Полный текст (428 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
الأَسود ما أَرادت، إذْ كان خطأ، فقال لها: يا بَنِيّة، حَرُّ تِهامة، فقالت: يا أَبتِ ما استفهمتُك، إنما تعجبت من شدة الحرّ فقال: قولي إِذاً: ما أَشدَّ الحرَّ!
ودخل رجل على عبد العزيز بن مروان، فشكا إليه خَتَنه، فقال: ومن ختنَك؟ قال: ختنني الختّان، فقيل لعبد العزيز: أَيّها الأَمير، إِنَّهُ لم يفهم عنك قولك، قال: فأَفهموه، فقالوا له: من ختنُك؟ قال: خَتَني فلان، فاستحيا عبد العزيز، وأَلزم نفسه ألَاّ يجلس للناس حتَّى يعرفَ من العربية ما يُصلِح كلامه، ويُزيل اللَّحْن منه.
وهذا باب طويل إن أَسهبنا فيه انقطعنا عن ذكر ما نحن إِلى شرحه أَحوجُ مما يوافق الكتابَ؛ وكلّه يدلّ على أَن اللحن تستخِفّه العرب في جميع الأَحوال من كلّ ذكر وأُنثى.
١٥٠ - والبِكْر حرف من الأَضْداد؛ يقال: امرأَة بِكْر قبل أَن يَدخُلَ بها الرَّجُل، ويقال لها بكر بعد أَن يدخُل بها، ويقال للولد الأَول: بِكْر، ولأَبيه بِكْر، ولأُمه بِكْر، أَنشدنا أَبو العباس عن ابن الأَعْرَابِيّ:
يا بِكْرَ بِكْرَيْن ويا خِلْبَ الكبِدْ ... أَصبحتَ مِنِّي كذراعٍ من عَضُدْ
стр. 247
الخِلْب: غشاء القَلْب؛ ومنه قولهم: قد خَلَبَني حبّ فلان؛ إِذا وصلَ إِلى قلبي، ويقال: الخِلْب الَّذي بين الزيادة والكَبِد.
١٥١ - وقعد حرف من الأَضْداد عند العرب اللغويين. يقال: قد قعد الرَّجُل إِذا جلس، وقعد يشتِمني بمَعْنَى قام يشتِمني، قال الفَرَّاءُ: أَنشدني بعض بَنِي عامر:
لا يُقْنِعُ الجاريةَ الخِضابَ ... ولا الوِشاحانِ ولا الجِلْبابُ
مِنْ دونِ أَن تَلتقي الأَرْكابُ ... ويَقْعُدَ الفَعْلُ لَهُ لُعابُ
جعل يقعد بمَعْنَى ضِدَّه، والأَركاب: موضع المذاكير، واحدها رَكَب، فاعلم.
١٥٢ - ومن الأَضداد أَيْضاً قولهم: ماتت المرأَة بجُمُع ، إِذا ماتت عذراء لم تُنْكَح، وماتت بجُمُع إِذا ماتت وفي بطنها ولد، وجاءَ في الحديث: ومن الشُّهداء أَنْ تموت المرأَة بجُمُع، أَي تموت وفي بطنها ولد. وقد يفسّر على المعنى الآخر أَيْضاً. ويروى في حديث آخر: أَيُّما امرأَة ماتت بجُمُع لم تُطْمَث، فمعنى لم تطمث لم تفتضّ.
стр. 248
قال الفَرَّاءُ: الطَّمْث: الافتضاض بالتَّدْمية، وقالَ الفرزدق يذكر نساء:
مَشَيْنَ إليَّ لمْ يُطْمَثْنَ قبْلي ... وَهُنَّ أَصحُّ من بَيْضِ النَّعامِ
وإنما قيل للتي تموت عذراء: ماتت بجُمُع؛ لأَنَّها ماتت على حالها في اجتماع السّلامة لها، ويقال: بهيمة جَمْعاء، إِذا كانت سليمة من الآفات.
وحدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: حدَّثنا أَبو مصعب، عن مالك، عن أَبي الزّناد، عن الأَعرج، عن أَبي هريرة، قال: قال رَسُولُ الله ﷺ : كلُّ مولود يولد على الفِطْرة فأَبواه يُهَوِّدانِه ويُنَصِّرانه، كما تَناتَجُ الإبلُ من بهيمة جمعاء، هلْ تُحِسُّ من جَدْعاء!؛ قيل: يا رَسُولُ الله، أَرأَيت من يموت وهو صغير؟ قال: الله أَعلم بما كانوا عاملين. فقوله ﵇: كما تناتَجُ الإِبِل من بهيمة جمعاء، معناه أَنها تناتج من بهيمة سَليمة من الآفة، ثمَّ تُفْقَأُ عيونُ بعض الإِبِل وتُبْحَر آذانها؛ فكذلك النَّاس يولدون على الفطرة ثمَّ ينصَّر بعضُهم ويهوَّد بعضهُم، ويُمَجَّسُ آخرون منهم، وقالَ الشَّاعِر يذكر ماءً ورده:
стр. 249
وَرَدْناهُ في مَجْرَى سُهَيْلٍ يَمانياً ... بِصُعْرِ البُرى من بين جُمْعٍ وخادِجِ
فالجُمْع: الَّتي في بطنها ولد، يقال: بِجِمْع بكسر الجيم. والخادج: الَّتي أَلقت ولدها، يقال: قد خَدَجَتِ النّاقة تخدِج، إِذا أَلقت ولَدها قبل أَوان النِّتاج، وإن كان تامّ الخَلْق، وأَخدجت تخدِج، إِذا أَلقته ناقص الخَلْق، وإن كان لِتَمام.
ومن هذا ما حدَّثنا بشر بن موسى، قال: حدَّثنا الحميديّ، قال: حدَّثنا سفيان عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أَبيه، عن أَبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: كلُّ صلاة لا يُقرأُ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِداج، أَي ناقصة، وخِداج في هذا الحديث موضوع موضع خادجَة أَو خادج. ويجوز أَن يكون معناه ذات خِدَاج، أَي ذات نقصان؛ فحذف ذات وأَقيم الَّذي بعده مقامه؛ كما قالت الخنساء:
ترتع ما رتعتْ حتَّى إِذا ادَّكَرَتْ ... فإنما هيَ إقْبالٌ وإدبارُ
تريد: إنما هي ذات إقبال وإدبار.
١٥٣ - وفوق حرف من الأَضْداد؛ يكون بمَعْنَى أَعظم،
стр. 250
كقولك: هذا فوقَ فلان في العلم والشجاعة؛ إِذا كان الَّذي فيه منهما يزيد على ما في الآخر، ويكون فوق بمَعْنَى دون، كقولك: إنّ فلاناً لقصير، وفوق القصير، وإنه لقليل وفوق القليل؛ وإنّه لأحمق وفوق الأَحمق؛ أَي هو دون المذموم باستحقاقه الزيادة من الذّم؛ ومن هذا المعنى قول الله : إنَّ الله لا يَسْتَحيي أَن يَضْرِب مَثَلاً ما بَعوضَةٍ فَما فَوقَها. يقال: معنى قوله: فما فوقها، فما دونها، ويقال: معناه فما هو أَعظم منها.
وقالَ الفَرَّاءُ: الاختيار أَن تكون فوق في هذه الآية بمَعْنَى أَعظم؛ لأَنَّ البعوضة نهاية في الصِّغر؛ ولم يدفع المعنى الآخر، ولا رآه خطأ.
وقالَ قُطْرب: فوق تكون بمَعْنَى دون مع الوصف؛ كقول العرب: إِنَّهُ لَقليلٌ وفوق القليل؛ ولا تكون بمَعْنَى دون مع الأَسماء، كقول العرب: هذه نَمْلة، وفوق النّملة؛ وهذا حمار وفوق الحمار، قال: لا يجوز أَن تكون فوق هاتين المسأَلتين بمَعْنَى دون؛ لأَنَّه لم يتقدمه وصف، إنما تقدمته النملة والحمار، وهما اسمان. وردّ
стр. 251
قول المفسرين الذين ذكروا فيه أَن فوقاً في الآية بمَعْنَى دون.
