← Гариб и словари

Гариб и словари · id 17077

الأضداد لابن الأنباري

ابن الأنباري

Полный текст (428 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وضمّ التاء أَجود وأَعْرب. ٢٠٦ - ومن الأَضداد أَيْضاً قول العرب: زيد أَعقل الرجلين ، إِذا كانا عاقلين؛ إِلَاّ أَنَّ أَحدهما أَكثر عقلاً من الآخر، وزيد أَعقل الرجلين إِذا كان أَحدهما عاقلاً والآخر أَحمق، فأَما المعنى الأَول فلا يُحتاج فيه إِلى شاهد لشهرته عند عوامّ النَّاس وخواصّهم، وأَمّا المعنى الآخر فشاهده قول الله : أَصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذِ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأَحْسَنُ مَقيلاً. قال الفَرَّاءُ: قال بعضُ المشيخة: يُرْوَى أَنَّهُ يُفْرَغُ من حساب النَّاس في النِّصف من ذلك اليوم، ثمَّ يَقيلُ أَهلُ الجَنّة وأَهل النار في النار. قال الفَرَّاءُ: وأَصحاب الكلام إِذا اجتمع لهم عاقل وأَحمق لم يقولوا: هذا أَعقلُ الرَّجلين؛ إِلَاّ أن يكون الرجلان عاقليْن؛ أَحدهما أَزيد عقلاً من الآخر، قال: فقول الله : أَصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئذِ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا، يدلّك

стр. 317

على خطئهم؛ لأَنَّ أَهلَ النار لَيْسَ في مستقرهم من الخير شيء. وقالَ غيرُ الفَرَّاءُ: معنى الآية التشبيه والتمثيل، وذلك أَنَّ الكفار كانوا يناظرون المسلمين، فيقول بعضهم: حَظُّنا من الآخرة مثلُ حَظِّكم؛ ونحن نصير منها إِلى مثل ما يصير إليه صلحاؤكم من الكرامة والزُّلفى والغِبْطة، الدليل على هذا قوله عزّ ذكره: أَفَرَأَيْتَ الَّذي كَفَرَ بآياتِنا إِلى قوله ويَأْتينا فَرْداً، فنزول هذه الآيات في خبّاب والعاص بن وائل، قال خبّاب: كنت قَيْناً في الجاهلية، فاجتمعت لي على العاص بن وائل دراهم، فأَتيته أَتقاضاه، فقال: لا أَقضيك حتَّى تكفرَ بمحمد ﵇، فقلت: لا أَكفرُ به، حتَّى تموت ثمَّ تبعث، قال: وإني لمبعوث؟ قلت: نعم، قال: فسيكون لي ثَمَّ منزل ومال، فأَقضيك دراهمك، فأَنزل الله هذا فيه، وقالَ: أَصحابُ الجَنَّةِ يَوْمئذ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا أَي قد ادعوا - أَعني الكفار - أَنَّ لهم في الجنة مقيلاً ومستقراً، فمستقرُّ المؤمنين خيرٌ من مستقرّهم في حقيقة الأَمر على دعواهم وظنّهم، لا أَنَّ الله ثبّت أَنَّ للكفار في الجنة مستقرًّا.

стр. 318

وفي المسأَلة جواب ثالث؛ وهو أَصحاب الجنة: لو كان لأصحاب النار وأَصحابها مستقرّ فيه خير، لكان مستقرّ أَصحاب الجنة خيراً منه لاتِّصال نعيمهم؛ ولانقطاع الراحة الَّتي يجدُها أَهلُ النار في النار إن كانت؛ وهي مما لا يكون، فجرى مجرى قول العرب: ما لفلان عيب إِلَاّ السخاءُ، أَي مَنْ السخاءُ عيبُه فلا عيبَ له. وقد خرّج بعضُهم قول الله : لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَاّ من ضَريعٍ، من هذا المعنى فقال: التأْويل: من الضَريعُ طعامه فلا طعام له. ومنه قول العرب: ما لفلان راحة إِلَاّ السَّير والعمل؛ أَي مَنْ هذان راحته فهو غير مستريح. ٢٠٧ - والإِشرارة حرف من الأَضْداد؛ يقال: إشرارة للخَصَفة الَّتي يشرّر عليها الملح والأَقِط، ويقال: إشرارة لما يشرّر على الخَصَفة من الملح والأَقِط. والخَصفة: الجُلّة الَّتي تصنع للتمر، وجمعها خِصاف من ذلك الحديث الَّذي

стр. 319

يُروى أَنَّ رجلاً مرّ على بئر، على رأْسها خَصَفة فوقع فيها، فضحك النَّاس في الصّلاة، فأَمرهم النَّبِيّ ﷺ بإعادة الوضوءِ والصلاة، قال الشَّاعِر يهجو قبيلة: تَبيعُ بَنيها بالخِصاف وبالتَّمْرِ ٢٠٨ - ومن حروف الأَضداد أَيْضاً قولهم: إرَة للحفرة الَّتي تشعل فيها النار للخبز، ويقال: إرة للنار بعينها. وقالَ النَّضْر بن شُميل: يقال للنار إرة وللحفرة إرة. ٢٠٩ - ومنها أَيْضاً قولهم: نار غاضية ؛ إِذا كانت عظيمة، وليلة غاضية، شديدة الظلمة. ٢١٠ - ومنها أَيْضاً العَريض ؛ قال قُطْرب: بنو تميم يجعلون العريض الجَذَعَ من ولد الشاء إِلى أن يُثْنَى، وغيرهم يقولون: هو الصغير. وقالَ غيره: يقال لولد الشاء ساعة تضعُه؛ من ولد الضأْن كان أَو من ولد المعز: سَخْلة، ثمَّ بَهْمة؛ وجَمْع السَّخلة سِخال، وجمع البَهْمة بِهام؛ فإذا بلغ أَربعة أَشهر وقَوِيَ وفُصِل من أُمه قيل له: جَفْر، إِذا كان من ولد المعز

стр. 320

وللأُنثى جَفْرة. ويقال: له أَيْضاً: عَتود وعَريض، ويقال لمثله من أَولاد الضأْن: حَمَل، وللأُنثى رَخِل، ويقال: له أَيْضاً: خروف وبَذَج، جاءَ في الحديث: يُؤتى بابن آدم يوم القيامة كَأَنَّهُ بَذَج من الذُّلّ، قال الشَّاعِر: قدْ هَلَكَتْ جارَتُنا من الهَمَجْ ... وإنْ تَجُعْ تأكُلْ عَتوداً أَو بَذَجْ ويقال لولد المعز إِلى أَن يبلغ السّنة: جدي للمذكّر وعَناق للأُنثى، ثمَّ يقال له إِذا بلغ السّنة: تَيْس، وللأُنثى عنز، فإذا دخل في الثانية قيل له: جَذَع؛ من الضأْن كان أَو من المعز، فإذا دَخَل في الثالثة قيل له: ثَنِيّ، فإذا دخل في الرابعة قيل له: رَباع، فإذا دخل في الخامسة، قيل له: سَدَس وسَديس؛ فإذا دخل في السادسة قيل له: صالغ وسالغ. ٢١١ - ومن حروف الأَضداد الثّنِيّ . يقال: ناقة ثَنيّ، إِذا وضعت بَطْنَيْن، ويقال للذي في بطنها ثَنِيّ. ٢١٢ - ومنها أَيْضاً اعتذر الرجل ، إِذا أَتى بعُذر، واعتذر إِذا لم يأْتِ بِعُذْر، قال الله : ولا تَعْتذِروا، فدلّ بهذا على أَنّهم اعتذروا بغير عُذْرٍ صحيح. وقالَ لَبيد

