Полный текст (428 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
إِنَّك سترى إِلى جانبه رجلاً، فقل له: إِنَّ أمير المؤمنين يقول لك: قد شككت في قولك:
فإِنْ يَكُ حُبُّهُمْ رُشْداً أُصِبْهُ ... ولَيْسَ بمُخْطِئٍ إِنْ كانَ غَيَّا
فقال لأَبي الأَسود ما قاله معاوية. فقال: قل له: لا علمَ لك بالعربيَّة، قال الله : وإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ في ضَلالٍ مُبين، أَفترى ربَّنا شَكَّ! فسكت معاوية لمَّا بلغه احتجاجُ أَبي الأَسود.
وقالَ الفَرَّاءُ وغيره: معنى الآية أَنَّ المؤمنين أَدخلوا أَو في كلامهم وهم لا يشكُّون فيما هم عليه من الهدى، على جهة الترفُّق بالمشركين، والاستمالة لهم إِلى طاعة الله؛ كما يقول الرَّجُل للرَّجُل إِذا كذب: قل إِن شاءَ الله؛ وربما قال له أَحد: يا
كاذب، فمعناه كذبت، لا أَنَّهُ حسن اللَّفظ.
وتكون أَو بمَعْنَى التخيير، كقولك للرَّجل: جالس الفقهاء أَو النحويين، فمعناه: إِن جالست الفقهاء أَصبتَ، وإِن جالستَ النحويين أَحسنت، وإِن جالست الفريقين فأَنت مصيبٌ أَيْضاً. وتكون أَو بمَعْنَى بل، كقوله جلّ وعزّ: إِلى مائةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُون، معناه بل
стр. 282
يزيدون. قال ابن عباس: كانوا مائة أَلف وبضعة وعشرين أَلفاً، قال الشَّاعر:
بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمسِ في رَوْنَقِ الضُّحَى ... وصُورتِها أَو أَنتِ في العينِ أَمْلَحُ
معناه: بل أَنت. وقوله : وَلَا تُطعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً، يفسَّر تفسيرين: أَحدهما: آثماً وكفوراً، والآخر آثماً ولا كفوراً، قال الشَّاعر:
لَا وَجْدُ ثَكْلَى كما وَجَدْتَ ولَا ... ثُكْلُ عَجُولٍ أَضَلَّها رُبَعُ
أَوْ وَجْدُ شَيْخٍ أَضَلَّ نَاقتَهُ ... يَوْمَ تَوافَى الحجيجُ فانْدَفَعُوا
أَراد: ولا وجد شيْخ.
وقد استقصينا الكلام في معاني أَوْ في كتاب الرَّدّ على الملحدين في القرآن، وذكرنا منه هاهنا جملة لا غِنَى بالكتاب عنها.
١٧٩ - وحافل حرف من الأَضْداد؛ يقال: ناقة حَافِل؛ إِذا ذهب اللَّبن من ضَرْعها فلم يبق منه إِلَاّ اليسير، وناقة حافِل إِذا امتلأَ ضَرْعها باللَّبن. ويقال: وادٍ حافل وشُعْبَةٌ حافل؛ إِذا كثر سيلُهما؛ ويقال: قَدْ حَشَكَ الضَّرْعَ حَشْكاً
стр. 283
إِذا امتلأَ باللَّبن، قال زهير:
كما اسْتَغاثَ بِسَيْئٍ فَزُّ غَيْطَلَةٍ ... خاف العيونَ فلم يُنْظَرْ به الحَشَكُ
معناه استغاثت هذه القطاةُ بالماءِ كما استغاثَ الفَزُّ بالسَّيئ، والسيئ ما يكون في الضَّرْع من اللَّبن قبل الدِّرَّة، والفَزُّ ولد البقرة، والغَيْطَلَة: البقرة؛ ويقال: الغَيْطَلة: شجرة. وقوله: خاف العيون، معناه خاف الفَزّ أَن يَنْظُر إِلَيْه الرَّاعي يَشْرِبُ فيمنعه من الشُّرب؛ فلم يُنْظَر به الحَشَكُ، معناه فلم يُنْتَظَرْ به اجتماعُ اللَّبن في الضَّرْع،
والأَصل فيه الحَشْك بتسكين الشِّين، فاضطره الشِّعْر إِلى فَتْحِها.
١٨٠ - وفَزِع حرف من الأَضْداد؛ يقال: فَزِع الرَّجُل، إِذا أَغاث، وفَزِعَ إِذا استغاث، قال زهير:
إِذا فَزِعُوا طارُوا إِلى مُسْتَغِيثِهِمْ ... طِوالُ الرِّماحِ لا ضِعَافُ ولا عُزْلُ
أَراد بفزعوا استغاثوا، وأَرادوا أَن يُنْصَروا. وقالَ الكلحبة العرنيّ:
وقُلْتُ لكَأْسٍ أَلْجِمِيها فإِنَّما ... نَزَلْنَا الكَثِيبَ مِنْ زَرُودَ لِنَفْزَعا
أَراد بنفزع نغيث، وقال الآخر:
стр. 284
إِذا دَعَتْ غَوْثَها ضَرَّاتُها فَزِعَتْ ... أَطْبَاقُ نَيٍّ على الأَثْبَاجِ مَنْضُودُ
أَراد بفزعت أَغاثت، والنيّ: الشَّحم واللَّحم. وقال الآخر:
مَعَاقِلُنا السُّيوفُ إِذا فَزِعْنا ... وأَرْماحٌ كأَشْطَانِ القَليبِ
المعقِل: الحِرْز، قال الشَّاعر:
إِذا أَبْرَزَ الرَّوْعُ الكَعَابَ فإِنَّهُم ... مَصَادٌ لِمَنْ يأْوِي إِليْهِمْ ومَعْقِل
١٨١ - ومن الأَضداد أَيْضاً قولهم: فَرس شوهاء ، إِذا كانت حَسَنة الخلْق، ولا يقال في هذا المعنى للذَّكر أَشْوَه، ويقال للرجل إِذا وصف حسن الإِنسان: لا تُشَوِّهْ عليه، أَي لا تبالغ في وصف حُسْنِه فتصيبَه بالعين؛ سُمِع في معنى الحُسْن هذان الحرفان، ويقال في ضدّه: فرس أَشْوَه إِذا كان قبيحاً، وشَوْهاء إِذا كانت كذلك؛ ويقال: خَلْق فلان مشوّه، من معنى القُبْح؛ قال الشَّاعر:
أَرَى ثَمَّ وَجْهاً شَوَّهَ اللهُ خَلْقَهُ ... فقُبِّحَ مِنْ وَجْهٍ وقُبِّحَ حامِلُهْ
وجاءَ في الحديث: حثا رَسُول الله ﷺ يوم
стр. 285
بَدْر حَثْوَةً من تراب، فنفخها في وجوه المشركين، وقالَ: شاهت الوجوه، أَراد: قَبُحت؛ يقال: شاهَ وجهُ فلان يَشُوه شَوْهاً وشَوْهَةً، إِذا قَبُح، قال الشَّاعر:
فَهْيَ شَوْهاءُ كالجُوالِقِ فُوهَا ... مُسْتَجَافٌ يَضِلُّ فيه الشَّكِيمُ
الشَّكِيمُ: حَدِيدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ في اللِّجام.
