يُحدِثه أحدهما» (١).
ومن المداخل التي يحاول الشيطان أن يلجَ منها؛ للقطيعة بين الأخوين: أن يوسوس لأحدهما، بإثارة أحاسيس الغَيرة من العَلاقة مع شخص آخر، وتأويل هذه العَلاقة بأنها لمزيد محبة تفوق ما بينهما، وقد تكون من نوع ما ضرب له رسول الله ﷺ مثلًا بقوله: «إني لأعطي الرجل، وغيرُه أحبُّ إليَّ منه، خشيةَ أن يُكَبَّ في النار على وجهه» (٢)، فتألَّف قلب حديث عهدٍ بالهداية، قد يحتاج عناية خاصة، ينبغي ألا تستثير الآخرين.
وقد يعتب الأخ على أخيه لم لا يستعمله، ولا يثق بقدراته ولا يؤمره ولا يكلفه؟ ويظن ذلك من ضعفِ محبته له مع أن ذلك لا علاقة لخ بجب أو بغض، وبصراحة المؤمن قال رسول الله ﷺ لأبي ذر: «يا أبا ذر، أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرَّن على اثنين، ولا توَّلين مال يتيم» (٣).
وللترغيب في الحب في الله بشر الله المتحابين بإكرامِهم عند هول الموقف والحساب، بأن يظلهم في ظل العرش، ومن الأصناف السبعة المخصومة بهذه المزية - كما في الحديث -: «.. ورجلان تحابَّا في الله، فاجتمعا على ذلك، وافترقا عليه ..» (٤).
ويقول الله فيهم - كما في
стр. 142
الحديث القدسي -: «حُقَّت محبتي للمتحابين فيَّ، وحُقَّت محبتي للمتواصلين فيَّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيَّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيَّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيَّ، المتحابون فيَّ على منابر من نور، يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء» (١).
هذا بالإضافة إلى البُشرى لمن أحب الصالحين أنه سيحظى بالحشر معهم، كما في الحديث الصحيح: «المرء مع من أحب» (٢).
ولكي يكون مجتمع المسلمين متعاونًا على البر، وغارسًا لمعاني الخير، فقد وردت أحاديث كثيرة، تحث على إعلام الأخ الذي له في نفسك منزلة خاصة، ومحبة متميزة فوق الأخوَّة العامة لجميع المؤمنين - بأنك تحبه، ومن ذلك قوله ﷺ : «إذا أحب أحدكم صاحبه فليأته في منزله، فليخبره أنه يحبه لله» (٣)، وزاد في رواية «فإنه أبقى في الألفة، وأثبت في المودة» (٤).
ومن علامات صدق الأخوَّة وصفاء الحب: أن تحسب حساب أخيك فيما تجره إلى نفسك من نفع، أو ترغب بدفعه عن نفسك من مكروه، وفي وصية رسول الله ﷺ لأبي هريرة: «وأحب للمسلمين والمؤمنين ما تحب لنفسك وأهل بيتك، وأكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك، تكن مؤمنًا ..» (٥)، وعندئذٍ ينطبق على الإخوة قول رسول
стр. 143
الله ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (١).
ومن الصور المفجرة لمعاني الحب تبادل العَلاقات الأخوية، والإكثار من الصلات الودية، من نوع ما عبر عنه رسول الله ﷺ بقوله: «تصاحفوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء» (٢)، وكم تذيب الهدية من رواسب الحقد، وكم يمحو البَدْء بالسلام من وحر الصدور؛ حيث لا تكون المصافحة مجرد تلامس للأكف، ولا إلقاء السلام مجرد ألفاظ تتحرك بها الشفاه، وإنما حيث يكون السلام بمعناه الأوسع والأعم، الذي يؤهلنا لدخول الجنة، ويحقق المحبة بيننا، وذلك ما عبر عنه رسول الله ﷺ بقوله: «والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أَوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (٣).
ومما يعبر عن صدق الأخوة وحقيقة الألفة: ما تقدمه لأخيك من دعوات صالحات، حيث لا يسمعك ولا يراك، وحيث لا شبهة للرياء أو المداهنة، كما في قوله ﷺ : «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل» (٤).
يقول النووي: (وكان بعض السلف إذا
стр. 144
أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوة؛ لأنها تستجاب ويحصل له مثلها) (١).
وللأخوة حقوقها في الدنيا: من تشميت العاطس، وعيادة المريض، وإجابة الدعوة، وإلقاء التحية، واتباع الجنازة.
كما حرَّم الشرع الهجران بين الأخوين أكثر من ثلاث، ولا يُرفع عملهما حتى يصطلحا، ولم يجعل الله للمؤمنين عقد أخوة غير أخوة الإسلام، وقد أشار النبي ﷺ إلى أنه لو اتخذ لنفسه خليلًا لكان أبا بكر ﵁ ولكنه آثر أخوة الإسلام.
فقال، «ولكن أخوة الإسلام أفضل» (٢)، فهل نؤثر عصبيات جاهلية على أخوة الإسلام؟!
ويستمر عقد الأخوة هذا إلى الآخرة؛ حيث لا يرى بعض أهل الجنة إخوانهم الذين كانوا معهم في الدنيا، فيسألون ربهم عنهم، وقد صوّر النبي ﷺ ، ذلك الموقف بقوله: «فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا، أشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أدلخوا النار، قال: يقولون: ربنا! إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويحجون معنا، فأدخلتهم النار، فيقول: اذهبوا فأخرجوا مَن عرَفتم منهم ...» (٣)، فيخرجونهم، ثم يأذن لهم فيخرجون مَن كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان.
إن أخوة
стр. 145
لها هذا المقام عند الله، وإن محبة لها ذلك الفضل في الدنيا والآخرة، لحرية بالحرص عليها، والوفاء بحقوقها، والاستزادة منها: ﴿... رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- عقد الأخوة مبني على الإيمان، ويستوجب حقوقًا للمسلم.
- أخوة الإيمان ينبغي أن تفوق أخوة النسب.
- ضابط الأخوة أن تحب لأخيك الخير كما تحبه لنفسك.
- الأصل في الحب:
- النظر فيما يحب الله.
- عمومه لجميع المؤمنين.
- حب المؤمن وكراهية معصيته.
- المحبة في الله أوثق عرى الإيمان، ومصدر حلاوته.
