← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17082

مواعظ الصحابة لعمر المقبل

عمر المقبل

Полный текст (279 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

من مواعظ أبي موسى الأشعريِّ ﵁ - أبو موسى الأشعريُّ ﵁، وإن شئت فقل: عبد الله بن قيس بن سليمٍ، من بني الأشعر، من قحطان: صحابيُّ من الشُّجعان، ولد في زبيد (باليمن). إمامٌ من أئمَّة الصحابة ﵃، قدم مكَّة عند ظهور الإسلام فأسلم، هاجر الهجرتين -الحبشة والمدينة -كان خفيف الجسم، قصيرًا، وهو أحد عمَّال النبيِّ ﷺ ، كان أحد علماء الصحابة وفقهائهم، بعثه النبيُّ ﷺ مع معاذ بن جبلٍ إلى اليمن، كان قد أعطي مزمارًا من مزامير آل داود من حسن صوته، وكان أحد الولاة الفاتحين، وأحد الحكمين اللذين رضي بهما عليُّ ومعاوية بعد حرب صفِّين للتحكيم، سئل عليٌّ ﵁ عن موضع أبي موسى من العلم؟ فقال: صُبغ في العلم صبغةً. توفِّي سنة (٥٢هـ)، ودفن بمكة، وقيل: (٤٤هـ)، ودفن قريبًا من الكوفة على ميلين (١). كان أبو موسى علمًا من أعلام مدرسة محمدٍ ﷺ ، وتلميذًا نجيبًا فيها، أدرك علمًا غزيرًا، ظهر أثره في حياته العمليَّة، وثقة أكابر الصحابة

стр. 107

فيه، وكثرة ما روى عن النبيِّ ﷺ ، ولعلَّ مواعظة -التي سنشير إلى شيءٍ منها -توضح هذه الحقيقة، فمن ذلك: • ما روى البيهقيُّ في الشُّعب (١) من طريق موسى بن إسحاق الطَّلحيِّ، قال: اجتهد الأشعريُّ قبل موته اجتهادًا شديدًا، فقيل له: لو أمسكت ورفقت بنفسك بعض الرِّفق! قال: «إنَّ الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها، أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلي أقلُّ من ذلك». قال: فلم يزل على ذلك حتى مات. يا لها من موعظةٍ عمليَّةٍ من أبي موسى ﵁! قرنها بموعظةٍ قوليَّةٍ؛ فاجتمع فيها القول والعمل، وهذا غاية ما يكون من التأثير في المواعظ التي تُنقل عن العلماء. لقد كان أبو موسى من علماء الصحابة - كما أسلفت - وكان على قدرٍ كبيرٍ من العمل، لكنَّه لمَّا تقدَّمت به السنُّ، وأحسَّ بدنوِّ الأجل، رأى أنَّ خير عُدَّةٍ للقاء الله هي الاجتهاد في العمل، فلمَّا عُوتب في هذا، وطلبوا منه أن يرفق بنفسه، أجابهم بهذه الكلمة الحكيمة: «إنَّ الخيل إذا أُرسلت فقاربت رأس مجراها، أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلي أقلُّ من ذلك». وإذا كان المطلوب من المؤمنين عمومًا الاجتهاد في العمل -لأنَّ الإنسان لا يدري متى يفجؤه الأجل -فإنَّه متعيِّنٌ ومتأكِّدٌ في حقِّ من تقدَّمت بهم السنُّ، واقتربوا من الآخرة، فماذا ينتظر من جاوز الستِّين؟ فضلًا عمَّن جاز السبعين والثمانين! بل قال بعض السلف -وهو عبد الله بن

стр. 108

داود الخُريبيُّ -يحكي حال من قبله: كان أحدهم إذا بلغ أربعين سنةً طوى فراشه، وكان بعضهم يحيي الليل، فإذا نظر إلى الفجر قال: «عند الصباح يحمد القوم السُّرى» (١). يقول أنس بن مالكٍ ﵁: كنَّا مع أبي موسى في مسيرٍ له، فسمع الناس يتحدَّثون، فسمع فصاحةً فقال: «ما لي يا أنس؟ هلمَّ فلنذكر ربَّنا، فإنَّ هؤلاء يكاد أحدهم أن يفري الأديم (٢) بلسانه»! ثمَّ قال لي: «يا أنس، ما أبطأ بالناس عن الآخرة، وما ثبرهم (٣) عنها؟»، قال: قلت: الشهوات والشيطان، قال: «لا والله، ولكن عجِّلت لهم الدُّنيا، وأخِّرت الآخرة، ولو عاينوا، ما عدلوا وما ميَّلوا» (٤). وهذا المعاني التي أشار لها أبو موسى وعبد الله بن داود الخُريبيُّ، منتزعةٌ من جملةٍ من النصوص، لعلَّ من أشهرها قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ... [الأحقاف: ١٥]، فالموفَّق من التفت إلى آخرته ما دام في نفسه بقيَّةٌ، خاصةً إذا كان ممَّن جاز

стр. 109

الأربعين، فليس بعد بلوغ الأشدِّ إلا بداية الضَّعف، وما أقرب الوداع! • ومن مواعظه ﵁: ما رواه قسامة بن زهيرٍ، قال (١): خطبنا أبو موسى ﵁ بالبصرة فقال: «يا أيُّها الناس، أبكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا؛ فإنَّ أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع، ثم يبكون الدماء؛ حتى لو أرسلت فيها السُّفن لجرت». البكاء من خشية الله دأب الصالحين، وهدي أولياء الله المفلحين، ومن تأمَّل ما ذكره الله تعالى في كتابه، وجد ما ينكِّس الرأس، ويطأطئ الهامة؛ خجلًا من بعده عن تلك المراتب التي جاءت عن أولئك الصفوة المباركة! كمثل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. قال عبد الأعلى التَّيميُّ ﵀: إنَّ من أوتي من العلم ما لم يبكه لخليقٌ ألاَّ يكون أوتى علمًا ينفعه! لأنَّ الله نعت العلماء فقال: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ الآيتين (٢). ولمَّا قرأ ابن مسعودٍ على النبيِّ ﷺ صدر سورة النساء، قال

стр. 110

ابن مسعودٍ: فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، قال: (أمسك)، فإذا عيناه تذرفان! (١). ومن السبعة الذين يظلُّهم الله في ظلِّه، يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: «ورجلٌ ذكر الله خاليًا، ففاضت عيناه» (٢). وهكذا تأتي موعظة أبي موسى ﵁ متَّفقةً مع هذا الهدي النبويِّ، بل مع هدي الأنبياء جميعًا، حيث قال: «ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا»؛ أي: حاولوا أن تدرِّبوا نفوسكم على هذا، بأن «يحضر قلبه الحزن، فمن الحزن ينشأ البكاء .. ووجه إحضار الحزن: أن يتأمَّل ما في كتاب الله من التهديد والوعيد، والمواثيق والعهود، ثم يتأمَّل تقصيره في أوامره وزواجره؛ فيحزن لا محالة ويبكي، فإن لم يحضر حزنٌ وبكاءٌ كما يحضر أرباب القلوب الصافية، فليبك على فقد الحزن والبكاء؛ فإنَّ ذلك أعظم المصائب!» (٣). والذي يُرجى ويؤمَّل من فضل الله ورحمته، أنَّ من بكى في هذه الدار خوفًا من الله وعذابه، أنَّ الله لا يجمع عليه البكاءين. • ومن مواعظه ﵁ قوله (٤): «إنَّما أهلك من كان قبلكم هذا الدِّينار والدِّرهم، وهما مهلكاكم». هذه الموعظة من أبي موسى قبسٌ من آثار النبوة ... فالتنافس على

стр. 111

الدُّنيا وشهواتها -ومن أشدِّها الدينار والدرهم -هو الذي أهلك من كان قبلنا، فإن تنافسنا فيها تنافسًا غير شرعيٍّ، وخلاف ما رسمته لنا الشريعة، فالسُّنَّة الإلهية ماضيةٌ. ولهذا؛ لمَّا سمع الأنصار بقدوم أبي عبيدة بمالٍ من البحرين، وافوا صلاة الفجر مع النبيِّ ﷺ ، فلمَّا صلَّى رسول الله ﷺ انصرف، فتعرَّضوا له، فتبسَّم رسول الله ﷺ حين رآهم، ثمَّ قال: (أظنُّكم سمعتم أنَّ أبا عبيدة قدم بشيءٍ من البحرين؟)، فقالوا: أجل يا رسول الله، قال: (فأبشروا وأمِّلوا ما يسرُّكم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكنِّي أخشى عليكم أن تبسط الدُّنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم) (١). ومن تأمَّل واقع الناس وما أحدثه هذا التنافس، أدرك معنى هذا الحديث! وإنَّ الإنسان ليحزن أن يتخاصم أخوان، أو والدٌ وولده أمام القاضي على لُعاعةٍ من الدُّنيا! تتقطَّع بها أواصرهم، وتتفصَّم عرى المودَّة بينهم، فيمتدُّ الأثر إلى جيلٍ أو جيلين من تلك الأسرة! وهل هذا إلا الهلاك؟! رضي الله عن أبي موسى، وجزاه الله خير ما جزى ناصحًا عن ناصحيه، وجمعنا به في دار كرامته. ...

