← Гариб и словари

Гариб и словари · id 17077

الأضداد لابن الأنباري

ابن الأنباري

Полный текст (428 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وحدَّثنا محمد، قالَ: خبَّرنا بشر بن عمر، قال، خبَّرنا شعبة عن أَبي إِسحاق، عن أَبي عبد الرحمن السُّلَميّ، في قوله: أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ، قالَ: خبزاً وسمكاً. وحدَّثنا محمد، قالَ: حدَّثنا الحكم بن مروان، قالَ: أَخبرنا الفضل بن مرزوق، عن عطية، قالَ: كانت سمكة وجدوا فيها كلّ شيء. وأَخبرنا عبد الله بن محمد، قالَ: خبَّرنا يوسف القطَّان، قالَ: حدَّثنا جرير، عن أَشعث، عن جعفر، عن سعيد، قالَ: نزلت المائدة وهي طعام يفور؛ فكانوا يأْكلون منها قعوداً، فأَحدثوا فرفعت شيئاً، فأَكلوا على الرُّكَب، ثمَّ أَحدثوا، فرفعت شيئاً، فأَكلوا قياماً، ثمَّ أَحدثوا، فرفعت البتَّة. وأَخبرنا عبد الله، قالَ: خبَّرنا يوسف، قالَ: خبَّرنا عمرو بن حُمران، عن سعيد، عن قَتادة، قالَ: كانت مائدة ينزل عليها ثَمَرٌ من ثمار الجنَّة، وأُمِروا أَلاّ يَخونوا، ولا يخبئوا ولا يدَّخروا، بلاءً ابتلاهم الله به، فكانوا إِذا فعلوا شيئاً من ذلك أَخبرهم به عيس ﵇، قالَ: فخانوا وخبئوا وادَّخروا. وأَخبرنا عبد الله، قالَ: خبَّرنا يوسف، قالَ: أَخبرنا

стр. 352

عمرو بن حُمران، عن سعيد، عن قَتادة، عن الحسن، قالَ: لمَّا قال الله : إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فإِنِّي أُعَذِّبهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً من العالمين، قالوا: لا حاجة لنا فيها، فلم تنزل عليهم. ٢٣٥ - والجديد حرف من الأَضْداد، يقال: جديد للجديد الَّذي يعرفه النَّاس، وجديد للمقطوع، قالَ الوليد بن يزيد: أَبَى حُبِّي سُلَيْمَى أَن يَبِيدا ... وأَضحى حَبْلُها خَلَقاً جَدِيدَا أَراد خَلَقاً مقطوعاً، وأَصله مجدود، فصرف عن مفعول إِلى فعيل، كما قالوا: مطبوخ وطبيخ، ومقدور وقدير. وقالَ بعض اللُّغَويِّين: معناه: وأَضحى حبلها خَلَقاً عندها، جديداً عندي في قلبي، لأنِّي لم أَملّها كما مَلَّتْني، ولم أَنْوِ قطيعَتها كما نوتْ قطيعتي. ٢٣٦ - ومن الأَضْداد أَيْضاً أَو ممَّا يشبهها الأَحْوَى ؛ يقال: أَحْوَى للأَخضر من النَّبات الطريّ الرَّيَّان من الماء، ويقال: أَحْوَى للنَّبات الَّذي اسودَّ وجَفَّ، قالَ الشَّاعر: فما أُمُّ أَحْوَى قدْ تَحَمَّمَ رَوْقُهُ ... تُراعِي يِهِ سِدْراً وَضالاًّ تُنَاسِقُهْ أَراد بالأَحْوَى الَّذي قد اخضرَّ موضع الزَّغَب منه والشعر.

стр. 353

وقالَ الله ﵎: والَّذي أَخْرَجَ المَرْعَى. فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى، فيه تفسيران: أَحدهما: والَّذي أَخرج المرعى أَحوى أَي أَخضر غضًّا، فجعله بعد خضرته غُثُاء، أَي يابساً. والتفسير الآخر: والَّذي أَخرج المرعى فجعله يابساً أَسود، على غير معنى تقديم ولا تأْخير. أَجازهما كليهما الفرَّاء. وقال نابغة بن شيبان: وإِنَّ أَنْيَابَهَا منها إِذا ابْتَسَمَتْ ... أَحْوَى اللِّثَاتِ شَتِيتٌ نَبْتُهُ رَتَلُ أَراد بالحوة سوادَ اللِّثة، والعرب تمدح بها إِذا كانت تبين صفاءَ الأَسنان. ٢٣٧ - وممَّا يفسّر من كتاب الله تفاسير متضادة قوله تعالى: ويَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ ، فقال خالد بن مَعْدان: سَمع عمر ﵀ رجلاً يقول لِرَجلٍ: يا ذا القرنين، فقال: أَما ترضوْن أَن تسمّوا بأَسماء الأَنبياء، حتَّى صرتم تسمَّوْن بأَسماء الملائكة! وقال عبد الله بن عمر: ذو القرنين نبيّ. وحدَّثنا محمد بن يونس، قال: حدثَّنا الفضل بن دكين،

стр. 354

قال: حدَّثنا العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد، قال: مَلَك الأَرضَ: شرقَها وغربَها أَربعة: مؤمنان وكافران، فأَمَّا المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين، وأَمَّا الكافران فالَّذي حاجّ إِبراهيم في ربّه - يعني نمروذ، وبخت نَصَّر. وقال أَبو الطفيل عامر بن واثلة: شهدتُ عليّ بن أَبي طالب رضوان الله عليه قام إِليه رجل، فقال: يا أَمير المؤمنين، أَخبرني عن ذي القرنين، أَنبيًّا كان أَم مَلِكاً؟ فقال: ليس بنبيّ ولا مَلِك، ولكنَّه عبد صالح أَحبَّ الله فأَحبَّه، وناصح الله فناصحه، بعثه الله إِلى قومه فضربوه على قرنه الأَيمن فمات، ثمَّ أَحياه الله فدعاهم، فضربوه على قرنه الأَيسر فمات، وفيكم مثله. وقال الحسن: إِنَّما سمِّيَ ذو القرنين ذا القرنين؛ لأنَّه كان في رأْسه ضفيرتان من شَعَر يطأُ فيهما، قال لَبيد بن ربيعة: والصَّعْب ذو القرنين أَصبح ثاوياً ... بالحِنْوِ في جَدَثٍ أُمَيْمَ مُقِيم أَراد بذي القرنين النُّعمان بن المنذر، لأَنَّه كانت في رأْسه ضفيرتا شعر. وقال ابن شهاب الزّهريّ: سُمِّي ذا القرنين؛ لأَنَّه بلغ قَرْنَ الشَّمس من مشرقها، وقرنها من مغربها.

стр. 355

وقال وهب بن منبّه: سُمِّيَ ذا القرنين، لأَنَّه ملك فارس والروم. ٢٣٨ - وممَّا يفسّر من الشِّعر تفسيرين كالمتضادَّيْن، قول الشَّاعر: أَيَّامَ أَبْدَتْ لَنَا جِيداً وسَالِفَةً ... فقلت أَنَّى لها جِيدُ ابنِ أَجْيَادِ يُروَى روايتين مختلفتين، ويفسَّر تفسيرين مختلفين، فكان يعقوب ابن السِّكِّيت يرويه: أَنَّى لها جيدُ ابنِ أَجياد بإِضافة الجيد إِلى ابن، ويقول: ابن أَجياد ظبي يكون في جبل بناحية مكَّة، يقال له: أَجياد، أَي لها عُنُق هذا الظبي الَّذي يسكن هذا الجبل. ورواه غير ابن السِّكِّيت: أَنَّى لها جيدُ ابنُ أَجياد برفع الابن، وقال: معناه أَنَّى لها هذه العنق الجميلة الحسنة المتناهية في كمالها! قال: وليس أَجياد اسم جبل، إِنَّما هي الأَعناق، نسب الجِيد إِليها للمبالغة، كما نقول: هذا درهم ابن دراهم، وهذا دينار ابن دنانير، إِذا كان كامل الجودة والحسن، وحذف التنوين من جِيد، وأَصله جِيدٌ ابن أَجياد، لاجتماع الساكنين، قال ابن قيس: كَيْفَ نَوْمي على الفِرَاشِ وَلَمَّا ... تَشْمَلِ الشَّامَ غارَةٌ شَعْوَاءُ

