من مواعظ ابن عمر ﵄
(٣/ ٤)
• ومن مواعظ هذا الصحابيِّ الجليل قوله ﵁ (١):
«إذا طاب المكسب، زكت النَّفقة».
إنها قاعدة محكمة من قواعد الإنفاق.
وهي مقتبسةٌ من نور النبوة؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ قال: (أيُّها النَّاس، إنَّ الله طيِّبٌ لا يقبل إلَّا طيِّبًا، وإنَّ الله أمر المؤمنين، بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثمَّ ذكر الرَّجل يطيل السَّفر أشعث أغبر، يمدُّ يديه إلى السَّماء: يا ربِّ يا ربِّ! ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغُذي بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟!) (٢).
«وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى أنَّه لا يقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وأن أكل الحرام يفسد العمل، ويمنع قبوله» (٣).
وهذه الكلمة الواعظة من ابن عمر ﵁ ينبغي أن يستشعرها أولئك
стр. 177
الذين يجمعون المال من طرقٍ محرَّمةٍ- كالرِّبا، أو الرِّشوة، أو السرقة، أو الغصب، أو غيرها- ثم يتصدَّقون ببعضها ويظنُّون ذلك نافعًا أو مقبولًا! كلَّا! فالله تعالى طيِّبٌ لا يقبل إلا طيِّبًا، ولو أنفق الإنسان المليارات وهي من كسبٍ خبيثٍ، فلا يقبلها الله.
ومن ابتلي بمثل هذه المكاسب المحرَّمة، فعليه أن يتخلَّص منها وفق الطريق الشرعيِّ، وحسب طريقة كسبه؛ فإنَّ المكاسب المحرمة لا تخلو من حالين:
إمَّا أن تكون أعيانها محرمة - كالرِّشوة والغصب والسرقة - فهذه يجب ردُّها إلى من أخذت منه.
وإمَّا أن تكون مكاسبها نتجت من معاملةٍ محرَّمةٍ- كالرِّبا- فهنا يجب التخلُّص من هذه المكاسب المحرَّمة التي طرأت، والاقتصار على رأس المال.
ولا شكَّ أنَّ التخلُّص من الأموال كلَّما كثرت صار أصعب وأشدَّ، ولكنَّ المؤمن إذا تذكَّر عقوبة الله في الآخرة لمن عصاه بأكل الرِّبا، أو أكل حقوق الناس، هان عليه ما يتركه في الدُّنيا، فعذاب الآخرة أشدُّ وأعظم.
إنَّ العناية بطيب المكسب ونقائه كانت قضيةً حاضرةً في منهج الأسلاف- ﵏ لعلمهم اليقينيِّ بخطورتها على القلب، وعلى صحة النفقة، وربَّما على الزوجات والأولاد، حتى قال ابن رجبٍ ﵀: «أكل الحلال من أعظم خصائل السُّنَّة التي كان عليها النبيُّ ﷺ وأصحابه ﵃» (١).
стр. 178
وسُئل الإمام أحمد ﵀: ما يليِّن القلب؟ فقال: «أكل الحلال» (١).
وقال الإمام أحمد ﵀: «بأكل الحلال تطمئنُّ القلوب وتلين» (٢).
والمقصود من ذلك كلِّه: التوقِّي والحرص على طيب المكسب؛ لتطيب النفقة وتزكو، وتقبل عند الله تعالى.
* * * *
• ومن مواعظ ابن عمر ﵁ قوله (٣):
«من استغنى بالله اكتفى، ومن انقطع إلى غير الله يعمى».
يا لها من كلمةٍ جامعةٍ، ومعبِّرةٍ عن حقيقة حال القلب مع الله ومع هذه الدُّنيا!
وصدق والله! فإنَّ من استغنى بالله الغنيِّ، اكتفى، أوليس الله هو الذي بيده مقاليد السماوات والأرض؟ أليس هو الذي يُعطي ويمنع؟ ويقبض ويبسط؟ ويخفض ويرفع؟ ويكشف الضُّرَّ؟ أوليست نواصي العباد بيده؟
ما بال بعض الخلق تتعلَّق قلوبهم بخلقٍ مثلهم؛ لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، حتى يملكوه لغيرهم؟! ما بال بعض الناس ربط سعادته ورزقه بمخلوقٍ مثله؟!
لئن كان التعلُّق بغير الله عمًى، فالبصيرة - والله - بالتعلُّق بالله وحده.
стр. 179
قال الإمام أحمد لرجلٍ: «لو صحَّحت، ما خِفتَ أحدًا» (١).
والمعنى: لو صحَّحت نيَّتك، وتعلَّق قلبك حقًّا بخالقه، ما خفت؛ أي: إلا الخوف الطبيعيَّ.
تذكر كتب السِّير أنَّ الإمام عفَّان بن مسلم الصَّفَّار - أحد شيوخ الإمام أحمد ﵏ دُعِي إلى القول بخلق القرآن، فامتنع أن يُجيب، فقيل له: يُحبس عطاؤك! - وكان يُعطى في كلِّ شهرٍ ألف درهمٍ - فقال - وانظر إلى التعلُّق بالله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]!
قال: فلمَّا رجع إلى داره عاتبه نساؤه ومن في داره! قال: وكان في داره نحو أربعين إنسانًا!
قال: فدقَّ عليه داقٌّ الباب، فدخل عليه رجلٌ ومعه كيسٌ فيه ألف درهمٍ، فقال: يا أبا عثمان، ثبَّتك الله كما ثبَّتَّ الدِّين، وهذا في كلِّ شهرٍ (٢).
الله أكبر! ينقطع عنه المال من هنا، فيجريه الله من جهةٍ أخرى، وصدق ابن عمر: «من استغنى بالله اكتفى، ومن انقطع إلى غير الله يعمى»، وقول الله أبلغ: ﴿... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣].
* * *
стр. 180
• ومن مواعظه العمليَّة ﵁ (١):
ما رواه عنه نافعٌ أنَّ رجلًا قال لابن عمر: يا خير الناس- أو يا بن خير الناس- فقال ابن عمر:
«ما أنا بخير الناس، ولا ابن خير الناس، ولكنِّي عبدٌ من عباد الله، أرجو الله تعالى وأخافه، والله لن تزالوا بالرَّجل حتى تهلكوه!».
هكذا يربِّي ابن عمر من يسمعه على التواضع، ويوصد أيَّ سببٍ قد يفتح عليه بابًا من العُجب أو الغرور، ولا يعدو أن يقول: «عبدٌ من عباد الله، أرجو الله وأخافه»!
إنَّ من عرف عمله، وعرف ما يجب لله عليه، عرف حقيقة تقصيره.
هكذا يقطع ابن عمر الطريق على المدَّاحين؛ أسوةً بهدية ﷺ الذي كان ينهى عن المدح المبالغ فيه، ويعلِّل ابن عمر هذا فيقول: «والله لن تزالوا بالرَّجل حتى تهلكوه!».
* * *
• ومن مواعظ ابن عمر العمليَّة، ما حدَّث به أبو الزِّناد قال (٢):
«اجتمع في الحجر مصعب بن الزُّبير، وعروة بن الزُّبير، وعبد الله بن الزُّبير، وعبد الله بن عمر، فقالوا: تمنَّوا! فقال عبد الله بن الزبير: أمَّا أنا، فأتمنَّى الخلافة، وقال عروة: أمَّا أنا، فأتمنَّى أن يؤخذ عنِّي العلم، وقال مصعبٌ: أمَّا أنا، فأتمنَّى إمرة العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة وسُكينة بنت الحسين، وقال عبد الله بن عمر: «أمَّا أنا، فأتمنَّى المغفرة»، قال: فنالوا كلُّهم ما تمنَّوا، ولعلَّ ابن عمر قد غفر له».