١٨٢ - ومن الحروف الَّتي تشبه الأضداد قول العرب: سَمَل بين القوم فلان ، إِذا أَصْلَحَ بينهم، وسَمَلَ فلان عَيْنَ فُلان بحديدةٍ، إِذا فَقَأَها، قال أَوس بن حَجَر في معنى الإِصلاح:
وقَوَارِصٍ بَيْنَ العَشِيرَةِ تُتَّقَى ... يَسَّرْتُها فَسَمَلْتُها بسِمالِ
وقالَ أَبو ذُؤَيْب يَرْثي بنيه:
فالعَيْنُ بَعْدَهُمُ كأَنَّ حِداقَهَا ... سُمِلَتْ بِشَوْكٍ فهيَ عُورٌ تَدْمَعُ
أَراد بسُمِلَت فُقِئَت. وقالَ الشّماخ يذكر أَتاناً قد غارتْ عينها من شدَّة العطش:
قَدْ وَكَّلَتْ بالهُدَى إِنْسانَ سَاهِمَةٍ ... كَأَنَّهُ من تَمامِ الظِّمءِ مَسْمُولُ
стр. 286
وفي الحديث: إِنَّ الرَّهط القُرنيِّين لمَّا قدِموا المدينة فاجتوَوْها قال لهم رَسُول الله ﵇: لو خرجتم إِلى إِبِلنا فأَصبتم من أَلبانها وأَبوالها. ففعلوا فَصحُّوا، ثمَّ مالوا على الرِّعاءِ، فقتلوهم، واسْتاقُوا الإِبِل، وارتدُّوا عن الإِسلام، فبعث رَسُول الله ﵇ في آثارهم، فأُتِيَ بهم، فقطَّع أَيديَهم وأَرجلهم، وسَمَل أَعْيُنَهم، وتُرِكوا بالحَرَّةِ حتَّى ماتوا. ومعنى اجتووْها لم يستعذبوا المقام بها. ويقال: قد اجتوَى فلان المدينة إِذا كره المقام بها؛ وإِن كانت غير ضارَّة له، وقد استوبلها إِذا لم توافقه، وإِن كانَ مُحِبًّا لها.
١٨٣ - وممَّا يفسَّر من الشِّعر تفسيرين متضادّين قول قيس بن الخَطيم:
أَتعرِفُ رسماً كاطِّراد المذَاهبِ ... لِعَمْرةَ وَحْشاً غير موقِفِ راكبِ
ديارُ الَّتي كادتْ ونحنُ على مِنًى ... تحُلُّ بنَا لَوْلا نجاءُ الرَّكائِبِ
قال ابن السِّكِّيت: أَراد بقوله: غير موقف راكب، إِلَاّ أَنَّ راكباً وقف، يعني نفسه.
وقالَ غيرُه: لم يرد الشَّاعِر هذا؛ ولكنَّه ذهب إِلى
стр. 287
أَنَّ غيرا نعت للرسم، تأْويله: أَتعرف رسماً غير موقف راكب، أَي لَيْسَ بموقف للرَّاكب لانْدراس الآثار منه؛
وامّحاءِ معالمه، فمتى بَصُر به الرَّاكب من بُعْدٍ ذُعِر منه، فلم يقف به. وتفسير ابن السِّكِّيت يدلُّ على أَنَّ الراكب أَراد به الشَّاعِر نفسَه؛ أَي إِلَاّ أَنِّي أَنا وقفت به متذكِّراً أُشاهد وأُعاشر. والمذاهب: جلود فيها نقوش مُذَهَّبة، قال الشَّاعر:
يَنْزِعْنَ جِلْدَ المرءِ نَزْ ... عَ القَيْنِ أَخلاقَ المَذاهبْ
والاطِّراد: التتابع، من قولهم: قد اطَّرد القول، إِذا تتابع. وقوله: ديار الَّتي كادت؛ ونحن على مِنًى تحلّ: معناه غلبتْ على قلوبنا، واتَّصَلَ ذكرها بيننا؛ حتَّى كادت تحلّ بنا لقربها من قلوبنا، لولا أَنَّ ركائبَنا أَسرعت ومضت بنا من هذا الموضع؛ وشبيه به قول الآخر:
قَدْ عَقَرَتْ بالقَوْمِ أُمُّ الخَزْرَجِ ... إِذا مَشَتْ شالَتْ وَلَمْ تَدَحْرَجِ
أَراد: ذكرناها ونحن ركاب فَبُهِتْنا، وأَقمنا على دوابّنا حتَّى كأَنَّها عَقْرَى ما تقدر على السَّير؛ ولا تصل إِلَيْه. وقد
стр. 288
يقال: بل أَراد رأَيناها فبهتنا ووقفنا على دوابّنا فكانت كأَنَّها عقرت الدَّوابّ إذْ لم نقدر على السَّيْر عليها.
١٨٤ - والماثل حرف من الأَضْداد؛ يقال للقائم: ماثل، وللاصق بالأَرض: ماثل. ويقال: رأَيت فلاناً ماثلاً بين يدَيْ فلان، أَي قائماً بين يديه. وفي الحديث: مَنْ سَرَّهُ أَنْ تَمْثُلَ له الرِّجال قياماً فليتبوأْ مقعدَه من النَّار، ويقال: رأَيت شخصاً ثُمَّ مَثَل، أَي غاب عن عَيْني، قال أَبو خِراش يَصِفُ صقراً:
يقرِّبه النَّهْضُ النَّجِيحُ لِما يَرَى ... وفيه بُدُوٌّ مرَّةً ومُثُولُ
أَراد بالبدوّ الظهور، وبالمثول الذهاب. وقالَ ذو الرُّمَّة يَصِفُ فلاة:
يَظَلُّ بها الحِرْباء للشَّمْسِ ماثلاً ... على الجِذْلِ إِلَاّ أَنَّهُ لا يُكبِّرُ
ذهب إِلى أَنَّ الحرْباءَ يستقبل الشمس إِذا طلعت ثمَّ يدور معها، وذلك في شدَّة الحرّ، وقد بيَّنَ هذا في قوله:
إِذا حَوَّلَ الظِّلّ العَشِيُّ رَأَيْتَهُ ... حنيفاً وفي قَرن الضُّحى يَتَنَصَّرُ
وقالَ أَبو زُبَيد:
стр. 289
واستكَنَّ العصفورُ كُرهاً مع الضَّـ ... ـبِّ وأَوْفَى في عودِه الحِرْباءُ
وقال الآخر:
خَلْقاً كثالِثة المُحاقِ الماثِل
أَراد بالماثل الذاهب.
١٨٥ - وممَّا يشبه حروف الأَضداد قول العرب: طبخت اللَّحم ، إِذا طبخ في القدر، وطبخته إِذا شُوِي في التَّنُّور، ويقال: قد طبختْ فلاناً الشَّمسُ، إِذا غيَّرتْه، قال الأَخطل:
ولقد تأَوَّبَ أُمُّ جَهْمٍ أَرْكُباً ... طَبَخَتْ هَوَاجِرُ لَحمهمْ وسَمُومُ
أَراد بطَبَخَتْ غيَّرت وأَحرقت.
١٨٦ - ومنها أَيْضاً قولهم: قد ضاع الرَّجُل وغيره، إِذا غاب وفُقِد، وضاع إِذا ظهر وتَبَيَّن؛ ويقال: قد ضاعت رائحة المسك إِذا ظهرت وتبيَّنَتْ، وقد انضاع الفرخُ ينضاعُ إِذا تحرَّك، قال الشَّاعر:
فُرَيْخَانِ يَنْضَاعَانِ في الْفَجْرِ كُلَّمَا أَحَسَّا دَوِيَّ الرِّيحِ أَوْ صَوْتَ نَاعِبِ
وقال الآخر
تَضَوَّعَ مِسْكًا بَطْنُ نَعْمَانَ أَنْ مَشَتْ بِهِ زَيْنَبٌ فِي نِسْوَةٍ خَفِرَاتِ
стр. 290
وقالَ امرؤ القَيْس:
إِذا قامتا تضوَّعَ المِسْكُ منهما ... نَسِيمَ الصَّبا جاءتْ بريَّا القَرَنْفُلِ
١٨٧ - وقالَ بعض البصريين: من الأَضداد قولهم: قد انقبض الرَّجُل ، إِذا تجمَّع، وقد انقبض إِذا ظهر وسعى في أُموره.
١٨٨ - قال: ومنها أَيْضاً يوم معمعان ومعمعانيّ ، إِذا كان شديدَ الحرّ والقَرّ.
١٨٩ - ومن الأَضداد أَيْضاً قولهم: قد أَراح الرَّجُل. إِذا استراح، وقد أَراح إِذا مات، قال رُؤْبَةُ:
أراحَ بعد الغَمِّ والتَّغَمْغُمِ
أَراد بأَراح مات.
