← Гариб и словари

Гариб и словари · id 17077

الأضداد لابن الأنباري

ابن الأنباري

Полный текст (428 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ويُقال: ناقة عَفَرْناة؛ إِذا كانت قويَّة شديدة، ويُقال للغول: عَفَرْناة، ويقال للأَسد: عَفَرْناة، قال الأَعشى: ولَقَدْ أَجْذِمُ حَبْلي عَامِداً ... بعَفَرْنَاةٍ إِذا الآلُ مَصَحْ ٢٩٧ - وممَّا يفسَّر من كتاب الله جلّ وعزّ تفسيرين متضادَّين قوله تعالى ذكره: وَأُتُوا به مُتَشابهاً ، يُقال: يشَّبه الطعامَ الَّذي يُؤْتَوْن به على مقدار العَشِيّ من الدُّنيا الطعامَ الَّذي يُؤْتَوْن به على مقدار الغَداة من الدُّنيا، فإِذا طَعِمُوه وَجَدُوا له خلاف طعم الَّذي كان قَبْلَه، وفي هذا أَدَلّ دليل على حكمة الله جلّ وعزّ، ونفاذ قدرته أَن يوجَد بِطِّيخ يجمع طعم التُّفَّاح والكُمَّثرى والرُّمَّان. ويُقال: متشابهاً، يشبه ثمر الدُّنيا. حدَّثنا يوسف بن يعقوب، قال: حدَّثنا محمد بن عُبَيْد، قال: حدَّثنا محمد بن ثور، عن معمَر، عن قَتادة في قوله جلّ وعزّ: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً، قال: يشبه ثمرَ الدنيا، غيرَ أَنَّ ثمر الجنَّة أَطيب. قال معْمَر: وقال الحسن: يشبه بعضُه بعضاً، ليس فيه مرذول. وقال بعض اللُّغويِّين: هذا كما يقول الرَّجُل للرَّجُل:

стр. 387

قد اشتبهت عليَّ أَثوابُك، فما أَدري ما آخذ منها؟ أَي كلّها خيار فلا أَقف على أَفضلها، فأُفضِّله منها وآخذه، قال الشَّاعر: مَنْ تَلْقَ منْهُمْ تَقُلْ لاقيتُ سَيِّدهُمْ ... مِثْل النُّجومِ الَّتي يَسْرِي بها السَّارِي أَي كلّهم سادة يتشابهون في الفضائل. ٢٩٨ - وقال قُطْرب: من الأَضْداد: قولهم قد ثَلَلْتُ عرشَه . إِذا هَدَمْتَه وأَفسدتَه، وأَثللتُ عرشَه، إِذا أَصلحته. قال أَبو بكر: ليس عندي كما قال قُطْرب، إِذ كان ثَلَلْت يخالف أَثْلَلْت، فلا يجوز أَن يُعَدَّ في الأَضْداد حرف لا يقع إِلَاّ على معنى واحد. والمعروف عند أَهل اللُّغة: ثَلَلْتُ عرشَه: أَهلكتُه، يُقال: قد ثُلَّ عرش فلان، وثَلَّ عرشُه، وأَثَلَّ الله عرشَه، إِذا أَهلكه. والثَّلَل هو الهلاك، قال زهير: تَدَارَكْتُمَا الأَحْلافَ إِذْ ثُلَّ عَرْشُها ... وذُبْيَانَ إِذْ زَلَّتْ بأَقدامِها النَّعْلُ أَراد: إِذْ هلَكوا.

стр. 388

٢٩٩ - وممَّا يفسَّر من كتاب الله جلّ وعزّ تفسيرين متضادين قوله ﵎: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ، فقال بعض النَّاس: المعنى لو كانت الأَمانَةُ يجوز أَن تُعرض على السَّموات والأَرض والجبال لكانت تأْبَى تَحَمُّلَهَا، ولكنَّها موات لا تَعْقِلْ، والأَمانَةُ لا تُعْرَض على ما لا يعقل. وقالَ هذا من باب المجاز، كقول العرب: شكا إِليَّ بعيري طُولَ السير، معناه لو كان يعقل لشكا، ولكنَّه لا يعقل ولا يشكو. وقال غيرهم: الأَمانة عَرَضها الله على السَّموات والأَرض والجبالِ بعقل رَكَّبه فيها، حتَّى عرفت معنى العرْض، وعقلتِ الرَّدّ. ذهب إِلى هذا سادات أَهل العلم وقالوا: مجراه مجرى كلام الذئب، وتسبيح الحصى؛ وسجود البهائم، للنبيّ صلى الله عليه. حدَّثنا محمد بن يونس، قال: حدَّثنا بِشر بن عمرو الزهرانيّ، قال: حدَّثنا شعبة، عن أَبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: إِنَّا عَرَضْنا الأَمانَةَ على السَّمَواتِ والأَرْضِ والجِبالِ فأَبَيْنَ أَنْ

стр. 389

يَحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ منْهَا، فلم تقبلها الملائكة، فلمَّا خلق الله تعالى آدم ﵇ عَرَضَها عليه، فقال: يا ربّ ما هي؟ قال: إِن أَحسنتَ جزيتُك، قال: فقد تحمَّلتُها يا ربّ، قال: فما كان بين أَن تحمَّلها وبين أَن أُخرج من الجنَّة، إِلَاّ كقَدْر ما بين الظُّهر والعصر. وأَخبرنا محمد، قال: حدَّثنا قَبِيصة بن عقبة، قال: حدَّثنا الحرّ بن جرموز، عن ماهان، قال: الأَمانة الطاعة. وأَخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدَّثنا يوسف القطَّان، قال: خبرنا يعلى بن عبيد، عن جويبر، عن الضَّحَّاك، قال: الأَمانة: الفرائض على كلِّ مؤمن: أَلَاّ يغشّ مُؤمناً، ولا مُعاهِداً في قليل ولا كثير؛ فمن انتقصَ شيئاً من الفرائض فقد خان الأَمانة. أَخبرنا عبد الله، قال: حدَّثنا أَحمد بن المنصور، قال: حدَّثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن عليّ ابن أَبي طلحة، عن ابن عباس، قال: الأَمانة: الفرائض، عرضها الله ﵎ على السَّموات والأَرض والجبال، إِن أَدُّوها أَثابهم، وإِن ضيَّعوها عَذَّبهم، فكرهوا ذلك وأَشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيماً لدين الله ﵎ أَلَاّ يقوموا به،

стр. 390

ثمَّ عرضها على آدم ﵇ فقبِلَها بما فيها؛ فهو قوله : وحَمَلَها الإِنْسَانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً، أَي غِرًّا بأَمر الله سبحانه. وأَخبرنا عبد الله، قال: حدَّثنا أَحمد بن إِبراهيم، قال: حدَّثنا حجاج، عن ابن جُرَيْج، قال: حُدِّثت أَنَّ الله لمَّا خلق السَّموات والأَرضَ والجِبالَ، قال: إِنِّي فارضٌ فريضةً، وخالقٌ جنَّةً وناراً، وثواباً لمن أَطاعني، وعقاباً لمن عَصاني، فقالت السَّموات: خلقْتَنِي وسخَّرتَ فِيَّ الشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والغيوث، فأَنا مسخّرة على ما خلقتني، لا أَتحمَّل فريضة، ولا أَبغي ثواباً ولا عقاباً. وقالت الأَرض: خلقتَني وسخَّرتَ فِيَّ الأَنهار، وأَخرجتَ منِّي الثمار، وخلقتَني لما شئت، فأَنا لا أَتحمَّل فريضة، ولا أَبغي ثواباً ولا عقاباً، وقالت الجبال: خلقتَني رواسيَ للأَرض، فأَنا على ما خلقتَني، لا أَتحمَّل فريضة، ولا أَبغي ثواباً ولا عقاباً. فلمَّا خلق آدم ﵇ عَرضَ ذلك عليه فتحمَّله، فقال الله جلّ وعزّ: إِنَّه كَانَ ظَلُومَا، ظلمُه نَفْسَه في خطيئته، جَهُولاً، بعقاب ما تحمَّله. وقال بعض المفسِّرين: إِنَّ الله جلَّ اسمه لمَّا استخلف آدم ﵇ على ذُرّيته، وسلَّطه على جميع ما في الأَرض