стр. 112

من مواعظ حُذيفة بن اليمان ﵁ - (١/ ٢) هو أحد أكابر أصحاب النبي ﷺ وخاصَّتهم، يُكْنَى أبا عبد الله، شهد أحدًا وما بعد ذلك من المشاهد. كان يسأل النبيَّ ﷺ عن الشرِّ مخافة أن يدركه، وأرسله النبيُّ ﷺ ليلة الأحزاب في مهمةٍ سرِّيَّةٍ ليأتيه بخبر الكفَّار. شهد نهاوند، فلمَّا قتل النُّعمان بن مقرِّنٍ، أخذ الراية، وكان فتح همذان والرَّيِّ والدِّينور على يديه، وكانت فتوحه كلُّها سنة اثنتين وعشرين. اشتهر بأنَّه صاحب سرِّ رسول الله ﷺ ؛ أعلمه أسماء المنافقين، وكان عمر إذا مات ميِّتٌ يسأل عن هذا الصحابيِّ الجليل؛ فإن حضر الصلاة عليه، صلَّى عليه عمر، وإن لم يحضر الصلاة عليه، لم يحضر عمر، وقد استعمله عمر بن الخطَّاب ﵁ على المدائن. إنَّه حُذيفة بن اليمان (١) - واسمه حسيلٌ -بن جابرٍ، من بني عبسٍ حلفاء بني عبد الأشهل.

стр. 113

مات حذيفة ﵁ بالمدائن بعد مقتل عثمان بن عفَّان بأشهرٍ، وقيل: أربعين يومًا، سنة ستٍّ وثلاثين، وله ذرِّيَّةٌ بالمدائن (١). • أمَّا مواعظه التي نُقلت عنه، فكثيرةٌ، ولكن سننتخب منها شيئًا، ونترك أشياء؛ لأنَّ الغرض التذكير، فمن مواعظه ﵁ قوله (٢): «خالص المؤمن، وخالط الكافر، ودينك لا تكلمنَّه». والمعنى: أخلص في تعاملك مع أخيك المؤمن، ولا حرج أن تخالط الكافر إذا احتجت لذلك، لكن الأهمُّ هو: أن تحافظ على دينك لا يُكلم، ولا يُخدش، ولا يُجرح! ذلك أنَّ بعض الناس إذا خالط الفسَّاق -فضلًا عن الكفار- تنازل عن بعض مبادئه، أو استحيا من إظهار شعائره! وما أحوج الإخوة الذين يسافرون إلى بلاد الكفر -لعلاجٍ أو تجارةٍ أو ابتعاثٍ -أن يستحضروا هذا المعنى، وأن يتذكَّروا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]! ويعجبني في هذا المقام ذكر قصةٍ لأحد التجار الكبار في بلادنا -سمعتها منه -حيث سافر لبريطانيا، وكان من ضمن برنامجه: زيارة مدير أكبر بنكٍ في بريطانيا -وهو من أكبر بنوك العالم - فدعاه المدير لطعام الغداء، فوافق؛ ولكنَّه -وبعزَّة المسلم -اشترط عليه: ألَّا يكون على المائدة خمرٌ ولا لحم خنزيرٍ، وألا يختلط الرجال بالنساء، فوافق المدير.

стр. 114

وإذا كان (المهاتما غاندي) لما اقتيد مأسورًا من الإنجليز، رفض التخلِّي عن اللباس التقليديِّ الذي يرمز لمن كان يُناضل ويدافع عنهم -وهو وهم كفَّارٌ وثنيُّون -فالمسلم أولى وأحرى بأن يكون معتزًّا بهويَّته، لا أن يذوب وينماع في مجتمعات الكفر! قد يعذر المسلم بترك لبس ما يجلب إليه مشكلاتٍ أمنيَّةً ونحوها إذا كان في بلاد الكفر، لكن ما عذر من يلبس لباس الكفار في بلاد المسلمين، وربَّما في مدينته أو قريته الصغيرة؟! لقد أثبتت التجارب والأخبار أنَّ الناس يحترمون الذي يحافظ على مبادئه وإن اختلف معهم، ويمقتون من يتنازل ويقلِّدهم، وإن احترموه في الظاهر. والمقصود أنَّ هذه الموعظة التي قالها حذيفة: «خالص المؤمن، وخالط الكافر، ودينك لا تكلمنَّه»، لا بدَّ أن يعيش معها المؤمن، في هذا الزمن الذي كثر فيه الاحتكاك بغير المسلمين، سواءً من الوافدين، أم ممَّن نسافر إليهم. • ومن مواعظه (١) ﵁ أنَّه قيل له: من ميِّت الأحياء؟ قال: «من لم يعرف المعروف بقلبه، وينكر المنكر بقلبه». الله أكبر! يا لها من كلمةٍ عميقةٍ! تنقل القارئ لها إلى معنًى شريفٍ، ألا وهو: أنَّ الحياة الحقَّة هي حياة القلب لا البدن؛ إذ حياة البدن يشترك فيها معه الإنسان بل والحيوان.

стр. 115

وبم تكون حياته؟ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن خلا قلبه من ذلك -والعياذ بالله - فليبحث له عن قلب، فقد قال النبيُّ ﷺ : (ما من نبيٍّ بعثه الله في أمَّةٍ قبلي إلَّا كان له من أمُّته حواريُّون وأصحابٌ، يأخذون بسنَّته، ويقتدون بأمره، ثمَّ إنَّها تخلف من بعدهم خلوفٌ، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده، فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بلسانه، فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بقلبه، فهو مؤمنٌ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبَّة خردلٍ) (١). لقد شرح حذيفة نفسه هذه الجملة المختصرة، فقال: «أفلا تسألون عن ميِّت الأحياء؟ فقال: إن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ فدعا الناس من الضلالة إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان، فاستجاب له من استجاب، فحيا بالحقِّ من كان ميتًا، ومات بالباطل من كان حيًّا، ثم ذهبت النُّبوَّة فكانت الخلافة على منهاج النبوة، ثم يكون مُلكًا عضوضًا، فمن الناس من ينكر بقلبه ويده ولسانه والحقَّ استكمل، ومنهم من ينكر بقلبه ولسانه كافًّا يده وشعبةً من الحقِّ ترك، ومنهم من ينكر بقلبه كافًّا يده ولسانه وشعبتين من الحقِّ ترك، ومنهم من لا ينكر بقلبه ولسانه، فذلك ميِّت الأحياء!» (٢). يقول عاصمٌ الأحول: «ما سمعت الحسن البصريَّ يتمثَّل ببيتٍ من شعرٍ قطُّ إلا هذا البيت: ليس من مات فاستراح بميتٍ ... إنَّما الميت ميِّت الأحياء ثم قال الحسن: وصدق والله، إنَّه ليكون حيًّا، وهو ميت القلب!» (٣).