١٩٠ - وقالَ أَبو عُبيدة: من الأَضداد قولهم: ماء بَثْر ، إِذا كان قليلاً، وماء بَثْر، إِذا كان كثيراً، قال أَبو ذُؤَيْب:
فافْتَنَّهُنَّ من السَّواء وماؤُه ... بَثْرٌ وعانَدَه طريق مَهْيَعُ
стр. 291
السَّواءُ: موضع. وافْتَنَّهُنّ: اشتقّ بهنّ. وعانده: عارضه. والمهْيَع: الطَّريق الواضح البيّن.
وقالَ الأَصْمَعِيّ: لم يُرِدْ أَبو ذُؤَيْب ببثْر قِلّة الماء ولا كَثْرته، إنما بَثْر، يعني اسم ماء، وأَنشد:
إِلى أيٍّ نُساقُ وقد بَلَغْنا ... ظِماءً عن مَسيحةَ ماَء بَثْرِ
وقالَ ابن السِّكِّيت: يقال: عطاء بَثْر، إِذا كان كثيراً، وعطاء بَثْر، إِذا كان قليلاً.
١٩١ - ومن الأَضداد أَيْضاً التصغير ، يدخل لمعنى التحقير، ولمعنى التعظيم؛ فمِنَ التعظيم قول العرب: أَنا سُرَيْسير هذا الأَمر، أَي أَنا أَعلم النَّاس به، ومنه قول الأَنصاريّ يوم السَّقيفة: أَنا جُذَيْلُها المحكَّك، وعُذَيْقُها المرجَّب، أَي أَنا أَعلم النَّاس بها، فالمراد من هذا التصغير التعظيم لا التحقير. والجُذَيْل تصغير الجِذْل، وهو الجِذْع، وأَصل الشجرة. والمحكَّك الَّذي يُحْتَكُّ به، أَراد: أَنا يشتفَى برأَيي كما تَشْتَفي الإِبِل أُولاتُ الجَرَب باحتكاكها بالجِذْع. والعُذَيْق: تصغير العِذْق، وهو الكِباسة والشِّمْراخ
стр. 292
العظيم. والمرجّب: الَّذي يُعْمَد لعظمه. وقالَ لَبيد في هذا المعنى:
وَكُلُّ أُناسٍ سوف تَدخُل بينهمْ ... دُوَيْهِيَةٌ تصفرّ منها الأَناملُ
فصغّر الداهية معظّماً لها لا محقِّراً لشأْنها، والتصغير على ثمانية أَوجه:
أَحدهما تصغير العين لنقصانٍ فيها، كقولك: هذا جُحَيْر، إِذا كان صغيراً، وكذلك هذه دُوَيْرة، إِذا لم تكن كبيرة واسعة.
ويكون التصغير على جهة تحقير المصغّر في عين المخاطَب، وليس به نقص في
ذاته ولا صِغَر، كقول القائل: ذهبتِ الدنانير فما بَقِيَ منها إِلَاّ دنينير واحد، والدينار كامل الوزن، وكذلك هلك القوم فما بَقِيَ إِلَاّ أَهلُ بُيَيْت، والبيت المصغر لا نقص فيه ولا تغيُّر.
ويكون التصغير على معنى التعظيم، وقد مضى شرحه. ويكون التصغير على معنى الذّمّ، كقولهم: يا فُوَيْسِق يا خُبَيِّث.
ويكون التصغير على معنى الرحمة، والإشفاق والعطف، كقولهم للرجل: يا بنيّ، ويا أُخَيَّ، وللمرأَةَ يا أُخيّة،
стр. 293
لا يقصد في هذا قصد التصغير والتحقير، إنما يراد به الرحمة والمحبّة، قال أَبو زُبَيد:
يا بْنَ أُمِّي ويا شُقَيِّقَ نَفْسي ... أَنت خَلَّيْتَني لأمْرٍ شديدِ
ومنه قولهم: يا عُمَيْمَة، أَدخلك الله الجنة.
ويكون تصغير المحلّ على جهة التقريب له، كقولهم: هذا فويق هذا، وهذا دُوَيْن الحائط.
والوجه السابع أَن يصغّر الجمع بتصغير الواحد، فتقول في تصغير الدراهم: دريهمات.
والوجه الثامن أَن يصغّر الجمع، بتصغير أَقلِّه، كقولهم في تصغير الفُلوس والبحور: أُفيلِس وأُبيحِر؛ فيصغرونَهُما بتصغير الأَفلس والأَبحر، لأَنَّهما عَلَمَا القلة في هذا الباب.
١٩٢ - وخَلّ حرف من الأَضْداد؛ يقال: فَصيل خَلّ، إِذا كان سميناً، وبعير خلّ للذي لم يصادف ربيعاً عامَهُ، فهو أَعْجَف.
١٩٣ - والعَيِّن من الأَضداد. يقال: عَيِّن للخلَق، كالقربة الَّتي قد تهيّأَت مواضع منها للتثقُّب من الإخلاق، وطيئ
стр. 294
تقول: عَيِّن للجديد، قال الطِّرِمّاح:
وأَخْلَق منها كُلُّ بالٍ وعَيِّن ... وجفَّ الرَّوايا بالملا المتباطِنِ
١٩٤ - والمقوّر من الأَضداد، فالمقوَرّ في لغة الهلاليين السمين، وفي لغة غيرهم المهزول، قال حُمَيد:
وَقَرَّبْنَ مُقْوَرًّا كأَنَّ وَضينَهُ ... بِنيقٍ إِذا ما رامَه الغُفْرُ أَحجَما
١٩٥ - والساجد: المنحني عند بعض العرب، وهو في لغة طيئ المنتصب، قال الشَّاعِر:
إنَّك لَنْ تلْقَى لهنَّ ذائِدا ... أَنجحَ من وَهْمٍ يَثُلُّ القائدا
لولا الزمامُ اقْتَحَمَ الأَجالدا ... بالغَرْبِ أَو دَقَّ النَّعامَ الساجدا
ورواه أَبو عُبيدة:
لولا الحزام جاوز الأَجالدا
وقالَ: الأَجالد جمع الجَلَد، وهو آخر منقطع المَنْحاة، والمنحاة مختلَف السانية. والنعام الساجد: خشبات منصوبة على البئر في قول أَبي عَمْرو. وقالَ غيره: أَراد بالساجد خشباتٍ منحنيةً لشدة ما تُجْذَب، والإسجاد في غير هذا الموضع
стр. 295
فتور النظر وغَضُّ الطَّرْف؛ يقال: قد أَسجدت المرأَة إِذا غضَّت طرفها، ويقال: قد سجدت عينُها إِذا فتر نظرها، قال كُثيّر:
أَغَرَّكِ مِنَّا أَنَّ دَلَّك عِنْدَنا ... وإسجادَ عينيك الصَّيودَيْنِ رابِحُ
والسجود في غير هذا: الخشوع والخضوع والتذلّل؛ كقوله جلّ اسمه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَنْ في السَّمواتِ ومَنْ في الأَرضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ، فسجود الشمس والقمر على جهة الخشوع والتذلل. ومن هذا قوله: وإنَّ مِنْ شيءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِه، معناه أَن أَثرَ صنعة الله موجودة في الأَشياء كلّها حيوانها ومواتها؛ فما لم تكن له آلة النطق والتسبيح وُصِف بذلك على جهة التشبيه بمن ينطق ويسبّح لدلالته على خالقه وبارئه، قال الشَّاعِر:
ساجدُ المُنخُر ما يرفَعْهُ ... خاشعُ الطَّرفِ أَصمُّ المُستَمَعْ
وقال الآخر:
بجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَراتِهِ ... تَرَى الأُكْمَ مِنْها سُجَّداً للحوافِرِ
وقال الآخر:
قدْ كان ذو القَرْنَيْنِ جَدِّي مُسْلِماً ... مَلِكاً تَدينُ لهُ المُلوك وتَسْجُدُ
стр. 296
وقالَ جرير:
لَمَّا أَتى خَبَرُ الزُّبيْر تَضعضعتْ ... سورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ
فوصفها بالخشوع على ما وصفنا. وقالَ الطِّرِمّاح:
وأَخو الهُمومِ إِذا الهمومُ تَحَضَّرَتْ ... جِنْحَ الظلامِ وِسادُهُ لا يَرْقُدُ
وقالَ الطِّرِمّاح أَيْضاً:
وخَرْقٍ به البومُ رثي الصَّدا ... كما رَثَتِ الفاجِعَ النَّائِحَهْ
فخبّر عن الصَّدَى بالمرثية على جهة التشبيه. وقالَ الطِّرِمّاح أَيْضاً:
ولكِنِّي أَنُصُّ العيسَ يَدْمَى ... أَظَلَاّها وتركَعُ في الحُزونِ
وقالَ عَمْرو بن أَحمر:
خَلَدَ الحَبيبُ وبادَ حاضِرُهُ ... إِلَاّ منازلَ كُلُّها قَفْرُ
وَلَهَتْ عَلَيْها كُلُّ مُعْصِرَةٍ ... هَوْجاَء لَيْس لِلُبِّها زَبْرُ
خَرْقاء تَلْتَهِمُ الجِبالَ وأَجْ ... وازَ الفَلاةِ وبَطْنُها صِفرُ
وقالَ بعده:
وعرَفْتُ من شُرُفاتِ مَسْجِدِها ... حَجَرَيْنِ طالَ عَلَيْهِما الدَّهْرُ
بَكَيا الخَلَاء فقلت إذْ بَكَيا ... ما بَعْدَ مِثْل بُكاكُما صَبْرُ
فوصف بهذه الأَفاعيل من لا يفعلها فعل حقيقة؛ إنما
стр. 297
جوازُها على المجاز والاتساع، وقد قال الله : وَالنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدان، فخبّر عن النجم والشجر بالسجود على معنى الميْل، أَي يستقبلان الشمس ثمَّ يميلان معها حتَّى يَنْكَسِرَ الفيء، والسُّجود في الصَّلاة سُمِّي سجوداً لعلَّتين: إحداهما أَنه خُضوعٌ
وتَذَلُّلٌ لله جلّ وعزّ؛ إذْ كانت العرب تجعل الخاضع ساجداً. والعلة الأُخرى أَنَّهُ سُمِّيَ سجوداً لأَنَّه بالميل يقع، والانحناء والتطاطؤ على ما تقدّم من التفسير، كما سُمِّيَ الركوع في الصلاة ركوعاً لأَنَّه انحناء، قال لَبيد:
أُخَبِّرُ أَخبارَ القُرون الَّتي مضت ... أَدِبُّ كأَنِّي كُلَّما قمتُ راكعُ
وقالَ الأَضبط بن قريع:
وَلا تُعادِ الفقير عَلَّكَ أَنْ ... تَرْكَعَ يوماً والدَّهرُ قد رَفَعَهْ
أَراد: لعلّك أَن تنحنيَ ويقلّ مالك، فشبَّه قلة المال بالانحناء. ويجوز أَن يكون جَعَل الركوع مثلاً لذهاب ماله؛ لأَنَّ فيه ذلاًّ وخضوعاً، على مثل ما تقدم في السجود.
١٩٦ - ومما يفسر من القرآن تفْسيرين متضادّين قول الله : وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ موسى فارِغاً إنْ كادَتْ
стр. 298
لتُبْدي به، فيقول المفسّرون: معنى الآية: وأَصبح فؤاد أُمّ موسى فارغاً من كلّ الهمّ إِلَاّ من الاهتمام بموسى والإشفاق عليه إن كادت لَتبدي باسمه، فتقول: هو ابني.
وقالَ بعض أَهل اللُّغة: معنى الآية: وأَصبح فؤاد أُمّ موسى فارغاً من الحزن لعلمها بأنَّ موسى لم يُقْتَل؛ إذْ كان الله قد أَوحى إليها أَنَّهُ يردّه عليها، ويجعله من المرسلين إن كادت لَتُبْدي به، أَي بذهاب الحزن.
وقالَ العرب: تقول: ذهب دمُ فلان فِرْغاً؛ إِذا ذهب باطلاً، لم يُقْتل قاتله ولم تؤخذ منه دية، قال الشَّاعِر:
فإنْ يَكُ أَذْوادٌ أُصِبْنَ ونِسْوَةٌ ... فَلَنْ تذهبوا فِرْغاً بقتل حِبالِ
أَي لم تذهبوا بدمه باطلاً. وقالَ الأَخفش: معناه وأَصبح فؤادُ أُمّ موسى فارغاً من الوحي إن كادت لَتبدي به، لَتبدي بالوحي.
وقالَ الفَرَّاءُ: حدَّثنا ابن أَبي يحيى بإسناد له، أَن فضالة بن عُبيد قرأَ: وأَصْبَحَ فُؤادُ أُمّ موسَى فَزِعاً قال: وفضالة ابن عُبيد من أَصحاب رَسُول الله صَلّى اللهُ عليه
وسَلّم.
وحدثنا أَحمد بن فرج، قال: حدَّثنا أَبو عمر الدوريّ،
стр. 299
قال: حدَّثنا عبد المنعم بن إدريس، عن أَبيه، عن وهب عن ابن عباس، أَنه قرأَ: وأَصْبَحَ فُؤادُ أُمّ موسى قَرِعاً؛ وقالَ: قَرَعه حزن موسى. فهذا وما قبله يُصَحِّح مذهب الذين يقولون: وأَصبح فؤاد أُمّ موسى فارغاً من كل هَمٍّ إِلَاّ همّ موسى، ويُبْطِل قول من ادّعى فراغ قلبها من الحزن. والله أَعلم.
١٩٧ - ومما يفسر من الشِّعْر تفسيرين متضادّين قول امرئ القَيْس:
وَقَدْ أَغْتَدي وَمَعي القانِصانِ ... وَكُلٌّ بِمَرْباةٍ مُقْتَفِرْ
فَيُدْرِكُنا فَغِمٌ داجِنٌ ... سَميعٌ بَصيرٌ طَلوبُ نَكِرْ
أَلَصُّ الضُّروسِ حَبِيُّ الضُّلوعِ ... تَبوعٌ أَريبٌ نَشيطٌ أَشِرُ
فَأَنْشَبَ أَظْفارَهُ في النَّسا ... فَقُلْتُ هُبِلْتَ أَلا تَنْتَصِرْ
فَكَرَّ إلَيْهِ بِمِبْراتِهِ ... كما خَلَّ ظَهْرَ اللِّسانِ المُجِرّ
فَظَلَّ يُرَنِّحُ في غَيْطَلٍ ... كما يَسْتَدير الحِمارُ النَّعِرْ
قال ابن السِّكِّيت: القانصان الصائدان، والمربأَة: الموضع المرتفع يربأَ فيه، أَي يحرس فيه، ومقتفر: يقتفر آثار الوحش يتبعها.
وقالَ غيره: القانصان: الباز والصقر.
стр. 300
والفَغِم: الكلب الحريص على الصيد؛ يقال: ما أَشد فَغَمه! أَي ما أَشد حِرْصَه! قال الأَعشى:
تَؤُمُّ دِيارَ بَني عامِرٍ ... وأَنْتَ بآلِ عُقَيْلٍ فَغِمْ
أَي مولع. والداجن: الَّذي يأْلف الصيد. والسميع: الَّذي إِذا سمع حِسًّ لم يفته. والبصير: الَّذي إِذا رأَى شيئاً من بعد لم يكذبه بصره. والتَّبوع: الَّذي إِذا تبع الصيد أَدرك ولم يعجز عن لحوقه. والنَكِر: المنكر الحاذق بالاصطياد. ويروى: نُكُر.
