← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17083

هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقا

محمود محمد الخزندار

Полный текст (451 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» (١). ويفسر ابن حجر الحكمة تفسيرًا جامعًا، فيقول: (المراد بالحكمة: كل ما منع من الجهل، وزجر عن القبيح) (٢). والغرض من الوصول إلى أعلى درجة من الحكمة الحرص على الإصابة في القول والعمل، واستعمال هذه الحكمة في الدعوة إلى الله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ ....﴾ [النحل: ١٢٥] ويقول ابن القيم (أطلق الحكمة ولم يقيدها بوصف الحسنة، إذ كلها حسنة، ووصف الحسن لها ذاتي) (٣). ولذلك فإن المعايشين للدعاة ذوي الفطانة والحكمة يتذوقون لذة التأدب على أيديهم، ويستقبلون توجيهاتهم بارتياح ورضا وحسن قبول، كما جاء في روح المعاني عن صاحب البحر: (أنها الكلام الصواب الواقع م النفس أجمل موقع (٤)، وكلما كان الداعية أكثر فقهًا، وأرجح عقلًا، وأصوب بصيرة، كان أكثر حكمة، وقد جاء في فتح القدير أن الحكمة التي أوتيها لقمان هي: (الفقه والعقل والإصابة)، ووافقه القرطبي (٥). ومن صور الدعوة بالحكمة: (النظر في أحوال المخاطَبين وظروفهم، والقدر الذي يُبيِّنه لهم في كل مرة؛ حتى لا يثقل عليهم، ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم

стр. 107

بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها؛ فلا تستبدُّ به الحماسة والاندفاع والغيرة؛ فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه) (١). خلاصة هذا الفصل وعناصره: - الحكمة بغير الاستقامة نفاق اجتماعي. - من معاني الحكمة: - فهم القرآن، ومعرفة الحق والعمل به. - وضع الشيء في موضعه. - توخِّي القصد ومحاولة إدراك العلل، ووضع الأمور في نصابها. - من أسباب اكتساب الحكمة: - التفقه في الدين. - الاستفادة من تجارب العمر. - التعلم من الأخطاء. - الاحتياط من الوقوع في الخطأ. - من شكر الله على نعمة الحكمة، تعليمها للناس. - الخرص على الوصول إلى الصواب من أسمى الحكمة. - من الحكمة في الدعوة مراعاة أحوال المخاطبين وظروفهم.

стр. 108

الفصل الخامس الهمة

стр. 109

«اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل». لقد كان جيل الصحابة ﵃ على درجةٍ عالية من الهمة والنشاط، اقتضت من رسول الله ﷺ أن يدعوَهم في كثير من المواقف إلى الحد من هذا النشاط الزائد، وإلى العودة إلى مستوى القصد والاعتدال والتوازن قائلًا لهم: «اكلَفُوا من الأعمال ما تطيقون» (١)، ويقول الواحد منهم: (يا رسول الله! إني أُطيق أكثر من ذلك) (٢). وحين خارت القوى، وضعفت العزائم، وفترت الهمم، صار الواحد من الناس حين يُطالب بأداء بعض الواجبات يكون جوابه: لا أطيق ذلك. وأصبحنا بحاجة كبيرة للاستعاذة بالله من هذا الحال: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل» (٣). إن دينًا يخاطب أتباعه بقول الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ﴿سَابِقُوا﴾ [الحديد: ٢١]

стр. 110

﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح: ٧] ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ ...﴾ [مريم: ١٢]. إن دينًا هذا شأنه لا يقبل من أتباعه الكسل والخمول، والعجز والسكون، والفتور والتواني، والاسترخاء وضعف الهمة. ومن الإشارات الطيبة ما جاء في قوله ﷺ : «أحب الأسماء إلى الله تعالى: عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها: حارث وهمام ..» (١). حيث يصدق على المرء من واقع حاله في هذه الحياة أن يصيبه الهم لأمر، فتئور فيه الهمة إليه، فيسعى ويحرث ويكتسب، وكلا الاسمين يدلان على الكدح وتجديد الإرادة ومواصلة العمل. إن الرسول ﷺ خُوطب من بدايات الدعوة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢] ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢]، وحين كان يُدعى بعدها إلى النوم يقول لسان حاله: مضى عهد النوم، ويقول صاحب الظلال في ذلك: (علم رسول الله ﷺ أنه لم يعد هناك نوم، وأن هناك تكليفًا ثقيلًا، وجهادًا طويلًا، وأنه الصحو والكد والجهد .. قيل لرسول الله ﷺ : قم فقام وظل قائمًا بعدها أكثر من عشرين عامًا .. إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحًا، ولكنه يعيش صغيرًا، ويموت صغيرًا، فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء فما له والنوم؟ وما له والراحة؟ وما له والفراش الدافئ، والعيش الهادئ، والمتاع المريح؟) (٢).

стр. 111

إذا كان قوم موسى حين دُعوا للجهاد ولدخول لأرض المقدسة التي كتب الله لهم قعدت بهم الهمم، فقالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، فإن أمة محمد ﷺ أبت همَّتُها إلا أن تقول: «اذهب أنت وربك فقاتلا إننا معكما مقاتلون» (١). لقد كان ضعف الهمة صفة مميزة للمنافقين والمتخلفين الذين فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، وقالوا: ﴿لَا تَنفِرُوا فِي الحَرِّ﴾ [التوبة: ٨١]. وصدق سيد قطب حيث قال: (.. والصف الذي يتخلله الضعاف المسترخون لا يصمد؛ لأنهم يخذلونه في ساعة الشدة) (٢). فلذلك لا بدَّ أن تكون الهمة صفة أصيلة في أخلاق أبناء هذا الدين؛ لكي يكونوا أقدر على الثبات والاحتمال والصمود. إن العرب في الجاهلية كان عندهم من الهمة في تحمل المسؤولية ما نحن بحاجة إلى إحيائه واستنهاضه، ففي قصة بيعة العقبة الثانية حين اشترط رسول الله ﷺ : «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل ..» (٣)، فبايعوه على جميع شروط البيعة، فقام أسعد بن زرارة وهو من أصغرهم، يريد أن يستوثق من همتهم، وأن يَلفِت

