فلا تجعلوا بطانتكم من النمَّامين، فإن مَن وشى إليكم اليوم يشي بكم غدًا، ومثله ليس أهلًا للثقة - لفسقه بالنميمة - وفي ذلك يقول ابن قدامة المقدسي:) لا تصدِّق الناقل، لأن النمَّام فاسق، والفاسق مردود الشهادة ((١)، فإن ركنتم إلى النمَّامين، وأصبتم إخوانكم بجهالة فلا تنسوا أن تصبحوا على ما فعلتم نادمين.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- بعد انقطاع الوحي لا بد من ضوابط للتبين.
- من منزلقات عدم التثبت:
- سوء الظن بغير بينة.
- إشاعة هذا الظن.
- الحكم على المقاصد والنوايا.
- عدم التمييز بين خبر الفاسق وخبر العادل.
- إحسان الظن فيمن لا يوثق به.
- من أصول التثبت:
- الاعتماد على إقرار المتهم وليس على القرائن.
- الاستماع إلى الطرفين.
- استشارة أهل العلم.
- عدم الشهادة على ما لا نعلم بيقين.
- عدم التسرع حتى يتضح الأمر.
- لا يجوز التحدث عن شخص بتهمة لم تثبت عليه.
- الاتهام بغير تثبت سبب كثير من المظالم.
- الصحابة رغم عدالتهم كانوا مطالبين بالشهود والبيّنات.
стр. 212
- يمين المدعى يدفع عنه التهمة وإن لم يكن ثقة.
- من التثبت عدم الاستماع إلى النمام.
****
стр. 213
الفصل الرابع
أدب المطاوعة
стр. 214
«.. وتطاوعا ولا تختلفا».
كلما كان المسلمون أقرب إلى قطف الثمرة كانوا أحوج إلى تقديم مصلحة الأمة على الأهواء الشخصية، فلابد أن يتنازل أحد الأطراف المختلفة؛ ليطاوع الطرف الآخر، مؤثرًا ﵁، وجلب الخير العميم، ودفع الشر العظيم.
المطاوعة - في حقيقتها -: استعداد من كل طرف للتنازل للطرف الآخر، إذا وقع اختلاف على أمر ما، وليس المقصود بهذا التنازل الرجوع عن حق صريح واضح، وإنما هو لين جانب حينما يكون الاختلاف بين الحسن والأحسن، أو إرجاء المناظرة في الأمر المختلف فيه؛ إبقاء على المودة، وإيثارًا لصفاء القلب، فكل منهما طيع في يد أخيه، يتنازل هذا تارة، ويتنازل ذاك أخرى.
وهذا الأدب كان واضحًا بين صحابة الرسول ﷺ ، وخاصة إذا خفي وجهُ الحق في مسألة اجتهادية، ولأننا بشر، فلا نستطيع أن نقطع لأنفسنا بصواب الرأي، وسداد البصيرة، ولابد من التوجه إلى الله؛ ليسدد الخطأ، ويثبت على الحق، وقد كان من دعاء رسول الله ﷺ في قيامه: «اهدِني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (١).
стр. 215
وأخطر ما يكون التنازع في مواقف الجهاد والدعوة، ولقد ترجم البخاري بابًا بقوله:) باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب (، واستشهد بوصية رسول الله ﷺ لمعاذ وأبي موسى قبل إرسالهما إلى اليمن: «يسِّرا ولا تُعسِّرا وبشِّرا ولا تنفِّرا وتطاوعا ولا تختلفا» (١)، وكم يكون محرجًا؛ حين يتنازع داعيان فاضلان حول مسألة شرعية والناس بأعينهم ينظرون!
