← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17083

هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقا

محمود محمد الخزندار

Полный текст (451 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وحين يُفقد مثل هذا الجو النظيف، يكون التنافس في الاستكثار من المتاع، وفي التهافت على كل جديد، حتى يصيب أحدَهم انتفاشةٌ جوفاء، إن هو حاز على شيء من الدنيا، لم يسبقه إليه غيره. والأخطر من هذا كله تنافس الكسالى والبليدين، الذين ينتظرون أن تُصب نعم الله عليهم صبًا، رغم بَلادتِهم وضعف هممهم، وإن لم تغمرهم هذه النِّعم وهم قاعدون، حرَّكتهم همة الشر للكيد لمن يعملون، والتشفي بمن يفوقهم، والحسد لمن سبقهم، والحقد على من أنعم الله عليه مما لم يُنعم عليهم، وقد حذَّر رسول الله ﷺ بقوله: «دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر، والذي نفس محمد بيده لا تُؤمِنوا حتى تحابوا، أفلا أُنبِّئكم بشيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (١)، والسلام الحقيقي هو الارتياح القلبي المتبادل، وما التحية إلا مظهرًا من مظاهره. وحين يشيع مجال التنافس في الخيرات، لا يتطلَّع المرء إلا للَّحاق بمن يفوقُه ورعًا وعبادةً، ودعوةً وجهادًا، والذي يمدُّون أعينهم إلى ما متَّع الله به بعض خلقِه، فتحدثهم أنفسهم أن يسابقوهم في الاشتغال بالتكاثر من النِّعم، أو بالنظر إليهم نظرة الحسد المقيت، يردهم قول رسول الله ﷺ : «انظُروا إلى مَن أسفلَ منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقكم؛ فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» (٢).

стр. 177

ومن أقوال العلماء التي استشهد بها النووي في فهم الحديث: «قال ابنُ جَرير وغيره: هذا حديث جامع لأنواع من الخير؛ لأن الإنسان إذا رأى مَن فُضِّل عليه في الدنيا، طلبت نفسُه مثل ذلك، واستصغر ما عنده من نعمة الله تعالى، وحرص على الازدياد، ليلحق بذلك أو يُقارِبه، هذا هو الموجود في غالب الناس، وأما إذا نظر في أمور الدنيا إلى من هو دونه فيها، ظهرت له نعمة الله تعالى عليه، فشكرها وتواضع، وفعل فيه الخير» (١). وهذا الصنف من الناس أشار إليه رسول الله ﷺ حينما سئل: أي الناس أفضل؟ قال: «كل مخموم القلب، صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غلَّ ولا حسد» (٢). ولا يكتمل الإيمان في قلب من انجرف به التنافس غير الشريف إلى الحسد كما في قوله ﷺ : «.. ولا يجتمعان في قلب عبد: الإيمانُ والحسدُ» (٣). وللحسد عواقب وَخِيمة على الحاسد قبل غيره، وفي بيان بعض عواقب الحسد يقول القرطبي: (والحسد مذموم، وصاحبه مغموم، وهو يأكل الحسنات، وقال الحسن: ما رأيتُ ظالمًا أشبه بمظلوم من حاسد؛ نَفَسٌ دائم، وحزن لازم، وعَبرة لا تنفد. وقال عبد الله بن مسعود: لا تُعادُوا نعم الله، قيل له: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين

стр. 178

يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ...) (١). وما شُرِعت الاستعاذة من ﴿شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (٢)، إلا لما يدفعه إليه تنافسه غير الشريف: من كيد، ومكر، وحيلة، ووقيعة، وما ذنب المحسود إلا الله فضَّله ببعض نعمه، أو وفَّقه لاغتنام وقته وقدراته، إلى أن حاز قدم السبق، وصار محطَّ الأنظار. يقول الشوكاني: (ومعنى إذا حسد: إذا أظهر ما في نفسه من الحسد، وعمل بمقتضاه، وحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود) (٣). وقد تتكرَّر قصة ابني آدم: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة: ٢٧]، والسعيد مَن ثبَّته الله على ألا يقابل الإساءة بالإساءة كما فعل ابن آدم الأول حين قال: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨]، وتتكرَّر القصة في أبناء آدم حسدًا على دنيا، أو غيرة من صلاح وهمة أو غير ذلك. ومن أقبح الحسد: ما يكون من المنعَّمين والسبَّاقين في كثير من مجالات الحياة، وكأنما يريدون احتكارها لأنفسهم. يقول صاحب الظلال: (إنه لمن آلام الحسد: أن يحسد ذو النِّعمة الموهوب، لقد يحسد المحروم ويكون الحسد منه رذيلة، أما أن يحسد المغمور بالنعمة فهذا هو الشر الأصيل العميق ..) (٤).

стр. 179

ومن أبواب السقوط في التنافس غير الشريف: ما يكون بين الأنداد والمتشابهين من علماء الفن الواحد، أو المهنة الواحدة، أو المنزلة الاجتماعية، أو المرتبة الإدارية؛ حيث يتتبَّع كل واحد سقطات الآخر، بدلًا من أن يُعمل الفكر والجهد لتقديم الأنفع والأصلح والأبدع. ويشخِّص ابن قدامة المقدسي هذا المرض، فيقول: (تعلم أن النفس قد جُبِلت على حبِّ الرفعة، فهي لا تحب أن يعلوها جنسها، فإذا علا عليه شق عليها، وكرِهَته، وأحبَّت زوال ذلك ليقع التساوي، وهذا أمر مركوز في الطباع، فأما إن أحب أن يسبق أقرانه، ويطلع على ما لم يُدرِكوه، فإنه لا يأثم بذلك، لإنه لم يؤثر زوال ما عندهم عنهم، بل أحب الارتفاع عنهم؛ ليزيد حظه عند ربه) (١). والأمر خطير يحتاج إلى ضبط المشاعر، وتنقية القلب، وإخلاص القصد لئلا يخرج هذا التنافس عن الحدّ المحمود إلى الحسد والتباغض. ومن بشرى رسول الله ﷺ لأصحاب التنافسِ الشريف، والبراءةِ من التحاسد: أن أول زمرة يدخلون الجنة «قلوبهم على قلب رجل واحد؛ لا تباغض بينهم ولا تحاسد» (٢). ولا يمكن أن يتماسك مجتمع الساعين لاستئناف المجتمع الإسلامي الكبير، ما لم يتطهر مجتمعهم الصغير الناشئ من الكيد والتحاسد، وما لم يستنزف جهودَهم التنافسُ في الخيرات.