- أفضل المتحابين عند الله أشدهما حبًّا لصاحبه.
- من مداخل الشيطان للتفريق بين المتحابين:
- ذنب يحدثه أحدهما.
- تدخل مشاعر الغيرة.
- الوجدُ لعدم تكليفه.
- من فضل الحب في الله:
- استحقاق محبته، والأمن في ظل عرشه.
стр. 146
- مما يقوي مشاعر المحبة الإعلام بالحب.
- المصافحة والتهادي، والدعاء بظهر الغيب، تقوّي الحب وتذهب الشحناء.
- ليس فوق عقد الأخوة من فضل لأي انتماء.
стр. 147
الفصل الثاني
التكافل
стр. 148
«خذ هذه، فأد بها ما عليك»
التكافل صفة شاملة لصور كثيرة من التعاون والتآزر والمشاركة في سد الثغرات، تتمثل بتقديم العون والحماية والنصرة والمواساة، إلى أن تُقضَى حاجة المضطر، ويزول هم الحزين، ويندمل جُرح المصاب.
ولا ينعدم خلق التكافل إلا حينما تسود الأنانية، وتفتر المشاعر الأخوية، ويستغرق الناس في همومهم الفردية ومشاغلهم الشخصية.
وقد تآزر بنو هاشم - مسلمهم وكافرهم - مع رسول الله ﷺ ؛ لئلا تقتله قريش، وانحازوا به إلى شِعْب أبي طالب وقاطعَتْهم العرب وحاصروهم في الشِّعب وكتبوا صحيفة المقاطعة وعلقوها في الكعبة، إلى أن اندفع بعض رجال قريش لاستنكار الحصار المضروب على بني هاشم في شِعْب أبي طالب بدافع خُلق التكافل - رغم جاهليتهم - ولم يطمئنوا حتى نقضوا الصحيفة الظالمة التي قضت بهذه المقاطعة (١).
وفي واقعنا كثيرٌ من صور تكافل أهل الباطل فيما بينهم، وبعض صور تعاطفهم مع المسلمين، بدوافع إنسانية أو قومية أو سياسية، فهل يكون ذلك حافزًا إضافيًّا للتكافل مع أخيك المسلم وأنت به أولى؟
стр. 149
كما أن السيدة خديجة ﵂ لما أرادت أن تُخفِّف عن النبي ﷺ تخوُّفه من نزول الوحي اتخذت من صفة التكافل التي اشتهر بها قبل النبوة دليلًا عقليًّا على أن الله لا يخزيه فقالت: (كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتكسِب المعدوم، وتَقرِي الضيف، وتُعِين على نوائب الحق) (١).
والمهاجر من أحوج الناس إلى أنصارٍ يتكافلون معه، لغربته وفقره وانقطاعه، وقد ضرب أنصار رسول الله ﷺ أكبرَ الأمثلة في التكافل مع إخوانهم المهاجرين، وكان منها أن أشاروا على رسول الله ﷺ بأن يقسم النخل، بينهم وبين المهاجرين، فقال: لا، فقال الأنصار: (تكفونا المؤونة، ونشرككم في الثمرة) (٢)، وبذلك عمل بعض المهاجرين في بساتين الأنصار، وقاسموهم الثمار، وحُلَّت مشكلة البطالة والفقر، وكان من صور تكافلهم أن المهاجر كان يرث أخاه الأنصاري دون ذوي رحمه) (٣).
للأخوة التي آخى رسول الله بينهما، وكانت مرحلة استصفت النفوس، وأخلصتها لله، ثم نُسخ ذلك. وهذا التكافل لا يبرز بأسمى صوره، إلا كلما تعمقت معاني الأخوة والإيثار، واندثرت جذور الأنانية والاستئثار.
стр. 150
ومما يمكن أن يتميز به مجتمع المسلمين من صور التكافل: إعانة المَدِين (الغارم) بسداد دَيْنه، حتى إن رسول الله ﷺ لما فتح الله عليه الفتوح، واستغنى بيت مال المسلمين، قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُوفِّي من المؤمنين، فترك دَينًا، فعليَّ قضاؤه ..» (١)، ومساعدة الرقيق في تحصيل حريته، ومن ذلك أن بَريرة ﵂ جاءت تستعين بعائشة ﵂، في التحرُّر من رقِّها، فكان من تكافل عائشة معها أن قالت لها: (إن شاء مواليك صببت لهم ثمنك صبة واحدة، وأعتقتك ..) (٢).
ومن صور التكافل الشرعية التكافل مع القاتل في دفع دِيَة المقتول، حيث تكلف عصبته وعشريته الأقربون الموسرون بتحمل دِيَة المقتول، مواساة وإعانة للقاتل خطأً، الذي قد تأتي الدية على كل ماله فترهقه، ولو عجزت عصبته، أو لم يكن له عصبة، دُفعت الدية من بيت المال (٣).
ومن أشد الصور: استنقاذ الأخ الأسير بكل غالٍ وثمين، وقد روي أن سلمة بن الأكوع غزا (هوازن) مع أبي بكر، فنفله جارية من بني فزارة من أجمل العرب، فلقيه النبي ﷺ في المدينة، فقال له: «لله أبوك، هبها لي» فوهبها له، ففادى بها أسارى من أسارى المسلمين
стр. 151
كانوا بمكة) (١)، لا شك أنها من أرقى صور الإيثار والتجرد.
ويروي أبو هريرة أنه أتى خَيْبر مع رهط من قومه، وقد فُتِحت خَيْبر على النبي ﷺ ، (فكلَّم رسول الله ﷺ المسلمين، فأشركونا في سهامهم) (٢).
إذا لم تكن النفوس تطيب بمثل هذا، فسوف تفتقدها في ميادين التضحية، وسوف لا تجدها عند الهَيْعة ومظانِّ الموت.
ونُقِل عن عمر أيضًا قوله في الأسرى: (لأن أستنقذ رجلًا من المسلمين من أيدي الكفار أحبُّ إليَّ من جزيرة العرب) (٣).