قال أَبو بكر: وردّه هذا غلط عندي؛ لأَنَّ البعوضة وصفٌ للمَثَل، وما توكيد، والتقدير: مثلاً بعوضة فما دونها. فإِنَّ كان الأَمر على ما ذكر من أَن فوق لا
تكون بمَعْنَى دون إِلَاّ بعد تقدم الوصف، لزمه إجازة هذا المعنى في الآية؛ إذْ كان الحرف جاءَ بعد البعوضة؛ وهي وصف للمثَل. ويجوز أَن تنتصب البعوضة على معنى بَيْن؛ ويكون التقدير: مثلاً ما بين بعوضة إِلى ما فوقها، فأَسقطت بين وجعل إعرابها في البعوضة؛ ليعلم أَن معناها مراد؛ كما قالت العرب: مُطِرْنا ما زُبالة فالثَّعْلَبِيَّة، وهم يريدون: ما بين زبالة إِلى الثعلبية، قال الشَّاعِر:
يا أَحسَنَ النَّاسِ ما قَرْناً إِلى قَدَمٍ ... ولا حبالَ مُحبٍّ واصلٍ تَصِلُ
أَراد: ما بين قرن إِلى قدم. وقرأَ رُؤْبَةُ بن العجاج: مَثَلاً ما بعوضَةٍ فما فَوْقَها، على معنى: مثلاً ما هو بعوضة، فأَضمر هو، كما قال الأَعشى:
فأَنت الجوادُ وأَنتَ الَّذي ... إِذا ما النفوسُ مَلأْنَ الصُّدورا
стр. 252
جَديرٌ بطَعنةِ يومِ اللقا ... ءِ تَضرِب منها النساءُ النُّحورا
أَراد: وأَنت الَّذي هو الجدير.
١٥٤ - ومِنْ حرف من الأَضْداد؛ تكون لبعض الشَّيْء، وتكون لكلّه، فكونها للتبعيض لا يُحتاج فيه إِلى شاهد، وكونها بمَعْنَى كلّ شاهده قول الله : ولَهُمْ فيها مِنْ كُلِّ الثَّمَرات، معناه كلّ الثمرات، وقوله : يَغْفِر لكم من ذُنوبكم، معناه يغفر لكم ذنوبكم. وقوله : وعَدَ الله الذِّين آمَنوا وعَمِلوا الصَّالحات منْهُمْ مَغْفِرَةً وأَجْراً عظيما، معناه: وعدهم الله كلّهم مغفرة؛ لأَنَّه قدّم وصف قوم يجتمعون في استحقاق هذا الوعد. وقول الله في غير هذا الموضع: ولْتكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعون إِلى الخَيْرِ، معناه: ولتكونوا كلكم أُمةً تدعو إِلى الخير، قال الشَّاعِر:
أَخو رَغائِبَ يُعْطاها ويُسأَلُها ... يأبى الظُّلامَةَ مِنْهُ النَوْفَلُ الزُّفَرُ
أَراد: يأبى الظُّلامة لأَنَّه نوفل زُفر. ومستحيل أَن تكون
стр. 253
مِنْ هاهنا تبعيضاً إذْ دخلت على ما لا يتبعَّض، والعرب تقول: قطعت من الثوب قميصاً، وهم لا
يَنْوُون أَن القميص قُطِع من بعض الثوب دون بعض؛ إنما يَدُلُّون ب مِنْ على التجنيس، كقوله : فاجْتَنِبوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوثان معناه: فاجتنبوا الأَوثان الَّتي هي رجس، واجتنبوا الرجس من جنس الأَوثان؛ إذْ كان يكون من هذا الجنس ومن غيره من الأَجناس.
وقال الله : ونُنَزِّلُ من القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ، فمِنْ، لَيْسَتْ هاهنا تبعيضاً؛ لأَنَّه لا يكون بعض القرآن شفاء وبعضه غيرَ شفاء، فمِنْ تحتمل تأويلين:
أَحدهما التجنيس، أَي نُنَزِّل الشفاء من جهة القرآن، والتأويل الآخر أَن تكون من مزيدة للتوكيد، كقوله: قُلْ للمُؤْمِنين يَغُضُّوا من أَبْصارِهِمْ، وهو يريد يغُضُّوا أَبصارهم، وكقول ذي الرُّمَّة:
إِذا ما امْرُؤٌ حاوَلْنَ أَنْ يَقْتَتِلْنَه ... بلا إحْنةٍ بين النُّفوس ولا ذَحْلِ
تبسَّمْن عن نَوْر الأَقاحيِّ في الثرى ... وفَتَّرْن من أَبصارِ مَضْروجَةٍ نجْلِ
стр. 254
أَراد: وفتّرن أَبصارَ مَضْروجَة.
وكانَ بعض أَصحابنا يقول: من لَيْسَتْ مزيدة للتوكيد في قوله: مِنْ كُلِّ الثَّمرات، وفي قوله: مِن أَبصارِهِمْ وفي قولهيَغْفِر لَكُمْ مِنْ ذُنوبِكُمْ. وقالَ: أَمّا قوله: مِنْ كلِّ الثَّمرات، فإِنَّ من تبعيض، لأَنَّ العموم في جميع الثمرات لا يجتمع لهم في وقت واحد؛ إذْ كان قد تقدّم منها ما قد أُكِل، وزال وبقي منها ما يستقبل ولا ينفد أَبداً، فوقع التبعيض لهذا المعنى.
قال: وقوله: يَغُضُّوا من أَبصارهم معناه: يَغُضُّوا بعض أَبصارهم. وقالَ: لم يُحظر علينا كلُّ النَّظر، إنما حُظِرَ علينا بعضه، فوجب التبعيض من أَجل هذا التأْويل.
قال: وقوله: يَغْفِر لكم من ذنوبكم من هاهنا مُجَنَّسَة، وتأْويل الآية: يغفر لكم من إذنابكم، وعلى إذنابكم، أَي يغفر لكم من أَجل وقوع الذنوب منكم، كما يقول
الرَّجُل: اشتكيتُ من دواء شربتُه، أَي من أَجل الدواء.
وقالَ بعض المفسرين: مِنْ في قوله تعالى: وَعَدَ الله الذِّين آمَنوا وعَمِلوا الصَّالحات منهم مَغْفِرَةً مبعّضة، لأَنَّه ذكر أَصحاب نبيّه ﷺ ، وكانَ قد ذكر
стр. 255
قبلهم الذين كفروا فقال: إذْ جَعَلَ الذِّين كَفَروا في قُلوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِليَّة. وقالَ بعدُ: منهم؛ أَي من هذين الفريقين، ومن هذين الجنسين.
١٥٥ - وظِهْريّ حرف من الأَضْداد؛ يقال: ظهريّ للمعين، قال عمران بن حِطّان:
وَمَنْ يَكُ ظهْرِيًّا على الله رَبِّهِ ... بِقُوَّتِه فالله أَغْنى وأَوْسَعُ
أَراد: ومَنْ يكن معاوناً على الله ربِّه، والظِّهريّ في هذا المعنى بمنزلة الظَّهير، قال الله : رَبِّ بما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكونَ ظَهيراً للمُجْرِمينَ، أَراد معاوناً. وقالَ الله : وكانَ الكافِرُ على ربِّهِ ظَهيرا، أَراد: وكانَ معاوناً للكافرين على ربِّه. ويكون الظهريّ المطّرح الَّذي لا يُلتفت إليه، فيقول القائل: جعلتَني ظِهرِيًّا، وجعلت حاجتي ظهريَّة، أَي مطّرحة، وقالَ الله: واتّخَذْتُموهُ وَراءكُمْ ظِهْرِيًّا، أَراد: اطّرحتموه ولم تعبدوه، ولم تَقِفوا عند أَمره ونهيه.