стр. 180

خلاصة هذا الفصل وعناصره: • التفاوت بين الناس أمر قدري وطبيعي. • المنافسة الشريفة تُحرِّك الهمم إلى الخيرات. • أكثر ما يكون التنافس في الطاعات البدنية والمالية. • قدَّم الصحابة ﵃ أطهر صور التنافس بين الأنداد. • الخطورة أن ينقلب التنافس إلى التحاسد. • أكثر ما يكون التحاسد بعد انفتاح الدنيا على الناس. • المجتمع النظيف يعم فيه التنافس الشريف. • الإيمان والحسد لا يجتمعان في قلب عبد. • شر الحاسد ما يدفعه إليه حسده من كيدٍ ومكر. • من أقبح الحسد: - ما يكون من حسد المنعّم لمن دونه. - ما يكون بين الأنداد في العلم والمنزلة. • أول زمرة يدخلون الجنة، لا تباغض بينهم ولا تحاسد. ****

стр. 181

الفصل السادس التعاون

стр. 182

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ الأصل في مجتمع المسلمين أنه مجتمعُ تعاونٍ وتكاتف وتعاضد، ولكن باتجاه الخير والبر والتقوى، وبعيدًا عن الشر والإثم والعدوان. وطالما يعيش الإنسان في المجتمعات البشرية، فإنه مدفوع لا محالة إلى صور من التعاون تعبر عن ولائه لأبناء مجتمعه، ومحتاج لا محالة إلى صور من التعاون تعبر عن ضعفه وعجزه، وعدم استغنائه بنفسه عن معونة من يعيشون حوله. من الصدقات التي يزكي بها المسلم يومَه ويتصدَّق بها على نفسه أنه «يعين ذا الحاجة الملهوف» (١)، «ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها، أو يرفع عليها متاعه» (٢)، وإذا ما وجدت عظمًا في طريق الناس كان «رفعك العظم عن الطريق صدقة، وهدايتك الطريق صدقة، وعونك الضعيف بفضل قوتك صدقة، وبيانك عن الأرتم صدقة» (٣).إن مجتمعًا يفشو فيه التعاون لا يضيع فيه أحد ولا يشتكي مخلوق، لأن كل واحد منهم عندئذٍ مقضي الحاجة، مُعانٌ على

стр. 183

الشدة، ويكون فيه «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» (١). قال ابن بطال: «المعاونة في أمور الآخرة، وكذا في الأمور المباحة من الدنيا مندوب إليها» (٢). وإن الذي يمنع عونه عن إخوانه قد يتخلى الله عنه حيث يحتاج إلى العون، ولذلك فقد جاء في الحديث أن من الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم: «.. ورجل منع فضل مائِه، فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك» (٣). وإن من رحمة الله بمَن يتولَّى أمرًا من أمور المسلمين أن يرزقه الله مَن يُعِينه على أمره ويساعده على القيام بواجبه وهو واجب من واجبات البطانة ندر من يقوم به في هذا الزمان. وقد جاء في الحديث قوله ﷺ : «إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق؛ إن نسي ذكَّره، وإن ذكَّر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء؛ إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يُعِنه» (٤). إن مجرد دخول الإنسان في دائرة الإسلام يجعله مصونًا محفوظًا محمي الذمار مُقال العثرة. يذكر بلال ﵁ عن نفقة رسول الله ﷺ كيف كانت، فكان فيما قاله: (.. وكان إذا أتاه الإنسان مسلمًا فرآه عاريًا؛ يأمرني فأنطلق فأستقرض، فأشتري له البردة فأكسوه وأطعمه ..) (٥). ويدور الزمان ليغدو المسلم حربًا على أخيه ذي الشيبة

стр. 184

في الإسلام، وبدلًا من أن يسد خلته، ويرد فاقته، يحاربه في رزقه ويكون عونًا للشيطان عليه! فهل هكذا يكون البنيان الذي يشد بعضه بعضًا؟! إن من فوائد التعاون رفع الظلم عمن أريد به الشر، وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال له: «الرجل يأتيني فيريد مالي؟ - يعني ماذا أفعل معه - قال: ذكَّره بالله، ولأن الرجل يعلم أن بعض النفوس لا يكفيها مجرد التذكير بالله قال: فإن لم يذكر؟ قال: فاستعِن عليه مَن حولك من المسلمين، قال: فإن لم يكن حولي أحد من المسلمين؟ قال: فاستعن عليه بالسلطان، قال: فإن نأى السلطان عني؟ قال: قاتِلْ دون مالك حتى تكون من شهداء الآخرة، أو تمنع مالك» (١). فالأصل أن يحال دون وقوع الظلم على الضعيف بعون المسلمين له من حوله وبعون السلطان والقضاء له لكيلا يضطر للمقاتلة بنفسه؛ حيث لا يجد معينًا، وإذا تُرك الناس ولم يُعانوا كثرت الخصومات وعظمت الثارات؛ لأنه لم يعُدِ المؤمن للمؤمن كالبنيان. وإذا كان الله يتعهَّد ويتكفَّل بعون أصناف من عباده أفلا نتشرف بأن نكون سببًا لهذا العون وستارًا لقدر الله في قضاء حوائج الناس؟ ومن ذلك ما جاء في الحديث: «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف» (٢)، وكلها عون على حق بشري أن يعيش المرء