وإنما يحتاج المؤمن لشجاعة التراجع عن الرأي المفرِّق، والتزام الرأي الجامع، وقد ذكر ابن حجر أن عليًّا وعمر ﵁ كانا يُفتِيان بألا تُباع أم الولد، فقال عبيدة لعلي ﵁:) رأيك ورأي عمر في الجماعة، أحب إليَّ من رأيك وحدك في الفرقة ((٢)، فتراجع علي عن فتواه، وقال:) اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف ((٣)، ونبذ الخلاف مقدم على الإصرار على تثبيت رأي أو وجهة نظر اجتهادية، وأما الحق المقطوع فيه، فيقدر الداعية الحكيم على إيصاله بحكمته، بعيدًا عن المشاجرة والخصومات.
ولو أننا نتذكر حال المؤمنين في الجنة، لسعينا لأن نجعل رحلتنا في الدنيا صورة عن حياة أهل الجنة، الذين وصفهم الرسول ﷺ بقوله: «لا اختلاف بينهم ولا تباغض، وقلوبهم قلب واحد» (٤)، ولذلك كان رسول الله ﷺ يُحذِّر من الوقوع في دواعي الاختلاف؛
стр. 216
حتى لا تتنافر نفوس الأمة «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» (١)، ولذلك كان كثير من العلماء يحتفظون لأنفسهم بفتاوى لا يشيعونها بين الناس؛ لتفرُّدهم بها، ولخروجها عما اشتهر في المسألة حذرًا من فتنة العامة أو تشويش طلبة العلم.
وكان من وصيته ﷺ عندما يسوي صفوف الصلاة أن يقول: «استووا، ولا تختلفوا؛ فتختلف قلوبكم» (٢)، حتى الاختلاف في صف الصلاة قد ينعكس أثره على تأجيج اختلاف القلوب، فلِينُوا في أيدي إخوانكم، وسوُّوا صفوفكم، واتَّبعوا إمامكم، لعله يترشح من ذلك ائتلاف قلوبكم.
وكلما كان احتكامنا للشرع خالصًا نكون أبعد عن مهاوي الفرقة، وهذا ما يذكر المسلم به نفسهن وهو يدعو في تهجُّده: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت» (٣).
ويجب على عقلاء الأمة أن يكونوا عونًا في دفع كل خلاف، وفض كل نزاع، والمبادرة إلى الأخذ بما يوحد الصفوف، وقد صف سيدنا عمر اختلاف الناي فيمن يبايعون بعد وفاة رسول الله ﷺ ، إلى أن قال:) فكثر الغلط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقلت: ابسُطْ يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته، وبايعه
стр. 217
المهاجرون، ثم بايعته الأنصار ((١)، وبهذا الموقف الجريء قضى على فتنة كان من الممكن أن تصدع صفوف المسلمين.
ويعين على خلق المطاوعة: التزام حدود الشرع، وطاعة الأمير، وهذا ما وجه إليه رسول الله ﷺ حين قال: «.. ومَن يعِشْ منكم فسيري اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوًا عليها بالنواجذ ..» (٢)، وكثيرًا ما يكون أمر أميرك - في عمل أو سفر - مخالفًا لما تميل إليه، فإن ذهب كل امرئ حسب هواه، فسنرى اختلافًا كثيرًا، وإن تطاوع كل امرئ مع أميره، وتنازل لرأيه، فتلك هي السنة.
ولابد أن يتنادى المخلصون للقضاء على أي فتنة عند بوادر أي اختلاف، وهذا ما كان من حذيفة حين أخبر عثمان باختلاف الناس في قراءة القرآن، فقال له:) أدرِكْ هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى .. ((٣).
ولعل ما يحبب في المطاوعة، وينفر من الخصومة، استحضار ما ورد في الترهيب من اللجاجة والمراء والتنازع، فقد جاء في صفات المنافق أحاديث كثيرة منها: «.. وإذا خاصم فجر» (٤)، و «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» (٥)، وقد تعهد رسول الله ﷺ ببيت في
стр. 218
رَبَض الجنة لمن يترك المراء والجدل وهو يعلم أنه على حق وصواب: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة، لمن ترك المراء وإن كان محقًّا» (١)، وهذه أعلى درجات المطاوعة.