ويروى أَيْضاً: كلٌّ بمربأَة مُقْتَفِرْ. وقالَ ابن السِّكِّيت وغيره في قوله:
فأَنشب أَظفاره في النَّسا
فأَنشب الكلب أَظفاره في نسا الثور. فقلت هُبلْتَ، أَي فقلت للثور هُبِلت، أَلا تنتصر من الكلب! قالوا: وهذا تهكّم منه بالثور، أَي سخرية واستهزاء، والأَصل في التهكُّم الوقوع على الشيء؛ يقال: قد تهكَّم البيتُ، إِذا وقع بعضُه على بعض.
فكَرّ إليه بمبراته، أَي بقرنه. كما خلّ ظهر اللّسَان
стр. 301
المُجِرّ، أَي طعنه به. والإجرار: أَن يقطع طرفُ لسانِ الفصيل، أَو يُشَقّ حتَّى لا يقدر على الشرب من خَلْف أُمه؛ وذلك إِذا كَبِر واستغنى عن الشُّرب، واستغنوا أَيْضاً عن لبن أُمّه، لأَنَّه إِذا لم يشرب منه لم تَدُرّ ولم يُقْدَر على لبنها؛ فإجرار فَصيلها يذهب بلبنها، وإجراره أَيْضاً لا يمنعه من الأَكل والشرب إنما يمنعه من مَصّها، فالأَصل في الإجرار هذا، ثمَّ استعمل في حبس اللّسَان وإمساكه عن الكلام، قال عمرو بن معدي كرب:
فَلَو أَنَّ قَوْمي أَنْطَقَتْني رِماحُهُمْ ... نطقتُ ولكنَّ الرماحَ أَجَرَّتِ
أَي لم يكن لهم ما أَفخر به وأَذكره، فكأَنَّ ذلك من فعلهم حَبَس لساني ومنعه من الكلام؛ كما يمنع الإجرار الفصيل من المصّ.
فظلّ يُرَنِّحُ في غَيْطل
قال ابن السِّكِّيت وغيره: معناه فظلَّ الكلب يُرَنِّحُ، ومعنى يرَنّحُ يميد ويتمايل كالسكران. والغيطل: الشجر الملتفّ، ويكون أَيْضاً الجَلبة والصياح. وقوله:
كما يستدير الحمار النَّعِر
стр. 302
النَّعِر: الَّذي يَدْخُل في رأْسه ذباب أَزرق أَو أَخضر فيطمَحُ برأْسه وينزو، فشبَّه الكلب في اضطرابه ونَزْوه بالحمار النّعر، قال ابن مقبل:
ترَى النُّعَراتِ الزُّرْقِ تحْتَ لَبانِه ... أُحادَ وَمَثْنَى أَصْعَقَتْها صَواهِلُهْ
وقالَ أَحمد بن عُبيد: القانصان الفرس وصاحبه. والحجة لأَنَّ الفرس تسمى قانصاً
قولُ عديّ بن زيد:
تَقْنِصُك الخيلُ وتصطادك الطير ... ولا تُنْكَعُ لَهْوَ القَنيصْ
أَي لا تمتع به. قال: وقوله:
فأَنشب أَظفاره في النَّسا
معناه فأَنشب الكلب أَظفاره في نَسا الثور، فقلت لصاحب الفرس وغلامي الممسك الفرس: هُبِلْتَ أَلا تدنو إِلى الثور فتطعَنَه فقد أَمسكه عليك الكلب! قال: ومحال أَن يكون امرؤ القَيْس أَغرى الثور بقتل كلبه، لأَنَّ امرأَ القَيْس يفخر بالصيد، ويصف في أَكثر سَفَره أَنه مرزوق منه، مظفَّر به، غير خائب فيما يحاول منه، فكيف يحِبُّ قَتْل كَلْبه، ويُغْري الثور به، وقتل كلبه يفسد عليه صيدَه!
стр. 303
قال: وتأْويل: أَلا تنتصر أَلا تدنو من الثور! فإِنَّ قال قائل: أَيكون تنتصر بمَعْنَى تدنو؟ قلنا له: هذا صحيح في كلام العرب، وقالَ الرّاعي:
وأَفْرَعْنَ في وادي جَلاميدَ بَعْدَما ... علا البيدَ ساقي القَيْظة المتناصرُ
أَراد بالمتناصر المتداني. وقالَ مضرّس:
فإنك لا تُعطي امرأً حظَّ غيرِه ... ولا تملك الشِّقَّ الَّذي الغيثُ ناصِرُهْ
أَراد دان منه، وقالَ عديّ بن زيد:
قَعَدْتَ كَذي تحُجّ ترجو نُصورَهُ ... تَبين فلا تقعدْ كذي الخَلَق البالي
يخاطب ابن أَخيه في تفريطه وتركه الاحتيال له، ليخرج من السجن، فتأْويل تَحُجّ، تقدر الأَماني. ترجو نُصورَه، معناه ترجو مداناة ما تتمناه. تَبَيّن فلا تَقْعد. كذي الخَلَق البالي، معناه لا تقعد كصاحب الثوب الخَلق الَّذي إِذا رقّع جانباً فَسَد عليه جانب.
قال: ومحال أَن يكون امرؤ القَيْس يفخر بأَنّ كلبَه يُقْتَل، لأَنَّه متى فعَل ذلك بكلبه خاب فلم يصطد، وهو يفخر في غير موضع من شعره بأنه مرزوق من الصيد،
ولا يخيّب، الدليل على هذا قوله:
стр. 304
إِذا ما خَرَجْنا قالَ وُلْدانُ أَهْلِنا ... تَعالَوْا إِلى ما يأتنا الصَّيْدُ نَحْطِبُ
أَي يثقون بأَنا لا نخيب. وقالَ أَيْضاً:
مُطْعَمٌ للصَّيْدِ لَيْسَ لَهُ ... غَيْرَهُ كَسْبٌ على كِبَرِهْ
فمدح هذا الرامي بأَنه مرزوق من الصيد، منه معاشه وكسبه فمن كان دهرَه الفخر بالظَّفَر بالصيد لا ينجح بأَن كلبه الَّذي يصطاد به يُقْتَل، ومعنى قوله:
أَلصُّ الضُّروسِ حَبِيُّ الضُّلوعِ
بعض أَضراسه ملتصق ببعض؛ وهذا من صفة الكلب. وحبيّ الضلوع: عالي الضلوع، ويروى: حنيّ الضلوع أَي داخل الضلوع. ويروى: خفيّ الضلوع، أَي ضلوعه خفية داخلة في جنبه. وقوله:
فَظَلَّ يُرَنِّحُ في غَيْطَلٍ
معناه: فَظلّ الثور يرنِّح في غَيْطَل؛ أَي لما طعنه صاحب الفرس ترنَّح في جَلَبة وضجة، أَي طمح برأْسه ودار، قال علقمة بن عَبَدة:
стр. 305
وظلَّ لِنيرانِ الصَّريمِ غَمائمٌ ... يُداعِسُهنَّ بالنَّصِيِّ المغلَّبِ
وأَراد بقوله: هبلت أَلا تنتصر هبلت يا صاحب الفرس؛ أَلا تدنو من الصيد فتطعنَه إِذا أَمسكه الكلب عليك؛ يدلّ على هذا التفسير قول أَبي دواد:
طَويلٌ طامحُ الطَّرْفِ ... إِلى مَفْزَعَةِ الكَلْبِ
أَي عينه إِلى الكلب، ينظر متى يمسِك الصيد فيَكُرّ على الَّذي أَمسكه فيطعنُه ليستريح الكلب من إمساكه إياه.