وقالَ أَبو عُبيدة: يقال: سأَلت فلاناً حاجة فظَهر بها،
стр. 256
إِذا ضيعها ولم يلتفت إليها، وأَنشد:
وَجَدْنا بَني البَرْصاءِ من وَلَدِ الظَّهْرِ
أَراد بَنِي أَولاد الذين يطّرحون ما يجب عليهم ولا يقومون به. وقالَ عمران بن حِطّان:
تَكُنْ تَبَعاً للظَّالمين تُطيعُهُم ... وتَجْعَلْ كِتابَ الله مِنْكَ على ظَهْرِ
أَي تطّرحه. وجاءت امرأَة إِلى الفرزدق فقالت: إن ابني مع تميم ابن زيد القينيّ بالسِّند، وقد اشتقت إليه، فإِنْ رأَيتَ أَن تكتب إليه في أَن يُقْفِله إليّ! فوعدها ذاك، ثمَّ لم يَفْعَل، فوجّهت إليه بامرأَة ابنها، وكانت جميلة، فسأَلته الَّذي سأَلته هي أَولاً،
فَسُقِط في يده، وكتب إِلى تميم:
تميمَ بنَ زيدٍ لا تكونَنَّ حاجتي ... بظهرٍ فلا يَخْفَى عَليَّ جَوابُها
أَتتني فعاذتْ يا تميمُ بغالبٍ ... وبالحُفْرَةِ السَّافي عَلَيْه تُرابُها
فهَبْ لي خُنَيْساً واتَّخِذ فيه منةً ... أَهَبْهُ لأُمًّ ما يَسوغُ شَرابُها
فلما ورد الشِّعْر على تميم بن زيد، أَشكَل عليه الاسم، فقال: أَقْفِلوا كلّ من اسمه خُنَيس، أَو حُبَيش،
стр. 257
أَو حُنَيْش، أو خُشَيْش؛ فعُدّوا فكانوا ثمانين رجلاً. وأَراد الفرزدق بقوله: لا تكونَنّ حاجتي بظهرٍ لا تطّرحها.
١٥٦ - ومما يشبه الأَضداد قولهم في الاستهزاء: مرحباً بفلان؛ إِذا أَحبّوا قربه، ومرحباً به إِذا لم يريدوا قُربَه؛ فمعناه على هذا التأْويل: لا مرحباً به، فالمعنى الأَوّل أَشهر وأَعرف من أَنْ يحتاج فيه إِلى شاهد، والمعنى الثاني شاهده:
مَرْحَباً بالَّذي إِذا جاَء جاَء ال ... خير أَو غاب غاب عن كلِّ خَيْرِ
هذا هجاءٌ وذَمّ، معناه: مرحباً بالذي إِذا جاءَ غاب عن كلّ خير؛ جاءَ الخير أَو غاب، وتأْويل مرحباً لا مرحباً به، والمرحب معناه الدّعاءُ، قال الأَصْمَعِيّ: تأويل مرحباً وأَهلاً وسهلاً: لقيت مرحباً، أَي سعة، ولقيت أَهلاً كأَهلك، ولقيت سهلاً في أُمورك، أَي سهّلها الله عليك ولك. قال: وإنما سميت الرَّحبة رَحبة لاتّساعها.
وقالَ الفَرَّاءُ: مرحباً وأَهلاً وسهلاً حروف وُضِعت في موضع المصدر؛ يذهب الفَرَّاءُ إِلى أَنّ التأويل رَحَّب الله بك ترحيباً، وأَهّلك الله تأهيلاً، وسهّل أَمورك تسهيلاً؛ فأَقيمت الأَسماء مقام المصادر، قال الله :
стр. 258
لا مَرْحَباً بِكُمْ، وقالَ الشَّاعِر:
فَآبَ بِصالحِ ما يَبْتَغي ... وقُلْتُ له ادْخُلْ فَفي المَرْحَب
وقال الآخر:
إِذا جئتُ بوّاباً له قال مَرْحَباً ... ألا مَرْحبٌ واديك غيرُ مَضيقِ
١٥٧ - ومما يشبه الأَضداد أَيْضاً قولهم للعاقل: يا عاقل ، وللجاهل إِذا استهزءوا به: يا عاقل. يريدون: يا عاقل عند نَفْسِك، قال : ثمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِه من عَذابِ الحَميم. ذُقْ إنَّك أَنتَ العَزيز الكَريم، معناه: عند نفسك؛ فأَما عندنا فلست عزيزاً ولا كريماً. وكذلك قوله فيما حكاه عن مخاطبة قوم شعيب شعيباً بقولهم: إنَّك لأنْتَ الحَليمُ الرَّشيدُ، أَرادوا: أَنت الحليم الرشيد عند نفسك، قال الشَّاعِر:
فَقُلْتُ لسَيِّدِنا يا حَلِ ... يمُ إنَّكَ لَمْ تَأسُ أَسْواً رَفيقا
أَراد: يا حليم عند نفسك، فإنما عندي فأَنت سفيه.
١٥٨ - وشِمْت حرف من الأَضْداد؛ يقال: شِمْت السيف
стр. 259
إِذا أَغمدتَه، وشِمْته أَيْضاً إِذا أَخرجتَه من غِمْده، قال الفرزدق:
بِأَيْدي رجالٍ لمْ يَشيموا سُيوفَهُم ... ولم يُكْثِروا القتلى بها يوم سُلَّتِ
أَراد: لم يغمدوا سيوفهم حتَّى كثرت القتلى. وأَخبرنا أَبو العباس، عن سلمة، عن الفراء، قال: يقال: أَغمدت السيف وغَمدته. وقالَ في المعنى الآخر:
إِذا هيَ شيمَتْ فالقَوائمُ تحتَها ... وإنْ لم تُشَمْ يَوْماً علتْها القوائمُ
أَراد بشيمت، سُلّت وأُخرِجت من أَغمادها؛ لأَنَّ السيف إِذا أُغمد كان قائمه فوقه، وإذا سُلَّ كان قائمه تحته.
١٥٩ - ومن الأَضداد أَيْضاً قول العرب: لم أَضربْ عبد الله ولم يضربني زيد ؛ يحتمل معنيين متضادّين: أَحدهما أَن يكون: ضربي عبد الله مجْحوداً وكذلك ضرب زيد إياي؛ يراد به ما كان ذا وما كان ذا. والوجه الآخر أَن يكون الفعل الأَول والثاني صحيحين مثَبتين، والتقدير: لم أَضرب عبد الله حتَّى ضربني زيد، فوقع ضربي بعبد الله لما وقع بي ضربُ زيد؛ قال الشَّاعِر حجة
стр. 260
لهذا المذهب:
فَلا أُسْقَى ولا يُسْقَى شَريبي ... ويُرْوِيه إِذا أَوْرَدْتُ مائِي
معناه: فلا أُسْقى حتَّى يُسْقَى شَريبي.
وشيبه به قول العرب، فلان لا مسافر ولا مقيم؛ يراد به لا يلزم أَحدَ الأَمرين دون الآخر، بل يسافر في وقت ويقيم في وقت. ومن هذا قول الله : يُوقِدُ مِنْ شَجَرَة مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ، معناه: هي شرقية غربية، وليست بشرقية لا غربية، ولا غربية لا شرقية، لكنها تجمع الأَمرين جميعاً، تلحقها الشمس في وقت الطلوع وفي وقت الغروب، وذلك أَصْفى لزيْتها وأَجوَد له. وقد قال بعض المفسِّرين: وصف الله شَجَرَةً خضراءَ ناعمة، قد حفّت بها الأَشجار وأَظلَّتها، فهي تمنع الشمس من أَن تلحقها في وقت الطُّلوع، أو في وقت الغروب، فهذا التفسير يضادّ التفسير الأَوَّل، لأَنَّ أَصحابه يذهبون إِلى أَنَّ الشمس لا تلحق هذه الشجرة في واحد من هذين الوقتين.
وقالَ آخرون: هي شجرة في أَصل جبل، قد منع
стр. 261
الجبلُ الشمس من أَن تلحقها في هذين الوقتين؛ فهي مستورة ممنوعة من الشمس بالجبل العالي عليها، وهذا التفسير يضارع التفسير الَّذي قبله.