стр. 116

• ومن مواعظه قوله ﵁ (١): «إيَّاكم والفتن لا يشخص لها أحدٌ، والله ما شخص فيها أحدٌ إلا نسفته كما ينسف السيل الدِّمن، إنَّها مشبهةٌ مقبلةً، حتى يقول الجاهل: هذه تُشبه مُقبلة، وتتبيَّن مُدبرة، فإذا رأيتموها فاجثموا في بيوتكم، وكسِّروا سيوفكم، وقطِّعوا أوتادكم». حين يتحدَّث حذيفة ﵁ عن الفتن فهو يتحدَّث عنها حديث الخبير البصير، كيف وقد أدرك أوائلها، وعرف مداخلها ومخارجها؟! حتى قال: «والله، إنِّي لأعلم الناس بكلِّ فتنة هي كائنةٌ فيما بيني وبين الساعة، وما بي إلا أن يكون رسول الله ﷺ أسرَّ إليَّ في ذلك شيئًا لم يحدِّثه غيري، ولكن رسول الله ﷺ قال وهو يحدِّث مجلسًا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله ﷺ وهو يعدُّ الفتن: (منهنَّ ثلاثٌ لا يكدن يذرن شيئًا، ومنهنَّ فتنٌ كرياح الصَّيف، منها صغارٌ، ومنها كبارٌ)، قال حذيفة: فذهب أولئك الرَّهط كلُّهم غيري» (٢). وتتلخَّص وصية حذيفة هنا -عند وقوع الفتنة -ألَّا يشخص لها، ولا يبرز لها، ولا يخوض فيها؛ فهي بمثابة البحر الذي انفجر، والسيل الذي انهمر، وما الذي يتوقَّع من مصير من يواجه البحر إذا انفجر، والسيل إذا انهمر؟! سيجرفه جرفًا، وينسفه نسفًا، كما ينسف السيل إذا لاقى الدِّمن -وهي آثار البعر-! وقد أشار حذيفة ﵁ إلى معنًى مهمٍّ جدًّا عند حدوث الفتنة، وهو: أنَّها تشتبه على أكثر الناس، فيختلط الحقُّ بالباطل، والصواب

стр. 117

بالخطأ، ويتنازع الناس الأمر، ويتحدَّث الصغير والكبير، والعالم والجاهل، وهذا من أسباب تعقُّد الأمر -كما هو معلومٌ -. وإذا كان الدَّور - في أوقات الفتن -مناطًا بأهل العلم وأهل الرأي والرسوخ؛ فحقٌّ على من سواهم أن يأتمروا بأمرهم، وألَّا يدعوا المجال لصغار الرأي أو السِّنِّ، فإنَّ الفتنة بطبيعتها تعمي عن النظر في المآلات، وكثرة الحديث فيها من كلِّ أحدٍ يضيِّق المجال في الحلِّ، والموفَّقون للتعامل معها وفق المراد قلَّةٌ، كما قال الحسن البصريُّ ﵀: «إنَّ الفتنة إذا أقبلت، عرفها العالم، وإذا أدبرت، عرفها كلُّ جاهلٍ» (١). ومن أعظم ما يذكَّر به عند بروز قرن الفتن: لزوم جماعة المسلمين، والسمع والطاعة بالمعروف لمن ولَّاه الله تعالى أمر المسلمين، والصدور عن رأي العلماء الراسخين الصادقين -الذين يقولون كلمة الحقِّ، لا يخافون في الله لومة لائمٍ -وترك الكلام في الفتنة إلا للكبار الذين يدركون المآلات والعواقب. هذه بعضٌ من مواعظ هذا الصحابيِّ الجليل حذيفة ﵁، ولم ينته التَّطواف معها؛ بل للحديث صلةٌ بمشيئة الله تعالى. ****

стр. 118

من مواعظ حذيفة بن اليمان ﵁ - (٢/ ٢) • ومن مواعظه ﵁ قوله (١): «إنَّ الحقَّ ثقيلٌ، وهو مع ثقله مريءٌ، وإنَّ الباطل خفيفٌ، وهو مع خفَّته وبيءٌ، وترك الخطيئة أيسر -أو قال: خيرٌ -من طلب التوبة، وربَّ شهوة ساعةٍ أورثت حزنًا طويلًا». تضمَّنت هذه الموعظة جملتين مهمَّتين: الأولى: وصف فيها الحقَّ والباطل، فقال: «إنَّ الحقَّ ثقيلٌ، وهو مع ثقله مريءٌ»، ومراده بالثِّقل هو ثقل التحمُّل، وثقل العبْء الذي يترتَّب على حمله، كما قال : ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، وكما أشارت إليه آية الأمانة في خواتيم سورة الأحزاب: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]، ومع كون الحقِّ ثقيلًا، فإنَّه مريءٌ؛ أي: سهل التقبُّل؛ لأنَّ الحقَّ موافقٌ للفطر السليمة، بخلاف الباطل، فإنَّه خفيفٌ؛ لموافقته لغالب الأهواء والشهوات، فتنقاد معه، وتستسلم له؛ ولهذا تجود النفوس في هذا السبيل بالأموال والجهود، لكن مع ذلك فهو وبيءٌ وخطير العاقبة، وهكذا هي حال المحرَّمات

стр. 119

كلِّها؛ يتعاطاها أهلها لذَّةً عابرةً، ثمَّ تعقبها حسراتٌ لا يعلمها إلا الله. «وأجهل الجهَّال من آثر عاجلًا على أجلٍ لا يأمن سوء مغبَّته! فكم قد سمعنا عن صاحب مالٍ أطلق نفسه في شهواتها، ولم ينظر في حلالٍ وحرامٍ، فنزل به من الندم وقت الموت أضعاف ما التذَّ، ولقي من مرير الحسرات ما لا يقاومه ولا ذرةً كلُّ لذةٍ! ولو كان هذا فحسب، لكفى حزنًا، كيف والجزاء الدائم بين يديه؟!» (١). يقول ابن القيِّم ﵀: «فالمعرض عن الله له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه، وإن تنعَّم في الدُّنيا بأصناف النِّعم، ففي قلبه من الوحشة والذُّلِّ والحسرات التي تقطِّع القلوب، والأمانيِّ الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه، وإنَّما يواريه عنه سكرات الشهوات والعشق وحبِّ الدُّنيا والرِّياسة) (٢). والجملة الثانية التي تضمَّنتها موعظة حذيفة ﵁: «وترك الخطيئة أيسر - أو قال: خيرٌ - من طلب التوبة، وربَّ شهوة ساعةٍ أورثت حزنًا طويلًا»، وصدق ﵁؛ فإنَّ ترك المعصية وإن كان فيه ثقلٌ، إلا أنَّه أيسر من طلب التوبة؛ إذ قد لا يدركها العبد، ولو أدركها زمانًا، فقد لا يوفَّق لها؛ عقوبةً له على تقحُّم الحِمَى؛ ولهذا قال ﵁: «وربَّ شهوة ساعةٍ أورثت حزنًا طويلًا»؛ ذلك أنَّ اللذَّة في المعصية -مهما طال زمنها - فما تورثه من حزن أطول وأشقُّ، ومن تأمَّل في آثار معصية إطلاق النظر المحرَّم، أدرك معنى هذه الحقيقة التي أشار إليها حذيفة ﵁، «فالنظرة تجرح القلب جُرحًا، فيتبعها جُرحٌ على جُرح، ثم لا يمنعه ألم الجراحة من استدعاء تكرارها .. وقد قيل: إنَّ حبس

стр. 120

اللحظات، أيسر من دوام الحسرات» (١). وبالجملة، فإنَّ ألم الصبر على ترك المعصية أقلُّ وأيسر من آلام وحسرات الآثار التي يجدها العاصي بعد ذلك، والتي لو لم يكن منها إلا أنَّها تضعف وتوهن سير القلب إلى الله، والوحشة العظيمة التي تقع في قلب العاصي، لكفى بهما مصيبةً، فإن لم يشعر العاصي بهاتين العقوبتين، فليبحث عن قلبه؛ فليس له قلبٌ! * قيل لحذيفة (٢): أتركت بنو إسرائيل دينها في يومٍ واحدٍ؟ قال: «لا، ولكنَّهم كانوا إذا أمروا بشيءٍ تركوه، وإذا نهوا عن شيءٍ ركبوه، حتى انسلخوا من دينهم كما ينسلخ الرجل من قميصه». يا لها من موعظةٍ مخيفةٍ! فحذيفة ﵁ يبيِّن حقيقةً قد تخفى على بعض الناس، وهي أنَّ الانسلاخ من الإيمان لا يكون فجأةً في الأمَّة، أو الجماعة، ولكنَّه يأتي شيئًا فشيئًا، ولا يظلم ربُّك أحدًا. إنَّ من أخطر ما تبتلى به الأمة أن تركب ما ركبه بنو إسرائيل، حين تترك الأوامر، أو تركب النواهي، وهذا وإن لم ولن يحدث للأمَّة كلِّها، إلا أنَّه لا يسلم منه بعض الأفراد، وفي كلمة حذيفة تصريحٌ بالسبب العامِّ لهذا الانسلاخ الذي يعاقب به بعض الناس. ومن الآيات المخيفة التي تتحدَّث عن الانسلاخ من الدِّين قوله