стр. 112

نظرهم إلى التضحيات التي تنتظرهم، فقال: (رويدًا يا أهل يثرب! فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ﷺ ، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تَعَضَّكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جبينة، فبيِّنوا ذلك، فهو عذر لكم عند الله، قالوا: أمطِ عنَّا يا أسعد! فوالله لا نترك هذه البيعة أبدًا ..) (١). وإن السعي في أبواب الخير ليقتضي همة ونشاطًا واندفاعًا، وعبر عن ذلك رسول الله ﷺ بقوله: «.. وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث، وترفع بشدة ذراعَيْك مع الضعيف، كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك ..» (٢). وصاحب الهمة حريصٌ على أن ينصب ويتعب في إنجاز ما كلف به، حتى إذا فرغ منه قام بواجب آخر من الواجبات الكثيرة التي لا تجد لها حملة، فقد قام زيد بن ثابت حين رشَّحه أبو بكر لجمع القرآن بأداء ما طُلب منه، مع أنه قال: (فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن) (٣)، وأدى الذي عليه رضى الله عنه. وحين كلف رسول الله ﷺ زيدَ بن ثابت بتعلم لغة اليهود، تدفقت فيه الهمة، فكان من ثمارها ما عبر عنه بقوله: (فتعلمت

стр. 113

كتابهم، ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقتُه، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب) (١)، وفي رواية أخرى أنه كُلِّف بتعلم السريانية، فتعلمها في سبعة عشر يومًا، ومثل هذه الطاقة لا تتوفر إلا إذا كان وراءها همة قوية ونشاط عال. ومن صور الهمة: الثبات على الخير، والاستمرار فيه، والدوام عليه، وهذا شأن رجال القدوة في كل زمان، سئلت عائشة ﵂ عن عمل رسول الله ﷺ فقالت: (كان عمله ديمة، ويكم يستطيع ما كان النبي ﷺ يستطيع؟) (٢). والتأخير والتسويف صورة من صور الضعف البشري التي قد تعتري صاحب الهمة، فيفوته خير كثير، وهذا ما أحرق قلبَ كعب بن مالك إذ فاته الغزو مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وهو مطمئن بأنه مستعد ومتجهز ولديه عدته، ثم وهو يحدث نفسه بأنه يمكن أن يلحق به ويدركه، ثم كان أن قال: (وتفارط الغزو - أي فات وقته - وهممت أن أرتحل فأدركهم - ليتني فعلت - فلم يُقدَّر لي ذلك ..) (٣). وعاش بعدها كعب فترة من العذاب النفسي حينما رجع

стр. 114

رسول الله ﷺ ، ثم خمسين يومًا من الهجران، إلى أن نزلت توبته، عاش كل ذلك الضيق نتيجة تباطؤ وقع فيه، أو تسويف انزلق إليه. وصاحب الهمة سباق إلى الخيرات في أغلب الأوقات، وكذلك كان أصحاب رسول الله ﷺ ، وكلما ضعف الإيمان ضعفت معه الهمة إلى الطاعات، ومن تصوير سيد قطب لنفسية المنافقين الكسالى قوله: (إن هؤلاء لهم نموذج لضعف الهمة، وطراوة الإرادة، وكثيرون هم الذين يشفقون من المتاعب، وينفرون من الجهد، ويؤثرون الراحة الرخيصة على الكدح الكريم، ويفضلون السلامة الذليلة على الخطر العزيز، وهم يتساقطون إعياء خلف الصفوف الجادة الزاحفة ..) (١). ويحدو المسلم ويجدد همته تذكر ما أعده الله له من الأجر والرضا والنعيم، وهذا ما عبَّر عنه ابن القيم بقوله: (كلما سكنت نفسه من كلال السير ومواصلة الشد والرحيل، وعدها قرب التلاقي، وبرد العيش عند الوصول، فيحدث لها ذلك نشاطًا وفرحًا وهمة، فهو يقول: يا نفس، أبشري فقد قرب المنزل، ودنا التلاقي، فلا تنقطعي في الطريق دون الوصول، فيحال بينك وبين منازل الأحبة ..) (٢). ولابد لصاحب الهمة من أن يكون معلق القلب بالله، مخلصًا له، فنفوس الأشقياء ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٣، ٤] وتكون النار بعد كل السعي والجهد المشوب بالرياء أو الشرك حرقة بعد حرقة. وأما في الدنيا فإن أهل الهمة يجدون أنفسهم مدفوعين من داخل قلوبهم إلى أمرٍ ملك عليهم أفئدتهم،

стр. 115

وأمثال هؤلاء غالبًا يظفرون بما سعَوا إليه، ويحققون ما حرَصوا عليه، ويعبر عن ذلك ابن القيم بقوله: (فتلك هي الهمة العالية التي لا يقدر معها على المهلة، ولا يتمالك صبره .. ولا يلتفت عنها .. وصاحب هذه الهمة سريع وصوله، وظفره بمطلوبه) (١). والداعية الحريص على سرعة الوصول والظفر بالمطلوب بابه الهمة، فنعوذ بالله من العجز والكسل، ونسأله سبحانه النشاط لما يرضيه. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - لفرط همة الصحابة كان رسول الله ﷺ يردهم إلى ما يطيقون. - استعاذته رسول الله ﷺ من العجز والكسل. - نصوص كثيرة تدعو إلى المسابقة والمسارعة وهذا لا يكون بغير همة. - من أصدق الأسماء عند الله: حارث، همام. - من بداية الدعوى كانت التكليفات تقتضي همة عالية. - ضعف الهمة كان صفة مميزة للمنافقين. - كان لدى عرب الجاهلية من الهمة ما أهلهم لحمل الرسالة. - أعمال البر لا تنجز إلا بالهمة، والهمة تولد القدرة. - من صور الهمة: - الدوام على عمل الخير. - عدم التسويف والتأخير. - عدم إيثاب الراحة والسلامة.