١٩٨ - والشَّنَق من حروف الأَضداد؛ يقال للأَرْش: شَنَق في الجراح والشجاج؛ نحو أَرْش الآمّة من الشِّجاج، والمنقَّلة والدامغة، والملطاة، والطعنة الجائفة؛ وغيرها مما يُحْكَمُ فيه بالأَرْش. والشَّنَق ما يكون لَغْواً مما يزيد على الفريضة والدية، كتب
النَّبِيّ ﵇ للأَقيال العباهلة: لا خِلاط ولا وِراط ولا شِناق، أَراد بالشِّناق ما يزيد على الفرائض، أَي لا يطالبون بشيء من هذه الزيادة، وذلك أَنَّ الغنم يُؤخذ منها إِذا كانت أَربعين شاة، فإذا زادت زيادة على الأَربعين لم يؤخذ منها شيء؛ حتَّى تبلغ
стр. 306
العشرين والمائة؛ فالزيادة يقال لها: شَنَق، وهي لَغْو. ودلّ النَّبِيّ ﵇ على أنهم لا يطالَبون في هذه الزيادة بصدَقة، وكذلك الإِبِل إِذا كانت خمساً تؤخذ منها الصدقة، ثمَّ لا يؤخذ من الزائد عليها شيء حتَّى تنتهيَ إِلى الفريضة الأُخرى. وأَشناق الديات بمنزلة أَشناق الفرائض، قال الأَخطل:
قَرْمٌ تُعَلَّقُ أَشْناقَ الديات بِهِ ... إِذا المئون أَمِرَّتْ فوقه حَمَلا
والخِلاط: أَن يخلِط الرَّجُل إبله أَو غنمه بمال آخر ليبخس المصدّق بعضَ الواجب له، والوِراط: أَن يجعل صاحبُ المال ماله في وَرطة من الأَرض، وهي الهوّة والبئر الَّتي يَعْمَى على المصدّق موضعها، فيبخس المصدّق حقَّه.
قال أَبو العبَّاس: هذا من قولهم: قد وقع القوم في ورطة، إِذا وقعوا في بلاءٍ وشرّ، يشبّه الوقوع في هذه البئر الَّتي يَعْنَتُ مَنْ وقع فيها ووصل إليها، قال الشَّاعِر:
إنْ تأتِ يوماً مثلَ هذي الخُطَّهْ ... تُلاقِ من ضَربِ نميرٍ وَرْطَهْ
أَي بلاءً وشرًّا. وقالَ أَبو عُبيد: أَشناق الديات كأَشناق الفرائض،
стр. 307
واحتجّ بالبيت الَّذي أَنشدناه للأخطل. وردّ ابن قتيبة على أَبي عُبيد اختيارَه وما ذهب إليه في أَشناق الدِّيات، وقالَ: لَيْسَتْ أَشناق الديات كأَشناق الفرائض؛ لأَنَّ الدّياتِ لَيْسَ فيها شيء يزيد على عدٍّ من عددها أَو جنس من أَجناسها، فيلغى، قال: وإنما أَشناق الديات أَجناسُها، نحو بنات المخاض وبنات اللَّبون والحِقاق والجِذاع؛ يُسَمَّى كلُّ جنس منها شَنَقاً، لأَنَّه يُشنق، أَي يشدّ، فسمِّي باسم الَّذي يشدّ به، كما سموا الإِبِل قَرْناً، وأَصله الحبل الَّذي يضمُّها ويجمعها، فاحتجّ بقوله جرير:
وَلَوْ عِنْدَ غَسَّانَ السَّليطيِّ عَرَّسَتْ ... رَغا قَرَنٌ منها وكاسَ عَقيرُ
قال: والدليل على أَن الشَّنَق هو الجنس قول الكُمَيْتُ:
كأَنَّ الدِّياتِ إِذا عُلّقتْ ... مِئوها به الشَّنَقُ الأَسْفَلُ
مئوها: جمع مائة، أَي كأَنَّ الديات إِذا عُلِّقت بهذا السَّيّد الكريم الجنس الأَدْون الأَخسّ، أَي تهون عليه الدِّيات، فتكون عنده بمنزلة الشَّنَق الأَسفل، وهو الجنس الأَخسّ من بنات المخاض خاصّة.
стр. 308
وقالَ أَبو بكر: والصَّوَابُ عندنا قولُ أَبي عُبيد؛ والَّذي اختاره ابن قتيبة وذهب إليه خطأ، بدليلٍ من بيت الأَخطل وآخر من بيت الكُمَيْتُ. إذْ كان الأَخطل قال: تعلّق أَشناق الديات به، فأَضاف الأَشناق إِلى الديات؛ لأَنَّها زيادات عليها.
قال أَبو عَمْرو: وكانَ الملك السيد الكريم إِذا أَعطى الديَة زاد عليها ثلاثاً أَو خمساً؛ ليدلّ بالزيادة على سهولة الأَمر عليه، وأنّ الَّذي فعل لم يكرُثْه ولم يؤثِّرْ في ماله، فقال الأَخطل: تعلّق الزيادات على الدِّيات بهذا الممدوح؛ إذْ كان ملِكاً سيداً لا يعطي دية إِلَاّ بزيادة عليها. ولو أَراد بالأَشناق الأَجناس على دعوى ابن قتيبة لقال: تعلّق الدِّيات به، ولم يحتج إِلى ذكر الأَشناق، لأَنَّ الديات لا تخلو من الأَجناس؛ فإنما تصحّ المبالغة في المدح بتفسير أَبي عُبيد، ومن وافقه.
وقول الكميت: الشَّنَق الأَسفل لم يرد به الجنس؛ على ما ذكر ابن قتيبة؛ لكنّه ذهب فيه إِلى معنى الأَرْش، وأَراد: كأَنَّ الديات إِذا عُلِّقت بهذا السيد تجري عنده مجرى الأَرْش الَّذي لا يبلغ حال الدية لسخائه وبذله.
стр. 309
قال أَبو عَمْرو وابن الأَعرابي والأَثرم: الشَّنَق: أَرش الآمّة أَو الجائفة أَو غيرهما مما ينقُص عن الدية، فموضع المدح من بيت الكُمَيْتُ أَن الدّيات عند هذا الرَّجُل كبعض دية في مسارعته إِلى أَدائها واحتقاره لها.
١٩٩ - والتسبيد حرف من الأَضْداد؛ يقال: سَبَّد الرَّجُل شَعْرَه، إِذا حلقه واستأْصله، وقد سبّد شَعْرَه، إِذا طَوَّله وكَثَّرَه. حكاهما قُطْرب. ويقال أَيْضاً: قد سَبَدَ شعرَه وسَبَتَه،
بالتاء والدال مع التخفيف؛ إِذا حلَقه؛ وإنما سُمِّيَ يوم السبت يومَ السبت لقطع الأَعمال فيه؛ فهذا موافق لحلْق الشِّعْر؛ لأَنَّ ذلك قَطْعٌ له.
وجاء في الحديث ذكر رَسُول الله ﷺ الخوارج فقيل: يا رَسُول الله، أَلهم آيةٌ يُعرفون بها؟ قال: نعم، التسبيد فيهم فاشٍ، فيقال: التَّسبيد ترك التدهّن وغسلُ الرأْس، ويقال: التسبيد حَلْق الشِّعْر من الرأْس. ويحكى عن ابن عباس ﵀ أَنَّهُ دخل مكة مُسَبِّداً شعره، أَي حالقاً شعره.
стр. 310
٢٠٠ - ومن الأَضداد أَيْضاً قولهم: أَقْسَمْت أَن تذهب معنا ، يحتمل معنيين: أَحدُهما أَقسمت أَلَاّ تذهب معنا، والآخر أَن تذهب معنا.
٢٠١ - وكذلك نشدتك الله أَن تذهب معنا، يحتمل المعنيين جميعاً.
٢٠٢ - وكذلك أَحلف أَن تذهب.
قال الفَرَّاءُ: من أَجاز مع هذه الأَفاعيل الوجهين جميعاً لم يُجِز مع الظنّ والعلم وما أَشبههما إِلَاّ وَجْهاً واحداً؛ فمن قال: ظننتُ أَن تذهب معنا لم يحمله على معنى الجحْد، لأَنَّه لا دليلَ عليه هاهنا، وصَلَح تقدير الجَحْد مع الأفاعيل الأوَل لأَنَّها جواب.
وفيها معنى تحريج، والتحريج يدلّ على معنى الجَحْد المنويّ، فمتى قال القائل: نشدتك الله أَن تقوم، وأَقسمت عليك أَن تقوم! فتأْويلهما: أُحَرِّج عليك أَلا تفعل؛ فلهذه العلة من تأْويل الجواب والتحريج ما فُهِم معنى الجَحْد، وهو غير ظاهر ولا منطوق به.