стр. 121

تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦]. فاتِّباع الهوى وإيثاره على مراد الله، والتعلُّق الشديد بالدُّنيا الذي قطع قلبه عن الله والدار الآخرة؛ كلُّ ذلك كان سببًا في انسلاخه -والعياذ بالله -! ومن تأمَّل في كلام الأئمة، وجد فيه تنصيصًا على جملةٍ من الأسباب التفصيليَّة لهذا الانسلاخ الذي تضرب به بعض القلوب والعياذ بالله، ومن ذلك ما عبَّر عنه ابن القيِّم في نونيَّته: والله ما خوفي الذُّنوب فإنَّها ... لعلى طريق العفو والغفران لكنَّما أخشى انسلاخ القلب من ... تحكيم هذا الوحي والقرآن ورضا بآراء الرِّجال وخرصها ... لا كان ذاك بمنَّة الرَّحمن فبأيِّ وجهٍ ألتقي ربِّي إذا ... أعرضت عن ذا الوحي طول زمان وعزلته عمَّا أريد لأجله ... عزلًا حقيقيًا بلا كتمان • ومن مواعظه ﵁ قوله (١): «معروفكم اليوم منكر زمانٍ قد مضى، وإنَّ منكركم اليوم معروف زمانٍ قد أتي، وإنَّكم لا تزالون بخيرٍ ما عرفتم الحقَّ، وكان العالم فيكم غير مستخفٍّ به».

стр. 122

«ولقد صدق؛ فإنَّ أكثر معروفات هذه الأعصار منكراتٌ في عصر الصحابة ﵃» (١). وكلمة حذيفة هذه تلتقي تمامًا مع كلمةٍ لأنسٍ ﵁: «إنَّكم لتعملون أعمالًا هي أدقُّ في أعينكم من الشَّعر، إن كنا لنعدُّها على عهد النبيِّ ﷺ من الموبقات» (٢)، بوَّب عليه البخاريُّ بقوله: باب ما يتَّقى من محقَّرات الذُّنوب. وسبب ذلك: «أنَّ معرفة الصحابة بجلال الله أتمُّ، فكانت الصغائر عندهم -بالإضافة إلى جلال الله تعالى -من الكبائر» (٣). وما أشار إليه حذيفة يدركه المشاهد لواقع الناس بلا تكلُّفٍ والشأن كلَّ الشأن في المعنيين الأخيرين اللذين ذكرهما حذيفة، وهما: ١ - عدم خفاء الحقِّ، ومعرفته، وألا ينقلب المنكر معروفًا، والمعروف منكرًا؛ ولهذا لمَّا قيل للإمام أحمد ﵀ في أيام المحنة: يا أبا عبد الله، أولا ترى الحقَّ كيف ظهر عليه الباطل؟ قال: كلَّا، إنَّ ظهور الباطل على الحقِّ أن تنتقل القلوب من الهدى إلى الضلالة، وقلوبنا بعد لازمة للحقِّ (٤). وأمَّا المعنى الثاني الذي نبَّه عليه حذيفة، فهو: ٢ - معرفة قيمة العالم، وعدم الاستخفاف به، يقول ابن المبارك ﵀: «من استخفَّ بالعلماء، ذهبت آخرته» (٥)، ومن الكلمات السائرة كلمة ابن عساكرٍ ﵀: «لحوم العلماء مسمومة،

стр. 123

وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة» (١). ومن المعلوم أنَّ التنبيه على خطورة الانتقاص من العلماء -أو الاستخفاف بهم -لا يعني جواز الاستخفاف بغيرهم كما يشغب بذلك بعض من ينتقد هذه العبارة! وإنَّما عبارة ابن عساكرٍ واضحة المغزى، ظاهرة المراد، وإلا فمن المُحكمات المقرَّرة: ما دلَّ عليه حديث أبي بكرة في الصحيحين: (فإنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربَّكم، ألا هل بلَّغت؟) (٢). ولنختم بهذه الموعظة القصيرة المعبِّرة لهذا الصحابيِّ الجليل، حيث يقول: «ما من صباحٍ ولا مساءٍ إلا ومنادٍ ينادي: أيُّها الناس، الرحيل الرحيل!» (٣). هذه نبذٌ من مواعظ هذا الصحابيِّ الجليل حذيفة ﵁، جمعنا الله به في دار كرامته، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. ...

стр. 124

من مواعظ معاذ بن جبلٍ ﵁ - (١/ ٢) معاذٌ من فقهاء أصحاب النبيِّ ﷺ وخاصَّتهم، بل إذا ذكر العلماء من الصحابة كان في مقدَّمهم، شهد العقبة مع السبعين من الأنصار، أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنةً، ولما أسلم كان يكسر أصنام بني سلمة هو وثعلبة بن عنمة، وعبد الله بن أنيسٍ. آخي رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الله بن مسعودٍ، وشهد بدرًا وهو ابن عشرين أو إحدى وعشرين سنةً، وشهد أيضًا أحدًا والخندق والمشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ ، اشتهر بأنَّه أعلم الأمَّة بالحلال والحرام (١). وكان ابن مسعود يسمِّيه: الأمَّة القانت، كان من أفضل شباب الأنصار حلمًا وحياءً، وبذلًا وسخاءً، وضيء الوجه، أكحل العينين، برَّاق الثنايا، جميلًا وسيمًا، أردفة النبيُّ ﷺ وراءه فكان رديفه، وشيَّعه النبي ﷺ ماشيًا في مخرجه إلى اليمن وهو راكبٌ، وتوفِّي النبي ﷺ وهو عامله على اليمن، ولم يعقب.

стр. 125

مات بطاعون عمواس بالشام شهيدًا -في خلافة عمر -وهو ابن ثمانٍ وثلاثين، وقيل: ثلاثٍ، وقيل: أربع وثلاثين (١)؛ إنَّه معاذ بن جبل بن عمرو بن أوسٍ الأنصاريُّ ثم الخزرجيُّ، إمام الفقهاء، وكبير العلماء. • لقد ظهر أثر العلم على شخصية معاذٍ ﵁ في مواعظه التي سنذكر بعضها، ومن ذلك هذه الموعظة البليغة في الحثِّ على تعلُّم العلم، وبيان ثمراته في الدُّنيا قبل الآخرة، حيث يقول ﵁ (٢): «تعلَّموا العلم؛ فإنَّ تعلُّمه لله تعالى خشيةٌ، وطلبه عبادةٌ، ومذاكرته تسبيحٌ، والبحث عنه جهادٌ، وتعليمة لمن لا يعلم صدقةٌ، وبذله لأهله قربةٌ؛ لأنَّه معالم الحلال والحرام، ومنار أهل الجنة، والأنس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدِّث في الخلوة، والدليل على السَّرَّاء والضَّراء، والسلاح على الأعداء، والزَّين عند الأخلَّاء، يرفع الله تعالى به أقوامًا ويجعلهم في الخير قادةً وأئمةً، تقتبس آثارهم، ويقتدي بفعالهم، ويُنتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خُلَّتهم، وبأجنحتها تمسحهم، ويستغفر لهم كلُّ رطبٍ ويابسٍ حتى الحيتان في البحر وهوامُّه، وسباع الطير وأنعامه؛ لأنَّ العلم حياة القلوب من الجهل، ومصباح الأبصار من الظُّلم، يبلغ بالعلم منازل الأخيار، والدرجة العليا في الدُّنيا والآخرة. والتفكُّر فيه يعدل بالصِّيام، ومدارسته بالقيام، به توصل الأرحام،

стр. 126

ويعرف الحلال من الحرام، إمام العمَّال والعمل تابعه، يلهمه السُّعداء، ويحرمه الأشقياء». ولعلَّ في وضوح هذه الموعظة ما يغني عن توضيحها، فهل تأمَّلنا هذه المنافع التي ذكرها معاذٌ عن العلم والعلماء، والتي بلغت قرابة الثلاثين؟ وهل تحرِّك في المقصِّر الرغبة في طلب العلم فيما يتعيَّن عليه على الأقلِّ؟ • ومن مواعظه ﵁ قوله (١): «إنَّ من ورائكم فتنًا يكثر فيها المال، ويفتتح القرآن؛ حتى يقرأه المؤمن والمنافق، والصغير والكبير، والأحمر والأسود، فيوشك قائلٌ يقول: ما لي أقرأ على الناس القرآن فلا يتَّبعوني عليه؟ فما أظنُّهم يتبعوني عليه حتى أبتدع لهم غيره، فإيَّاكم إيَّاكم ما ابتدع؛ فإنَّ ما ابتدع ضلالةٌ». فمعاذٌ ﵁ يشير في هذه الموعظة إلى خللٍ مبكِّرٍ بدأ يلحظه في الناس -خاصةً بعد اتِّساع الفتوح -وهو أنَّ الإقبال على القرآن لم يكن كما كان يعهده في عهد النبيِّ ﷺ وصدر هذه الأمَّة، بل بدأ التكثُّر بالقراءة على حساب التدبُّر، وإلى هذا أشار معاذٌ بقوله: «فيوشك قائلٌ يقول: ما لي أقرأ على الناس القرآن فلا يتَّبعوني عليه؟ فما أظنُّهم يتَّبعوني عليه حتى أبتدع لهم غيره، فإيَّاكم إيَّاكم ما ابتدع؛ فإنَّ ما ابتدع ضلالةٌ»، فحذَّر معاذٌ من الخروج عن السُّنَّة بغية التكثُّر من الأتباع والجماهير!