стр. 185

حرًّا، فيُعان المجاهد على التحرر من طغيان الطغاة والبغاة، كما يعان المكاتب على التحرر من ذل الرق، ويعان الشاب على التحرر من رق الشهوة، ويُحصَّن المسلم من كل صور الاستعباد والذل بتقديم العون له. وفي التعامل مع الخدم والرقيق وجه رسول الله ﷺ إلى معاونة أحدهم على ما يقوم به من أمر الخدمة: «إخوانكم فأحسِنوا إليهم أو فأصلحوا إليهم، واستعينوهم على ما غلبكم، وأعينوهم على ما غلبهم» (١). وفي قصة تحرر سلمان برزت أسمى صور التعاون؛ حيث وجَّه رسول الله ﷺ سلمان للمكاتبة وقال للصحابة: «أعينوا أخاكم»، وكان سيده قد طلب منه ثلاثمائة نخلة يزرعها ومالًا يؤديه ليحرره، فتطوع كل منهم بثلاثين نخلة وبخمس عشرة نخلة وبعشر حتى سدَّدوا عنه ثلاثمائة نخلة، وأعانه الصحابة في الحفر لها، وأعانه رسول الله ﷺ في زراعتها، ولما أُتي رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاجة من ذهب في بعض المغازي دعا سلمان وقال له: «خذ هذه فأدِّ بها ما عليك ..» (٢)، وبذلك أعتق سلمان ﵁. وكل ما يخطر على البال من صور التعاون بين المؤمنين يعمُّه قول رسول الله ﷺ : «مَن نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومَن يسَّر على مُعسِر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومَن ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة،

стр. 186

والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه» (١). ولقد كانت النسوة تقدم خدماتها في ميادين الجهاد، ومن ذلك موقف نساء من بني غِفارٍ، أردن الخروج مع رسول الله ﷺ إلى خيبر فقلن له: «يا رسول الله، قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا، فنداوي الجرحى، ونعين المسلمين بما استطعنا. فقال: على بركة الله» (٢)، فإذا كان هذا شأن النساء في التعاون فهل يحجم الرجال؟! وأصحاب الأهداف العظيمة لا يصلون إلى أهدافهم بالجهود المتضادة المتنافرة، ولنا في ذي القرنين أسوةٌ حين قال لقومه: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٥]، فنتعاون بقوة للخير وعلى الخير، ولنخرج من دائرة الأنانية والاهتمامات الفردية، ولنعش مشاعر الأمة ذات الجسد الواحد. خلاصة هذا الفصل وعناصر: • الإنسان لا يستغنى عن التعاون مع أفراد مجتمعه. • كثير من صدقات المرء على نفسه إنما هي من صور التعاون. • من أبرك صور التعاون، التعاون مع الأمير الصالح. • حديثُ الدخول في الإسلام تقدم إليه خدمات تعاونية. • من أعظم التعاون: - التعاون في دفع الظلم. - في تجهيز الغازي.

стр. 187

- في تزويج العزّاب. - في معاونة الخدم. - في تحرير الرقيق. • أثر التعاون في الدنيا يلاقيه صاحبه في الآخرة تنفيسًا وتيسيرًا. • المجتمع المتعاون يشترك جميع أفراده. * * *

стр. 188

الباب الرابع من أخلاقنا في الإمرة الفصل الأول: حُسْن الأسوة. الفصل الثاني: العدل. الفصل الثالث: التثبت. الفصل الرابع: أدب المطاوعة. الفصل الخامس: اصطفاء البطانة. ****

стр. 189

الفصل الأول حُسْن الأسوة

стр. 190

﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ يتطلع الناس إلى مَثَلٍ أعلى يقتدون به، ويقتَفون أثره، ويحذون حذوَه، وتربية الإسلام تنشئ في نفوس أتباعه السعي إلى معالي الأمور، والترفُّع عن سفسافها، والصعود نحو ذورة سنام الإسلام، ولذلك كان من دعاء عباد الرحمن: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]. وفي تفسير هذه الآية يوضح (مجاهد) المقصود بالإمامة هنا فيقول: (أئمة في التقوى؛ حتى نأتم بمن كان قبلنا، ويأتمَّ بنا مَن بعدنا) (١)، ومعنى ذلك أن صاحب الأسوة الحسنة متتبِّع لخطى الذين سبقوه في الخير، وقدوة لمن يلونه، فهو يرأس الناس في فعل الخير، ويقتدي الناس به، كما يتحرّى أن يقتدي بالصّالحين من سلف الأمة، وهذا ما يكون سبب الثقة به، وإتباعه، والتأسِّي به. وقد أكَّدت هذا المعنى تفاسير عديدة، ونقل ابن حجر عدة أقوال تؤيِّد هذا المعنى، وقد كان هذا حال سيد المجاهدين؛ إذ جعله الله أسوة لمن بعده، كما أمره الله أن يقتدي بمن سبقه من الأنبياء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وإن لم يكن الدعاةُ والهداة على هذا المستوى من الأسوة، حُرِموا الاستخلاف في الأرض، وهذا خليل الله إبراهيم ﵊

