← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17082

مواعظ الصحابة لعمر المقبل

عمر المقبل

Полный текст (279 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

من مواعظ أبي الدَّرداء ﵁ - (٢/ ٤) • ومن مواعظه ﵁ قوله (١): «معاتبة الأخ خيرٌ لك من فقده، ومن لك بأخيك كلِّه؟! أعط أخاك ولِنْ له، ولا تطع فيه حاسدًا». يا له من درسٍ عميقٍ في ضبط العلاقات الأخويَّة التي تفصَّمت عراها بسبب كثرة العتاب، وتنويع اللوم بأساليب كثيرةٍ! تأمَّل هذه الجملة، وأعدها مرةً أخرى: «معاتبة الأخ خيرٌ لك من فقده، ومن لك بأخيك كلِّه؟! أعط أخاك ولِنْ له»! من الجميل قبل أن تبدأ قصة العتاب للإخوة والأصدقاء - وحتى لا نخسرهم - أن نجيب عن هذه الأسئلة الأربعة: متى أعاتب؟ ومن أعاتب؟ وكيف؟ وماذا بعد العتاب؟ أمَّا متى؟ فالعتاب ينبغي أن يكون في أضيق الدوائر، وأن يكون بقدرٍ معقولٍ؛ حتى لا يحصل عكس مقصوده، كما قال عليٌّ ﵁: «لا تكثر العتاب؛ فإنَّ العتاب يورث الضَّغينة والبغضة، وكثرته من سوء الأدب» (٢).

стр. 142

وأمَّا من أعاتب؟ فالحديث في عتاب الصَّديق الذي عقدتَّ بينك وبينه وشائج المودَّة، ويعزُّ عليك ما يقع منه من خطأٍ، وكذلك العتاب لشخصٍ لك به صلةٌ- كخادمٍ وزوجٍ أو قريبٍ- أمَّا عامَّة المعارف، فليس من العقل ولا الحكمة توجيه اللوم لهم، بل تغافل عنهم. أمَّا كيف أعاتب؟ فما أجمل التلطُّف في العتاب، واللين في العبارة! ولعلَّك تتعجَّب- كما تعجَّبت- من حديث أنس ﵁ الذي قال فيه: «خدمت النبيَّ ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أفٍّ، ولا: لم صنعت؟ ولا: ألا صنعت؟»! (١). فهذا خادمٌ، وصغير السنِّ جدًا حين بدأ خدمة النبيِّ ﷺ ، حيث كان عمره عشر سنواتٍ، وكلاهما - صغر السنِّ والخدمة - مظنَّة الخطأ المتكرِّر، ومع هذا فلا يسمع منه أنسٌ طيلة السنوات العشر حتى كلمة (أفٍّ)! صلوات ربِّي وسلامه عليه. وإذا عتبت على امرئٍ أحببته ... فتوقَّ ظاهر عيبه وسبابه وألن جناحك ما استلان لودِّه ... وأجب أخاك إذا دعا بجوابه ومن حقِّ الأخ أن تغفر هفوته، وتستر زلَّته؛ فمن رام بريئًا من الهفوات، خاليًا من الزَّلات، رام مُحالًا! وماذا بعد العتاب؟ وهو سؤالٌ مهم يجب تأمُّله قبل إلقاء اللَّوم والمعتبة؛ فإنَّ بقاء الصَّديق الصَّدوق، كثير الفضائل- على علَّةٍ فيه- خيرٌ من خسارته بسبب عتابٍ قد لا يحتمله، أو يفهمه على غير وجهه، وقد

стр. 143

قيل: تناس مساوئ الإخوان، يدم لك ودُّهم، وبالجملة: فغنيمة الأصدقاء الصالحين لا تتوقَّف عند الحياة، بل هي ممتدَّةٌ إلى يوم الدِّين: ﴿الْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] فالله الله في حفظ الودِّ، والتغاضي عن الزلة؛ فالتغافل من شيم الكرام. * * * • ومن مواعظه ﵁ قوله (١): «ابن آدم، إنَّما أنت أيامٌ؛ فإذا ذهب يومٌ، ذهب بعضك. ابن آدم، إنَّك لن تزال في هدم عمرك منذ يوم ولدتك أمُّك». هذه حقيقة الزمن ... وهذه حقيقة السنوات التي نقطعها في هذه الحياة ... ولكأنَّما العمر بيتٌ وبناءٌ كبيرٌ، فإذا ذهب يومٌ أو ساعةٌ سقطت منه لبنةٌ ... فتقدُّم السِّنِّ هو من جهةٍ زيادةٌ، ومن جهةٍ أخرى نقصٌ! لأنَّ حقيقته أنَّه يقرِّبك إلى أجلك. والناس في هذا الموضوع بين غالٍ وجافٍ! فطلب طول العمر لا يحمد ولا يذمُّ لذاته، بل لمتعلَّقة وقصد الداعي به! ودونك هذه المناجاة الجميلة التي تعبِّر عن هذا المعنى بدقةٍ، والتي بثَّها ابن الجوزيِّ في كتابه النافع: «صيد الخاطر» حيث يقول ﵀: «دعوت يومًا فقلت: اللَّهمَّ بلِّغني آمالي من العلم والعمل، وأطل عمري لأبلغ ما أحبُّ من ذلك، فعارضني وسواسٌ من إبليس، فقال: ثم ماذا؟ أليس الموت؟ فما الذي ينفع طول الحياة؟! فقلت له: يا أبله، لو فهمت ما تحت سؤالي، علمت أنَّه ليس بعبثٍ! أليس في كل يومٍ يزيد

стр. 144

علمي ومعرفتي، فتكثر ثمار غرسي، فأشكر يوم حصادي؟! أفيسرُّني أنني متُّ منذ عشرين سنةً؟! لا والله؛ لأنِّي ما كنت أعرف الله تعالى عشر معرفتي به اليوم! وكلُّ ذلك ثمرة الحياة التي فيها اجتنيت أدلة الوحدانيَّة، وارتقيت عن حضيض التقليد إلى يفاع البصيرة، واطَّلعت على علومٍ زاد بها قدري، وتجوهرت بها نفسي، ثم زاد غرسي لآخرتي ... ففي الصحيح: (لا يزيد المؤمن عمره إلَّا خيرًا) (١) ... فيا ليتني قدرت على عمر نوحٍ؛ فإنَّ العلم كثيرٌ! وكلَّما حصل منه حاصلٌ، رفع ونفع» (٢). وقال رحمة الله في موضعٍ آخر؛ مبينًا متى يذمُّ طلب طول العمر: «ومن الاغترار طول الأمل، وما من آفةٍ أعظم منه؛ فإنَّه لولا طول الأمل ما وقع إهمالٌ أصلًا، وإنما تُقدَّم المعاصي وتُؤخَّر التوبة لطول الأمل، وتُبادر الشهوات وتُنسى الإنابة لطول الأمل» (٣). * * * • ومن مواعظه التي وعظ بها مسلمة بن مخلدٍ - وهو أمير مصر يومئذٍ - (٤): «أمَّا بعد، فإنَّ العبد إذا عمل بطاعة الله، أحبَّه الله، فإذا أحبَّه الله، حبَّبه إلى خلقه، وإنَّ العبد إذا عمل بمعصية الله، أبغضه الله، فإذا أبغضه الله، بغَّضه إلى خلقه».