стр. 356

تُذْهِلُ الشَّيخ عنْ بَنِيهِ وتُبْدِي ... عَنْ خِدَامِ العقيلَةُ العَذْراءُ أَراد عن خدامٍ، فأَسقط التنوين. وأَنشَدَ الفرَّاءُ: لَتَجِدَنِّي بالأَميرِ بَرّا ... وبالقناةِ مِدْعَساً مِكَرَّا إِذا غطيفُ السُّلَمِيُّ فَرَّا أَراد غطيفٌ فأَسقط التنوين لسكونه وسكون السِّين. وقول يعقوب بن السِّكِّيت هو اختيارنا، وعليه أَكثر أَهل اللُّغة. ٢٣٩ - وقال قُطْرب: فَعُول من حروف الأَضْداد. يُقال: رَكوبٌ للرَّجل الَّذي يركب، ورَكوب للطَّريق، الَّذي يركب، وأَنشَدَ: يَدَعْنَ صَوَّانَ الحَصَى رَكُوبَا أَي مركوباً، وأَنشَدَ لأَوس بن حَجَر: تَضَمَّنَها وَهْمٌ رَكوبٌ كأَنَّه ... إِذا ضَمَّ جنبيه المخارم رَزْدَقُ الرزدق: الصفّ من النَّاس، وأَصله أَعجمي. ٢٤٠ - قال: وكذلك، الفَجوع يكون الفاجع والمَفْجُوع. ٢٤١ - قال: وقال أَبو طفيلة الحِرْمازيّ: ذعرتَ ذَعورا ،

стр. 357

قال: فيَحتمل تأْويلين: أَحدهما ذَعَرْت رجلاً مَذْعُوراً، والتأْويل الآخر ذَعرت رجلاً يذعَر النَّاس. ٢٤٢ - قال: وكذلك الزَّجُور ؛ يُقال للزاجر، وللنَّاقة الَّتي لا تدرّ حتَّى تُزْجر وتُضرب. ٢٤٣ - والرَّغوث مثله، يُقال: رَغوث للَّتي يرغَثُها ولدها، فيكون للمفعول، ويُقال: رَغوث للولد الَّذي يرغثها، فيكون الفاعل. ٢٤٤ - ويُقال: نَهوز للَّتي لا تَدِرّ حتَّى يُوجَأَ ضَرْعُها، ونَهوز للَّتي تَنْهَزُ الزِّمام برأْسها. ٢٤٥ - ويُقال: غَموز ، للَّذي يَعْمِز، وغَموز للَّتي إِذا غُمِزَ ضرعُها دَرَّت. ٢٤٦ - ويُقال: عَصُوب ، للَّتي لا تَدِرّ حتَّى يُعْصَبَ أَنفُها، وعَصُوب للَّذي يَعْصِب. ٢٤٧ - ٢٤٩ - ويُقال: شَكُوك وضَغوث وعَروك ، في لمس السّنام إِذا مُسَّ فنُظِر هل بها طِرْقٌ أَم لا، يُقال: ضغثتها أَضغثها ضَغْثاً، وعركتُها أَعرُكها عَرْكاً.

стр. 358

٢٥٠ - قال: والظَّؤور: الَّتي تُعْطَفُ مع أُخرى على ولد غيرها. ٢٥١ - والرَّحول: الَّتي تَصْلُح لأَنْ يُوضَع الرَّحْلُ عليها. ٢٥٢ - ونَخور: للَّتي لا تَدِرّ حتَّى تُضرب وتُدْخَلُ اليدُ في مَنْخِرِها. ٢٥٣ - وطَعوم: للَّتي بين الغَثَّة والسَّمِينة. ٢٥٤ - وزَعُوم: للَّتي يزعم بعض النَّاس أَنَّ بها نِقْيا، ويزعم بعضهم أَنْ لا نِقْيَ بها، والنِّقي: المُخّ. قال: وربَّما زادوا الهاءَ في المفعولة، فقالوا: حَلُوبة وأَكولة، وظَعونة، للَّتي يُظعَن عليها، وقَتُوبة للَّتي يوضع الأَقتاب عليها. وقال: أَنشدني يونس: إِنِّي أَرَى لَكَ أَكْلاً لا يقوم بِهِ ... مِنَ الأَكُولَةِ إِلَاّ الأَزْلَمُ الجَذَعُ وقال الفرَّاءُ: إِذا كان فعول للفاعل لم تدخله الهاءُ، كقولهم: رجل كَفور، وامرأَة كَفور، وكذلك امرأَة غَضُوب، وصَبور، وقَتول؛ لأَنَّه لم يكن على فِعِل إِذْ كان صبَر؛ يقال في المبنيّ عليه صابِر وصابرة، فلمَّا لم يقع

стр. 359

مبنيًّا على فِعْل تدخله علامة التأْنيث، استوى في لفظه المذكَّر والمؤنَّث، وإِذا كان للمفعول دخلتْه الهاءُ في باب التأْنيث، لِيُفْرَقُ بين المفعول والفاعل، فيقال في المفعول: أَكُولة، وحُلوبة، وجَزُورة، وظَعُونة. وربَّما حذفوا الهاءَ من المفعول إِذا أَرادوا الإِبهام، ولم يقصدوا قصد واحد بعينه؛ من ذلك قوله : فمِنْها رَكُوبُهُمْ، ذكر رَكوبا لأَنَّه أَراد الإِبهام، فمنها ما يركبون. وكان عبد الله بن مسعود يخصّص فيدخل الهاءَ ويقرأْ: فمِنْها رَكُوبَتُهُمْ، وكذلك الحَلُوب والحَلُوبة. أَنشدنا عبد الله بن الحسن، قال: أَنشدنا يعقوب بن السِّكِّيت لكعب بن سعد الغنويّ: يَبِيتُ النَّدَى يا أُمَّ عَمْرٍو ضَجِيعَهُ ... إِذا لن يَكُنْ في المُنْقِيَاتِ حَلُوبُ وأَنشدنا أَبو العباس، عن سلمة، عن الفرَّاءِ: يُبِيت بضم الياءِ، على معنى يُبيت الرَّجل النديّ. وحذفت الهاءُ من رَغوث، لأَنَّ المذكَّر من جنسها لا يوصف برَغوث، فجرى رَغوث مجرى حائض وطالق، إِذا ذُكِّرا في وصف المؤنَّث، من أَجل أَنَّ المذكَّر لا حظَّ له فيها، فرَغوث

стр. 360

عند الفرَّاءِ وأَصحابه ليس من الأَضْداد، وكذلك الحروف الَّتي عدَّدها قُطْرب إِذْ كان زَجُور توصف النَّاقة به ولا يوصف به البعير، وَوَصْف الرَّجل به لا يقع مضادًّا لوصف النَّاقة به؛ إِذا كان من غير جنسها، فهذان الفرقان بين البابين. ٢٥٥ - ومن حروف الأَضداد دَهْوَرَ دَهْوَرَةً ؛ يُقال: دَهْوَرَ الرَّجل إِذا أَكل، ودَهْوَر إِذا أَحدث. ٢٥٦ - ومنها أَيْضاً المسيح ؛ يُقال: المسيح لعيسى بن مريم ﵇، ويُقال: المسيح للدَّجَّال، وبعضهم يقول في صفة الدَّجَّال المِسِّيح. حدَّثنا إِسماعيل بن إِسحاق القاضي، قال: حدَّثنا عبد الله ابن مسلمة، قال: قال رسول الله ﷺ : أَراني اللَّيلَةَ عند الكعبة، فرأَيت رجلا آدم، كأَحسن ما أَنت راءٍ من الرِّجال، له لِمَّة كأَحسن ما أَنت راءٍ من اللِّمَم، قد رَجَّلَها فهي تقطر ماءً، متَّكئاً على رَجُلين - أَو على عواتق رَجُلين - يطوفُ بالبيت، فسأَلت: مَنْ هذا؟ فقيل: المَسيح بن مريم. ورأَيت رجلاً جَعْداً قَطَطاً، أَعوَر العين اليمنى، كأَنَّها عِنبة طافية، فسأَلت: مَنْ هذا؟ فقيل: المسِّيحُ الدجَّال فمن قرأَ المَسيح