стр. 191

لَمَّا جعله إمامًا للناس يُقتدى به قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، أخبره الله تعالى أن فيهم عاصيًا وظالمًا لا يستحق الإمامة فقال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] (١)، فإذا أردنا أن يعيننا الله في إقامة الإمامة الكبرى، فلنستعِن بالله على أنفسنا؛ لنستأهل إمامة القدوة والتأسِّي. ورأس الأمر في إمامة الأسوة: أن ندعو الناس بأفعالنا قبل أقوالنا. يقول عبد الواحد بن زياد: «ما بلغ الحسن البصري إلى ما بلغ؛ إلا لكونه إذا أمر الناس بشيء يكون أسبقهم إليه، وإذا نهاهم عن شيء يكون أبعدهم عنه» (٢)، ولما نبذ رسول الله ﷺ خاتَمَه الذهبي، نبذ الناس خواتمهم (فدل ذلك على أن الفعل أبلغ من القول) (٣). إن صاحب الأسوة الحسنة يترك كثيرًا من المباح، احتياطًا لأمر دينه، وبعدًا عن الشبهات (٤)، ويبتعد عن مواطن سوء الظنِّ؛ لأنها تُنفِّر الناس من الاقتداء به (وهذا متأكد في حق العلماء، ومن يُقتدى به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب سوء الظنِّ بهم، وإن كان لهم فيه مخلص؛ لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم) (٥)، كما قال ابن حجر. وإن الرجل القدوة لأشدُّ على أعداء الله من كل عُدَّة، ولذلك لَمَّا

стр. 192

تمنَّى الناس (ذهبًا ينفقونه في سبيل الله) كانت قولة عمر ﵁: (ولكني أتمنَّى رجلًا مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله) (١). ولن يثق الناس بك، ولن يتأثَّروا بحديثك، وأنت ترتعُ في نعيم لا يجدونه، ولذلك كان سيدنا علي ﵁ يحتاط لنفسه ولأعين الناس، فيلبس المرقع من الثياب، فلما اعترض بعضهم على لباس علي ﵁، أجابهم: (ما لكم وللَّباس، هو أبعد من الكبر، وأجدر أن يقتدي بي المسلم) (٢)، وفي رواية قال: (يخشع به القلب، ويقتدي به المؤمن) (٣). وإن الذي ينحدر للتَّسابق في الملذَّات؛ لن يرقى في سلَّم الطاعات؛ لأن القدوة تسابق في الخيرات، ومجاهدة للنفس إلى أن تحيا بنا دعوتنا؛ إذ (لا حياة لفكرة لم تتقمَّص روح إنسان، ولم تصبح كائنًا حيًّا، دب على وجه الأرض في صورة بشر) (٤)، فلا ينسين الداعية أن الناس ينظرون إليه على أنه مثلهم الأعلى، الذي يرون في سلوكه مصداق ما يدعو إليه، فإن زلَّ زلوا معه، وإن عاد إلى الصواب بعد ذلك قد لا يعودون. إن من أبرز صفات الساعي لأن يكون للمتقين إمامًا: الحذر من سوء التصرف الذي قد يفتن بهم العامة، وقد يُلبِّس على مَن يحسنون الظن بهم، ولو كان الفعل في حدود ما تحتمله الاجتهادات الفرعية

стр. 193

والرخص. ولذلك لمّا رأى ابن عباس أخاه عبيد الله صائمًا يوم عرفة حذّره بقوله: (إنكم أئمة يُقتدى بكم) (١)، ولما نهى عمر ﵁ عنه عبدالرحمن بن عوف عن لبس الخفَّين في الحج - أخذًا بالرخصة في ذلك - لخشية عمر أن يتوسع الناس في ذلك، قال له: (عزمت عليك إلا نزعتَها، فإني أخاف أن ينظر الناس إليك، فيقتدون بك) (٢)، ومثل هذا الموقف تكرر في استنكار عمر على طلحة حين رآه يلبس ثوبًا مصبوغًا وهو مُحرِم، فقال له: (إنكم - أيها الرهط - أئمة يقتدي بكم الناس) (٣). إن أبا سفيان وهو على كفره حين سأله هرقل عن رسول الله ﷺ خشي أن يكذب وهو كبير قومه فيتناقلها الناس، فقال: (فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليَّ كذبًا لكذبت عنه) (٤)، أفليس عباد الرحمن أجدر بتلك الرجولة وذلك الحياء. صاحب الإمامة وحسن الأسوة، لا يستأثر بدنيا على إخوانه، فإن للإمرة ضريبتَها، وللرجولة ثمنها، ولا تُنال الرفعة في الدين إلا بالمجاهدة، ولذلك حين جاءت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تشكو من تشقق يديها من الطحن بالرحى، وتطلب خادمًا فلم تُعطَ (٥)، وكان ﷺ يجوع حتى يضع الحجارة على بطنه؛ لتخفف من جوعه، وينام

стр. 194

على الحصير حتى يؤثر في جنبه (١)، وهكذا كان حال الصالحين الذين يعدُّون الإمارة مغرمًا لا مغنمًا. وكما تكون الإمامة والأسوة في الخير، فهنالك (أئمة يدعون إلى النّار) أي قدوة للضلال (٢)، وكلا الطريقين متاح، فهل تكون أسوة هدى، أم قدوة ضلال؟ لقد كان الحرص على حسن الأسوة، والحذر من الميل عمّا كان عليه حال رسول الله ﷺ ، يدفع رجلًا مثل أبي بكر ﵁ ليقول: (إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ) (٣)، وإن من سار في طريق المجاهدة لا يرتضي لنفسه أن يكون من الخلوف، الذين وصفهم رسول الله ﷺ بأنهم: «يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون» (٤)، وإنما يحرص على أن يكون من أتباع النبي الذين وُصفوا بأنهم: (يأخذون بسنته ويقتدون بأمره) (٥)، وكما يقول مالك بن دينار: «إن العالم إذا لم يعمل بعلمه، زلَّت موعظته عن القلوب؛ كما يزلُّ القطر عن الصخرة الصماء» (٦). ولا يليق بصاحب خلق (حسن الأسوة) أن يكون إمَّعة يسيء مع المسيئين، فقد روي عن ابن مسعود قوله:) وطّنوا أنفسكم: إن