стр. 145

إنَّها رسالةٌ واضحةٌ، وعلامةٌ تجيب عن سؤالٍ يطرحه كثيرون - إمَّا بلسان الحال أو المقال-: ما سرُّ حبِّ الناس لهذا الإنسان؟ وما سرُّ بغضهم لذاك؟! قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إنَّ الله إذا أحبَّ عبدًا، دعا جبريل فقال: إنِّي أحبُّ فلانًا فأحبَّه، قال: فيحبُّه جبريل، ثمَّ ينادي في السَّماء فيقول: إنَّ الله يحبُّ فلانًا فأحبُّوه، فيحبُّه أهل السَّماء، قال: ثمَّ يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا، دعا جبريل فيقول: إنِّي أبغض فلانًا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثمَّ ينادي في أهل السَّماء: إنَّ الله يبغض فلانًا فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثمَّ توضع له البغضاء في الأرض) (١). إنَّ بعث أبي الدرداء لهذه الموعظة لأميرٍ من أمراء المسلمين ليؤكِّد صورتين مشرقتين في العلاقة بين الحاكم والعالم، تطبيقًا لمبدأ النصيحة الذي قرَّره النبيُّ ﷺ في حديث تميمٍ الدَّاريِّ: (الدِّين النَّصيحة)، قلنا: لمن؟ قال: (لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمَّة المسلمين، وعامَّتهم) (٢). أمَّا الصورة الأولى، فهي قيام العالم بما أوجب الله عليه من بذل النُّصح للحكَّام. وأمَّا الصورة الثانية، فهي قبول هذه النصيحة، وشكر الناصح، وإكرامه. ولا تزال الأمة بخيرٍ ما تناصحوا بينهم، وتآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، كما قال أبو الدرداء ﵁: «لن تزالوا بخيرٍ ما أحببتم خياركم، وما قيل فيكم الحقُّ فعرفتموه؛ فإنَّ عارفه كفاعله» (٣).

стр. 146

هذه بعض مواعظ هذا الصحابيِّ الجليل أبي الدَّرداء ﵁، والتي لم ننته بعد من قطف أفانينها. * * *

стр. 147

من مواعظ أبي الدَّرداء ﵁ - (٣/ ٤) • ومن مواعظه ﵁ (١): أنَّ رجلًا جاء إليه فقال: أوصني، فقال أبو الدرداء: «أذكر الله في السَّرَّاء، يذكرك في الضَّرَّاء، وإذا ذكرت الموتى، فاجعل نفسك كأحدهم، وإذا أشرفت نفسك على شيءٍ من الدُّنيا، فانظر إلى ما يصير». ما أجمل طلب هذا الرجل الوصيَّة من العلماء كأبي الدرداء! وما أحسن جوابه له! لقد تضمَّنت هذه الوصية الوعظية ثلاثة معانٍ هي من أعظم الأدوية لمن تقطَّعت قلوبهم حسرةً، أو تحجَّرت قسوةً، أو ذابت كمدًا على ما فاتها من لُعاعة الدُّنيا! وأول هذه الأدوية والوصايا: ذكر الله تعالى ... الذي يذيب قسوة القلوب، ويعلِّقها بعلَّام الغيوب، ويجعل الذاكر في كرامة المذكور، كما قال سبحانه عن نفسه في الحديث: (فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ، ذكرته في ملأٍ خيرٍ منهم) (٢).

стр. 148

وقد نبَّه أبو الدرداء إلى بركةٍ من بركات هذه العبادة، وهي: أنَّ ذاكر الله تعالى في السرَّاء سيجد أثر ذلك في الضرَّاء، وهذا ما جملة معنى قوله ﷺ : (تعرَّف إلى الله في الرَّخاء، يعرفك في الشِّدَّة) (١). وثاني هذه الوصايا: «وإذا ذكرت الموتى، فاجعل نفسك كأحدهم»، وهذه الوصيَّة من جملة مئات الوصايا التي كان يوصي بها السلف أصحابهم، وكان أبو الدرداء يقول في بعض مواعظه: «إنَّ من أكثر ذكر الموت، قلَّ حسده وبغيه» (٢)، «وما أكثر عبدٌ ذكر الموت، إلا رأى ذلك في عمله، ولا طال أمل عبدٍ قطُّ، إلا أساء العمل» (٣)؛ ولهذا كان يقول سعيد بن جبيرٍ: «لو فارق ذكر الموت قلبي، خشيت أن يفسد عليَّ قلبي» (٤)، بل قال سفيان الثَّوريُّ ﵀ مبيِّناً أثر تذكُّر هذه الحقيقة: «لو أنَّ البهائم تعقل من الموت ما تعقلون، ما أكلتم منها سمينًا» (٥). ومن القصص المشهورة في هذا الباب: قصة دخول أبي العتاهية على هارون الرَّشيد، فلمَّا دخل قال له هارون: عظني بأبيات شعرٍ وأوجز، فأنشده: لا تأمن الموت في طرفٍ ولا نفس ... ولو تمنَّعت بالحجَّاب والحرس وأعلم بأنَّ سهام الموت قاصدةٌ ... لكلِّ مدَّرعٍ منَّا ومتَّرس ترجو النَّجاة ولم تسلك مسالكها ... إنَّ السَّفينة لا تجري على اليبس فخرَّ هارون مغشيًّا عليه (٦).

стр. 149

وبالجملة، فإنَّ من أكثر من ذكر الموت، أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاطٌ في العبادة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرِّضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة (١). وثالث وصايا أبي الدرداء لهذا الرجل: «وإذا أشرفت نفسك على شيءٍ من الدُّنيا، فانظر إلى ما يصير»! إي والله! إنَّها لسلوةٌ وأيُّ سلوةٍ؟! فمن تعلَّقت نفسه أو أشرفت على شيءٍ من حطام الدُّنيا حتى تأثَّر قلبه بذلك، فليبادر إلى تذكُّر مصير هذه الحياة، التي قال فيها خالقها سبحانه: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَاكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]. وقد كثرت من أبي الدرداء أمثال هذه الوصايا، ومن ذلك قوله ﵁: «لو تعلمون ما أنتم راؤون بعد الموت، ما أكلتم طعامًا بشهوةٍ، ولا شربتم شرابًا على شهوةٍ، ولا دخلتم بيتًا تستظلُّون فيه، ولحرصتم على الصعيد تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم! ولوددتُّ أنِّي شجرةٌ تعضد ثم تؤكل» (٢). وقال مرةً يعظ أهل دمشق: «يا أهل دمشق، اسمعوا قول أخٍ لكم ناصحٍ، ما لي أراكم تجمعون فلا تأكلون؟ وتبنون فلا تسكنون؟ وتأملون فلا تدركون؟ إنَّ من كان من قبلكم جمعوا كثيرًا، وبنوا شديدًا، وأمَّلوا

стр. 150

بعيدًا، فأصبح ما جمعوا بورًا، وما أملوا غرورًا، وأصبحت مساكنهم قبورًا» (١). وكان أبو الدرداء إذا رأى جنازةً قال: «اغدوا فإنَّا رائحون، أو روحوا فإنَّا غادون، موعظةٌ بليغة، وغفلةٌ سريعة، كفى بالموت واعظًا، يذهب الأول فالأول، ويبقى الآخر لا حلم له» (٢). * * * • ومن مواعظه ﵁: ما رواه جبير بن نفيرٍ (٣): أنَّه لما فتحت قبرس، فرِّق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعضٍ، ورأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء، ما يبكيك في يومٍ أعزَّ الله فيه الإسلام وأهله؟! قال: «ويحك يا جبير! ما أهون الخلق على الله إذا هم تركوا أمره! بينا هي أمَّةٌ قاهرةٌ ظاهرةٌ، لهم الملك، تركوا أمر الله؛ فصاروا إلى ما ترى». ما أجمل الموعظة بالموقف! ها هو العالم الحكيم، صاحب النظر الثاقب، يلفت النظر إلى معنًى قد يغيب في لحظة الفرح بانتصار المؤمنين، إنَّه النظر والتأمُّل في سنن الله في الأمم والمجتمعات، التي انطبقت على هذه الأمة التي لمَّا تمرَّدت على سنن الله حلَّت بها المثُلات! وتأمَّل في هذه العبارة المتينة: «بينا هي أمَّةٌ قاهرةٌ ظاهرةٌ، لهم الملك، تركوا أمر الله؛ فصاروا إلى ما ترى»، هل تأمَّلت هذه الأوصاف الثلاثة: «قاهرةٌ، ظاهرةٌ، لهم الملك»؟