١٦٠ - ومن الأَضداد أَيْضاً قول العرب للرجل: ما ظلمتُك وأَنت تُنْصِفني ، يحتمل معنيين متضادّين: أَحدهما ما ظلمتُك وأَنت تظلمْني، بل مذهبك إِنصافي، واستعمال ما أَستعمله من تركِ الظلم لك، والجنَفِ عليك.
والمعنى الآخر: ما ظلمتُك لو أَنصفتني؛ فأَما إذْ لم تنصفني فإِنِّي أُكافئك بمثل فعلك؛ وقول الله : ومَا كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، يفسَّر تفسيرين متضادّين: أَحدهُما: وما كان الله معذبَهم وأَولادُهم يستغفرون؛ أَي قد وقع له في علمه جلّ وعزّ أَنَّهُ يكون لهم ذريَّة تعبده وتستغفر لهم، فلم يكن ليوقع بهم عذاباً يجتثُّ أَصلَهم؛ إِذا علم ما علم من صلاح أَولادهم، وعبادتهم له جلَّ وعلا. والتفسير الآخر: وما كان الله معذِّبهم لو كانوا يستغفرون؛ فإِنَّهم مستحقُّون
لضروب العذاب الَّتي لا يقع معها البوار والاصطلام، بل
стр. 262
تكون كما وقع بهم من عذاب الجدْب في السنين الَّتي لحقتْهم، فأَكلوا فيها الجِيَف والعِلْهِز. وكعذاب السيف والأَسْر الَّذي لحقهم يوم بدر وغيره، والله أَعلم بحقيقة ذلك كلّه وأَحكم.
١٦١ - ومن حروف الأَضداد أَيْضاً قولُ العرب: دَلْوٌ يَدِيَّة وأَدِيَّة ؛ إِذا كانت وِفْقاً لَيْسَتْ واسعة ولا ضيِّقة، ودلو يَدِيَّة إِذا كانت واسعة. ويقال أَيْضاً: ثوب يديّ، إِذا كان واسع الكمّ، وإِذا كان ضيِّقاً، قال العجَّاج:
أَزْمان إذْ ثَوْبُ الصِّبا يَدِيُّ ... وَإِذ زَمَانُ النَّاسِ دَغْفَلِيُّ
أَراد ثوب الصبا واسع. ويقال: عيش يديّ؛ إِذا كان واسعاً، وإِذا كان ضَيِّقاً.
١٦٢ - والقَنِيص حرف من الأَضْداد؛ يقال: القَنِص للقانص، ويقال للمفعول أَيْضاً قَنيض؛ ويكون القَنيِص بمَعْنَى الفِعْل والمصدر، وقال الشَّاعر:
تَقْنِصُكَ الخيلُ وتصطادُك الـ ... ـطَّيْرُ ولا تُنْكَعُ لَهْوَ القَنِيصْ
معنى تُنْكَعُ تُخَلَّى والقَنِيص وتُمَتَّع بلهوه.
стр. 263
١٦٣ - ولائق حرف من الأَضْداد؛ يقال: الرَّجُل لائقُ الدَّواة، وقد لاقها يليقها لَيْقاً ولُيوقاً ولَيَقاناً، فهو لائق لها، والدَّواة مَلِيقَةُ وَمَلُوقة. وأَلاقها يُلِيقها إِلاقَةً، فهو يُلِيق. والدَّواة مُلاقة، قال أَبو عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود:
إِذا نحنُ جَهَّزْنا إِليكمْ صَحيفَةً ... أَلْقَتْنا الدَّوَايَا بالدُّموع السَّواجِمِ
ويقال: قد لاقت الدَّواةُ إِذا استحكم لَيْقُها بغيرها، فهذا ضدّ لائق إِذا كان وصفاً للفاعل. ومعنى اللَّيْق إِلصاق المداد بالكُرْسُف، والكُرْسُف: القطن، وكذلك البِرْس، والطَّاط، والخِرْفَع، والقُطْن، والقُطُن والقُطُنّ.
ويقال: دخلتُ المدينة فما لاقَتْني؛ إِذا لم توافقني ولم أَثبت بها. ويقال: سيف لا يُليق شيئاً، إِذا كان يقطع ما يقع عليه، ولا يَثْبت من ضريبته شيء. ويقال: تزوَّج فلان فلانة فما لاقتْ عنده ولا عاقت؛ إِذا لم تلصق بقلبه، ويقال: هذا الكلام لا
يَلِيق بِصَغَري ولا يَلِيطُ بصَفَرِي، أَي لا يُلْصَق بقلبي. وقالَ ابن أَحمر يذكر امرأَته:
رَمَتْنِي بهَوْرَاتِ الذُّنُوبِ وباعَدَتْ ... فِراشِي فَيا للسَّاسِ مَاذا يُلِيقُها
стр. 264
أَراد: ماذا يُلْصِقُها بقلبي؟ ومعنى هورات: البلايا والشرور. ويقال: فلان يَهُورُ فلاناً، إِذا طلَب عيوبه ونَسَب إِلَيْه المقابح. والَّلام في قوله: يا للنَّاس لام تُخفض وتُفتح بمَعْنَى الاستغاثة، كقولهم: يا لِلمسلمين! يا لَبَكر! يا لَتميم!. وأَنشدنا أَبو العبَّاس:
وإِنِّي لَباقي الدمعِ ما عشتُ فاعْلمي ... جُنُوحَ ظلامٍ أَو تَنَوُّرَ شارِقِ
وما زَالَ هَذا الدَّهْرُ مِنْ شُؤْمِ جَدِّهِ ... يُفَرِّقُ بين العاشقين الأَلاصِقِ
يُباعِدُ مِنَّا مَنْ نُحِبُّ اجْتِماعَهُ ... ويُدْنِي إِلينَا صَاحباً غَيْرَ لائقِ
أَي غير ملتصق بقلوبنا.
ويقال: كفُّ فلان ما تُليق درهماً ولا ديناراً، إِذا لم يثبت فيها شيء لكرمه وكثرة عطائه؛ أَنشد الفَرَّاءُ:
كَفَّاكَ كَفٌّ ما تُلِيقُ دِرْهَماً ... جُوداً وأُخرى تُعْطِ بالسَّيْفِ الدَّما
أَراد: تعطي، فاكتفى بالكسرة من الياء، كما قال أَبو خِراش:
وَلا أَدْرِ مَنْ أَلقى عليه إِزارَهُ ... خَلا أَنَّهُ قَدْ سُلَّ عَنْ مَاجِدٍ مَحْضِ
أَراد ولا أَدري، فاكتفى بالكسرة من الياء.
стр. 265
١٦٤ - والصَّرَد حرف من الأَضْداد؛ يقال: صَرِد السَّهمُ يَصْرَدُ إِذا أَخطأَ، وصَرِد إِذا أَصاب، ويقال: سهم مُصْرِد؛ إِذا كان مصيباً، وسَهْم مُصْرِد، إِذا كان مخطئاً، قال النَّابِغَة:
ولَقَدْ أَصابَتْ قَلْبَهُ مِنْ حُبِّها ... عَنْ ظَهْرِ مِرْنَانٍ بِسَهْمٍ مُصْرِدِ
وقال الآخر:
يُواتِر الشَّدَّ إِذا ما وَلَّى ... أَصْرَدَهُ الموتُ فَمَا أَظَلَاّ
وقالَ اللعين المِنْقَرِيّ:
فَما بُقْيَا عليَّ تَركْتُمانِي ... ولَكِنْ خِفْتُما صَرَدَ النِّبالِ
قال أَبو بَكْر: فيه تفسيران متضادَّان: أَحدُهما: ولكن خفتما إِصابة نَبْلي إِيَّاكما. والتفسير الآخر: ولكن خفتما أَن تُخْطِئ نبالكما إِذا رميتما فتهلِكا.
١٦٥ - والدُّرْع حرف من الأَضْداد؛ قال قُطْرب: يقال: دُرْعٌ للَّيالي الَّتي صًدورها بِيض وأَعجازها سود، ويقال أَيْضاً: دُرْع للَّيالي الَّتي صُدورها سود وأَعجازها بِيض،
стр. 266
وواحدة الدُّرْع دَرْعاءُ، قال: ويقال: شاة دَرْعاءُ، إِذا كان مقدمُها أَبيض ومؤخرها أَسود، ويقال لها أَيْضاً: درعاء، إِذا كانَ مقدَّمها أَسود ومؤخَّرها أَبيض. وتابع قُطْرباً على هذا جماعة من البصريين.
