِلادِ فَوَدَّعُوا تأَوّل الآيتين الأُخريين: وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهم لا يَرْجِعُونَ، وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُون على مثل هذا المعنى. ١٣٦ - وقالَ قُطْرب: المُعْصِر حرف من الأَضْداد. فهو في لغة قيس وأَسَدِ: الَّتي دنت من الحيْض؛ وهو في لغة الأَزد: الَّتي وَلَدَت أَو تَعَنَّسَتْ.

стр. 217

قال أَبو عُبيد: قال الأَصْمَعِيّ: المُعْصِر: الَّتي قد أَدركت. قال: قال الكِسَائِيّ: المُعْصِر: الَّتي راهقت العشرين، قال الشَّاعر: قَدْ أَعْصَرَتْ أَوْ قَدْ دَنَا إِعْصَارُها والمُسْلِف: الَّتي قد بلغت خمساً وأَربعين، قال عمر ابن أَبي ربيعة: قُلْتُ أَجيبِي عاشقاً ... بحبِّكُمْ مُكَلَّفُ فيها ثلاثٌ كالدُّمَى ... وَكاعِبٌ ومُسْلِفُ الدُّمَى: الصُّوَر، والكاعب: الَّتي كَعَب ثدياها، وكذلك الكَعَاب؛ قال الشَّاعر: فَلَيْتَ أَميرَنا وَعُزِلْتَ عَنَّا ... مُخَضَّبَةٌ أَنامِلُها كَعابُ ١٣٧ - والحزوّر: حرف من الأَضْداد؛ يقال للغلام اليافع الَّذي قارب الاحتلام: حَزَوَّر؛ ويقال للشَّيخ: حَزَوَّر. وقالَ ابن السِّكِّيت: يقال للرجل الَّذي قد انتهى شبابه حَزَوَّر. وأَخبرنا إِدريس بن عبد الكريم، قال: حدَّثنا خلف، قال: حدَّثنا حماد بن زيد، عن أَبي عمران الجَوْنِيّ، عن

стр. 218

جُنْدُب بن عبد الله البَجَليّ - قال حماد لا أَعلمه إِلَاّ رفعه إِلى النَّبِيّ ﷺ قال: اقرءُوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإِذا اختلفتم فيه فقوموا عنه، قال: وكنت على رَسُولُ الله ﷺ غلاماً حَزَوَّراً. وقال الشَّاعر: ومَهْمَهٍ يُطَوِّحُ الحَزَوَّرا ... والشَّيخَ ما لَم يكُ جَلْداً مُسْفِرا فالحزوَّر في هذا البيت يجوز أَن يكون الغلام الَّذي قد قارب الاحتلام، ويجوز أَن يكونَ الَّذي قد كَمَل شبابه. وقالَ النَّابِغَة: وإِذا نَزَعْتَ نَزَعْتَ من مُسْتَحْصِفٍ ... نَزْعَ الحَزَوَّرِ بالرِّشاءِ المُحْصَدِ يجوز أَن يكون الحزوَّر الَّذي قد انتهى شبابه، ويجوز أَن يكون الَّذي قد قارب الحُلُم، فهو ينزِع نزعاً ضعيفاً. وقالَ الأَحنف بن قيس: إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بالمنيَّهْ ... حَزَوَّرٌ لَيْسَتْ لَهُ ذُرِّيَّهْ أَرادَ بالحَزَوَّر الشَّيخ. ١٣٨ - والتَّلْعة حرف من الأَضْداد؛ يقال لما ارتفع من الوادي وغيره: تَلْعَة. ويقال لما تَسَفَّل وجَرَى الماء فيه

стр. 219

لانخفاضه: تَلْعة، ويقال في جمع التَّلعة تَلَعات وتِلاع، وقالَ نابغة بَنِي ذبيان: عَفَا حُسُمٌ مِنْ فَرْتَنَا فالفَوارِعُ ... فَجَنْبَا أَريكٍ فالتِّلاعُ الدَّوَافِعُ وقالَ زُهير: وإِنِّي مَتَى أَهْبطْ مِنَ الأَرْضِ تَلْعَةً ... أَجِدْ أَثَراً قَبْلي جَدِيداً وَعافِيا فالتَّلعة في هذا البيت تَحتمل المعنيين جميعاً. وقالَ الرَّاعي: كَدُخان مرتجِلٍ بأَعْلى تَلْعَةٍ ... غَرْثَانَ ضَرَّمَ عَرْفَجاً مَبْلولا في المرتجِل قولان: يقال هو الَّذي يطبُخ رِجْلاً من الجراد، والرِّجْل القطعة منه. وقالَ أَبو عِكْرمة الضبيّ: مِنْ هذا سُمِّيَ المِرْجل مِرْجَلاً. ويقال: المرتجِل الَّذي يقدح الزَّنْد بِرِجْلِه. والتَّلْعة في هذا البيت معناها العلوّ والإِشراف. وقالَ بعض الأَعراب: إِذا أَشْرَفَ المَحْزُونُ مِنْ رَأْسِ تَلْعَةٍ ... على شِعْبِ بَوَّانٍ أَفاقَ مِنَ الكَرْبِ وأَلهاه بَطْنٌ كالحريرَةِ مَسَّهُ ... ومُطَّرِدٌ يَجْرِي من البارد العَذْبِ وطِيبُ ثِمارٍ في رِياضٍ أَرِيضَةٍ ... وأَغْصانُ أَشجارٍ جَناهَا على قُرْبِ

стр. 220

فَبِاللهِ يا رِيحَ الشَّمالِ تحمَّلي ... إِلى شِعْبِ بَوَّانٍ سَلامَ فَتًى صَبِّ ١٣٩ - وما أَسرَّني حرف من الأَضْداد؛ يقول السَّار: ما أَسرَّني لفلان! إِذا كان هو يرقع له السُّرور، ويَقُولُ المسرور: ما أَسرَّني بلقائك. وقالَ الفَرَّاءُ: بناءُ أَفْعَل في التعجُّب أَن يكون للفاعل، كقولك: ما أَحسن عبد الله! والحسنُ له، وما أَجمله! وهو الموصوف بالجمال، قال: وقد يكون للمفعول في الشَّيْء الَّذي يراد به دَيْمومته إِذا انكشف المعنى ولم يدخله لَبْس، كقولهم: ما أَعرفَ فلاناً بالخير! وما أَشهرَه في النَّاس! وما أَكساه! إِذا كان هو المكسوّ، وما أَعراه! إِذا كان هو المنعوت بالعُرْي. قال: وسمعت رجلاً من بَنِي تميم - وقالَ له رجل: نَحِّ بعيرك عنِّي يا مُصَاب - فقال: غيري أَصْوَب منِّي، فجعل أَفعل للمفعول. قال: ومن هذا قولهم: هو أَعْرَى من مِغْزَل، وهو أَكْسَى من بصلة. قال: ويجوز أَن يقال للرجل: ما أَقعده! إِذا كان مُقْعَداً قد لزمته الزَّمانة، وعَرَف المخاطَب مرادَ المخاطِب.