وحين يفرز الجهاد أرامل وأيتامًا ومُعوَّقين، فليس من الوفاء تغافلهم، بعد أن قدم أولياؤهم الروح في سبيل الله، ولذلك اعتبر رسول الله ﷺ : «الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار» (٤)، بل وعد رسول الله ﷺ كافل اليتيم بأن يكون رفيقه في الجنة (٥)، وكذلك التكافل مع مَن أوذي في الله، أو أصيب في سبيل الله، وإن الواقع العملي لمجتمع المسلمين الأول، ليمثل أسمى صور التكافل، ومن ذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ دخل عليه رجل أصيب في وجهه في غزوة فأمر بإعطائه ألف درهم، وكل ساعة يزيده ألفًا، حتى استحيا الرجل فخرج، فقال
стр. 152
عمر: (أما والله لو أنه مكث، مازلت أعطيه - ما بقي من المال درهم - رجل ضُرب ضربة في سبيل الله، خضَّرت وجهه) (١)، وهكذا يكون الوفاء لذوي سابقة الخير.
ولا ننسى أن نشير إلى التكافل النفسي فإن رسول الله ﷺ عبر عنه بالإجمال فقال: «مَن نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» (٢).
وقد بلغ من تكافل النبي ﷺ ؛ أنه كان يتفقد صحابته الذين لا يراهم، ويسأل عن مشاكلهم، وأمثلة ذلك في السنة كثيرة، أختار منها ما ورد في قصة إسلام سلمان الفارسي ﵁، وفي آخرها أنه جاءت النبي ﷺ من بعض المغازي مثل بيضة الدجاجة من ذهب، فتذكر سلمان، وأنه بقي عليه مال ليُعتق نفسه، فقال: ما فعل الفارسي المكاتب؟ فأرسل إليه واستدعاه، فلما جاء قال له: (خذ هذه. فأدّ بها ما عليك يا سلمان) (٣)، قال سلمان: (فأوفيتهم حقهم وعُتقت فشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق ثم لم يَفُتْني معه مشهد)، وكم يكتسب الداعية قلوب المدعُوِّين حين يرون أنه يفكر بهم، ويسعى في أمرهم، ويهيئ الخير لهم!
ومن التكافل الشعوري: تفقُّد حال الأخ، والاطمئنان على ظروفه، وتطييب خاطره، فقد ورد أن ثابت بن قيس بن الشماس لَمَّا نزلت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
стр. 153
وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. قال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ﷺ ، حبِط عملي وأنا من أهل النار، وجلس في أهله حزينًا، فتفقده رسول الله ﷺ ، فانطلق بعض القوم إليه، فقالوا له: تفقدك رسول الله ﷺ ، مالك؟ وأخبروه أن رسول الله ﷺ قال: لا، بل هو من أهل الجنة) (١)، وهكذا يشعر كل فرد بقيمته وكل مدعوٍّ بمنزلته في نفس مربِّيه.
ومن أسمى الأخلاق: أن يُقابَل التكافل بعفَّة نفس المحتاج؛ كما فعل عبدالرحمن بن عوف؛ حين رفض تقاسم المال والزوجتين مع الأنصاري، وقال له: (بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟) (٢)، وطلب أن يدُلَّه على السوق ليعمل بيديه، ويعتمد على نفسه، بل كانت ظاهرة عامَّة بعد خيبر، لما استغنى المهاجرون؛ إذ ردُّوا إلى الأنصار ما كانوا أكرموهم به، فقد ورد أنه: (لما فرغ من قتال أهل خيبر، فانصرف إلى المدينة، ردَّ المهاجرون إلى الأنصار منائحهم من ثمارهم ..) (٣).
وإن مجتمعًا يشيع فيه التكافل، لهو المجتمع المتماسك الذي يستطيع أن يجاهد في سبيل الله صفًّا، كأنه بنيان مرصوص، بينما تجد مجتمع الأنانية والبخل متصدعًا من الداخل، تأكله العداوات والأحقاد
стр. 154
قبل حراب الأعداء، فأي المجتمعين نختار لأنفسنا؟ وبأي الأخلاق نتحلَّى؟
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- لا ينعدم التكافل إلا حين تسُود الأنانية.
- غير المسلمين يتكافلون فيما بينهم، وأحيانًا يتكافلون مع المسلمين!
- المشهود له بالتكافل مع الناس لا يخزيه الله.
- من أنصع صور التكافل ما كان بين المهاجرين والأنصار.
- من الصور التي تقتضي مزيدًا من التكافل:
- إعانة الغارم.
- تحرير الرقيق.
- دية المقتول.
- استنقاذ الأسير.
- إعانة الأرامل والأيتام والمعوقين.
- الوقوف مع من أصيب في الله.
- من التكافل النفسي:
- تفقد حال الإخوة لقضاء حوائجهم.
- مراعاة مشاعرهم وإزالة أحزانهم.
- التكافل عظيم، وأعظم منه التعفف.
- مجتمع التكافل مرصوص.
стр. 155
الفصل الثالث
الصراحة
стр. 156
«لا خير فيكم إذا لم تقولوها».
هل من لوازم الصراحة سوء الأدب، وإثارة الفتن، والتشهير بالعيوب، والتطاول، أم هي النصيحة الصادقة، والنقد البناء، والجرأة الأدبية؟
(الصراحة): في اللغة: الوضوح والخلوص من الالتواء، ويُعرِّفها صاحب كتاب (الخلق الكامل) اصطلاحًا بأنها: (إظهار الشخص ما تنطوي عليه نفسه، من غير تحريف ولا مواربة؛ بحيث تكون أفكاره واضحة جلية، وبحيث توافق أفعاله أقواله) (١).
وكثيرًا ما يستنكر الناس صراحةَ الصريح، داعين إلى المداراة، التي ساقت كثيرين من الناس إلى المداهنة، ولَمَّا أفرط الناس في المداراة، كان لا بدَّ من تذكيرهم بالصراحة، وبحقيقة المداراة، ومواطنها الشرعية.
جاء في الفتح في شرح (باب المداراة مع الناس): (قال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة، والمداهنة محرمة، وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق، وإظهار الرضا بما هو فيه، من غير إنكار عليه، والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولاسيما إذا احتيج إلى تألفه) (٢).
ترون أن المداراة
стр. 157
بهذا المعنى: صراحة برفق حيث ينبغي الرفق.
وما رُوي عن رسول الله ﷺ أنه دارى، إلا الفاسق ذا الفحش الذي يُخشى شرُّه، أو حديث العهد بالإسلام ضعيف الإيمان، وفيما عدا ذلك كان يصرح بلسانه، ويُعرَف الاستنكار في وجهه، وتلكم هي صراحة المؤمن مع من يرى أنهم إخوة له في الإيمان، مهما تكن منزلته.