وقالَ أَبو عُبيد: يقال في ليالي الشهر: ثلاث غُرَر، وثلاث نُفَل، وثلاث تُسَع، وثلاث عُشَر، وثلاث بِيض، وثلاث دُرَع، وثلاث ظُلَم، وثلاث حَنادِس، وثلاث دَآدِيّ، وثلاث مُحاق؛ فالَّذين يقولون: دُرْع، بتسكين الراءِ يذهبون إِلى أَنَّ الواحدة دَرْعاءُ، والَّذين يقولون: دُرَع، بفتح الرَّاء يقولون: الواحدة دُرْعة. وقد يقول بعضهم: واحدة الدُّرَع دَرْعاءُ؛ وهذا الجمع على غير قياس، قال الشَّاعر:
لو كنتِ ليلاً من ليالِي الشهرِ ... كنتِ من البِيضِ وفاَء النَّذْرِ
قَمرَاء لا يَشقَى بها مَنْ يَسرِي ... أَو كنتِ مَاءً كُنتِ غير كَدْرِ
ماء سماءٍ في صفاً ذي صَخْرِ ... أَكنه الله بعيصٍ سِدْرِ
فهو شفاءٌ من غَليلِ الصَّدْرِ
стр. 267
وقول امرئ القَيْس:
وابنِ عمٍّ لِي فُجِعْتُ بِهِ ... مِثْلِ ضَوْءِ البَدْرِ في غُرَرِهْ
لم يرد بالغُرر اللَّيالي الثَّلاث من أَوَّل الشهر؛ لأَنَّ البدر لا يكون فيها؛ وإِنَّما أَراد
بالغرر البياض؛ وهو جمع؛ واحدته غُرَّة.
١٦٦ - ومن حروف الأَضداد أَيْضاً المؤْدِي ؛ يقال: رجل مُؤْدٍ بالهمز؛ إِذا كان تامّ الأَداة كاملَ السلاح، ويقال: رجل مودٍ بلا همز؛ إِذا كان هالكاً؛ وقد أَودَى يُودِي إِيداءً. ويجوز ترك الهمز من مؤد فتتحوَّل الهمزة واو ساكنة لانضمام ما قبلها، كما قالوا: الرَّجُل يُومِن، والأَصل يؤمن، فلمَّا سكنت الهمزة وانضمَّ ما قبلها غُلِّبت الضمَّة عليها، فجعلتها واواً كما تغلِب الكسرة على الهمزة الساكنة فتجعلها ياءً في قولهم: الذيب والبير؛ وتغلب الفتحة على الهمزة الساكنة فتحوِّلها أَلفاً في قولهم: الراس والكاس، وآدم وآخر؛ قال عديّ بن زيد:
وتَقُولُ العُداةُ أَوْدَى عَدِيٌّ ... وعَدِيٌّ بسُخطِ ربٍّ أَسيرُ
فمعناه هلك عدي.
стр. 268
١٦٧ - وممَّا فسّر من كتاب الله تفسيرين متضادّين، قوله ﵎: اللهُ الَّذي رَفَعَ السَّموات بغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ، يقال: معناه خلقها مرفوعة بلا عَمَد، فالجحْد واقع في موضعه الَّذي يجب كونه فيه، ثمَّ قال بعد: تَرَوْنَهَا أَي لا تحتاجون مع الرؤية إِلى خبر.
ويفسَّر تفسيراً آخر، وهو: الله الَّذي رفع السموات بعمد لا ترون تلك العمد، فدخل الجحْد على العَمَد في اللفظ، وهو في المعنى منقول إِلى الرؤية؛ كما تقول العرب: ما ضربت عبد الله وعنده أَحد، يريدون: ضربت عبد الله وليس عنده أَحد.
ويقال: ما ينشأُ أَحد ببلد فيزال يذكره؛ أَي إِذا نشأَ ببلد لم يزل يذكره. وأَنشد الفَرَّاءُ حجَّة لهذا المعنى:
وَلا أَراها تزالُ ظَالِمَةً ... تُحْدِثُ لِي نَكْبَةً وَتَنكؤُها
أَراد: وأَراها لا تزال ظالمة. وأَنشد أَيْضاً:
إِذا أَعجبتْك الدَّهْرَ حالٌ من امرئٍ ... فدعْه وواكِلْ حالَهُ واللَّيَاليَا
يَجِئْن عَلَيَّ ما كانَ مِنْ صَالحٍ بهِ ... وإِنْ كانَ فيما لا يَرَى النَّاسُ آلِيا
стр. 269
أَراد: وإِن كان فيما يرى النَّاس لا يأْلو، فالجحْد منقول من موضعه إِلى ما بعده.
١٦٨ - وممَّا يفسَّر من الشِّعْر تفسيرين متضادّين قول الجعديّ:
إِنَّك أَنت المحزون في أَثر ال ... حَيِّ فإِنْ تَنْوِ نِيَّهمْ تُقِمِ
أَخبرنا أَبو العبَّاس، قال: حدَّثنا بعض أَصحابنا أَنَّ رجلاً جاءَ بكرَّاسة إِلى كيسان، فقال له كيسان: ما في كرَّاستك هذه؟ قال: شعر النَّابِغَة الجعديّ، قرأْته على الأَصْمَعِيّ، فقال له: فما حفظت من تفسيره؟ قال: حفظت عنه أَنَّه قال: فإِن تَنْوِ نِيَّهمْ تُقِمِ، معناه تُقِمْ صدور الإِبل وتلحق بأَهلك؛ فقال كيسان: كذب الأَصْمَعِيّ؛ لم يُرِد النَّابِغَةُ هذا، وقد سمع الجواب من أَبي عَمْرو ولكنَّه نَسِيَه؛ وإِنَّما أَراد: فإِن تنوِ ما نَوَوْا من البعد والقطيعة تُقم ولا تتبعهم حتَّى يوافِق فعلُهم فعلَك، وما تَنْوي ما ينوُون.
١٦٩ - والأُمَّة حرف من الأَضْداد؛ يقال: الأُمَّة للواحد الصالح الَّذي يُؤتمُّ به، ويكون عَلَماً في الخير، كقوله
стр. 270
عزَ وجلّ: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ قَنِتاً للهِ حَنيفاً.
ويقال: الأُمَّة أَيْضاً للواحد المنفرد بالدِّين؛ قال سعيد ابن زيد بن عَمْرو بن نُفَيل: قلت: يا رَسُول الله؛ إِنَّ أَبي قد كانَ عَلَى ما رأَيت وبَلَغك، أَفلا أَستغفر له؟ قال: بلَى؛ فإِنَّه يُبعثُ يوم القيامة أُمَّةً وَحْدَهُ.
ويفسَّر هذا الحرف من كتاب الله تعالى تفسيرين متضادّين، وهو قوله: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، فيقول بعضُ المفسِّرين: معناه كان النَّاس مؤمنين كلّهم. ويَقُولُ غيره: معناه كان النَّاس كفَّاراً كلُّهم، فالذين قالوا: الأُمَّة هاهنا المؤمنون، ذهبوا إِلى أَنَّ الله لمَّا غرَّق الكافرين من قوم نوح بالطوفان، ونجَّى نوحاً والمؤمنين، كان النَّاس كلُّهم من ذلك الوقت مؤمنين؛ ثمَّ كفر بعضُهم بعد ذلك الوقت فأَرسل الله إِليهم أَنبياءً يبشرون وينذرون، ويدلُّونهم على ما يَسْعَدُون به، ويتوفَّر منه حظّهم.
стр. 271
ومن قال: الأُمَّة في الآية معناها الكافرون، قال: تأْويل الآية: كان النَّاس قبل إِرسال الله نوحاً كافرين كلُّهم؛ فأَرسل الله نوحاً وغيره من النَّبيِّين المبعوثين بعده يبشِّرون ويُنذرون، ويدلُّون النَّاس على ما يتديَّنون به ممَّا لا يقبل الله يوم القيامة غيرَه. والله أَعلم بحقيقة القولين وأَحكم.