стр. 221

١٤٠ - وأَشْكَيْت حرف من الأَضْداد؛ يقال: أَشكيتُ الرَّجُل، إِذا أَقمتُ على الأَمر الَّذي يشكوه مِنِّي، وأَشكيتُه إِذا أَقلعت عن الَّذي يشكوه. وحدَّثنا محمد بن يونس، قال: حدَّثنا يَعْقُوبُ بن إِسحاق الحضرميّ، قال: حدَّثنا وهيب بن خالد، قال: حدَّثنا محمد ابن جُحادة، قال: حدَّثنا سُلَيْمَان بن أَبي هند، عن خَبَّاب، قال: شكوْنا إِلى رَسُول الله ﷺ شدَّة الحرّ في أَكفّنا وجباهِنا، فلم يُشكِنا. قال أَبو بَكْر: فمعنى قوله: لم يُشكِنا، فلم يَنْزِعْ عن الأَمر الَّذي شكوْناه إِلَيْه. وقال الشَّاعر يَصِفُ إِبلاً: تَمُدُّ بالأَعناقِ أَو تَلْوِيها ... وتَشْتَكي لو أَنَّنا نُشْكِيها غَمْراً حَوايَا قَلَّما يُجْفِيها أَرادَ بنُشْكيها ننزِع عن الأَمر الَّذي تَشكوه، والبعير لا يشكو في الحقيقة، إنَّما يتَمثَّل للراكب عند إِتعابه إِيَّاه أَنَّهُ لو أَطاق الشَّكوى لشكا، قال الشَّاعر:

стр. 222

يَشْكُو إِليَّ جَمَلي طُولَ السُّرَى ... صَبْراً جميلاً فكلانا مُبْتَلَى فجعل الشكْوَى للبعير. ويُرْوَى: طُولُ السُّرى بالرفع، على أَنَّ الطُّول هو الَّذي يشكُو الجمل، على المجاز لا على الحقيقة. والحوايا: المباعر. وقالَ أَبو عُبيدة: الحوايا ما تَحَوَّى من الباطن، أَي استدار منها. وقالَ الأَصْمَعِيّ: الحوايا بناتُ اللَّبن، وواحدةُ الحوايا حاوياء وحاوِيَة وحَوِيَّة، قال الشَّاعر: أَضْرِبُهمْ ولا أَرى مُعاوِيهْ ... الجاحظَ العينِ العظيمَ الحاوِيَهْ وقال الآخر: كأَنَّ نَقيقَ الحَبِّ في حاويائِهِ ... فَحيحُ الأَفاعي أَو نقيقُ العقارِبِ ١٤١ - وأَشدّ حرف من الأَضْداد؛ يقال: بلغ فلانٌ أَشدَّه، إِذا بلغ ثماني عشرة سنة، وبلغ أَشدّه إِذا بلغ أَربعين سنة، قال الله : حتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. قال الفَرَّاءُ: ويقال: الأَشدّ أَربعون سنة. قال: وحكى لي بعض المشيخة بإِسناد ذكره أَنَّ الأَشدّ ثلاث وثلاثون سنة، والاستواءُ أَربعون سنة، قال: وحَكَى لي أَنَّ الأَشدّ ثمانيَ عشرة سنة.

стр. 223

وقول من قال ثلاث وثلاثون سنة، أَشبَه بالآية؛ لأَنَّه عطف الأَربعين عليه، والأَربعون أَقربُ إِلى ثلاث وثلاثين منها إِلى ثمانيَ عشرة سنة؛ فكان ذلك أَوْلَى، أَلَا ترى أَنَّ قولك: قد أَخذتُ عامة المال أَو كُلَّه، أَحسنُ من قولِك: قد أَخذتُ أَقلَّ المالِ أَو كُلَّه! قال: وقول من قال: الأَشدّ ثمانيَ عشرة سنة لَيْسَ بخطأ. قال الفَرَّاءُ: وفي قراءة عبد الله: حتَّى إِذا اسْتَوَى وبَلَغَ أَشُدَّهُ وبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قال: فهذا موافق لمعنى قراءتنا، أَلَا ترى أَنَّك تقول في الكلام للرجل: لما وُلِدَ لك وأَدركتَ مدرك الرِّجال عَقَقْتَ وفَعَلْتَ! فالإِدراك قبل أَن يُولَدَ له، فقدَّم المؤخر ثَمّ، كما قُدِّم ها هنا. وقالَ بعض النحويِّين: الأَشدّ اسم واحدٍ لا واحدَ له، وهو بمنزلة الآنُك، والآنُك: الرَّصاص والأُسْرُبّ. وقالَ الفَرَّاء: واحد الأَشُدّ شَدّ وشُدَّ، وأَشدّ كقولهم: فَلْس وأَفْلُس، وبحر وأَبْحُر، قال عنترة: عَهْدي بِهِ شَدَّ النَّهارِ كأَنَّما ... خُضِبَ البَنَانُ ورأْسهُ بالعِظلِمِ العِظْلِم: صِبْغ أَحمر، ويقال: هو البَقَّم. وقال الآخر: تُطيفُ بِهِ شَدَّ النَّهارِ ظعينةٌ ... طويلة أَنقاءِ اليَدَيْن سَحُوقُ

стр. 224

وقالَ يونس بن حبيب: واحد الأَشدّ شُدّ، فاعلم. وقال: هو كقولهم: فلان وُدِّي، والقوم أَوُدِّي، واحتجَّ بقول النَّابِغَة: إنِّي كأَنِّي لَدَى النُّعْمان خَبَّرَهُ ... بعضُ الأَوُدِّ حديثاً غيرَ مَكْذوبِ بأَنَّ حِصْناً وَحَيًّا مِنْ بَنِي أَسَدٍ ... قامُوا فقالوا حِمانَا غَيْرُ مَقْرُوبِ ويُرْوَى عن الأَخفش أَنَّهُ قال: واحد الأَشُدّ شِدَّة، قال: وهو كقولهم: نِعْمة وأَنْعُم. وأَخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدَّثنا يوسف بن موسى، قال: حدَّثنا ابن إِدريس، عن عبد الله بن عثمان ابن خُثَيْم، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله : حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ، فقال: ثلاثاً وثلاثين سنة. ١٤٢ - وقال قُطْرب: البَعْل: حرف من الأَضْداد؛ يقال لما تَسقيه السَّماء بَعْل، ويقال لما يشرب بعروقه: بَعْل. أَخبرنا عبيد الله بن عبد الواحد بن شريك البزَّاز، قال: حدَّثنا ابن أَبي مريم، قال: حدَّثنا ابن لهيعة، عن يزيد ابن أَبي حبيب، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أَبيه، أَنَّ رَسُولُ الله ﷺ فَرَض في البَعْل وفيما سقت