стр. 391

من الأَنعام والطَّير والوحش، عَهِدَ إِليه عَهْداً أَمره فيه، ونهاه وحرَّم عليه وأَحلَّ له، فقبله، ولم يزل عاملاً به حتَّى حضرتْه الوفاة، فلمَّا حضرتْهُ الوفاة، سأَل الله جلَّ وعَلا أَن يُعْلِمه مَنْ يَسْتخلِفُ بعدَه، ويُقلِّدُه من الأَمر ما قلَّده، فأَمره أَن يَعْرِض ذلك على السَّموات والأَرض والجِبال بالشَّرْط الذي أَخِذَ عليه من الثَّواب إِنْ أَطاع، ومن الغضب إِن عصى، فأَبت السَّموات والأَرض والجِبال ذلك؛ إِشفاقاً من معصية الله جلَّ وعلا وغضبِه، ثمَّ أَمره أَن يَعْرِض ذلك على ولده ففعل، فقبله ولدُم، ولم يتهيَّبْ منه ما تهيَّبت السَّموات والأَرض والجِبال، فقال الله : إِنَّه كانَ ظَلُوماً جَهُولاً، أَي بعاقبة ما تقلَّد لربّه جلَّ وعَلا، وقال بعد: ليُعَذِّبَ اللهُ المُنَافِقِينَ والمُنَافِقَاتِ والمُشْرِكِين والمُشْرِكَاتِ، أَي عرضنا ذلك عليه ليتبيَّن إِيمانُ المؤمن فيتوبَ الله عليه، ونفاقُ المنافق فيعاقبَه الله : وكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً. وقال آخرون: محال أَن يكون الله جلَّ وعلا عرضَ الأَمانة على السَّموات في ذاتها، لأَنَّها ممَّا لا يُكلَّفُ عملاً، ولا يَعْقل ثواباً، وإِنَّما المعنى: إِنَّا عرضنا الأَمانة على أَهل السَّموات وأَهل الأَرض وأَهل الجبال فأَبَوْا أَن يحملوها،

стр. 392

فحُذِف الأَهل وقام الذي بعده مقامه، وجعل أَبَيْن للسموات والأَرض والجبال لقيامها مقام الأَهل، كما قالوا: يا خيلَ الله اركبي، وأَبشري بالجنَّة، أَرادوا: يا فرسان خيل الله اركبوا، فأُقيم الخيل مقام الفُرْسان، وصرِف الرُّكوب إِليها، والإِنسان عندهم الكافر، وهو الذي وصفه الله تعالى بالظّلم والجهل، إِذ لم يكفر فيما فَكَّرَ فيه مؤمنو أَهل السَّموات والأَرض والجِبال. وقال آخرون: ما عرض الله جلَّ ذكره الأَمانةَ على السَّموات والأَرض قطّ، وإِنَّما هذا من المجاز على قول العرب: عَرَضْت الحِمْل على البعير فأَبى أَن يَحْمِله، أَي وجدت البعير لا يصلح للحَمْل ولا للعَرْض، فكذلك السَّموات والأَرض والجِبال، لا تصلح للأَمانة ولا لعَرْضِها عليها. ٣٠٠ - وقال قُطْرب: التقريظ من حروف الأَضداد، يُقال: قرّظت الرجلَ إِذا أَثنيتَ عليه ومدحتَه، وقرّظته إِذا ذممتَه، وأَنشد: أَعْطِ المقرِّظ والمُعَرِّض نفْسَهُ ... مِثْلاً بمثْلٍ مِثلَ ما أَوْلاكَها وأَنشد إِنِّي وإِنْ كنتُ امْرَأ ... في ذَرْوَةِ الحَسَب الحَسيب

стр. 393

لمقرِّظٌ يَوْماً بما ... أَسْدَى إِليَّ أَبا الخَصيبِ والمعروف عند أَهل اللُّغة التقريظ مدح الحي، والتأْبين مدح الميت، قال متمم بن نُوَيْرة: لَعَمْرِي ومَا دَهْرِي بتَأْبينِ هالِكٍ ... ولا جَزَعٍ ممَّا أَصابَ فأَوْجَعا وقال الآخر: فامْدَحْ بِلالَا غيرَ ما مُؤَبِّنِ أَي غير كيت، وربَّما قيل: أَبَّنْت الرَّجُل، إِذا مدحتَه؛ وهو حيّ لم يمت وهو قليل، إِنَّما يقال على جهة الاستعارة، قال الرَّاعي: فَرَفَّعَ أَصحابي المطيَّ وأَبَّنُوا ... هُنَيْدَةَ فاشتاقَ العيونُ اللَّوَامِحُ وأَخذَ هذا المعنى بعض المحدَثين ولم يُستحسن ذلك منه، فقال في مدح القاسم بن عيسى: طَالَتْ مَسَاعِيكَ حتَّى ما لَها صِفَةٌ ... فأَمْسَكَ النَّاسُ عَنْ مَدْحٍ وتأْبينِ ٣٠١ - وقال قُطْرب أَيضاً: من حروف الأَضداد النحاحة ،

стр. 394

يقال في السخاءِ، ويقال في البخل. ٣٠٢ - ومن حروف الأَضداد الطَّاحِي: المنضجع، والطَّاحي المرتفع، يُقال: فرس طاحٍ، إِذا كان مُشرفاً مرتفعاً، وفي دعائهم: لا والقمر الطَّاحي، أَي المرتفع. ويُقال: طحوْت الرَّجُل أَطحوه، إِذا صَرَعْتَه. ويُقال: ضربته حتَّى طَحَا، أَي انصرع. ويُقال: طحوْت أَطحو وأَطحَا، إِذا بسطت، وقال علقمة ابن عَبَدة: طَحَا بكَ قَلْبٌ في الحِسَانِ طَرُوبُ ... بُعَيْدَ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشيبُ أَراد ذهب وتباعد. هذا قول قطرب، وليس الطَّاحي عندي من الأَضداد، لأنه لا يقال: طاحٍ للمنخفض، إِنَّما يقال للمنخفض: مطحو ومطحيّ، قال تعالى: والأَرْضَ ومَا طَحَاهَا، فمعناه: وما بسطها، فإِنْ ذهب إِلى أَنَّ الطَّاحيَ الخافض، والطَّاحي المنخفض قياساً على قول العرب: نائم للإِنسان النائم، ونائم للَّيل المنُوم فيه؛ كانا ضدّين. ٣٠٣ - وقال غير قطرب: من حروف الأَضداد الجَبْر ،

стр. 395

يُقال: جَبْر للملِك، وجَبْر للعبد؛ قال ابن أَحمر: فاسْلَمْ برَاوُوقٍ حُبِيتَ بِهِ ... وانْعَمْ صَباحاً أَيُّها الجَبْرُ أَراد: أَيُّها الملِك. وقولهم: جَبْرَئِيل، معناه عبد الله، فالجَبْر العبد، والإِيل والإِلّ الربوية. وكان ابن يعمَر يقرأ: جَبْرَئلّ، بتشديد الَّلام. وقال بعض المفسرين: الإِلّ هو الله جلَّ اسمه، واحتجَّ بقول الله : لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إِلاًّ ولا ذِمَّةً، قال: معناه لا يرقُبون اللهَ ولا ذمَّته. ويُحكى عن أَبي بكر الصديق ﵀ أَنَّ المسلمين لمَّا قدموا عليه من قِتال مُسَيْلمة استقرأَهم بعض قرآنه، فلمَّا قرءُوا عليه عَجِب، وقال: إِنَّ هذا كلام لم يخرج من إِلّ، أَي من ربوبية. ويُقال: الإِلْ: القرابة، والذمَّة: العهد، ويُقال: الإِلّ: الحلف، والذمَّة: العهد. وقال أَبو عُبيدة: الإِلّ: العهد، والذمَّة: التذمُّم ممَّن لا عهد له، قال الشاعر:

стр. 396

لَعَمْركَ إِنَّ إِلَّكَ مِنْ قريشٍ ... كإِلِّ السَّقْبِ مِن رأْلِ النَّعام أَراد بالإِلّ القرابة، وقال الآخر: إِنَّ الوُشاةَ كثيرٌ إِنْ أَطعتَهُم ... لا يَرْقُبُون بنا إِلَاّ وَلا ذِمَما وقال الآخر: إِنْ يَمُتْ لا يَمُتْ فَقيداً وإِنْ يَحْ ... يَ فلا ذو إِلٍّ ولا ذُو ذِمام وقال الآخر: وقَدْ كانَ عَهْدي ببني قيس وَهُمْ ... لا يضعون قَدَماً على قَدَمْ ولا يَحُلُّون بإِلٍّ في حَرَمْ أَراد: ولا يحلُّون بحِلْف وعهد لعزّهم. ومعنى قوله: ولا يَحُلُّون بإِلٍّ في حَرَمْ لا يكونون أَتْباعاً فيضعون أَقدامهم على أَقدام النَّاس. وقالَ بعض المفسِّرين: جِبْرائيل معناه عبد الله، وإِسرافيل معناه عبد الرحمن، وكلّ اسم فيه إِيل، فهو معبّد لله :. ٣٠٤ - وقالَ قُطْرب: من الأَضداد حمأَت الرَّكِيَّة حمئاً ، إِذا أخرجت منها الحمأَة، وأَحمأتُها إِحماءً، إِذا جعلت فيها الحمأَة.

стр. 397

قال أَبو بكر: وليس هذا عندي من الأَضداد؛ لأَنَّ لفظ حمأَت يخالف لفظ أَحمأَت؛ فكلّ واحدة من اللفظتين لا تقع إِلَاّ على معنى واحد، وما كان على هذه السَّبيل لا يدخل في الأَضداد. وقال الفرَّاءُ: يُقال: حمأْت الركِيَّة، إِذا أَخرجتَ ما فيها من الحمأَة، وأَحمأْتُها، إِذا تركت الحمأَة فيها حتَّى تُنْتِنَ، وقد حَمِئَت الركيَّةُ حَمَأً بَيِّناً، قال الله : مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ، والحمأُ: الطِّين المتغيّر، وهو واحد عند أَكثر النَّاس. وقال أَبو عُبيدة: هو جَمْع حَمْأَة. وقال غيره: هو جمع حَمَأَة، وشبَّه بقولهم: قصَبة وقَصَب، فاحْتُجَّ بقول أَبي الأَسود: فما طلبُ المعيشةِ بالتَّمَنِّي ... ولكنْ أَلْقِ دَلْوَكَ في الدِّلاءِ تَجِئْكَ بِمِلْئها يَوْما ويوماً ... تَجِئْكَ بحَمْأَةٍ وقليلِ ماءِ فقال: إِنَّما سكنت الميم لضرورة الشعر. والحجَّةُ لأَبي عُبيدة في جمعهم الحَمْأَة بتسكين الميم، حَمَأ، بفتح الميم قولُ العرب: حَلْقة وحَلَق، وفَلْكَة وفَلَك، وقد يُقال: فَلْكَة وفِلكَ، وحَلْقة

стр. 398

وحِلَق، وعَبْرة وعِبَر. والصلصال: طين طبخ فصار له صوت. ويُقال: الصلصال طين لم يطبخ؛ ولكنَّه نُرِك حتَّى يَبِسَ وصار له صوت إِذا نُقِر بمنزلة صوت الفَخَّار، والفخَّار: ما طُبخ بالنَّار. ويُقال: الصلصال: المُنتِن، من صلّ اللَّحم، إِذا أَنْتَن، وأَصله صَلَاّل، فأَبدلوا من اللام الثانية صاداً. والمسنون: الذي أَتت عليه السّنون فأَنْتن، قال الله جلَّ اسمه: لَمْ يَتَسَنَّهْ، أَي لم يتغيَّر لمرور السّنين به. وقال الفرَّاءُ: المسنون من قولهم: سننت الحجَر على الحجر إِذا حككتَه عليه، ويقال للَّذي يسيل من بينهما سَنَن، ولا يكون ذلك السائل إِلَاّ مُنْتِناً. وقال بعض المفسِّرين: المسنون الرَّطْب، ويُقال: المسنون المصبوب، من قول العرب: سننت الماءَ عليَّ، إِذا صببته عليَّ، جاءَ في الحديث: كان الحسن إِذا توضَّأَ سَنَّ الماءَ على وجهه سَنًّا. ويُقال: المسنون المصبوب على صورة ومثل ومثال، فكأَنَّه مَخْروط، من ذلك قولهم: رأَيت سُنَّةَ وجْهِهِ. ومنه وجه فلان مسنون، قال ذو الرُّمَّة:

стр. 399

ترِيكَ سُنَّةَ وَجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ ... مَلْسَاَء لَيْسَ بها خَالٌ ولا نَدَبُ قال أَبو بكر: سُمع ذو الرُّمَّة يُنشِد: غَيْرِ، بالكسر على أَنَّه نعت للوجه، وقياس العرب أَن يكون نعتاً للسُّنَّة. ٣٠٥ - ومن الأَضداد نسيتُ ، يكون بمعنى غَفَلت عن الشيء، ويكون بمعنى تركت متعمّداً من غير غفلة لحقتْني فيه. فأَمَّا كونُه بمعنى الغفلة فلا يُحتاج فيه إِلى شاهد، وكونه بمعنى التَّرْك على تعمّد شاهده قول الله : نَسُوا الله فنَسِيَهُمْ، معناه فيترك إِثابتهم ورحمتَهم متعمّداً، لأنه قد جلَّ وعلا عن الغفلة والسهو، وتأْويل: نَسُوا الله تركوا العمل لله ﵎ بتعمّد لا بغفلة أَيضاً؛ لأَنَّ الله لا يؤاخِذ بالنسيان، ولا يعاقب عليه. وقال الشاعر في هذا المعنى: كأَنَّهُ خارِجاً مِنْ جَنْبِ صَفْحَتِهِ ... سَفُّود شَرْبٍ نَسُوه عِنْدَ مُفْتَأَدِ أَي تركوه، وقال الله : فَنَسِيَ ولَمْ نَجِد لهُ عَزْماً، فمعناه ترك ما أَمرناه به متعمّداً، فأُخرِج من الجنَّة لذلك.

стр. 400

٣٠٦ - ومن الأَضداد أَيضاً قولهم: مُشبّ للمُسنّ ، ومُشِبّ للشاب، قال أَبو خِراش الهذليّ: بمُورِكَتَيْنِ مِنْ صَلَوَى مُشِبٍّ ... مِنَ الثِّيرانِ عَقْدُهُما جَميلُ ٣٠٧ - ومنها أَيضاً قَمُؤت الإِبل قُموءاً، وقَماءةً إِذا سمنت، والقامئ: الناعم، وقمؤ الرَّجُل، إِذا صَغُر جسمه، فهو قميء قَماءً، قال الشاعر: تَبيَّنَ لي أَنَّ القَماءة ذِلَّةٌ ... وإِنَّ أَعِزَّاَء الرِّجالِ طِوالُها ٣٠٨ - ومنها أَيضاً أَعبلَ الشجرُ ، إِذا سقط ورقه، وأَعبلَ إِذا أَخرجَ ثمرتَه، قال ذو الرُّمَّة: إِذا ذابتْ الشَّمْسُ اتَّقى صَقَرَاتِها ... بأَفْنَانِ مَرْبُوعِ الصَّريمَةِ مُعْبِلِ ٣٠٩ - ومن حروف الأَضداد طلعت على الرجل، أَقبلتُ عليه. وطلعت عليه، أَدبرت عنه. ٣١٠ - وقال قُطْرب: من الأَضداد قولهم: بَدُن الرَّجُل ، إِذا حمل اللَّحم والشَّحم، وبدَّن تبديناً إِذا أَسنَّ وكَبِر وضَعُف. قال أَبو بكر: وليس الأَمر عندي على ما ذكر قُطْرب،