стр. 116

- معرفة ما أعد الله من الأجر، يشحذ الهمة للعمل. - الهمة بغير إخلاص شقاء ونصب في الدنيا والآخرة.

стр. 117

الفصل السادس التيسير

стр. 118

«يسروا ولا تعسروا». بما أن الداعية لا بدَّ أن يختلط بالناس، فلابد أن يصبر على أذاهم، وأن يجنبهم أذاه، فلا يعسر عليهم حيث يمكن التيسير، ولا يشق عليهم حيث يمكن التخفيف. خلق التيسير يعني: قابلية الشخص للتنازل والأخذ بالأيسر، طالمًا أن التيسير ممكن ولا حرج منه شرعًا، وإن الأمة التي تعد أبناءها ليكونوا مجاهدين، تعدهم أيضًا ليكونوا ميسرين، لا يتعنتون في طريقهم إلى الجهاد بما يفسد عليهم قلوبهم، أو يعكر صفو علاقاتهم، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «الغزو غزوانِ: فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، ويَاسَر الشريك، واجتَنَب الفساد، فإن نومه ونُبْهَه أجر كله، وأما من غزا فخرًا ورياءً وسمعةً، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف» (١). يقول الخطابي في شرح الحديث: (ياسر الشريك: معناه الأخذ باليسر في الأمر، والسهولة فيه مع الشريك والصاحب والمعاونة لهما) (٢)، فالمياسرة إحدى الأخلاق التي تجعل كل الأعمال المباحة للمجاهد مأجورة. ولفظ المياسرة يوحي بأن قابلية التيسير قائمة في كلا الطرفين المتصاحبين.

стр. 119

ولِمَا لشخصية الداعية الميسِّر من كبير الأثر في المدعوين، فقد حمل رسول الله ﷺ هذه الوصية للصحابيين - أبي موسى ومعاذ بن جبل ﵄ قبل إرسالهما إلى اليمن: «بشِّرا ويسِّرا وعلِّما ولا تُنفِّرا - وأراه قال - وتطاوعا» (١). وفي ترجمة باب عند البخاري أن النبي ﷺ (كان يحب التخفيف والتسري على الناس) (٢). ولم يكن صلوات الله وسلامه عليه يقبل من أصحابه أي نوع من الغلظة والجفاء والإحراج، وإنما يقول لهم كما جاء في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، فثاروا عليه، وكادوا يعقون به: (دعوه، وأهريقوا على بوله ذَنُوبًا من ماء؛ فإنما بعثتُم ميسِّرين، ولم تبعثوا معسِّرين) (٣)، والرسول ﷺ كان أكبر مثلٍ في التعامل باليسر وعدم الأخذ بالشدة، وهذا ما وصفته به السيدة عائشة ﵂ بقولها: (ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما؛ ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه ..) (٤) وقال عن نفسه صلوات الله وسلامه عليه: «.. إن الله لم يبعثني مُعنِّتًا ولا مُتعنِّتًا ولكن بعثني معلمًا ميسرًا» (٥).

стр. 120

ولقد كان رسول الله ﷺ وهو في صلاته يحسب حساب من يأتمون به؛ ألا يشق عليهم، وإذا توقع الحرج ولو لواحدٍ ممن خلفه اختصر تيسيرًا ورفعا للحرج، ومن ذلك قوله: «إني لأقومُ إلى الصلاة وأنا أريد أن أطولَ فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوَّز كراهيةَ أن أشقَّ على أمه» (١)، وكان ﷺ يغضب ممن يطيل بالناس في الصلاة، ويعتبرهم منفرين، أو فتانين .. وذلك ليتشرَّبوا منه خُلق التيسير، وهو من أهم ما يتحلى به الداعية المسلم. وقدوتنا برسول الله ﷺ تقتضي منا أن نختار الأيسر للناس، ونقبل به، وإن كان فيه تنازل عن حق من حقوقنا، فتلك المياسرة في الدنيا طريق لتحصيل التيسير والمغفرة من الله في الآخرة، كما في الحديث: «يُؤتَى برجل يوم القيامة فيقول الله: انظروا في عمله، فيقول: رب ما كنت أعمل خيرًا، غير أنه كان لي مال، وكنت أخالط الناس؛ فمن كان موسرًا يسرت عليه، ومن كان معسرًا أنظرته إلى ميسرة، قال الله : أنا أحق مَن يسَّر فغفر له ..» (٢)، لم يعمل من الخير إلا أنه كان مياسرًا للناس، مخففًا عليهم، سمحًا معهم، فنال بذلك المغفرة، والتيسير حبيب إلى الله، حبيب إلى خلق الله. وقد ورد في شمائله ﷺ أنه: «كان يحب ما خف على الناس» (٣)، «إن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل

стр. 121

به؛ خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم» (١). ويقول البخاري: (.. وكانت الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداءً بالنبي ﷺ (٢). ومن التزم التيسير على الناس، ورفع الحرج عنهم، فقد تكفل الله له بالوقاية من النار، وبغفران الذنوب، كما في قوله ﷺ : «حُرِّم على النار كلُّ هيِّن ليِّن سهل قريب من الناس» (٣)، و «غفر الله لرجل كان من قبلكم سهلًا إذا باع، سهلًا إذا اشترى، سهلًا إذا قضى، سهلًا إذا اقتضى» (٤). سر هذه المغفرة أن السهولة واليسر طبعت تصرفاته كلها، وطبيعة هذا الدين التيسير، ومن قواعده الشرعية رفع الحرج، فما كان أيسر كان أرضى لله، يقول الإمام الشعبي: (إذا اختلف عليك أمران فإن أيسرهما أقربهما إلى الحق)؛ لقوله تعالى: ﴿.. يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ...﴾ [البقرة: ١٨٥] (٥)، ولأن ديننا قائم على رفع العنت: «إن الدين يسر» (٦). ومن يُسر الداعية مع الناس أن يأمرهم بما يُطيقون، مثلما كان حال النبي ﷺ ، ومن يُسر المفتي مع الناس ألا يقصد إيقاعهم فيما يشق عليهم من خلال التنقيب والمساءلة، وفي ذلك يقول ابن العربي