стр. 127

كما أنَّه يشير بذلك إلى أنَّ بعض متَّبعي السُّنَّة قد يكون غريبًا في بلده الذي يسكنه بسبب اتِّباعه للسُّنَّة، فلا يجوز أن يحمله ذلك على ترك السُّنَّة من أجل تجمهر الناس حوله، فالعبرة بالحقِّ ولو كنت وحدك، كما قال ابن مسعودٍ ﵁: «الجماعة ما وافق الحقَّ ولو كنت وحدك» (١). * ثم قال معاذٌ ﵁ في تتمة موعظته هذه: «وأحذِّركم زيغة الحكيم! فإنَّ الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحقِّ»، قال: قلت لمعاذٍ: ما يدريني -رحمك الله - أنَّ الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأنَّ المنافق قد يقول كلمة الحقِّ؟! ولا يثنينَّك ذلك عنه؛ فإنَّه لعلَّه أن يراجع، وتلقَّ الحقَّ إذا سمعته؛ فإنَّ على الحقِّ نورًا». وهذه الموعظة من معاذٍ بليغة المعاني، وعميقة الدَّلائل؛ فإنَّ من الفتن التي تخفى على كثيرٍ من الناس: زلَّة العالم، والتي ينقسم الناس فيها -غالبًا-ثلاثة أقسامٍ: قسمٌ لا يقبل في شيخه أيَّ نقدٍ ولا ملاحظةٍ! وقسمٌ ضدُّهم: لا يغفرون لعالم زلَّةً، ويسقطونه من أول سقطةٍ! وكلا هذين القسمين مائلٌ عن الحقِّ، والحقُّ في التوسُّط بينهما، وهو الذي أشار إليه معاذٌ ﵁ وهو الاحتفاظ بقدره، وعدم تقليده في زلَّته وخطئه، فهذا هو ميزان القسط والعدل. قال الإمام أبو عمر بن عبد البرِّ ﵀: «وشبَّه العلماء زلة العالم

стр. 128

بانكسار السفينة؛ لأنَّها إذا غرقت غرق معها خلقٌ كثيرٌ، وإذا ثبت وصحَّ أنَّ العالم يخطئ ويَزِلُّ، لم يجز لأحدٍ أن يفتي ويدين بقولٍ لا يعرف وجهه) (١). أهـ. فالواجب علينا جميعًا تجاه ما يبلغنا من زلاتٍ عن العلماء أمورٌ، ألخِّصها فيما يلي: ١ - التثبُّت فيما ينقل عنهم، فما أكثر الكذب عليهم! خاصةً في عصرنا الذي كثرت فيه وسائل نقل الأخبار! ٢ - فإذا ثبتت عنه، فالاتِّصال به، أو تبليغ من يمكنه التواصل معه لمعرفة وجه قوله؛ فقد يكون له عذرٌ ونحن لا نعلمه، أو نُقل الكلام عنه مبتورًا. ٣ - إن ثبت أنَّه قال، ولم يكن لقوله وجهٌ، فلا يقلَّد فيها، بل تغمر هذه الزلَّة في بحر حسناته، ولا يجوز إهدار منزلته وفضله، قال ابن القيِّم ﵀: «ومن له علمٌ بالشرع والواقع، يعلم قطعًا أنَّ الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدمٌ صالحه، وآثارٌ حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكانٍ، قد تكون منه الهفوة والزلة، هو فيها معذورٌ؛ بل ومأجورٌ لاجتهاده؛ فلا يجوز أن يتَّبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين» (٢). وقال الشَّاطبيُّ ﵀ معلِّقًا على ما ينبغي تُجاه زلة العالم: «كما أنَّه لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير، ولا أن يشنَّع عليه بها، ولا ينتقص من أجلها، أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتًا؛ فإنَّ هذا

стр. 129

كلَّه خلاف ما تقتضي رتبته في الدِّين» (١). أ. هـ. وقد سبق معاذٌ إلى هذا المعنى الذي ذكره ابن القيِّم والشاطبيُّ حيث قال: «ولا يثنينَّك ذلك عنه؛ فإنَّه لعلَّه أن يراجع، وتلقَّ الحقَّ إذا سمعته؛ فإنَّ على الحقِّ نورًا». إنَّ من الفتن العظيمة التي لا يدرك أثرها بعض الناس: ما يمارسه بعض السفهاء في الشبكة العالميَّة، أو في بعض مواقع التواصل الاجتماعيِّ، أو بعض المنابر الإعلامية كالصحف، والقنوات الفضائيَّة منها على وجه الخصوص؛ من همزٍ ولمزٍ في علماء الأمة، والطعن فيهم، ورميهم بالنقائص، إلى غير ذلك من الأساليب التي مؤدَّاها: التنفير منهم، والتزهيد في علمهم، وانتقاصهم، إلى غير ذلك من الآثار السيِّئة والخطيرة! ألا فليتَّق الله هؤلاء الذين يطلقون ألسنتهم في ثلب العلماء وتنقُّصهم! فإنَّ هذا غير مقبولٍ في آحاد الناس، فكيف بعلمائهم؟ ومن وجد شيئًا يراه غلطًا أو خطأً، فليتواصل بالوسائل الممكنة، وليستفصل عمَّا أشكل عليه، وإن لم يستطع، فليكفف لسانه؛ فإنَّ الأمر خطيرٌ، والله المستعان. هذه بعضٌ من مواعظ هذا الصحابيِّ الجليل معاذ بن جبلٍ ﵁ وللحديث صلةٌ مع بعضٍ آخر من مواعظه ﵁. ...

стр. 130

من مواعظ معاذ بن جبلٍ ﵁ - (٢/ ٢) • ومن مواعظه ﵁ ما قاله لابنه (١): «يا بُنيَّ، إذا صلَّيت صلاةً، فصلِّ صلاة مودِّعٍ: لا تظنُّ أنَّك تعود إليها أبدًا، واعلم يا بنيَّ أنَّ المؤمن يموت بين حسنتين: حسنةٍ قدَّمها، وحسنةٍ أخَّرها». هذه الوصيَّة من أحسن ما يوصى به الأنباء، ومن خير ما يلقيه الآباء في آذان أبنائهم، أو يكتبونه في وصاياهم؛ فإنَّ من حفظ صلاته، وصلَّاها على هذه الصفة، فهو لما سواها أحفظ، ولا بدَّ أن تحفظه صلاته، فتكون حائلًا بينه وبين ما يكرهه الله تعالى، كما قال ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. ومن أحسن ما يستعان به على أداءً الصلاة أداء يحصل به الأثر، هو: أداؤها وكأنَّ الإنسان لن يصلِّي بعد تلك الصلاة شيئًا، وهي صلاة المودِّع. إنَّها بالتأكيد ستكون صلاةً مؤثِّرةً، يجد الإنسان طعمها في بصره، وسمعه، وممشاه، وسكونه، بل هي جنةٌ ونعيمٌ معجَّلٌ، وذوقها يحتاج