стр. 401

لأنَّ بَدَّن لفظه يخالف لفظ بَدُن، وما لا يقع إِلَاّ على معنى واحد لا يدخل في حروف الأَضداد. وقال أَبو عُبيد والأُمويّ: يُقال: بَدَّن الرَّجُل تبديناً، إِذا ضعف وكبِر، وأَنشد أَبو عُبيد: وكُنْتُ خِلْتُ الشَّيْبَ والتَّبْدِينا ... والهَمَّ ممَّا يُذْهِلُ القَرِينا وحدَّثنا علي بن محمد أَبي الشَّوارب القاضي، قال: حدَّثنا أَبو الوليد، قال: حدَّثنا عُمارة بن ذاذان الصيدلانيّ، عن أَبي غالب، عن أَبي أُمامة، قال: كان رسول الله يوتِر بتسع؛ فلمَّا بَدُن صلَّى ستًّا وركع في السابعة، وصلَّى ركعتين، وهو جالس يقرأ فيهما. فقال أَبو عُبيد: الصَّواب فلمَّا بَدَّن، أَي كَبِر وضَعُف، الدليل على هذا ما يروى في الحديث الآخر أَنَّه كان يصلِّي بعض صلاته باللَّيل قاعداً، وذلك بعد ما حطَّمتْه السِّنّ. وأَنكر أَبو عُبيد بَدُن في صفة النَّبيّ ﷺ ، لأنه لم يوصف بكثرة اللَّحم، إِنَّما كان يوصف بأَنَّه رجل بَيْن الرَّجُلين جسمه ولحمه. قال أَبو عُبيد: حدَّثناه الفزاريّ، عن عوف، عن يزيد الرقاشيّ، عن ابن عباس.

стр. 402

وقال غيرُ أَبو عُبيد: الصَّواب: فلمَّا بَدُن بضمّ الدَّال؛ لاتّفاق أَصحاب الحديث عليه، ولأنَّ النَّبيّ صلَّى الله عليه حمل قبل وفاته لحماً أَضعفه، وقد نرى في دهرنا من يحمِل عند علوّ سنّه فيكسِبه ذلك ضعفاً؛ يدلُّ على هذا القول وصحَّته: ما حدَّثنا أَحمد بن الهيثم، قال: حدَّثنا عاصم، قال: حدَّثنا عُمارة الصيدلانيّ، عن أَبي غالب، عن أَبي أُمامة، قال: كان رسول الله ﷺ يوتر بتسع، فلمَّا بَدُن وكثر لحمه صلَّى سبعاً وركعتين وهو جالس، يقرأ فيهما: إِذا زُلْزِلَتِ، قُلْ يا أَيُّها الكَافِرون. ٣١١ - ومن الأَضداد أَيضاً قولُهم في زَجْر الغنم، إِذا أُبْعِدَتْ وطُرِدَت: حَايِ حَايِ ، وحَايْ حَايْ ، وحَايِنْ حَايِنْ . ويقال لها هذا إِذا دُعِيَت وأُريد دنوُّها وقربُها، قال امرؤ القيس: قَوْمٌ يُحَاحُونَ بالبِهَامِ ونِسْ ... وانٌ قِصَارٌ كخِلْقة الحَجَلِ وماضي يحاحون حاحَوْا، يُقال: حاحيت بها أُحاحِي، إِذا فعلت ذلك بها. ٣١٢ - ومن الحروف أَيضاً الأَسْفَى ، يُقال: فَرَسٌ أَسْفَى، إِذا كان خفيف النَّاصية. ويحكى عن أَبي عمر أَنَّه

стр. 403

قال: الأَسْفَى من الخيل الَّذي لا ناصية له، قال سَلامة ابن جَنْدَل: لَيْسَ بأَسْفَى ولا أَقْنَى ولا سَغِلٍ ... يُعْطَى دواء قَفِيِّ السَّكْنِ مَرْبُوبِ السَّغِل: السيِّئ الغِذاء. وقال أَبو موسى هارون بن الحارث، يُقال: فرسٌ أَسْفَى بيِّن السَّفا، وبغلةٌ سَفْواءُ، إِذا كانت سريعة، وأَنشد: جاَءت به مُعْتَجِراً ببُرْدِهِ ... سَفْواءُ تَرْدِي بِنَسيجِ وَحْدِهِ وقال ابن الأَعرابيّ: أَسْفَى بَيِّنُ السَّفا، بالقصر؛ قال: ولا يستعمل في المؤنَّث. والسَّفاءُ: الخفَّة والطيش، ممدود، قال نابغة بني شيبان: بَانَ السَّفاءُ وأَوْدى الجهلُ والشرَفُ ... وفي التُّقى بعد إِفراطِ الفَتى خَلَفُ والسَّفا، مقصور: تراب البئر والقبر، قال كُثَيِّر: وحَالَ السَّفا بَيْني وبيْنَكَ والعدَا ... وَرَهْنُ السَّفَا غَمْرُ النَّقيبة ماجدُ وقال أَبو ذؤيب: وَقَدْ أَرْسَلُوا فُرَّاطَهُمْ فَتَأَثَّلُوا ... قَلِيباً سَفاهَا كالإِماءِ القَواعِد

стр. 404

والسَّفا، مقصور: ما سفته الرِّيح، والسَّفا، مقصور: شوك البُهْمَى، واحدته سَفَاة، قال أَوس بن حجر يصف بَرْيَ قوس: على فَخِذَيْهِ مِنْ بُرايَةِ عُودِها ... شَبِيهُ سَفَا البُهْمَى إِذا ما تَقَتَّلا ٣١٣ - ومن الأَضداد أَيضاً قولهم: ناقةٌ زَعُوم ، إِذا كانت كثيرة الشَّحم واللَّحم، وناقة زَعُوم، إِذا كانت قليلة الشَّحم واللَّحم. ٣١٤ - وممَّا يفسَّر من كتاب الله جلّ وعزّ تفسيرين متضادّين قوله : طهَ ؛ قال بعض المفسرين: معناه: يا رجل، بالسريانية، وقال غيره: معناه: يا رجل، بلغة عَكّ، وزعم أَنَّ عكًّا يقولون للرجل: طهَ، وكذلك للرجال والنسوة، وأَنشد: إِنَّ السَّفَاهَةَ طَه من خَلِيقَتِكُمْ ... لا قدَّسَ اللهُ أَخْلاقَ المَلاعِينِ وقال الأَخفش: طه علامة لانقطاع السورة من السورة الَّتي قبلها. وقال الفرَّاءُ: طَه بمنزلة آلم، ابتدأَ اللهُ جلّ وعزّ بها مكتفياً بها من جميع حروف المعجم؛ ليدلَّ العرب على أَنَّه

стр. 405

أَنزل القرآن على نبيه باللُّغة الَّتي يعلمونها، والأَلفاظ الَّتي يعقلونها، كي لا تكون لهم على الله حجَّة. ٣١٥ - ومن الأَضداد أَيْضاً قولهم: سَلْف للجِراب الصغير، وسَلْف للجراب العظيم. ٣١٦ - ومنها الحَذَف الصغار الأَجسام من الضأْن الصغار الأَسنان، والحَذَف أَيضاً المسانّ منها الصغار الأَجسام. ٣١٧ - ومنها أَيضاً قولهم: سُمْتُه بعيري سَوْماً ، إِذا عرضتُه عليه ليشتَريه، وسمتُه بعيره سَوْماً، إِذا أَردتَ اشتراءهُ منه؛ وكذلك استمتُه البعيرَ اسْتِياماً. ٣١٨ - ويُقال: فادَ الرَّجُل يَفِيد ، إِذا هلك، وفاد يَفِيد إِذا تبختَر في مِشْيته، قال لَبيد في المعنى الأَوَّل: رَعَى خَرَزَاتِ المُلْكَ عِشْرِينَ حِجَّة ... وعشرين حتَّى فادَ والشَّيْبُ شَامِلُ أَراد حتَّى مات. ٣١٩ - ومنها أَيضاً النَّقَدة والنَّقَد والنِّقاد من رُذَال الضأْن، يقال للصغار والكبار، قال الشاعر: فُقَيْمٌ يا شَرَّ تميمٍ مَحْتِدَا ... لَوْ كُنْتُمُ شاءً لكنتمْ نَقَدا أَوْ كُنْتُمُ ماءً لكنتُمْ زَبَدا