стр. 151

وكأنَّه بلسان الحال يقول: يا أمة محمدٍ، إن سقط عرش هذه الدولة، ومكَّنكم الله من أرضهم وديارهم، فاعلموا أنَّكم إن سلكتم سبيلهم، فستحقُّ عليكم السُّنَّة نفسها، وهذا ما حصل بالفعل؛ فلقد رجعت قبرس إلى النَّصارى ثانيةً، لمَّا ضعف المسلمون، وتخلَّوا عن دينهم، فتغلَّب عليهم النصارى، فهل من مُعتبرٍ؟ * * * • ومن مواعظه ﵁ (١): «تفكُّر ساعةٍ، خيرٌ من قيام ليلةٍ». كان أبو الدرداء مشهورًا بهذه العبادة العظيمة، وهي عبادة التفكُّر، ولعلَّ ما أثر عنه من حكمٍ كثيرةٍ من آثار هذا التفكُّر الطويل، الذي يقود - مع العلم - إلى بديع الحكمة، وجميل الموعظة. وقد يقول قائلٌ: كيف فضَّل أبو الدرداء التفكُّرَ على قيام الليل؟ والجواب: أنَّ التفكُّرَ نفعه مُتعدِّ وأعمُّ، وأثره أكبر للأمة، فهو من جملة العلم الذي يتعلَّمه الإنسان؛ ولهذا أثنى الله تعالى على العُبَّاد الذين يجمعون بين العبادتين فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ الآيات [آل عمران: ١٩٠، ١٩١]. وقد سأل التابعيُّ الجليل عون بن عبد الله زوجة أبي الدرداء الصُّغرى: ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء؟ قالت: التفكُّر والاعتبار.

стр. 152

علَّق مسعر بن كدامٍ على هذا الجواب قائلًا: «وكان من الذين أوتوا العلم» (١). ولعيش أبي الدرداء مع هذه العبادة؛ نُقِلت عنه الكثير من الحكم والمقولات المباركة، والتي نتفيَّأ ظلالها منذ ثلاثة مجالس من مجالس وعظه، ولم يزل في الجعبة شيءٌ من مواعظه ﵁، والتي نكملها في المجلس القادم. * * *

стр. 153

من مواعظ أبي الدَّرداء ﵁ - (٤/ ٤) • ومن مواعظه ﵁ قوله (١): «أخوف ما أخاف أن يقال لي يوم القيامة: يا عويمر، أعلمت أم جهلت؟ فإن قلت: علمت، لا تبقى آيةٌ آمرةٌ أو زاجرةٌ إلا أخذت بفريضتها؛ الآمرة: هل ائتمرت؟ والزاجرة: هل ازدجرت؟ وأعوذ بالله من علمٍ لا ينفع، ونفسٍ لا تشبع، ودعاءٍ لا يسمع». هكذا يحاسب أهل القرآن أنفسهم، ويوقفونها عند موارد النجاة، فإنَّ من غفل عن محاسبة نفسه هنا، يوشك أن يندم إذا نُشرت أمامه صحائف أعماله غدًا. إنَّ الحساب اليوم - مع ما فيه من ثقلٍ، أخفُّ على النفس غدًا، وما حال المحاسب نفسه اليوم إلا كتاجرٍ يراجع حساباته لينظر أين تتَّجه تجارته؟ ليتجنَّب أسباب الخسارة، ويسعى في أسباب الربح، والغافل عن محاسبة نفسه كالتاجر الذي جيء إليه بكشف الحساب المصرفيِّ، فإذا فيه الديون التي أغرقته، وهو يحسب أنَّه يربح! يقول الحسن ﵀: «إنَّ المؤمن قوَّامٌ على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنَّما خفَّ الحساب يوم القيامة على قومٍ حاسبوا أنفسهم في الدُّنيا،

стр. 154

وإنَّما شقَّ الحساب يوم القيامة على قومٍ أخذوا هذا الأمر على غير محاسبةٍ» (١). فخليقٌ بنا جميعًا أن يكون لنا جلساتٌ- بين الفينة والأخرى - نحاسب فيها أنفسنا، وننظر فيما مضى من أعمالنا، وما الذي ينتظرنا في مستقبلنا الأخرويِّ؟ وممَّا يحسن إيراده هنا: تلك الخاطرة التي قيَّدها ابن الجوزيِّ ﵀ في «صيده» حين قال: «تفكَّرت في نفسي يومًا تفكُّر محقِّقٍ، فحاسبتها قبل أن تحاسب، ووزنتها قبل أن توزن، فرأيت اللُّطف الربانيَّ؛ فمنذ الطفولة وإلى الآن أرى لطفًا بعد لطفٍ، وسترًا على قبيحٍ، وعفوًا عمَّا يوجب عقوبةً، وما أرى لذلك شكرًا إلا باللسان! ولقد تفكَّرت في خطايا، لو عوقبت ببعضها، لهلكت سريعًا، ولو كشف للناس بعضها، لاستحييت! ولا يعتقد معتقدٌ عند سماع هذا أنَّها من كبائر الذنوب؛ حتى يَظُنَّ فيَّ ما يَظُنُّ في الفسَّاق! بل هي ذنوبٌ قبيحةٌ في حقِّ مثلي، وقعت بتأويلاتٍ فاسدةٍ، فصرت إذا دعوت أقول: اللَّهمَّ بحمدك وسترك عليَّ اغفر لي! ثم طالبت نفسي بالشكر على ذلك؛ فما وجدتُّه كما ينبغي. فأخذت أنوح على تقصيري في شكر المنعم، وكوني أتلذَّذ بإيراد العلم من غير تحقيق عملٍ به، وقد كنت أرجو مقامات الكبار، فذهب العمر وما حصل المقصود!» (٢). اهـ. * * *

стр. 155

• ومن مواعظ أبي الدرداء ﵁ قوله (١): «ليحذر امرؤٌ أن تبغضه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر»، ثم قال: «أتدري ما هذا؟ العبد يخلو بمعاصي الله ؛ فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر». يا لها من موعظةٍ بليغةٍ! لا أجد ما أوضِّح ما اشتملت عليه من معانٍ بديعةٍ أحسن ولا أجمل من كلامٍ نفيسٍ لابن الجوزيِّ حول هذه المسألة، حيث يقول ﵀: «إنَّ للخلوة تأثيراتٍ تبين في الجلوة، كم من مؤمنٍ بالله ، يحترمه عند الخلوات، فيترك ما يشتهي حذرًا من عقابه، أو رجاءً لثوابه، أو إجلالًا له، فيكون بذلك الفعل كأنَّه طرح عودًا هندياً على مجمرٍ، فيفوح طيبه، فيستنشقه الخلائق، ولا يدرون أين هو؟ وعلى قدرٍ المجاهدة في ترك ما يهوى، تقوى محبَّته، أو على مقدار زيادة دفع ذلك المحبوب المتروك يزيد الطِّيب، ويتفاوت تفاوت العود، فترى عيون الخلق تعظِّم هذا الشخص، وألسنتهم تمدحه، ولا يعرفون لِمَ؟ ولا يقدرون على وصفه؛ لبعدهم عن حقيقة معرفته. وقد تمتد هذه الأراييح (٢) بعد الموت على قدرها؛ فمنهم من يذكر بالخير مدةً مديدةً ثم يُنسى، ومنهم من يذكر مئة سنةٍ، ثم يخفى ذكره وقبره، ومنهم أعلامٌ يبقى ذكرهم أبدًا. وعلى عكس هذا من هاب الخلق، ولم يحترم خلوته بالحقّ، فإنَّه