стр. 131

إلى جهادٍ ومجاهدةٍ، وهكذا هي المطالب الكبار؛ تحتاج إلى قلوبٍ كبارٍ، لا حرمنا الله وإيَّاكم بمنِّه وكرمه هذا النعيم بسبب ذنوبنا. وأمَّا الجملة الثانية في هذه الموعظة، فهي قوله: «واعلم يا بُنيَّ أنَّ المؤمن يموت بين حسنتين: حسنةٍ قدَّمها، وحسنةٍ أخَّرها»؛ أي: إنَّ نجاته وفوزه وربحه وفلاحه إنَّما هو بهذه الحسنات التي ينجو بها العبد بعد رحمة الله، وما سوى ذلك عطبٌ وهلاكٌ، وما أهلك الأفراد والأمم في الدُّنيا والآخرة إلا السيِّئات؛ قال سبحانه: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥١]. • ومن مواعظه ﵁ قوله (١): «إنَّك تجالس قومًا لا محالة يخوضون في الحديث، فإذا رأيتهم غفلوا، فارغب إلى ربِّك عند ذلك رغباتٍ». ما أكثر مجالس الغفلة التي يُبتلى بها الإنسان، خاصةً في زمننا هذا! والواجب على المؤمن البعد عن هذه المجالس، فإن ابتُلي بها فليستعمل معها هذه الوصيَّة من معاذٍ ﵁، وهي الاشتغال بذكر الله تعالى، والتفكُّر فيما يمكن التفكر فيه من المعاني التي تزيد الإيمان. ويعظم الأمر حين يكون الخوض في آيات الله وشريعته، فحينئذٍ يكون ذلك المجلس مجلس نفاقٍ وموطنًا من مواطن الظالمين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، وقال سبحانه:

стр. 132

﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]. • ومن مواعظه ﵁ أنَّه لمَّا حضرته الوفاة قال (١): «انظروا أصبحنا؟»، فأُتي فقيل: لم تُصبح، فقال: «انظروا أصبحنا؟»، فأُتي فقيل له: لم تُصبح، حتى أُتي في بعض ذلك فقيل: قد أصبحت، قال: «أعوذ بالله من ليلةٍ صباحها إلى النار، مرحبًا بالموت مرحبًا! زائرٌ مُغبٌّ، وحبيبٌ جاء على فاقةٍ، اللَّهمَّ إنِّي قد كنت أخافك، فأنا اليوم أرجوك، اللَّهمَّ إنَّك تعلم أنِّي لم أكن أحبُّ الدُّنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالرُّكب عند خلق الذِّكر». الله أكبر! كم في هذه الدعوات من مواعظ! لقد تمثَّل معاذٌ ﵁ في تلكم اللحظات ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن عند قرب مفارقة الدُّنيا، وهو حسن الظنِّ بالله، وتعظيم الرجاء به سبحانه، مع شيءٍ من الخوف، فها هو يقول: «أعوذ بالله من ليلةٍ صباحها إلى النار، مرحبًا بالموت مرحبًا! زائرٌ مُغبٌّ، وحبيبٌ جاء على فاقةٍ، اللَّهمَّ إنِّي قد كنت أخافك، فأنا اليوم أرجوك» إنَّها كلمات الواثق بموعود الله، لا المغترِّ بعمله، وكلمات الراجي لفضل من بيده الفضل سبحانه! ولا يجرؤ على هذا الترحيب بالموت، وفي هذه اللحظات العصيبة، إلا من حسنت علاقته مع الله حال الرخاء! إنَّ الإنسان -وهو يقرأ هذه الكلمة -ليتساءل: هل أنا إذا حضرني

стр. 133

أجلي، ودنت منيَّتي، سأقول هذه الكلمة؟! الجواب المبكِّر عن هذا السؤال: من حفظ الله في الرخاء، فلن يتركه في الشِّدَّة، ومن أشدِّ الأوقات التي يحتاج فيها الإنسان للحفظ لحظات الاحتضار، وقرب القدوم على الواحد القهَّار، ومفارقة هذه الدَّار! ثمَّ قال -كالمعتذر عن الفطرة المغروسة في النفوس -: «اللَّهمَّ إنَّك تعلم أنِّي لم أكن أحبُّ الدُّنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالرُّكب عند خلق الذِّكر». إنَّ حبَّ الدُّنيا وكراهية الموت بالقدر المعقول شيءٌ فطريٌّ لا يُنكر بل لا يعاب به الإنسان، كما يبيِّن ذلك حديث عائشة المتَّفق عليه، عنه ﷺ : (من أحبَّ لقاء الله، أحبَّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله، كره الله لقاءه)، فقلت: يا نبيَّ الله، أكراهية الموت؟ فكلُّنا نكره الموت؟! فقال: (ليس كذلك، ولكنَّ المؤمن إذا بشِّر برحمة الله ورضوانه وجنَّته، أحبَّ لقاء الله، فأحبَّ الله لقاءه، وإنَّ الكافر إذا بشِّر بعذاب الله وسخطه، كره لقاء الله، وكره الله لقاءه) (١). وهكذا كان معاذٌ ﵁؛ فهو لم يكن يحبُّ البقاء في الدُّنيا لشيءٍ يتعلَّق به عامَّة أهل الدُّنيا، بل كان يحبُّ البقاء لغرضٍ شريفٍ، وهو كثرة العمل الصالح الذي يزيد الإنسان من الله تعالى قربةً ومحبةً، ونعم الأمنيَّة هذه: «لم أكن أحبُّ الدُّنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركُّب عند حلق الذِّكر»!

стр. 134

الله أكبر! يا لها من أعمالٍ! صيامٌ، وقيامٌ، وطلب علمٍ! فلم يدع مجالًا من أصول الخير إلا ولجه! إنَّ هذه الأمنيَّة لتشبه كثيرًا تلك المناجاة التي بثَّها ابن الجوزيِّ ﵀ في كتابه الماتع: «صيد الخاطر»، حيث يقول: «دعوت يومًا فقلت: اللَّهمَّ بلِّغني آمالي من العلم والعمل، وأطل عمري لأبلغ ما أحبُّ من ذلك، فعارضني وسواسٌ من إبليس، فقال: ثم ماذا؟ أليس الموت؟ فما الذي ينفع طول الحياة؟! فقلت له: يا أبلة، لو فهمت ما تحت سؤالي، علمت أنَّه ليس بعبثٍ! أليس في كلِّ يوم يزيد علمي ومعرفتي، فتكثر ثمار غرسي، فأشكر يوم حصادي؟! أفيسرُّني أنني متُّ منذ عشرين سنةً؟! لا والله؛ لأنِّي ما كنت أعرف الله تعالى عشر معرفتي به اليوم! وكلُّ ذلك ثمرة الحياة التي فيها اجتنبت أدلة الوحدانيَّة، وارتقيت عن حضيض التقليد إلى يفاع (١) البصيرة، واطَّلعت على علوم زاد بها قدري، وتجوهرت بها نفسي، ثم زاد غرسي لآخرتي، وقد قال الله لسيِّد المرسلين: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وفي الصحيح عنه ﷺ أنَّه قال: (لا يزيد المؤمن عمره إلاَّ خيرًا)، فيا ليتني قدرت على عمر نوحٍ؛ فإنَّ العلم كثيرٌ! وكلَّما حصل منه حاصلٌ، رفع ونفع» (٢). وهنا نتساءل مرةً أخرى: ما هي الأمانيُّ التي تجول بخواطرنا عند طلب طول الحياة؟! اللَّهمَّ اجعلنا ممَّن طال عمره وحسن عمله، واجعلنا يا مولانا ممَّن فرح بقدومه عليك، وأعنته على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. ...

стр. 135

من مواعظ أبي الدَّرداء ﵁ - (١/ ٤) أبو الدَّرداء .. وإن شئت فقل: عويمر بن زيدٍ، الأنصاريُّ الخزرجيُّ، من أكابر أصحاب النبيِّ ﷺ وخاصَّتهم، بل إذا ذكر العلماء الحكماء من الصحابة، كان من أسبق الناس إلى الذهن؛ حتى قيل عنه: حكيم هذه الأمَّة، وسيِّد القرَّاء بدمشق، وأوَّل قاضٍ لدمشق في عهد عثمان ﵁، وهو معدودٌ فيمن جمع القرآن في حياة رسول الله ﷺ . أسلم يوم بدرٍ، ثمَّ شهد أحدًا، وأمره رسول الله ﷺ يومئذٍ أن يَرُدَّ من على الجبل، فردَّهم وحده، وكان قد تأخَّر إسلامه قليلًا. قيل عنه: إنَّه من العلماء والفقهاء الذين يشفون من الداء، مات سنة اثنتين وثلاثين ﵁ (١). لقد عرف أبو الدَّرداء بالعلم والحكمة والوعظ، واشتهر بذلك في الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين -ولهذا فستكون صحبتنا له في أربعة مجالس من مواعظه؛ لعلَّ الله تعالى أن ينفعنا بها ..