стр. 406

وقال الآخر: ولَمْ يَكُ بَطْنُ الجوِّ منَّا مَنَازِلاً ... إِلى حَيْثُ تلقاه النِّقَادُ السَّوارِحُ ٣٢٠ - وقال قُطْرب: من الأَضداد قولهم رجل نَجْد ، إِذا كان سريع الإِجابة إِلى الدَّاعي إِذا دعاه. قال: وقال أَبو المضاء: هو النَّجْد، وجمعه أَنْجاد، وقد نَجُدَ نجادةً، ويُقال: رجل نجِد؛ إِذا كان مَفْزَعاً من أَيّ وجه، وقد نَجُد يَنْجُد فهو مَنْجُود، وأَنشد لأَبي زبيد: صَادِياً يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ... ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنْجُودِ وقال غير قُطْرب: يقال للمفزَع: منجود ونَجيد، قال الشاعر: ومَنْ يَحْمِي الخَميسَ إِذا تَعَايا ... بحيلَةِ نَفْسِهِ البطلُ النَّجيدُ قال أَبو بكر: وليس النَّجْد عندي من الأَضداد، لأَنَّ العرب لا توقعه إِلَاّ على معنًى واحد، وما كان بهذه الصّفة لا يدخل في الأَضداد. ٣٢١ - ومنها الثَّلَّة ؛ القِطْعة العظيمة من الغَنم، وهي بمنزلة القَوْط والحَيْلة، وجمعها ثلَل. ٣٢٢ - وقال قُطْرب: من الأَضداد: قولهم: أَلِيَت المرأَةُ

стр. 407

تَأْلَى، إِذا عظمت أَلْيَتُها، وأَلِيَت الشَّاةُ وغيرُها، إِذا قُطِعَتْ أَلْيتُها. قال أَبو بكر: وليس هو عندي من الأَضداد؛ لأَنَّ كلّ واحد من الحرفين ينفرد بمعنى واحدٍ، ولا يقع على معنيين متضادّين. ٣٢٣ - ومن الأَضداد أَيضاً قولهم: طَرْطَبْتَ بضأْنك طَرْطَبَةً . وهي بالشّفتين، إِذا دعوتَها إِليك، وطَرْطَبْتَ بها طرطبةً؛ إِذا زجرتَها عنك. ٣٢٤ - ومنها أَيضاً: أَتانا فلان بطعام فحططنا فيه ، إِذا عَذَّرْنا وأَكلنا أَكلاً يسيراً. وأَتانا طعامٌ فحططنا فيه، إِذا أَكلنا أَكلاً كثيراً. ٣٢٥ - وقال قُطْرب: من الأَضداد قولهم: بَلِجَ بشهادته يبلج له بَلَجاً ؛ إِذا كَتَمَها. قال: وقالوا في ضدّ هذا: الحقّ أَبلج، والباطل لَجْلَج، أَرادوا بالأَبْلَج الواضح البيِّن المضيء، واللَّجلج المختلط، الَّذي ليس على طريقة مستقيمة. وأَنشد: وانْعَدل اللَّيْلُ عن المَجَرَّةِ ... وانْبَلَجَ الصُّبْحُ لأُمٍّ بَرَّةِ

стр. 408

باتتْ على مَخافةٍ وظَلَّتِ قال أَبو بكر: وليس هو عندي على ما ذكر قُطْرب، لأَنَّ البَلج لا يُراد به إِلَاّ الظاهر النيِّر المضيء ولا يقع على المعنى الآخر، ويُقال: وجه فلان أَبلج، إِذا كان حسناً منيراً، قالت الخنساءُ: أَغَرُّ أَبْلَجُ يأْتمُّ الهُداةُ بِهِ ... كأَنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ وفي صفة النَّبيّ ﷺ : أَبلج أَي حسن الوجه؛ لأنه وصف في حديث آخر بأَنَّه أَقْرن، فلم يحمل هذا على بَلَج الحاجب، والعلَم الجبل، قال الشاعر: إِذا قَطَعْنَا عَلَماً بَدَا عَلَمْ ... حتَّى تَنَاهَيْنَا إِلى بابِ الحَكَمْ وقال الله جلّ وعزّ: وَلَهُ الجَوَارِ المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأَعْلَامِ. ٣٢٦ - ومنها أَيضاً قول العرب: رَجَلْت البهيمة ؛ إِذا شددتَها، وأَرجلتُها، إِذا أَرسلتَها تَرْعَى مع أُمّها. هذا قول قُطْرب: وليس هذا الحرف عندي من الأَضداد؛ لأَنَّه لا يقع إِلَاّ على معنى واحد. ٣٢٧ - ومنها أَيضاً صفحتُ القوم أَصفحهم ؛ إِذا سقيتَهم

стр. 409

من أَيّ شرابٍ كان، وصفحتُهم صفحاً إِذا سأَلوك فلم تُعْطِهم. ٣٢٨ - ومنها أَيضاً رجلٌ رَعِيب العين ومَرْعوبها ، وقد رُعِب يُرعَب رُعْباً، يقال ذلك للشجاع وللجبان. ٣٢٩ - ومن الأَضداد قولهم: قد أَفلت الرجلَ الرجلُ ؛ إِذا تخلَّص منه فلم يُطِقْه ولم يَلْحَقْه، وقد أَفلت الرَّجُل، إِذا أَنقذه وخلَّصه وسلَّمه، ممَّا كان وقع فيه. ويقال أَيضاً: قد انفلت فلان من فلان إِذا سَلِم منه، قال امرؤ القيس: وأَفْلَتَهُنَّ عِلْبَاءٌ جَريضاً ... ولوْ أَدْرَكْنَهُ صَفِرَ الوِطَابُ معناه: وأَفلت علباء من الخيل، وتخلَّص بآخر رمق، وهو يجرِض بريقه. ٣٣٠ - ومن الأَضداد قولهم مُرتَدّ ، للَّذي يرتدّ الشيء، ومرتدّ للَّذي يُرتدّ منه الشيء، فإِذا كان للفاعل فأَصله مرتَدِد، فاستثقلوا الجمع بين حرفين متحرِّكين من جنس واحد، فأَسكنوا الدال الأُولى وأَدغموها في الَّتي بعدها، وإِذا كان للمفعول، فأَصله مرتَدَد، ففعلوا مثل ما فعلوا في الباب

стр. 410

الأَوَّل، واستوى اللفظان من أَجل الإِدغام. ٣٣١ - ومن الأَضداد أَيْضاً قولهم قد أَفاد الرَّجُل مالاً ؛ إِذا استفاده هو، وقد أَفاد مالاً إِذا كسبه غيرُه فهو مفيد في المعنيين جميعاً، قال الرَّاجز: مُتْلِفُ مالٍ ومُفِيدُ مالِ ٣٣٢ - ومنها أَيضاً المُزْداد ، يكون للفاعل الَّذي يُريد الزيادة، وللمفعول الَّذي يراد منه الزيادة، فإِذا كان للفاعل فأَصله مزتيِد، وإِذا كان للمفعول فأَصله مزتَيَد، فصارت الياءُ أَلفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، واستوى اللَّفظان لاعتلال الياء، وجعلوا بدل التاء في موضعها الدال. قال الفرَّاءُ: جعلوا الدال عَدْلاً بين الزاي والتاء، فلمَّا كانت أَشبه بالزَّاي من التاء أَبدلوها من التاء. وقال غيره: الزَّاي مجهورة والتاءُ مهموسة. فكرهوا أَن يُدغموا المجهورَ في المهموس، فيبطل الجهرُ، فأَبدلوا من التاء المهموسة حرفاً يُشاكِل الزاي في الجهْر، وهو الدال؛ لأَنَّ المجهور مع المجهور أَخفُّ على اللِّسان من المجهور مع المهموس، والحرف المجهور سُمِّي مجهوراً؛ لأَنَّ اعتماد اللِّسان يشتدُّ في موضع الحرف منه، فلا يجري النفس حتَّى ينقضِي