стр. 181
كم في هذه الأمنيَّة من وعظٍ! كم تتنوَّع الأماني! وتختلف الرغبات وتتفاوت! فتأتي أمنيَّة ابن عمر هذه لتكون بذاتها موعظةً بليغةً، في بيان حقيقة هذه الدُّنيا عنده، ولعلَّه نال ما تمنَّاه كما قال أبو الزناد.
ولنختم بتلك الدعوات التي رويت عن ابن عمر ﵄: «اللَّهمَّ اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، اللَّهمَّ جنِّبني حدودك، اللَّهمَّ اجعلني ممَّن يحبُّك، ويحبُّ ملائكتك، ويحبُّ رسلك، ويحبُّ عبادك الصالحين، اللَّهمَّ حبِّبني إليك، وإلى ملائكتك، وإلى رسلك، وإلى عبادك الصَّالحين، اللَّهمَّ يسِّرني لليسرى، وجنِّبني العسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، واجعلني من أئمَّة المتَّقين، اللَّهمَّ إنك قلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وإنَّك لا تخلف الميعاد، اللَّهمَّ إذ هديتني للإسلام، فلا تنزعني منه، ولا تنزعه منِّي؛ حتَّى تقبضني وأنا عليه» (١).
ولمواعظ هذا الصحابيِّ الجليل ابن عمر ﵄ بقيةٌ نستكملها في المجلس القادم.
* * *
стр. 182
من مواعظ ابن عمر ﵄
(٤/ ٤)
• ومن مواعظه قوله ﵁ (١):
«لقد عشنا برهةً من دهرنا وإنَّ أحدنا يُؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ فيتعلَّم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يُوقف عنده فيها كما تعلَّمون أنتم القرآن»، ثمَّ قال: «لقد رأيت رجالًا يُؤتى أحدهم القرآن فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، ينثره نثر الدَّقل!».
يا لها من موعظةٍ بليغةٍ! وصفت الداء والدواء، وبيَّنت شيئًا من علل المسلمين مع كتاب الله تعالى.
وإنَّها لموعظةٌ خليقةٌ بالتأمَّل والاعتبار؛ فهي صادرةٌ عن مُعايشٍ لأوائل التنزيل، ومُشاهدٍ بل ومُدركٍ لما وقع من تغيُّرٍ في حال الأمَّة مع كتاب ربِّها بعد وفاة نبِّيها ﷺ ، وبعد انتهاء الخلافة الراشدة.
يُوضِّح ابن عمر في هذه الموعظة الطريقة الصحيحة لتلقِّي هذا القرآن، وهي: تلقِّي الآيات والمعاني التي تزيد الإيمان في القلب، فإنَّ
стр. 183
الإيمان إذا وقر في القلب (١)، سهل عليه بعد ذلك أن يتلقَّى التكاليف مهما عظمت.
لقد كانت أصول هذه التربية قائمةً على التربية على الإيمان بالله وتوحيده، وتوقير رسوله ﷺ ونُصرته، والتعلُّق بالآخرة؛ من خلال تدبُّر آيات الله تعالى، والعيش معها، وتلقِّي رسالات الله تلقِّي السعيد بها، المُغتبط بمضامينها، المستعدِّ لتنفيذها.
فإن أردتَّ مثالًا يُوضِّح المراد، فتأمَّل في آثار التربية النبويَّة للصحابة ﵃ في مكة وأوائل قدومه المدينة- قبل أن تكثر الشرائع والأحكام الفقهيَّة- فلمَّا وقعت غزوة بدرٍ على غير ميعادٍ، بل ونفوس بعض الصحابة كارهةٌ للقتال، ومع هذا كلِّه ظهرت آثار تلك التربية الإيمانيَّة العظيمة؛ في بسالة الصحابة وبطولاتهم، وإظهار النصرة لله ورسوله قولًا وعملًا.
ثمَّ بعد ذلك تنزَّلت الشرائع، وأحكام الحلال والحرام؛ فتلقَّتها النفوس المؤمنة، التي تربَّت على الانقياد والتسليم، كما قال تعالى: ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فكان الصحابة ﵃ أسرع الناس استجابةً، وأبعدهم عن التباطؤ في التنفيذ.
فما الذي حدث بعد ذلك؟
يشخِّص ابن عمر المشكلة بقوله: «لقد رأيت رجالًا يؤتى أحدهم
стр. 184
القرآن فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، ينثره نثر الدَّقل!».
هذه المشكلة- التي ذكرها ابن عمر- اتَّفق عليها عددٌ من الصحابة الذين طالت حياتهم، وأدركوا الفتوحات، وكثرة دخول الناس في الإسلام- خاصةً من الأعاجم - وممَّن وافقه عليها: ابن مسعودٍ، وجندب بن عبد الله، وغيرهما.
ففي الصحيحين: أنَّ رجلًا قال لابن مسعودٍ: إنِّي لأقرأ المفصَّل في ركعةٍ! فقال عبد الله: «هذًّا كهذِّ الشِّعر! إنَّ أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع» (١).
ويقول جندب بن عبد الله ﵁: كنَّا مع النبيِّ ﷺ ونحن فتيانٌ حزاورةٌ (أي: أشدَّاء أقوياء) «فتعلَّمنا الإيمان قبل أن نتعلَّم القرآن، ثمَّ تعلَّمنا القرآن، فازددنا به إيمانًا» (٢).
والشاهد من هذا بيان منهج الصحابة ﵃ في تلقِّي هذا القرآن، والحرص على تطبيقه في الأمة؛ لمن أحبَّ السَّير على منهجهم، والنجاة في الدُّنيا والآخرة.
إنِّني أدعو إخواني- من أولياء الأمور في بيوتهم - لتطبيق هذا المنهج النبويِّ الذي ربَّى به ﷺ أصحابه ﵃، بل هو المنهج الربانيُّ الذي ربَّى به الله تعالى نبيَّه ﷺ ، وأعني به التربية بالإيمان قبل القرآن، بأن يحرص المربِّي على غرس المعاني الكبار، وهي: توحيد الله
стр. 185
وطاعته، وطاعة رسوله ومحبته، والتذكير الدائم - وبأساليب القرآن- بالدار الآخرة.
إنَّني واثقٌ أنَّ سلوك هذا المنهج النبويِّ سوف يختصر مسافاتٍ كبيرة في التربية، وسيكون من أعظم الزاد في الدُّنيا ويوم المعاد.
* * * *
• ومن مواعظ ابن عمر ﵄ قوله (١):
«لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصَّدر».
هذه الموعظة قبسةٌ من ميراث النبوة- على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- التي قرَّر فيها قاعدةً مُحكمةً من قواعد الدِّين بقوله: (إنَّ الحلال بيِّنٌ، وإنَّ الحرام بيِّنٌ، وبينهما مُشتبهاتٌ لا يعلمهنَّ كثيرٌ من النَّاس، فمن اتَّقى الشُّبهات، استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشُّبهات، وقع في الحرام ...) الحديث (٢).
والمراد بالمشتبه: هو الذي يقع فيه خلافٌ معتبرٌ بين العلماء في حلِّه وحرمته، أو يكون فيه شبهةٌ معتبرةٌ شرعًا في حلِّه وحرمته، كما يقع في بعض المكاسب التي يتعاطاها الناس؛ كالمساهمة في الشركات المختلطة، ونحو ذلك من المعاملات التي يتجاذبها أصل تحليلٍ وأصل تحريمٍ، ومثل: شرب أو أكل ما اختلف في حلِّه وحرمته من المطعومات والمشروبات، ومثل بعض صور الأنكحة المختلف فيها.
فمن تركها (فقد استبرأ لدينه وعرضه)، وهو أصلٌ كبيرٌ في طلب
стр. 186
البراءة للدِّين والعرض، الذي قد يلحقه طعنٌ فيهما بسبب تقحُّمه لموارد الشُّبه! وهو الذي عناه ابن عمر في موعظته هذه.