стр. 361

في صفة الدجال، قال: أَصلُه الممسوح العين، فَصُرِف عن مفعول إِلى فعيل، كما قالوا: مجروح وجريح، ومطبوخ وطبيخ. ومن قال في صفته المِسِّيح، قال: هذا بناء للمبالغة في الوصف ومجراه مجرى قولهم: رجل فِسِّيق سِكِّير خِمِّير، هذا وما أَشبهه. وقال أَبو العباس: إِنَّما سُمِّيَ عيسى ﵇ مَسيحاً لأَنَّه كان يَمْسح الأَرض، أَي يقطعها؛ فهو عنده فَعِيل من المَسْح. وقال غيرُه: إِنَّما سُمِّيَ مَسيحاً لسياحته في الأَرض، فوزنه من الفعل مَفْعِل، وأَصله مَسِيح، فحوِّلت كسرة الياءِ إِلى السِّين. وقال بعض المفسِّرين: سُمِّيَ مَسيحاً لأَنَّه خرج من بطن أُمّه ممسوحاً بالدّهن، فأَصله ممسوح، حُوِّل إِلى مَسِيح. وقال آخرون: سُمِّيَ مَسيحاً لأَنَّه كان أَمسح الرِّجْل، ليس لرجله أَخْمَص، والأَخْمَص: ما ارتفع عن الأَرض من وسط داخل الرِّجْل. ويُحكى عن ابن عباس أَنَّه قال: سُمِّيَ مَسيحاً، لأَنَّه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إِلَاّ بَرَأ. وقال إِبراهيم النَّخْعِيّ: المسيح: الصدِّيق. ٢٥٧ - ومن حروف الأَضْداد البُحْتر ؛ يُقال: رجل

стр. 362

بُحْتر، إِذا كان قصيراً، أَو بُهتر، بالهاءِ أَيْضاً. ويُقال: رجل بُحتر، إِذا كان عظيماً. ذكر هذا قُطْرب، وما علمنا أَحداً وافقه؛ على أَنَّ البحتر يقال للعظيم، قال الفرَّاءُ: يُقال: رجل بُحتر وبُهْتُر وبُحْتريّ؛ إِذا كان قصيراً، وامرأَةٌ بُحترة وبُهترة وبُحتريَّة، إِذا كانت قصيرَةُ، من نسوة بحاتر وبهاتر، وأَنشَدَ: لَعَمْرِي لَقَدْ حَبَّبْتِ كلَّ قصيرةٍ ... إِليَّ وما تَدرِي بذاك القصائرُ عَنَيْت قَصُوراتِ الحِجالِ ولم أرِدْ ... قِصار الخُطى شرُّ النِّساءِ البحاتِرُ القَصورة: المحبوسة في خِدرها، ويقال لها أَيْضاً: مقصورة، فمقصورة معناها محبوسة، من قول الله : حُورٌ مَقْصُورَاتٌ في الخِيَام. ٢٥٨ - وقال قُطْرب: من الأَضْداد أَهْنَف الرَّجُل إِهْنافاً ، إِذا ضحك، وإِذا بكى. وقال غير قُطْرب: تهانف معناه: قال: إِيهاً إِيهاً، في البكاءِ، قال الرَّاعي: تَهَانَفْتَ واسْتَبْكاكَ رَسْمُ المنازلِ ... بقَارةِ أَهْوَى أَو سويقةِ حَائلِ

стр. 363

القارة: جُبَيل صغير، ويُروَى: أَو سويفة حائل، بالفاءِ. ٢٥٩ - ومن الأَضْداد أَيْضاً: وقعوا في أُمّ خَنُّور ، إِذا وقعوا في داهية وبلاء، ووقعوا في أُمّ خَنُّور، إِذا وقعوا في نعمة. ٢٦٠ - ومنها أَيْضاً ثوب قشيب للجديد، وثوب قشيب للخَلَق. ٢٦١ - ومنها الجُرْموز: الحوض العظيم يُحتاض على الأَرض، والجُرْموز: البيت الصغير، حكاها قُطْرب. ٢٦٢ - وقال: من الأَضْداد ناقة فَاطم ، إِذا فُصِلَ ولدها، وفاطم للَّتي فُطِمت هي. ٢٦٣ - ومخوض ، للَّتي ضَرَبها المخاض، وهي الماخض أَيْضاً. وقد قدمنا من تفسير فعول إِذا كان للفاعل والمفعول ما يغني عن الإِعادة. ٢٦٤ - ومن الأَضْداد أَيْضاً النَّهيك: الشّجاع القويّ، يُقال: قد نَهُكَ نهاكة، إِذا قوِيَ واشتدَّ، والنَّهيك: الَّذي قد نَهِكَه المرض، وأَصله مَنْهوك، يُقال: نَهِكَه المرض ينهكُه، وأَنهكه السُّلطان عُقوبة. وقد بعضهم نَهِكَه السُّلطان بغير أَلف. ٢٦٥ - وممَّا يفسّر من كتاب الله تفسيرين متضادَّين قوله: والعَادِيَاتِ ضَبْحاً ، يقول بعضهم:

стр. 364

العاديات الخيل، والضَّبْح: صوت أَنفاس الخيل إِذا عَدَوْن؛ يُقال: قد ضَبَح الفرس، وقد ضَبَح الثعلب، وكذلك ما أَشبههما. ويُقال: العاديات: الإِبل، وضَبْحاً، معناه ضَبْعاً، فأُبدلت الحاءُ من العين، كما تقول العرب: بُعْثِر ما في القبور، وبُحْثِر ما في القبور؛ فمن قال: العاديات: الخيل، قال: هي المُوريات قَدْحاً؛ لأَنَّها تُورى النَّار بسنابكها؛ إِذا وقعتْ على الحجارة، وهي المغيرات صبحا. ومن قال: العاديات: الإِبل، قال: الموريات قدحاً، الرِّجال؛ يُتبيَّن من رأْيهم ومكرهم ما يُشبه النَّارَ الَّتي تورى في القَدْح. والمغيرات صبحا: الإِبل، يُذْهَب إِلى أَنَّها تعدو في بعض أَوقات الحجّ وكذلك تُغير، على أَنَّ الإِسراع بها يشبه الإِسراع في حلال الإِغارة. حدَّثني أَبي، قال: حدَّثنا الحسن بن عرفة، قال: حدَّثنا يونس المؤدب، قال: حدَّثنا حماد، عن سماك، عن عكرمة، قال: الموريات قدحا الأَلسنة. وكان عليّ بن أَبي طالب رضوان الله عليه يقول: العاديات: الإِبل. وكان ابن عباس ﵀ يقول: العاديات: الخيل. أَخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدَّثنا أَبو همام، قال: حدَّثنا ابن وهب، قال: أَخبرني أَبو صخر، عن أَبي معاوية البجليّ، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، أَنَّه

стр. 365

حدَّثه، قال: بينما أَنا جالس في الحِجْر، جاءَني رجل، فسأَلني عن العاديات ضَبْحا، فقلت: هي الخيلُ حين تُغِيرُ في سبيل الله، ثمَّ يَأْوون باللَّيل، فيصنَعون طعامهم، ويُورُون نارهم. فانفتل عنِّي وذهب إِلى عليّ بن أَبي طالب ﵁، وهو تحت سِقاية زمزم، فسأَله عن العاديات ضَبْحا، فقال له: أَسأَلت عنها أَحداً قبلي؟ قال: نعم، سأَلت ابن عباس فقال: هي الخيل حين تُغير في سبيل الله. فقال: اذهب فادْعُه لي، فلمَّا وقفتُ على رأْسه، قال: إِنْ كانت أَوَّل غزوة في الإِسلام لَبَدْراً، وما كان معنا إِلَاّ فَرَسان: فرس للزبير وفرس للمقداد. فكيف تكون العاديات الخيل! إِنَّما العاديات ضَبْحا، مِنْ عَرفة إِلى المزدلفة، ومن المزدلفة إِلى مِنًى، فإِذا كان الغد فالمُغيرات صُبْحا إِلى مِنًى؛ فذلك جمع، فأَمَّا قوله: فَأَثَرْنَ به نَقْعاً فهو نَقْع الأَرض حين تطؤُه بأَخفافها. قال ابن عباس: فنزعتُ عن قولي، ورجعتُ إِلى قول عليّ ﵇. ٢٦٦ - ومن الأَضْداد قولهم: فلان من أَهل الحَضَارة ، إِذا كان من أَهل الحَضر، ومن أَهل الحَضَارة، إِذا كان من أَهل البادية.