وإنما يكون هلاك الأمة باختلافها كما جاء في الحديث: «.. فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا» (٢)، ولو تنازل بعضهم لما اختلفوا، ولما هلكوا، وقد كان القرن الأول في أسمى صور المطاوعة، ومن ذلك ما ورد أن عثمان ﵁ صلى في منًى أربعًا فبلغ ذلك ابن مسعود ﵁ فأزعجه ما سمع، ومع ذلك صلى معه أربعًا، فلما سئل عن ذلك قال: (الخلاف شر) (٣)، ولما نُوقشت البيعة بعد رسول الله ﷺ ، قال رجل من الأنصار: منا رجل ومنكم رجل، فقال عمر ﵁: (سيفان في غمد واحد؟! إذا لا يصطلحان) (٤)، وهذا من فقه عمر ﵁.
وإن النفوس العالية لتملك أن تعامل بسلامة الصدر مهما عظم الخلاف فقد قال علي ﵁ في حق من خرجوا عليه يوم الجمل حين سئل عنهم: أكفار هم؟ أم منافقون؟ أم ماذا؟ فقال: (إخواننا بغوا علينا) (٥) ولم يقبل أن يتهمهم بكفر أو نفاق، وقد كان ممن قاتله في معركة الجمل الصحابي طلحة ﵁، فكان يقول لعمران بن
стр. 219
طلحة: (إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله فيهم: ﴿مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] (١)، أفلا نتخلق بالمطاوعة، والنفور من الاختلاف؛ لنكون إخوانًا في الدنيا والآخرة، ولتسلم صدورنا من تحريش الشيطان، ولتقوم للأمة دولة وسلطان.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- المطاوعة استعداد للتنازل عند الاختلاف.
- لا نستطيع أن نقطع بصواب رأي اجتهادي.
- من أوجب المواطن للمطاوعة مواقف الجهاد والدعوة.
- نبذ الخلاف مقدم على الإصرار على إثبات رأينا.
- لئلا يقع الخلاف نتجنب دواعيه.
- من صور المطاوعة اللين في تسوية صفوف الصلاة.
- يقضى على الخلاف باتخاذ رأي حازم والشروع فيه.
- المخلصون يتنادون للقضاء على أي خلاف.
- من عواقب البعد عن المطاوعة الوقوع في الخصومات والجدل.
- الخلاف من أسباب هلاك الأمة.
- مهما عظم الخلاف فلا ينبغي الخروج عن الإنصاف.
****
стр. 220
الفصل الخامس
اصطفاء البطانة
стр. 221
«اللهم يسر لي جليسًا صالحًا».
سواء أكنت رئيسًا أم مرؤوسًا، مأمورًا أم آمرًا، فلابد أن يكون لك أصحاب تقربهم إليك، وتستأنس بهم، وتشاورهم في كثير من أمورك، وهؤلاء هم بطانتك، وقد غلب استعمال لفظ «البطانة» مع الأمراء، وقد فسر ابن حجر البطانة: بالدخلاء، جمع دخيل: (وهو الذي يدخل على الرئيس في مكان خلوته، يفضي إليه بسره، ويصدقه فيما يخبره به مما يخفى عليه من أمر رعيته، ويعمل بمقتضاه) (١).
كثيرًا ما نرى من أهل الصلاح من يزل زلات، إنما استدرجته إليها بطانة فاسدة، زينت له الباطل، وحجبت الحق عن عينيه، ومسؤولية أحدنا تبدأ من حسن الاختيار للأصحاب، فالصاحب دليل على صاحبه؛ إذ إن النفوس المتماثلة تتجاذب فيما بينها، كما بيَّن رسول الله ﷺ بقوله: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (٢)؛ لأن أية صحبة لا تخلو من تأثير وتأثر، وقد كان سلف الأمة يحرصون على الأنس بالجليس الصالح، والصاحب التقي، الذي يعني على الخير، ويزيل وحشة الغربة، وقد ورد عن علقمة أنه حين قدم الشام غريبًا دعا: (اللهم يسر لي جليسًا صالحًا) (٣)؛ لأن الجليس الصالح يذكرك إذا
стр. 222
غفلت، ويعينك إذا تذكرت.