стр. 195

أحسن الناس أن تحسنوا، وإذا أساؤوا أن تتجنبوا إساءتهم ((١)، وكذلك وطنوا أنفسكم ألا يفتتن بكم إمعة من الرعاع، وألا يتخذكم غيركم رأسًا في الضلال، يقول ابن العربي في شرح قوله ﷺ : «ولا غدرة أعظم من غدرة إمام عامة» (٢): (وإنما جعلها أعظم من الإمام؛ لأن متعلقاتها من المغرور به أكثر، ففحشت بكثرتها) (٣). والرأس في الخير لا بد أن يقدم رأسه ثمنًا لرياسته، وأن يهون في نظره كل شيء في سبيل ثباته في مواقف الابتلاء، وقد سُجن البويطي - خليفة الشافعي - في فتنة خلق القرآن وقُيِّد بالسلاسل والأغلال، ولم يقبل أن ينطق بغير الحق ولو همسًا وهو يقول:) إنه يقتدي بي مائة ألف، ولأموتن في حديدي هذا؛ حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم ((٤). فعسى إن كنا على مستوى حسن الأسوة والتأسي، أن يجعلنا الله أئمة ويجعلنا الوارثين، ويُمكِّن لنا في الأرض، ويجعلنا للمتقين إمامًا. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - عباد الرحمن يتطلعون لأن يكونوا للمتقين إمامًا.

стр. 196

- صاحب الإمامة يقتدي بمن سلف ويكون قدوة لمن خلف. - الذين لا يكونون على مستوى الأسوة لا يُمكِّن لهم في الأرض. - صورة صاحب الإمامة: - يدعو بأفعاله قبل أقواله. - يبتعد عن الشبهات. - يتمناه الأمير الصادق. - زاهد في الدنيا. - الحذر من سوء التصرف لئلا يفتن به الناس. - التزام الصدق. - أخذ النفس بالعزيمة. - الخلوف يقولون ما لا يفعلون. - صاحب الأسوة يوطن نفسه على الإحسان وإن أساء الناس. - صاحب الأسوة معرَّض للبلاء.

стр. 197

الفصل الثاني العدل

стр. 198

﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ من أغراض الجهاد في الإسلام: إخراج الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن دوافع الهجرة إلى الحبشة أن «فيها ملكًا لا يُظلم عنده أحد» (١)، ومن أهم مزايا دعوة الإسلام أنها نشرت العدل وعمَّمته. بالرجوع إلى كثير من نصوص القرآن التي تتحدث عن الظلم والظالمين، نجد أنها: نفت عنهم الفلاح، واستبعدتهم من أن ينالهم عهدُ الله، وبشَّرتهم بأن الله لا يحبهم، ولا يزيدهم إلا خسارًا، وحكمت عليهم بالخيبة وسوء العاقبة (٢). وفي مقابل ذلك فإن لله اسمًا مشتقًّا من العدل، وهو الذي لا يظلم الناس مثقال ذرة، وأمر رسوله بالعدل، وعمَّم الأمر بالعدل على جميع عباده (٣)، وجُعِل في مقدمة السبعة الذين يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله (إمام عادل) (٤).

стр. 199

كما جعل الإمام العادل من الثلاثة الذين لا تُرَد دعوتهم (١). ولكي تقوم حياة الناس على العدل، فقد ذكَّر رسول الله ﷺ المسلم بأنه: «كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الناس صدقة» (٢)، وربط عدله في الدنيا بمصيره في الآخرة، حيث يوضع الميزان، ويحاسب الناس بالقسطاس المستقيم، فأخبر ﷺ بأن من المُنجِيات: «العدل في الغضب والرضا» (٣)، وهذه أعلى مراتب العدل؛ إذ قد يعدل المرء في حال الرضا، ولكن يندر أن يعدل وهو غاضب أو ساخط أو كاره، وقد خصَّ الله أهل العدل في الدنيا، بإعلاء شأنهم في الآخرة، وتقريبهم منه سبحانه، كما في الحديث: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن - وكلتا يديه يمين -: الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما وُلُّوا» (٤). والأمة المسلمة لا يشفع لها إسلامها في استحقاق التأييد من الله إذا كانت ظالمة، فمن أسباب التمكين في الأرض، والتأييد من الله، أن يُحال دون تفشِّي المظالم، وأن يعمَّ العدل حياةَ المسلمين، ولذلك يقول ابن تيمية: «إن الله يقيم الدولة العادلة - وإن كانت كافرة - ولا يقيم الدولة الظالمة - وإن كانت مؤمنة -» (٥)، وكذلك فإن دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرًا؛ لأن فجوره لا يقتضي التعدي عليه بغير حق،

стр. 200

ولا غمط حق من حقوقه، كما في قوله ﷺ : «دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه» (١). إن عدل الله يسع البهائم مثلما يسع الناس، ومن الخير للعبد ألا يظلم مخلوقًا في الدنيا من إنسان أو حيوان، وأن يبادر إلى أداء الحقوق في هذه الدنيا مختارًا، قبل أن يقاد بها يوم القيامة، ولذلك يقول رسول الله ﷺ : «لتُؤَدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة؛ حتى يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» (٢)، ولذلك فإن «مَن كانت عنده مظلمة لأخيه: من عرضه، أو شيء منه، فليتحلَّله منه اليوم، من قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه، فحمل عليه» (٣)، كما في الحديث الصحيح. ومهما يكن المظلوم ضعيفًا، فإن الله ناصره، ومن له بالله طاقة حتى يتجرأ على ظلم العباد؟! فقد جاء في الحديث: «... ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزَّتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين» (٤) فلا يتجرأنَّ ظالم إن أمهله الله؛ لأن الله ناصر كل مظلوم - ولو بعد حين - قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] قال ﷺ : «إن الله ليملي للظالم حتى إذا