стр. 136

• فمن أقواله الوعظيَّة قوله ﵁ (١): «لا تحقرنَّ شيئًا من الشرِّ أن تتَّقيه، ولا شيئًا من الخير أن تفعله». وهذه الموعظة يصدِّقها القرآن والسُّنَّة؛ أمَّا القرآن، ففي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، وفي السُّنَّة: يكفي أن يتأمَّل المؤمن قصة امرأتين: إحداهما كانت بغيًّا سقت كلبًا من العطش، فغفر الله لها ودخلت الجنة (٢)، وأخرى حبست هرَّةً لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض فدخلت النار (٣). وفي واقع بعض الناس تجد أنَّه يمارس الاستهانة بذرَّة الخير وذرَّة الشرِّ وهو لا يشعر، فحينما يسمع بعضهم عن دعوةٍ للتبرُّع لعملٍ خيريٍّ، يقول في نفسه، على سبيل المثال-: إمَّا أن أدفع مبلغًا كبيرًا أو لا أدفع شيئًا! بحجَّة أنَّ المبلغ اليسير لا يصنع شيئًا، وفي المقابل يستهين بعضهم بذنوبٍ ومعاصٍ بحجة أنَّها من الصغائر! وفي البخاريِّ عن أنسٍ ﵁: «إنَّكم لتعملون أعمالًا هي أدقُّ في أعينكم من الشَّعر، إن كنَّا لنعدُّها على عهد النبيِّ ﷺ من الموبقات»، قال أبو عبد الله: «يعني بذلك: المهلكات» (٤)، بوَّب عليه البخاريُّ: «باب ما يتَّقى من محقَّرات الذُّنوب». والموفَّق من لم يدع حسنةً يقدر عليها إلا فعلها، ولا سيِّئة إلا تركها؛ فإنَّه لا يدري ما العمل الذي يبلِّغه رضوان الله، وكذلك ما السيِّئة التي تقصم ظهره! * * *

стр. 137

• ومن مواعظه ﵁ (١): «ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكنَّ الخير أن يكثر عملك، ويعظم حِلمُك، وأن تباري الناس في عبادة الله، وإذا أحسنت حمدتَّ الله، وإذا أسأت استغفرت الله». إنَّ أبا الدرداء ﵁ يصحِّح بهذه الموعظة مفهومًا يقع في أذهان بعض الناس في حقيقة الخيريَّة، التي ربَّما حصرها بعضهم في كثرة المال والولد! وليست كذلك؛ فلو كانت كثرة المال والولد خيرًا، لكان الوليد بن المغيرة والعاص بن وائلٍ - اللذان غرَّهما مالهما وولدهما - من خير الناس، وليسا كذلك بنصِّ القرآن؛ قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَاتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٨٠]، وقال في شأن الوليد: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١١ - ١٧] الآيات. إذًا، ما الخير في فهم أبي الدرداء؟ «ولكنَّ الخير أن يكثر عملك، ويعظم حلمك، وأن تباري الناس في عبادة الله، وإذا أحسنت حمدتَّ الله، وإذا أسأت استغفرت الله». هكذا هم أئمة السلف؛ يصحِّحون المفاهيم المغلوطة، أو التي حصل فيها انحرافٌ، ومن ذلك هذا المعنى؛ فإنَّ كثرة المال والولد لا تمدح ولا تذمُّ لذاتها، فكم في أعداء الله تعالى من هو أغنى من مئات

стр. 138

الملايين من المسلمين، وأكثر ولدًا، ولكنَّ الشأن في أثر هذه النِّعم على العبد، وأجلُّها: ترجمتها بالشكر، والذي عبَّر عنه أبو الدرداء بقوله: «وأن تباري الناس في عبادة الله »، ثمَّ إن وفَّقك الله لشيءٍ من ذلك، فلا تغترَّ أو تعجب؛ فإنَّما هذا فضل الله أيضًا: «فإن أحسنت حمدتَّ الله تعالى، وإن أسأت استغفرت الله »، فاللَّهمَّ اجعلنا ممَّن إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر. * * * • ومن مواعظه ﵁ لأحد إخوانه (١): «إيَّاك ودعوة المظلوم، واعلم أنَّ قليلًا يغنيك، خيرٌ من كثيرٍ يلهيك، وأنَّ البرَّ لا يبلى، وأنَّ الإثم لا يُنسى». رضي الله عن أبي الدرداء؛ فلقد نصح وأوجز وأبلغ! أمَّا توقِّي دعوة المظلوم، فلقد سبق بالتحذير منها إمامه ونبيُّه ﷺ حين بعث معاذًا إلى اليمن، فقال له: (واتَّق دعوة المظلوم؛ فإنَّه ليس بينها وبين الله حجابٌ) (٢)، وجاء في روايةٍ خارج الصحيح: (وإن كان فاجرًا، ففجوره على نفسه) (٣)، فهل يعي هذه الوصيَّة ويتفكَّر فيها من لا يبالون بظلم الناس، وخاصةً المستضعفين منهم؛ كالخدم والعمَّال ونحوهم؟! كان معاوية ﵁ يقول: «إنِّي لأستحيي أن أظلم من لا يجد عليَّ ناصرًا إلا الله» (٤)! ثمَّ قال أبو الدرداء لصاحبه: «واعلم أنَّ قليلًا يغنيك، خيرٌ من كثيرٍ

стр. 139

يلهيك»! وهذه حقيقةٌ؛ إذ أكثر المتاع الدنيويِّ بركةً ما أعان على طاعة الله، ونفع العباد والإحسان إليهم، وأمَّا ما ألهى منه عن حقِّ الله وحقوق الخلق، فهو متاعٌ شيطانيٌّ، لا خير فيه، وسيعلم المفرِّطون غبَّ ما جمعوا يوم يسأل الإنسان عن ماله من أين جمعه؟ وفيم أنفقه؟! ثمَّ ختم وصيَّته لصاحبه فقال: «وأعلم ... أنَّ البرَّ لا يَبلى، وأنَّ الإثم لا يُنسى». وهذه حقيقةٌ، فالبرُّ والإحسان لا يبلى ولا يذهب أثره، بل هو من جنس الكلمة الطيِّبة التي تؤتي أكلها كلَّ حينٍ بإذن ربِّها، وقد ينسى المؤمن إحسانه ونفعه، لكنَّ الله تعالى يحفظ ذلك له، ويبارك له فيه. وفي المقابل، فالإثم- إذا لم يتب منه صاحبه - فإنَّه لا يَبلى، ولا يُمحى من الكتاب، إلا إذا رحم الله تعالى وأذن يوم المحشر. وهذا المعنى الذي ذكره أبو الدرداء ﵁ دلَّت عليه آياتٌ كثيرةٌ، طالما بكى عندها السلف الصالح وخافوا منها؛ كقوله تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦]، وكقوله : ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، قال التابعيُّ الجليل عون بن عبد الله معلِّقًا على هذه الآية: «ضجَّ والله القوم من الصِّغار قبل الكبار!» (١). والمقصود أنَّ أرباب البصائر والقلوب الحيَّة عرفوا «أنَّ الله تعالى لهم بالمرصاد، وأنَّهم سيناقشون في الحساب، ويطالبون بمثاقيل الذَّرِّ من

стр. 140

الخطرات واللحظات، وتحقَّقوا أنَّه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة، وصدق المراقبة، ومطالبة النَّفس في الأنفاس والحركات، ومحاسبتها في الخطرات واللحظات، فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خفَّ في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن مُنقلبه ومآبه، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزى والمقت سيِّئاته» (١). هذه بعضٌ من مواعظ هذا الصحابيِّ الجليل أبي الدرداء ﵁، وللحديث عنها بقيةٌ. * * *

стр. 141

من مواعظ أبي الدَّرداء ﵁ - (٢/ ٤) • ومن مواعظه ﵁ قوله (١): «معاتبة الأخ خيرٌ لك من فقده، ومن لك بأخيك كلِّه؟! أعط أخاك ولِنْ له، ولا تطع فيه حاسدًا». يا له من درسٍ عميقٍ في ضبط العلاقات الأخويَّة التي تفصَّمت عراها بسبب كثرة العتاب، وتنويع اللوم بأساليب كثيرةٍ! تأمَّل هذه الجملة، وأعدها مرةً أخرى: «معاتبة الأخ خيرٌ لك من فقده، ومن لك بأخيك كلِّه؟! أعط أخاك ولِنْ له»! من الجميل قبل أن تبدأ قصة العتاب للإخوة والأصدقاء - وحتى لا نخسرهم - أن نجيب عن هذه الأسئلة الأربعة: متى أعاتب؟ ومن أعاتب؟ وكيف؟ وماذا بعد العتاب؟ أمَّا متى؟ فالعتاب ينبغي أن يكون في أضيق الدوائر، وأن يكون بقدرٍ معقولٍ؛ حتى لا يحصل عكس مقصوده، كما قال عليٌّ ﵁: «لا تكثر العتاب؛ فإنَّ العتاب يورث الضَّغينة والبغضة، وكثرته من سوء الأدب» (٢).