стр. 156

على قدر مبارزته بالذُّنوب، وعلى مقادير تلك الذُّنوب؛ يفوح منه ريح الكراهة فمتقته القلوب، فإن قلَّ مقدار ما جنى، قلَّ ذكر الألسن له بالخير، وبقي مجرد تعظيمه، وإن كثر كان قصارى الأمر سكوت الناس عنه، لا يمدحونه ولا يذمُّونه. وربَّ خالٍ بذنب كان سبب وقوعه في هوَّة شقوةٍ في عيش الدُّنيا والآخرة! وكأنَّه قيل له: ابق بما آثرت! فيبقى أبدًا في التخبيط. فانظروا إخواني إلى المعاصي أثَّرت وعثَّرت، فتلمحوا ما سطرته، واعرفوا ما ذكرته، ولا تهملوا خلواتكم ولا سرائركم؛ فإنَّ الأعمال بالنية، والجزاء على مقدار الإخلاص» (١) ا. هـ. * * * • ومن مواعظه ﵁ (٢): «أنصف أذنيك من فيك؛ فإنَّما جعل لك أذنان اثنتان وفمٌ واحدٌ؛ تسمع أكثر ممَّا تقول». ووضوح هذه الموعظة يغني عن بيانها، وكلام الحكماء في هذا المعنى كثيرٌ، وهم متَّفقون على ذمِّ الكلام بلا فائدةٍ، وإن كان بفائدةٍ فمحلُّ الذمِّ منه الكثرة التي تبعث على السآمة، أو تبدي فلتات لسانه مواطن العثار من عقله؛ ولهذا قال المهلَّب بن أبي صفرة: لأن أرى لعقل الرجل فضلًا على لسانه أحبُّ إليَّ من أن أرى للسانه فضلًا على عقله (٣).

стр. 157

ولقد كثر كلام الحكماء والعقلاء في هذا المعنى؛ لأنَّ «الكلام ترجمانٌ يعبِّر عن مستودعات الضمائر، ويخبر بمكنونات السَّرائر، لا يمكن استرجاع بوادره، ولا يقدر على ردِّ شوارده؛ فحقَّ على العاقل أن يحترز من زلله بالإمساك عنه، أو بالإقلال منه» (١). هذه بعض المختارات من الحكم والمقولات المباركة المأثورة عن حكيم هذه الأمَّة: عويمر بن زيدٍ أبي الدَّرداء الأنصاريِّ ﵁، مع التعليق عليها بما تيسَّر، والتي تفيَّأنا ظلالها في أربع حلقاتٍ مضت، وتركنا مواعظه الكثير؛ إذ القصد الإشارة إلى بعضها لا الإلمام بها جميعًا، ومن أراد الله به خيرًا نفعه بالقليل من العلم المأثور عن النبيِّ ﷺ وعن صحابته الكرام. * * *

стр. 158

من مواعظ أبي ذرٍّ ﵁ - أبو ذرٍّ: جنب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام، أبو ذرٍّ الغفاريُّ ﵁، أحد علماء الصحابة، وأحد السابقين الأوَّلين، كان من نجباء أصحاب محمدٍ ﷺ ، قيل: كان خامس خمسةٍ في الإسلام، ثم ردَّ إلى بلاد قومه، فأقام بها بأمر النبيِّ ﷺ له بذلك، فلما هاجر النبيُّ ﷺ هاجر إليه ﵁ ولازمه، وجاهد معه، وكان يفتي في خلافة أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان. وكان رأسًا في الزهد والصدق، والعلم والعمل، قوَّالًا بالحقِّ، لا تأخذه في الله لومة لائم، وهو ممَّن شهد فتح بيت المقدس مع عمر ﵄، وكانت وفاته سنة (٢٣هـ) (١). * * * * • ومن مواعظه ﵁ (٢): أنَّ رجلًا شتمه، فقال له أبو ذرٍّ: «يا هذا، لا تغرقنَّ في شتمنا، ودع للصلح موضعًا؛ فإنَّا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه!».

стр. 159

هذه الموعظة يمكن أن نجعلها قاعدة من قواعد الأدب والتعامل مع الناس، خاصةً ممَّن يصدر منهم ألوانٌ من الجهل والسَّفه، فإنَّ من تأمَّل وجد أنَّ الابتلاء بهذا النوع من الناس، هو نوعٌ من التربية العمليَّة على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]. وإلا فما يصنع العاقل مع السفهاء والجهَّال؟ أيجاريهم؟ أم يبادلهم الشَّتم بمثله؟ أم ماذا؟ ليس ثمَّة شيءٌ أنفع ممَّا ذكره أبو ذرٍّ ﵁، وليكن من قصد المؤمن- أيضًا-: الرحمة بهؤلاء الجهَّال، الذين كسدت بضاعة ألفاظهم في سوق الأخلاق وللأسف. وما أحوج الإخوة الذين دخلوا في مواقع التواصل الاجتماعيِّ إلى استشعار هذا المعنى جيدًا؛ فإنَّ التجربة دلَّت على أن سوق السفهاء وقليلي الأدب رائجةٌ في أمثال هذه المواقع، وقد يتعرَّض الإنسان العاديُّ - فضلًا عن الداعية والعالم - إلى ألوانٍ من السفه والحماقة، لا يمكن دفعها إلا بمثل هذا النوع من التوجيه الرائع. وخليقٌ بأمثال هؤلاء أن يتمثَّلوا هدي القرآن الذي أشرت إليه آنفًا، وأن يتذكَّروا هدي النبيِّ ﷺ مع هذا النوع من الناس، وهدي السلف الصالح ﵃، ومن ذلك: أنَّ رجلًا شتم الشَّعبيَّ، فقال له الشعبيُّ: إن كنتُ كما قلتَ، فغفر الله لي، وإن لم أكن كما قلتَ، فغر الله لك. وما أجمل كلمة أبي ذرٍّ حين قال: «فإنَّا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه»! فالسفيه بشتمه وإقذاعه قد

стр. 160

عصى الله في ظلم أخيه المسلم وبهته، فلا أجمل من أن يطيع الله فيه؛ بتمثُّل الأخلاق الحسنة، بالحلم والصبر، والرحمة لهذا النوع من الناس. كما ينبغي أن يعامل الإنسان الناس بأخلاقه هو، لا بأخلاقهم، وإلا كان مع الوقت مجمعًا للرذائل. * * * • ومن مواعظه ﵁ قوله (١): «ذو الدِّرهمين يوم القيامة أشدُّ حسابًا من ذي الدرهم». الفرح بالمال أمرٌ فطريٌّ، لكنَّ المؤمن الذي لا تغيب عنه الآخرة يتذكَّر التَّبعة، ويستحضر قول نبيِّه ﷺ في تلك الأربع التي سيسأل عنها: (وعن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟) (٢). فأهل الإيمان لا ينسيهم جمع الدرهم والدينار التفكُّر في مصدره ومورده؛ فإنَّ الحساب يوم القيامة شديدٌ؛ ولهذا اختار عامة صالحي هذه الأمَّة التخفُّف من هذا المال؛ حذرًا من تبعاته، وخوفًا من مآلاته، قال عطاءٌ- وغيره من السلف -: هذه الدُّنيا حرامها عقاب، وحلالها حساب. وبالجملة، فالعاقل يتأمَّل في هذا المعنى، ويعلم أنَّ خفَّة الظَّهر من هذا المال خيرٌ، إلا من أخذه بحقِّه، والله المستعان. ...