وهذا المعنى، ورد فيه الحديث المشهور: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) (١) وهو مع ما فيه من كلامٍ من جهة إسناده؛ إلا أنَّه معنًى اتَّفق الصحابة عليه.
ومن المهمِّ جدًّا- ونحن نتحدَّث عن الورع- أن نذكر ضابطه؛ حتى لا يختلَّ الميزان، ومن أحسن من وقفت على كلامٍ له في هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث يقول:
«الورع المشروع هو: الورع عمَّا قد تخاف عاقبته، وهو ما يعلم تحريمه، وما يشكُّ في تحريمه، وليس في تركه مفسدةٌ أعظم من فعله - مثل محرَّمٍ معيَّنٍ- مثل: من يترك أخذ الشُّبهة ورعًا مع حاجته إليها، ويأخذ بدل ذلك محرَّمًا بيِّنًا تحريمه! أو يترك واجبًا، تركه أعظم فسادًا من فعله مع الشُّبهة؛ كمن يكون على أبيه أو عليه ديونٌ هو مطالبٌ بها، وليس له وفاءٌ إلا من مالٍ فيه شبهةٌ، فيتورَّع عنها ويدع ذمَّته أو ذمَّة أبيه مرتهنةً!» (٢). اهـ.
وبالجملة، فإنَّ الدِّين عظيمٌ، والحرص على سلامته علامة توفيقٍ وإيمانٍ، والتهاون في باب الورع يوشك أن يُوقع في الحرام مع مرور الزمن؛ ولهذا كان ابن عمر ﵄ يقول: إنِّي لأحبُّ أن أدع بيني وبين الحرام سُترةً من الحلال لا أخرقها.
стр. 187
وقال الحسن البصريُّ: ما زالت التقوى بالمتَّقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال؛ مخافة الحرام.
وقال سفيان بن عيينة: لا يصيب عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزًا من الحلال، وحتى يدع الإثم وما تشابه منه (١).
ألا ما أحوج الأمة إلى أئمةٍ في الورع مع تنامي وكثرة موارد الشُّبه؛ ليقتدي بهم الناس، وليروا جميل أفعالهم، كما سمعوا الجميل من أقوالهم!
رضي الله عن الصحابيِّ الجليل، الإمام الورع الزاهد أبي عبد الرحمن، عبد الله بن عمر ﵄، وجزاه الله عنَّا وعن الإسلام وأهله خير الجزاء.
* * *
стр. 188
من مواعظ أبيِّ بن كعبٍ ﵁ -
(١/ ٢)
إنَّه أحد تلاميذ المدرسة النبويَّة النُّجباء، كان يلقَّب بـ (سيِّد القرَّاء)، ويُكنَّى أبا المنذر، أبيُّ بن كعب بن قيس بن عبيدٍ، الأنصاريُّ، النَّجَّاريُّ، المدنيُّ، المقرئ، البدريُّ.
شهد العقبة، وبدرًا، وجمع القرآن في حياة النبيِّ ﷺ ، وعرض على النبيِّ ﵊ وحفظ عنه علمًا مباركًا، وكان رأسًا في العلم والعمل.
ومن أجلِّ مناقبه: أنَّ الله تعالى أمر النبيَّ ﷺ أن يقرأ عليه القرآن، وتحديدًا سورة البيِّنة، كما ثبت ذلك في الصحيح، فلمَّا قال له النبيُّ ﷺ ذلك، بكى (١)، وحُقَّ له ذلك.
وسأله النبيُّ ﷺ مرةً: (أيُّ آيةٍ من كتاب الله معك أعظم؟)، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فضرب النبيُّ ﷺ في صدره
стр. 189
وقال: (ليهنك العلم أبا المنذر!) (١).
وثبت في البخاريِّ أنَّه أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن والنبيُّ ﷺ حيٌّ، وكلُّهم من الأنصار.
كان أمير المؤمنين عمر ﵁ يجلُّه، ويعرف له فضله وعلمه، توفِّي ﵁ سنة عشرين للهجرة، وقيل غيرها (٢).
* * *
• لقد نقل لنا الأئمة عن هذا الصاحب الجليل جملةً من المواعظ؛ منها (٣):
أنَّ رجلًا قال لأبيِّ بن كعبٍ: عظني، ولا تكثر عليَّ فأنسى، فقال له:
«اقبل الحقَّ ممَّن جاءك به وإن كان بعيدًا بغيضًا، واردد الباطل على من جاءك به وإن كان حبيبًا قريبًا»، قال: «وآخ الإخوان على قدر تقواهم، ولا تغبط الحيَّ إلا بما تغبط الميِّت»
هذه الموعظة تشكل منهجًا متينًا في التعامل مع الأقوال لا القائلين، فإنَّ عموم الناس يربطون بين الأمرين! وهذا غلطٌ؛ لأنَّ الحقَّ يجب قبوله لكونه حقًّا، أمَّا القائل، فشأنٌ آخر.
والعكس كذلك؛ فإنَّ من الناس من إذا أحبَّ أحدًا قَبِلَ ما يأتي به وإن كان باطلًا! وهذا غلطٌ وخللٌ، فإنَّ الباطل يُردُّ لأنَّه باطلٌ، بغضِّ النظر عمَّن أتى به.
ومن أعظم الشواهد على هذا المعنى، ما أرشدت إليه آية سورة
стр. 190
الأعراف، قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]، فتأمَّل كيف صدَّق القرآن كلمتهم في كونهم وجدوا آباءهم عليها، دون قولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ فقد ردَّها الله عليهم.
فإذا كان ربُّ العزَّة قد أقرَّ هؤلاء على قولهم مع كفرهم؛ فمن دون ذلك وما دونه من باب أولى.
وفي صحيح البخاريِّ، لمَّا جاء الشيطان إلى أبي هريرة ﵁ في صورة رجلٍ يسأل الصدقة، ثلاث ليالٍ، وفي كلِّ مرةٍ يُهدِّده بالرفع إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: دعني أعلِّمك كلماتٍ ينفعك الله بها، قلت: ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسيِّ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، حتى تختم الآية؛ فإنَّك لن يزال عليك من الله حافظٌ، ولا يقربنَّك شيطانٌ حتى تصبح، فخلَّيت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : (ما فعل أسيرك البارحة؟)، قلت: يا رسول الله، زعم أنَّه يعلِّمني كلماتٍ ينفعني الله بها، فخليت سبيله، قال: (ما هي؟)، قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسيِّ من أولها حتى تختم الآية: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظٌ، ولا يقربك شيطانٌ حتى تصبح - وكانوا أحرص شيءٍ على الخير- فقال النبي ﷺ : (أما إنَّه قد صدقك وهو كذوبٌ، تعلم من تُخاطب منذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة؟)، قال: لا، قال (ذاك شيطانٌ!) (١).
стр. 191
فهذا رسول الله ﷺ يربِّي أمَّته على قبول الحقِّ وإن جاء من الشيطان، فكيف بغيره؟! فقال: (أما إنَّه قد صدقك وهو كذوبٌ).
وعلى هذا المنهج- وهو قبول الحقِّ ممَّن جاء به- سار أئمة العلم والعمل؛ لأنَّ قبول الحقِّ ممن جاء به، وردَّ الباطل ممَّن جاء به- هو علامة التجرُّد.
أتى رجلٌ ابن مسعود ﵁ فقال له: إنِّي منطلقٌ، فزوِّدني؟ فقال له: «اقبل الحقَّ من البغيض البعيد، وأنكر المنكر على الحبيب القريب» (١).
وقد سُئل الفضيل بن عياضٍ عن التواضع، فقال: «يخضع للحقِّ وينقاد له، ويقبل الحقَّ من كلِّ من يسمعه منه» (٢).