стр. 366

٢٦٧ - وقال قُطْرب: الحِرْفة من الأَضْداد، يُقال: قد أَحرف الرَّجُل إِحرافاً إِذا نما ماله وكثر، والاسم الحِرْفة من هذا المعنى. قال: والحِرْفة عند الناس الفقر، وقلَّة الكسب؛ وليست من كلام العرب، إِنَّما تقولها العامَّة. ٢٦٨ - قال: ومن الأَضْداد قولهم: رَبَع الرَّجُل يَرْبَع رَبْعاً ، إِذا أَقام، والرَّبْعة: السَّير الشَّديد. قال أَبو بكر: وهذا عندي ليس من الأَضْداد؛ لأَنَّ الرَّبْعة لا تقع على الإِقامة إِلَاّ بإِبطال هذا اللفظ والانتقال منه إِلى لفظ آخر؛ وإِنَّما يكون الحرف من الأَضْداد إِذا وقع على معنيين متضادَّين، ولفظُه واحد في البابين؛ فإِذا اختلف اللَّفظان، بطل أَن يكون الحرف من حروف الأَضْداد. ٢٦٩ - ومنها أَيْضاً الأَعور . يُقال: أَعْور للذَّاهبة إِحدى عينيه، وأَعور للصحيح العينين، ويُقال: غراب أَعْور لصحَّة بصره، قال الشاعر: في الدَّارِ تَحْجَالُ الغُرابِ الأَعْوَرِ

стр. 367

ويُقال: بصير للَّذي يُبْصِر بعينيه، وبَصير للأَعمى، وإِنَّما قيل للأَعمى بصير على جهة التفاؤل له بالإِبصار؛ كما قيل للمهلَكة مفازة، وللَّديغ سَلِيم. ٢٧٠ - وممَّا يفسَّر من كتاب الله جلَّ اسمه تفسيرين متضادين، قوله جلّ وعزّ: ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَمائةِ سِنِينَ وازْدَادُوا تِسْعاً ، يُقال: هذا ممَّا أَخبر الله جلَّ وعزَّ به، ودلَّ العالَمَ فيه على حقيقة لبثهم. وقال آخرون: هذا ممَّا حكاه الله عن نصارى نجران، ولم يصحح قولهم وما ادَّعوه فيه، واحتجُّوا بقراءةِ عبد الله بن مسعود: قَالوا ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ، واحتجُّوا أَيْضاً بقوله : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ، فقوله: ولَبِثُوا منعطف على قولهم الأَوَّل، وغير خارج من معناه. وقالوا: الدَّليلُ على أَنَّه من كلام نصارى نجران، قوله : قل اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا، أَي لا تقبلْ ذا القولَ منهم؛ وهذا من المبهَمَات الَّتي لا يعلمُها راسخ

стр. 368

العلم، بل ينفرد الله بعلمها دون خلقِه. وقال أَصحاب القول الأَوَّل: قوله جلّ وعزّ: قلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا، معناه: الله أَعلم بلَبْثِهم مذ يوم أُميتوا إِلى هذا الوقت، ومقدار لَبْثِهم مذ يوم ضُرِب على آذانهم في الكهف إِلى وقت انتباههم ثلثمائة سنة وتسع سنين؛ وقد استقصينا تفسير هذه المسألة في كتاب: الردّ على أَهل الإِلحاد في القرآن. ٢٧١ - ومن الأَضْداد أَيْضاً قولهم: قد أَغار الرَّجُل إِلى القوم. إِذا أَغاثهم وأَعانهم وقاتل عنهم، وقد أَغار على القوم إِغارة، إِذا قصدهم مغترِّين، فقتلَهم وسلبَهم وانتهبَهم. ٢٧٢ - وممَّا يفسَّر من القرآن تفسيرين متضادّين قول الله : وبَيْنَهُما حِجَابٌ وعلى الأَعْرافِ رِجَالٌ يَعْرِفونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ . يُقال: أَصحاب الأَعراف قوم من أُمَّة محمد ﷺ تستوي حسناتهم وسيآتهم، فيُمنَعُون الجنَّة بالسَّيآت، ويُمنعون النَّار بالحسنات؛ فهم على سُورٍ بين الجنَّة والنار، إِذا نظروا إِلى أَهل الجنَّة، قالوا: السَّلام عليكم، وإِذا

стр. 369

نظروا إِلى أَهل النَّار: قالوا ربَّنا لا تَجْعَلْنَا معَ القَوْمِ الظالمين. وحدَّثنا أَبو الحسن علي بن محمد بن أَبي الشوارب القاضي، قال: حدَّثنا أَبو الوليد، قال: حدَّثنا أَبو معشر، عن يحيى ابن شِبْل الأَنصاريّ، عن عمر بن عبد الرحمن المزنيّ عن أَبيه، قال: سئل رسول الله ﷺ عن أَصحاب الأَعراف، فقال: هم قوم قُتِلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم. فمنعهم الجنَّة معصيةُ آبائهم، ومنعهم النَّارَ قتلُهم في سبيل الله . وقال بعض المفسرين: أَصحاب الأَعراف ملائكة. أَخبرنا أَحمد بن الحسين، قال: حدَّثنا عثمان بن أَبي شيبة، قال: حدَّثنا وكيع، عن عمران بن حدير، عن أَبي مَجْلَز، قال: أَصحاب الأَعراف ملائكة، قال: فقلت له: يقول الله : رِجَالٌ، وتقول أَنت: ملائكة! قال: إِنَّهم ذكور وليسوا بإِناث. ٢٧٣ - ويفسَّر أَيضاً قولُه : لا خَوْفَ عَلَيْكُمْ ولا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ تفسيرين متضادين، فيقول الكلبيّ: هذا يقوله الله لأَصحاب الأَعراف، وقال: يَرَى أَصحابُ الأَعراف في النَّار رؤساءَ المشركين فينادونهم:

стр. 370

يا عاصي بن وائل، ويا وليد بن المغيرة، ويا أَسود ابن المطلب، ويا أَبا جهل بن هشام؛ ما أَغنى عنكم جَمْعُكم في الدُّنيا، وما كنتم تستكبرون؛ إِذ أَنتم الآن في النَّار! ويَرَوْنَ في الجنَّة المستضعفين من المسلمين: سَلْمان الفارِسيّ، وعمَّار ابن ياسر وصُهَيْباً، وعامر بن فُهَيرة، فيقولون للمشركين: أَهؤلاءِ الذين أَقسمتم لا ينالهم الله برحمة! فيقول الله تبارك وتعالى لأَصحاب الأَعراف: ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفَ عَلَيْكُمْ ولا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ. وقال مُقاتل بن سليمان: يُقسِم أَهلُ النَّار أَنَّ أَصحاب الأَعراف لا يدخلون الجنَّة، فتقول لهم الملائكة الذين حبسوا أَصحاب الأَعراف على الصراط: أَهؤلاءِ الذين أَقسمتم لا ينالهم الله برحمة! ويقولون لهم أَيضاً: ادخلوا الجنَّة لا خوف عليكم ولا أَنتم تحزنون. والأَعراف عند العرب: ما ارتفع وعلا من الأَرض، ويستعمَل في الشَّرف والمجد، وأَصله البِناء، قال الشَّاعر: وَرِثْتُ بِناَء آباءٍ كرامٍ ... عَلَوْا في المَجْدِ أَعرافَ البِنَاءِ وواحد الأَعراف عُرْف. ٢٧٤ - ومن الأضداد أَيضاً أَضَبَّ القومُ إِضباباً ، إِذا تكلَّموا، وأَضَبُّوا، إِذا سكتوا.