стр. 122

في أحكام القرآن: (إذا جاء السائل عن مسألة فوجدتم له مخلصًا فيها فلا تسألوه عن شيء، وإن لم تجدوا له مخلصًا فحينئذٍ اسألوه عن تصرف أحواله وأقواله ونيته عسى أن يكون له مخلص) (١). وقد وصف ابن مسعود ﵁ جيلَ الصحابة بأنهم تميزوا بالبعد عن التكلف، والعمل بما تيسر (.. أفضل هذه الأمة: أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلُّفًا) (٢). والتيسير خير، وثمارُه بركة، ولذلك أخبر النبي ﷺ أن الخيرية والبركة في المرأة التي اتصفت بـ تيسير خطبتها وتيسير صداقها» (٣)، وفي رواية: «خير النكاح أيسره» (٤)، لكي يميل الناس إلى البساطة، وعدم المبالغة في المهور والأفراح؛ بما يُرهِق الراغبين في العفَّة، ويسد أبواب التحصين، ويفتح أبواب الانحراف. وبعض الناس قد يشق على نفسه بالأخذ بالعزيمة؛ حيث تُباح له الرخصة، وبالمبالغة في نوافل الطاعات، ثم قد ينفرط حبله، وتملُّ نفسه، وتفتر همَّته، ولا يدوم على عمله هذا، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة، وخير دينكم اليسرة» (٥)، وفي

стр. 123

رواية: «إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره» (١)، فليس خير الدين ما كان فيه التنطع أو الغلو أو التعنيت، وإنما هو اليسر والسهولة والسماحة. ومن الصور العملية التي تبين أثر تربية رسول الله ﷺ لصحابته على خلق التيسير: أن ابن عباس ﵁ حين رأى المطر متواصلًا وغزيرًا يوم الجمعة، خشي على الناس التخبط في الطين، أو الانزلاق بسببه، فقال للمؤذن أن يقول بدلًا من (حي على الصلاة): (صلُّوا في بيتوكم)، فكأن الناس استنكروا ذلك، واعترضوا عليه، فقال ابن عباس: (فعله مَن هو خير مني، إن الجمعة عَزْمةٌ، وإني كرهتُ أن أحرِّجكم في الطين والدَّحض) (٢)، وهذا شأن العلم والعلماء، ولا تجد التشديد - غالبًا - إلا مع الجهل والجهال. ولذلك قال مَعْمَر وسفيان الثوري: (إنما العلم أن تسمع بالرخصة من ثقة، فأمَّا التشديد فيحسنه كل أحد) (٣). والقصد إلى التشديد ليس من شأن النفوس السوية، ولا يكون من مطالب الشرع ولا من مقاصده، ولذلك يقول الشاطبي: (المشقة: ليس للمكلف أن يقصدها .. وله أن يقصد العمل الذي يعظُم أجره لعظم مشقته من حيث هو عمل .. فإذا كان قصد المكلف إيقاع المشقة فقد خالف قصد الشارع، من حيث إن الشارع لا يقصد بالتكليف

стр. 124

نفس المشقة، وكل قصد يخالف قصد الشارع باطل ..) (١)، ونفس المعنى عبر عنه - بصورة أخرى - العز بن عبد السلام فقال: (لا يصح التقرب بالمشاق؛ لأن القُرب كلها تعظيم للرب ، وليس عين المشاق تعظيمًا ولا توقيرًا) (٢). وبذلك نرى أن اختلاق القيود للناس، وافتعال العُقد، وإلزام الآخرين بالعزائم، والإثقال بالمواعظ، والإكثار من التكاليف .. فيه مجانبة لطبيعة الحنيفية السمحة، ومناقضة لما دعا إليه ديننا من التيسير، ومخالفة لما تميَّزت به الشريعة الإسلامية من رفع الحرج (٣)، وإنه لمن عوامل نجاح الداعية أن يجنح إلى التيسير فيما يأخذ به الناس، ثم ليأخذ نفسه بما يطيق أن يداوم عليه. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - التيسير: تنازل إلى ما هو أيسر على الناس، فيما يرضي الله. - من صور التيسير: - مياسرة الشريك في الجهاد. - التيسير على المدعوين. - التيسير على الجاهل حتى يتعلم.

стр. 125

- التيسير على المؤتم بعدم التطويل. - التنازل عن حق شخصي للتيسير. - الله يحب التيسير، ورسوله كذلك، والخلفاء من بعده. - التيسير وقاية من النار، وغفران للذنوب. - التيسير أقرب إلى الحق؛ لأن الله يريده. - من تيسير الداعية يسره في الفتوى، وتكليف الناس بما يطيقون. - من بركة المرأة يسر نكاحها وصداقها. - التيسير وقاية من الغلو (وخير دينكم اليسرة). - تجد التعسير حيث وجد الجهل. - تعمّد المشقة خلاف قصد الشرع؛ فلا يصح التقرب بالمشاق. - تميزت الشريعة برفع الحرج فلماذا نميل إلى التعنت.