стр. 161

• ومن مواعظ أبي ذرٍّ ﵁ (١): أنَّه قام يومًا عند الكعبة فقال: «يا أيُّها الناس، أنا جندبٌ الغفاريُّ، هلمُّوا إلى الأخ الناصح الشفيق»، فاكتنفه الناس، فقال: «أرأيتم لو أنَّ أحدكم أراد سفرًا، أليس يتَّخذ من الزاد ما يصلحه ويبلِّغه؟» قالوا: بلى، قال: «فسفر طريق القيامة أبعد ما تريدون، فخذوا منه ما يصلحكم»، قالوا: وما يصلحنا؟ قال: «حجُّوا حجَّةً لعظام الأمور، صوموا يومًا شديدًا حرُّه لطول النُّشور، صلُّوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور، كلمة خيرٍ تقولها أو كلمة سوءٍ تسكت عنها لوقوف يومٍ عظيمٍ، تصدَّق بمالك لعلَّك تنجو من عسيرها- أي: عسير الدُّنيا- اجعل الدُّنيا مجلسين: مجلسًا في طلب الآخرة، ومجلسًا في طلب الحلال، والثالث يضرُّك ولا ينفعك، لا تريده. اجعل المال درهمين: درهمًا تنفقه على عيالك من حلِّه، ودرهمًا تقدِّمه لآخرتك، والثالث يضرُّك ولا ينفعك، لا تريده». ثم نادى بأعلى صوته: «يا أيُّها الناس، قد قتلكم حرصٌ لا تدركونه أبدًا!».هذه ثمان وصايا، يجمعها النصح والشفقة، والاستعداد للدَّار الخالدة الآخرة، وفيها من التوازن في أمر الدُّنيا والآخرة، كما هو فقه الصحابة ﵃ في هذه الأبواب، فعندهم من العلم ما يمنعهم من التزهيد في الدُّنيا تزهيدًا غير منضبطٍ، وعندهم من الفقه ما يجعلهم يحذِّرون من الانغماس الشديد في الدُّنيا انغماسًا ينسي العبد ما خُلِقَ له، دليلهم في هذا تلك القاعدة القرآنيَّة العظيمة: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ

стр. 162

وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ...﴾ [القصص: ٧٧]. * * * • ومن مواعظه ﵁ قوله (١): «وددتُّ أنِّي كنت شجرةً أُعضَدُ، ووددتُّ أنِّي لم أخلق». وردت هذه الكلمة عن أبي ذرٍّ، وورد نحوها عن جماعةٍ من الصحابة. ولقد كنت في صغري وبواكير الشباب أتعجَّب وأستغرب من هذه الكلمة! فلمَّا قرآت كلام السلف عن قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]، تبيَّن لي سبب هذا، وحاصلة يعود إلى خوفهم من ذلك المشهد المهول، والموقف العظيم، ألا وهو اللحظة التي يقف فيها العبد بين يدي الله تعالى، ويسأل فيها عن كلِّ شيء! روي عن عمر بن الخطَّاب ﵁ أنَّه سمع رجلًا يقرأ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾، فقال عمر: ليتها تمَّت! وروي عن ابن مسعودٍ ﵁ أنَّه سمع رجلًا يتلو الآية: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾، فقال ابن مسعودٍ: يا ليتها تمَّت! فعوتب في قوله هذا، فأخذ عودًا من الأرض فقال: يا ليتني كنت مثل هذا (٢).

стр. 163

والحاصل أنَّ السلف ﵃ كانوا شديدي الخوف من تلك الوقفة المهيبة! وحتى يتصوَّر الإنسان هذا المعنى - من باب التقريب، وإلا فللَّه المثل الأعلى والأكمل-: ما شعور أحدنا لو استدعاه حاكمٌ من الحكَّام، وهذا الحاكم عنده تقريرٌ مفصَّلٌ بكلماته، وذهابه وإيابه، وكلِّ شيءٍ ظاهرٍ من أعماله! فكيف بالوقوف بين يدي من لا تخفى عليه خافيةٌ؟! ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨]. هنا ... يتوقَّف البيان، وينكسر القلم، وليس لنا إلا أن نسأل الله تعالى أن يمنَّ علينا بالعفو والستر، وأن يرحمنا برحمته التي وسعت كل شيءٍ. هذه بعض من مواعظ هذه الصحابيِّ الجليل أبي ذرٍّ ﵁، جمعنا الله به في دار كرامته وبحبوحة جنانه. * * *

стр. 164

من مواعظ ابن عمر ﵄ (١/ ٤) إنَّه الصحابيُّ الجليل، والفقيه النَّبيل: عبد الله بن عمر بن الخطَّاب بن نفيلٍ العدويُّ القرشيُّ ... الإمام الزاهد العابد، أسلم وهو صغيرٌ، ثمَّ هاجر مع أبيه قبل أن يحتلم، واستُصغر يوم أحدٍ، فأوَّل غزواته الخندق، وهو ممَّن بايع تحت الشجرة. روى علمًا كثيرًا نافعًا عن النبيِّ ﷺ ، وعن الخلفاء الأربعة، وغيرهم من أكابر الصحابة ﵃. قَدِم الشام، والعراق، والبصرة، وفارس غازيًا، وشَهِد فتح مصر. قال عن نفسه: عُرِضْتُ على رسول الله ﷺ يوم أُحدٍ، وأنا ابن أربع عشرة سنةً، فلم يُجزني. مدحه النبيُّ ﷺ بقوله: (نعم الرَّجل عبد الله، لو كان يصلِّي من اللَّيل)؛ فكان بعد لا ينام من اللَّيل إلَّا قليلًا (١). أثنى عليه جمعٌ من الصحابة ﵃؛ كابن مسعودٍ الذي قال فيه: إنَّ من أملك شباب قريشٍ- لنفسه عن الدُّنيا - عبد الله بن عمر.

стр. 165

وقال جابرٌ ﵁: ما منَّا أحدٌ أدرك الدُّنيا إلا وقد مالت به، إلا عبد الله بن عمر. وقال عنه تلميذه نافعٌ: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسانٍ، أو زاد. وقال سيِّد التابعين في زمانه ابن المسيِّب: لو شهدتُّ لأحدٍ أنَّه من أهل الجنة، لشهدتُّ لعبد الله بن عمر. ومناقبه كثيرةٌ مشهورةٌ، توفِّي سنة (٧٣هـ)، وقد عمِّر سبعًا وثمانين سنةً (١). ومَن صحب النبيَّ ﷺ وخلفاءه الراشدين هذه الصحبة، فلقد وعى عنهم علمًا كثيرًا، ظهرت آثاره في حياته التي تمثَّلت الزهد والورع في أسمى مراتبه ومعانيه، كما ظهرت في مواعظه التي نقلها لنا تلاميذه النجباء، ومن تلكم المواعظ: * * * • أنَّه لمَّا أوصاه النبيُّ ﷺ قائلًا: (كن في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابر سبيلٍ) (٢)، قال مترجمًا هذا المعنى: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصَّباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحَّتك لمرضك، ومن حياتك لموتك». لقد قال النبيُّ ﷺ هذه الوصيَّة لابن عمر وهو آخذٌ بمنكبه؛ رغبةً في رسوخها، وهكذا كان، فلقد كانت حياة ابن عمر ﵄ ترجمةً عمليَّةً لهذه الوصية، فهو الذي رأى الخلافة تنتقل من رجلٍ إلى رجلٍ- وهو

стр. 166

ينظر، وهو أحقُّ بها من بعض من أدركهم من الخلفاء- لكنَّ مفعول هذه الوصية ما زال قويًّا حتى لقي ربَّه زاهدًا عابدًا ورعًا، وراغبًا فيما عند الله، معرضًا عن هذه الدنيا إعراض القادر على نيلها وحيازتها. لقد فقه ابن عمر ﵄ هذا المعنى عمليًّا - كما تقدم - وفقهه علميًّا؛ ولذا كان يقول بعد أن روى لتلاميذه تلك الوصيَّة النبويَّة: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصَّباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحَّتك لمرضك، ومن حياتك لموتك»، وممَّن خصهم بذلك تلميذه النجيب مجاهدٌ ﵀ حيث قال له: «يا مجاهد، إذا أصبحت فلا تحدِّث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدِّث نفسك بالصباح، وخذ من صحَّتك قبل سقمك، ومن حياتك قبل موتك؛ فإنَّك لا تدري ما اسمك غدًا!» (١). لقد كانت وصية ابن عمر لمجاهدٍ تفسيرًا لما سمعه من النبيِّ ﷺ ؛ حتى لا يتوهَّم متوهمٌ أنَّ معنى قوله: (كن في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابر سبيلٍ) أن يتخلَّى عن كلِّ أسباب الحياة الكريمة، وألَّا يبني له دارًا تؤويه وأهله؛ لأنَّ عابر السبيل كذلك! ولا يتَّخذ له إخوةً يجالسهم ويأنس بهم؛ لأنَّ الغريب كذلك! فبيَّن راوي الحديث ابن عمر ﵄ أنَّ هذا ليس مرادًا من قول المعصوم ﵊ وإنَّما مراده: أن يبقى دائم التيقُّظ والترقُّب ليوم الدِّين والحساب، فمن كان كذلك، أكثر ذكر الموت؛ فأحسن السَّير إليه، واستعان بما وهبه الله من النِّعم على تحسين وقوفه هناك بين يديه. يقول ابن الجوزيِّ ﵀: «من الناس من يثبت الدليل، ولا يفهم المقصود الذي دلَّ عليه الدليل! ومن هذا الجنس قومٌ سمعوا ذمَّ الدُّنيا