стр. 201

أخذه لم يُفْلته»، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] (١). وقد كان رسول الله ﷺ يُعلِّم أصحابه أن يدعوا ربهم بدفع الظلم عنهم، ووقايتهم من شرور كل ظالم؛ لينمي في نفوسهم بغض الظلم والظالمين، وليزرع في قلوبهم مشاعر العزة والكرامة، وقلما كان يقوم من مجلس حتى يدعو لأصحابه بمثل قوله: «واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا .. ولا تسلِّط علينا من لا يرحمنا» (٢)، وفي حديث آخر دعاؤه: «ربِّ أعنِّي ولا تُعِن عليَّ، وانصرني ولا تنصر علي، واهدني ويسر الهدى إليَّ، وانصرني على من بغى عليَّ ...» (٣)، أفلا يرتجف قلب الظالم من دعوة مظلوميه؟ أو لا تنبعث في نفوسنا دوافع رفع الظلم وإفشاء العدل والتواصي به؟ ومما يُفتن به الظالم الوجيه في قومه أنه لا يرى مَن يزجره، بل قد يجد مُن يُحسِّن له عدوانه، ويُبرره له بأنه عين الحكمة - كما هو شأن بطانة السوء في كل زمان - فليراجع كل ظالم نفسه إذا كان حريصًا على نجاته، فإن رسول الله ﷺ يقول: «يكون أمراء فلا يُرَدُّ عليهم قولهم، يتهاتفون في النار يتبع بعضهم بعضًا» (٤). وأولى بالبطانة أن تحضَّ على الخير، وتقف مع صاحب الحق، كما كان من رسول الله ﷺ حين انتهر الصحابة أعرابيًّا اشتد على رسول الله في طلب دَينه، فقال

стр. 202

لهم رسول الله ﷺ : «هلَّا مع صاحب الحق كنتم» (١). ومصداقية الداعين إلى الإسلام أمام أتباعهم، لا تكون إلا بإشاعة روح العدل، ومناصرة المظلومين، وقد قال أحد الدعاة معبّرًا عن هذا المعنى: (لم نسمع من الدعاة ولا من المتمسلمين، صيحات مدوِّية تشق آذان الظلمة، وتنادي بإنصاف العامل المفصول بغير حق، من أجل ذلك أخشى على الإسلام من المنتسبين إليه نفاقًا، والمحسوبين عليه صورة، أكثر مما أخشى عليه من أعدائه المجاهرين برفضه، والمعلنين الحرب على أهله) (٢)، ولذلك تبرأ رسول الله ﷺ من الشياطين الخرس؛ الذين يعينون على الظلم بسكوتهم عنه: «إنه سيكون بعدي أمراء، فمن دخل عليهم قصدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، وليس بوارد عليّ الحوض ..» (٣). وتمام العدل حين يكون مع الصديق والعدو، كما علّمنا القرآن: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] وقد فقه يهود أن هذا العدل به تقوم السماوات والأرض، حين جاءهم عبد الله بن رواحة مبعوثًا من رسول الله ﷺ ؛ لتقدير محصولهم من الثمار والزروع، وتقاسمها حسب ما تم الاتفاق عليه بعد فتح خيبر، فحاولوا رِشوة ابن رواحة ليرفق بهم، فقال لهم: «والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إليَّ، ولأنتم أبغض إليَّ من أعدائكم من القردة والخنازير، وما يحملني حبِّي إيَّاه وبغضي

стр. 203

لكم علي ألا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض» (١). خلاصة هذا الفصل وعناصره: - اختيار الهجرة إلى الحبشة؛ لأنه لا يظلم فيها أحد. - الإمام العادل لا تُرَد دعوته ويظله الله في ظل عرشه. - من أعلى مراتب العدل أن يكون في الغضب والرضى. - ينصر الله الدولة الكافرة العادلة على ظلمة المسلمين. - الظلم مُستقبَح حتى مع البهائم. - التحلل من المظلوم في الدنيا قبل يوم الحساب. - الله يستدرج الظالمين فإذا أخذهم لم يفلتهم. - كثير من الأدعية تحمل النفرة من الظلم. - إذا لم يجد الظالم من يأخذ على يديه تمادى. - من العدل الوقوف مع صاحب الحق وإن كان وضيعًا. - من عوامل قبول الداعية وقوفه مع المظلومين. - تمام العدل أن يكون مع الصديق والعدو. ****

стр. 204

الفصل الثالث التثبت

стр. 205

﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ قد انقطع الوحي الذي يكشف المنافقين والكاذبين، ولكن لم تنقطع الضوابط الشرعية والأصول الإسلامية للتبيُّن والتثبت، وما أحوج المؤمنين والدعاة - قادة وجنودًا - لأن يتدبروها ويتخلقوا بها! من أول مزالق عدم التثبت سوء الظن، ولذلك يقول الغزالي ﵀: (ليس لك أن تعتقد في غيرك سوءًا إلا إذا انكشفت لك بعيان لا يقبل التأويل) (١). ثم ينحدر الظن إلى مزلق آخر، وهو إشاعة ظنه ذاك، وقد نقل الشوكاني عن مقاتل بن حيان قوله: (فإن تكلم بذلك الظن وأبداه أثم) (٢)، وحكى القرطبي عن أكثر العلماء: (أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز) (٣)، وقال الغزالي: (اعلم أن سوء الظن حرام، مثل سوء القول، فلا يستباح ظن السوء إلا بما يستباح به المال، وهو بعين مشاهدة أو بينة عادلة) (٤). يقول ابن قدامة: (فليس لك أن تظن بالمسلم شرًّا، إلا إذا انكشف أمر لا يحتمل التأويل، فإن أخبرك بذلك عدل، فمالَ قلبك إلى تصديقه، كنت معذورًا ... ولكن أشار إلى قيد مهم فقال: «بل