стр. 371

٢٧٥ - ومنها أَيضاً الخابط: النائم، والخابط الَّذي يخبط الأرض بيده ورِجليه، ويُقال: قد خَبَط الطِّينَ؛ إِذا اضطرب فيه. ٢٧٦ - وقال قُطْرب: من الأضداد قولهم: قد خَذِمَتِ النَّعْلُ ، إِذا انقطعت عُرْوَتُها وشِسعُها، وأَخْذَمْتُها، إِذا أَصلحْتَ عُرْوتها وشِسْعَها. وهذا ليس عندي من الأضداد؛ لأنَّ خذمْت لا يقع إِلَاّ على معنى واحد، وكذلك أَخْذَمْت، ولفظ أَخْذَمْت يخالف لفظ خذمت؛ وما لم يعبِّر إِلَاّ عن معنًى ولحد بلفظه لا يكون من الأضداد، ومعروف في كلام العرب: خَذِمَت النعلُ وأَخْذَمْتُها، على ما وصف قُطْرب، قال الهُذلِيّ يمدح رجلاً: حَذَانِي بَعْدَما خَذِمَتْ نِعَالِي ... دُبَيَّةُ إِنَّه نِعْمَ الخليلُ بِمُورِكَتَيْنِ مِنْ صَلَوَيْ مُشِبٍّ ... من الثِّيران عَقْدُهما جَميلُ دُبَيَّة: اسم رجل، وهو تصغير دَبَاة. والمُوركة من النعل: بمنزلة الوَرِك من الإِنسان. ويُقال: هي وَرِك الإِنسان،

стр. 372

ويجوز وَرْكَهُ ووَرَكَهُ. وقول العرب: ثَنَى الفارسُ وَرِكه فنزل، ليس هو من هذا في شيء، إِنَّما معناه ثَنَى رِجْلَه. ٢٧٧ - ومن الأضداد أَيضاً الحَوْمان: المكان السهل يُنْبِت العَرْفَج، والحَوْمَانَة: الموضع الغليظ الخشن، وجمعها حَوَامِين. ويجوز أَن يقال في جمعها: حَوْمان، فيكون بين الجمع والواحد الهاءُ، كما قالوا: نَخْلة ونَخْل، وتَمْرة وتمر، قال زُهَير: أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَةٌ لَمْ تَكَلَّمِ ... بحَوْمَانَةِ الدَّرَّاجِ فالمُتَثَلَّمِ ٢٧٨ - ومنها أَيضاً التَّبِيع: التابع، والتبيع المتبوع، قال الله جلَّ ذكره: ثُمَّ لا تَجِدُوا لكُمْ عَلَيْنَا تَبِيعاً، أَي تابعاً مطالباً. ٢٧٩ - وقال قُطْرب: من الأضداد قولهم: قد جَمَّرْتُ المرأَةَ ، إِذا جعلتَ لها كالنَّزَعَتَيْن من حَلْق ونَتْف، والنَّزَعة: ما ينحسر من شَعَرِ جانِبَي الرأْس الَّذي يَعْضُد، نابت في الجبين، قال: ويقال للذؤابة جِمَار، ويُقال: للمرأَةِ جِمَاران، أَي ذؤابتان ضُفِرَتا مُقْبِلَتَيْن على وجْهها.

стр. 373

ويُقال: قد جَمَّرْتُ الجُنْدَ. وفي الحديث: ولا تُجمِّروا جُنُودَكُمْ، أَي لا تقطعوا نَسْلَهُم. وقال غير قُطْرب: الجِمَار: الحجارة الصِّغار؛ ومن ذلك رميُ الجِمَار، ومنه قولهم: قد اسْتَجْمَرَ الرَّجُل، إِذا استنجى بالأَحجارِ الصِّغار، قال المؤمّل: رَمَتْ بالحَصَى يَوْمَ الجِمَارِ فَلَيْتَهُ ... بعَيْنِي وأَنَّ الله حَوَّلَهُ جَمْرَا فقول قُطْرب: جَمَّرت المرأَة، ولها جِماران، من الأضداد ليس بصحيح؛ لأَنَّ جَمَّرت لا يكون بمعنى وفَّرت الشعر؛ ولا يقال: جمار لما يضادّ الذؤابة، فلا وجهَ لإِدخاله في حروف الأضداد. ٢٨٠ - ومن الأضداد التفطّر ؛ التفطّر: أَلَاّ يَخْرُج من لبن النَّاقة شيء، والتفطّر: الحَلَب، والتفطّر الانشقاق، قال الله : تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ. ٢٨١ - وقال قُطْرب: الزَّوج من الأضدادِ؛ يُقال: زَوْج للاثنين وزَوْج للواحد.

стр. 374

وهذا عندي خطأ، لا يُعْرَفُ الزوجُ في كلام العرب لاثنين، إِنَّما يقال للاثنين زَوْجان؛ بهذا نزل كتاب الله، وعليه أَشعار العرب، قال الله : وأَنَّهُ خَلَق الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثَى، أَراد بالزوجيْن الفردين، إِذْ تَرْجَم عنهما بذكر وأُنثى. وقال عزَّ ذكره: ثَمَانِيَةَ أَزْواج مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ ومِنَ الإِبِلِ اثْنَيْن ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ، فكان المعنى ثمانية أَفراد، أَنشأَ من الضأْن اثنين، وكذلك ما بعدهما، فالأَزواج معناها الأَفراد لا غير، والعرب تُفرد الزوج في باب الحيوان، فيقولون: الرَّجُل زوج المرأَة، والمرأَة زَوْج الرَّجُل؛ ومنهم من يقول زوجة، قال عَبْدة بن الطَّبيب: فبَكَى بَنَاتِي شَجْوَهُنَّ وزَوْجَتِي ... والأَقْرَبُونَ إِليَّ ثمَّ تَصَدَّعُوا وأَنشدنا أَبو العباس، عن سلمة، عن الفرَّاء: وأَنَّ الَّذي يَمْشِي يُحرِّشُ زَوْجَتي ... كَمَاشٍ إِلى أُسْدِ الشَّرى يَسْتَبِيلُها وإِذا عدلت العرب عن النَّاس إِلى الحيوان، فقالوا: عندي زوجان من حمام، أَرادوا: عندي الذَّكر والأُنثى، فإِذا احتاجوا

стр. 375

إِلى إِفراد أَحدهما لم يقولوا للذكر زوج وللأُنثى زوجة، ولكنَّهم قالوا للذكر فَرْد، وللأُنثى فردة، والقياس زوج وزوجة؛ إِلَاّ أَنَّهم تنكبُوهما اكتفاء بالفرد والفردة. وكذلك يقال للشيئين المصطحبين: زوْجان، كقولهم: عندي زوْجان من الخِفاف، يريدون اثنين، وكذلك زوجان من النِّعال. ويقال للأبيض والأَسود زَوْجان، وللحُلْو والحامض زوجان، ولا يقال لأَحدهما زَوْج، فمن ادَّعى أَنَّ الزَّوْج يقع على الاثنين فقد خالف كتاب الله جلّ وعزّ وجميع كلام العرب، إِذ لم يوجد فيهما شاهد له، ولا دليل على صحَّة تأَوُّله. ٢٨٢ - ومنها أَيْضاً العاقل ؛ يُقال: رجل عاقل، إِذا كان حَسن التمييز، صحيحَ العقل والتدبير، ويُقال: وَعِل عاقل وهو ممَّا لا يعقِل، يراد به: قد عَقَل نفسه في الجبل، فما يَبْرَح منه، ولا يطلب به بدلاً، قال الشَّاعر: لَقَدْ خِفْتُ حتَّى ما تَزِيدُ مَخافَتي ... على وَعِلٍ في ذِي المَطَارَةِ عاقِلِ أَي حابس نفسه في هذا الموضع. ويجوز أَن يكونا متضادَّيْن، وأَن يُقال: أَصل العقل في اللغة الحبس، فإِذا