стр. 321

في المعنى الآخر: فَقوما فَقولا بالَّذي قَدْ عَلِمْتُما ... ولا تَخْمِشا وَجْهاً ولا تحْلِقا شَعَرْ إِلى الحَوْلِ ثمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ... ومَنْ يَبْكِ حَوْلاً كامِلاً فَقَدِ اعْتَذَرْ أَي فقد أَتى بعذر صحيح، ويقال: قد عَذَّر الرَّجُل في الحاجة إِذا قصّر فيها، وقد أَعذر إِذا بالغ ولم يقصِّر؛ من ذلك قولهم: قد أَعْذَر مَنْ أَنذر، أَي قد جاءَ بمحْض العذر من أَنذرك المخوفَ. وقالَ الفَرَّاءُ: حدثني حيّان، عن الكلبيّ، عن أَبي صالح، عن ابن عباس. وأَبو حفص الخزاز، عن جويبِر، عن الضحّاك، عن ابن عباس، أَنه كان يقرأَ: وجاء المُعْذِرونَ من الأَعراب، ويَقُولُ: لعن الله المعذِرين. كأَنَّ المعذِر عنده الَّذي يأْتي بمحض العذر، والمعذِّر المقصّر، هذا إِذا كان المعذّرون وزنه المفعِّلون، وإذا كان وزنه المفتعلين أَمكن أَن يكون للقوم عذر، وأَلَاّ يكون لهم عذر على ما فسرنا في اعتذار، وتُحَوّل فتحة التاء من المعتذرين إِلى العين، وتدغم التاءُ في الدال، فيصيران ذالاً مشددة. ويقال: قد أَعذر الرَّجُل يُعْذِر، وعَذَر يَعذِر، إِذا كثرت

стр. 322

ذنوبه، حتَّى يتبيّن عُذْر من يعاقبه، ويصحّ أَنه غير ظالم، قال النَّبِيّ ﷺ : لا يَهْلِكُ النَّاس حتَّى يَعْذِروا من أَنفسهم، ومنه قولهم: مَنْ يعذِرُني من فلان! وقول الشَّاعِر: فإِنَّ تَكُ حربُ ابني نزارٍ تواضعتْ ... فقد أَعذرتْنا في كلابٍ وفي كعبِ وقال الآخر: عذيرَ الحيِّ مِنْ عَدْوا ... نَ كانوا حيَّةَ الأَرضِ وقولهم: أريدُ حِباءه ويريد قتلي ... عذيركَ من خليلِك من مُرادِ ويقال: قد عَذَر فلان الصبيّ يَعذِره، وأَعذَره يُعْذِره؛ إِذا ختَنَه، أَنشد الفَرَّاءُ: في فتيةٍ جَعَلوا الصّليبَ إلهَهمْ ... حاشاي إنِّي مسلمٌ معذورُ ويقال: قد عَذَرْت الصبيّ أَعذِره، إِذا غَمزتَ وجعاً في حلقه من الدّم، يقال له العُذْرَة، قال جرير: غمَزَ ابنُ مُرّة يا فرزدقُ كَيْنَها ... غَمْزَ الطَّبيبِ نَغانِغَ المعذورِ النغانغ: لحمات عند اللهوات، واحدها نَغْنَغ.

стр. 323

٢١٣ - وقالَ قُطْرب: من الأَضداد الهَجْر ؛ يقال: هَجَرْت الرَّجُل، إِذا أَعرضتَ عنه، وهجرتُ النّاقة، إِذا شَدَدْتَ في أَنفها الهِجار - وهو جبل - ليعطفَها على وَلَدِ غيرها، قال: وقول الله : واهْجُروهُنَّ في المَضاجِعِ، كان ابن عباس يقول: الهَجْر السّبّ، قال: ويمكن أَن يكون اهْجُروهنّ: اعطفوهنّ كما تُعْطَفُ النّاقة. وهذا القول عندي بعيد؛ لأَنَّ المعنى الثاني لم يستعمل في النَّاس، والمفسرون يقولون: هِجْرانهنّ: ترك مضاجعَتهن، وأَخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدَّثنا يوسف القطان، قال: حدَّثنا جرير، عن المغيرة، عن إبراهيم، في قوله: واهْجُروهُنَّ، قال: لا تضاجعوهنّ على فُرشِكم. ٢١٤ - وقالَ ابن السِّكِّيت: أَسِدَ من الأَضداد؛ يقال: أَسِدَ الرَّجُل يأْسَد، إِذا جَزِع وجَبُن، وأَسِدَ يأْسَد، إِذا استأْسد وجَسَر؛ وكانَ كالأَسد في الإِقدام. ٢١٥ - ومن الأَضداد أَيْضاً الصَّفَرَ ؛ يقال: قد صَفِر البطنُ يَصْفَرُ صَفَراً إِذا خلا، وقد صَفِر يَصْفَر صَفَراً،

стр. 324

إِذا استسقى بالماء واشتكى من ذلك ووَجِع، وهو بمنزلة قولهم: طَحِل يَطْحَل طَحَلاً، إِذا وَجِع طِحالُه. ويقال للصَّفَر: الحَبَن، ويقال له أَيْضاً: الصُّفار، على مثال الكُباد، قال ابن أَحمر: أَرانا لا يَزالُ لَنا حَميمٌ ... كَداءِ الموتِ سِلاًّ أَو صفارَا وأَخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدَّثنا أَحمد بن إِبراهيم، قال: حدَّثنا سفيان بن عُيينة، عن منصور، عن أَبي وائل، قال: اشتكى رجلٌ منَّا - يقال له خُثَيْم بن العَدَّاء - وجَعاً يقال له: الصَّفَر، فنُعِت له السَّكَر، فسئل ابن مسعود عنه، فقال: إِنَّ الله لم يجعل فيما حرَّم شفاءً. فيقال: الصَّفَر استسقاء البطن بالماء، ويقال: هو حَيَّة في البطن تصيب الماشية والناس، وهي عند العرب أَعْدَى من الجَرَب، ويشتدّ بالإِنسان إِذا كان جائعاً، قال أَعشى باهلة: لا يَتَأَرَّى لِما في القِدْرِ يَرْقُبُهُ ... ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفِه الصَّفَرُ وقالَ النَّبِيّ صلَّى الله عليه: لا عَدْوَى ولا هَامَةَ ولا صَفَر، أَي لا يكون من الصَّفَر هذا الإِعداءُ الَّذي يظنُّه من يظنُّه. ويقال: الصَّفر تأْخيرهم تحريمَ المحرَّم إِلى صَفَر.

стр. 325

وأَخبرنا أَبو العبَّاس، عن ابن الأَعْرَابِيّ، قال: الهامة طائر يسكن القبور، تتشاءَم به العرب، وتتطيَّر به، فأَبطل النَّبِيّ ﷺ ذلك من ظنِّهم. قال أَبو العبَّاس، عن ابن الأَعْرَابِيّ، ثمَّ سَمَّتِ العرب الميّت هامة على جهة الاتّساع، وأَنشد: فإِن تكُ هامةٌ بِهرَاةَ تزْقُو ... فقد أَزْقَيْتُ بالمَرْوَيْنِ هَامَا وقالَ كُثَيِّر: فإِن تَسْلُ عنكِ النَّفْسُ أَو تَدَع الصِّبا ... فباليأْس تَسلو عنكِ لا بالتجلّد وكُلُّ حَبيبٍ راَءني فهو قائلٌ ... مِنَ اجْلِكِ هذا هامَةُ اليومِ أَو غدِ ويقال: الهامة كانت العرب تزعم أَنَّها عظام الميت تجتمع، فتصير هَامَة ثمَّ تطير، ويسمُّون الطَّائِر الَّذي يخرج منها الصَّدَى، ويقال: بل الصُّدَى ذكر البوم، قال توبة بن الحُمَيِّر: فلوْ أَنَّ لَيْلَى الأَخيليَّة سَلَّمَتْ ... عَلَيَّ وَفَوْقِي تُرْبَةٌ وصفائحُ لَسَلَّمْتُ تسليمَ البشاشَةِ أَو زَقَا ... إِليها صدًى من جانبِ القبرِ صائحُ وقال الآخر: فلَيْسَ النَّاسُ بَعْدَكَ في نَفيرٍ ... وَلا هُمْ غَيْرُ أَصْدَاءٍ وهَامِ