стр. 126

الفصل السابع تقديم النفع

стр. 127

«أَحبُّ الناس إلى الله أنفعُهم» (١) نرى كثيرًا من الطاقات المدفونة بين جوانح أصحابها، ونلمس جوانب من الخير كامنة في نفوس أربابها، ولكنها غير متعدية إلى الآخرين لا بنفع ولا إفادة. وكم تكون الصورة محزنة حين تجد فقيهًا بصحبة جاهل لم يُفِدْه من فقهه، وقارئًا برفقة أُميٍّ لم ينفعه بحسن تلاوته، وعابدًا بجوار فاسق ولم يتعدَّ إليه شيء من صلاحه. الدعوة نفسها نفع عام، فحين دخل أبو ذر في الإسلام كان من حديث رسول الله ﷺ معه أن قال له: «فهل أنت مُبلِّغ عني قومك؛ لعل الله أن ينفعهم بك، ويأجرك فيهم» (٢)، وكانت التربية الأولى لحديث الدخول في الإسلام تربية على الدعوة، والحرص على تعدِّي نفعه إلى الآخرين. وكان خالٌ لجابر بن عبد الله يَرقِي من العقرب، فقال: (يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقي، وإني أرقي من العقرب)، وكأنه يستأذن في ذلك، فقال رسول الله ﷺ : «من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل» (٣)، ومع التشديد الوارد بشأن السحر، فقد أفتى سعيد بن المسيب بجواز

стр. 128

الاستعانة بساحر في حل السحر عن المصاب به، وقال في ذلك: (لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم يُنهَ عنه) (١)، فالأصل في المسلم أنه يسعى لنفع الناس لا أنه يمنع النفع عنهم (٢). وتجد بعض النفوس أحيانًا تمتنع عن الإقدام على أعمال لا تضرها، مع أن فيها نفعًا لغيرِها، اقتصارًا على مصالحها الشخصية في حدود ذواتها واهتماماتِها، وليس هذا من شأن المسلم، ولذلك عنَّف عمر بن الخطاب ﵁ محمد بن مَسْلَمة لما منع الضحَّاك بن خليفة من حفر ساقية ماء تصل إلى أرضه مارَّة بأرض محمد بن مسلمة، فقال عمر: (لِمَ تمنع أخاك ما ينفعه، وهو لك نافع، تسقي به أولاً وآخرًا، وهو لا يضرك .. والله ليَمُرَّنَّ به ولو على بطنك) (٣). إن الأصل في المسلم أنه يسعى إلى تقديم الخدمة لمن يحتاجها، والنصيحة لمن يجعلها، والمنفعة إلى مَن هو أهل لها، بمبادرة منه وحرص من طرفه، ورسولُنا ﷺ كان يسعى إلى العباس ليقول له: "يا عم! ألا أحبوك؟ ألا أنفعك؟ ألا أصلك؟ .. " (٤)، وعلَّمه صلاة التسبيح، وهكذا كان يعرض نفسه للنفع، ويعلم الناس النفع، وكان من وصية رسول الله ﷺ لأبي برزة حين جاءه يقول: يا رسول الله،

стр. 129

علِّمني شيئًا ينفعني الله ﵎ به، قال له: «انظر ما يؤذي الناس فأعزله عن طريقهم» (١)، ومثل هذه الخدمات تُنمِّي في نفس الداعية التواضع، وتعمق في نفسه معاني الخير، وتجعل المجتمع من حوله يرى فيه حرصًا عمليًّا على كل ما يعود عليهم بنفع، أو يدافع عنهم ضررًا. وإذا ما تذكَّر المؤمن نعمة الله عليه بالهداية، وذاق حلاوة الإيمان ونعيم الطاعة، فلن يبخل بالكلمة الطيبة؛ ليستنفذ بها أناسًا مازالوا محرومين مما ذاق، ومحجوبين عمَّا عرَف، ولذلك ضرب ﷺ مثلًا بالأرض الطيبة التي قبلت الغيث فأنبتت، فقال: «فذلك مثل من فقه في دين الله ، ونفعه الله بما بعثني به، ونفع به فعلم وعلَّم ..» (٢)، والداعية الحريص هو الأرض الطيبة التي تشرَّبت الخير وجادت به. ولم يكن رسول الله ﷺ ليتركَ فرصة ركوب غلام - كابن عباس - خلفه دون أن يزيده انتفاعًا بما يربِّيه ويملأ وقت الطريق، فقال له: «ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، احفظ الله يحفظك ..» (٣)، واصطبغ الصحابة ﵃ بهذا الخُلُق، وكان هذا شأن أبي هريرة مع أنس بن حكيم حيث قال له: (يا فتى، ألا أحدثك حديثًا لعل الله أن

стр. 130

ينفعك به؟ .. إن أول ما يُحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة .. " (١). ونفعُ الأقربين أكثر وجوبًا وأعظم أجرًا. قال أبو قلابة: (وأي رجل أعظم أجرًا من رجل ينفق على عيال صغار؛ يُعفُّهم أو ينفعهم الله به، ويعينهم الله به ويغنيهم!) (٢)، وهذا الاهتمام بالأقارب كسبٌ لقلوبهم، وصلةُ رحمٍ، ورمز وفاء، وعنوان محبة، ودليل رحمة، خاصة حين يكون فيهم أطفال صغار، يفتقدون الرعاية والحنان وأهم الحاجات البشرية. إن أبواب النفع كثيرة، أجمَلَها رسول الله ﷺ بقوله: «على كل مسلم صدقة»، وضرب لها بعض الأمثلة بحسب القدرة: «فيعمل بيديه، فينفع نفسه ويتصدق .. فيعين ذا الحاجة الملهوف ..»، وإن لم يفعل المسلم شيئًا من ذلك: «فليُمسِك عن الشر فإنه له صدقة» (٣)، وهذه أدنى مراتب النفع التي لا ينبغي لمؤمن أن ينزل عنها، ولا يليق بداعية أن يقف عندها. والجهاد أعلى مراتب النفع، والعزلة أدناها، سأل أعرابي: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال: «رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل في شِعْب