وأمَّا الجزء الثاني من موعظة أُبيٍّ ﵁، فهو قوله: «وآخ الإخوان على قدر تقواهم، ولا تغبط الحيَّ إلا بما تغبط الميِّت».
وهذه الوصية مقتبسةٌ من نور القرآن الكريم؛ فإنَّ كلَّ الصداقات الدُّنيويَّة ستنقلب يوم القيامة إلى عداوةٍ، كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
وأمَّا قوله: «ولا تغبط الحيَّ إلا بما تغبط الميِّت»؛ أي: انظر ما الذي يُغبط به الميِّت؟ والجواب بلا ريبٍ: هو العمل الصالح، فكذلك: إذا رأيت على أحدٍ نعمةً دنيويَّةً، أو مالًا، أو جاهًا، أو غير ذلك ممَّا يُغبط به الأحياء، فتذكَّر ما الذي يُغبط به هذا الإنسان لو مات الآن؟!.
إنَّها تربيةٌ عمليَّةٌ نفسيَّةٌ من هذا الإمام الجليل أُبيِّ بن كعبٍ ﵁
стр. 192
في التعامل مع جواذب الدُّنيا، وفِتَنها التي تأسر لُبَّ الأكثرين، ولا يتفطَّن لحقيقتها إلا أولو العلم والإيمان، كما قال سبحانه- في شأن قارون، وكيف تصدَّى أهل العلم لبيان فتنة غِناه، الذي بهر عقول الكثيرين-: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٧٩، ٨٠].
فيا كلَّ أخٍ وأختٍ فاته من الدُّنيا ما فاته! وتطلَّعت نفسه لما في أيدي الأغنياء، أو تصدَّع فؤاده على ما يراه في أيدي الأثرياء، تذكَّر هذه الحقيقة: «ولا تغبط الحيَّ إلا بما تغبط الميِّت»، واعلم أنَّ الدُّنيا لو كانت كريمةً على الله، لما زواها عن أحبِّ الخلق إليه؛ محمدٍ ﷺ ، وعن عامَّة أوليائه.
وفي الوقت ذاته، فإنَّ حيازة الدُّنيا ليست مذمومةً مُطلقًا- كما تقدَّم - وإنَّما تُذُّم إذا ألهت عن واجبٍ، أو أدَّت إلى الوقوع في المنهيَّات؛ ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لا حسد إلَّا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء اللَّيل وآناء النَّهار، ورجلٌ آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء اللَّيل وآناء النَّهار) (١).
ومن أراد أن يقرأ درسًا في الزهد الحقيقيِّ مع توافر الدُّنيا مع العبد، فليتدبَّر قصة نبيِّ الله سليمان ﵊ وخاصةً في سورة (ص)، ففيها دروسٌ وعبرٌ.
والمقصود أنَّ الموفَّق من عرف حقيقة الدُّنيا؛ فزهد فيها الزهد
стр. 193
الحقَّ، وأخرجها من قلبه، واستخدمها ولم يخدمها، وجعلها مطيَّةً للآخرة.
هذه موعظةٌ بليغةٌ من مواعظ الصحابيِّ الجليل أُبيِّ بن كعبٍ ﵁، والحديث موصولٌ - بإذن الله- مع بعض مواعظه التي سنتوقَّف عندها في المجلس القادم.
* * *
стр. 194
من مواعظ أُبيِّ بن كعبٍ ﵁ -
(٢/ ٢)
• ومن مواعظ سيِّد القرَّاء، أبي المنذر ﵁: قوله (١):
«تعلَّموا العلم واعملوا به، ولا تتعلَّموه لتتجمَّلوا به؛ فإنَّه يوشك- إن طال بكم زمانٌ- أن يُتجمَّل بالعلم كما يتجمَّل الرَّجل بثوبه!».
هكذا يوصي هذا العالم بهذه الوصيَّة، ويعظ بهذه الموعظة؛ مذكِّرًا بالغاية التي لأجلها يتعلَّم العلم، ويراد من طلبه.
ولكأنَّما كان أُبيُّ بن كعبٍ ينظر إلى الغيب من سترٍ رقيقٍ، حين وصف حال طائفةٍ من الناس، همُّه في الطلب أن يتجمَّل به في المجالس، أو ليتصدَّر فيها، أو ليشار إليه، أو ليصرف وجوه الناس إليه - نعوذ بالله من ذلك!
ولأجل هذا تتابعت كلمات السلف الصالح في تقرير هذا المعنى - أعني: الإخلاص في طلب العلم، وقصد العمل به- نصحًا للأمَّة، ولخاصَّتها من طلاب العلم وشداته.
يقول عبد الله بن مسعودٍ ﵁: «إنَّ الناس أحسنوا القول كلُّهم، فمن وافق قوله فعله، فذلك الذي أصاب حظَّه، ومن خالف قوله فعله، فإنَّما يوبِّخ نفسه».
стр. 195
ورُوي عن عليٍّ ﵁ أنَّه قال: «يا حملة العلم، اعملوا به؛ فإنَّما العالم من علم ثم عمل، ووافق عمله علمه، وسيكون أقوامٌ يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم! تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يقعدون حِلقًا فيباهي بعضهم بعضًا، حتى إنَّ الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه! أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله ».
وقال مالكٌ: بلغني عن القاسم بن محمدٍ أنَّه قال: «أدركت الناس وما يعجبهم القول؛ إنَّما يعجبهم العمل».
ويُروى أنَّ سفيان الثَّوريَّ ﵀ كان ينشد متمثِّلًا:
إذا العلم لم تعمل به كان حجَّةً ... عليك ولم تعذر بما أنت جاهله
فإن كنت قد أوتيت علمًا فإنَّما ... يصدِّق قول المرء ما هو فاعله (١)
والمأثور عن السلف في هذا الباب أكثر من أن يُحصر، والموفَّق من نفعه الله بقليل التذكرة عن طويلها.
* * *
• ومن مواعظ أُبيِّ بن كعبٍ ﵁ قوله (٢):
«المؤمن بين أربعٍ: إن ابتُلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن قال صدق، وإن حكم عدل».
وأصل هذه الموعظة من أُبيِّ بن كعبٍ ﵁، جاءت في سياق تفسيره لقول الله تعالى في سورة النور: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ
стр. 196
نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥].
قال ﵁ في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾: «مثل المؤمن قد جعل الإيمان والقرآن في صدره كمشكاةٍ، قال: المشكاة: صدره»، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ قال: «والمصباح: القرآن والإيمان الذي جعل في صدره»، ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ قال «والزجاجة: قلبه»، ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قال: «فمثله ممَّا استنار فيه القرآن والإيمان كأنَّه كوكبٌ دُرِّيٌ: مُضِيءٌ».
﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ والشجرة المباركة: الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له.
﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: «فمثله مثل شجرةٍ التفَّ بها الشجر، فهي خضراء ناعمةٌ، لا تصيبها الشمس على أيِّ حالٍ كانت، لا إذا طلعت ولا إذا غربت، وكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصيبه شيءٌ من الغِيَر، وقد ابتلى بها، فثبَّته الله فيها، فهو بين أربع خلالٍ: إن أعطي شكر، وإن ابتُلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق؛ فهو في سائر الناس كالرجل الحيِّ يمشي في قبور الأموات.
قال: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ فهو يتقلَّب في خمسةٍ من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة في الجنة» (١).
стр. 197
نسأل الله أن يجعلنا ممَّن نوَّر الله بصائرهم وأقوالهم وأعمالهم.