стр. 206

ينبغي أن تبحث هل بينهما عداوة وحسد؟) (١). ويروى أن سليمان بن عبد الملك قال لرجل: (بلغني أنك وقعت فيَّ وقلت: كذا وكذا، فقال الرجل: ما فعلت، فقال سليمان: إن الذي أخبرني صادق، فقال الرجل: لا يكون النمام صادقًا، فقال سليمان: صدقت، اذهب بسلام) (٢). والفطن من يُميِّز بين خبر الفاسق وخبر العدل، ومن يفرق بين خبر عدل عن ندٍ له، أو عمّن يحمل له حقدًا، وبين شهادة العدل المبرَّأة من حظ النفس، ومن يميز بين خبر العدل وظن العدل، والظن لا يغني شيئًا، ومن يفرّق بين خبر دافعه التقوى، وخبر غرضه الفضيحة أو التشهير. والذي لم يتخلق بخلق (التثبت) تجده مبتلًى بالحكم على المقاصد والنويات والقلوب، وذلك مخالف لأصول التثبت، يقول الشافعي - ووافقه البخاري -: (الحكم بين الناس يقع على ما يُسمع من الخصمين، بما لفظوا به، وإن كان يمكن أن يكون في قلوبهم غير ذلك) (٣). ومن أخطر المزالق أن يحسن الأمير الظن برجل من الناس ليس أهلًا للثقة، ثم يكون أسيرًا لأخباره، أُذنًا لأقواله، يصغي إليه ويصدقه، يقول ابن حجر: (المصيبة إنما تدخل على الحاكم المأمون من قبوله قول من لا يوثق به، إذا كان هو حسن الظن به، فيجب عليه أن يتثبت في

стр. 207

مثل ذلك) (١). ومن أصول التثبت ألا يؤخذ أحد بالقرائن، طالما هو ينكر ولا يقرُّ وشواهد ذلك في السنة كثيرة، ومنها ما رواه ابن ماجة بسند صحيح عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: «لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة، لرجمتُ فلانة، فقد ظهر فيها الريبة، في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها» (٢)، ومع ذلك فلم يرجمها رسول الله ﷺ ، لأنها لم تقر، ولم يقذفها بلفظ الزنا. وأكاد أجزم أن أهم أصول التثبت فيما يُنقل من أخبار: السماع من الطرفين، فقد أخرج أبو داود والنسائي أن النبي ﷺ ، أرسل عليًّا ﵁ إلى اليمن قاضيًا، فأوصاه: «... فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء» (٣)، يقول علي ﵁: (ما شككت في قضاء بعد)، فكان الصواب حليفه بالتثبت، وكم زلَّت أقدام، ووقعت فتن بسبب عدم التثبت! يقول الشوكاني: (الخطأ ممن لم يتبين الأمر، ولم يتثبت فيه، هو الغالب، وهو جهالة ..) (٤). وكم تجد من الناس مَن يُسارِع للشهادة على أمرٍ لم يفقَهْه، في حق امرئ لا يعرفه! ولذلك أفتى الحسن البصري تحريًا للتثبت:

стр. 208

(لا تشهد على وصية حتى تُقرأ عليك، ولا تشهد على مَن لا تعرف) (١). وليس من خلق المتثبت التسرع والعجلة، وإن ﷺ ، حين أرسل خالدًا ﵁ للتحقق من عداوة بني المصطلق (أمره أن يتثبت ولا يعجل) (٢) ولما أرسله إلى بني جذيمة، للتحقق من إسلامهم، فتعجل في القتل، قال ﷺ : «اللَّهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» (٣)، بل إن مما ذكر القاضي شهاب الدين الشافعي في كتابه (آداب القضاء): (وعليه - إن لم يتضح له الحق - تأخير الحكم إلى أن يتضح ..) (٤). قال الشوكاني في تفسيره لآية التبين: (ومن التثبت: الأناة، وعدم العجلة، والتبصر في الأمر الواقع، والخبر الوارد، حتى يتضح ويظهر ...) (٥). وإن سؤال العلماء ومشورتهم يسدِّد المتثبت، وقد نقل ابن حجر عن الشعبي - بسند جيد - قوله: (مَن سرَّه أن يأخذ بالوثيقة من القضاء، فليأخذ بقضاء عمر فإنه كان يستشير) (٦) ولا تخافوا من المشورة فإنها تقربكم إلى الحق.

стр. 209

وكثيرًا ما يُتهم شخص بتهمة، فينفيها، أو يبين عذره فيها، ثم يستمر الحديث عنه والتحذير منه، فهل هذا من التثبت؟! إن حاطب ابن أبي بَلْتَعة حين صدر منه إفشاء سرِّ ﷺ ، طلب عمر أن تقطع عنقه، غير أن رسول الله ﷺ استمع إليه، حتى إذا انتهى قال: «صدق. لا تقولوا له إلا خيرًا» (١). وكل مسلم ظاهره الصلاح صادق ولا نقول له إلا خيرًا، وإلا فإن الاتهام بغير تثبت سبب في كثير من المظالم، ولذلك كتب عمر بن عبدالعزيز إلى أحد أمرائه - عَدِي بن أرطأة أمير البصرة - في قتيل وُجد عند بيت ولم يُعرف قاتله: (إن وجد أصحابه بينة، وإلا فلا تظلم الناس، فإن هذا لا يقضى فيه إلى يوم القيامة) (٢) بل جاء في الحديث المتفق عليه: «لو يعطى الناس بدعواهم، لذهب دماءُ قوم وأموالهم» (٣). وإن الواحد من الصحابة على عدالته كان يُطالبَ - في الخصومات - بإحضار شهود أو الإدلاء ببيانات، أو القسم، ولم تكن عدالته لتشفع له في استقطاع شيء من حقوق الناس، أو مسِّ أعراضهم. وقد اشترط الشرع البينة دفعًا للاتهامات الرخيصة - غير المسؤولة - لئلا يبادر أحد إلى اتهام أحد إلا عن يقين، ولذلك حين قُتل صحابي وجد بين بيوت اليهود في خيبر، اتهم أصحابه اليهود في قتله، فطالبهم رسول الله ﷺ بالبينة) قالوا: ما لنا بينة، قال: فيحلفون،