стр. 376

وُصف الرَّجُل بالعقل ذُهِب إِلى أَنَّه يحبس نفسه عن الأُمور الدَّنيَّة، ويمنعها من الدخول فيما يلحقه من جهته العار والعيب؛ وإِذا وُصِف الوَعِل به ذُهِب إِلى أَنَّه يحبس نفسه في الجبل، ويمنعها من التَّصرُّف في غيره. ٢٨٣ - ومن الأَضْداد أَيْضاً الفارض والفوارض ؛ يُقال: الفارض للبقر العظام الَّلاتي لَسْنَ بصغار ولا مِراض. ويُقال: الفارض للمِراض، وقد يُقال: فارض لغير البقر، قال أَبو محمد الفقعسِيّ: لَهُ زُجَاجٌ ولَهَاةٌ فارِضُ ... هَدْلاءُ كالوَطْبِ نَحاهُ الماخِضُ وقال الله : إِنَّها بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ، أَراد بالفارض المُسنَّة، وبالبِكْر الصغيرة، وبالعَوان الَّتي هي بين الصغيرة والكبيرة، قال الشَّاعر: لَعَمْرِي لَقَدْ أَعْطَيْتَ ضَيْفَكَ فَارِضاً ... تُساقُ إِلَيْهِ لا تَقُومُ على رِجْلِ ولَمْ تُعْطِهِ بِكْراً فيَرْضَى سَمِينَةً ... فكَيْفَ يُجازِي بالعطيَّةِ والبَذْلِ ويُقال: امرأَة عَوان، إِذا كانت ثَيِّبا، وحرب عَوان، إِذا قُوتِل فيها مرَّةً بعد مرَّة، وحاجة عَوان إِذا طُلِبَتْ مرَّةً بعد مرَّة، قال الشَّاعر:

стр. 377

قُعُوداً لَدَى الأَبْوابِ طُلَاّبَ حاجةٍ ... عَوانٍ من الحاجاتِ أَو حاجةٍ بِكْرَا وقال آخر، وهو قيس بن الخَطِيم: فَهَلَاّ لَدَى الحَرْبِ العَوَانِ صَبَرْتُمُ ... لوَقْعَتِنَا والبأْسُ صَعْبُ المراكبِ وقال كعب بن مالك: فَلَا وأَبيكِ الخيْرِ ما بَيْنَ وَاسطٍ ... إِلى رُكْنِ سَلْعٍ مِنْ عَوَانٍ ولا بِكْرِ أَحَبُّ إِلى كَعْبٍ حَدِيثاً ومَجْلِساً ... مِنِ اخْتِ بَني النَّجَّارِ لَوْ أَنَّها تَدْرِي وحكى المعنيين الأَوَّلَيْن في الفوارض قُطْرب. ٢٨٤ - وقال: من الأَضْداد قولهم: اسْتَقْصَيْتُ الحديث استقصاء . إِذا اختصرتَه، فحدَّثْتَ من أَوَّله أَو من وسطه، أَو من آخره. واستقصيتُه استقصاء، إِذا لم أَدَعْ مِنْهُ شيئاً. ٢٨٥ - وقال: ومِنها أَيْضاً الشَّجاعة . قال: شجاع قويّ، وشجاع ضعيف. ٢٨٦ - قال: ومنها أَمعن بحقِّي إِمعاناً، إِذا أَقَرَّ به. وأَمعن به إِمعاناً، إِذا هرب منه. ٢٨٧ - وقال غيره: الأَكْمه من الأَضْداد. يُقال: أَكْمَه

стр. 378

للَّذي تلِدُه أُمُّه أَعمى. قال الله : وأُبْرِئُ الأَكْمَهَ والأَبْرَصَ، فقال أَبو عُبيدة: الأَكْمَه: الَّذي يُوَد أَعمى، وأَنشد لرؤبة: هَرَّجْتُ فارْتَدَّ ارتداد الأَكْمَهِ ... في غائلاتِ الحائِرِ المُتَهْتِهِ وقال ورقاءُ عن ابن أَبي نَجِيح، عن مُجاهد: الأَكْمَه: الَّذي يُبْصر في بالنهار، ولا يُبْصر في اللَّيل. وحدَّثنا محمد بن يونس، قال: حدَّثنا حفص بن عمر العدنيّ، قال: حدثَّنا الحم بن أَبان، عن عِكْرِمة في قوله: وأُبْرِئُ الأَكْمَهَ، قال: الأَعمش. ويُقال: إِنَّ قَتادة بن دِعامة كان أَكْمَه، ولِدته أُمُّه أَعمى، ويُقال: الأَكْمَه: الأَعمى وإِن وُلد بَصيراً فَحدَث به العمى، وقد كَمِه الرَّجُل إِذا عَمِيَ، قال الشَّاعر: كَمِهَتْ عَيْنَاهُ حتَّى ابْيَضَّتَا ... فهُوَ يَلْحَى نَفْسَهُ لَمَّا نَزَعْ ٢٨٨ - ومن حروف الأَضْداد قولهم: قَدْ تَغَشْمَرَ الرَّجُلُ ؛ إِذا ركب بالباطل، وتَغَشْمَرَ، إِذا ركب الحقّ. حكاهما قُطْرب وهو في الشرّ أَعرف وأَشهر، قال الشَّاعر يرثي حُجْر بن عديّ:

стр. 379

فَيَا حُجْرُ مَنْ للخَيْلِ تَدْمَى نُحُورُها ... وللمَلك المُعْزَى إِذا ما تَغَشْمَرَا ومَنْ صادِعٌ بالحقِّ بعدكَ ناطقٌ ... بتقوَى ومَنْ إِنْ قيلَ بالجَوْرِ غَيَّرا ٢٨٩ - وقال قُطْرب: يهوِي من حروف الأَضْداد؛ يكون بمعنى يصعد، ويكون بمعنى ينزل، وأَنشد: والدَّلْوُ تَهْوِي كالعُقَابِ الكاسِرِ وقال: معناه تصعد، والمعروف في كلام العرب: هَوت الدّلو تَهوِي هَوِيًّا، إِذا نزلت، قال ذُو الرُّمَّة: كأَنَّ هَوِيَّ الدَّلْوِ في البئرِ شَلُّهُ ... بذات الصّوَى آلافهُ وانشلالُها آلافه: جمع أَلف، وآلاف مضافة إِلى الهاء، وقال زهير: فَشَجَّ بها الأَماعِزَ وهْيَ تَهْوِي ... هَوِيَّ الدَّلْوِ أَسْلَمَها الرِّشَاءُ ٢٩٠ - وقال قُطْرب: من الأَضْداد التَّفِل: المنتن، والتَّفِل الطَّيّب. والتَّفَل: طيب الرِّيح، والتَّفَل: النَّتَن. والمعروف في كلام العرب التَّفَل النَّتن، والتَّفِل المُنْتِن، من ذلك حديث النَّبيّ ﷺ : لا تَمْنَعُوا إِماءَ اللهِ مَساجِدَ الله ولْيَخْرُجْنَ إِذا خَرَجْنَ تَفِلاتِ، أَي غير متطيِّبات.