стр. 131

من الشِّعاب، يعبد ربه، ويدع الناس من شره» (١)، فالذي جاهد نفع الناس بتضحيته بروحه، وجوده بماله، لحمايتهم ولإرهاب عدوهم، وهذا أكبر الخير، والناس يتفاوتون في الخير ما بين منزلة المجاهد ومنزلة المعتزل الكافِّ لشره عن الناس. وتعظم المسؤولية ويثقل العبء على من تولى أمر بضعة من المسلمين؛ لأنه أقدر على دفع الضر أو جلب النفع بما أوتي من سلطان إمرة وحق الطاعة، وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ : «.. فمَن ولي شيئًا من أمة محمد ﷺ فاستطاع أن يضرَّ فيه أحدًا، أو ينفع فيه أحدًا، فليقبَل من محسنِهم، ويتجاوز عن مسيئهم» (٢)، بحيث يبقى أمره يدور بين تكريم محسنهم، والعفو عن مسيئهم، أي بين تقديم نفع، أو دفع أذى؛ لأن أهل الإمرة كثيرًا ما يجورون وهم لا يشعرون، فإذا ما وضعوا نُصب أعينهم مهمة جلب المنفعة ودَرْء الأذى عصموا أنفسهم من الزلل بإذن الله. ومن الصور العملية لخلق النفع ألا تستبقي أرضًا تملكها دون خدمة ولا زراعة، مع وجود أخٍ لك عاطل عن العمل يستطيع أن يستخرج خير الأرض، وأن ينتفع بها، وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ : «مَن كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يزرعها فليُزرِعها أخاه» (٣)، وكم

стр. 132

لدى المسلمين من قدرات معطَّلة، وثروات مكنوزة، وطاقات مهدورة، ولا نلتفت إلى التفكير في استغلالها؛ فيما يعود بالنفع على المسلمين! أفلا تجود بعلمك، وتتصدق بعرقك، وتعين بسعيك؛ لتكون دائمًا ممن جعله الله مفتاحًا للخير، مِغلاقًا للشر، وعندئذٍ بُشراك الجنَّة كما في الحديث: «.. فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه» (١). ولدوام النفع بأمثال هؤلاء لا بدَّ من تعزيزهم بالمال والسلطان، وقد ذكر النسائي - عقب حديث في كتاب قسم الفيء - طريقة قسمة سهم النبي ﷺ من الغنائم بعد وفاته، فقال: (وسهم النبي ﷺ إلى الإمام: يشتري الكراع منهم، والسلاح، ويُعطي منه مَن رأى، ممن رأى فيه غناءً ومنفعة لأهل الإسلام، ومن أهل الحديث والعلم والفقه والقرآن) (٢). وقد جعل النبيُّ ﷺ المؤمنَ مثلًا في دوام النفع به، وشبَّه النخلة به لدوام خضرتها وإمكانية الانتفاع بكل ما فيها، فقال: «إني لأعلم شجرة يُنتفع بها مثل المؤمن» (٣)، والمؤمن يحرص على تقديم خيره إلى الناس لوجه الله، وابتغاء مرضاته، ولا تتحكم به مشاعر شخصية، أو مواقف عارضة، وقد عاتب ربُّنا أبا بكر ﵁ حين

стр. 133

حلف ألا يُنفِق على مِسْطَح بن أُثاثة لمشاركته في حديث الإفك (فحلف أبو بكر ألا ينفع مِسطحًا بنافعة أبدًا)، فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٨] قال أبو بكر: (بلى والله، إنا لنُحب أن يغفر لنا) (١)، وأعاد النفقة على مسطح. إذا كنت تحب أن يغفر الله لك، فهيَّا إلى مزيد من الدعوة والنصح والإفادة والنفع، واستغلال الأوقت والطاقات .. فإنه كما قال رسول الله ﷺ : «خيرُ الناس أنفعهم للناس» (٢). خلاصة هذا الفصل وعناصره: _ إذا لم يَقُمِ المؤمن بتقديم النفع لم يتعدَّ خيره إلى غيره. - «مَن استطاع أن ينفع أخاه فليفعل». - المبادرة بتقديم النفع قبل طلبه. - اغتنام كل الأوقات في توصيل الخير. - أوجب النفع ما كان للأقربين. - من لم يقدر أن ينفع، فليحرص ألا يضر. - أعلى النفع الجهاد، وأدناه العزلة. - يعظم النفع بعظم المسؤولية، والضرر كذلك. - في النفع اغتنام للطاقات المهدرة لمصلحة مَن يحتاجها. - يعظم النفع بتأييده بالمال والسلطان.

стр. 134

- من مزايا المؤمن: دوام خيره وكثرة نفعه. - النافع خير الناس.

стр. 135

الباب الثالث من أخلاقنا في الأخوة الفصل الأول: الحب والتآخي. الفصل الثاني: التكافل. الفصل الثالث: الصراحة الفصل الرابع: الألفة. الفصل الخامس: التنافس الشريف. الفصل السادس: التعاون.

стр. 136

الفصل الأول الحب والتآخي

стр. 137

«وكونوا عباد الله إخوانًا». العَلاقة بين الحب والتآخي عَلاقة وثيقة، لحمتها العقيدة، فكل من عقد الله بينك وبينه عقد الأخوة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ....﴾ [الحجرات: ١٠]، يستحق منك مبادلته بلوازم الحب في الله، وكل من يعاملك بالمحبة الإيمانية، يستوجب عليك حقوق الأخوَّة الإسلامية. في مقام النهي عن بعض صور الإساءة إلى المسلم، أو الأمر ببعض صور التكافل والتعاون والتراحم، كان رسول الله ﷺ يشفع توجيهاته تلك بقوله: «.. وكونوا عباد الله إخوانًا» (١)، ويُبيِّن القرطبي معنى الأخوة المقصود في الحديث بقوله: (اكتسبوا ما تصيرون به كإخوان النسب؛ في الشفقة والرحمة، والمواساة والمعاونة والنصيحة) (٢). والميزان الضابط لمفهوم الأخوَّة، والذي لا يتم الإيمان إلا به، ما بينه رسول الله ﷺ بقوله: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبدٌ حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير» (٣)، ويعلق الكرماني بقوله: (ومن الإيمان أيضًا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر، ولم يذكره؛ لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه اكتفاء) (٤).