١٧٠ - ونَسَل حرف من الأَضْداد؛ يقال: قد نَسَل، إِذا ظهر وخرج، وقد نَسَل الشَّعْر، إِذا سقط، وقد نَسَل إِذا نبَت؛ قال الشَّاعر:
إنِّي إِذا ما أَعْيَتِ القَوْمَ الحِيَلْ ... أَنْسُلُ في ظُلمَةِ لَيلٍ ودَغَل
وقال الله : مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فمعنى ينسلون هاهنا يُسرعون، وليس هو من البابين الأَوَّلين. وقال الشَّاعر:
عَسَلانَ الذِّئبِ أَمْسَى قَارِباً ... بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ
أَراد فأَسرع. والحَدَب المكان المرتفع، قال الشَّاعر:
تَدارَكني منه خليجٌ فردَّني ... له حَدَبٌ تَسْتَنُّ منه الضَّفادِعُ
стр. 272
وقال الآخر:
فأَمَّا يَوْمُهُنَّ فَيَوْمُ سَوْءٍ ... تُطَارِدُهُنَّ بالحَدَبِ الصُّقُورُ
١٧١ - وزنأ حرف من الأَضْداد؛ يقال: قد زنأَ في الجبل يَزْنأ زنأً وزُنوءاً، إِذا صَعِد فيه، قال الشَّاعر:
وارْقَ إِلى الخيرات زَنْأً في الجبلْ
ويقال: قد زنأَ الرَّجُل يزنأ زنأً وزنوءاً إِذا لَصِق بالأَرض فلم يبرَح. ويقال في غير هذا: قد أَزنأَ الرَّجُل بَولَه يُزنئه إِزناءً إِذا حقنَه، وقد زنأَ البول يَزْنأُ زنوءاً إِذا احتقن، ويقال: رجل زَنَاء؛ إِذا كان حاقناً. ومنه الحديث المرويّ: نهى رَسُول الله ﷺ أَن يُصلِّيَ الرَّجُل وهو زَنَاء؛ أَي حاقن؛ وإِنَّما قيل للحاقن زَنَاء، لضيق موضع البول عليه، ويقال لحفرة القبر: زَنَاء، لضيقها، قال الشَّاعر:
وإِذا دُفِعْتَ إِلى زَنَاءٍ قَعْرُها ... غَبْرَاَء مظلمةٍ من الأَحْفَارِ
١٧٢ - وأَورق حرف من الأَضْداد؛ يقال: قد أَورق
стр. 273
الرَّجُل إِذا أَصاب وَرِقاً، أَو وَرَقاً، وأَورق الصائد إِذا أَخفق. وتفسير: أَخفق: لم يصب شيئاً، ومنه حديث النَّبِيّ ﷺ : أَيُّما سَرِيَّة غَزَتْ فأَخْفَقَتْ فلها أَجرها مرَّتين، أَي لم تغنم ولم تُصِبْ من أَعدائها سَلباً، قال عُبيد يذكر فرسه:
فَيُخْفِقُ مَرَّةً ويُفيد أُخرى ... ويُلْحِقُ ذا الملامَةِ بالأريبِ
أَي يفيد مرَّة ويخيب مرَّة، والوَرِق والرِّقَة: الفضَّة، والورَقُ عند العرب: المال، والمال الإِبل والغنم، قال العجَّاج:
إِيَّاكَ أَدْعُو فَتَقَبَّلْ مَلَقِي ... واغْفِرْ خَطايايَ وثَمِّرْ وَرَقِي
والورَق أَيْضاً: الضِّعاف من النَّاس، قال الشَّاعر:
إِذا وَرَقُ الفِتيان كانوا كأَنَّهم ... دراهم منها جائزاتٌ وزَائِفُ
والورَق أَيْضاً: الدَّم، قال بعض الشُّعراء:
أَرقَا ما أَرقا ... دمعاً يحثُّ الوَرَقا
أَي ينزل الدِّماءَ.
١٧٣ - والمُشِيح حرف من الأَضْداد؛ يقال: قد أَشاح الرَّجُل يُشِيح إِشاحةً، إِذا فزع وحَذِر، وقد أَشاح يُشيح فهو مُشِيح، إِذا جدَّ وانكمش وجَسَر؛ قال عُبيد بن الأَبرص:
стр. 274
قَطعْتُه غُدْوَةً مُشِيحاً ... وصاحبي بازِلٌ خَبُوبُ
أَراد بالمشيح المنكمش؛ وقالَ أَبو ذُؤَيْب:
بدرتَ إِلى أُولاهمُ فسبقتَهُمْ ... وشَايَحْتَ قبل اليومِ إِنَّك شِيحُ
ويُرْوَى:
سبقتهُمُ ثمَّ اعتنقتَ أَمامَهُمْ ... وشَايَحْتَ قبل اليومِ إِنَّك شِيحُ
اعتنقتَ: بدَرت؛ أَي سبقت بعُنُقِك. وقالَ أَبو النَّجم يذكر الحمار والأُتن:
قُبًّا أَطاعَتْ رَاعياً مُشِيحاً ... لا مُنْفِشاً رَعْياً وَلا مُرِيحَا
المنفش والمنفّش: الَّذي يتركها ترعى ليلاً؛ وقالَ الآخر:
مُشِيحٌ فَوْقَ شِيحَانٍ ... يَجُولُ كَأَنَّهُ كَلْبُ
المشيح: المنكمِش، وشِيحان فرس؛ وقالَ النَّبِيّ ﷺ : اتَّقُوا النَّار وَلَوْ بشِقّ تمرة. ثمَّ أَعرض وأَشاح. ففي أَشاح تأْويلان أَحدهما جدّ وانكمش على الإِيماء باتِّقاء النَّار والتَّحذير لها، والتأْويل الآخر حذِرها وكانَ كالفزِع منها، وكانت كالممثَّلة بين يديه في حال قوله هذا. والله أَعلم.
стр. 275
وقال الآخر:
وإِعْطائِي عَلَى العِلَاّتِ مالِي ... وضَرْبِي هَامَةَ البَطَلِ المُشِيحِ
أَراد بالمشيح الجادّ المنكمش. وقال الآخر:
إِذا سمعنَ الرِّزَّ من رَباحِ ... شَايَحْنَ مِنْهُ أَيَّما شِيَاحِ
أَي حَاذَرْن منه.
١٧٤ - وقالَ بعض البصريين: مَرى حرف من الأَضْداد؛ يقال: مراه حقَّه إِذا رفعه عنه وجَحده، ومراه مائة دينار، إِذا أَعطاه ونقده إِيَّاها، قال: وكانَ بعض النحويين عمل على هذا المعنى الثاني بيتاً مُلغَّزاً، فقال:
دَراهمَ عَمْرٍو واسأل المرَء خَالِداً ... عن البَزّ إذْ جاَء النّفاقُ أَبا عَمرِو
فقال: آخر البيت عامل في الدراهم؛ معناه امْرِ دراهم عَمْرو، واسأَل المرءَ خالداً عن البزّ، إِذا جاءَ النّفاق أَباع، فوصل امر بالعين من باع. وإِذا قيل: مراه حقَّه فمعناه جَحده ودفعه، واستخرج مكروهه وغضبه؛ من
стр. 276
قول العرب: مريتُ النّاقة أَمْرِيها إِذا حَلَبْتَها، واستخرجت لبنها، ويقال: مَرَتِ الريح السحاب، إِذا استخرجَتْ ما فيه من المطر، قال الشَّاعر، أَنشدناه أَبو العبَّاس:
فما ظبْيَةٌ من وَحْشِ بَطنِ مَجَمَّةٍ ... مَرَتْها الصَّبا واستربَعَتْها جَنُوبُها
بأَحْسَنَ منها يومَ قالت كمِ الَّذي ... تُراكَ من الأَيَّامِ عنِّي تَغيبُها
ويقال: قد مَرُؤ الرَّجُل إِذا صارت له مروءة، ومَرَأَني الطعام وأَمرأَني. وقالَ بعض النحويين: يقال أَمرأَنِي الطعام، ولا يقال: مَرأَنِي بغير أَلف في الإِفراد؛ تتقدَّم هنأَني. وقالَ ابن الأَعْرَابِيّ وغيره: يقال أَمرأَني ومَرَأَني، بأَلف وبغير أَلف.