لما ظهر للصحابة أن رسول الله ﷺ نسي فصلى ركعتين بدل أربع، قال ذو اليدين - بكل أدب -: يا نبي الله أنسيت أم قُصرت؟ فقال ﷺ : «لم أنسَ ولم تُقصر»، عندئذٍ أجاب الصحابة - بكل صراحة - «بل نسيت يا رسول الله» (١) ولم يُعنِّفهم، ولم يغضب لصراحتهم، ولم يداور عليهم، وتعلموا سجود السهو، كما تعلموا احتمال الصراحة.
ومن صراحة الصحابة ﵃: ما ورد في حديث الصلاة على عبد الله بن أُبي كبير المنافقين، وكان من أبرزها موقف عمر ﵁، حين استنكر على رسول الله ﷺ أن يصلي على رأس المنافقين، يقول: (تحوَّلت، حتى قمت في صدره، فقلت: يا رسول الله! أعلى عدو الله؟! ورسول الله ﷺ يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه، قال: «أخِّر عني يا عمر»)، وذلك قبل نهيه ﷺ عن الصلاة على المنافقين، ولرجائه بأن يغفر الله لهم إن استغفر لهم فوق السبعين - ويقول عمر في آخر الحديث: (فعجبت بعدُ من جرأتي على رسول الله) (٢).
стр. 158
وكل ما في نفوسهم من إجلال وهيبة لرسول الله ﷺ ، لم يمنعهم من المصارحة، وكل ما لرسول الله من منزلة عند ربه، لم يدفعه إلى منع الاعتراض، أو التساؤل، أو الاستفسار الناشئ عن صراحة وصدق.
فلا يحزننَّ أصحاب الوجاهة من صراحة أتباعهم، ولا يستاءنَّ المؤمن الداعية من وضوح إخوانه، فإن رسول الله ﷺ على رفعة قدره، ووجوب طاعته، كان يقابل الصرحاء بالتبسم، وبالكلمة الطيبة.
وفي قصة بيعة العقبة أن أبا الهيثم بن التَّيِّهان ﵁، أراد أن يستوثق ويتثبت من مستقبل هذه البيعة، فقال - بصراحة -: (يا رسول الله.، إن بيننا وبين الرجال حبالاً - يعني اليهود - وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله، أن ترجع إلى قومك، وتدعنا؟)، لم ينفعل رسول الله ولم يغضب ولم يقل كما يقول الكثيرون: ألا تثقون بنا؟ أين الجندية؟ أين الثقة بالقيادة؟! بل (تبسم رسول الله ﷺ ثم قال: «بل الدَّم الدَّم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم» (١)، بهذه التربية تعلَّم الصحابة أن ينطقوا بالصراحة، وأن يقبلوها ممن يصارحهم.
وحين قام رجل يأمر عمر ﵁ بالتقوى، اعترض بعض الحاضرين، فقال عمر: (دعوه فليقلها، لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نقبلها) (٢).
إن الصراحة تدعو صاحبها للاعتراف بضعفه، والتراجع عن خطئه، ومن الأمثلة المعاصرة ما ذكره الدكتور
стр. 159
مصطفى السباعي ﵀: (لقد مرَّت بنا فترات كانت فيها أعصاب الشباب تدفعنا إلى اتهام خصومنا في الرأي، فاللَّهم نشهدك أنا رأينا بأعيننا خطأ ما فعلنا ولمسنا بأيدينا نتيجة ما أفرطنا) (١)، وتلك الصراحة ترفع صاحبها في نظر الناس وتزيدهم ثقة به.
ويجب أن نكون عونًا للناس على أن يصارحوا، فلا نشدد النكير عليهم إن أظهروا من أنفسهم ضعفًا، ففي قصة المرأة التي جاءت تصارح رسول الله ﷺ ، طالبة الطلاق من زوجها - مدعية عدم قدرته على القيام بحقها - قائلة: (ما معه يا رسول الله إلا مثل هذه الهُدْبة - لهُدْبة أخذتها من جلبابها - وما يزيد رسول الله ﷺ على التبسم) (٢)، فاحترم صراحتها، وقضى قضاءه بصراحة أيضًا.
ومن صور الصراحة الصادقة: موقف بشير بن الخصاصية ﵁، حين جاء يعاهد رسول الله ﷺ على أعمال من الإسلام، فوافق على كل شيء إلا الزكاة والجهاد، وكان من قوله: (أما الجهاد: فإني رجل جبان، وأخاف إن حضر القتال، أن أخشع بنفسي فأفر، فأبوء بغضب من الله)، فلما قال رسول الله ﷺ : «يا بشير، لا صدقة ولا جهاد فبم إذًا تدخل الجنة؟» (٣)، بايعه على كل شيء، ولم يُعلِّق رسول الله ﷺ على صراحته تلك، ووصفه نفسه بالجبن، بما يجرحه أو يؤذيه.
كم تخسر من الأصحاب بسبب عدم الوضوح والصراحة!
يقول علي ﵁: (لا تقطع أخاك عن ارتياب، ولا تهجره دون
стр. 160
استعتاب) (١)؛ إذ ربما تقطعه بلا مصارحة بسبب الريبة، فتحسب الوهم حقيقة، وقد تهجره بلا عتاب، فتتصور الوساوس أمرًا واقعًا.
والصحابة بايعوا على قول الحق وإن كان مُرًّا، وعلى ألا تأخذهم في الله لومة لائم، وأن يقولوا بالحق حيثما كانوا؟ وعلى النصح لكل مسلم، ومع كل ذلك فلماذا لا نرتاح للصراحة؟!
ألا يتوقع الذين يكرهون الصراحة أن الناس يمكنهم أن يداروهم في الظاهر، ويمقتوهم في الباطن، كما قال أبو الدرداء: (إنا لنَكْشِرُ في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم) (٢)، وعندئذٍ أيهما أحب إلى العاقل، صديق صادق صريبح، أم منافق في كيل المديح فصيح؟
من تربية القرآن على الصراحة، وعلى حسن قبولها، أدب الاستئذان الذي علمنا الله إياه، بقوله: ﴿... وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ...﴾ [النور: ٢٨]، الرجوع أزكى للمزور لئلا يؤخذ بالحياء وهو كارهٌ، وأزكى للزائر لئلا يكون ثقيل الظل على الآخرين. فإن عدمت الصراحة، وغلبت المجاملات، فقدت الزيارات غايتها، وحُرمت القلوب تزكيتها.