* * *
• ومن مواعظ أُبيِّ بن كعبٍ ﵁ قوله (١):
«عليكم بالسَّبيل والسُّنَّة، وإنَّ اقتصادًا في سنَّةٍ وسبيل، خيرٌ من اجتهادٍ في غير سنَّةٍ وسبيل، فانظروا أعمالكم؛ فإن كانت اقتصادًا واجتهادًا، فلتكن على منهاج الأنبياء وسُنَّتهم».
صدق أُبيٌّ ﵁! «وإنَّ اقتصادًا في سنَّةٍ وسبيل، خيرٌ من اجتهادٍ في غير سنَّةٍ وسبيل».
ذلك أنَّ طريق التعبُّد لله تعالى موقوفٌ على الدليل الهادي، وهذا لا يكون إلا بنصٍّ من كتابٍ أو سنَّةٍ، فوجب الاقتصار عليهما.
ولو فتح باب الاجتهاد في هذه الأبواب، لتشتَّت الناس، ولأصبح لكلِّ منهم طريقٌ يتعبَّد لله به، ولاقتحم من شاء أن يقتحم جناب الشريعة، وصار كلُّ من شاء أن يُشرِّع شرَّع! ولذهبت حكمةٌ ومقصدٌ من أعظم مقاصد الشرع، وهو: جمع الناس في عبادة ربِّهم.
ولهذا تواردت كلمات السلف في تقرير هذا المعنى؛ فعن ابن مسعودٍ ﵁ قال: «اقتصادٌ في سُنَّة، خيرٌ من اجتهادٍ في بدعة، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ» (٢).
ورُوي عن أبي الدرداء ﵁ قال: «اقتصادٌ في سُنَّة خيرٌ من اجتهادٍ في بدعة؛ إنَّك أن تتَّبع، خيرٌ من أن تبتدع، ولن تخطئ الطَّريق ما
стр. 198
اتَّبعت الأثر» (١).
ولهذا؛ كان من فقه الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز أنَّه كتب إلى الناس: «أنَّه لا رأي لأحدٍ مع سُّنَّةٍ سنَّها رسول الله ﷺ » (٢).
ولو أنَّ الذين ابتدعوا ما ابتدعوا في دين الله بزعم تقريب الدِّين للناس- وتحبيبهم فيه- راعوا هذه القاعدة، لعلموا أنَّهم مخطئون، قد فتحوا على الأمَّة أبوابًا من الاجتهادات الباطلة، التي زادت الأمة فُرقةً وشتاتًا، حتى إنَّ الإنسان المتأمِّل ليجد في مخالفة هذه الموعظة أثر قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩]، فكم تفرَّقت الأمَّة بسبب هذه البدع، كلٌّ يدَّعي أنَّه مصيبٌ، وأنَّه يُريد تعبيد الناس لله بطريقته التي اخترعها!
ولقد رأيت بنفسي في بعض البلاد الإسلاميَّة كيف صدَّعت هذه البدع جدار جماعة المسلمين في أقدس البقاع، وهي المساجد، التي شرعت الجماعة فيها لأجل جملةٍ من المقاصد؛ منها: الاجتماع، فالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
* * *
• ومن مواعظه ﵁ أنَّه قال لرجلٍ طلب منه الوصيَّة (٣):
«اتَّخذ كتاب الله إمامًا، وارض به قاضيًا وحكمًا؛ فإنَّه الذي استخلف فيكم رسولكم، شفيعٌ مُطاعٌ، وشاهدٌ لا يُتَّهم، فيه ذكركم وذكر من قبلكم، وحكم ما بينكم، وخبركم وخبر ما بعدكم».
سبحان الله! ما أجمل هذه الوصايا، وأنفعها على اختصارها!
стр. 199
كم هو جميلٌ أن نُضمِّن وصايانا التي نكتبها لمن بعدنا- وكذلك لمن يستوصينا- أمثال هذه الجمل المختصرة، والمعاني الجليلة؛ فإنَّ الإنسان إذا ألقى هذه الكلمات الطيِّبة، فيُوشك أن تُنبت الثمر الطيِّب ولو بعد حينٍ.
* * *
стр. 200
من مواعظ سلمان الفارسيِّ ﵁ -
(١/ ٣)
أحد تلاميذ المدرسة النبويَّة النجباء، كان لبيبًا، حازمًا، من عقلاء الرجال، وعُبَّادهم، ونُبلائهم.
كان من الباحثين عن الحقيقة، طاف بلدانًا كثيرةً من أجل البحث عن الإسلام؛ حتى هداه الله تعالى للقُيَا نبيِّنا ﷺ ، وكانت أول مغازيه معه غزوة الخندق.
آخى النبيُّ ﷺ بينه وبين أبي الدرداء، وعاش حياة الزهد، وكان مُتقلِّلًا من الدُّنيا، عابدًا، لَقِيَ ربَّه في خلافة عثمان، وهو قريبٌ من الثمانين - على الصحيح من أقوال المحقِّقين في وفاته - إنَّه سلمان الخير، سابِقُ الفرس إلى الإسلام: سلمان الفارسيُّ ﵁ (١).
إنَّ حياة سلمان وقربه من النبيِّ ﷺ أثَّرت فيه تأثيرًا علميًّا وعمليًّا؛ حتى شهد له النبيُّ ﷺ بالفقه، وظهر أثر هذا في مواعظه التي نحاول تفيُّؤ بعض ظلالها؛ لعلَّنا ننتفع بها ..
...
стр. 201
• ومن تلكم المواعظ قوله ﵁ (١):
«إنَّ العلم كثير، والعمر قصير؛ فخذ من العلم ما تحتاج إليه في أمر دينك، ودع ما سواه فلا تُعانه».
وهذه الوصيَّة الذهبيَّة من أهمِّ ما يحتاجه طلاب العلم، والذين حبِّبت لهم القراءة، ولديهم نَهَمٌ في التوسُّع في الاطِّلاع، والرغبة في التفوُّق في عدَّة تخصُّصاتٍ!
وإذا كان سلمان يقول مثل هذه في زمانه؛ فكيف لو رأى كثرة العلوم في عصورنا المتأخِّرة، وتنوُّع المعارف، ودقَّة التخصُّصات، وكثرة المشاغل؟!
وما أجمل ما وعظ به سلمان صاحبه، بأنَّ ما لا تحتاجه في أمر دينك فلا تُعانه! وأقول: وما لا تحتاجه في أمر دُنياك - إن كان التخصُّص الذي تطلبه دنيويًّا- فأردأ العلوم هو ما لا ثمرة له ولا نفع في دينٍ ولا دنيا.
وقد جلَّى ابن الجوزيِّ في «صيد الخاطر» بعض هذه المعاني حين قال:
«رأيت الشَّره في تحصيل الأشياء يفوِّت الشَّره عليه مقصوده! وكذلك رأينا خلقًا كثيرًا يحرصون على جمع الكتب، فينفقون أعمارهم في كتابتها! فإن قال قائلٌ: أليس في الحديث: «منهومان لا يشبعان: طالب علمٍ، وطالب دنيا»؟ (٢).
стр. 202
قلت: أمَّا العالم، فلا يقال له: اشبع من العلم، ولا اقتصر على بعضه، بل أقول له: قدِّم المهمَّ؛ فإنَّ العاقل من قدَّر عُمره وعمل بمقتضاه، وإن كان لا سبيل إلى العلم بمقدار العمر! غير أنَّه يبني على الأغلب ... إلى أن قال: فإذا علم العاقل أنَّ العمر قصير، وأن العلم كثير، فقبيحٌ بالعاقل، الطالب لكمال الفضائل، أن يتشاغل بالمفضول عن الفاضل (١) ... وينبغي لمن له أنفةٌ أن يأنف من التقصير الممكن دفعه عن النفس، وأن ينتهي بالنفس إلى كمالها الممكن لها في العلم والعمل» (٢).
* * *
• ومن مواعظ سلمان ﵁ قوله - في التحذير من كثرة الكلام (٣):
«أكثر الناس ذنوبًا يوم القيامة، أكثرهم كلامًا في معصية الله».