стр. 225

الأَنهار، أَو كان عَثَرِيًّا يُسْقَى بالسَّماء العُشُور، وفيما سُقِيَ بالنَّضْح نصفَ العُشُور. وقالَ أَبو عُبيد: حدَّثنا أَبو النضر، عن اللَّيْث بن سعد، عن يزيد ابن أَبي حبيب، عن بُسر بن سعيد، أَنَّ رَسُولُ الله ﷺ قال في صَدَقة النخل: ما سقى منه بَعْلاً ففيه العُشْر. وقالَ أَبو عُبيدة: قال الأَصْمَعِيّ: البَعْل ما شرب بعروقه من غير سَقْي سماء ولا غيرها، فإِذا سقتْه السَّماء فهو العِذْيُ، واحتجَّ بقول النَّابِغَة في صفة النخل: مِنَ الوارِداتِ الماَء بالقاعِ تَسْتَقِي ... بأَذْنابِها قَبْلَ اسْتِقاءِ الحَنَاجِرِ يعني أَنَّها تستقي بعروقها من الثرَى. وقالَ الكِسَائِيّ وأَبو عُبيدة: البَعْل هو العِذْيُ وما سقته السَّماء، والعَثَرِيّ في قول أَهل اللُّغة أَجمعِين: ما سقته السَّماء، والسَّيْح: الماءُ الجاري في الأَنهار؛ وإِنَّما سُمِّيَ سَيْحاً لأَنَّه يَسيح فيذهب ويمتدّ، ويقال له: الغَيْل والفَتْح، والغَلَل: الماءُ الجاري بين الشجر، قال جرير: طَرِبَ الحَمَامُ بذِي الأَراكِ فشَاقَنِي ... لا زِلْتُ في غَلَلٍ وأَيْكٍ ناضِرِ

стр. 226

وردَّ ابن قتيبة على أَبي عُبيد ما حكاه عن الأَصْمَعِيّ في البَعْل من قوله: البَعْلُ ما شَرِب بعروقه، ولم يُسَمِّ الأَصْمَعِيّ. وقالَ أَبو عُبيد: البَعْل ما شرب بعروقه من غير سَقْي سماء ولا غيرها. قال: فهذا نَقضٌ للذي في الحديث، إذْ كان في الحديث ما سُقِيَ منه بَعْلاً، قال: فالبَعْل وغير البَعْل وسائر الشجر يشرب الماءَ بعروقه. والعِذْي والمَسْقِيّ يشرب الماء بأَعاليه، فأَين هذا الَّذي لا تسقيه سماء ولا غيرها! أَفي أَرض لم تمطر قطّ، أَم في كِنّ! هذا ما لا يُعرف. قال: والَّذي رأَيت عليه أَهلَ اللُّغة، وناظرت عليه الحجازيين أَنَّ البَعْل هو العِذْي وما سقته السَّماء، الدليل على هذا قول عبد الله بن رَواحة حين خرج غازياً إِلى الشَّام: إِذا بَلَّغتِني وحَمَلْتِ رَحْلي ... مَسِيرَةَ أَرْبَعٍ بَعْدَ الحِسَاءِ فزادُكِ أَنْعُمٌ وخَلَاك ذَمٌّ ... ولا أَرجِعْ إِلى أَهْلي وَرَائي وعادَ المسلمون وَغادَرُونِي ... بأَرضِ الشَّام منقطِعَ الثَّواءِ هُنالِكَ لا أُبالي نَخْلَ سَقْيٍ ... ولا بَعْلٍ وإِنْ عَظُمَ الأَتاءِ يقول: إِذا اسْتُشْهِدْت لا أُبالي ولا أُفكِّر في بَعْل النخل ولا سَقْيِه، والأَتاءُ: النّماءُ وكثرة الرَّيْع؛ يقال: طعامٌ ذو أَتاء، إِذا كان كثير النَّزَلِ والرَّيْع.

стр. 227

قال ابن قتيبة: والعَثَرِيّ: هو ما يُؤَتَّى لماء السَّيل إِلَيْه ويُجعل في مَجْرَى الماء عاثور، فإِذا صدمه ترادّ، فدخل تلك المجاريَ حتَّى يَسقِيَه، فلذلك سُمِّيَ عَثَرِيًّا. قال: وقد يكون العَثَرِيّ ما سقته السماء، والبَعْل قد يكون ما سقته السَّماء، وما فُتِحَ لماءِ السَّيل إِلَيْه بغير عواثير. قال أَبو بَكْر: فردَّ ابن قتيبة على أَبي عُبيد والأَصْمَعِيّ ما قالاه في البَعْل هو المخطئ فيه، لا أَبو عُبيد ولا الأصمعي، لأَنَّهما رحمة الله عليهما لم يذهبا إِلى أَنَّ البَعْل يكون في كِنٍّ لا يصيبه مطر، أَو في أَرض لا تُغَاثُ؛ وإِنَّما أَرادا أَنَّ البَعْل يجتذب بعروقه من الثرى ما يُغنيه عن المطر؛ فإِذا أَصابه المطر لم يكن مضطرًّا إِلَيْه؛ لأَنَّ الَّذي يؤدِّيه عروقه إِلَيْه من الثرى يُغْنيه عنه، وإِذا انقطع المطر فتغيَّر لانقطاعه سائر النبات لم يتغيَّر البَعْل لاكتفائه بما يشربُ من الثَّرَى. والدليل على أنَّ البَعْل يخالف العِذْيَ والعَثَرِيّ وجميعَ المسقيّ ما حدَّثناه أَحمد بن الهيثم، قال: حدَّثنا القعنبيّ، قال: حدَّثنا بهلول بن راشد، عن يونس، عن الزهريّ، عن سالم،

стр. 228

عن أَبيه، أنَّ رَسُولُ الله ﷺ فرض فيما سقت السَّماء والعيون، أَو كان بَعْلاً العُشْرَ، وما كان عَثَرِيًّا يُسْقى بالسَّماء العُشْر، وما سُقي بالنَّضْح نصف العُشْر. قال أَبو بَكْر: ففرقه صلى الله عليه بين البَعْل والعَثَرِيّ، وما سقته السَّماء دليل على أَنَّهُ جنس يخالفها، ففي هذا أَوضح دليل على غلط ابن قتيبة، وبالله التوفيق. ١٤٣ - والشَّرَى حرف من الأَضْداد؛ يقال لشِرارِ المال شَرًى، ويقال لكرام الإِبل وخيار مسانِّها شَرًى، قال الشَّاعر: مُغَادَراتٌ في الشَّرَى المُحسَّل ويُرْوَى المخسَّل بالخاء، ومعناهما المنفيّ المتروك، وواحدة الشَّرَى شراة؛ فاعلم، على معنى الذمّ والمدح، قال الشَّاعر في معنى المدح: من الشَّرَاة رُوقَةِ الأَمْوالِ والشَّرَى في غير هذا الغَضب، يقال: قدْ شَرِيَ الرَّجُل يَشْرَى شَرًى إِذا استطار غضباً، قال الشَّاعر: والْمُمْ أَخاكَ على ما كان من شَعَثٍ ... إِنَّ اللَّجاجة تَشْرَى حِين تُشْرِيها