стр. 411

الاعتماد، ويخرج صوت الصدر مجهوراً، والمهموس سُمِّيَ مهموساً؛ لأَنَّ اعتماد اللِّسان يضعف في موضع الحرف منه، فيجري النفس قبل انقضاء الاعتماد، ويخرج صوت الصدر مهموساً. ٣٣٣ - وممَّا يفسَّر من كتاب الله جلّ وعزّ تفاسير متضادّة قوله جلَّ اسمه: ولَقَدْ هَمَّتْ بهِ وهَمَّ بِهَا ، فيقول بعض النَّاس: ما همَّ يوسف بالزّنا قطّ، لأَنَّ الله جلّ وعزّ قد أَخلصه وطهَّره، فقال: إِنَّه مِنْ عِبَادِنَا المُخْلِصِين، ومن أَخلصه الله وطهَّره فغير جائز أَن يَهُمَّ بالزّنا، وإِنَّما أَراد الله جلّ وعزّ: وهمَّ بضربها ودفعها عن نفسه، فكان البرهان الَّذي رآه من ربِّه أَنَّ الله أَوقع في نفسه أَنَّه متى ضربها كان ضربُه إِيَّاها حُجَّة عليه، لأَنَّها تقول: راودني عن نفسي، فلمَّا لم أُجِبْه ضربني. وقال آخرون: هَمُّها يخالف هَمَّ يوسف ﵇، لأَنَّها همَّت بعزم وإِرادة وتصميم على إِرادة الزِّنا، ولم يكن همّ يوسف ﵇ على هذه السبيل، ولا من هذا الطريق، بل همّه من جهة حديث النفس، وما يَخْطِر في

стр. 412

القلب ويغلِب على البشريين بطبائعهم المائلة إِلى اللّذّات، الساكنة إِلى الشهوات، فلمَّا خَطَر بقلبه وحدَّثتْه نفسه بما لم يهمّ به بتصحيح عزمٍ عليه، كان غَيْرَ ملوم على ذلك، ولا مَعيب به. وقال آخرون: ما همَّ يوسف بالزّنا طَرْفة عين. وفي الآية معنى تقديم وتأْخير، يريد الله بها: ولقد همَّت به ولولا أن رأَى برهانَ ربِّه لهمَّ بها، فلمَّا رأَى البرهان لم يقع منه همّ. وقالوا: هذا كما يقول القائل لمن يخاطبه: قد كنتَ من الهالكين لولا أَنَّ فلاناً أَنقذك؛ معناه لولا أَنَّه أَنقذك لَهلكت، فلمَّا أَنقذك لم تهلِك. قال أَبو بكر: والَّذي نَذْهب إِليه ما أَجمع عليه أَصحاب الحديث وأَهلُ العلم، وصحَّت به الرواية عن علي ين أَبي طالب رضوان الله عليه، وأَبي صالح، ومحمد بن كعب القُرظيّ، وقَتادة، وغيرهم، من أَنَّ يوسف ﵇ هَمَّ هَمًّا صحيحاً على ما نصَّ الله عليه في كتابه، فيكون الهمّ خطيئةً من الخطايا وقعت من يوسف ﵇، كما وقعت الخطايا من غيره من الأَنبياء، ولا وجهَ لأنْ نُؤَخِّرَ ما قدَّم الله، ونُقدِّم ما أَخَّر الله، فيُقال: معنى: وهَمَّ بها

стр. 413

التأْخير معه قوله جلّ وعزّ: لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهانَ رَبِّه. إِذ كان الواجب علينا، واللازم أَن نحمِلَ القرآن على لفظه، وأَلَاّ نُزيله عن نَظْمه؛ إِذا لم تَدْعُنا إِلى ذلك ضرورة، وما دعتْنا إِليه في هذه الآية ضرورة، فإِذا حَمَلْنا الآية على ظاهرها ونظمها كان هَمَّ بها معطوفاً على هَمَّتْ بِهِ، ولَوْلَا حرف مبتدأ جوابه محذوف بعده؛ يراد به: لولا أَن رأَى برهان ربّه لزنا بها بعد الهمّ، فلمَّا رأَى البرهان زال الهمّ ووقع الانصراف عن العزم. وقد خبّر الله جلّ وعزّ عن أَنبيائه بالمعاصي الَّتي غفرها، وتجاوز عنهم فيها، فقال ﵎: وعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، وقال لنبيّه محمد ﵇: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكْ. ووَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ. الَّذي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ، وخبَّر بمثل هذا عن يونس وداود ﵉، وقال النَّبيّ ﷺ : ما مِنْ نَبِيٍّ إِلَاّ قَدْ عَصَى أَوْ هَمَّ إِلَاّ يحيى بن زكريا. وقال أَبو عُبيد: قال الحسن: إِنَّ الله جلّ وعزّ لم يقصص عليكم ذنوب الأَنبياء تغييراً منه لهم، ولكنَّه قصَّها عليكم، لئلاّ تقنطوا من رحمته.

стр. 414

قال أَبو عُبيد: يذهب الحسنُ إِلى أَنَّ الحُجَج من الله جلّ وعزّ على أَنبيائه أَوْكد، ولهمْ أَلزم، فإِذا قبِل التوبة منهم، كان إِلى قَبولها منكم أَسرع. وإِلى مذهبنا هذا كان يذهب علماء اللغة: الفرَّاء وأَبو عُبيد وغيرهما. ٣٣٤ - ومن الأَضداد أَيضاً قولهم: حَرَس الشَّيءَ ، حفظه، وحَرَسه، سرقه من المرعى، وفي الحديث: لا قَطْعَ في حَرِيسَةِ الجبل، أَي في الشَّاة يَسرِقها ال رَّجُل من الجبل، فلا يلزمه قطع، لأَنَّه اختلسها من غير حِرْز ولا مَعْقِل. ٣٣٥ - ومنها أَيضاً النَّحِيض: الكثير اللَّحم، ويُقال: فَرس نحِيضُ الخدَّين؛ أَي قليلُ لحمهما. ٣٣٦ - وممَّا يجري مجرى الأَضداد قولهم: رَجْل، للرجل الواحد، ورَجْل للجماعة من الرجّالة، واحدهم راجل، فيجري مجرى قولهم: رَاكب، وركْب، وشارب وشَرْب، وصاحب وصَحْب، أَنشد الفرَّاء: رَجْلانِ من ضَبَّةً أَخْبَرَانَا ... إِذا رَأَيت رَجُلاً عُريانا ويُقال: جاءَ القوم رَجَّالة، ورَجْلى، ورَجَالَى، ورُجَالَى،

стр. 415

ورَجْلاً، بمعنًى. وكذلك رجالاً، قال الله : يَأْتُوكَ رجَالاً وتُقرأ: رُجَّالاً، على مثال صُوَّام وقُوَّام، يُقال: جاءَ عبد الله راجلاً، ورَجْلان، بمعنًى، وأَنشد الفرَّاء: عَلَيَّ إِذا أَبْصَرْتُ لَيلَى بخَلْوَةٍ ... أَن ازْدارَ بيتَ اللهِ رَجْلانَ حافِيَا ٣٣٧ - ومنها أَيضاً يعقوب ، يكون عَربيًّا، لأَنَّ العرب تسمي ذكر الحَجَل يعقوباً، ويجمعونه يَعاقيب، قال سلامة ابن جندل: أَوْدَى الشَّبابُ حَمِيداً ذو التَّعاجِيبِ ... أَوْدَى وذَلِكَ شَأْوٌ غَيْرُ مَطْلَوبِ وَلَّى حَثِيثاً وهذا الشَّيْبُ يَطْلُبُه ... لَوْ كانَ يُدْرِكُهُ رَكْضُ اليَعاقيبِ ٣٣٨ - ومنها أَيضاً التوَّاب: الله جلَّ اسمه، لأَنَّه يَتُوب على عباده، والتوَّاب: الرَّجُل الَّذي يَتُوب من ذنوبه. ٣٣٩ - ومنها أَيضاً إِسحاق ؛ يكون أَعجميًّا مجهول الاشتقاق فيُمنع الإِجراءَ في باب المعرفة بثِقَلِ التَّعريف والعجمة. ويكون عربيًّا، من أَسحقه الله إِسحاقاً، أَي أَبعده إِبعاداً، من ذلك قوله جلَّ اسمه: فَسُحْقاً لأَصْحابِ السَّعِيرِ، أَي بعداً لهم، وقال الأَنصاريّ:

стр. 416

أَلا مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي أُبَيًّا ... فقد أُلْقِيتُ في سُحْقِ السَّعير يُقال: سُحْق وسُحُق بمعنى واحد، وكان الكسائيّ يقرأ بالوجهين جميعاً. ٣٤٠ - ومنها أَيُّوب ، يكون أَعجميًّا مجهول الاشتقاق، ويكون عربيًّا مُجْرًى في حال التعريف والتنكير؛ لأَنَّه يجْرِي مَجْرَى قَيُّوم، من قام يقوم، ويكون فيعولاً من آب يؤوب، إِذا رجع، قال عَبِيد بن الأَبرص: وكُلُّ ذي غَيْبَةٍ يَؤُوبُ ... وغَائِبُ المَوْتِ لا يؤوبُ قال أَبو بكر: ولا يقاس على هذه الأَسماء الثلاثة - أَعني إِسحاق، ويعقوب، وأَيُّوب - غيرُها من الأَسماء الأَعجميَّة، مثل إِدريس وغيره؛ لأَنَّه لم يُسمع من العرب إِجراء سوى هؤلاء الثلاثة في باب المعرفة، ومحال أَن يُعْمل من هذا بالقياس ما تَنكَّبَه العرب، ولا تعرفه. ٣٤١ - وممَّا يفسَّر من كتاب الله جلّ وعزّ تفسيرين متضادّين قوله جلَّ اسمه: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي أَخُنْهُ بالغَيْبِ وأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخَائِنِينَ .

стр. 417

قال أَصحاب الحديث: وأَكثر أَهل العلم: يوسف القائل هذا الكلام، وذلك أَنَّ العزيز - وهو الملك - لمَّا وجَّه إِليه وهو في الحبس ليحضُر، قال للرَّسول: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ ما بَالُ النِّسْوَةِ الَّلاتي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، فسأَلهنَّ الملِك، ويوسف غائب عن المجلس، فقُلْنَ: ما عَلِمْنَا عَليهِ مِنْ سُوءٍ - يعنون يوسف ﵇ وشهدتْ له المرأَة أَيضاً بالبراءة، فلمَّا اتَّصل الأَمر بيوسف، قال: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغَيْبِ، أَي لم تكن المراودة منِّي، ولم أُجِب المرأَة إِلى ما أَرادت. وانصُرِف من كلام المرأَة إِلى كلام يوسف ﵇ من غير إِدخال قَوْل، كما انْصُرِفَ من كلام الملإِ إِلى كلام فرعون بغير إِدخال قول في قوله: قالَ المَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَليمٌ. يُريدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ، فقال له فرعون: فماذَا تأْمُرُونَ. قال جماعة من أَهل العلم أَيضاً: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغَيْب، من كلام يوسف، ولذلك غمزه الملك فقال: ولا حين هممت! فقال: ومَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ

стр. 418

لأَمَّارَةٌ بالسُّوءِ. وقالوا: لمَّا وجَّه الملِك إِلى يوسف في الحبس ليحضُر، وقد أَحضر النسوة والمرأَة، وكان النسوة في وقت مُراودة المرأَة يوسف ﵇ حاضرات، يقلن ليوسف: ما عليك في أَن تجيبها إِلى ما تريد! فلمَّا وصل الرسول إِلى يوسف ﵇ أَقبل معه، فحضر مجلس الملك، هو والمرأَة والنساء، فلمَّا أَقبل الملك على النسوة بالمسأَلة فقلنَ: حَاشَ للهِ ما عَلِمْنَا عَلَيْهِ من سُوءٍ، وقالت المرأَة: أَنا رَاوَدْتُه عَنْ نَفْسِهِ وإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِين، قال يوسف والملك يسمع: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغَيْبِ. ذكر هذا أَبو عُبيد. فإِن قال قائل: كيف قال: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ، ولم يقل: لتعلم لحضور الملك؟ قيل له: جرت مخاطبة يوسف الملك على سبيل ما يخاطِب النَّاس به الملوك، فخبَّر عنه بغيْبه وهو حاضر، كما يقول الرَّجُل للوزير إِذا خاطبه: إِنْ رأَى الوزير أَن يفعل كذا وكذا! فيكون أَحسنَ في المخاطبة من أَن يقول: إِن رأَيت أَن تفعل كذا وكذا.

стр. 419

وقالَ آخرون: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغَيْبِ من كلام المرأَة، لأَنَّه متّصل به، ولم يفصل بينهما بما يدُلُّ على انقطاعه والخروج منه إِلى غيره. فاحتجَّ أَصحاب القول الأَوَّل بأَنَّ الَّذي جَرَى في الآيتين من الحكمة والثناء على الله، هو بيوسف أَليق منه بالمرأَة الكافرة في ذلك الوقت. وقالَ آخرون: ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغَيْبِ قاله يوسف ﵇ بحضْرة الملك والعزيز غائب، وزعموا أَنَّ العزيز كان قَهْرَمان الملك، وأَنَّ يوسف راودتْه امرأَةُ العزيز ولم تكن امرأَة الملِك، فأَحضر الملك يوسفَ وامرأَة العزيز والنسوة، والعزيز غائب، فلمَّا برَّأَته المرأَة والنسوة، قال يوسف: ذلك لِيعلم العزيز أَنِّي لم أَخنه بالغيب. يحكى هذا عن الكلبيّ ووهب بن منبّه. وأَكثر أَهل العلم يقولون: العزيز هو الملك، كان أُولئك القوم يسمُّون الملِكَ عزيزاً، كما يُسمِّي الفُرْسُ الملكَ كسرى، ويسمِّي الرُّوم الملِكَ قَيْصر، ويسمِّي الترك الملك خاقان. والله أَعلم بجميع هذا وأَحكَم.

стр. 420

٣٤٢ - ومن حروف الأَضداد أَيْضاً قولهم للرائحة الطيبة بَنَّة ، وللرائحة المنتنة بَنَّة. ٣٤٣ - ومنها أَيْضاً قولهم: قد افترطَ الرَّجُل فَرَطاً ، إِذا دَفَن ولداً له صغيراً، وقد افترطَ فَرطاً إِذا دفن أَباه وعمّه وجدّه وغيرهم من كبار أَهله. ٣٤٤ - ومنها أَيْضاً قولهم النَّعْف ؛ لما ارتفع عن بَطْن السَّيْل، والنَّعْف لما انخفض من الجبل. ٣٤٥ - ومنها أَيْضاً المِجْمَر ، العود الَّذي يُتَجَمَّر به وما أَشبهه، والمِجْمَر الَّذي يُجْعل فيه النار والبخور، قال كثيّر: فَما رَوْضَةٌ بالحَزْنِ طَيِّبَةُ الثَّرى ... يَمُجُّ النَّدى جَثْجاثُها وعَرارُها بأَطْيَبَ مِن أَرْدانِ عَزَّةَ مَوهِناً ... وَقَدْ أُوقِدَتْ بالمِجْمَر اللَّدْنِ نارُها ٣٤٦ - ومنها أَيْضاً قولهم: نحِيح للبخيل، يقال: شحيح نحِيح. وقالَ بعض أَهل اللُّغة: يقال للكريم أَيْضاً السخيّ: نحِيح. قال أَبو بَكْر: والأَعرف فيه أَنَّهُ للبخيل. ٣٤٧ - ومنه أَيْضاً القَلْت في كلام أَهل الحجاز؛