ولعلَّ سلمان ﵁ أخذ هذا المعنى من قوله ﷺ في وصيَّته لمعاذٍ ﵁ بالحذر من لسانه: (كُفَّ عليك هذا)، فقلت: يا نبيَّ الله، وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلَّم به؟! فقال: (ثكلتك أُمُّك يا معاذ، وهل يكُبُّ النَّاس في النَّار على وجوههم- أو على مناخرهم - إلَّا حصائد ألسنتهم) (٤).
ودخل في قول سلمان ﵁: (أكثر الناس ذنوبًا يوم القيامة، أكثرهم كلامًا في معصية الله) كلُّ معاصي اللِّسان، وما أكثرها! فالغيبة، والنميمة، والكذب، والسُّخرية، وغيرها- من آفات اللسان!
стр. 203
ومن تأمَّل في الغيبة فقط، أدرك حقيقة هذا المعنى!
يقول ابن الجوزيِّ ﵀: «فكم أفسدت الغيبة من أعمال الصالحين! وكم أحبطت من أجور العامِلِين! وكم جلبت من سخط ربِّ العالمين! فالغيبة فاكهة الأرذلين، وسلاح العاجزين، مُضغةٌ طالما لفظتها ألسنة المتَّقين، ونَغمةٌ طالما مجَّتها أسماع الأكرمين» (١).
فالله الله أيُّها الإخوة .. لنجتهد في حفظ ألسنتنا من آفاتها، خاصةً الغيبة التي أحرقت من الحسنات ما شاء الله أن تُحرق!
وليحذر العبد من اعتيادها؛ فإنَّ المعاصي اللسانيَّة «إذا صارت معتادةً للعبد، فإنه يعزُّ عليه الصبر عنها؛ ولهذا تجد الرجل يقوم الليل، ويصوم النهار، ويتورَّع من استناده إلى وسادة حريرٍ لحظةً واحدةً، ويطلق لسانه في الغيبة والنميمة والتفكُّه في أعراض الخلق!» (٢).
نعوذ بالله أن تقودنا حصائد ألسنتنا إلى موارد الهلاك في الدُّنيا والآخرة.
* * *
• ومن مواعظ سلمان ﵁ أنَّه سُئل: ما حسبك؟ فقال (٣):
«كرمي ديني، وحسبي التراب، ومن التراب خُلقت، وإلى التراب أصير، ثم أبعث وأصير إلى الموازين؛ فإن ثقلت موازيني، فما أكرم حسبي، وما أكرمني على ربِّي! يُدخلني الجنة، وإن خفَّت موازيني، فما ألأم حسبي، وما أهونني على ربِّي! ويعذِّبني، إلا أن يعود بالمغفرة والرحمة على ذنوبي».
стр. 204
لكأنِّي بذلك السائل الذي سأل سلمان ﵁ أراد إحراجه، أو أراد أن يستنطقه ليرى رأيه في هذه الأحساب والأنساب التي يتفاخر بها الناس، فأجابه بهذا الجواب الذي يخرسه إن كان شامتًا، وينفعه إن كان راغبًا.
وصدق سلمان: «وإن خفَّت موازيني، فما ألأم حسبي، وما أهونني على ربِّي!»!
وأيُّ شيء نفع أبا لهبٍ أن كان عمَّ النبيِّ ﷺ حين أُدخلت روحه النار منذ فارق هذه الحياة، وفي الآخرة أشدُّ وأدهى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ١ - ٥]؟!
وماذا ضرَّ زيد بن حارثة أن كان مولًى من موالي نبيِّنا ﷺ ، ويختصُّ بأن يكون حِبَّ رسول الله ﷺ ، وأن يكون الصحابيَّ الوحيد الذي ذُكر اسمه في القرآن الكريم؟!
وكذلك يُقال في حقِّ بلالٍ ﵁، وصدق الشاعر حين قال:
خذلت أبا جهلٍ أصالته ... وبلالٌ عبدٌ جاوز السُّحبا
وقريبٌ من هذا المعنى الذي قرَّره سلمان ﵁ أنَّ أبا الدرداء لمَّا كتب إلى سلمان الفارسيِّ: أن هلُمَّ إلى الأرض المقدَّسة، فكتب إليه سلمان: إنَّ الأرض لا تقدِّس أحدًا؛ وإنَّما يقدِّس الإنسان عملُه.
وصدق ﵁ ... إنَّما يقدِّس الإنسان عملُه، وهو الذي عليه مدار الحساب، والنجاة أو الهلاك، فلينظر كلُّ واحدٍ في عمله، ولا يركننَّ إلى ما لا ينفعه يوم يلقى الله بل قد يضرُّه.
стр. 205
من مواعظ سلمان الفارسيِّ ﵁ -
(٢/ ٣)
• ومن مواعظ أبي عبد الله، سلمان الفارسيِّ ﵁: أنَّه وعظ مرَّة فقال (١):
«إنَّ الله تعالى إذا أراد بعبدٍ شرًّا أو هلكةً، نزع منه الحياء، فلم تلقه إلا مقيتًا مُمقَّتًا».
هذا الكلام من سلمان ﵁ عن الحياء هو من فقهه؛ فإن «الحياء لا يأتي إلَّا بخيرٍ» كما قال ﷺ (٢)، ومفهومه: أنَّ ذهابه يعني مجيء الشرِّ كلِّه.
بل ثبت في الصحيحين أنَّ الحياء من خصال الإيمان التي لا يتمُّ إيمان عبدٍ إلا بها؛ قال ﷺ : (الإيمان بضعٌ وستُّون شعبةً، والحياء شعبةٌ من الإيمان) (٣).
وحسب المؤمن ليدرك مكانة هذا الخلق العظيم: أن ينظر في آثاره حينما يتخلَّق العبد به، وأن ينظر في ويلاته إذا نزع من الإنسان- والعياذ بالله! - ذلك أنَّ من أعظم فوائده:
أنَّه يحجز العبد عن معاصي الربِّ- ﵎ فالحييُّ حينما
стр. 206
يهمُّ بمعصيةٍ، يتذكَّر قول ربِّه- جلَّ وعلا-: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ويتذكَّر قول الله - جلَّ في علاه-: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]! فللَّه لو لم يكن للحياء من فضيلةٍ سوى هذه، لكفى! ولذا كان قليلو الحياء لا يبالون بمعصية الله وهم في ذلك درجاتٌ كثيرةٌ- مصداقًا لقول المصطفى ﷺ : (إنَّ ممَّا أدرك النَّاس من كلام النُّبوَّة: إذا لم تستحي، فاصنع ما شئت) (١).
إذا لم تصن عرضًا ولم تخش خالقًا ... ولم ترع مخلوقًا فما شئت فاصنع
ولذلك كان من أقبح آثار المعاصي: ذهاب الحياء، الذي هو مادة حياة القلب، وهو أصل كلِّ خيرٍ، وذهابه ذهاب الخير أجمعه! يقول ابن القيِّم ﵀: «فمن لا حياء له ميِّتٌ في الدُّنيا، شقيٌّ في الآخرة ... ومن استحى من الله عند معصيته، استحى الله من عقوبته يوم يلقاه، ومن لم يستح من معصيته، لم يستح من عقوبته».اهـ (٢). ومع فضيلة هذا الخلق وأثره في حياة المسلم، فإنَّ من المؤسف أن يرى المسلم الغيور مظاهر كثيرةً، وصورًا متنوعة من خرق هذا الخلق، وتحطيم أسواره! فبعض الناس لا يبالي بالمجاهرة بالمعصية أمام الناس؛ بحجَّة أنَّ هذا من الشجاعة والصراحة أن يكون المظهر كالمخبر! وأقبح منه أن يدَّعي أنَّ المجاهرة وعدم الاهتمام بالناس من الرجولة! مساكين هؤلاء! لقد طمست بصائرهم، فرأوا الباطل حقًّا، والحقَّ باطلًا.