стр. 326

ويُروى: في نقير بالقاف. وقال الآخر يذكر فلاة: عَطْشَى يُجاوِبُ بُومُها صَوْتَ الصَّدَى ... فَلَهُم في صَدَى المَقابرِ هامُ وقالَ أَبو زيد: هو: ولا هامَّة بتشديد الميم، يعني واحدة الهوامّ. وقالَ أَبو عُبيد: لَيْسَ لقول أَبي زيد معنى. وقالَ غيرُه: قول أَبي زيد صواب، لأَنَّ الهامَّة يعني بها الحيَّة والعقرب، أَو سامّ أَبرص، أَو الخُنْفس. وكانَ النَّاس في أَوَّل الدهر يزعمون أنَّ الشَّياطين ربَّما تمثَّلت في صورهنّ، مَنْ قَتَلَهنّ هلَك أَو سُلِب عقله، فكانوا يُحْجمون عن قتلهنّ خوفاً من جنايتهنّ؛ فقال ﵇: ولا هامَّة يريد ولا جناية هامَّة، ولا هامَّة تصنع ما تظنُّون. وقد بيّن هذا التأْويل في غير حديث، فقال ﷺ : مَنْ ترك الحيَّاتِ خشية إِرْبِهنّ فليس منَّا وقالَ النَّبِيّ ﷺ : اقتلوا الأَسودين: الحيَّة والعقرب في الصَّلاة، وقد استقصينا تفسير هذا

стр. 327

في غريب الحديث. ٢١٦ - وبَعْل حرف من الأَضْداد؛ يقال: رجل بَعْل للَّذي يفزَع من أَعدائه فيلقي سلاحه ومتاعه؛ ويحمل على القوم فيقاتلهم، ويقال: بَعْل للَّذي يَفْزَع فيلقِي سلاحَه ويهرب. ٢١٧ - والخَشِيب من الأَضداد؛ يقال: سيف خَشِيب، إِذا كان صَقِيلاً، وسيف خَشِيب إِذا بُرِد ولم يُصْقَل. وقالَ ابن السِّكِّيت: قال الأَصْمَعِيّ: النَّاس يقولون: خَشِيب للصَّقيل، وهو عند العرب الَّذي بُرِد قبل أَن يُلَيَّن. ويَقُولُ الرَّجُل: قد خَشَبْتُ السيف، إِذا بَرَده البَرْدَةَ الأُولَى، وكذلك خَشَبْتُ السِّهام إِذا لم يتمِّم عملَها ويصقلها، فإِذا أَحكم عملها وصَقَلَها، قال: خلقتُها، أُخِذ من الصَّفاة الخلقاء، وهي الملساءُ. ويقال: فلان يَخْشِبِ الشّعر، إِذا كان يُفسدُه، ولا يتعمَّل لإِصلاحه وتجويده، قال الشَّاعر: في قُتْرَةٍ مِنْ أَثْل مَا تَخَشَّبَا

стр. 328

أَي ممَّا لم يتنوق فيه. ويقال: سيف مشقوق الخشيبة إِذا عُرِّض حين طُبِع، قال العباس بن مرداس: جَمَعْتُ إِلَيْه نَثْرَتِي ونَجيبتي ... ورمحي ومشقوقَ الخَشِيبة صَارِما ٢١٨ - والنَّاس حرف من الأَضْداد؛ يقال: ناس للناس، وناس من الجنّ. قال الله : الَّذي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النَّاسِ. مِنَ الجِنَّةِ والنَّاسِ، أَي الَّذي يوسوس في صدور النَّاس، جِنَّتهم وناسهم. قال الفَرَّاءُ: حَدَّث بعضُ العرب قوماً، فقال: جاءَ قوم من الجنّ، فوقفوا، فقيل لهم: من أَنتم؟ فقالوا: نحن ناسٌ من الجنّ. وقالَ الله : قُلْ أُوحِيَ إِليَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ، فأَوقع النَّفَرَ على الجنّ. وقالَ أَيْضاً: وأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ، فجعل من الجنّ رجالاً يستحقُّون التسمية برجال، كما يستحق النَّاس. ٢١٩ - وممَّا يفسَّر من الشِّعر تفسيرين متضادّين قولُ

стр. 329

الأَعشى: أَأَزْمَعْتَ مِنْ آلِ لَيْلَى ابْتِكارَا ... وَشَطَّتْ على ذي هَوًى أَنْ تُزارَا قال أَبو عُبيدة: معناه أَأَزمعت إِلى آل لَيْلَى ابتكارا! وقالَ أَبو عَمْرو: كان عندها زائراً، فأَزمع شخوصاً من عندها. وقالَ ابن الأَعْرَابِيّ: كانوا متجاورين في الربيع، فلمَّا جاءَ الصَّيف تفرَّقوا، فانصرف كلّ قوم منهم إِلى مياههم. وقالَ الأَصْمَعِيّ: معنى البيت: تكون عند هذه المرأَة وأَنت تحدِّث نفسك بمفارقتها، ثمَّ بالرُّجوع إِليها بعد الفراق؛ أَقم عندها ولا تفارقها، فإِنَّ لقاءها بعد الفراق صَعْب ممتنع، لبُعْدِ دارها من دارك. قال: وإِنَّما يخاطب نفسَه. وقالَ غير هؤلاء: معنى البيت: أَأَزمعت من ناحية لَيْلَى ابتكاراً! فحذفت الناحية، وقام الآل مقامها، كما قال : أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ منْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيم. كلَاّ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ، معناه: من أَجل ما يعلمون من الثواب والعقاب والجزاء بالأَعمال الَّتي تكون منهم، فحذف أَجْل وقامت ما مقامه.

стр. 330

ويقال: معنى الآية: إِنَّا خلقناهم من الجنس الذين يعلَمون ويفهمون وتقوم عليهم الحجَّة، ولم نخلقهم من البهائم الَّتي لا تعقل ولا يلزمها ثواب ولا عقاب، فَتُجْعَل ما في موضع النَّاس؛ لأَنَّ المكان مكان إِبهام، وليس بموضع تخصيص ولا تحصيل، كما يقول الرَّجُل للرَّجُل: ما أَنت وما أَبوك؟ فَيَسْتَفْهِم بما إذْ كان الموضع غَير محصَّل ولا مخصَّص، وجمع يعلمون بمَعْنَى ما كما قال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ، وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَه. قال الفرزدق: تَعَشَّ فإِنْ عاهَدْتَنِي لا تخُونُنِي ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ فثنَّى يصطحبان لمعنى مَنْ، وأَنشد الفَرَّاءُ: أَلِمَّا بِسَلْمَى لَمَّةً إذْ وَقَفْتُمَا ... وَقُولَا لَها عُوجِي عَلَى مَنْ تَخَلَّفوا فجمع الفعل لما وصفنا. ٢٢٠ - والغانية حرف من الأَضْداد؛ يقال: غانية للمرأَة الَّتي استغنت بزوجها، ويقال: غانية للشابَّة الجميلة الَّتي تَسْتَغْني بجمالها عن الزِّينة، وإِنْ كانت لا زوج لها. والأَوَّل أَكثر في كلام العرب، قال جميل:

стр. 331

أُحِبُّ الأَيَامَى إذْ بُثَيْنة أَيِّمٌ ... وَأَحْبَبْتُ لَمَّا أَنْ غَنيتِ الغَوانِيَا أَراد بـ غنيتِ تزوَّجت. وقالَ عنترة: وَحَلِيل غانِيَةٍ تَرَكْتُ مُجدَّلا ... تَمْكُو فَرِيصَتُه كَشِدْقِ الأَعلَمِ وأَنشدنا أَبو الحسن بن البَرَاء: شَكَوْتُ إِلى الغَوانِي ما أُلاقي ... وَقُلْتُ لَهُنَّ يا لَيْتِي بَعيدُ قال الفَرَّاءُ: يقال: ليتنِي قائم، وليتِي قائم، والاختيار عنده إِدخال النُّون. وقالَ عُمارة بن عقيل: الشباب الَّلاتي يُعجبْنَ الرِّجال ويعجبُهنَّ الرِّجال. ٢٢١ - ومن حروف الأَضداد أَيْضاً الأَيِّم ؛ يقال: امرأَة أَيِّم، إِذا كانت بكراً لم تتزوَّج، وامرأَة أَيِّم، إِذا مات عنها زوجها، قال الله : وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ والصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وإِمَائِكُمْ، فالأَيَامَى جمع الأَيِّم، يقال: هنَّ الحرائر، ويقال: هنَّ القَرَابات، نحو البنت والأُخت، وقول جميل:

стр. 332

أُحِبُّ الأَيَامَى إذْ بُثَيْنَةُ أَيِّمٌ يدلُّ على أَنَّ الأَيِّم البكر الَّتي ما زوِّجت، لقوله: وَأَحْبَبْتُ لَمَّا أَنْ غَنيتِ الغَوانِيَا ويقال: قد آمتِ المرأَة إِذا مات عنها زوجها، ورَجُلٌ أَيْمان وأَيِّم، والمرأَة أَيِّمة، وأَيْمَى، قال الشَّاعر: فَأُبْنَا وَقَدْ آمَتْ نساءٌ كثيرةٌ ... ونِسْوَانُ سَعْدٍ لَيْسَ فِيهنَّ أَيِّمُ وقالَ جميل: أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بوادي القُرَى إنِّي إِذاً لَسعِيدُ وهَلَ أَلْقَيَنْ سُعْدَى به وهْيَ أَيِّمٌ ... وَمَا رثَّ مِنْ حَبْلِ الوِصالِ جَدِيدُ وقال الآخر: فإِنْ تنكِحي أَنْكِحْ وإِنْ تَتَأَيَّمِي ... يَدَ الدَّهرِ ما لم تَنكِحي أَتَأَيَّمُ وحدَّثنا إِسماعيل بن إِسحاق القاضي، قال: حدَّثنا نصر، قال: خبَّرنا الأصمعي، عن أَبي الأَشهب، قال: قال الأَحنف: لا أَناةَ عندي في ثلاث: الصَّلاةُ إِذا حضرت حتَّى أَقضيَها، وحميمٌ إِذا مات حتَّى أُواريَه، وأَيِّمٌ إِذا خطبها كفؤها حتَّى أُنكِحَها. ويقال في دعاءٍ للعرب: ما له آمَ وعامَ، فمعنى آمَ ماتَت امرأَته، وعام اشتدَّت شهوته للَّبن لعدمه إِيَّاه. وإِنَّما لم يُدخلوا الهاءَ في أَيِّم، وهو وصف للمرأَة لأَنَّ النِّساءَ يوصفنَ

стр. 333

بهذا أَكثر من الرِّجال، فكنَّ أَغلب عليه، فأُجْرِيَ مجرى حائض، وطالق، وطامث، وما أَشبههنّ، ممَّا لا يُحتاج فيه إِلى إِدخال علامة تدلُّ على التأْنيث. ٢٢٢ - ومن الأَضداد أَيْضاً قولهم: امرأَة بَلْهَاء ؛ إِذا كانت ناقصة العقل، فاسدة الاختيار والتمييز، وامرأَة بلهاء إِذا كانت كاملة العقل، عفيفة صالحة لا تعرف الشرّ، ولا تعلم الرِّيب، قال النَّبِيّ صلَّى الله عليه: أَهْلُ الجَنَّةِ أَكْثَرُهُمْ البُلْه فلم يُردْ بالبله الناقصي العقول؛ لأَنَّ من عَبَدَ الله بعقْل ومعرفة أَفضلُ عنده ممَّن عبده بجنون وجَهْل، وإِنَّما أَراد ﵇: أَهلُ الجنَّة أَكثرهم السالمو الصُّدور، الذين لا يعرفون الشرّ. والعرب تمدح المرأَة بالبَلَه، وهي تذهب إِلى مثل هذا المعنى، قال الشَّاعر: فَلَرُبَّ مِثلِك في النِّساءِ غريرةٍ ... بَلْهاَء قد مَتَّعْتُها بِطَلاقِ وقال الآخر: ولَقَدْ لَهَوْتُ بِطَفْلَةٍ مَيَّالَةٍ ... بَلْهَاَء تُطْلِعني على أَسْرَارِها وقال الآخر:

стр. 334

يَكْتَبين اليَنْجُوجَ في كُبَّةِ ... المَشْتَى وبُلْهٌ أَحْلَامَهُنَّ وِسَامُ ٢٢٣ - وممَّا يفسّر من كتاب الله تفسيرين متضادّين، قوله ﵎: إِلَاّ إِبْلِيسَ كانَ منَ الجِنّ ، يقال: الجنّ الملائكة، سُمُّوا جنًّا لاستتارهم عن النَّاس، من قول العرب: قد جنَّ عليه اللَّيل، وأَجَنَّه وجَنَّه، إِذا ستره، قال الشَّاعر: يُوَصِّلُ حَبْلَيْهِ إِذا اللَّيْلُ جَنَّهُ ... لِيَرْقَى إِلى جَارَاتِهِ في السَّلالِمِ وحدَّثنا محمد بن يونس، قال: حدَّثنا إِبراهيم بن زكريا البزَّاز، قال: حدَّثنا جرير، عن ثعلبة، عن جعفر بن أَبي المغيرة، عن سعيد بن جبير في قوله: إِلَاّ إِبْلِيسَ كانَ منَ الجِنّ، قال: كان من حيٍّ من الملائكة، يصوغون حِلْيَةَ أَهل الجَنَّةِ. وأَخبرنا أَبو الحسن بن البراء، قال: حدَّثنا ابن غانم وابن حميد، قالا: حدَّثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إِسحاق، عن خلاّد بن عطاء، عن طاوس - أَو عن مجاهد أَبي الحجاج - عن ابن عباس وغيره، قالوا: كان إِبليس قبل أَن يركبَ المعصية مَلَكاً من الملائكة، اسمه عَزَازيل، وكانَ من سكَّانِ الأَرض من الملائكة يُسَمُّون الجِنّ، ولم يكن من

стр. 335

الملائكة مَلَكٌ أَشدُّ اجتهاداً ولا أَكثر منه علماً، فلمَّا تكبَّر على الله ، وأَبى السُّجود لآدم وعصاه لعنه وجعله شيطاناً مَريداً وسمَّاه إِبليس، يقول الله : إِلَاّ إِبْلِيسَ كانَ منَ الجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمينَ بَدَلاً. قال ابن إِسحاق: وقالت العرب: الجنّ ما استتر عن النَّاس ولم يَظْهر. وقالَ أَصحاب هذا القول: الذليل على أَنَّ إِبليس من الملائكة أَنَّ الله جلّ وعزّ استثناه معهم من سجودهم. ويدلُّ أَيْضاً على أَنَّ الملائكة يقال لهم جنّ قول الأَعشى في ذكره سُلَيْمَان بن داود ﵉: لَوْ كانَ شيئاً خالِداً مُعَمَّراً ... لكان سليمانُ البريَء من الدَّهْرِ بَراه إِلهي واصْطَفاه عبادَهُ ... وملَّكَه ما بيت تُرنَي إِلى مِصْرِ وسَخًّرَ من جِنّ الملائكِ تِسْعَةً ... قياماً لديه يَعْمَلُون بِلَا أَجْرِ وحدَّثنا محمد بن يونس، قال: حدَّثنا أَبو عاصم، قال: حدَّثنا شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إنَّما قيل لإِبليس: الجِنيّ، لأَنَّه كان من الملائكة، وأَنَّ الله خلق ملائكة، فقال لهم: إِنِّي خَالقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ. فإِذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي

стр. 336

فَقَعُوا لهُ سَاجِدِين، فأَبوْا فأَرسل الله عليهم ناراً فأَحرقتهم، ثمَّ خلَق ملائكة آخرين، فقال لهم مثل ما قال للأَوَّلين، فأَبوْا، فأَرسل الله عليهم ناراً فأَحرقتهم، ثمَّ خلق هؤلاء الملائكة الذين هم عنده، فقال لهم: إِنِّي خَالقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ. فإِذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لهُ سَاجِدِين، فقالوا: سمعنا وأَطعنا، فقال ابن عباس: فكان إِبليس من الملائكة الذين حُرِقُوا أَوَّلاً. قال أَبو عاصم: ثمَّ أَعاده الله ليضِلَّ به مَنْ يشاءُ. وأَخبرنا أَحمد بن الحسين، قال: حدَّثنا عثمان بن أَبي شيبة، قال: حدَّثنا سعيد بن سليمان، ق خبَّرنا عبَّاد، عن سفيان بن حسين، عن يعلَى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان إِبليس اسمه عَزَازيل، وكانَ من أَشراف الملائكة، من أُولي الأَربعة الأَجنحة، ثمَّ أُبْلِس بعد. وأَخبرنا محمد بن عثمان، قال: حدَّثنا منجاب، قال: أَخبرنا بشر، عن أَبي رَوْق، عن الضَّحَّاك، عن ابن عباس، قال: إنَّما سُمِّيَ إِبليس إِبليس؛ لأَنَّه أُبْلِس من الخير كلِّه، فقال اللغويون: هذا التفسير يشهد لمعنى إِبليس وصَرْفِه عن الخير واستحقاقه البُعْد منه ولا يشهد؛ لأَنَّ لفظ إِبليس مأْخوذ من أُبْلِس أَو أَبلَس؛ لأَنَّه لو كان كذلك كان عربيًّا منوَّناً، كما يجري إِكليل، وهو على