стр. 380

يُقال: امرأَة تَفِلة ومِتْفال، إِذا كانت غيرَ طيِّبة الرِّيح، قال امرؤ القيس: ومِثْلِكِ بَيْضاءِ العوارض طَفْلَةٍ ... لَعُوبٍ تُنَسِّيني إِذا قُمْتُ سِرْبَالِي لطيفةِ طَيِّ الكَشْحِ غَيْرِ مُفَاضَةٍ ... إِذا انْفَتَلَتْ مُرْتَجَّةً غَيْرَ مِتْفَالِ وقال الأَعشى: نِعْمَ الضَّجيعُ غَدَاةَ الدَّجْنِ تَصْرِعُهُ ... لِلَذَّةِ المرءِ لا جافٍ ولا تَفِلُ ٢٩١ - وقال قُطْرب: من الأَضْداد قولهم: قَدْ تَرِب الرَّجُل، إِذا افتقر، وأَتْرَب، إِذا استغنى. وهذا عندي ليس من الأَضْداد، لأنَّ ترب يخالف لفظ أَترب، فلا يكون تَرِب من الأَضْداد، لأَنَّه لا يقع إِلَاّ على معنى واحد. وكذلك أَترب، والعرب تقول: قد تَرِب، إِذا لَصِق بالتراب من شدَّة الفقر، وأَترب إِذا استغنى فهو مُتْرِب، قال الله في المعنى الأَوَّل: أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةِ. وقال نابغة بني شيبان في المعنى الثاني:

стр. 381

فَمُسْتَلَبٌ عنهُ رِياشٌ ومَكْنَسٌ ... وعارٍ ومنهم متْرِبٌ وفَقِيرُ ٢٩٢ - وممَّا يفسَّر من كتاب الله تفسيرين متضادّين قولُه جلَّ اسمه: وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ . فيقول بعض المفسِّرين: الرَّجُل المؤمن هو من آل فرعون، أَي من أُمَّته وحيِّه ومَنْ يدانيه في النَّسب. ويقول آخرون: الرَّجُل المؤمن ليس من آل فرعون، إِنَّما يكْتُم إِيمانه من آل فرعون، وتقدير الآية عندهم: وقال رجل مؤمن يكتم إِيمانه من آل فرعون. ٢٩٣ - ومنه أَيْضاً: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيمَا ، قال: الخطاب لموسى ﵇ وحده لأَنَّه هو الَّذي دَعَا فخُوطب بالتثنية، كما قال تعالى: أَلْقِيَا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ، وإِنَّما يخاطب مالكاً وحده. ومن هذا قول العرب للواحد: قوما واقعدا، وقول الحجَّاج: يا حرسيّ اضربَا عنقه. ويُقال: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكما، خطاب لموسى وهارون ﵉، لأَنَّ موسى

стр. 382

دعا وقال هارون: آمين، فكان كالدَّاعي، لأنَّ تفسير آمين كذلك يكون، واللَّهمَّ استجب. أَخبرني أَبو علي المقرئ، قال: حدَّثنا الحسن بن الصباح، قال: حدَّثنا الخفاف، قال: قال إِسماعيل: كان الحسن إِذا سئل عن تفسير آمين، قال: اللهمَّ استجب، وفيها لغتان: أَمين، وآمين؛ وقد استقصينا الكلام فيها في كتاب غريب الحديث. ٢٩٤ - ومن الأَضْداد الأَخضر في صفة الرَّجُل. يُقال: رجل أَخضر، إِذا مُدِحَ بالخِصْب والعطاء والسَّخاء، ورجل أَخضر إِذا كان لئيماً، قال الفضل بن العباس بن عتبة ابن أَبي لهب في المعنى الأَوَّل: وأَنا الأَخْضَرُ مَنْ يَعْرِفُنِي ... أَخْضَرُ الجِلْدَةِ في بيتِ العَرَبْ أَراد: أَنا المخصبُ السَّخيُّ المعطاء. وقال جرير في المعنى الثاني: كَسَا اللُّؤْمُ تَيْماً خُضْرَةَ في جِلُودِها ... فوَيْلاً لِتَيْمٍ مِنْ سَرَابِيلها الخُضْرِ فالخضرة عند العرب اللُّؤم، ومن المعنى الأَوَّل قول العرب: أَبادَ اللهُ خَضْراءهم، أَي خِصْبهم ونعيمهم؛ لأنَّ الخضرة عند العرب الخِصْب، قال النابغة:

стр. 383

يَصُونونَ أَبْداناً قَديماً نَعِيمُها ... بخالصَةِ الأَرْدانِ خُضْرِ المَناكبِ أَراد بخضر المناكب خصبَهم وسَعَة ما هم فيه. ويُقال: أَبادَ اللهُ خَضْراءهم، سوادهم، والخضرة عند العرب السَّواد، قال الشَّاعر: يا ناقُ خُبِّي خَبَباً زِوَرَّا ... عارِضِي اللَّيْلَ إِذا ما اخْضَرَّا ويُقال: أَباد الله غَضْراءهم، بالغين، أَي حسنهم وبهجتهم، قالت الخنساءُ: احْثُوا التُّرابَ على مَحَاسِنِهِ ... وعلى غَضَارَةِ وَجْهِهِ النَّضْرِ ٢٩٥ - وقال قُطْرب: من الأَضْداد رَسَسْتُ ، تستعمل في الإِصلاح وتستعمل في الإِفساد. ٢٩٦ - قال: ومنها ليْث عِفِرِّين مضادّ في المدح والهجاء. وقال غير قُطْرب: لا يستعمل إِلَاّ في المدح، وله تأْويلات ثلاثة: أَحدُهنّ أَن يكون عِفرّون جمع عِفِرّ، والعِفِرّ: الشَّديد الَّذي يَصْرَع كلَّ ما عَلِقَه ويُلْصِقه بالأَرض وعَفَرِها.

стр. 384

وعِفِرّ، على مثال شِمِرّ، يقال شرّ شِمِرّ، إِذا كان عظيماً يُشَمَّرُ فيه عن الساعدين، فإِذا قالوا: لَيْث عِفِرِّين، فمعناه ليث ليوث. وقال الأَصمعيّ: ليث عِفِرِّين: دابَّة يتحدَّى الرَّاكبَ، ويضرِب به الأَرض. ويُقال: عِفِرّون بلد، أَي هذا اللَّيث يكون بهذا البلد، قال الشَّاعر: أُلْفِيتَ أَغْلَبَ مِنْ أُسْدِ المَسَدِّ حَديدَ ... النَّابِ إِخْذَتُهُ عَفْرٌ فَتَطْرِيحُ واختلفوا في تفسير العِفْر، فقال بعضهم: العِفْر: الشَّديد الَّذي إِذا عافَرَه رجل غلبه وأَلصقه بالعَفَر؛ يُقال: قد تعافر الرَّجلان إِذا تآخَذا على أَن يُلْقِيَ كلُّ واحد منهما صاحبَه على العَفَر، أَنشدنا الحسن بن البَرَاء: انْظُرْ إِلى عَفَرِ الثَّرَى مِنْهُ خُلِقْ ... تَ وأَنتَ بَعْدُ غَدٍ إِليهِ تَصِيرُ ويُقال: العِفْرُ: الموصوفُ بالشيطنة والدهاء، يُقال: عِفْرٌ بيِّنُ العَفَارة، إِذا كان كذلك، ويحكى هذا عن الخليل. ويُقال: العِفْر الكَيِّس الظَّريف. ويُقال: شيطان عِفْريت وعِفْرية وعُفَارية، إِذا كان قويًّا، قال الله تعالى:

стр. 385

قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ، وقرأَ بعضهم: قالَ عِفْرِيَةٌ مِنَ الجِنِّ، وقال الشَّاعر في اللُّغة الثالثة: قرنتَ الظالمينَ بمَرْمَرِيسٍ ... يَذِلّ بها العُفَارِيَةُ المَرِيدُ المرمريس: الدَّاهية. ويُقال: رجل عِفْرية نِفْرِية، إِذا كان قويًّا، فتدخل الهاءُ في عِفْرية للمبالغة، ونِفْرِية إِتباع، كما قالوا: شَيْطان لَيْطان، وحَسَنٌ بَسَنٌ. وفي الحديث: كان رسول الله ﷺ يبايع النَّاس وفيهم رجل دُحْسُمَان، فقال له: هل اعتللت قطّ قال: لا، قال: فهل رزئتَ في مالك؟ قال: لا، فقال صلَّى الله عليه: إِنَّ أَبغضَ الرِّجال إِلى الله العِفْرِية النِّفْرِية، الَّذي لم يُرْزَأْ في نفسه، ولا في ماله، فيُقال: العِفْرِية النِّفْرِية الجَموع المَنُوع. ويُقال: العِفْرِيَة النِّفْرِية: القويّ الظَّلوم؛ والأَصل فيه في اللُّغة ما قدمنا ذكره. والدُّحْسُمان: الأَسود السَّمين، وفيه لغتان: دُحْسُمَان ودُحْمُسَان، ويقال لعُرْف الدِّيك عِفْرية، قال الشَّاعر: كَعِفْرِيَة الغَيُورِ مِنَ الدَّجَاج