стр. 167

فتزهَّدوا، وما فهموا المقصود، فظنُّوا أنَّ الدُّنيا تذمُّ لذاتها، وأنَّ النفس تجب عداوتها، فحملوا على أنفسهم فوق ما يطاق، وعذَّبوها بكلِّ نوعٍ، ومنعوها حظوظها! جاهلين بقوله ﷺ : (إنَّ لنفسك عليك حقًّا)، وفيهم من أدَّته الحال إلى ترك الفرائض، ونحول الجسم، وضعف القوى! وكلُّ ذلك لضعف الفهم للمقصود، والتلمُّح للمراد» (١). اهـ. إذًا .. ما الزهد الذي جاءت النصوص بمدحه والثناء على أهله؟ فيقال هو: «ترك الفضول التي لا يستعان بها على طاعة الله - من مطعمٍ وملبسٍ ومالٍ وغير ذلك- كما قال الإمام أحمد: إنَّما هو طعامٌ دون طعامٍ، ولباسٌ دون لباسٍ، وصبر أيامٍ قلائل» (٢). والعاقل هو من يدرك «أنَّه في الدُّنيا ضيفٌ، وما في يده عاريَّةٌ، وأنَّ الضيف مرتحلٌ، والعاريَّة مردودةٌ (٣)، والدُّنيا عرضٌ حاضر، يأكل منها البرُّ والفاجر، وهي مبغَّضةٌ لأولياء الله، محبَّبةٌ لأهلها، فمن شاركهم في محبوبهم أبغضوه» (٤). وتتجلَّى في هذه الوصيَّة من ابن عمر: أهمية قصر الأمل، وقد قيل: من قصر أمله، أكرمه الله تعالى بأربع كراماتٍ: إحداها: أن يقوِّيه على طاعته، لأنَّ العبد إذا علم أنَّه يموت عن قريبٍ

стр. 168

لا يهتمُّ بما يستقبله من المكروه، ويجتهد في الطاعات؛ فيكثر عمله. والثاني: يقلُّ همومه، وهذا بيِّنٌ. والثالث: يجعله راضيًا بالقليل؛ لأنه إذا علم أنَّه يموت عن قريبٍ، فإنَّه لا يطلب الكثرة؛ وإنَّما يكون همُّه همَّ آخرته. والرابع: أن ينوِّر قلبه؛ فمن رضي بالقليل، واجتهد في العمل وأخلص، استنار قلبه بإذن ربِّه (١). * * * • ومن مواعظ ابن عمر ﵄ ما رواه تلميذه مجاهدٌ عنه، قال (٢): سُئل ابن عمر عن فريضةٍ من الفرائض- أي: في علم المواريث- فقال: «لا أدري». فقيل له: ما منعك أن تجيبه؟ فقال: «سُئل ابن عمر عمَّا لا يدري، فقال: «لا أدري!». هذا والله من ثمرة العلم المزكِّي! أن يقف الإنسان حيث انتهى علمه، وألَّا يتردَّد في قول: «لا أدري» لما لا يدري؛ فإنَّ القول على الله بغير علمٍ من أعظم الذنوب وأكبرها، كما دلَّ القرآن على ذلك؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وأنت إذا تأمَّلت في هذا الأمر، وجدتَّ أنَّ المشرك إنَّما أشرك لأنَّه قال على الله بغير علمٍ!

стр. 169

ويروى عن أمير المؤمنين أبي الحسن عليٍّ ﵁ أنَّه خرج على أصحابه مرةً وهو يقول: «ما أبردها على الكبد! ما أبردها على الكبد!»، فقيل له: وما ذاك؟! قال: «أن تقول للشيء لا تعلمه: الله أعلم» (١). وفي مقدمة صحيح مسلمٍ: أنَّ يحيى بن سعيدٍ الأنصاريَّ قال للقاسم بن محمدٍ: يا أبا محمدٍ، إنَّه قبيحٌ على مثلك، عظيمٌ أن تُسأل عن شيءٍ من أمر هذا الدِّين، فلا يوجد عندك منه علمٌ ولا فَرَجٌ - أو علمٌ ولا مخرجٌ- فقال له القاسم: وعمَّ ذاك؟ قال: لأنَّك ابن إمامي هُدى: ابن أبي بكرٍ، وعمر! قال القاسم: أقبح من ذاك ... - عند من عقل عن الله - أن أقول بغير علمٍ، أو آخذ عن غير ثقةٍ، قال: فسكت فما أجابه (٢). وهذا يزيد بن هرمز- شيخ الإمام مالكٍ، رحمهما الله تعالى- يقول: «إنِّي لأحبُّ أن يكون من بقايا العالم بعده: «لا أدري»؛ ليأخذ به من بعده» (٣)؛ أي: ينبغي للعالم أن يسمع منه تلاميذه مثل هذه الكلمة: «لا أدري»؛ ليتربَّى طلابه على ذلك. إنَّ مثل هذه الموعظة العمليَّة من ابن عمر ﵄، وما سقته من بعض آثار السلف- في هذه المسألة- لتؤكِّد ضرورة التوقِّي في هذا الباب، والحذر من الإفتاء بغير علمٍ، خاصة في هذا العصر الذي صارت المعلومة فيه تنتقل إلى الآفاق في ثوانٍ معدودةٍ. هذه بعضٌ من مواعظ هذا الصحابيِّ الجليل ابن عمر ﵄، وما زال في كنانة أبي عبد الرحمن جملةٌ من المواعظ التي سنتوقَّف عندها.

стр. 170

من مواعظ ابن عمر ﵄ (٢/ ٤) • ومن مواعظ الصحابيِّ الجليل عبد الله بن عمر ﵄ العمليَّة: ما رواه التابعيُّ الجليل يوسف بن ماهك- بفتح الهاء (١) - قال (٢): «رأيت ابن عمر- رضي الله تعالى عنه - عند عبيد بن عميرٍ وهو يقصُّ وعيناه تُهرقان دموعًا». قد يقول أحد القرَّاء: وأين الوعظ هنا؟! فيقال: أتعرف عبيد بن عميرٍ؟ إنَّه أحد التابعين! ولم يأنف ابن عمر أن يجلس عنده، وابن عمر خيرٌ وأعلم منه، لكنَّه العلم والفقه الذي قاده لأن يجلس حيث يجد النفع والفائدة. وأمَّا الجانب الآخر من هذا الموقف، فهو تأثُّره ﵁، وتفاعله مع هذه المواعظ التي كان يسمعها من عبيد بن عميرٍ ﵀. في واقعنا وللأسف، ينشأ بعض طلاب العلم، فيأنف من الجلوس في مجالس الوعظ، بحججٍ متنوِّعةٍ، ولعلَّ منها ما يزعمه أنَّه أعلم من المتحدِّث! أو ربَّما خطر في باله معنًى جاهليٌّ من النظر في الحسب والنَّسب!