стр. 337

مثاله، فلمَّا وجدنا الله قال: إِلَاّ إِبليس، فلم ينوّنه عَلِمْنا أَنَّهُ أَعجميّ مجهول الاشتقاق؛ ولأنَّ ما عرف اشتقاقه كان عربيًّا يلزمه من التعريب ما يلزم زيدا وعمرا وأَشباههما؛ إِلَاّ أَنْ يكون مُنِعَ الإِجراءُ للتعريف؛ وأَنَّه اسم واقع على أَولاده، وجميع جنسه فَيُلْحق بثمود وما أَشبهه في ترك الإِجراء. وقالَ آخرون: ما كان إِبليس من الملائكة قطّ، وهو أَبو الجنّ؛ كما كان آدم أَبو الإِنس، فاحْتَجَّ عليهم بقوله: وإِذْ قُلْنَا للمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجدُوا إِلَاّ إِبليسَ، وبقوله: فَسَجَدَ الملائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُون. إِلَاّ إِبليسَ، فاحتجُّوا بأَنَّه لمَّا أُمِرَ بالسُّجود كما أُمروا فخالف وأَطاعوا، أُخرج من فعلهم، ونُصِب على الاستثناء، وهو من غير جنسهم، كما تقول العرب: سارَ النَّاس إِلَاّ الأَثقال، وارتحل أَهلُ العسكر إِلَاّ الأَبنية والخيام. وحدَّثنا أَحمد بن الحسين، قال: حدَّثنا عثمان بن أَبي شيبة، قال: خبَّرنا هوذة، عن عوف، عن الحسن، قال: ما كان إِبليس من الملائكة طَرْفَةَ عين. وقالَ أَصحاب القول الأَوَّل: يجوز أَن يكون تأْويلُ

стр. 338

قوله: كَانَ مِنَ الجِنِّ كان ضالاًّ؛ كما أَنَّ الجنّ كانوا ضُلَاّلاً، فلمَّا فعل مثل فعلهم أُدخل في جملتهم؛ كما قال: المُنَافِقُونَ والمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضِ، فهذا ما انتهى إِلينا، والله أَعلم بحقيقة ذلك وأَحكم. ٢٢٤ - والزُّبْية حرف من الأَضْداد؛ يقال، لحفيرة تُحْفَر تُجعل مَصْيَدَةً للأَسَد: زُبْيَة، ويقال في جمعها زُبًى، أَنشد الفَرَّاءُ: فكُنْتُ والأَمْر الَّذي قَدْ كِيدَا ... كاللَّذ تَزَبَّى زُبْيَةً فاصْطيدَا ويقال لأَكمة مرتفعة من الأَرض: زُبًى؛ فاعلم. تقول العرب إِذا اشتدَّ الأَمر وبلغ غايته: قد علا الماءُ الزُّبى، قال الرَّاجِزُ: وَقَدْ عَلَا الماءُ الزُّبَى فَلَا غَيْرْ ٢٢٥ - والصَّلاة من الأَضداد؛ يقال للمصلَّى من مساجد المسلمين: صَلاة، ويقال لكنيسة اليهود: صَلَاة، قال الله : يأَيُّهَا الَّذينَ آمنوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكَارَى، أَراد: لا تقربوا المصلَّى؛ هذا تفسير أَبي عُبيدة وغيره.

стр. 339

وقالَ عزَّ ذكره: لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وصَلَوَاتٌ ومَسَاجِدُ، والصَّلَوَات عَنَى بها كنائس اليهود، واحدتها صلاة، وكانَ الكلبيّ يقرأ: وصُلُوثٌ بالثاء، وكانَ الجَحَدرِيّ يقرأ: وصُلُوتٌ، بالتاء، ويزعم أَنَّهُ سمع الحجَّاج بن يوسف يقرأ: وَصُلوبٌ بالباء. وقالَ بعض المفسِّرين: الكنيسة بالعبرانيَّة يقال لها: صَلُوثا، فعرَّبتها العرب فقالت: صلاة. وقالَ بعض الشُّعراء: واتَّقِ اللهَ والصَّلاة فَدَعْها ... إِنَّ في الصَّوْمِ والصَّلاةِ فَسَادَا أَراد بالصَّلاة الكنيسة وبالصَّوم ما يخرج من بطن النَّعام؛ يقال: قد صام الظَّليم إِذا فعل كذلك. وقالَ بعض المفسِّرين: لم يُرد الله بالصَّلَوَات كنائسَ اليهود؛ ولكنَّه أَراد بالصَّلَوَات، المعروفة؛ فقيل له: كيف تُهدِّم الصَّلَوَات؟ فقال: تهديمها تعطيلها، وأَخرجه من باب المجاز على مثل قول العرب: قد طَعِمْتُ الماءَ؛ على معنى ذقته، وعلى مثل قولهم: قد آمنت محمَّداً، على معنى صدَّقته، قال الأَعشى: رُبَّ رِفْدٍ هَرَقْتَهُ ذلك اليَوْ ... مَ وَأَسْرَى منْ مَعْشَر أَقْتَالِ

стр. 340

وشُيُوخٍ جَرْحَى بِشَطَّيْ أَريكٍ ... وَنِساءٍ كأَنَّهنَّ السَّعَالِي قال الباهليّ وغيره: الرِّفد: العطاء المعروف، ومعنى البيت: ربَّ سيِّد عظيم الشَّأْن كثير العطايا قتلتهُ فأَبطلتُ رفدَه ومعروفه، وأَزلت فضله الَّذي كان يصلُ إِلى غيره، فوضع هَرَقت في موضع أَبطلْتَ وأَزلْتَ، ولا تقول العرب في غير المجاز: هرقت المعروف والفضل. وقالَ جماعة من أَهل اللُّغة: الرِّفد في هذا البيت: القَدَح. ٢٢٦ - وقالَ امرؤ القيس: وأَفْلَتَهُنَّ عِلْبَاءٌ جَرِيضاً ... ولوْ أَدْرَكْنَهُ صَفِرَ الوِطابُ وفسِّر قوله: صَفِر الوِطابُ تفسيرين: أَحدُهما: قُتِلَ وأُخْرِج روحُه من جسده، فصار حسدهُ بعد خروج الروح منه كالوَطْب الخالي من اللَّبن، والوَطْب للَّبن بمنزلة الزِّق للعسل، والنِّحْيِ للسَّمن. وتأْويل صَفِر خلا، جاءَ في الحديث: إِنَّ أَصفر البيوت لبيتٌ لا يقرأ فيه كتاب الله. والتفسير الآخر: لو أَدركتِ الخيلُ علباء قُتِل، وأَخذت