стр. 142

وأمَّا من أعاتب؟ فالحديث في عتاب الصَّديق الذي عقدتَّ بينك وبينه وشائج المودَّة، ويعزُّ عليك ما يقع منه من خطأٍ، وكذلك العتاب لشخصٍ لك به صلةٌ- كخادمٍ وزوجٍ أو قريبٍ- أمَّا عامَّة المعارف، فليس من العقل ولا الحكمة توجيه اللوم لهم، بل تغافل عنهم. أمَّا كيف أعاتب؟ فما أجمل التلطُّف في العتاب، واللين في العبارة! ولعلَّك تتعجَّب- كما تعجَّبت- من حديث أنس ﵁ الذي قال فيه: «خدمت النبيَّ ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أفٍّ، ولا: لم صنعت؟ ولا: ألا صنعت؟»! (١). فهذا خادمٌ، وصغير السنِّ جدًا حين بدأ خدمة النبيِّ ﷺ ، حيث كان عمره عشر سنواتٍ، وكلاهما - صغر السنِّ والخدمة - مظنَّة الخطأ المتكرِّر، ومع هذا فلا يسمع منه أنسٌ طيلة السنوات العشر حتى كلمة (أفٍّ)! صلوات ربِّي وسلامه عليه. وإذا عتبت على امرئٍ أحببته ... فتوقَّ ظاهر عيبه وسبابه وألن جناحك ما استلان لودِّه ... وأجب أخاك إذا دعا بجوابه ومن حقِّ الأخ أن تغفر هفوته، وتستر زلَّته؛ فمن رام بريئًا من الهفوات، خاليًا من الزَّلات، رام مُحالًا! وماذا بعد العتاب؟ وهو سؤالٌ مهم يجب تأمُّله قبل إلقاء اللَّوم والمعتبة؛ فإنَّ بقاء الصَّديق الصَّدوق، كثير الفضائل- على علَّةٍ فيه- خيرٌ من خسارته بسبب عتابٍ قد لا يحتمله، أو يفهمه على غير وجهه، وقد

стр. 143

قيل: تناس مساوئ الإخوان، يدم لك ودُّهم، وبالجملة: فغنيمة الأصدقاء الصالحين لا تتوقَّف عند الحياة، بل هي ممتدَّةٌ إلى يوم الدِّين: ﴿الْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] فالله الله في حفظ الودِّ، والتغاضي عن الزلة؛ فالتغافل من شيم الكرام. * * * • ومن مواعظه ﵁ قوله (١): «ابن آدم، إنَّما أنت أيامٌ؛ فإذا ذهب يومٌ، ذهب بعضك. ابن آدم، إنَّك لن تزال في هدم عمرك منذ يوم ولدتك أمُّك». هذه حقيقة الزمن ... وهذه حقيقة السنوات التي نقطعها في هذه الحياة ... ولكأنَّما العمر بيتٌ وبناءٌ كبيرٌ، فإذا ذهب يومٌ أو ساعةٌ سقطت منه لبنةٌ ... فتقدُّم السِّنِّ هو من جهةٍ زيادةٌ، ومن جهةٍ أخرى نقصٌ! لأنَّ حقيقته أنَّه يقرِّبك إلى أجلك. والناس في هذا الموضوع بين غالٍ وجافٍ! فطلب طول العمر لا يحمد ولا يذمُّ لذاته، بل لمتعلَّقة وقصد الداعي به! ودونك هذه المناجاة الجميلة التي تعبِّر عن هذا المعنى بدقةٍ، والتي بثَّها ابن الجوزيِّ في كتابه النافع: «صيد الخاطر» حيث يقول ﵀: «دعوت يومًا فقلت: اللَّهمَّ بلِّغني آمالي من العلم والعمل، وأطل عمري لأبلغ ما أحبُّ من ذلك، فعارضني وسواسٌ من إبليس، فقال: ثم ماذا؟ أليس الموت؟ فما الذي ينفع طول الحياة؟! فقلت له: يا أبله، لو فهمت ما تحت سؤالي، علمت أنَّه ليس بعبثٍ! أليس في كل يومٍ يزيد

стр. 144

علمي ومعرفتي، فتكثر ثمار غرسي، فأشكر يوم حصادي؟! أفيسرُّني أنني متُّ منذ عشرين سنةً؟! لا والله؛ لأنِّي ما كنت أعرف الله تعالى عشر معرفتي به اليوم! وكلُّ ذلك ثمرة الحياة التي فيها اجتنيت أدلة الوحدانيَّة، وارتقيت عن حضيض التقليد إلى يفاع البصيرة، واطَّلعت على علومٍ زاد بها قدري، وتجوهرت بها نفسي، ثم زاد غرسي لآخرتي ... ففي الصحيح: (لا يزيد المؤمن عمره إلَّا خيرًا) (١) ... فيا ليتني قدرت على عمر نوحٍ؛ فإنَّ العلم كثيرٌ! وكلَّما حصل منه حاصلٌ، رفع ونفع» (٢). وقال رحمة الله في موضعٍ آخر؛ مبينًا متى يذمُّ طلب طول العمر: «ومن الاغترار طول الأمل، وما من آفةٍ أعظم منه؛ فإنَّه لولا طول الأمل ما وقع إهمالٌ أصلًا، وإنما تُقدَّم المعاصي وتُؤخَّر التوبة لطول الأمل، وتُبادر الشهوات وتُنسى الإنابة لطول الأمل» (٣). * * * • ومن مواعظه التي وعظ بها مسلمة بن مخلدٍ - وهو أمير مصر يومئذٍ - (٤): «أمَّا بعد، فإنَّ العبد إذا عمل بطاعة الله، أحبَّه الله، فإذا أحبَّه الله، حبَّبه إلى خلقه، وإنَّ العبد إذا عمل بمعصية الله، أبغضه الله، فإذا أبغضه الله، بغَّضه إلى خلقه».

стр. 145

إنَّها رسالةٌ واضحةٌ، وعلامةٌ تجيب عن سؤالٍ يطرحه كثيرون - إمَّا بلسان الحال أو المقال-: ما سرُّ حبِّ الناس لهذا الإنسان؟ وما سرُّ بغضهم لذاك؟! قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إنَّ الله إذا أحبَّ عبدًا، دعا جبريل فقال: إنِّي أحبُّ فلانًا فأحبَّه، قال: فيحبُّه جبريل، ثمَّ ينادي في السَّماء فيقول: إنَّ الله يحبُّ فلانًا فأحبُّوه، فيحبُّه أهل السَّماء، قال: ثمَّ يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا، دعا جبريل فيقول: إنِّي أبغض فلانًا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثمَّ ينادي في أهل السَّماء: إنَّ الله يبغض فلانًا فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثمَّ توضع له البغضاء في الأرض) (١). إنَّ بعث أبي الدرداء لهذه الموعظة لأميرٍ من أمراء المسلمين ليؤكِّد صورتين مشرقتين في العلاقة بين الحاكم والعالم، تطبيقًا لمبدأ النصيحة الذي قرَّره النبيُّ ﷺ في حديث تميمٍ الدَّاريِّ: (الدِّين النَّصيحة)، قلنا: لمن؟ قال: (لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمَّة المسلمين، وعامَّتهم) (٢). أمَّا الصورة الأولى، فهي قيام العالم بما أوجب الله عليه من بذل النُّصح للحكَّام. وأمَّا الصورة الثانية، فهي قبول هذه النصيحة، وشكر الناصح، وإكرامه. ولا تزال الأمة بخيرٍ ما تناصحوا بينهم، وتآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، كما قال أبو الدرداء ﵁: «لن تزالوا بخيرٍ ما أحببتم خياركم، وما قيل فيكم الحقُّ فعرفتموه؛ فإنَّ عارفه كفاعله» (٣).
следующие страницы →