стр. 171

فإلى هؤلاء أهدي لهم هذا الموقف من ابن عمر الذي وعظ فيه بفعله. وأهدي لهم موقفًا حدث لسيِّدٍ من سادات التابعين، وهو سليل بيت النبوَّة، إنَّه زين العابدين، عليُّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالبٍ- عليهم رضوان الله- فقد كان يجالس أسلم مولى عمر، فقيل له: تدع قريشًا وتجالس عبد بني عديٍّ - لأنَّه مولى لعمر بن الخطَّاب ﵁؟! فقال كلمةً عظيمةً تدلُّ على علوِّ كعبه في العلم والدِّين: «إنَّما يجلس الرجل حيث ينتفع» (١). * * * • ومن مواعظه ﵁ قوله (٢): «أحقُّ ما طهَّر العبد: لسانه». وهو يشير بذلك إلى كثرة ما يعلق من أوضارٍ وآثامٍ بسبب هذا اللسان، الذي كان يهاب أثره الصالحون من عباد الله. كان الصِّدِّيق ﵁ يقول- وهو آخذٌ بلسانه:- «هذا أوردني الموارد» (٣)، فماذا نقول نحن؟! وكان ابن مسعودٍ يقسم ويقول: «والذي لا إله إلا هو، ما على ظهر الأرض شيءٌ أحقُّ بطول سجنٍ من لسانٍ» (٤). قال بعض السلف ﵀ مُذكِّرًا بخطورة هذه الجارحة:

стр. 172

«وخَفْ- يا أخي - من لسانك أشدَّ من خوفك من السَّبع الضَّاري القريب المتمكِّن من أخذك؛ فإنَّ قتيل السبع من أهل الإيمان ثوابه الجنة، وقتيل اللسان عقوبته النار إلا أن يعفو الله. فأغلِق باب الكلام من نفسك بغلقٍ وثيقٍ، ثم لا تفتحه إلا فيما لابدَّ لك منه، فإذا فتحته فاحذر وخذ من الكلام حاجتك التي لابدَّ لك منها، وأغلق الباب، وإيَّاك والغفلة عن ذلك، والتَّمادي في الحديث، وأن يستبدَّ بك الكلام فتهلك نفسك، وإيَّاك والغفلة عنه؛ فإنَّه أعظم جوارحك عليك جنايةً، وأكثر ما تجد في صحيفة أعمالك يوم القيامة من الشرِّ ما أملاه عليك لسانك، وأكثر ما تجده في صحيفتك من الخير ما اكتسبه قلبك» (١). اهـ. وبالجملة، فشأن اللسان خطيرٌ، والعاقل من حفظه من آفاته. * * * • ومن مواعظه التي كان يربِّي بها تلاميذه: ما حدَّث به تلميذه مجاهد بن جبرٍ ﵀ قال (٢): كنت أمشي مع ابن عمر، فمرَّ على خربةٍ، فقال: «قل: يا خربة، ما فعل أهلك؟» فقلت: يا خربة، ما فعل أهلك؟ قال ابن عمر: «ذهبوا وبقيت أعمالهم». هذه والله حقيقة الحياة ... يعمرها أهلها ثمَّ يرحلون عنها .. وليس الشأن في الرحيل ذاته، فهذه سنَّةٌ إلهيَّةٌ، بل الشأن في كيف سيكون الرحيل! أهو على ما يرضي الله تعالى، أم على غير ذلك؟

стр. 173

إنَّ طلب ابن عمر من تلميذه أن يسأل هذا السؤال، إنَّما أراد به أن يوقظ في قلب تلميذه هذا المعنى، الذي قد يغيب عن الإنسان مع انهماكه في الحياة وانشغاله بمتعها. مثل هذه الأسئلة كانت مادةً يعظ بها السلف أنفسهم وأصحابهم. وقد ذكر الحافظ عبد الحقِّ الإشبيليُّ ﵀ أنَّ أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالبٍ ﵁ مرَّ بالمقابر فوقف عليها، فقال: «السلام عليكم أهل الديار الموحشة، والمحالِّ المقفرة! أنتم لنا سلفٌ، ونحن لكم تبعٌ، وبكم عمَّا قليل لاحقون، اللَّهمَّ اغفر لنا ولهم، وتجاوز عنَّا وعنهم، طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، ورضي في جميع أحواله عن الله تعالى! ثم قال: يا أهل القبور، أمَّا الزوجات فقد نُكحت، وأمَّا الديار فقد سُكنت، وأمَّا الأموال فقد قسمت! هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟! ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما إنَّهم لو تكلَّموا لقالوا: وجدنا خير الزاد التقوى «(١). * * * • ومن مواعظ ابن عمر العمليَّة (٢): أنَّه قرأ سورة المطففين حتى بلغ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، فبكى وامتنع عن قراءة ما بعدها. إنَّ هذا الموقف يمثِّل نموذجًا من نماذج كثيرةٍ تحكي واقع السلف

стр. 174

- وعلى رأسهم الصحابة ﵃ مع كتاب الله تعالى، حيث التأثُّر الحقيقيُّ، وليس مجرد دموعٍ تنزل على الخدود، بل هو خشيةٌ تبدأ في القلب، فتترجمها الدموع والعمل. ولكأنِّي بابن عمر- وهو يتلو هذه الآية- يستشعر قيامه من قبره، حافيًا عاريًا كما خلقه الله! فهو يدرك أنَّه داخلٌ في عموم ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾. وليس هذا الموقف هو الموقف الوحيد لابن عمر مع التأثُّر بالقرآن، النابع من التدبُّر؛ بل له مع ذلك مواقف أخرى؛ منها. * ما حدَّث به نافعٌ مولى ابن عمر فقال: ما قرأ ابن عمر هاتين الآيتين قطُّ من آخر سورة البقرة إلا بكى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] إلى آخر الآية ثمَّ يقول: «إنَّ هذا لإحصاءٌ شديدٌ» (١). *وقال نافعٌ أيضًا: «كان عبد الله بن عمر إذا قرأ هذه الآية: ﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]، بكى حتى يغلبه البكاء» (٢). *وشرب عبد الله بن عمر ماءً مبردًا، فبكى فاشتدَّ بكاؤه، فقيل له: ما يبكيك؟! فقال: ذكرت آيةً في كتاب الله : ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤]، فعرفت أنَّ أهل النار لا يشتهون شيئًا شهوتهم الماء، وقد قال الله : ... ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠] (٣).

стр. 175

* بل إن نافعاً يلخِّص منهج ابن عمر في تلاوته لكتاب الله تعالى فيقول: كان ابن عمر يقرأ في صلاته فيمرُّ بالآية فيها ذكر الجنة؛ فيقف ويسأل الله الجنة، ويدعو ويبكي، ويمرُّ بالآية فيها ذكر النار؛ فيقف فيدعو ويستجير بالله (١). وهل هذا إلا منهج أستاذه ومعلِّمه ﷺ ؟! فيا لله تلك القلوب الحيَّة .. التي تعيش مع القرآن، وتتدبَّره، وتجعله منهج ... حياةٍ ... وسلامٌ على تلك النفوس التي أعلى الله قدرها بكتابه، وتذوَّقت لذيذ خطابه! ألا ما أحوجنا إلى إعادة النظر في طريقة قراءتنا لكتاب الله! فإنَّ الله تعالى إنَّما أنزل كتابه ليتدبَّره العباد، بل إنَّ بركته العظمى لا تنال إلا بذلك؛ قال تعالى: ... ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال - في موضعين من كتابه:- ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ﴾ [النساء: ٨٢، محمد: ٢٤]. فبالتدبُّر تُنال بركات هذا الكتاب، وبالتدبُّر تصلح القلوب، وتستقيم النفوس، ويتحقَّق مراد الله من التلاوة، التي امتدح بها طائفةً من عباده بقوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]. اللَّهمَّ اجعلنا منهم يا ربَّ العالمين. هذه بعضٌ من مواعظ هذا الصحابيِّ الجليل ابن عمر ﵄، وما زال في كِنانة أبي عبد الرحمن جملةٌ من المواعظ التي سنتوقَّف عندها في مجلسٍ قادمٍ بإذن الله.