والرسول ﷺ بيَّن أنه ما من نبي، ولا خليفة، إلا ويقع بين دواعي بطانتين: «ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه» (١)، وفي رواية «وبطانة لا تألوه خبالًا» (٢)، وإذا أردت أن تحتاط لأمر دينك، فمن البداية خذ بوصية رسول الله ﷺ باختيار صالحي المؤمنين لبطانتك: «لا تصاحب إلا مؤمنًا» (٣) ثم لاحظ ما تراه من حرص أخيك على جلب الخير إليكن وعلى اتقاء مساءتك، فإن أفضلهم صحبة - كما في الحديث - أكثرهم حرصًا على جلب الخير إليك: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه» (٤).
وأولى الناس بالتقريب، هم أهل العلم والصلاح، ولذلك فقد كانت بطانة عمر ﵁ من القراء، روى ابن عباس أنه: (كان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته - كهولًا كانوا أو شبانًا) (٥)، وكلما كانوا من أهل العلم والتقوى كنت أبعد عن الزلل - بإذن الله - وقد توَّج البخاري أحد أبواب صحيحه بقوله: (وكانت الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم ..) (٦)، وفي فاتحة باب آخر
стр. 223
ينقل عن علي وشريح قولهما في المرأة التي تدعي أنها حاضت في شهر ثلاثًا: (إن جاءت ببينة من بطانة أهلها - ممن يرضي دينه - .. صدقت.) (١)، فالمقياس صلاح دين الرجل، وليست معايير الطين والمادة، والذوبان في شخصية الصاحب.
وإن كتمان العيوب عن الصاحب خيانة، والكيد لوقيعة من اصطفاك لبطانته جريمة، ورسولنا ﷺ استعاذ من ذلك: «.. وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة» (٢)، وحين سأل ابن مسعود عن أيام الهرج متى تكون؟ أجابه رسول الله ﷺ بأبرز فتن هذه الأيام. فقال: «حين لا يأمن الرجل جليسه» (٣)، فهذا أمر يحتاج إلى التحري والاصطفاء البعيد عن الهوى؛ حتى يجد المرء من يأمنه، ومن يطمئن لصحبته.
ومن مزايا البطانة - إذا صلَحت - أنها تَحُول دون شر كبير، وتحض على خير كثير، ومن خطورة البطانة - إذا فسدت - أنها قد تحسن القبيح، أو تقبح الحسن؛ بالوسوسة والتظاهر بالإخلاص، وقد وصف أشهب بطانة الحاكم بقوله: (وليكن ثقة مأمونًا فطنًا عاقلًا؛ لأن المصيبة إنما تدخل على الحاكم المأمون من قبوله قول من لا يوثق به، إذا كان هو حسن الظن به، فيجب عليه أن يتثبت في مثل ذلك) (٤).
стр. 224
وقد رأينا في واقعنا أناسًا خاصموا وفجروا وقاطعوا وهجروا .. بتحريض بطانة حركت الغضب للذات، وأبدت الحرص على صاحبها، والهيام فيه، أكثر من عصبيته لنفسهن فاستعظم الرجل نفسه، وهوى في شباك وساوس شياطين الإنس، فعادى الناس وشاتمهم مع ما يعرف من صلاحه الشخصي.
فالجليس الصالح كحامل المسكن وقد تكون الريح الطيبة التي تجدها منه كلمة حق صريحة، فيجب أن تلقى منك تجاوبًا وتقديرًا؛ لأن مبعثها الإخلاص للحق، ومن شواهد ذلك أن عبادة بن الصامت حدث بحديث استنكره معاوية؛ لأنه لم يسمعه من رسول الله ﷺ ، فقال عبادة: (لنحدثن بما سمعنا من رسول الله ﷺ وإن كره معاوية) (١).