وقد كانت (الصراحة بالنصيحة) مطلبًا يسعى إليه الأمراء، وذكرى يبادر إليها العلماء، روي أن عمر ﵁، ذكرت عنده امرأة حامل - قد غاب زوجها - بسوء، وأنه كان يدخل عليها الرجال، فبعث إليها فقالت: (يا ويلها، ما لها ولعمر)، فبينما هي في الطريق ضربها الطلق لخوفها من عمر فألقت ولدًا، فصاح الصبي صيحتين،
стр. 161
ثم مات، فاستشار عمر أصحاب النبي ﷺ ، فأشار بعضهم أن ليس عليك شيء، إنما أنت والٍ ومؤدِّب، وصَمَت عليٌّ، فأقبل عليه عمر، فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك، فلم ينصحوا لك، إن دِيَتَه عليك؛ لأنك أفزعتَها فألقته، وضمن عمر دية الجنين (١).
بهذه الصراحة كانت الحقوق لا تُغمط، وكان أصحاب الحقوق لا يتتَعْتَعِّون في نيل حقوقهم.
والمؤمن صريح، لا يعرف النفاق والتحايل، لذلك فإنه يتعامل بوجه واحد، وقد قال رسول الله ﷺ في المذبذَبين والمتملقين: «تجد من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه» (٢).
وفي بيان ذي الوجهين قال في الفتح: (قال النووي: هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها، فيظهر لها أنه منها، ومخالف لضدها، وصنيعه نفاق، ومحض كذب وخداع، وتحيُّل على الاطِّلاع على أسرار الطائفتين، وهي مداهنة محرمة، قال: فأمَّا مَن يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو محمود، وقال غيره: المحمود أن يأتي لكل طائفة بكلام فيه صلاح الأخرى، ويعتذر لكل واحدة عن الأخرى، وينقل إليه ما أمكنه من الجميل، ويستر القبيح) (٣).
ولعلم الإنسان بضعف نفسه، فإن كثيرًا من المواقف تقتضي منه الصراحة، تجنبًا لسوء تصرف قد يصدر منه، أو من غيره، ولذلك قال
стр. 162
الصحابي الجليل عبد الله بن عبد الله بن أُبَيٍّ: (يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أُبيٍّ فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخززج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار)، بهذه الصراحة، وبهذا الوضوح، احتاط لنفسه، فكان جواب رسول الله ﷺ : «بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا» (١). وهكذا نرى أن التربية على الولاء للحق وحده، تُنشِئ رجالًا صرحاء، لا يعرفون التزييف والالتواء، ويبقى سؤال: هموم أمة الإسلام وآمالها، هل يحملها ويؤدي حقها الخراف الوديعة، أم الأسود الجريئة؟ فلنكن صرحاء.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- إفراط الناس في المداراة انقلب إلى المداهنة.
- الفرق الدقيق بين المداراة والمداهنة.
- من صراحة الصحابة مع رسول الله ﷺ :
- أقصرت الصلاة أم نسيت؟
- يا رسول الله أَعَلَى عدو الله.
- حسبنا كتاب الله.
- تربية الصحابة على الصراحة جعلتهم لا يرون خيرًا فيمن لا يصارح.
- الصراحة في الاعتراف بالخطأ ترفع من قدر الصريح.
- لكي نعين الناس على الصراحة فلنقابل صراحتهم بالرفق.
стр. 163
- الصراحة عند البيعة ضرورية لما يترتب عليها من مسؤولية.
- الصراحة بين الإخوة تقطع دواعي الهجران.
- الصراحة أزكى لكلا الطرفين.
- الصيحة الصادقة لا تصدر إلا عن صريح.
- ذو الوجهين يفر من الصراحة فيقع في النفاق.
- الصراحة وضوح مع النفس ومع الناس.
стр. 164
الفصل الرابع
الألفة
стр. 165
«.. ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف».
أن تكون متَّصِفًا بخلق الألفة أمرٌ يقتضي منك من سَعَة الصدر ما تحب به الناس، ومن حسن الخلق ما يجعل الناس يحبُّونك، فتكون بذلك سببًا من أسباب اجتماع الكلمة، ووحدة الصف، وترابط القلوب، وعندئذٍ تكون بحق أليفًا ومألوفًا.
ربط رسول الله ﷺ خلق (الألفة) بالإيمان، فقال: (المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمَن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفهم للناس) (١)، ولذلك فإن عدم الألفة من صفات المنافقين كما جاء في الحديث: (إن للمنافقين علامات يُعرفون بها: مستكبرين لا يألَفون ولا يُؤلَفون) (٢).
إن الاجتماع على الحب في الله، وائتلاف القلوب على الطاعة، وخلوصها من نوازع الجاهلية، لنعمة كبيرة تستحق لفت الأنظار إليها؛ للمحافظة عليها، وعدم التفريط فيها، فقد قال تعالى: ﴿... وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ ...﴾ [آل عمران: ١٠٣].
ويشير القرطبي إلى لفتةٍ طيبة حول مطلع الآية: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ...﴾ [آل عمران: ١٠٣]، فيقول: (وليس فيه
стр. 166
دليل على تحريم الاختلاف في الفروع، فإن ذلك ليس اختلافًا؛ إذ الاختلاف ما يتعذر معه الائتلاف والجمع، ومازالت الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث وهم مع ذلك متآلفون) (١)، فلا يظن أحدنا أن الإصرار على إثبات قول راجح أولى من الحرص على دوام الألفة، ويُؤكِّد رسول الله ﷺ هذا المعنى بقوله: «اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فيه فقوموا» (٢)، سواء كان الاختلاف في فهم معناه أو طريقة أدائه، فالقيام من مجلس الخلاف هو اللائق بالمؤمنين.
ولقد كان من أكبر نعم الله في بعثة رسول الله ﷺ : أن ألَّف به بين قوم قَوِيت بينهم العصبيات، ولذلك قال في خطبته في الأنصار بعد حنين: «يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضُلاَّلًا فهداكم الله بي، وعالةً فأغناكم الله بي، ومتفرِّقين فألَّفكم الله بي» (٣).