قال أَبو بكر: وربّما حذفوا لا وأَنْ جميعاً؛ وهم ينوونهما، قال الشَّاعِر:
стр. 311
وأَقسمتَ تأتي خُطَّة النَّصْف بيننا ... بلَى سوف تأتيها وأَنفُكَ راغمُ
أَراد: وأَقسمتَ أَلَاّ تأتيَ، وقد يحذفون أَن ويبقون لا كقول الآخر:
احفظْ لِسانَكَ ولا تَقولُ فَتُبْتَلى ... إنَّ البلاء مُوَكَّلٌ بالمَنطِقِ
ويُنشد في هذا أَيْضاً حجةً للمذهب الأَول لأبي النَّجم:
أُوصيكَ أَن تحْمَدَكَ الأَقارِبُ ... ويَرْجِعَ المسكينُ وهو خائبُ
أَراد وأَلَاّ يرجع المسكين، فحذف الحرفين جميعاً. وقالَ الله : وأَلْقَى في الأَرضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَميدَ بِكُمْ، فمعناه: لئلَاّ تميدَ بكم، فاكتفى بأَن من لا. وقالَ أَيْضاً: يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا، فمعناه: أَلَاّ تضلوا، فاكتفى بأَن من لا، وقالَ عَمْرو بن كلثوم:
نَزَلْتُمْ مَنْزِلَ الأَضْيافِ مِنَّا ... فَعَجَّلْنا القِرَى أَن تَشْتِمونا
أَراد أَلَاّ تشتِمونا، فاكتفى بأَن من لا. وقالَ الرّاعي:
أَيام قَوْمي والجماعَة كالذي ... لَزمَ الرِّحالَةَ أَنْ تميل مَميلا
أَراد لئلا تميل؛ فاكتفى بأَن من لا.
стр. 312
وقالَ بعض النَّاس: قول الله : إنّي أُريدُ أَنْ تَبوءَ بإثْمي وإثْمِكَ، فمعناه: إنِّي أُريد أَلَاّ تبوء بإثمي، فحذف لا على ما مضى من التفسير.
قال أَبو بكر: وهذا القول خطأٌ عند الفَرَّاءُ، لأَنَّ لا لا تضمر مع الإِرادة، كما لا تضمر مع العلم والظّنّ. وفي المسأَلة غير قول:
أَحدهنّ: إنِّي أُريد أَن تبوءَ فإثمي إِذا قتلتني، وما أُحبُّ أَن تقتلني، فمتى قتلتَني أَحببت أَن تنصرف بإثم قتلي وإثمك السالف الَّذي من أَجله لم يتقبل الله قربانَك.
وقالَ بعضهم: كان قابيل صاحب زرع، وهابيل صاحب غَنَم، وكانَ الله أَمَر آدم ﵇ أَن يزوِّج هابيلَ أُخت قابيل الَّتي وُلِدَت معه في بطن، وأَن يُزَوِّجَ قابيل أُخت هابيل الَّتي وُلِدت معه في بطن، فقال هابيل: رضيتُ بأَمر الله، وقالَ قابيل: والله لا يتزوج هابيل أُختي الحسناءَ وأَتزوج أُخته القبيحة أَبداً، فقال آدم لهما: قَرِّبا قرباناً فأَيّكما قُبِل قربانه تزوج الحسناءَ، فقرّب هابيل شاة سمينة وزُبْداً، وقرّب قابيل سنبلاً من شرّ
стр. 313
سنبله، وصعِدا بالقُرّبانين إِلى الجبل، فنزلت
نارٌ فأَخذت قربان هابيل، ولم تعرِض لقربان قابيل، وكانت علامةُ قبول القربان
نزولَ النار عليه، وأَخذِها إياه، فانصرف هابيل وقابيل، وقد أَضمر هابيل في نفسه الطاعةَ والرضا، وأَضمر قابيل في نفسه البلاءَ والخلاف، فقصد هابيلَ في غَنمه فقال: لِمَ تُقُبِّل قربانك ولم يُتقبَّلْ قُرباني؟ فقال له هابيل بعد أَن توعّده قابيل بالقتل: إنَّما يَتَقَبَّلُ الله منَ المُتَّقينَ، لَئِنْ بَسَطْتَ إليَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَني ما أَنا بِباسِطٍ يَدِيَ لأَقْتُلَكَ إنِّي أَخافُ الله رَبِّ العالَمين. فرماه قابيل بالحجارة حتى قتله، ثمَّ جَزِعَ بعد قتله إياه، وظهور عورته. ولم يَدْرِ ما يصنع به، فنظر إِلى غرابين: أَحدهما حيّ، والآخر ميت، والحيّ يَحْثي على الميت التراب، حتَّى واراه به، فقال قابيل: يا وَيْلَتَي أَعَجَزْتُ أَنْ أَكونَ مِثْلَ هذا الغُرابِ فَأُواريَ سَوْأَةَ أَخي، فحمل هابيلَ ميْتاً فأَلقاه في غَيْضة.
وقالَ آخرون: بل حَثَى التراب عليه على سبيل ما رأَى من فعل أَحَد الغرابين بصاحبه.
стр. 314
وقالَ أَصحابُ القول المقدّم: فدلّتِ الآية والتفسير على أَنَّ قابيل لما قال لهابيل: لأَقْتُلَنَّكَ قال له هابيل بعد الموعظة: ما أُحِبُّ أَنْ أَقتلك ولا أُحبُّ أَن تقتلني؛ فإِنَّ أَبيتَ إِلَاّ قتلي كان انصرافُك بإثم قتلي أَعجبَ إليَّ من انصرافي بإثم قتلك، إِذا لم يكن من أَحد الفعلين بدّ.
وقالَ آخرون: معنى الآية: إنِّي أُريد بُطْلان أَن تبوءَ بإثمي وإثمك، فحذف البطلان أَو الزوال أَو الدفع أَو ما أَشبههنّ وأَقام أَن مقام الساقط كما، قال: واسْأَلِ القَرْيَةَ.
قال أَبو بكر: وفي هذا القول عندي بُعْد؛ لأَنَّ المحذوفَ لَيْسَ بمشهور ولا بَيِّن الموضع، فالقول الأول هو المختار عندنا لما مضى من الاحتجاج له وإقامة الدليل عليه. والله أَعلم.
٢٠٣ - وطلعت حرف من الأَضْداد؛ يقال: طلعتُ على القومِ طلوعاً إِذا أَقبلتُ عليهم حتَّى
يَرَوْني، وطلعت عليهم طلوعاً إِذا انصرفتُ عنهم حتَّى لا يروني.
٢٠٤ - واجلعبّ حرف من الأَضْداد؛ يقال: قد اجلَعَبَّ الرَّجُل إِذا اضطجع ساقطاً، وقد اجلعبَّتِ الإِبِل إِذا مَضَتْ.
стр. 315
٢٠٥ - ومن الأَضداد أَيْضاً قولهم: فَرَّع الرَّجُل ؛ يقال: فرّع الرَّجُل إِذا أَصعد، وفرّع إِذا انحدر قال معن بن أَوس:
فساروا فأَمّا جُلّ حَيٍّ فَفَرَّعوا ... جميعاً وأَما حَيُّ دَعْدٍ فَصَّعدا
ويروى: فأَفرعوا، ويقال: قد أَفرع الرَّجُل في الجبل، إِذا أَصعد فيه، وأَفرع إِذا انحدر منه، قال الشّماخ:
فإنْ كَرِهْتَ هِجائي فاجْتَنِبْ سَخَطي ... لا يُدْرِكَنَّكَ إفراعي وتَصْعيدي
وقالَ رجل من العَبَلات من بَنِي أُمية:
إنِّي امرؤ من يَمانٍ حين تَنْسُبُني ... وفي أُمَيَّةَ إفْراعي وتَصْويبي
ويقال: قد أَصعد الرَّجُل في الجبل وفي الأَرض، وقد صَعِد إِلى الموضع العالي الَّذي لَيْسَ بجبل، قال الأَعشى:
أَلا أَيُّهذا السَّائِلي أَينَ أَصْعَدَتْ ... فإِنَّ لَها في أَهلِ يَثْرِبَ مَوْعِدا
وقال الله : إذْ تُصْعِدونَ ولا تَلْوون على أَحد، فهذا من الإصعاد في الأَرض. وقرأَ بعض القراء: إذْ تَصْعَدون، فشبه الصّعود في الأَرض بالصعود في غيرها،
стр. 316
وضمّ التاء أَجود وأَعْرب.