стр. 210

قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود ((١)، فاضطر رسول الله ﷺ أن يدفع ديته مائة من الإبل، ولم يتهم اليهود بلا بينة. ولم يجعل الشرع لفاقد البينة إلا يمين خصمه - ولو كان الخصم غير ثقة عند المدعي - ويؤيد ذلك ما رواه مسلم في قصة الحضرمي المدعي على كندي؛ بأنه غصبه أرضه، فقال رسول الله ﷺ للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا، قال: «فلك يمينه»، قال: يا رسول الله إن الرجل فاجر، لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء، فقال: «ليس لك منه إلا ذلك» (٢)، ولم يعترض رسول الله ﷺ على اتهام الرجل لخصمه بعدم التورع في الحلف؛ لأنه من كلام الخصوم بعضهم في بعض - كما بوّب البخاري في الخصومات - وعقب ابن جحر بقوله:) أي فيما لا يوجب حدًا ولا تعزيرًا فلا يكون ذلك من الغِيبة المحرَّمة ((٣)، كما قال ابن حجر:) يمين الفاجر تسقط عنه الدعوى، ولولا ذلك لم يكن لليمين معنى ((٤). وإن من التثبت: أن ترفض الاستماع إلى النمَّام، فقد جاء في مسند أحمد: «لا يبلغني أحدٌ عن أحدٍ من أصحابي شيئًا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» (٥).

стр. 211

فلا تجعلوا بطانتكم من النمَّامين، فإن مَن وشى إليكم اليوم يشي بكم غدًا، ومثله ليس أهلًا للثقة - لفسقه بالنميمة - وفي ذلك يقول ابن قدامة المقدسي:) لا تصدِّق الناقل، لأن النمَّام فاسق، والفاسق مردود الشهادة ((١)، فإن ركنتم إلى النمَّامين، وأصبتم إخوانكم بجهالة فلا تنسوا أن تصبحوا على ما فعلتم نادمين. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - بعد انقطاع الوحي لا بد من ضوابط للتبين. - من منزلقات عدم التثبت: - سوء الظن بغير بينة. - إشاعة هذا الظن. - الحكم على المقاصد والنوايا. - عدم التمييز بين خبر الفاسق وخبر العادل. - إحسان الظن فيمن لا يوثق به. - من أصول التثبت: - الاعتماد على إقرار المتهم وليس على القرائن. - الاستماع إلى الطرفين. - استشارة أهل العلم. - عدم الشهادة على ما لا نعلم بيقين. - عدم التسرع حتى يتضح الأمر. - لا يجوز التحدث عن شخص بتهمة لم تثبت عليه. - الاتهام بغير تثبت سبب كثير من المظالم. - الصحابة رغم عدالتهم كانوا مطالبين بالشهود والبيّنات.

стр. 212

- يمين المدعى يدفع عنه التهمة وإن لم يكن ثقة. - من التثبت عدم الاستماع إلى النمام. ****

стр. 213

الفصل الرابع أدب المطاوعة

стр. 214

«.. وتطاوعا ولا تختلفا». كلما كان المسلمون أقرب إلى قطف الثمرة كانوا أحوج إلى تقديم مصلحة الأمة على الأهواء الشخصية، فلابد أن يتنازل أحد الأطراف المختلفة؛ ليطاوع الطرف الآخر، مؤثرًا ﵁، وجلب الخير العميم، ودفع الشر العظيم. المطاوعة - في حقيقتها -: استعداد من كل طرف للتنازل للطرف الآخر، إذا وقع اختلاف على أمر ما، وليس المقصود بهذا التنازل الرجوع عن حق صريح واضح، وإنما هو لين جانب حينما يكون الاختلاف بين الحسن والأحسن، أو إرجاء المناظرة في الأمر المختلف فيه؛ إبقاء على المودة، وإيثارًا لصفاء القلب، فكل منهما طيع في يد أخيه، يتنازل هذا تارة، ويتنازل ذاك أخرى. وهذا الأدب كان واضحًا بين صحابة الرسول ﷺ ، وخاصة إذا خفي وجهُ الحق في مسألة اجتهادية، ولأننا بشر، فلا نستطيع أن نقطع لأنفسنا بصواب الرأي، وسداد البصيرة، ولابد من التوجه إلى الله؛ ليسدد الخطأ، ويثبت على الحق، وقد كان من دعاء رسول الله ﷺ في قيامه: «اهدِني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (١).

стр. 215

وأخطر ما يكون التنازع في مواقف الجهاد والدعوة، ولقد ترجم البخاري بابًا بقوله:) باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب (، واستشهد بوصية رسول الله ﷺ لمعاذ وأبي موسى قبل إرسالهما إلى اليمن: «يسِّرا ولا تُعسِّرا وبشِّرا ولا تنفِّرا وتطاوعا ولا تختلفا» (١)، وكم يكون محرجًا؛ حين يتنازع داعيان فاضلان حول مسألة شرعية والناس بأعينهم ينظرون! وإنما يحتاج المؤمن لشجاعة التراجع عن الرأي المفرِّق، والتزام الرأي الجامع، وقد ذكر ابن حجر أن عليًّا وعمر ﵁ كانا يُفتِيان بألا تُباع أم الولد، فقال عبيدة لعلي ﵁:) رأيك ورأي عمر في الجماعة، أحب إليَّ من رأيك وحدك في الفرقة ((٢)، فتراجع علي عن فتواه، وقال:) اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف ((٣)، ونبذ الخلاف مقدم على الإصرار على تثبيت رأي أو وجهة نظر اجتهادية، وأما الحق المقطوع فيه، فيقدر الداعية الحكيم على إيصاله بحكمته، بعيدًا عن المشاجرة والخصومات. ولو أننا نتذكر حال المؤمنين في الجنة، لسعينا لأن نجعل رحلتنا في الدنيا صورة عن حياة أهل الجنة، الذين وصفهم الرسول ﷺ بقوله: «لا اختلاف بينهم ولا تباغض، وقلوبهم قلب واحد» (٤)، ولذلك كان رسول الله ﷺ يُحذِّر من الوقوع في دواعي الاختلاف؛
следующие страницы →