ويقال: مارَى فلان فلاناً، إِذا جادله واستخرج كلُّ واحد منهما من صاحبه مكروهاً وشرًّا، قال الشَّاعر:
أَمَّا البَعِيثُ فقد تبيَّن أَنَّهُ ... عَبْدٌ فعَلَّكَ في البَعيثِ تُمارِي
١٧٥ - وزالَ حرف من الأَضْداد؛ يقال: قد زال المكروه عن فلان، وقد زال الله المكروهَ عنه بمَعْنَى أَزال، قال الأَعشى:
هذا النَّهارُ بدا لها مِنْ هَمِّها ... ما بالُها باللَّيل زالَ زَوالَها
стр. 277
في نصب زوالها قولان: أَحدهما أَن يكون الفعل لله ، وتأْويله: زال الله زوالَها، أَي أَزال الله زوالَها. وسمعتُ أَبا العباس يقول: لَيْسَ الفعل لله جلّ وعزّ؛ ولكنَّه للخيال، والزوال نصب على معنى المحلّ، وتقديره: زال خيالُها زوالَها، أَي زال خيالُها حيث زالَتْ؛ فلا تتأَذَّى به، وتهيج أَحزاننا بالهامة، ونصب النهار على مذهب الوقت، والتأْويل: هذا بَدَا لَها من همّها في النَّهار.
وكان أَبو عَمْرو بن العلاءِ ينشده: زال زوالُها، بالرفع، ويَقُولُ: أَقوى الشاعر، والإِقواءُ اختلاف إِعراب القوافي. وقال الآخر:
وبَيْضَاَء ما تنحاشُ مِنَّا وأُمُّها ... إِذا ما رأَتْنا زالَ مِنَّا زَوِيلَها
فهذا يدلُّ على أَنَّ زيل بمَعْنَى أُزِيل، وزال بمَعْنَى أَزال.
١٧٦ - وخان حرف من الأَضْداد؛ يقال: خان النَّعِيمُ فلاناً، وخان الدَّهْرُ النَّعيمَ فلاناً، فيكون النَّعيم فاعلاً في حال، ومفعولاً في حال، وخان غير متغيّر اللَّفظ، قال الأَعشى:
стр. 278
وخانَ النَّعيمُ أَبا مالِكٍ ... وأَيُّ امْرِئٍ لَمْ يَخُنْهُ الزَّمَنْ
ويُرْوَى: وخانَ النَّعيمَ أَبا مالِكِ. على معنى: وخان الزَّمانُ أَبا مالك النَّعِيم.
١٧٧ - وطَلَّ حرف من الأَضْداد؛ يقال: طَلَّ فُلان دَمَ فلان إِذا أَبطله، وطَلَّ دَمُ فلانٍ، إِذا بطل؛ والاختيار طُلَّ دَمُه؛ وقد يقال: طَلَّ دَمُه وأُطِلَّ دَمُه، وأَطَلَّ الله دَمَه، وطَلَّ اللهُ دَمَه، قرأْنا على أَبي العبَّاس لأَبي حَيَّة النُّميرِيِّ:
ولكِنْ وبَيْتِ اللهِ ما طَلَّ مُسْلِماً ... كَغُرِّ الثَّنَايا واضحاتِ المَلَاغِمِ
وحدَّثنا إِسماعيل بن إِسحاق، قال: حدَّثنا نصر بن علي، قال: خبَّرنا الأَصْمَعِيّ، عن عيسى بن يعمر، قال: جاءَت امرأَة تخاصم زوجها إِلى يحيى بن يعمر، فقال للزوج: آلله؛ أَنْ سَأَلَتْكَ ثَمَنَ شَكْرِها وشَبْرك أَنشأَت تَطُلُّها وتَضْهَلُهَا! أَراد بقوله: تَطُلُّها، وتَضْهَلُهَا، تَرُدُّها إِلى أَهلها، والشَّكْر كناية عن الفَرْج، قال الهُذَلِيّ:
стр. 279
صناعٌ بإِشْفَاهَا حَصَانٌ بِشَكْرِها ... جَوَادٌ بقُوتِ البَطْنِ والعِرْقُ زَاخِرُ
أَي هي كريمة، والشَّبْر كناية عن النكاح؛ يُحْكَى عن النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ لمَّا أَدخل فاطمة على عليٍّ رضوان الله عليهما قال: جَمَع الله شملَكُمَا، وبارَكَ لَكُمَا في شَبْركُمَا. وقالت أُم الخيار لأَبي النَّجم:
لَقَدْ فَخَرْتَ بقصيرٍ شَبْرُهْ ... يَجِيءُ بَعْدَ فَعْلَتَيْنِ قَطْرُهْ
عاتبتْه بأَنه لا يطاوِل في النكاح.
١٧٨ - وأوْ حرف من الأَضْداد؛ تكون بمَعْنَى الشكّ، في قولهم: يقوم هذا أَو هذا، أَي يقوم أَحدهما. وتكون معطوفة في الشَّيْء المعلوم الَّذي لا شكَّ فيه، كقول جرير:
نالَ الخِلافَةَ أَوْ كانتْ لَهُ قَدَراً ... كما أَتى رَبَّهُ مُوسى على قَدَرِ
أَراد وكانت. وقالَ تَوبة بنُ الحُمَيِّر:
وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بأَنِّي فَاجِرٌ ... لِنَفْسي تُقَاها أَوْ عَلَيْهَا فُجُورُها
أَراد: وعليها.
وقالَ أَبو عُبيدة في قول الله جلّ وعزّ: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ في ضَلَالٍ مُبِينٍ، معناه: وإِنَّا لعَلَى هدًى،
стр. 280
وإِنكم في ضلال مبين؛ فأَقام أَوْ مقام الواو، لأَنَّ المسلمين ما شكُّوا في أنَّهم على هدى، وأَنشد:
فَلَوْ كان البُكاءُ يَرُدُّ شيئاً ... بَكَيْتُ على بُجَيْرٍ أَوْ عِفَاقِ
على المَرْأَيْنِ إذْ هَلَكَا جَميعاً ... لشأْنِهِما بِشَجْوٍ واشْتِياقِ
أَراد: على بجير وعِفاق، فأَقام أَو مقام الواو. ويجوز أَن تكون أَو دخلت على هذه الآية على غير شكّ لحق المسلمين فيما هُمْ عليه، بل لمعنى الاستهزاء بالمشركين، كما قال أَبو الأَسود:
يقولُ الأَرْذَلونَ بَنُو قُشَيْرٍ ... طَوالَ الدَّهرِ ما تَنْسَى عَلِيَّا
بَنُو عَمِّ النَّبِيّ وأَقْرَبُوهُ ... أَحَبُّ النَّاسِ كُلِّهمُ إِليَّا
فإِنْ يَكُ حُبُّهُمْ رُشْداً أُصِبْهُ ... ولَيْسَ بمُخْطِئٍ إِنْ كانَ غَيَّا
وأَخبرنا أَبو عبد الله محمد بن أَحمد البصريّ، قال: حدَّثنا أَبو الخطَّاب زياد بن يحيى، قال: حدَّثنا الهَيْثَم بن الرَّبيع، قال: حدَّثنا سرَّار بن المجشَّر أَبو عُبيدة العَنَزِيّ، قال: كتب معاوية إِلى زياد كتاباً، وقالَ للرَّسول:
стр. 281
إِنَّك سترى إِلى جانبه رجلاً، فقل له: إِنَّ أمير المؤمنين يقول لك: قد شككت في قولك:
فإِنْ يَكُ حُبُّهُمْ رُشْداً أُصِبْهُ ... ولَيْسَ بمُخْطِئٍ إِنْ كانَ غَيَّا
فقال لأَبي الأَسود ما قاله معاوية. فقال: قل له: لا علمَ لك بالعربيَّة، قال الله : وإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ في ضَلالٍ مُبين، أَفترى ربَّنا شَكَّ! فسكت معاوية لمَّا بلغه احتجاجُ أَبي الأَسود.