стр. 421

نُقْرة في الجبل يَجتمع فيها الماء، فيغْرَق فيها الجَمَل والفِيل، لو سقط فيها، والقَلْت في لغة تَميم وغيرهم نُقْرة صغيرة في الجبل يجتمع فيها الماء، وهو مؤنَّثة، يقال في تصغيرها: قُلَيْتَة، وفي جمعها قِلات، قال بعض الأَعراب: اقْرأ على الوَشَلِ السَّلامَ وَقُلْ لَهُ ... كُلُّ المشَارِبِ مُذْ فُقِدْتَ ذَمِيمُ لَوْ كُنْتُ أَمْلِكُ مَنْعَ مائِكَ لم يَذُقْ ... ما في قِلاتِكَ ما حييتُ لئيمُ ٣٤٨ - ومنها أَيْضاً الفَلْذ ؛ قال بعض البصريين، قال أَبو زيد: الفَلْذ: العطاءُ القليل، والفَلْذ: العطاءُ الكثير، وأَنشد: فَلْذُ العَطَاء في السِّنينِ النّزَّلِ وأَنشد الأَعشى؛ أَعشى باهلة: تَكْفِيهِ حُزَّةُ فَلْذٍ إِنْ أَلَمَّ بها ... من الشِّواءِ ويُرْوِي شُرْبَهُ الغُمَرُ يمدح رجلاً. وقالَ ابن السِّكِّيت وغيره في رواية هذا البيت: حُزَّةُ فِلْذٍ بكسر الفاء. وقالوا: الفِلْذ جمع فِلْذة، والفِلْذة: قطعة من كَبِد البعير.

стр. 422

٣٤٩ - ومنها أَيْضاً قولهم: قد أَرجأَتِ الناقة ؛ إِذا دنا نِتاجُها، وقد أَرجأْت الأَمر؛ إِذا أَخَّرتَه، قال الله : وآخَرُونَ مُرْجَئونَ لأَمْرِ اللهِ، أَي مُؤَخَّرون. ٣٥٠ - ومنها أَيْضاً قول العرب: قد حَلَّق ماءُ الرَّكِيَّة ، إِذا تسفَّل ونَزَل، وقد حلَّق الطَّائِر في الهواء، إِذا علا وارتفع، قال ذو الرُّمَّة: ورَدْتُ اعْتِسافاً والثريَّا كأَنَّها ... على قِمَّةِ الرَّأْس ابنُ ماءٍ مُحَلِّقُ ابن ماء: طائر، ومحلِّق: مرتفع في الجو. ٣٥١ - ومنها أَيْضاً الروح ؛ روح الإِنسان؛ يقال: هي النفس، ويقال: هي غيرها، فالرُّوح الَّتي في الإِنسان يكون بها النفس والتقلّب في النوم والتحرُّك، والنفس هي الَّتي يقع بها العقل والمشيُ. وقالوا: إِذا أَنام الله الرَّجُل قبض نفسه، ولم يقبض روحه. والروح أَيْضاً: جَبْرَئيل ﵇، والروح: خلق من خلق الله لهم أَيْدٍ، وأَرجُل يُشْبِهون النَّاس، وليسوا بناس. وحدَّثنا محمد بن يونس، قال: حدَّثنا أَبو عاصم، عن

стр. 423

معروف المكّي، عن أَبي نَجيح، عن مُجاهد، قال: الرُّوح خلْق مع الملائكة لا تراهم الملائكة، كما لا ترون أَنتم الملائكة، والرُّوح حرف استأْثر الله تعالى بعلمه، ولم يُطْلِع عليه أَحداً من خَلْقه، وهو قوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوح قُلْ الرُّوحُ من أَمْرِ رَبِّي. وأَخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدَّثنا أَحمد بن منصور، قال: حدَّثنا عبد الله بن صالح، قال: حدَّثنا أَبو هِزَّان يزيد بن سَمُرة، قال: حدَّثني من سمع عليًّا رضوان الله عليه يقول: الرُّوح مَلكٌ من الملائكة، له سبعون أَلف وجه، لكلِّ وجه سبعون أَلف لسان، لكلّ لسان سبعون أَلف لغة، يسبِّح الله ﵎ بتلك اللُّغات كلّها، يخلُق من كلِّ تسبيحة مَلكٌ يطير مع الملائكة إِلى يوم القيامة. ٣٥٢ - ومن حروف الأَضداد المنجاب ؛ يقال: رجل منْجاب، إِذا كان قويًّا، ورَجُلٌ مِنْجاب، إِذا كان ضعيفاً. ٣٥٣ - وممَّا يفسّر من كتاب الله ﵎ تفسيرين متضادّين، قوله عزّ وعلا: كَمِشْكَاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْبَاح ، قال بعض المفسرين: المشكاة الكُوَّة، لسان الحبَشة.

стр. 424

وقال أَبو عُبيد: المِشْكَاة: الكُوَّة لا منفذ لها في كلام العرب، وأَنشد: تدِيرُ عَيْنَيْنِ لها كَحْلَاوَيْنِ ... كمِثْلِ مِصْباحَيْنِ في مِشْكَاتَيْنِ ٣٥٤ - ومثله أَيْضاً: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللهُ والرَّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بَه . يقول قوم: الرَّاسخون في العلم المعطوفون على الله جلّ وعزّ، ويقولون في موضع نصب على الحال، وإِن كان مرفوعاً في اللَّفظ؛ والتقدير: وما يعلم تأْويلَه إِلَاّ الله والرَّاسخون في العلم قائلين آمنَّا به، واحتجُّوا بقول الشَّاعِر: الرِّيحُ تَبكِي شَجْوَهُ ... والبَرْقُ يَلْمَعُ في الغَمَامَهْ أَراد الرِّيح تبكي شجوه، والبرق يبكي أَيْضاً لامعاً في الغمامة، واحتجُّوا بما أَخبرناه عبد الله بن محمد، قال: حدَّثنا يحيى ابن خلف الجوباريّ، قال: حدَّثنا أَبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أَبي نَجيح، عن مُجاهد، قال: الرَّاسخون في العلم يعلمون تأْويله، ويقولون: آمنَّا بالله. وبما أَخبرناه أَيْضاً عبد الله بن محمد، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا أَبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أَبي نَجيح، عن مُجاهد، عن ابن عباس، أَنَّهُ قال: أَنا ممَّن يعلَمُ تأْويله.

стр. 425

وقالَ أَكثر أَهل العلم: الرَّاسخون مستأْنفون مرفوعون بما عاد من يقولون، لا يدخلون مع الله ﵎ في العلم، لأَنَّ في كتاب الله جلّ وعزّ حروفاً طوى الله تأْويلاتِها عن النَّاس اختباراً للعباد، ليؤمِن المؤمِنُ بها على غموض تأْويلها فيسعَد، ويكفُر بها الكافر فيشقى؛ من ذلك قوله جلّ وعزّ: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ تحت الإِتيان تأْويل زمان محدود لا يعلمه غير الله ، يدلُّ على ذلك أَنَّهم طالبوا به، وأَرادوا علمَه فَمُنِعوا، ولم يجابوا إِلى كشفه، فكان من قولهم: مَتَى هَذَا الوَعْدُ، وأَيَّانَ مُرْسَاهَا، وكانَ من جواب الله : لا يَعْلَمُهَا إِلَاّ هُوَ. ٣٥٥ - ومن الحروف أَيْضاً: وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً تحت قرون تحصيلُ عدد لم يطلع الله عليه أَحداً فهو من التأْويل الَّذي استأْثر بعلمه. ٣٥٦ - ومنه: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوح قُلْ الرُّوحُ من أَمْرِ رَبِّي ، سأَلت اليهود رَسُول الله صَلّى اللهُ عليه وسَلّم
следующие страницы →