وهكذا شأن المسلم يؤلف بين المتفرقين ويأتلف حوله المحبون.
قد تستطيع أن تجمع الناس حولك بعَرَضٍ من الدنيا، ولكنك لا تستطيع أن تجعلهم لُحمةً واحدة وجسدًا متماسكًا إلا بتوفيق من الله يسكب الألفة في القلوب فيجمعها على هدف واحد، ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ...﴾ [الأنفال: ٦٣].
ويرى صاحب الظلال صورةً من الإعجاز في التأليف بين قلوب
стр. 167
الجيل الأول: (ولقد وقعت المعجزة التي لا يقدر عليها إلا الله، والتي لا تصنعها إلا هذه العقيدة، فاستحالت هذه القلوب النافرة وهذه الطباع الشموس إلى هذه الكتلة المتراصة المتآخية، الذَّلول بعضها لبعض، المحب بعضها لبعض، المتآلف بعضها مع بعض، بهذا المستوى الذي لم يعرفه التاريخ) (١).
وصاحب الألفة بما يناله من رضا الله وحب ملائكته، «يوضع له القبول في الأرض» (٢)، وقد قيل في شرح الحديث: (المراد بالقبول الحب في قلوب أهل الدين والخير له، والرضا به، واستطابة ذكره في حال غيبته كما أجرى الله عادته بذلك في حق الصالحين من سلف هذه الأمة ومشاهير الأئمة) (٣).
ولا تعارض بين تألف الناس وبين المحافظة على الهيبة والاحترام، إذا أحسن المسلم التصرف ووازن بين المواقف؛ ولذلك نجد في وصف رسول الله ﷺ (مَن رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه) (٤).
وخيار الناس في نظر الشرع هم الذين يألفون ويؤلفون، وخاصة حين يكونون في منصب أو مسؤولية؛ إذ قد يَنْزَلقون إلى صور من الغلظة والجفوة حين يكونون مطلوبين لا طالبين.
ولذلك يقول ﷺ : «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم،
стр. 168
وتُصلُّون عليهم ويُصلُّون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تُبغِضونهم ويُبغِضونكم، وتلعَنونهم ويلعنونكم» (١)، وفي رواية لأحمد: «خياركم وخيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ..» (٢).
وللألفة أسباب تقويها، وصفات تنميها، ومنها حسن التعارف بالخلطة والمعاشرة، كما أن مشاعر الانقباض وعدم الارتياح قد تنشأ من الانكماش عن الناس والفتور في معالمتهم، وربما كان هذا ما أراده رسول الله ﷺ بقوله: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف ائتلف، وما تناكر منها اختلف» (٣).
كما أن إشاعة البسمة وإفشاء السلام من عوامل قوة الألفة وزيادة المحبة كما في الحديث: «أَوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم» (٤).
وفي التعفُّف عما في أيدي الناس كسب لقلوبهم وضمان لخلوص محبتهم «وأزهد فيما أيدي الناس يحبك الناس» (٥).
إن الإحسان إلى غير المسلمين من (المؤلَّفة قلوبهم) إنما شرع لتحبيبهم في الإسلام وجذبهم إليه، واستنقاذهم من دائرة الشرك،
стр. 169
والإحسانُ إلى أخيك وتأليفُ قلبه أولى وأجدر لتحافظ على مَن دخلوا في الإسلام ألا ينفروا منه ويرتدوا على أدبارهم، وقد تحاول أن تتألفه بعد نفورِه فلا يستجيب فتبوء بإثمك وإثمه، وقد ترجَم البخاري لباب (الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم) (١).
وكلما ازدادت الألفة ارتفعت الكُلْفة، وقوِيت الرابطة بين أبناء الجسد الواحد وأمة البنيان المرصوص، ونكون عندئذٍ أقدر على دفع الأهواء، ونَبْذ الخلافات، وصد مكائد الكائدين.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- الألفة حب للناس وتحبب إليهم.
- المنافقون لا يألفون ولا يؤلفون.
- الخلافات الفقهية لا تنقضُ الألفة.
- الداعية يؤلف بين المتفرقين ويأتلف حوله المحبون.
- إن لم تكن الألفة بالله ولله فلن تدوم.
- لا تعارض بين تألف الناس والمحافظة على الهيبة.
- خير الأمراء مَن يحب رعيته وتحبه.
- تأليف القلوب مطلوب مع غير المسلمين.
- بازدياد الألفة ترتفع الكلفة.
стр. 170
الفصل الخامس
التنافس الشريف
стр. 171
«وفي ذلك فليتنافس المتنافسون».
ليس عجيبًا أن يفوق امرؤ أخاه في علمٍ أو خبرة، أو في أي مجال من مجالات الحياة، كما أنه ليس من المستهجَن أن يسعى الأدنى للحاق بالأعلى، وأن يبذل جهدَه للتفوق عليه، في حدود ابتغاء رضا الله، والسلامة من آفات الكبر والعُجْب والرياء، وبقيد طهارة المشاعر القلبية، ونقاء العلايات الأخوية، وبضابط الإنصاف، والعدل في التقويم، للنفس وللآخرين، بحيث يؤدي ذلك كله في النتيجة إلى تحقيق مصلحة إسلامية عليا، بعيدًا عن هوى النفس وتقديس الذات.
حين تتفشى المنافسة الشريفة تكون وقودًا للهمم، ومحرضًا على البذل المتواصل، وسبيلًا لتوجيه الأبصار إلى أعمال الخير، التي يُفَجِّرُ التنافس فيها مزيدًا من الخير للفرد والمجتمع، حتى يصبح الفرد من هذه الأمة يتطلع دائمًا إلى الأسمى، وكيف يرضى بالدون؟! وهو الذي يطمح أن يجعله الله للمتقين إمامًا، وهو الذي يتطلَّع إلى الفردوس الأعلى وصحبة النبيين والشهداء والصالحين، وهو الذي يرجو أن يكون من السابقين بالخيرات: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]، ﴿... فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ...﴾ [البقرة: ١٤٨]. ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].
ومن ذلك التنافس الشريف ما جاء في الحديث الشريف عن القائم والمنفق: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن، فهو
стр. 172
يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جارٌ له، فقال: ليتني أُوتِيت مثلما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالًا، فهو يُهلِكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل» (١).