стр. 229

والشَّرَى الَّذي يخرج بالجلد، يقال منه: شَرِيَ يَشْرَى شَرًى. وشَرًى اسم موضع، قال الشَّاعر: أُسُودُ شَرًى لاقَتْ أُسُودَ خَفِيَّةٍ ... تَسَاقَوْا على حَرْدٍ دِماَء الأَساوِدِ الحرْد: الغضب والحِقْد، من قوله : وَغَدَوْا على حَرْدٍ قَادِرِينَ، ويقال: الحرْد القَصْد، ويقال: الحَرْد المنع، والشَّوَى، بالواو، يوافق معنى الشَّرَى في الباب الَّذي يكون فيه ذمًّا، يقال: هذا شَرًى من المال، أَي رُذَال، قال الشَّاعر: إِنَّكَ ما سَلَّيْتَ نَفْساً شحيحةً ... عن المالِ في الدُّنيا بمثل المجاوِعِ أَكلنا الشَّوَى حتَّى إِذا لم ندعَ شَوًى ... أَشَرنا إِلى خَيْراتِها بالأَصابِعِ ويكون شَوًى بمَعْنَى هيِّن، فيقال: كلُّ ذلك شوًى ما سَلِم لك دينُك، أَي هيِّن حقير، قال الشَّاعر: وكُنْتُ إِذا الأَيَّامُ أَحْدَثْنَ نَكْبَةً ... أَقُولُ شَوًى ما لم يُصِبْنَ صَمِيمي والشَّوى جلدَةُ الرَّأْس، قال الشَّاعر: إِذا هيَ قامَتْ تَقْشَعِرُّ شَواتُها ... ويُشْرِقُ بينَ اللِّيتِ منها إِلى الصّقْلِ

стр. 230

وأَنشدنا أَبو العبَّاس للأَعشى: قالَتْ قُتَيْلَةُ مالَهُ ... قَدْ جُلِّلَتْ شَيْباً شَوَاتُهْ أَن لا أَراهُ كما عَهِدْ ... تُ صَحَا وأَقْصَرَ عاذِلاتُهْ والشَّوى: الأَطراف، نحو اليدين والرجلين، قال الله : نَزَّاعَةً لِلشَّوَى، ويقال: هذا فرس غليظ الشَّوَى، أَي غليظ القوائم، قال امرؤ القَيْس: سَليمُ الشَّظَا عَبْلُ الشَّوَى شَنِجُ النَّسا ... لَهُ حَجَبَاتٌ مشْرِفاتٌ على الفَالِ ١٤٤ - والإِقْهام حرف من الأَضْداد. يقال للجوع إِقْهام، كقول الشَّاعِر: وهوَ إِلى الزَّاد شديدُ الإِقْهامْ والإِقْهام: أَلَاّ يشتهي الرَّجُل الطعام، يقال: قد أَقهم عن الطعام إِقْهاماً، وأَقهى إِقهاءً؛ إِذا لم يشتهِهِ، ويقال: رجل قَهِم إِذا كان كذلك، وإِنَّما سُمِّيَت الخمر قَهْوة، لأَنَّها تُقْهِي صاحبَها عن الطعام والشراب، قال أَبو الطَّمَحَان: فأَصْبَحْنَ قَدْ أَقْهَيْنَ عَنِّي كما أَبَتْ ... حِياضَ الإِمِدَّانِ الهِجَانُ القَوامِحُ أَي أَعرضْنَ عَنِّي وتركنني، والهِجَان: البيض من الإِبل،

стр. 231

والقوامح: الرافعة رءُوسها، قال الشَّاعر: ونحنُ على جَوَانِبِها قُعُودٌ ... نَغُضُّ الطَّرْفَ كالإِبِلِ القِماحِ وقالَ الله جَلّ وعلا: إنَّا جَعَلْنا في أَعْناقِهمْ أَغْلالاً فَهيَ إِلى الأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحون، فقال الفَرَّاءُ: المقمَح: الغاضّ بصره بعد رفع رأَسه. وقالَ غيره: مُقْمَحَون: مُلْجَمون. وقالَ آخرون: المقمَحُ أَصلُه الَّذي يرفع رأسه، ويضع يديْه على فيه؛ ومعنى فهيَ فأَيمانهم إِلى الأَذقان، فكَنَّى عنها لأَنَّ الأَغلال والأَعناق دلّت على الأَيْمان. والذًّقَن: أَسفل اللّحيين، والإمِدّان ماء يكون في الصحراء، والإبل تكره الشرب منه. وقالَ أَبو عُبيدة: الإمدّان: ماءُ السَّبَخَة؛ يقال: ماء مِدّان وإمِدّان، إِذا كان كذلك، ويقال في جمع المِدّان مَدَادِين، قال الشَّاعِر: ولا يُعافُ شُرْبَ ماء مدَّان ١٤٥ - والطِّبّ حرف من الأَضداد؛ يقال: الطِّب لعلاج السِّحر وغيره من الآفات والعِلَل، ويقال الطِّب للسِّحر.

стр. 232

ورَجُلٌ مَطْبوب، إِذا كان مسحوراً. قال الكلبيّ، عن أَبي صالح، عن ابن عباس: سُحِرَ رَسُولُ الله ﷺ حتَّى مَرِضَ مَرَضاً شديداً، فبينا هو بين النائم واليقظان، رأَى مَلَكَيْن؛ أَحدهما عنْد رأسه والآخر عند رجله، فقال الَّذي عند رِجْله للذي عند رأسه: ما وجعُه؟ قال طِبّ، قال: ومن طَبّه؟ قال لَبيد بن أَعصم اليهوديّ، قال: وأَين طِبّه؟ قال: في كَرَبَةٍ تحت صخرة في بئر بَنِي كَمَلَى؛ وهي بئر ذَرْوان - ويقال ذي أَرْوان - فانتبه النَّبِيّ ﷺ وقد حفظ كلام الملكين، فوجّه عماراً وجماعة من أَصحابه إِلى البئر؛ فنزحوا ماءها، فانتهوا إِلى صخرة فقلعوها، ووجدوا الكَرَبَة تحتها، وفيها وَتَر فيه إحدى عشرة عُقْدة، فأَحرقوا الكَرَبة وما فيها، فزال عنه ﵇ وجعُه، وقام كَأَنَّهُ أُنْشِط من عقال؛ وأَنزل الله عليه المعوّذتين إحدى عشرة آية، على عدد العُقَد، فكان لَبيد بعد ذلك يأتيه ﵇ فلا يذكر له شيئاً من فعله، ولا يوبِّخه به. وقالَ علقمة بن عَبَدة: فإنْ تَسْأَلوني بالنِّساءِ فإِنَّني ... خَبيرٌ بأَدْواءِ النِّساء طَبيبُ

стр. 233

فالطبيب هاهنا الحاذق، وإنما قيل للمعالج طبيب لحِذْقه، قال عنترة: إنْ تُغْدِفي دوني القِناعَ فإِنَّني ... طَبٌّ بأَخْذِ الفارسِ المُسْتَلْئِم وقال الآخر: وكُنْتُ كذي سُقْمٍ تَبَغَّى لِنَفْسهِ ... طَبيباً فلمّا لَم يجدْه تَطَّببا وقالَ المجنون: أَراني إِذا صَلَّيْتُ يَمَّمْتُ نحْوَها ... بوجهي وإنْ كان المُصَلَّى ورائيا وما بيَ إشْراكٌ ولكنَّ حُبَّها ... كَعودِ الشَّجا أَعْيا الطبيبَ المُداويا وقال الآخر: فإنْ نَهْزِمْ فَهَزَّامون قِدْماً ... وإنْ نُهْزَمْ فَغَيْرُ مُهَزَّمينا وما إن طِبُّنا جُبْنٌ ولكنْ ... مَنايانا وطُعْمَةُ آخَرينا ١٤٦ - وأَخلفْتُ حرف من الأَضداد؛ يقال: أَخْلَفْتُ موعِدَ فلان إِذا وَعَدْتُه ولم أَفِ له، ويقال: أَخْلَفْتُ مَوْعِدَهِ، إِذا وعدني ولم يَفِ لي، فتأْويلُه: صادفت وعده خُلُفاً، قال الأَعشى:

стр. 234

أَثْوَى وقَصَّرَ لَيْلَةً ليُزوّدا ... فمضى وأَخلَف من قُتَيْلَةَ مَوْعِدا أَراد صادف وعدها خُلْفاً. وهذا شبيه بقولهم: أَقفرتُ الموضع؛ إِذا صادَفْتَه قَفاراً، وأَخليتُه؛ إِذا وجدتَه خالياً، قال الشَّاعِر: لِعَمْرَةَ رَسْمٌ أَصبَحَ اليَوْمَ دارِسا ... وأَقْفَرَ مِنها رَحْرَحانَ فَراكِسا أَراد: وأَقفر الرَّجُل رحرحان، أَي صادفه قَفاراً. وقالَ الآخر: أَتَيْتُ مَعَ الحُدَّاثِ لَيْلَى فلم أُبِنْ ... فأَخْلَيْتُ فاستعجمتُ عِنْدَ خَلائي أَراد بأَخليت وجدت الموضع خالياً، وقالَ ذو الرُّمَّة: تُريكَ بَياضَ لَبَّتِها وَوَجْهاً ... كَقَرْنِ الشَّمْسِ أَفْتَقَ حينَ زالا أَراد بأَفتق، وجد في الغيم فتقاً. وقال الآخر: فَلَوْ كُنْتُمُ إبلاً أَمْلَحَتْ ... إِذا نَزَعتْ للمياه العِذابِ ولكنكمْ غَنَمٌ تُشْترَى ... ويُتْرَك سائرُها للذِّئاب أَراد بأَملحت صادفت نباتاً مِلْحاً، وتُشترى معناه تُختار. وقالَ ابن أَحمر: أَصَمَّ دُعاءُ عاذِلَتي تحَجَّي ... بآخِرنا وتُنْسي أَوَّلينا

стр. 235

أَراد بقوله أَصمّ صادف دعاؤها قوماً صُمَّا. وقال الآخر: وأَلْمَحْن لَمْحاً من خُدودٍ أَسيلَةٍ ... رِواءٍ خَلا ما أَنْ تَشِفَّ المعاطِسُ أَراد بأَلْمَحْن أَمكَنّ من أَن يلْمحن، وقال الآخر: تمَنَّي حُصَيْنٌ أَنْ يَسودَ جِذاعَه ... فأَمْسَى حُصَيْنٌ قد أَذَلَّ وأَقْهَرا أَراد بأَذّل وأَقهر جاءَ بالذُّل والقَهْر. وقال الآخر: قَتَلوا كُلَيْباً ثمَّ قالوا أَرْتِعوا ... كَلَاّ وَرَبِّ الحِلِّ والإحْرام أَراد بأَرتعوا صادفوا ما ترتع فيه إبلكم. وقال الآخر: فإِنِّي وما كَلَّفْتُموني بجهلكمْ ... لَيَعْلَمُ رَبِّي مَنْ أَعَقَّ وأَحْوَبا أَراد بأَعقّ وأَحْوَب جاءَ بالعقوق والحُوب. ١٤٧ - والدُّخْلُل حرف من الأَضْداد؛ قال أَبو عُبيدة: يقال للصديق والخليل: دُخْلَل، ويقال للحشْو ومَنْ يُدْخِل نفسه في قوم لَيْسَ منهم دُخْلَل، قال امرؤ القَيْس: إنَّ بَني عَوْفٍ ابْتَنَوْا حَسَباً ... ضَيَّعه الدُّخْلَلون إذْ غَدَروا ويقال: فلان من دخلَل فلان، أَي من خاصّته. ويقال: بينهما دُخْلَل ودُخْلُل، أَي إخاءٌ ومودّة، وهو مأْخوذ في هذا المعنى من الدّخيل والمُداخِل.

стр. 236

١٤٨ - وتَلَحْلَح حرف من الأَضْداد؛ يقال: قد تَلَحْلَح الرَّجُل إِذا أَقام في الموضع وثبت، وتلحلح إِذا زال وذهب. حدَّثنا بن عَمْرو، قال: حدَّثنا سعيد بن منصور، قال حدَّثنا عَطّاف بن خالد، عن صُدَيْق بن موسى، عن عبد الله بن الزُّبير، أَن رَسُولُ الله ﷺ لما هاجر إِلى المدينة ودَخَلَها جاءت ناقَتُه إِلى موضع المِنْبر، فاستناخت وتَلَحْلَحَتْ هاهنا أقامت وثبتت. وأَنشدنا في المعنى الآخر أَبو العباس، عن سلمة، عن الفَرَّاءُ: تَقول وَرْياً كُلَّما تَنَحْنَحا ... شَيْخٌ إِذا حَرَّكْتَه تَلَحْلَحا أَراد بتَلَحْلَح تحلْحَل، فقدّم اللام وأَخَّر الحاء؛ كما قالوا: جَذَب وجَبَذ، وعاثَ في الأرض وعَثَا؛ هذا تفسير الفَرَّاءُ. وقالَ غيره: إِذا كان تَلَحْلح بمَعْنَى أَقام وثبت، فأَصله تَلَحَّحَ من الإلحاح، فاستثقلوا الجمع بين ثلاث حاءات، فأَبدلوا من الثانية لاماً، كما قالوا: قد صَرْصَر البابُ، وأَصله صَرَّرَ، فأَبدلوا من الراء الثانية صاداً، قال ابنُ مُقْبِل:

стр. 237

أَناسٌ إِذا قيل انفِروا قد أُتيتُمُ ... أَقاموا على أَثقالهمْ وتَلَحْلحوا أَي ثبتوا. ويقال: قد تحلحل الرجل، إِذا زال وذهب، وأَصله تحلّل؛ فأَبدلوا من اللام الثانية حاء، كما قالوا: قد تكمكَمَ الرَّجُل إِذا لبس الكُمَّة، وهي القَلَنْسُوة، وأَصله تكمّم. وحَثْحَثْتُ الرَّجُل، أَصلُه حثثته. وتململ الرَّجُل، وأَصله تَمَلَّل، من المَلّة، والملّة الرماد الحارّ، وموضع الخُبْزة، فيقال: قد تَمَلْمَل؛ إِذا أَكثر التقلّب على فراشه من الهمّ والحزَن، حتَّى كَأَنَّهُ متقلِّب على الجَمْر، قال الشَّاعِر: لا أَشْتِمُ الضَّيْفَ إِلَاّ أَن أَقولَ لَهُ ... أَباتَكَ الله في أَبياتِ عَمَّارِ أَباتَكَ الله في أَبياتِ مُعْتَنِزٍ ... عن المكارمِ لا عَفٍّ ولا قارِ جَلْدِ النَّدَى زاهِدٍ في كُلِّ مَكْرُمَةٍ ... كأنما ضَيفه في مَلَّةِ النارِ ويقال: كفكفتُ الرَّجُل، إِذا صرفتَه عن الشَّيْء، وأَصله كففته، قال الشَّاعِر: مالي أُكَفْكِفُ عن سَعْدٍ ويَشْتِمُني ... ولو شَتَمْتُ بَنِي سعدٍ لَقَد سَكنوا جَهْلاً علينا وَجُبْناً عن عَدُوِّهمُ ... لبئسَتِ الخَلَّتانِ الجهلُ والجُبُنُ