ومن ثمرات البطانة الصالحة: المشورة بالرشد والسداد للرأي؛ لأن الأصل في المستشار الأمانة، والإشارة بالأصلح، لقوله ﷺ : «المستشار مؤتمن» (٢)، وفي الحديث: «مَن استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بغير رشد فقد خانه» (٣)، فانظر فيمن وثقت، وبمن استرشدت، فكل امرئ يحشر مع بطانته المختارة، لأن «المرء مع من أحب» (٤) - كما أخبر
стр. 225
- ﷺ ومن بركة البطانة الصالحة أنه تعمك الرحمة بينهم، وإن لم تكن بمنزلتهم، فقد جاء في الحديث أن الله يشهد ملائكته بأنه يغفر لقوم جلسوا يذكرون الله، فيقول ملك: فيهم فلان ليس منهم، وإنما جاء لحاجة، فيقول الله : «هم الجلساء؛ لا يشقى بهم جليسهم» (١)، وتلك من بركات صحبة أهل الخير.
فإن كانت لك بطانة فأحسن اختيارها، واعمل بما يشيرون عليك من الخير، وإن كنت بطانة لغيرك فكن صريحًا صادقًا أمينًا، وأَشِرْ بكل خير.
وبالتزام خُلُق «اصطفاء البطانة» تسقط الأقنعة الكاذبة وتنكشف الحقائق، ويتميز كل فريق باهل وده وأصحاب خلته، فانظر من تخلل.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- البطانة تؤثر بأفكارها وأخبارها.
- حسن اختيار البطانة يجنب كثيرًا من المفاسد.
- من أراد الاحتياط لدينه يختار الصالحين لصحبته.
- أهل العلم هو أولى الناس بالتقريب والمشورة.
- في أيام الفتن لا يأمن الرجل جليسه.
- من خطورة البطانة الفاسدة:
- أنها تحسن القبيح.
- تسبب الخصومات.
стр. 226
- من ثمرات البطانة الصالحة:
- حسن المشورة.
- عموم الرحمة.
стр. 227
الباب الخامس من أخلاقنا في الربانية
الفصل الأول: الربانية.
الفصل الثاني: الاهتمام بالآخرة.
الفصل الثالث: الورع.
الفصل الرابع: إطابة المطعم.
الفصل الخامس: سرعة الفيئة.
الفصل السادس: الثبات.
****
стр. 228
الفصل الأول
الربانية
стр. 229
﴿.. كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ ..﴾
كم ينشرح صدرك حين تلقى قوة المؤمن وصلابته وعزيمته وجديته .. مشفوعة بسكينة وإخبات ورقة وصفاء! وهو ما يتمثل في شخصية المسلم بخلق الربانية.
وُصِف الربانيون في القرآن بأوصاف عديدة تتكامل بها صفاتهم. فقد وُصفوا بالثبات في الجهاد والصبر على البلاء ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، والرِّبِّيُّون بمعنى الجماعات الكثيرة من العباد والعلماء والربانيين - جمعًا بين التفاسير (١).
ومن علامات الربانيين أنهم يحرِصون على تحكيم الشريعة وإقامة الدين ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤]، وفي موضع آخر وصفهم الله بأنهم المرشَّحون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣].
وجعل الله الأمر بالاتصاف بالربانية على لسان مَن يُؤتِيهم الله
стр. 230
الحكم والنبوة وجعل الله ميزة الربانيين في قيامهم بتعليم كتاب ربهم وحرصهم على الاستمرار في التعلم ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، فالرباني يبني نفسه ويبني غيره، يعمل بما علم ويعلم ما تعلم.
وقد حوت كتب التفسير والسنة كثيرًا من الصفات المميزة للرجل الرباني، ففي صحيح البخاري وعند ترجمة (باب العلم قبل القول والعمل): (قال ابن عباس: كونوا ربانيين: حلماء فقهاء، ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره) (١).
يقول ابن حجر: (والمراد بصغار العلم ما وضح من مسائله، وبكباره ما دق منها، وقيل: يعلمهم جزئياته قبل كلياته، أو فروعه قبل أصوله، أو مقدماته قبل مقاصده ..) (٢).