يقول ابن حجر: (وأما الحسد المذكور في الحديث فهو الغبطة، وأطلق الحسد عليها مجازًا، وهي أن يتمنَّى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه، والحرص على هذا يسمى منافسة فإن كان في الطاعة فهو محمود) (٢).
ومن صور ذلك التنافس الشريف المسابقة إلى صور من العبادة، قد لا يصبر على المداومة عليها إلا السابقون، وذلك كالأذان والصف الأول والتبكير إلى الصلوات، والحرص على جماعتي العشاء والفجر، قال ﷺ : «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتَوْهما ولو حبوًا» (٣).
ومن الصور العملية لذلك التنافس الشريف ما يكون بين الأنداد من التسابق في الخير، كالذي كان من المسابقة في البِرِّ بين أبي بكر وعمر ﵄، ومن ذلك أنهما سمعا ثناء رسول الله ﷺ على قراءة ابن مسعود، بقوله: «مَن سرَّه أن يقرأ القرآن غضًّا كما أنزل
стр. 173
فليقرأه من ابن أم عبدٍ» (١)، فبادر عمر ليلًا لينقل البشرى لابن مسعود، فقال ابن مسعود: (ما جاء بك هذه الساعة؟ قال عمر: جئت لأبشرك بما قال رسول الله ﷺ ، قال ابن مسعود: قد سبقك أبو بكر ﵁ قال عمر: إن يفعل فإنه سباق بالخيرات، ما استبقنا خيرًا قط إلا سبقنا أبو بكر) (٢).
ومثل هذه الصورة تكرَّرت عندما طلب رسول الله ﷺ من صحابته أن يتصدَّقوا، يقول عمر: ووافق ذلك عندي مالًا فقلت: اليوم أسبق أبا بكر - إن سبقته يومًا - فجئتُ بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : «ما أبقيت لأهلك؟»، قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: «يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، عندئذٍ قال عمر: لا أسبقه إلى شيء أبدًا» (٣).
هكذا يكون التنافس بين الأنداد بحب واحترام، وليس بالحقد والامتهان، أما التنافس غير الشريف، فيبدأ فيما بيَّنه النووي في شرح مسلم: (قال العلماء: التنافس إلى الشيء المسابقة إليه، وكراهة أخذ غيرك إياه وهو أول درجات الحسد، وأما الحسد فهو تمني زوال النعمة) (٤).
ومثل ذلك ما بيَّنه ابن حجر: (... والتنافس من المنافسة: وهي الرغبة في الشيء، ومحبة الانفراد به، والمغالبة عليه) (٥).
وفي موضع
стр. 174
آخر قال عن الحسد: (الحسد تمني الشخص زوال النعمة عن مستحق لها - أعم من أن يسعى في ذلك أولًا - فإن سعى كان باغيًا، وإن لم يسعَ في ذلك، ولا أظهره، ولا تسبب في تأكيد أسباب الكراهة التي نُهِيَ المسلم عنها في حق المسلم، نُظر: فإن كان المانع له من ذلك العجز؛ بحيث لو تمكن لفعل، فهذا مأزور، وإن كان المانع له من ذلك التقوى، فقد يعذر؛ لأنه لا يستطيع دفع الخواطر النفسانية، فيكفيه في مجاهدتها ألا يعمل بها، ولا يعزم على العمل بها) (١).
وأحيانًا تصيب المرء مشاعر لا يملك مدافعتها، فأقل ما يعمله إيقافها عند حد الأمان كما في الحديث: «ثلاث لا يسلم منها أحد: الطيرة والظن والحسد، قيل: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: إذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ» (٢).
وعن الحسن البصري قال: (ما من آدمي إلا وفيه الحسد، فمَن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظلم، لم يتبعه من شيء) (٣).
ويوضح القرطبي الحسد المذموم بقوله: (فالمذموم أن تتمنى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم، وسواء تمنيت مع ذلك أن تعود إليك أو لا .. وإنما كان مذمومًا؛ لأن فيه تسفيه الحق سبحانه، وأنه أنعم على من لا يستحق!) (٤).
стр. 175
وهذا التنافس الذي قد يؤول إلى الحسد، هو الذي توقعه رسول الله ﷺ إذا فتحت على المسلمين فارس والروم فقال: ... «... تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون ثم تتباغضون ...» (١)، وهو المنهي عنه في قوله ﷺ : «ولا تحسَّسوا ولا تجسَّسوا، ولا تنافسوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا» (٢).
وأخشى ما يخافه المرء على نفسه، أن ينزلق إلى التنافس في المعاصي، أو التنافس على الدنيا وزينتها، وقد حذر رسول الله ﷺ أمته من هذا المنزلق فقال: «إني فرطكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها» (٣).
ولما رأى رسول الله ﷺ مسارعة الناس عندما علموا بقدوم أبي عبيدة بأموال من اليمن قال لهم: «فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من قبلكم، فتنافسوها، كما تنافسوها، وتلهيكم كما أَلْهَتهم» (٤).
إن مجتمعًا شأنه التنافس الشريف، يتسابق فيه الأطفال ليشاركوا في القتال، وتتسابق فيه النسوة لخدمة المجاهدين، ويتبارى فيه الناس فيما يحفظون من كتاب الله، وفيما يعملون به من سنة رسول الله ﷺ ،
стр. 176
وحين يُفقد مثل هذا الجو النظيف، يكون التنافس في الاستكثار من المتاع، وفي التهافت على كل جديد، حتى يصيب أحدَهم انتفاشةٌ جوفاء، إن هو حاز على شيء من الدنيا، لم يسبقه إليه غيره.
والأخطر من هذا كله تنافس الكسالى والبليدين، الذين ينتظرون أن تُصب نعم الله عليهم صبًا، رغم بَلادتِهم وضعف هممهم، وإن لم تغمرهم هذه النِّعم وهم قاعدون، حرَّكتهم همة الشر للكيد لمن يعملون، والتشفي بمن يفوقهم، والحسد لمن سبقهم، والحقد على من أنعم الله عليه مما لم يُنعم عليهم، وقد حذَّر رسول الله ﷺ بقوله: «دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر، والذي نفس محمد بيده لا تُؤمِنوا حتى تحابوا، أفلا أُنبِّئكم بشيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (١)، والسلام الحقيقي هو الارتياح القلبي المتبادل، وما التحية إلا مظهرًا من مظاهره.