وقالَ الفَرَّاءُ وغيره: معنى الآية أَنَّ المؤمنين أَدخلوا أَو في كلامهم وهم لا يشكُّون فيما هم عليه من الهدى، على جهة الترفُّق بالمشركين، والاستمالة لهم إِلى طاعة الله؛ كما يقول الرَّجُل للرَّجُل إِذا كذب: قل إِن شاءَ الله؛ وربما قال له أَحد: يا
كاذب، فمعناه كذبت، لا أَنَّهُ حسن اللَّفظ.
وتكون أَو بمَعْنَى التخيير، كقولك للرَّجل: جالس الفقهاء أَو النحويين، فمعناه: إِن جالست الفقهاء أَصبتَ، وإِن جالستَ النحويين أَحسنت، وإِن جالست الفريقين فأَنت مصيبٌ أَيْضاً. وتكون أَو بمَعْنَى بل، كقوله جلّ وعزّ: إِلى مائةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُون، معناه بل
стр. 282
يزيدون. قال ابن عباس: كانوا مائة أَلف وبضعة وعشرين أَلفاً، قال الشَّاعر:
بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمسِ في رَوْنَقِ الضُّحَى ... وصُورتِها أَو أَنتِ في العينِ أَمْلَحُ
معناه: بل أَنت. وقوله : وَلَا تُطعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً، يفسَّر تفسيرين: أَحدهما: آثماً وكفوراً، والآخر آثماً ولا كفوراً، قال الشَّاعر:
لَا وَجْدُ ثَكْلَى كما وَجَدْتَ ولَا ... ثُكْلُ عَجُولٍ أَضَلَّها رُبَعُ
أَوْ وَجْدُ شَيْخٍ أَضَلَّ نَاقتَهُ ... يَوْمَ تَوافَى الحجيجُ فانْدَفَعُوا
أَراد: ولا وجد شيْخ.
وقد استقصينا الكلام في معاني أَوْ في كتاب الرَّدّ على الملحدين في القرآن، وذكرنا منه هاهنا جملة لا غِنَى بالكتاب عنها.
١٧٩ - وحافل حرف من الأَضْداد؛ يقال: ناقة حَافِل؛ إِذا ذهب اللَّبن من ضَرْعها فلم يبق منه إِلَاّ اليسير، وناقة حافِل إِذا امتلأَ ضَرْعها باللَّبن. ويقال: وادٍ حافل وشُعْبَةٌ حافل؛ إِذا كثر سيلُهما؛ ويقال: قَدْ حَشَكَ الضَّرْعَ حَشْكاً
стр. 283
إِذا امتلأَ باللَّبن، قال زهير:
كما اسْتَغاثَ بِسَيْئٍ فَزُّ غَيْطَلَةٍ ... خاف العيونَ فلم يُنْظَرْ به الحَشَكُ
معناه استغاثت هذه القطاةُ بالماءِ كما استغاثَ الفَزُّ بالسَّيئ، والسيئ ما يكون في الضَّرْع من اللَّبن قبل الدِّرَّة، والفَزُّ ولد البقرة، والغَيْطَلَة: البقرة؛ ويقال: الغَيْطَلة: شجرة. وقوله: خاف العيون، معناه خاف الفَزّ أَن يَنْظُر إِلَيْه الرَّاعي يَشْرِبُ فيمنعه من الشُّرب؛ فلم يُنْظَر به الحَشَكُ، معناه فلم يُنْتَظَرْ به اجتماعُ اللَّبن في الضَّرْع،
والأَصل فيه الحَشْك بتسكين الشِّين، فاضطره الشِّعْر إِلى فَتْحِها.
١٨٠ - وفَزِع حرف من الأَضْداد؛ يقال: فَزِع الرَّجُل، إِذا أَغاث، وفَزِعَ إِذا استغاث، قال زهير:
إِذا فَزِعُوا طارُوا إِلى مُسْتَغِيثِهِمْ ... طِوالُ الرِّماحِ لا ضِعَافُ ولا عُزْلُ
أَراد بفزعوا استغاثوا، وأَرادوا أَن يُنْصَروا. وقالَ الكلحبة العرنيّ:
وقُلْتُ لكَأْسٍ أَلْجِمِيها فإِنَّما ... نَزَلْنَا الكَثِيبَ مِنْ زَرُودَ لِنَفْزَعا
أَراد بنفزع نغيث، وقال الآخر:
стр. 284
إِذا دَعَتْ غَوْثَها ضَرَّاتُها فَزِعَتْ ... أَطْبَاقُ نَيٍّ على الأَثْبَاجِ مَنْضُودُ
أَراد بفزعت أَغاثت، والنيّ: الشَّحم واللَّحم. وقال الآخر:
مَعَاقِلُنا السُّيوفُ إِذا فَزِعْنا ... وأَرْماحٌ كأَشْطَانِ القَليبِ
المعقِل: الحِرْز، قال الشَّاعر:
إِذا أَبْرَزَ الرَّوْعُ الكَعَابَ فإِنَّهُم ... مَصَادٌ لِمَنْ يأْوِي إِليْهِمْ ومَعْقِل
١٨١ - ومن الأَضداد أَيْضاً قولهم: فَرس شوهاء ، إِذا كانت حَسَنة الخلْق، ولا يقال في هذا المعنى للذَّكر أَشْوَه، ويقال للرجل إِذا وصف حسن الإِنسان: لا تُشَوِّهْ عليه، أَي لا تبالغ في وصف حُسْنِه فتصيبَه بالعين؛ سُمِع في معنى الحُسْن هذان الحرفان، ويقال في ضدّه: فرس أَشْوَه إِذا كان قبيحاً، وشَوْهاء إِذا كانت كذلك؛ ويقال: خَلْق فلان مشوّه، من معنى القُبْح؛ قال الشَّاعر:
أَرَى ثَمَّ وَجْهاً شَوَّهَ اللهُ خَلْقَهُ ... فقُبِّحَ مِنْ وَجْهٍ وقُبِّحَ حامِلُهْ
وجاءَ في الحديث: حثا رَسُول الله ﷺ يوم
стр. 285
بَدْر حَثْوَةً من تراب، فنفخها في وجوه المشركين، وقالَ: شاهت الوجوه، أَراد: قَبُحت؛ يقال: شاهَ وجهُ فلان يَشُوه شَوْهاً وشَوْهَةً، إِذا قَبُح، قال الشَّاعر:
فَهْيَ شَوْهاءُ كالجُوالِقِ فُوهَا ... مُسْتَجَافٌ يَضِلُّ فيه الشَّكِيمُ
الشَّكِيمُ: حَدِيدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ في اللِّجام.
١٨٢ - ومن الحروف الَّتي تشبه الأضداد قول العرب: سَمَل بين القوم فلان ، إِذا أَصْلَحَ بينهم، وسَمَلَ فلان عَيْنَ فُلان بحديدةٍ، إِذا فَقَأَها، قال أَوس بن حَجَر في معنى الإِصلاح:
وقَوَارِصٍ بَيْنَ العَشِيرَةِ تُتَّقَى ... يَسَّرْتُها فَسَمَلْتُها بسِمالِ
وقالَ أَبو ذُؤَيْب يَرْثي بنيه:
فالعَيْنُ بَعْدَهُمُ كأَنَّ حِداقَهَا ... سُمِلَتْ بِشَوْكٍ فهيَ عُورٌ تَدْمَعُ
أَراد بسُمِلَت فُقِئَت. وقالَ الشّماخ يذكر أَتاناً قد غارتْ عينها من شدَّة العطش:
قَدْ وَكَّلَتْ بالهُدَى إِنْسانَ سَاهِمَةٍ ... كَأَنَّهُ من تَمامِ الظِّمءِ مَسْمُولُ
следующие страницы →