стр. 341

إِبله فصفِرت وطابه من اللَّبن. فالجواب الأَول هو على المجاز والتشبيه. وقال الآخر: إِذا تَغَنَّى الحمَامُ الوُرْقُ هَيَّجَني ... ولوْ تَعَزَّبْتُ عنها أُمَّ عَمَّارِ نصب أُمَّ عمَّار بهيَّجني، لأنَّه في معنى ذكَّرني. ٢٢٧ - ومن الأَضْداد أَيْضاً قول العرب: قومٌ أَنْصارٌ ، للذَّين نصروا رسول الله ﷺ وآمنوا بالله ورسوله، وقوم أَنصار للنصارى، أنشد الفرَّاءُ: لمَّا رَأَيْتُ نَبَطاً أَنْصارَا ... شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإِزَارا كُنْتُ لَهَا مِنَ النَّصَارَى جَارَا ويقال: قوم نصارى للكفَّار الَّذين يجعلون لله ولداً، ويكفرون به، ويقال: قوم نصارى للَّذين نصروا عيسى ﵇، وكانوا على منهاج الحقّ، يعترفون بأَنَّ عيسى عَبْدٌ من عبيد الله ، ويشهدون لمحمد ﷺ بالتَّصديق، والصابئون قوم مؤمنون، سُمُّوا صابئين لخروجهم من الباطل إِلى الحقّ، يقال لمن خرج من دين إِلى دين: صابئ، من ذلك أَنَّ قريشاً كانت تسمِّي النَّبيّ ﷺ صابئاً، ويقولون لمن دخل في دينه ﵇:

стр. 342

قد صبأ. فإِن قالَ قائل: إِذا كان هؤلاء كلّهم مُؤْمنين فما الفائدة في قوله: مَنْ آمَنَ باللهِ؟ فيقال له: معناه: مَنْ دام منهم على الإِيمان، فله أَجْرُه عند ربّه. ٢٢٨ - ومن حروف الأَضْداد أَيْضاً الظِّهارة والبِطانة . يقال للظِّهارة: بِطانة، وللبِطانة ظِهارة؛ لأنَّ كلّ واحد منهما قد يكون وَجْهاً. ويقال: رأَيت ظهر السَّماء، ورأَيت بطن السَّماء، للَّذي تراه، وكذلك بطن الكوكب، وظهر الكوكب، قالَ الله عزَّ وجلَّ: بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، فقد تكون البطائن بطائنَ، وقد تكون ظهائر. وقد كان بعض المفسِّرين يقول: هذه البطائن فكيف لو وصف لكم الظَّهائر! فيجعل الظَّهائر غير البطائن. وقالَ الفرَّاءُ: حدَّثني بعض الفصحاء المحدِّثين أَنَّ ابن الزُّبير عاب قتلةَ عثمان، فقال: خرجوا عليه كاللُّصوص من وراء القرية، فقتلهم الله كلَّ قتلة، ونَجا مَنْ نجا منهم تحت بطون الكواكب، يريد: هربوا ليلاً. قالَ الفرَّاءُ: فقد يكون البطن ظهراً، والظَّهر بطناً على ما أَخبرتك.

стр. 343

٢٢٩ - والسَّاحر من الأَضْداد؛ يقال: ساحر للمذموم المفسِد، ويقال: ساحر للممدوح العالم؛ قالَ الله : وَقَالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بمَا عَهِدَ عِنْدَكَ، أَرادوا يا أَيُّها العالم الفاضل؛ أَنَّهم لا يخاطبونه بالذّم والعيب في حال حاجتهم إِلى دعائه لهم، واستنقاذه إِيَّاهم من العذاب والهلكة. حدَّثنا أَحمد بن الهيثم، قالَ: خبَّرنا محمد بن عمر العقَبيّ، قالَ: خبَّرنا سلاّم أَبو المنذر، عن مطر الورَّاق، عن ابن بريدة، عن ابن عبَّاس، قالَ: قالَ رسول الله ﷺ : إِنَّ مِنَ الشّعر حُكْماً وإِنَّ من البيان سِحْراً. حدَّثنا أَحمد، قالَ: حدَّثنا محمد بن عمر، قالَ: حدَّثنا المفضّل بن محمد النحويّ، قالَ: حدَّثنا سِماك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، عن النَّبيّ ﷺ بمثل ذلك. فقول النَّبيّ ﷺ : وإِنَّ من البيان سحراً يفسِّر تفسرين مختلفين: أَحدهما: وإِنَّ من البَيان ما يَصْرِف قلوبَ السَّامعين إِلى قبول ما يسمعون، ويضطّرّهم إِلى التَّصديق به، وإِن كان فيه غيرُ حقّ، يدلّ على هذا الحديث الَّذي يُرْوَى عن قيس بن

стр. 344

عاصم وعمرو بن الأَهتم والزِّبْرقان بن بدر أَنَّهم قدموا النَّبيّ ﷺ ، فسأَل النَّبيّ عمراً عن الزِّبْرقان فأَثنى عليه خيراً فلم يرضَ بذلك، وقالَ: والله يا رسول الله، إِنَّه لَيَعْلَمُ أَنِّي أَفضلُ ممَّا وصَف؛ ولكنَّه حَسَدني على موضعي منك. فأَثنى عليه عمرو شَرًّا، وقالَ: والله يا رسول الله ما كذبتُ عليه في الأُولى ولا الآخرة؛ ولكنَّه أَرضاني فقلت بالرضا، وأَسخطني فقلت بالسّخط، فقال النَّبيّ ﵇: إِنَّ من البيان سحراً. وقالَ مالك بن دينار: ما رأَيتُ أَحداً أَبْيَنَ من الحجَّاج بن يوسف، إِنْ مكان لَيَرْقَى في المنبر فيذكر إِحسانه إِلى أَهل العراق وصَفْحه عنهم وإِساءَتهم إليه؛ حتَّى أَقولَ في نفسي: إِنِّي لأَحسِبُه صادقاً، وإِنِّي لأَظنّهم ظالمين له. وسمع مسلمة بن عبد الملك رجلاً يتكلَّم فيُحسن ويبيّن معانيَه الَّتي يقصد لها تبيِيناً شافياً، فقال مسلمة: هذا والله السِّحْر الحلال. والتأْويل الآخر في الحديث: وإِنَّ من البيان ما يُكْسِب من المأْثم مثل ما يُكْسِب السحرُ صاحبَه؛ يذلُّ على هذا حديث النَّبيّ ﷺ : إِنَّما أَنا بشرٌ وإِنَّكم تختصمون إِليَّ، ولعلَّ بعضَكم أَنْ يكون أَلْحَن بحجَّته، فمن قضيت له

стр. 345

بشيءٍ من حقِّ أَخيه فإِنَّما أَقطع له قطعة من النَّار فقال كل واحد من الرَّجلين: يا رسول الله، حقِّي لأَخي، فقال: لا، ولكن اذهبا فتوخَّيا، ثمَّ اسْتَهِما، ثمَّ ليحلّل كلّ واحد منكما لصاحبه، فدلَّ صلَّى الله عليه بهذا على أَنَّ الرجل ببيانه وحسن عباراته يجعل الحقّ باطلاً، والباطل حقًّا، فهذا الَّذي يكسب من الأَوزار ببيانه ما يكسبه السَّاحر بسحره. ٢٣٠ - وقالَ ابن السِّكِّيت: الثَّغَب من الأَضْداد، وهو ما يجتمع من حفائر يحفرها السَّيل إِذا انحدر من عَلُ، فتكون كالدِّبار، يغادر السيل فيها ماء تصفّقه الريح، فيصفو ويبرُد، قالَ: فيقال للماء: ثَغَب، وللموضع الَّذي هو فيه ثَغَب. وقالَ غير ابن السِّكِّيت: الثَّغَب: الغدير من الماء، وفيه لغتان ثَغْب وثَغَب، وجمعه ثُغْبان، قال الشَّاعر:

стр. 346

سُحَيْراً وأَعْنَاقَ المَطِيِّ كأَنَّها ... مَدَافِع ثُغْبَانٍ أَضَرَّ بِها الوَبْلُ قوله: أَضَرَّ بها، معناه غَشِها وداناها ولَزِمها. ومن ذلك الحديث الَّذي يُرْوَى عن معاذ بن جَبَل أَنَّه كان يُصَلِّي بالنَّخَع، فقال لهم: إِذا رأَيتموني قد صنعت شيئاً فاصنعوا مثله، فأَضَرَّ بعينه غصن من شجرة، فكسره، فأَخذ كلّ واحد منهم غصناً فكسره، فلمَّا أَتمَّ الصَّلاة وخرج منها قالَ لهم: إِنَّما كسرتُ الغصن، لأنَّه أَضَرَّ بعيني؛ فقد أَحسنتم حين أَطعتم؛ فمعنى: أَضَرَّ بعيني، داناها وغَشِيَها، وقالَ النابغة يذكر ماء: مُضِرٌ بالقُصُورِ يَذُودُ عنْهَا ... قَرَاقِيرَ النَّبِيطِ إِلى التِّلالِ ٢٣١ - وممَّا يشبه حروف الأَضْداد: الأَحمر ، يقال: أَحمر للأَحمر، ويقال: رجل أَحمر، إِذا كان أَبيض، قالَ أَبو عمرو بن العلاء: أَكثر ما تقول العرب في الناس: أَسود وأَحمر؛ قالَ: وهو أَكثر من قولهم أَسود وأَبيض. وأنشد ابن السِّكِّيت لأَوس بن حَجَر: وأَحْمَرَ جَعْداً عَلَيْهِ النُّسُورُ ... وفي ضِبْنِه ثَعْلَبٌ منكَسِرْ

стр. 347

وفي صَدْرِهِ مِثلُ الفَتَا ... ةِ تَشْهَقُ حيناً وَحِيناً تَهِرّْ قوله: وفي ضبنه معناه: وفي إِبطه، والثعلب: ما دخل من طرف الرمح في جُبَّة السنان، وقوله: تَشهق حيناً، شهيق الطعنة: أَن تدخل الرِّيح فتصوِّت، وتهرّ: معناه تقبقب. ٢٣٢ - ومنها أَيْضاً الأَخضر ؛ يقال: أَخضر للأَخضر، وأَخضر للأَسود، قالَ الشمّاخ: ولَيْلٍ كلَوْنِ السَّاجِ أَسْوَدَ مُظْلمٍ ... قَليلِ الوَعَى داجٍ كلَوْنِ الأَرَنْدَجِ السَّاج: طيلسان أَخضر، وجمعه سِيجان، على مثال قولهم: قاع وقِيعان، فشبَّه اللَّيل بالطيلسان الأَخضر، وهو يريد شِدَّة سواده. وقالَ أَبو هريرة: أَصحاب الدّجال عليهم السِّيجان، شواربهم كالصَّياصي، وخفافهم مُخَرْطَمَة، فالسِّيجان الطَّيالِسة الخُضْر، والصَّياصي قُرون البقر؛ أَي يفتلون شواربهم ويحدِّدُونها، حتَّى تصير كقرون البقر. ومُخَرْطَمَة، معناه لها خراطيم. وقوله: قليل الوَعَى معناه: قليل الصَّوت. والأَرَنْدَج: جلود سود؛ يقال: هو الأَرَنْدَج

стр. 348

واليَرندج؛ وقالَ الآخر: قَدْ أَعْسِفُ النَّازِحَ المَجْهُولَ مَعْسِفُهُ ... في ظِلِّ أَخْضَرَ يَدْعُو هَامَهُ البُومُ أَراد في ظِلّ ليلٍ أَسود. وقال الآخر، وهو حُمَيد بن ثور: إِلى شَجَرٍ أَلْمَى الظِّلالِ كأَنَّه ... رَوَاهِبُ أَحْرَمْنَ الشَّرابَ عُذُوبُ قوله أَلْمَى الظِّلال، معناه أَسود الظِّلال، والرواهب: النِّساء المترهِّبات الَّلاتي يَلْبَسْن المُسوحَ، فجعل ظلّ الشَّجرة أَلْمَى لسواده؛ كما قالَ الأَوَّل: في ظلّ أَخضر، وأَحْرَمْنَ الشَّراب: صُمْن ومنعنَ أَنفسهنَّ الطَّعام والشَّراب. وعُذوب، معناه أَيْضاً لا يأْكُلْن، قالَ ذو الرُّمَّة: كَمَا الأُكْمَ بُهْمَى غَضَّةً حَبَشِيَّةً ... تُؤَاماً ونُقْعانُ الظُّهُورِ الأَقَارِعِ فقال حَبَشِيَّة: وهو يريد شديد الخضرة. وقد كان بعض اللُّغَويِّين يقول: الأَخضر ليس من حروف الأَضْداد، وإِن ذهب به إِلى معنى السَّواد؛ لأنَّ الشَّيء إِذا ما اشتدَّت خُضْرته رُئِي أَسود، الدَّليل على هذا أَنَّ بعض المفسرِّين فَسَّر قولَ الله : مُدْهَامَّتَانِ، فقال: خَضْراوان تَضْربان

стр. 349

إِلى السَّواد من شدَّة الرِّيّ. ٢٣٣ - ومنها أَيْضاً الأَسود . يقال: أَسْوَد للأَسود، ويقال: دِرْهَم أَسود، إِذا كان أَبيضَ خالص الفِضَّة جيّدها. أَخبرني عمر بن محمد، قالَ: حدَّثنا محمد بن إسحاق، قالَ خبَّرنا أَبو سعيد الأَشجّ، قالَ: خبَّرنا ابن إِدريس، قالَ: سُئِل الأَعمش عن حديث، فأَبى أَن يحدِّث به، فلم يزل أَصحابُ الحديث يُداوِرُونَه، حتَّى استخرجوه منه، فضرب لهم مَثَلاً، فقال: جاءَ قَفَّاف بدراهمَ إِلى صَيْرَفِيّ يُريه إِيَّاها، فقفَّ منها الصَّيرفيّ سبعين درهماً، فلمَّا وزنها عرف النقصان، فقال: عَجِبْتُ عَجيبةَ من ذِئْبِ سُوءٍ ... أَصابَ فَريسةً من لَيْثِ غَابِ وَقَفَّ بكَفِّه سَبْعِينَ منها ... تنقَّاها من السُّودِ الصِّلَابِ فإِنْ أُخْدَعْ فقد يُخْدَعْ ويُؤخذ ... عَتِيق الطَّيرِ مِنْ جَوِّ السَّحابِ وقالَ بعضهم: ليس الأَسود من الأَضْداد؛ لأَنَّ الدِّرهم؛ إِذا وصف بالسَّواد فإِنَّما يذهب به إِلى أَنَّه قديم الفضَّة جيّدها، وأَنَّه قد تغيَّر لونه، واسودَّ بعضَ الاسوداد، لمرور الأَيَّام واللَّيالي.

стр. 350

٢٣٤ - وممَّا يفسّر من كتاب الله تفسيرين متضادَّين، قوله تعالى: قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ منْكُمْ فإِنِّي أُعَذِّبهُ عَذاباً لا أُعَذِّبه أَحَداً مِنَ العالَمِينَ ، قالَ بعض المفسِّرين: نزلت المائدة، وقالَ بعضهم: لم تنزِل. أَخبرنا أَبو علي العَنَزِيّ، قالَ: حدَّثنا الحسن بن قَزْعَة، قالَ: حدَّثنا سفيان بن حبيب، عن سعيد، عن قَتادة، عن خِلاس ابن عمرو، عن عَمَّار بن ياسر، قالَ: قالَ رسول الله ﷺ : نزلت المائدة خُبْزاً ولحماً، وأُمروا أَلا يخونوا ولا يخبئوا ولا يدَّخروا، فخانوا، وخَبئُوا وادَّخروا، فمسِخوا قِردة وخنازير. وحدَّثنا محمد بن يونس، قالَ: حدَّثنا عمر بن يونس ابن القاسم اليماميّ، قالَ: حدَّثنا إِسماعيل بن فيروز، عن أَبيه، عن وهب بن منبّه، قالَ: كانت مائدةً يجلس عليها أَربعة آلاف، فقالوا لقوم من وُضَعائهم: إِنَّ هؤلاء يلطِّخون ثيابنا علينا، فلو بنينا لها دكاناً يرفعها! فبنوْا لها دكاناً، فجعلت الضُّعفاءُ لا تصل إِلى شيء، فلمَّا خالفوا أَمرَ الله جلّ وعزّ رفعها عنهم. وحدَّثنا محمد، قالَ: حدَّثنا الحكم بن مروان، قالَ: حدَّثنا إِسرائيل، عن سِماك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، في قوله تعالى: أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ، قالَ: مائدة طعام.