٢٠٦ - ومن الأَضداد أَيْضاً قول العرب: زيد أَعقل الرجلين ، إِذا كانا عاقلين؛ إِلَاّ أَنَّ أَحدهما أَكثر عقلاً من الآخر، وزيد أَعقل الرجلين إِذا كان أَحدهما عاقلاً والآخر أَحمق، فأَما المعنى الأَول فلا يُحتاج فيه إِلى شاهد لشهرته عند عوامّ النَّاس وخواصّهم، وأَمّا المعنى الآخر فشاهده قول الله : أَصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذِ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأَحْسَنُ مَقيلاً.
قال الفَرَّاءُ: قال بعضُ المشيخة: يُرْوَى أَنَّهُ يُفْرَغُ من حساب النَّاس في النِّصف من ذلك اليوم، ثمَّ يَقيلُ أَهلُ الجَنّة وأَهل النار في النار.
قال الفَرَّاءُ: وأَصحاب الكلام إِذا اجتمع لهم عاقل وأَحمق لم يقولوا: هذا أَعقلُ الرَّجلين؛ إِلَاّ أن يكون الرجلان عاقليْن؛ أَحدهما أَزيد عقلاً من الآخر، قال: فقول الله : أَصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئذِ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا، يدلّك
стр. 317
على خطئهم؛ لأَنَّ أَهلَ النار لَيْسَ في مستقرهم من الخير شيء.
وقالَ غيرُ الفَرَّاءُ: معنى الآية التشبيه والتمثيل، وذلك أَنَّ الكفار كانوا يناظرون المسلمين، فيقول بعضهم: حَظُّنا من الآخرة مثلُ حَظِّكم؛ ونحن نصير منها إِلى مثل ما يصير إليه صلحاؤكم من الكرامة والزُّلفى والغِبْطة، الدليل على هذا قوله عزّ ذكره: أَفَرَأَيْتَ الَّذي كَفَرَ بآياتِنا إِلى قوله ويَأْتينا فَرْداً، فنزول هذه الآيات في خبّاب والعاص بن وائل، قال خبّاب: كنت قَيْناً في الجاهلية، فاجتمعت لي على العاص بن وائل دراهم، فأَتيته أَتقاضاه، فقال: لا أَقضيك حتَّى تكفرَ بمحمد ﵇، فقلت: لا أَكفرُ به، حتَّى تموت ثمَّ تبعث، قال: وإني لمبعوث؟ قلت: نعم، قال: فسيكون لي ثَمَّ منزل ومال، فأَقضيك دراهمك، فأَنزل الله هذا فيه، وقالَ: أَصحابُ الجَنَّةِ يَوْمئذ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا أَي قد ادعوا - أَعني الكفار - أَنَّ لهم في الجنة مقيلاً ومستقراً، فمستقرُّ المؤمنين خيرٌ من مستقرّهم في حقيقة الأَمر على دعواهم وظنّهم، لا أَنَّ الله ثبّت أَنَّ للكفار في الجنة مستقرًّا.
стр. 318
وفي المسأَلة جواب ثالث؛ وهو أَصحاب الجنة: لو كان لأصحاب النار وأَصحابها مستقرّ فيه خير، لكان مستقرّ أَصحاب الجنة خيراً منه لاتِّصال نعيمهم؛ ولانقطاع الراحة الَّتي يجدُها أَهلُ النار في النار إن كانت؛ وهي مما لا يكون، فجرى مجرى قول العرب: ما لفلان عيب إِلَاّ السخاءُ، أَي مَنْ السخاءُ عيبُه فلا عيبَ له.
وقد خرّج بعضُهم قول الله : لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَاّ من ضَريعٍ، من هذا
المعنى فقال: التأْويل: من الضَريعُ طعامه فلا طعام له. ومنه قول العرب: ما لفلان راحة إِلَاّ السَّير والعمل؛ أَي مَنْ هذان راحته فهو غير مستريح.
٢٠٧ - والإِشرارة حرف من الأَضْداد؛ يقال: إشرارة للخَصَفة الَّتي يشرّر عليها الملح والأَقِط، ويقال: إشرارة لما يشرّر على الخَصَفة من الملح والأَقِط. والخَصفة: الجُلّة الَّتي تصنع للتمر، وجمعها خِصاف من ذلك الحديث الَّذي
стр. 319
يُروى أَنَّ رجلاً مرّ على بئر، على رأْسها خَصَفة فوقع فيها، فضحك النَّاس في الصّلاة، فأَمرهم النَّبِيّ ﷺ بإعادة الوضوءِ والصلاة، قال الشَّاعِر يهجو قبيلة:
تَبيعُ بَنيها بالخِصاف وبالتَّمْرِ
٢٠٨ - ومن حروف الأَضداد أَيْضاً قولهم: إرَة للحفرة الَّتي تشعل فيها النار للخبز، ويقال: إرة للنار بعينها. وقالَ النَّضْر بن شُميل: يقال للنار إرة وللحفرة إرة.
٢٠٩ - ومنها أَيْضاً قولهم: نار غاضية ؛ إِذا كانت عظيمة، وليلة غاضية، شديدة الظلمة.
٢١٠ - ومنها أَيْضاً العَريض ؛ قال قُطْرب: بنو تميم يجعلون العريض الجَذَعَ من ولد الشاء إِلى أن يُثْنَى، وغيرهم يقولون: هو الصغير.
وقالَ غيره: يقال لولد الشاء ساعة تضعُه؛ من ولد الضأْن كان أَو من ولد المعز: سَخْلة، ثمَّ بَهْمة؛ وجَمْع السَّخلة سِخال، وجمع البَهْمة بِهام؛ فإذا بلغ أَربعة أَشهر وقَوِيَ وفُصِل من أُمه قيل له: جَفْر، إِذا كان من ولد المعز
стр. 320
وللأُنثى جَفْرة. ويقال: له أَيْضاً: عَتود وعَريض، ويقال لمثله من أَولاد الضأْن: حَمَل، وللأُنثى رَخِل، ويقال: له أَيْضاً: خروف وبَذَج، جاءَ في الحديث: يُؤتى بابن آدم يوم القيامة كَأَنَّهُ بَذَج من الذُّلّ، قال الشَّاعِر:
قدْ هَلَكَتْ جارَتُنا من الهَمَجْ ... وإنْ تَجُعْ تأكُلْ عَتوداً أَو بَذَجْ
ويقال لولد المعز إِلى أَن يبلغ السّنة: جدي للمذكّر وعَناق للأُنثى، ثمَّ يقال له إِذا بلغ السّنة: تَيْس، وللأُنثى عنز، فإذا دخل في الثانية قيل له: جَذَع؛ من الضأْن كان أَو
من المعز، فإذا دَخَل في الثالثة قيل له: ثَنِيّ، فإذا دخل في الرابعة قيل له: رَباع، فإذا دخل في الخامسة، قيل له: سَدَس وسَديس؛ فإذا دخل في السادسة قيل له: صالغ وسالغ.
٢١١ - ومن حروف الأَضداد الثّنِيّ . يقال: ناقة ثَنيّ، إِذا وضعت بَطْنَيْن، ويقال للذي في بطنها ثَنِيّ.
٢١٢ - ومنها أَيْضاً اعتذر الرجل ، إِذا أَتى بعُذر، واعتذر إِذا لم يأْتِ بِعُذْر، قال الله : ولا تَعْتذِروا، فدلّ بهذا على أَنّهم اعتذروا بغير عُذْرٍ صحيح. وقالَ لَبيد
следующие страницы →