стр. 238

ويقال: قد تبشبش فلان بفلان إِذا آنسه، وأَصله تبَشَّشَ من البشاشة، أَنشدنا أَبو العباس، عن ابن الأَعْرَابِيّ: أَلَمْ تَعْلَمي أَنَّا نَبَشُّ إِذا دَنَتْ ... لأهلك مِنَّا نِيَّةٌ وحُمولُ كما بَشَّ بالإبْصارِ أَعمَى أَصابهُ ... من الله جُلَّى نِعْمَةٍ وفُضولُ ويقال: قد بَثْبَثْتُ الرَّجُل إِذا استخرجتَ ما عنده، وأَصلُه بثثت من البث. ويقال: قد تكعكع الرَّجُل، وأَصله تكعَّع من قولهم: قد كَعَعْتُ عن الأَمر، قال متمِّم بن نُوَيْرَة: ولكنني أَمْضي على ذاكَ مُقْدِماً ... إِذا بَعْضُ مَنْ يَلْقَى الخُطوبَ تَكَعْكَعا ١٤٩ - واللّحْن حرف من الأَضْداد؛ يقال للخطأ لَحْن، وللصواب لحن. فأَمَّا كونُ اللحْن على معنى الخطأ فلا يُحتاج فيه إِلى شاهد، وأَما كونه على معنى الصَّواب فشاهده قول الله : ولَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ القَوْل معناه: في صواب القول وصِحّته. وأَخبرنا أَبو العباس، عن ابن الأَعْرَابِيّ، قال: يقال:

стр. 239

لَحَن الرَّجُل يَلْحَن لَحْناً، إِذا أَخطأ، ولَحَن يلحَن إِذا أَصاب. وقالَ غير أَبي العباس: يقال للصَّواب. اللَّحَن واللَّحْن. وحدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: حدَّثنا نصر بن علي، قال: خَبّرنا الأَصْمَعِيّ، عن عيسى بن عمر، قال: قال معاوية للناس: كيف ابن زيادٍ فيكم؟ قالوا: ظريفٌ على أَنه يَلْحَن، قال: فذاك أَظرفُ له؛ ذهب معاوية إِلى أَن معنى يلحَن يفطُن ويصيب. وحدثنا بشر بن موسى، قال: حدَّثنا أَبو عبد الرحمن المقرئ، عن يزيد بن إبراهيم التُّستَريّ، عن أَبي هارون الغنويّ، عن مسلم ابن شداد، عن عُبيد بن عمير، عن أُبيّ بن كعب، قال: تعلموا اللَّحْن في القرآن كما تتعلمونه. قال أَبو بكر: فيجوز أَن يكون اللحْن في هذا الحديث الصواب، ويجوز أَن يكون الخطأ، لأَنَّه إِذا عَرَف القارئ الخطأ عَرَف الصَّوَابُ. وحدثنا بشر بن موسى، قال: حدَّثنا أَبو بلال - من ولد أَبي موسى - قال: حدَّثنا قيس بن الربيع، عن عاصم الأَحول، عن مورِّق، عن عمر، قال: تعلَّموا الفرائض والسُّنّة واللَّحْن؛ كما تتعلموا القرآن. فيجوز أَن يكون اللَّحْن الصَّوَابُ؛ ويجوز أَن يكون الخطأ، يعرف فَيُتَجَنَّب.

стр. 240

وحدَّث يزيد بن هارون بهذا الحديث، فقيل له: ما اللَّحْن؟ فقال: النَّحْو. وقالَ عمر بن عبد العزيز: عَجِبْتُ لمن لاحَنَ النَّاسَ كيف لا يعرف جوامع الكلم! أَراد بلاحن فاطَن. وقالَ أَبو العالية: كان ابن عباس يعلِّمنا لَحْنَ الكلام. وقالَ لَبيد: مُتَعَوِّدٌ لَحِنٌ يُعيدُ بِكَفِّه ... قَلَماً على عُسُبٍ ذَبَلْنَ وَبانِ فاللَّحِن: المصيب الفَطِن، يقال: رجل لَحِن ولاحِن، من الفطنة والصواب، ورَجُلٌ لاحِن من الخطأ لا غير. وقالَ القتّال: وَلَقَدْ لَحَنْتُ لكُمْ لِكيْما تَفْقَهوا ... وَوَحَيْتُ وَحْياً لَيْسَ بالمُرتابِ وقالَ ابن أَحمر يَصِفُ صحيفة كَتبَها: وتَعْرِفُ في عُنْوانِها بَعْضَ لَحْنِها ... وفي جَوْفِها صَمْعاءُ تُبْلي النَّواصِيا الصَّمعاءُ: الداهية. واللَّحْن أَيْضاً يكون بمَعْنَى اللُّغة، وقالَ شريك عن أَبي إسحاق عن أَبي ميسرة، في قول الله : سَيْلَ العَرِم العَرِم: المُسنَّاة بلحْن اليمن، أَي بلغتهم. وقالَ بعض الأعراب:

стр. 241

وما هاجَ هذا الشَّوْقَ إِلَاّ حَمامةٌ ... تَبَكَّتْ على خَضْراَء سُمْرٍ قُيودُها هَتوفُ الضُّحَى مَعْروفَةُ اللَّحْنِ لم تَزَلْ ... تَقودُ الهَوى من مُسْعِدٍ ويقودُها وقال الآخر يذكر حمامتين: باتا على غُصْنِ بانٍ في ذُرا فَنَنٍ ... يُرَدِّدانِ لُحُوناً ذاتَ أَلْوانِ وأَنشدنا أَبو العباس وغيره: وحَديثٍ أَلَذُّهُ هوَ مِمَّا ... تَشْتَهيه النُّفوسُ يوزَنُ وَزْنا مَنْطِقٌ صائِبٌ وتَلْحَنُ أَحْيا ... ناً وخَيْرُ الحَديثِ ما كان لَحْنا وقالَ: أَراد تَلْحَنُ تُصيب وتَفْطُن، وأَراد بقوله: ما كان لَحْناً ما كان صواباً. وقالَ ابن قتيبة: اللَّحْن في هذا البيت الخطأ، وهذا الشَّاعِر استملح من هذه المرأَة ما يقعُ في كلامها من الخطأ.