стр. 351

وحدَّثنا محمد، قالَ: خبَّرنا بشر بن عمر، قال، خبَّرنا شعبة عن أَبي إِسحاق، عن أَبي عبد الرحمن السُّلَميّ، في قوله: أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ، قالَ: خبزاً وسمكاً. وحدَّثنا محمد، قالَ: حدَّثنا الحكم بن مروان، قالَ: أَخبرنا الفضل بن مرزوق، عن عطية، قالَ: كانت سمكة وجدوا فيها كلّ شيء. وأَخبرنا عبد الله بن محمد، قالَ: خبَّرنا يوسف القطَّان، قالَ: حدَّثنا جرير، عن أَشعث، عن جعفر، عن سعيد، قالَ: نزلت المائدة وهي طعام يفور؛ فكانوا يأْكلون منها قعوداً، فأَحدثوا فرفعت شيئاً، فأَكلوا على الرُّكَب، ثمَّ أَحدثوا، فرفعت شيئاً، فأَكلوا قياماً، ثمَّ أَحدثوا، فرفعت البتَّة. وأَخبرنا عبد الله، قالَ: خبَّرنا يوسف، قالَ: خبَّرنا عمرو بن حُمران، عن سعيد، عن قَتادة، قالَ: كانت مائدة ينزل عليها ثَمَرٌ من ثمار الجنَّة، وأُمِروا أَلاّ يَخونوا، ولا يخبئوا ولا يدَّخروا، بلاءً ابتلاهم الله به، فكانوا إِذا فعلوا شيئاً من ذلك أَخبرهم به عيس ﵇، قالَ: فخانوا وخبئوا وادَّخروا. وأَخبرنا عبد الله، قالَ: خبَّرنا يوسف، قالَ: أَخبرنا

стр. 352

عمرو بن حُمران، عن سعيد، عن قَتادة، عن الحسن، قالَ: لمَّا قال الله : إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فإِنِّي أُعَذِّبهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً من العالمين، قالوا: لا حاجة لنا فيها، فلم تنزل عليهم. ٢٣٥ - والجديد حرف من الأَضْداد، يقال: جديد للجديد الَّذي يعرفه النَّاس، وجديد للمقطوع، قالَ الوليد بن يزيد: أَبَى حُبِّي سُلَيْمَى أَن يَبِيدا ... وأَضحى حَبْلُها خَلَقاً جَدِيدَا أَراد خَلَقاً مقطوعاً، وأَصله مجدود، فصرف عن مفعول إِلى فعيل، كما قالوا: مطبوخ وطبيخ، ومقدور وقدير. وقالَ بعض اللُّغَويِّين: معناه: وأَضحى حبلها خَلَقاً عندها، جديداً عندي في قلبي، لأنِّي لم أَملّها كما مَلَّتْني، ولم أَنْوِ قطيعَتها كما نوتْ قطيعتي. ٢٣٦ - ومن الأَضْداد أَيْضاً أَو ممَّا يشبهها الأَحْوَى ؛ يقال: أَحْوَى للأَخضر من النَّبات الطريّ الرَّيَّان من الماء، ويقال: أَحْوَى للنَّبات الَّذي اسودَّ وجَفَّ، قالَ الشَّاعر: فما أُمُّ أَحْوَى قدْ تَحَمَّمَ رَوْقُهُ ... تُراعِي يِهِ سِدْراً وَضالاًّ تُنَاسِقُهْ أَراد بالأَحْوَى الَّذي قد اخضرَّ موضع الزَّغَب منه والشعر.

стр. 353

وقالَ الله ﵎: والَّذي أَخْرَجَ المَرْعَى. فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى، فيه تفسيران: أَحدهما: والَّذي أَخرج المرعى أَحوى أَي أَخضر غضًّا، فجعله بعد خضرته غُثُاء، أَي يابساً. والتفسير الآخر: والَّذي أَخرج المرعى فجعله يابساً أَسود، على غير معنى تقديم ولا تأْخير. أَجازهما كليهما الفرَّاء. وقال نابغة بن شيبان: وإِنَّ أَنْيَابَهَا منها إِذا ابْتَسَمَتْ ... أَحْوَى اللِّثَاتِ شَتِيتٌ نَبْتُهُ رَتَلُ أَراد بالحوة سوادَ اللِّثة، والعرب تمدح بها إِذا كانت تبين صفاءَ الأَسنان. ٢٣٧ - وممَّا يفسّر من كتاب الله تفاسير متضادة قوله تعالى: ويَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ ، فقال خالد بن مَعْدان: سَمع عمر ﵀ رجلاً يقول لِرَجلٍ: يا ذا القرنين، فقال: أَما ترضوْن أَن تسمّوا بأَسماء الأَنبياء، حتَّى صرتم تسمَّوْن بأَسماء الملائكة! وقال عبد الله بن عمر: ذو القرنين نبيّ. وحدَّثنا محمد بن يونس، قال: حدثَّنا الفضل بن دكين،

стр. 354

قال: حدَّثنا العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد، قال: مَلَك الأَرضَ: شرقَها وغربَها أَربعة: مؤمنان وكافران، فأَمَّا المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين، وأَمَّا الكافران فالَّذي حاجّ إِبراهيم في ربّه - يعني نمروذ، وبخت نَصَّر. وقال أَبو الطفيل عامر بن واثلة: شهدتُ عليّ بن أَبي طالب رضوان الله عليه قام إِليه رجل، فقال: يا أَمير المؤمنين، أَخبرني عن ذي القرنين، أَنبيًّا كان أَم مَلِكاً؟ فقال: ليس بنبيّ ولا مَلِك، ولكنَّه عبد صالح أَحبَّ الله فأَحبَّه، وناصح الله فناصحه، بعثه الله إِلى قومه فضربوه على قرنه الأَيمن فمات، ثمَّ أَحياه الله فدعاهم، فضربوه على قرنه الأَيسر فمات، وفيكم مثله. وقال الحسن: إِنَّما سمِّيَ ذو القرنين ذا القرنين؛ لأنَّه كان في رأْسه ضفيرتان من شَعَر يطأُ فيهما، قال لَبيد بن ربيعة: والصَّعْب ذو القرنين أَصبح ثاوياً ... بالحِنْوِ في جَدَثٍ أُمَيْمَ مُقِيم أَراد بذي القرنين النُّعمان بن المنذر، لأَنَّه كانت في رأْسه ضفيرتا شعر. وقال ابن شهاب الزّهريّ: سُمِّي ذا القرنين؛ لأَنَّه بلغ قَرْنَ الشَّمس من مشرقها، وقرنها من مغربها.

стр. 355

وقال وهب بن منبّه: سُمِّيَ ذا القرنين، لأَنَّه ملك فارس والروم. ٢٣٨ - وممَّا يفسّر من الشِّعر تفسيرين كالمتضادَّيْن، قول الشَّاعر: أَيَّامَ أَبْدَتْ لَنَا جِيداً وسَالِفَةً ... فقلت أَنَّى لها جِيدُ ابنِ أَجْيَادِ يُروَى روايتين مختلفتين، ويفسَّر تفسيرين مختلفين، فكان يعقوب ابن السِّكِّيت يرويه: أَنَّى لها جيدُ ابنِ أَجياد بإِضافة الجيد إِلى ابن، ويقول: ابن أَجياد ظبي يكون في جبل بناحية مكَّة، يقال له: أَجياد، أَي لها عُنُق هذا الظبي الَّذي يسكن هذا الجبل. ورواه غير ابن السِّكِّيت: أَنَّى لها جيدُ ابنُ أَجياد برفع الابن، وقال: معناه أَنَّى لها هذه العنق الجميلة الحسنة المتناهية في كمالها! قال: وليس أَجياد اسم جبل، إِنَّما هي الأَعناق، نسب الجِيد إِليها للمبالغة، كما نقول: هذا درهم ابن دراهم، وهذا دينار ابن دنانير، إِذا كان كامل الجودة والحسن، وحذف التنوين من جِيد، وأَصله جِيدٌ ابن أَجياد، لاجتماع الساكنين، قال ابن قيس: كَيْفَ نَوْمي على الفِرَاشِ وَلَمَّا ... تَشْمَلِ الشَّامَ غارَةٌ شَعْوَاءُ
следующие страницы →