стр. 176

من مواعظ ابن عمر ﵄ (٣/ ٤) • ومن مواعظ هذا الصحابيِّ الجليل قوله ﵁ (١): «إذا طاب المكسب، زكت النَّفقة». إنها قاعدة محكمة من قواعد الإنفاق. وهي مقتبسةٌ من نور النبوة؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ قال: (أيُّها النَّاس، إنَّ الله طيِّبٌ لا يقبل إلَّا طيِّبًا، وإنَّ الله أمر المؤمنين، بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثمَّ ذكر الرَّجل يطيل السَّفر أشعث أغبر، يمدُّ يديه إلى السَّماء: يا ربِّ يا ربِّ! ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغُذي بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟!) (٢). «وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى أنَّه لا يقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وأن أكل الحرام يفسد العمل، ويمنع قبوله» (٣). وهذه الكلمة الواعظة من ابن عمر ﵁ ينبغي أن يستشعرها أولئك

стр. 177

الذين يجمعون المال من طرقٍ محرَّمةٍ- كالرِّبا، أو الرِّشوة، أو السرقة، أو الغصب، أو غيرها- ثم يتصدَّقون ببعضها ويظنُّون ذلك نافعًا أو مقبولًا! كلَّا! فالله تعالى طيِّبٌ لا يقبل إلا طيِّبًا، ولو أنفق الإنسان المليارات وهي من كسبٍ خبيثٍ، فلا يقبلها الله. ومن ابتلي بمثل هذه المكاسب المحرَّمة، فعليه أن يتخلَّص منها وفق الطريق الشرعيِّ، وحسب طريقة كسبه؛ فإنَّ المكاسب المحرمة لا تخلو من حالين: إمَّا أن تكون أعيانها محرمة - كالرِّشوة والغصب والسرقة - فهذه يجب ردُّها إلى من أخذت منه. وإمَّا أن تكون مكاسبها نتجت من معاملةٍ محرَّمةٍ- كالرِّبا- فهنا يجب التخلُّص من هذه المكاسب المحرَّمة التي طرأت، والاقتصار على رأس المال. ولا شكَّ أنَّ التخلُّص من الأموال كلَّما كثرت صار أصعب وأشدَّ، ولكنَّ المؤمن إذا تذكَّر عقوبة الله في الآخرة لمن عصاه بأكل الرِّبا، أو أكل حقوق الناس، هان عليه ما يتركه في الدُّنيا، فعذاب الآخرة أشدُّ وأعظم. إنَّ العناية بطيب المكسب ونقائه كانت قضيةً حاضرةً في منهج الأسلاف- ﵏ لعلمهم اليقينيِّ بخطورتها على القلب، وعلى صحة النفقة، وربَّما على الزوجات والأولاد، حتى قال ابن رجبٍ ﵀: «أكل الحلال من أعظم خصائل السُّنَّة التي كان عليها النبيُّ ﷺ وأصحابه ﵃» (١).

стр. 178

وسُئل الإمام أحمد ﵀: ما يليِّن القلب؟ فقال: «أكل الحلال» (١). وقال الإمام أحمد ﵀: «بأكل الحلال تطمئنُّ القلوب وتلين» (٢). والمقصود من ذلك كلِّه: التوقِّي والحرص على طيب المكسب؛ لتطيب النفقة وتزكو، وتقبل عند الله تعالى. * * * * • ومن مواعظ ابن عمر ﵁ قوله (٣): «من استغنى بالله اكتفى، ومن انقطع إلى غير الله يعمى». يا لها من كلمةٍ جامعةٍ، ومعبِّرةٍ عن حقيقة حال القلب مع الله ومع هذه الدُّنيا! وصدق والله! فإنَّ من استغنى بالله الغنيِّ، اكتفى، أوليس الله هو الذي بيده مقاليد السماوات والأرض؟ أليس هو الذي يُعطي ويمنع؟ ويقبض ويبسط؟ ويخفض ويرفع؟ ويكشف الضُّرَّ؟ أوليست نواصي العباد بيده؟ ما بال بعض الخلق تتعلَّق قلوبهم بخلقٍ مثلهم؛ لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، حتى يملكوه لغيرهم؟! ما بال بعض الناس ربط سعادته ورزقه بمخلوقٍ مثله؟! لئن كان التعلُّق بغير الله عمًى، فالبصيرة - والله - بالتعلُّق بالله وحده.

стр. 179

قال الإمام أحمد لرجلٍ: «لو صحَّحت، ما خِفتَ أحدًا» (١). والمعنى: لو صحَّحت نيَّتك، وتعلَّق قلبك حقًّا بخالقه، ما خفت؛ أي: إلا الخوف الطبيعيَّ. تذكر كتب السِّير أنَّ الإمام عفَّان بن مسلم الصَّفَّار - أحد شيوخ الإمام أحمد ﵏ دُعِي إلى القول بخلق القرآن، فامتنع أن يُجيب، فقيل له: يُحبس عطاؤك! - وكان يُعطى في كلِّ شهرٍ ألف درهمٍ - فقال - وانظر إلى التعلُّق بالله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]! قال: فلمَّا رجع إلى داره عاتبه نساؤه ومن في داره! قال: وكان في داره نحو أربعين إنسانًا! قال: فدقَّ عليه داقٌّ الباب، فدخل عليه رجلٌ ومعه كيسٌ فيه ألف درهمٍ، فقال: يا أبا عثمان، ثبَّتك الله كما ثبَّتَّ الدِّين، وهذا في كلِّ شهرٍ (٢). الله أكبر! ينقطع عنه المال من هنا، فيجريه الله من جهةٍ أخرى، وصدق ابن عمر: «من استغنى بالله اكتفى، ومن انقطع إلى غير الله يعمى»، وقول الله أبلغ: ﴿... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. * * *

стр. 180

• ومن مواعظه العمليَّة ﵁ (١): ما رواه عنه نافعٌ أنَّ رجلًا قال لابن عمر: يا خير الناس- أو يا بن خير الناس- فقال ابن عمر: «ما أنا بخير الناس، ولا ابن خير الناس، ولكنِّي عبدٌ من عباد الله، أرجو الله تعالى وأخافه، والله لن تزالوا بالرَّجل حتى تهلكوه!». هكذا يربِّي ابن عمر من يسمعه على التواضع، ويوصد أيَّ سببٍ قد يفتح عليه بابًا من العُجب أو الغرور، ولا يعدو أن يقول: «عبدٌ من عباد الله، أرجو الله وأخافه»! إنَّ من عرف عمله، وعرف ما يجب لله عليه، عرف حقيقة تقصيره. هكذا يقطع ابن عمر الطريق على المدَّاحين؛ أسوةً بهدية ﷺ الذي كان ينهى عن المدح المبالغ فيه، ويعلِّل ابن عمر هذا فيقول: «والله لن تزالوا بالرَّجل حتى تهلكوه!». * * * • ومن مواعظ ابن عمر العمليَّة، ما حدَّث به أبو الزِّناد قال (٢): «اجتمع في الحجر مصعب بن الزُّبير، وعروة بن الزُّبير، وعبد الله بن الزُّبير، وعبد الله بن عمر، فقالوا: تمنَّوا! فقال عبد الله بن الزبير: أمَّا أنا، فأتمنَّى الخلافة، وقال عروة: أمَّا أنا، فأتمنَّى أن يؤخذ عنِّي العلم، وقال مصعبٌ: أمَّا أنا، فأتمنَّى إمرة العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة وسُكينة بنت الحسين، وقال عبد الله بن عمر: «أمَّا أنا، فأتمنَّى المغفرة»، قال: فنالوا كلُّهم ما تمنَّوا، ولعلَّ ابن عمر قد غفر له».
следующие страницы →