ومن ذلك: ما تفعله بعض المسلمات من سفورٍ ونزعٍ للحجاب الشرعيِّ، الذي أجمع العلماء على وجوبه، وسبحان الله! ما قيمة المرأة بلا حياءٍ؟!
стр. 207
ومن ذلك: مجاهرة بعضهم بأكل الرِّبا من خلال المعاملات الرِّبويَّة!
وصور خرق الحياء في المجتمع كثيرةٌ وللأسف، والله المستعان!
ولله درُّ الفضيل بن عياضٍ يوم قال: «خمسٌ من علامات الشقاء: القسوة في القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدُّنيا، وطول الأمل» (١).
...
• ومن مواعظ سلمان الفارسيِّ ﵁ قوله (٢):
«أضحكني ثلاثٌ، وأبكاني ثلاثٌ:
ضحكت من مؤمِّل الدُّنيا والموت يطلبه، وغافلٍ لا يُغفل عنه، وضاحكٍ ملء فيه لا يدري أمُسخطٌ ربَّه أم مُرْضيه!
وأبكاني ثلاثٌ: فِراقُ الأحبَّة؛ محمدٍ وحِزبه، وهول المطلع عند غمرات الموت، والوقوف بين يدي ربِّ العالمين حين لا أدري إلى النار انصرافي أم إلى الجنة؟».
وأظنُّ أنَّ هذه الموعظة من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى تعليقٍ، بيد أنَّ السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: من منَّا مرَّت به هذه المشاعر؟ من منَّا يحذر ويخاف هول المطلع؟ ومن منَّا تذكَّر لحظة وقوفه بين يدي الله تعالى؛ فانكسر قلبه، وخاف مقام ربِّه، ونهى النَّفس عن هواها، وأوجب له هذا التذكُّر توبةً وأوبةً إلى الله، وتصحيحًا للأخطاء، واستدراكًا لما بقي من العمر؟
* * *
стр. 208
• ومن مواعظه ﵁ قوله (١):
«إنَّما مثل المؤمن في الدُّنيا كمثل رجلٍ مريضٍ معه طبيبه الذي يعلم داءه ودواءه، فإذا اشتهى شيئًا يضرُّه منعه، وقال: لا تقربه؛ فإنَّك إن أصبته أهلكك، فلا يزال يمنعه ما اشتهى ممَّا يضرُّه حتى يبرأ من وجعه بإذن الله، وكذلك المؤمن يشتهي أشياء كثيرةً ممَّا فضِّل به غيره من العيش، فيمنعه الله إيَّاه ويحجزه عنه حتى يتوفَّاه فيدخله الجنة».
لله ما أجمل هذه الموعظة التي تربِّي في الإنسان عبودية التسليم والانقياد، واليقين بأنَّ ما أباح الله شيئًا إلا لمصلحةٍ، ولا منع العباد من شيء وحرَّمه عليهم إلا لمصلحتهم!
إنَّنا اليوم في عصرٍ كثُر فيه الحديث عن الحريَّات الدينيَّة، وزاد بعضهم في لغة خطابه ما يشعر بألوانٍ من الزندقة- عياذًا بالله - وكأنَّه يريد أن يكون ندًّا وخصمًا لله ولرسوله ﷺ من كثرة اعتراضه على الأحكام الشرعيَّة!.
ولا والله، لا يتمُّ إيمان العبد إلا بمروره على قنطرة التسليم، كما قال سبحانه: ... ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وفرقٌ كبيرٌ بين سؤال الإنسان عن الحكمة في التشريع، والتماس السبب الذي لأجله أُبيح هذا أو مُنع ذاك، وبين الاعتراض؛ فهو دليلٌ على قلة إيمان المعترض، أو ردَّته، حسب حاله ومقامه.
* * *
стр. 209
• ومن مواعظ سلمان ﵁ قوله (١):
«إذا أسأت سيِّئةً في سريرةٍ، فأحسن حسنةً في سريرةٍ، وإذا أسأت سيئةً في علانيةٍ، فأحسن حسنةً في علانيةٍ؛ لكي تكون هذه بهذه».
ما أكثر ما يقع منَّا التقصير! فكم هو حسنٌ أن نُتبع السيِّئة الحسنة؛ لعلَّها تمحوها، والأجمل أن يكون هذا كما قال سلمان؛ فسيِّئة السِّرِّ تمحوها حسنة السِّرِّ، وكذلك سيئة العلن.
وفي هذه الموعظة من الفقه: أنَّه ليس من العدل أن يُخطئ الإنسان في العلن، ولا يعتذر من ذلك إلا سرًّا.
ولهذا؛ كان من فقه الأئمة- رحمهم الله تعالى - أنَّه إذا صدرت فتوى عن أحدٍ منهم، واشتهرت، فإنَّه يُعلن تراجعه علنًا، ومن ذلك: تراجع الإمام أحمد عن فتواه المشهورة بوقوع طلاق السكران، فإنَّه صرَّح ﵀ بتراجعه.
وفي عصرنا الحاضر، ومع انتشار وسائل التقنية التي تنقل القول في ثوانٍ معدودةٍ؛ يتعيَّن على من له قولٌ مقبولٌ، أو حضورٌ إعلاميٌّ - خاصةً من أهل العلم- أن يُراعوا هذا المعنى المهمَّ، وأن يكون الأصل هو التريُّث في القول والنقل، فإن تبيَّن الخطأ، كان الإنسان شجاعًا في الاعتراف بالخطأ، وبيان الصواب، وصدق أمير المؤمنين عمر ﵁ حين قال لأبي موسى الأشعريِّ: «لا يمنعنَّك قضاءٌ قضيته ثم راجعت فيه نفسك، فهُديت لرُشده أن تنقضه؛ فإنَّ الحقَّ قديمٌ لا ينقضه شيءٌ، والرجوع إلى الحقِّ خيرٌ من التمادي في الباطل» (٢).
هذه بعض الوقفات مع مواعظ الصحابيِّ الجليل سلمان الفارسيِّ ﵁ وما زال الحديث موصولًا مع بعض مواعظه.
стр. 210
من مواعظ سلمان الفارسيِّ ﵁ -
(٣/ ٣)
• ومن مواعظ أبي عبد الله، سلمان الفارسيِّ ﵁ (١):
أنَّ رجلًا قال له مرةً: أوصني! قال: «لا تكلَّم»! قال: ما يستطيع مَن عاش في الناس ألَّا يتكلَّم.
قال: «فإن تكلَّمت، فتكلَّم بحقٍّ أو أسكت»! قال: زدني، قال: «لا تغضب»، قال: أمرتني ألَّا أغضب، وإنَّه ليغشاني ما لا أملك! قال: «فإن غضبت، فاملك لسانك ويدك».
قال: زدني، قال: «لا تلابس الناس» - أي: لا تخالطهم خلطةً كثيرةً - قال: ما يستطيع من عاش في الناس ألَّا يلابسهم، قال: «فإن لابستهم، فاصدق الحديث، وأدِّ الأمانة».
ما أجمل طلب الوصيَّة من العلماء! وما أجمل الوصيَّة حين تصدر من العالم العاقل المجرِّب!
فأنت تلاحظ أنَّ سلمان ﵁ خرجت نصائحه في قالب النهي المبكِّر عن بعض ما علم من حال الرجل أنَّه لن يفعله ابتداءً، لينتقل بعد ذلك إلى لُبِّ الوصيَّة في الموضوعات الثلاثة التي يُبتلى بها عموم الناس.