стр. 138

ويُعرِّف النووي المحبة بأنها: (الميل إلى ما يوافق المحب) (١). ويزيد ابن حجر: (والمراد بالميل هنا الاختياري دون الطبيعي والقسري .. والمحبة إرادة ما يعتقده خيرًا) (٢). ومن القديم كان الناس يحرِصون على أخوة صادق في المحبة؛ ليُؤثِروه على أنفسهم، ومما أدرجه رسول الله ﷺ من العبارات المتداولة في عصره: «اللهم أبغني حبيبًا هو أحب إلي من نفسي» (٣). وكان الحرص على المحبة والتآخي، يدفع رجلًا مثل أبي هريرة ﵁؛ لطلب الدعاء من رسول الله ﷺ ، لنفسه ولأمة، بالمحبة المتبادلة مع المؤمنين، فدعا له رسول الله ﷺ : «اللهم حبِّب عُبَيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبِّب إليهم المؤمنين ..» (٤). والأصل في الحب أو البغض أن يكون لكل ما يحبه الله، أو يبغضه، فالله يحب التوَّابين والمتطهِّرين، والمحسنين والمتقين، والصابرين والمتوكلين، والمقسطين، والمقاتلين في سبيله صفًّا، ولا يحب الظالمين والمعتدين، والمسرفين والمفسدين، والخائنين والمستكبرين. كما أن الأصل في الحب أن يكون عامًّا لجميع المؤمنين، ويتفاوت تبعًا لصلاحهم، فلا نستطيع أن نناصب العداء لمن وقع في معاصٍ تاب منها، أو حُدّ فيها، ومازال رغم معاصيه في دائرة الإسلام، فقد نهى رسول الله ﷺ عن لعن صحابي أقيم عليه حدّ الخمر - مرارًا - فقال:

стр. 139

«لا تلعنوه، فوالله، ما علمت أنه يحب الله ورسوله» (١)، واستنبط منه ابن حجر (أن لا تنافي بين ارتكاب المنهي وثبوت محبة الله ورسوله في قلب المرتكب، وأن من تكررت منه المعصية، لا تنزع منه محبة الله ورسوله) (٢). وفي حديث آخر دعا بعض الصحابة على رجل سكران أن يخزيه الله، فكانت لفتنة النبي ﷺ المفعمة بالحب والأخوة أن: «لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم» (٣)، ليَلفِت أنظارهم للدعوة له بالمغفرة، والتوجُّه إليه بالنصح، بدل الدعوة عليه فيما يُفرح الشيطان، ويقوِّيه عليه. وفي الأثر: أن أبا الدرداء ﵁ مر على رجل قد أصاب ذنبًا، فكانوا يسبُّونه فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قَليب، ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى، قال: فلا تسبُّوا أخاكم، واحمَدوا الله الذي عافاكم، قالوا: أفلا تُبغِضه؟ قال: إنما أُبغِض عمله، فإذا تركه فهو أخي (٤)، وكم من أواصر الأخوة قطعت! وكم حقنت القلوب بالعداوة والغيظ لاجتهاد خاطئ! مع أن في الأمر سَعَة للحفاظ على مودة وأخوة من وقع في المعصية، فكيف بأخوة مَن زلَّ في رأي أو انزلق في اجتهاد؟! ذلك لأن مصدر الأخوَّة ومنبع الحب مازال قائمًا فيه؛ ألا وهو إكرام عقيدة الإيمان التي يحملها، وكلمة التوحيد التي يدعو

стр. 140

إليها، وقد جاء في الحديث: «ما أحب عبدٌ عبدًا لله إلا أكرم ربه» (١). إن الله جعل الحب في الله والبغض في الله أوثقَ عرى الإسلام، وفي رواية: «أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله » (٢). إن الإيمان لا يكمل إلا بصدق هذه العاطفة، وإخلاص هذه الرابطة: «مَن أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (٣)، ومن أراد أن يشعر بلذة مجاهدة الشيطان، وحلاوة التجرد من الأهواء، وعظمة معاني الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، فهذا هو الطريق: «ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر - بعد إذ أنقذه لله منه - كما يكره أن يُلقى في النار» (٤)، وقد جعل رسول الله ﷺ المفاضلة بين الأخوين المتحابِّين، بمدى حب كل منهما لأخيه: «ما تحابَّ اثنانِ في الله تعالى، إلا كان أفضلهما أشدهما حبًا لصاحبه» (٥)، وإن دخل لشيطان بينهما يومًا من الأيام، فليراجع كل منهما قلبَه، وليحاسب نفسَه، لقوله ﷺ «ما توادَّ اثنان في الله فيفرق بينهما إلا بذنب

стр. 141

يُحدِثه أحدهما» (١). ومن المداخل التي يحاول الشيطان أن يلجَ منها؛ للقطيعة بين الأخوين: أن يوسوس لأحدهما، بإثارة أحاسيس الغَيرة من العَلاقة مع شخص آخر، وتأويل هذه العَلاقة بأنها لمزيد محبة تفوق ما بينهما، وقد تكون من نوع ما ضرب له رسول الله ﷺ مثلًا بقوله: «إني لأعطي الرجل، وغيرُه أحبُّ إليَّ منه، خشيةَ أن يُكَبَّ في النار على وجهه» (٢)، فتألَّف قلب حديث عهدٍ بالهداية، قد يحتاج عناية خاصة، ينبغي ألا تستثير الآخرين. وقد يعتب الأخ على أخيه لم لا يستعمله، ولا يثق بقدراته ولا يؤمره ولا يكلفه؟ ويظن ذلك من ضعفِ محبته له مع أن ذلك لا علاقة لخ بجب أو بغض، وبصراحة المؤمن قال رسول الله ﷺ لأبي ذر: «يا أبا ذر، أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرَّن على اثنين، ولا توَّلين مال يتيم» (٣). وللترغيب في الحب في الله بشر الله المتحابين بإكرامِهم عند هول الموقف والحساب، بأن يظلهم في ظل العرش، ومن الأصناف السبعة المخصومة بهذه المزية - كما في الحديث -: «.. ورجلان تحابَّا في الله، فاجتمعا على ذلك، وافترقا عليه ..» (٤). ويقول الله فيهم - كما في