стр. 242

قال أَبو بكر: وقوله عندنا محال، لأَنَّ العرب لم تزل تستقبح اللَّحْن من النساء كما تستقبحه من الرجال، ويَسْتملحون البارعَ من كلام النساء كما يستملحونه من الرجال، الدليل على هذا قول ذي الرُّمَّة يَصِفُ امرأَة: لَها بَشَرٌ مِثْلُ الحريرِ ومَنْطِقٌ ... رَخيمُ الحواشي لا هُراءٌ ولا نَزْرُ فوصفَها بحسْن الكلام؛ واللَّحْن لا يكون عند العرب حُسْناً إِذا كان بتأويل الخطأ، لأَنَّه يقلب المعنى، ويُفْسِد التأويل الَّذي يقصِد له المتكلّم. وقالَ قيس بن الخَطيم يذكر امرأَة أَيْضاً: ولا يَغِثُّ الحديث ما نَطَقَتْ ... وهوَ بِفيها ذو لَذَّةٍ طَرِفُ تَخْزُنُهُ وهوَ مُشْتَهًى حَسَنٌ ... وهوَ إِذا ما تَكَلَّمَتْ أُنُفُ فلو كانت هذه المرأَة تلحن وتفسد أَلفاظها كانت عند هذا الشَّاعِر الفصيح غَثَّةَ الكلام، ولم تستحقّ عنده وصفاً بجودة المنطق وحلاوة الكلام. وقالَ كُثَيِّر: مِنَ الخَفِراتِ البيضِ وَدَّ جَليسُها ... إِذا ما انقَضَتْ أُحْدوثَةٌ لَوْ تُعيدُها فَخَبَّر بهذا لصحّة أَلفاظها. ولم تزل العرب تصِف النّساء بحسن المنطق، وتستملِح منهنَّ روايةَ الشعر، وأَن تَقْرِض

стр. 243

المرأَةُ منه البيتَ والأَبيات، فإذا قَدَرتْ على ذلك زاد في معانيها، وتناهتْ عند من يُشْغَف بها؛ الدَّليل على هذا ما يُرْوى عن عَزّة، وبُثينة، وليلى الأَخيلية، وعفراء بنت مهاصر من قول الشِّعْر؛ وأَن ذلك كان يزيد في محبّة أَصحابهنّ لهنَّ، فليلى الأَخيلية، تقول في جواب تَوْبة بن الحُميِّر حين قال: عَفا الله عَنْها هَلْ أَبيتَنَّ لَيْلَةً ... من الدَّهْرِ لا يَسْري إليَّ خَيالُها وعَنْهُ عَفا رَبِّي وأَصْلَحَ حالَهُ ... فَعَزَّ عَلَيْنا حاجةٌ لا ينالُها وليلى صاحبة المجنون تقول: ألا لَيْتَ شِعْري والخُطوبُ كثيرَةٌ ... متى رَحْلُ قَيْسٍ مُسْتَقِلٌّ فَراجِعُ بِنَفْسِيَ مَن يَسْتَقِلُّ بِرَحْلِهِ ... وَمَن هو إنْ لم يَحفظِ الله ضائعُ وعفراءُ بنت مهاصر ترثي عُرْوةَ بن حِزام: ألا أَيُّها الركْبُ المخِبُّونَ وَيْحَكُمْ ... بِحقٍّ نَعيتمْ عُروةَ بنَ حِزامِ فَلا نَفَع الفُرْسانَ بعدك غارَةٌ ... ولا رَجَعوا من غَيْبَةٍ بِسلامِ وقُلْ للحَبالى لا يُرَجِّينَ غائباً ... ولا فَرِحاتٍ بَعده بِغُلامِ وقالت بثينة ترثي جَميلاً:

стр. 244

وإنَّ سُلُوِّي عن جَميلٍ لساعةٌ ... من الدَّهْرِ ما جاءت ولا حانَ حينُها سواءٌ علينا يا جميلَ بنَ مَعْمرٍ ... إِذا مُتَّ بأساءُ الحَياةِ ولينُها ثمَّ كان من النَّاس على هذا إِلى وقتنا أَو قبْل وقتنا؛ إِذا عُرِف من المرأَة فصاحةٌ واقتدار على قول الشِّعْر حلَتْ في قلوب الرجال، وكانَ ذلك منها زائداً في كمالها، ومَنْ قَدَر على قول الشِّعْر حُكِم له بمعرفة أَكثر الأَعراب وتجنُّب اللَّحْن. وكيف يكون الخطأُ في الكلام مستحسناً والصَّوَابُ مستسمجاً، والعرب تقرِّب المعرِبين، وتَتَنقَّص اللَاّحنين وتبعدهم، فعمر بن الخطاب ﵀ يقول لقوم استَقبح رَمْيَهم: ما أَسوأَ رميَكم! فيقولون: نحن قوم متعلمين، فيقول: لحنُكم أَشدُّ علي من فسادِ رمْيكم، سمعت رَسُولُ الله ﷺ يقول: رحِمَ الله امرأً أَصلحَ من لسانه، وكانَ ابن عمر يَضْرِب بنيه على اللَّحْن. وقالَ محمد بن علي بن الحسين بن علي ﵃، قال رَسُولُ الله ﷺ : أَعربوا الكلامَ كَيْ تُعْربوا القرآن. وقالَ عمر بن عبد العزيز: إن الرَّجُل لَيُكَلِّمني في الحاجة

стр. 245

يَستوجبها فيلحَن فأَردُّه عنها، وكأني أَقْضَم حَبَّ الرمان الحامض، لبغضي استماعَ اللَّحْن، ويكلِّمُني آخرُ في الحاجة لا يستوجِبها فَيُعْرِب، فأُجيبه إليها التذاذاً لما أَسمع من كلامه. وقالَ عمر بن عبد العزيز أَيْضاً: أَكاد أَضْرَس إِذا سمعت اللَّحْن. ولَحَنَ محمد بن سعد بن أَبي وقاص في بعض الأوقات لَحْنة فقال: حَسِّ، إنِّي لأجد حرارَتها في حَلْقي. وقالَ العُتبيّ عن أَبيه: استأْذن رجل من عِلْيَة أَهل الشام على عبد الملك بن مروان، وبين يديه قوم يلعبون بالشِّطْرنج فقال: يا غلام، غَطِّها، فلما دخل الرَّجُل فتكلّمَ لَحَن، فقال عبد الملك: يا غلامُ، اكشِفْ عنها الغِطاءَ، لَيْسَ للاحنٍ حُرْمة. قال أَبو بكر: ولم لا يستثقلون ما يقلِب معنى الكلام، ويوهم المخاطَب غير مراد المخاطِب! يدلّ على هذا أَن ابنة أَبي الأَسود الدؤليّ قالت لأبيها في يوم حارّ: يا أَبتِ، ما أَشدُّ الحرّ! وهي تريد التعجب؛ فلم يسبق إِلى قلب أَبي