стр. 386

ويُقال: ناقة عَفَرْناة؛ إِذا كانت قويَّة شديدة، ويُقال للغول: عَفَرْناة، ويقال للأَسد: عَفَرْناة، قال الأَعشى: ولَقَدْ أَجْذِمُ حَبْلي عَامِداً ... بعَفَرْنَاةٍ إِذا الآلُ مَصَحْ ٢٩٧ - وممَّا يفسَّر من كتاب الله جلّ وعزّ تفسيرين متضادَّين قوله تعالى ذكره: وَأُتُوا به مُتَشابهاً ، يُقال: يشَّبه الطعامَ الَّذي يُؤْتَوْن به على مقدار العَشِيّ من الدُّنيا الطعامَ الَّذي يُؤْتَوْن به على مقدار الغَداة من الدُّنيا، فإِذا طَعِمُوه وَجَدُوا له خلاف طعم الَّذي كان قَبْلَه، وفي هذا أَدَلّ دليل على حكمة الله جلّ وعزّ، ونفاذ قدرته أَن يوجَد بِطِّيخ يجمع طعم التُّفَّاح والكُمَّثرى والرُّمَّان. ويُقال: متشابهاً، يشبه ثمر الدُّنيا. حدَّثنا يوسف بن يعقوب، قال: حدَّثنا محمد بن عُبَيْد، قال: حدَّثنا محمد بن ثور، عن معمَر، عن قَتادة في قوله جلّ وعزّ: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً، قال: يشبه ثمرَ الدنيا، غيرَ أَنَّ ثمر الجنَّة أَطيب. قال معْمَر: وقال الحسن: يشبه بعضُه بعضاً، ليس فيه مرذول. وقال بعض اللُّغويِّين: هذا كما يقول الرَّجُل للرَّجُل:

стр. 387

قد اشتبهت عليَّ أَثوابُك، فما أَدري ما آخذ منها؟ أَي كلّها خيار فلا أَقف على أَفضلها، فأُفضِّله منها وآخذه، قال الشَّاعر: مَنْ تَلْقَ منْهُمْ تَقُلْ لاقيتُ سَيِّدهُمْ ... مِثْل النُّجومِ الَّتي يَسْرِي بها السَّارِي أَي كلّهم سادة يتشابهون في الفضائل. ٢٩٨ - وقال قُطْرب: من الأَضْداد: قولهم قد ثَلَلْتُ عرشَه . إِذا هَدَمْتَه وأَفسدتَه، وأَثللتُ عرشَه، إِذا أَصلحته. قال أَبو بكر: ليس عندي كما قال قُطْرب، إِذ كان ثَلَلْت يخالف أَثْلَلْت، فلا يجوز أَن يُعَدَّ في الأَضْداد حرف لا يقع إِلَاّ على معنى واحد. والمعروف عند أَهل اللُّغة: ثَلَلْتُ عرشَه: أَهلكتُه، يُقال: قد ثُلَّ عرش فلان، وثَلَّ عرشُه، وأَثَلَّ الله عرشَه، إِذا أَهلكه. والثَّلَل هو الهلاك، قال زهير: تَدَارَكْتُمَا الأَحْلافَ إِذْ ثُلَّ عَرْشُها ... وذُبْيَانَ إِذْ زَلَّتْ بأَقدامِها النَّعْلُ أَراد: إِذْ هلَكوا.

стр. 388

٢٩٩ - وممَّا يفسَّر من كتاب الله جلّ وعزّ تفسيرين متضادين قوله ﵎: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ، فقال بعض النَّاس: المعنى لو كانت الأَمانَةُ يجوز أَن تُعرض على السَّموات والأَرض والجبال لكانت تأْبَى تَحَمُّلَهَا، ولكنَّها موات لا تَعْقِلْ، والأَمانَةُ لا تُعْرَض على ما لا يعقل. وقالَ هذا من باب المجاز، كقول العرب: شكا إِليَّ بعيري طُولَ السير، معناه لو كان يعقل لشكا، ولكنَّه لا يعقل ولا يشكو. وقال غيرهم: الأَمانة عَرَضها الله على السَّموات والأَرض والجبالِ بعقل رَكَّبه فيها، حتَّى عرفت معنى العرْض، وعقلتِ الرَّدّ. ذهب إِلى هذا سادات أَهل العلم وقالوا: مجراه مجرى كلام الذئب، وتسبيح الحصى؛ وسجود البهائم، للنبيّ صلى الله عليه. حدَّثنا محمد بن يونس، قال: حدَّثنا بِشر بن عمرو الزهرانيّ، قال: حدَّثنا شعبة، عن أَبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: إِنَّا عَرَضْنا الأَمانَةَ على السَّمَواتِ والأَرْضِ والجِبالِ فأَبَيْنَ أَنْ

стр. 389

يَحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ منْهَا، فلم تقبلها الملائكة، فلمَّا خلق الله تعالى آدم ﵇ عَرَضَها عليه، فقال: يا ربّ ما هي؟ قال: إِن أَحسنتَ جزيتُك، قال: فقد تحمَّلتُها يا ربّ، قال: فما كان بين أَن تحمَّلها وبين أَن أُخرج من الجنَّة، إِلَاّ كقَدْر ما بين الظُّهر والعصر. وأَخبرنا محمد، قال: حدَّثنا قَبِيصة بن عقبة، قال: حدَّثنا الحرّ بن جرموز، عن ماهان، قال: الأَمانة الطاعة. وأَخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدَّثنا يوسف القطَّان، قال: خبرنا يعلى بن عبيد، عن جويبر، عن الضَّحَّاك، قال: الأَمانة: الفرائض على كلِّ مؤمن: أَلَاّ يغشّ مُؤمناً، ولا مُعاهِداً في قليل ولا كثير؛ فمن انتقصَ شيئاً من الفرائض فقد خان الأَمانة. أَخبرنا عبد الله، قال: حدَّثنا أَحمد بن المنصور، قال: حدَّثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن عليّ ابن أَبي طلحة، عن ابن عباس، قال: الأَمانة: الفرائض، عرضها الله ﵎ على السَّموات والأَرض والجبال، إِن أَدُّوها أَثابهم، وإِن ضيَّعوها عَذَّبهم، فكرهوا ذلك وأَشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيماً لدين الله ﵎ أَلَاّ يقوموا به،

стр. 390

ثمَّ عرضها على آدم ﵇ فقبِلَها بما فيها؛ فهو قوله : وحَمَلَها الإِنْسَانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً، أَي غِرًّا بأَمر الله سبحانه. وأَخبرنا عبد الله، قال: حدَّثنا أَحمد بن إِبراهيم، قال: حدَّثنا حجاج، عن ابن جُرَيْج، قال: حُدِّثت أَنَّ الله لمَّا خلق السَّموات والأَرضَ والجِبالَ، قال: إِنِّي فارضٌ فريضةً، وخالقٌ جنَّةً وناراً، وثواباً لمن أَطاعني، وعقاباً لمن عَصاني، فقالت السَّموات: خلقْتَنِي وسخَّرتَ فِيَّ الشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والغيوث، فأَنا مسخّرة على ما خلقتني، لا أَتحمَّل فريضة، ولا أَبغي ثواباً ولا عقاباً. وقالت الأَرض: خلقتَني وسخَّرتَ فِيَّ الأَنهار، وأَخرجتَ منِّي الثمار، وخلقتَني لما شئت، فأَنا لا أَتحمَّل فريضة، ولا أَبغي ثواباً ولا عقاباً، وقالت الجبال: خلقتَني رواسيَ للأَرض، فأَنا على ما خلقتَني، لا أَتحمَّل فريضة، ولا أَبغي ثواباً ولا عقاباً. فلمَّا خلق آدم ﵇ عَرضَ ذلك عليه فتحمَّله، فقال الله جلّ وعزّ: إِنَّه كَانَ ظَلُومَا، ظلمُه نَفْسَه في خطيئته، جَهُولاً، بعقاب ما تحمَّله. وقال بعض المفسِّرين: إِنَّ الله جلَّ اسمه لمَّا استخلف آدم ﵇ على ذُرّيته، وسلَّطه على جميع ما في الأَرض
следующие страницы →