стр. 142

الحديث القدسي -: «حُقَّت محبتي للمتحابين فيَّ، وحُقَّت محبتي للمتواصلين فيَّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيَّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيَّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيَّ، المتحابون فيَّ على منابر من نور، يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء» (١). هذا بالإضافة إلى البُشرى لمن أحب الصالحين أنه سيحظى بالحشر معهم، كما في الحديث الصحيح: «المرء مع من أحب» (٢). ولكي يكون مجتمع المسلمين متعاونًا على البر، وغارسًا لمعاني الخير، فقد وردت أحاديث كثيرة، تحث على إعلام الأخ الذي له في نفسك منزلة خاصة، ومحبة متميزة فوق الأخوَّة العامة لجميع المؤمنين - بأنك تحبه، ومن ذلك قوله ﷺ : «إذا أحب أحدكم صاحبه فليأته في منزله، فليخبره أنه يحبه لله» (٣)، وزاد في رواية «فإنه أبقى في الألفة، وأثبت في المودة» (٤). ومن علامات صدق الأخوَّة وصفاء الحب: أن تحسب حساب أخيك فيما تجره إلى نفسك من نفع، أو ترغب بدفعه عن نفسك من مكروه، وفي وصية رسول الله ﷺ لأبي هريرة: «وأحب للمسلمين والمؤمنين ما تحب لنفسك وأهل بيتك، وأكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك، تكن مؤمنًا ..» (٥)، وعندئذٍ ينطبق على الإخوة قول رسول

стр. 143

الله ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (١). ومن الصور المفجرة لمعاني الحب تبادل العَلاقات الأخوية، والإكثار من الصلات الودية، من نوع ما عبر عنه رسول الله ﷺ بقوله: «تصاحفوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء» (٢)، وكم تذيب الهدية من رواسب الحقد، وكم يمحو البَدْء بالسلام من وحر الصدور؛ حيث لا تكون المصافحة مجرد تلامس للأكف، ولا إلقاء السلام مجرد ألفاظ تتحرك بها الشفاه، وإنما حيث يكون السلام بمعناه الأوسع والأعم، الذي يؤهلنا لدخول الجنة، ويحقق المحبة بيننا، وذلك ما عبر عنه رسول الله ﷺ بقوله: «والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أَوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (٣). ومما يعبر عن صدق الأخوة وحقيقة الألفة: ما تقدمه لأخيك من دعوات صالحات، حيث لا يسمعك ولا يراك، وحيث لا شبهة للرياء أو المداهنة، كما في قوله ﷺ : «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل» (٤). يقول النووي: (وكان بعض السلف إذا

стр. 144

أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوة؛ لأنها تستجاب ويحصل له مثلها) (١). وللأخوة حقوقها في الدنيا: من تشميت العاطس، وعيادة المريض، وإجابة الدعوة، وإلقاء التحية، واتباع الجنازة. كما حرَّم الشرع الهجران بين الأخوين أكثر من ثلاث، ولا يُرفع عملهما حتى يصطلحا، ولم يجعل الله للمؤمنين عقد أخوة غير أخوة الإسلام، وقد أشار النبي ﷺ إلى أنه لو اتخذ لنفسه خليلًا لكان أبا بكر ﵁ ولكنه آثر أخوة الإسلام. فقال، «ولكن أخوة الإسلام أفضل» (٢)، فهل نؤثر عصبيات جاهلية على أخوة الإسلام؟! ويستمر عقد الأخوة هذا إلى الآخرة؛ حيث لا يرى بعض أهل الجنة إخوانهم الذين كانوا معهم في الدنيا، فيسألون ربهم عنهم، وقد صوّر النبي ﷺ ، ذلك الموقف بقوله: «فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا، أشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدلخوا النار، قال: يقولون: ربنا! إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويحجون معنا، فأدخلتهم النار، فيقول: اذهبوا فأخرجوا مَن عرَفتم منهم ...» (٣)، فيخرجونهم، ثم يأذن لهم فيخرجون مَن كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان. إن أخوة

стр. 145

لها هذا المقام عند الله، وإن محبة لها ذلك الفضل في الدنيا والآخرة، لحرية بالحرص عليها، والوفاء بحقوقها، والاستزادة منها: ﴿... رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - عقد الأخوة مبني على الإيمان، ويستوجب حقوقًا للمسلم. - أخوة الإيمان ينبغي أن تفوق أخوة النسب. - ضابط الأخوة أن تحب لأخيك الخير كما تحبه لنفسك. - الأصل في الحب: - النظر فيما يحب الله. - عمومه لجميع المؤمنين. - حب المؤمن وكراهية معصيته. - المحبة في الله أوثق عرى الإيمان، ومصدر حلاوته. - أفضل المتحابين عند الله أشدهما حبًّا لصاحبه. - من مداخل الشيطان للتفريق بين المتحابين: - ذنب يحدثه أحدهما. - تدخل مشاعر الغيرة. - الوجدُ لعدم تكليفه. - من فضل الحب في الله: - استحقاق محبته، والأمن في ظل عرشه.
следующие страницы →