стр. 246

الأَسود ما أَرادت، إذْ كان خطأ، فقال لها: يا بَنِيّة، حَرُّ تِهامة، فقالت: يا أَبتِ ما استفهمتُك، إنما تعجبت من شدة الحرّ فقال: قولي إِذاً: ما أَشدَّ الحرَّ! ودخل رجل على عبد العزيز بن مروان، فشكا إليه خَتَنه، فقال: ومن ختنَك؟ قال: ختنني الختّان، فقيل لعبد العزيز: أَيّها الأَمير، إِنَّهُ لم يفهم عنك قولك، قال: فأَفهموه، فقالوا له: من ختنُك؟ قال: خَتَني فلان، فاستحيا عبد العزيز، وأَلزم نفسه ألَاّ يجلس للناس حتَّى يعرفَ من العربية ما يُصلِح كلامه، ويُزيل اللَّحْن منه. وهذا باب طويل إن أَسهبنا فيه انقطعنا عن ذكر ما نحن إِلى شرحه أَحوجُ مما يوافق الكتابَ؛ وكلّه يدلّ على أَن اللحن تستخِفّه العرب في جميع الأَحوال من كلّ ذكر وأُنثى. ١٥٠ - والبِكْر حرف من الأَضْداد؛ يقال: امرأَة بِكْر قبل أَن يَدخُلَ بها الرَّجُل، ويقال لها بكر بعد أَن يدخُل بها، ويقال للولد الأَول: بِكْر، ولأَبيه بِكْر، ولأُمه بِكْر، أَنشدنا أَبو العباس عن ابن الأَعْرَابِيّ: يا بِكْرَ بِكْرَيْن ويا خِلْبَ الكبِدْ ... أَصبحتَ مِنِّي كذراعٍ من عَضُدْ

стр. 247

الخِلْب: غشاء القَلْب؛ ومنه قولهم: قد خَلَبَني حبّ فلان؛ إِذا وصلَ إِلى قلبي، ويقال: الخِلْب الَّذي بين الزيادة والكَبِد. ١٥١ - وقعد حرف من الأَضْداد عند العرب اللغويين. يقال: قد قعد الرَّجُل إِذا جلس، وقعد يشتِمني بمَعْنَى قام يشتِمني، قال الفَرَّاءُ: أَنشدني بعض بَنِي عامر: لا يُقْنِعُ الجاريةَ الخِضابَ ... ولا الوِشاحانِ ولا الجِلْبابُ مِنْ دونِ أَن تَلتقي الأَرْكابُ ... ويَقْعُدَ الفَعْلُ لَهُ لُعابُ جعل يقعد بمَعْنَى ضِدَّه، والأَركاب: موضع المذاكير، واحدها رَكَب، فاعلم. ١٥٢ - ومن الأَضداد أَيْضاً قولهم: ماتت المرأَة بجُمُع ، إِذا ماتت عذراء لم تُنْكَح، وماتت بجُمُع إِذا ماتت وفي بطنها ولد، وجاءَ في الحديث: ومن الشُّهداء أَنْ تموت المرأَة بجُمُع، أَي تموت وفي بطنها ولد. وقد يفسّر على المعنى الآخر أَيْضاً. ويروى في حديث آخر: أَيُّما امرأَة ماتت بجُمُع لم تُطْمَث، فمعنى لم تطمث لم تفتضّ.

стр. 248

قال الفَرَّاءُ: الطَّمْث: الافتضاض بالتَّدْمية، وقالَ الفرزدق يذكر نساء: مَشَيْنَ إليَّ لمْ يُطْمَثْنَ قبْلي ... وَهُنَّ أَصحُّ من بَيْضِ النَّعامِ وإنما قيل للتي تموت عذراء: ماتت بجُمُع؛ لأَنَّها ماتت على حالها في اجتماع السّلامة لها، ويقال: بهيمة جَمْعاء، إِذا كانت سليمة من الآفات. وحدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: حدَّثنا أَبو مصعب، عن مالك، عن أَبي الزّناد، عن الأَعرج، عن أَبي هريرة، قال: قال رَسُولُ الله ﷺ : كلُّ مولود يولد على الفِطْرة فأَبواه يُهَوِّدانِه ويُنَصِّرانه، كما تَناتَجُ الإبلُ من بهيمة جمعاء، هلْ تُحِسُّ من جَدْعاء!؛ قيل: يا رَسُولُ الله، أَرأَيت من يموت وهو صغير؟ قال: الله أَعلم بما كانوا عاملين. فقوله ﵇: كما تناتَجُ الإِبِل من بهيمة جمعاء، معناه أَنها تناتج من بهيمة سَليمة من الآفة، ثمَّ تُفْقَأُ عيونُ بعض الإِبِل وتُبْحَر آذانها؛ فكذلك النَّاس يولدون على الفطرة ثمَّ ينصَّر بعضُهم ويهوَّد بعضهُم، ويُمَجَّسُ آخرون منهم، وقالَ الشَّاعِر يذكر ماءً ورده:

стр. 249

وَرَدْناهُ في مَجْرَى سُهَيْلٍ يَمانياً ... بِصُعْرِ البُرى من بين جُمْعٍ وخادِجِ فالجُمْع: الَّتي في بطنها ولد، يقال: بِجِمْع بكسر الجيم. والخادج: الَّتي أَلقت ولدها، يقال: قد خَدَجَتِ النّاقة تخدِج، إِذا أَلقت ولَدها قبل أَوان النِّتاج، وإن كان تامّ الخَلْق، وأَخدجت تخدِج، إِذا أَلقته ناقص الخَلْق، وإن كان لِتَمام. ومن هذا ما حدَّثنا بشر بن موسى، قال: حدَّثنا الحميديّ، قال: حدَّثنا سفيان عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أَبيه، عن أَبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: كلُّ صلاة لا يُقرأُ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِداج، أَي ناقصة، وخِداج في هذا الحديث موضوع موضع خادجَة أَو خادج. ويجوز أَن يكون معناه ذات خِدَاج، أَي ذات نقصان؛ فحذف ذات وأَقيم الَّذي بعده مقامه؛ كما قالت الخنساء: ترتع ما رتعتْ حتَّى إِذا ادَّكَرَتْ ... فإنما هيَ إقْبالٌ وإدبارُ تريد: إنما هي ذات إقبال وإدبار. ١٥٣ - وفوق حرف من الأَضْداد؛ يكون بمَعْنَى أَعظم،

стр. 250

كقولك: هذا فوقَ فلان في العلم والشجاعة؛ إِذا كان الَّذي فيه منهما يزيد على ما في الآخر، ويكون فوق بمَعْنَى دون، كقولك: إنّ فلاناً لقصير، وفوق القصير، وإنه لقليل وفوق القليل؛ وإنّه لأحمق وفوق الأَحمق؛ أَي هو دون المذموم باستحقاقه الزيادة من الذّم؛ ومن هذا المعنى قول الله : إنَّ الله لا يَسْتَحيي أَن يَضْرِب مَثَلاً ما بَعوضَةٍ فَما فَوقَها. يقال: معنى قوله: فما فوقها، فما دونها، ويقال: معناه فما هو أَعظم منها. وقالَ الفَرَّاءُ: الاختيار أَن تكون فوق في هذه الآية بمَعْنَى أَعظم؛ لأَنَّ البعوضة نهاية في الصِّغر؛ ولم يدفع المعنى الآخر، ولا رآه خطأ. وقالَ قُطْرب: فوق تكون بمَعْنَى دون مع الوصف؛ كقول العرب: إِنَّهُ لَقليلٌ وفوق القليل؛ ولا تكون بمَعْنَى دون مع الأَسماء، كقول العرب: هذه نَمْلة، وفوق النّملة؛ وهذا حمار وفوق الحمار، قال: لا يجوز أَن تكون فوق هاتين المسأَلتين بمَعْنَى دون؛ لأَنَّه لم يتقدمه وصف، إنما تقدمته النملة والحمار، وهما اسمان. وردّ
следующие страницы →