فحين أوصاه بعدم الكلام، واعتذر بصعوبة ذلك، أوصاه قائلًا:
стр. 211
«فإن تكلَّمت، فتكلَّم بحقٍّ أو اسكت»! وهي تُطابق تمامًا وصيَّة النبيِّ ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت) (١).
وحين أوصاه بعدم الغضب؛ فهي مطابقةٌ للوصيَّة النبويَّة: (لا تغضب) (٢)، فحذَّره من تبعة الغضب إن وقع، وأن يحذر ذلك فقال: «فإن غضبت، فاملك لسانك ويدك»؛ ذلك أنَّ عامة من يغضبون يقع منهم بألسنتهم وأيديهم ما ينفِّسون به عن غضبهم زعموا!
وكم من بيتٍ هُدمت أركان حياته الأسريَّة بسبب طلاقٍ أطلقه الرجل لحظة غضبٍ!
وكم إنسانٍ خسر علاقاتٍ وصداقاتٍ بسبب كلمةٍ غير موزونةٍ أطلقها لحظة غضبٍ!
وكم من حالات قتلٍ وقعت بسبب إنفاذ جرعة الغضب التي تتلظَّى نارها في الجوف!
وكم تلفيَّاتٍ ماليَّةٍ حصلت بسبب غضبةٍ ترجمها الغاضب بسوء فعاله!
ولهذا؛ يحسن أن نشير في هذا الموضع- باختصارٍ شديدٍ- إلى هدي الشريعة في علاج الغضب:
١ - تجنُّب أسباب الغضب، وعليه يحمل قوله ﷺ في الحديث الآنف الذِّكر: (لا تغضب).
قال الرَّاوي- كما في رواية الإمام أحمد:- ففكَّرت حين قال النبيُّ ﷺ ما قال، فإذا الغضب يجمع الشرَّ كلَّه (٣).
стр. 212
٢ - إذا وقع الغضب، فليبادر إلى الاستعاذة بالله من الشيطان؛ ففي الصحيح عن سليمان بن صردٍ قال: كنت جالسًا مع النبيِّ ﷺ ، ورجلان يستبَّان، فأحدهما احمرَّ وجهه وانتفخت أوداجه- عروقٌ من العنق- فقال النبيُّ ﷺ (إنِّي لأعلم كلمةً لو قالها، ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشَّيطان، ذهب عنه ما يجد) (١). ٣ - تغيير الحالة التي هو عليها حال الغضب؛ ففي سنن أبي داود وصحَّحه ابن حبَّان، أنَّ النبي ﷺ قال: (إذا غضب أحدكم وهو قائمٌ، فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلَّا فليضطجع) (٢).
٤ - أن يتذكَّر ما أعدَّه الله لمن كظم غيظه وهو قادرٌ على إنفاذه، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ... ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦]. ٥ - التأمُّل في سيرته ﷺ الذي هو القدوة المطلقة، وكم كظم من غيظٍ! وكم حَلُمَ على جاهلٍ، وعفا عن مخطئٍ! ٦ - معرفة مساوئ الغضب وآثاره السيِّئة- كما أسلفنا آنفًا .. ولنعد إلى خاتمة وصيَّة سلمان ﵁ للرجل، فإنَّه قال: زدني، قال: «لا تلابس الناس» - أي: لا تخالطهم خلطةً كثيرةً - قال: ما
стр. 213
يستطيع من عاش في الناس ألَّا يلابسهم، قال: «فإن لابستهم، فاصدق الحديث، وأدِّ الأمانة».
ومن المعلوم أنَّ سلمان ﵁ لا يريد من الرجل أن يفارق الناس كليَّة، ولكنَّه أراد أن يوطِّئ له النصيحة عند المخالطة، وهي أن يخالطهم بأشرف الأخلاق، وهما: الصدق والأمانة؛ فالصدق في الأقوال، والأمانة في ردِّ الحقوق؛ فإنَّ غالب أسباب تصرُّم العلاقات، ووجود الوحشة، وارتفاع الناس للقضاء في الخصومات عائدٌ إلى الإخلال بهذين الأمرين، وما أوحش المجتمع إذا قلَّ فيه الصادقون، وكثر فيه الخائنون للأمانات!
* * *
• ومن مواعظ سلمان ﵁ العمليَّة (١): أنَّ بعض أفراد قبلية قريشٍ تفاخر عند سلمان الفارسيِّ ﵁ يومًا، فقال سلمان:
«لكنَّني خُلقت من نُطفةٍ قذرةٍ، ثم أعود جيفةً مُنتنةً، ثم آتي الميزان، فإن ثَقُلَ فأنا كريم، وإن خفَّ فأنا لئيم».
هكذا هم العلماء يعظون بأقوالهم وبمواقفهم، ولسان حال سلمان يقول:
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم
ولا ريب أنَّ النَّسب الشريف إذا قارنته التَّقوى كان نورًا على نورٍ، أمَّا إذا تجرَّد منها، فهذا إلى الذمِّ أقرب منه إلى المدح، فالإنسان لا اختيار له في نسبه؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وليس في كتاب الله
стр. 214
آيةٌ واحدةٌ يمدح فيها أحدًا بنسبه، ولا يَذُمُّ أحدًا بنسبه، وإنَّما يمدح الإيمان والتقوى، ويَذُمُّ بالكفر والفسوق والعصيان» (١) انتهى كلامه ﵀.
وممَّا يشهد لما قاله شيخ الإسلام: أنَّ الله تعالى أنزل سورةً كاملةً في ذمِّ أبي لهبٍ؛ لكفره وعداوته للنبيِّ ﷺ ، ونهى الله نبيَّه ﷺ أن يطرد المؤمنين من ضعفة أصحابه، وإن كان القصد من ذلك الرغبة في كسب قلوب أكابر قريشٍ، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقال له في الآية الأخرى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
وكلام سلمان الفارسيِّ ﵁ أراد به أن يبيِّن لهم هذا المعنى الذي تضافرت عليه النصوص، وأراد به أن ينقلهم إلى هناك ... حيث لا أنساب ولا قراباتٍ تُغني العبد إذا قدم على ربِّه مفلسًا، فقال هذه الكلمة المؤثِّرة: ثم آتِي الميزان، فإن ثَقُلَ فأنا كريم، وإن خفَّ فأنا لئيم!
إي والله! إن ثقلت موازيننا غدًا إذا لقينا ربَّنا، فمن أكرم منَّا؟ وإن خفَّت فلا ألأم منَّا.
اللَّهمَّ إنَّا نسألك أن تستر عيوبنا، وتثقِّل موازيننا، وتُيمِّن كتبنا، وتدخلنا الجنة برحمتك.
* * *
стр. 215
من مواعظ أبي أمامة الباهلي ﵁ -
هو صُديُّ بن عجلان بن وهبٍ الباهليُّ ﵁، صحب النبيَّ ﷺ ، ونزل حمص ... روى علمًا كثيرًا، كان عمره في حجَّة الوداع ثلاثين عامًا، وروي أنَّه بايع تحت الشجرة، ورويت له كراماتٌ، وعاش إلى سنة ستِّ وثمانين، وقيل: إحدى وثمانين، حديثة مرويٌّ في الكتب الستَّة (١).
• وممَّا وري من المواعظ عن هذا الصاحب الكريم: ما ذكره عنه تلميذه الجليل سليم بن عامرٍ، قال (٢):
خرجنا على جنازةٍ في باب دمشق معنا أبو أمامة الباهليُّ ﵁، فلما صُلِّي على الجنازة وأخذوا في دفنها، قال أبو أمامة:
«يا أيُّها الناس، إنَّكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزلٍ تقتسمون فيه الحسنات والسيِّئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى المنزل الآخر، وهو هذا - يشير إلى القبر - بيت الوحدة، وبيت الظُّلمة، وبيت الدُّود، وبيت الضِّيق إلا ما وسَّع الله.
ثمَّ تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فإنَّكم لفي بعض تلك