وحين يشيع مجال التنافس في الخيرات، لا يتطلَّع المرء إلا للَّحاق بمن يفوقُه ورعًا وعبادةً، ودعوةً وجهادًا، والذي يمدُّون أعينهم إلى ما متَّع الله به بعض خلقِه، فتحدثهم أنفسهم أن يسابقوهم في الاشتغال بالتكاثر من النِّعم، أو بالنظر إليهم نظرة الحسد المقيت، يردهم قول رسول الله ﷺ : «انظُروا إلى مَن أسفلَ منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقكم؛ فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» (٢).
стр. 177
ومن أقوال العلماء التي استشهد بها النووي في فهم الحديث: «قال ابنُ جَرير وغيره: هذا حديث جامع لأنواع من الخير؛ لأن الإنسان إذا رأى مَن فُضِّل عليه في الدنيا، طلبت نفسُه مثل ذلك، واستصغر ما عنده من نعمة الله تعالى، وحرص على الازدياد، ليلحق بذلك أو يُقارِبه، هذا هو الموجود في غالب الناس، وأما إذا نظر في أمور الدنيا إلى من هو دونه فيها، ظهرت له نعمة الله تعالى عليه، فشكرها وتواضع، وفعل فيه الخير» (١).
وهذا الصنف من الناس أشار إليه رسول الله ﷺ حينما سئل: أي الناس أفضل؟ قال: «كل مخموم القلب، صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غلَّ ولا حسد» (٢).
ولا يكتمل الإيمان في قلب من انجرف به التنافس غير الشريف إلى الحسد كما في قوله ﷺ : «.. ولا يجتمعان في قلب عبد: الإيمانُ والحسدُ» (٣).
وللحسد عواقب وَخِيمة على الحاسد قبل غيره، وفي بيان بعض عواقب الحسد يقول القرطبي: (والحسد مذموم، وصاحبه مغموم، وهو يأكل الحسنات، وقال الحسن: ما رأيتُ ظالمًا أشبه بمظلوم من حاسد؛ نَفَسٌ دائم، وحزن لازم، وعَبرة لا تنفد.
وقال عبد الله بن مسعود: لا تُعادُوا نعم الله، قيل له: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين
стр. 178
يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ...) (١).
وما شُرِعت الاستعاذة من ﴿شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (٢)، إلا لما يدفعه إليه تنافسه غير الشريف: من كيد، ومكر، وحيلة، ووقيعة، وما ذنب المحسود إلا الله فضَّله ببعض نعمه، أو وفَّقه لاغتنام وقته وقدراته، إلى أن حاز قدم السبق، وصار محطَّ الأنظار.
يقول الشوكاني: (ومعنى إذا حسد: إذا أظهر ما في نفسه من الحسد، وعمل بمقتضاه، وحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود) (٣).
وقد تتكرَّر قصة ابني آدم: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة: ٢٧]، والسعيد مَن ثبَّته الله على ألا يقابل الإساءة بالإساءة كما فعل ابن آدم الأول حين قال: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨]، وتتكرَّر القصة في أبناء آدم حسدًا على دنيا، أو غيرة من صلاح وهمة أو غير ذلك.
ومن أقبح الحسد: ما يكون من المنعَّمين والسبَّاقين في كثير من مجالات الحياة، وكأنما يريدون احتكارها لأنفسهم.
يقول صاحب الظلال: (إنه لمن آلام الحسد: أن يحسد ذو النِّعمة الموهوب، لقد يحسد المحروم ويكون الحسد منه رذيلة، أما أن يحسد المغمور بالنعمة فهذا هو الشر الأصيل العميق ..) (٤).
стр. 179
ومن أبواب السقوط في التنافس غير الشريف: ما يكون بين الأنداد والمتشابهين من علماء الفن الواحد، أو المهنة الواحدة، أو المنزلة الاجتماعية، أو المرتبة الإدارية؛ حيث يتتبَّع كل واحد سقطات الآخر، بدلًا من أن يُعمل الفكر والجهد لتقديم الأنفع والأصلح والأبدع.
ويشخِّص ابن قدامة المقدسي هذا المرض، فيقول: (تعلم أن النفس قد جُبِلت على حبِّ الرفعة، فهي لا تحب أن يعلوها جنسها، فإذا علا عليه شق عليها، وكرِهَته، وأحبَّت زوال ذلك ليقع التساوي، وهذا أمر مركوز في الطباع، فأما إن أحب أن يسبق أقرانه، ويطلع على ما لم يُدرِكوه، فإنه لا يأثم بذلك، لإنه لم يؤثر زوال ما عندهم عنهم، بل أحب الارتفاع عنهم؛ ليزيد حظه عند ربه) (١).
والأمر خطير يحتاج إلى ضبط المشاعر، وتنقية القلب، وإخلاص القصد لئلا يخرج هذا التنافس عن الحدّ المحمود إلى الحسد والتباغض.
ومن بشرى رسول الله ﷺ لأصحاب التنافسِ الشريف، والبراءةِ من التحاسد: أن أول زمرة يدخلون الجنة «قلوبهم على قلب رجل واحد؛ لا تباغض بينهم ولا تحاسد» (٢).
ولا يمكن أن يتماسك مجتمع الساعين لاستئناف المجتمع الإسلامي الكبير، ما لم يتطهر مجتمعهم الصغير الناشئ من الكيد والتحاسد، وما لم يستنزف جهودَهم التنافسُ في الخيرات.
стр. 180
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
• التفاوت بين الناس أمر قدري وطبيعي.
• المنافسة الشريفة تُحرِّك الهمم إلى الخيرات.
• أكثر ما يكون التنافس في الطاعات البدنية والمالية.
• قدَّم الصحابة ﵃ أطهر صور التنافس بين الأنداد.
• الخطورة أن ينقلب التنافس إلى التحاسد.
• أكثر ما يكون التحاسد بعد انفتاح الدنيا على الناس.
• المجتمع النظيف يعم فيه التنافس الشريف.
• الإيمان والحسد لا يجتمعان في قلب عبد.
• شر الحاسد ما يدفعه إليه حسده من كيدٍ ومكر.
• من أقبح الحسد:
- ما يكون من حسد المنعّم لمن دونه.
- ما يكون بين الأنداد في العلم والمنزلة.
• أول زمرة يدخلون الجنة، لا تباغض بينهم ولا تحاسد.
****