فالرباني صاحب حكمة وصاحب فقه، ومن حكمته أنه يتدرج بالمدعوِّين وييسر عليهم على علم وبصيرة وحسن عمل، ينقل ابن حجر عن ابن الأعرابي قوله: (لا يقال للعالم رباني حتى يكون عالمًا معلِّمًا عاملًا) (٣).
وأساس الربانية الإخلاص في ابتغاء رضي الرب قال الأصمعي والإسماعيلي: (الرباني نسبة إلى الرب أي الذي يقصد ما
стр. 231
أمره الرب بقصده من العلم والعمل) (١)، وقيل إنه منسوب إلى التربية، والتربية أبرز ما في حال الرباني.
وقد روي عن علي ﵁ في وصف الربانيين قوله: (هم الذين يغذُّون الناس بالحكمة ويربونهم عليها) (٢)، كما قيل إنه مشتق من قولهم: ربه يربه فهو ربان إذا دبره وأصلحه. (فمعناه على هذا: يدبرون أمور الناس ويصلحونها) (٣)، وفي تفسير ابن مسعود لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ قال: حكماء علماء. ويقول ابن جبير: حكماء أتقياء.
ومن اللفتات الطريفة في وصف الرباني أنه الذي يجمع إلى العلم البصر بالسياسة (٤)، وهي إشارة طريفة تنفي التصور المتفشي عن العالم الرباني بأنه بعيد عن عصره، مغفل في قضايا الحكم والسياسة. وقد أكد هذه الميزة في الرباني أبو عبيدة بقوله: (سمعت عالمًا يقول: الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، العارف بأنباء الأمة وما كان وما يكون) (٥).
فهو مدرك لتاريخ الأمة، مبصر لسنن الله في خلقه بصرًا يتيح له أن يتوقع ما يكون حين تتوفر أسباب مضاء السنة الكلونية والاجتماعية.
ويتميز (الرباني) بأنه الكامل في العلم والعمل، الشديد
стр. 232
التمسك بطاعة الله ودينه» (١)، أما حين يغفل العلماء عن مجتمعاتهم أو يسكتون عما يجري فيها ويتساهلون فتلك ظاهرة الفناء كما يقول سيد قطب ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣] يقول: (فهذه السمة - سمة سكوت القائمين على أمر الشريعة والعلم الديني عما يقع في المجتمع من إثم وعدوان - هي سمة المجتمعات التي فسدت وآذنت بالانهيار) (٢).
ويتميز سيد قطب ﵀ غيظًا من علماء المسلمين الذين انزلقوا إلى ما وقع فيه علماء أهل الكتاب حيث يقول: (ومثل هذا الفريق من أهل الكتاب فريق ممن يدعون الإسلام ويدعون العلم بالدين .. وهم أولى بأن يوجه إليهم هذا القرآن اليوم، وهم يلوون النصوص القرآنية ليًّا لإقامة أرباب من دون الله في شتى الصور، وهم يتصيدون من النصوص ما يلوونه لتمويه هذه المفتريات ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] (٣).
فلا مجاهد بلا ربانية، ولا ربانية بغير علم وعمل وحكمة وإخلاص وصبر وتربية وبصيرة .. والذين يتبوؤون مراكز التوجيه ويتصدرون ساحات الجهاد لا بدَّ أن يأخذوا أنفسهم بالعزيمة ليحسنوا
стр. 233
أداء دورهم "القدوة" وليستحقوا من الله تبوأ "العليين" و"مقعد صدق" في الدار الآخرة، ولينالوا وسام (الربانية) بما يتعلمونه ويعلمونه.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- من صفات الربانية:
- الثبات في الجهاد والصبر على البلاء.
- تحكيم الشريعة وإقامة الدين.
- تعلم الكتاب وتعليمه.
- تعليم صغار العلم قبل كباره.
- الإخلاص والحكمة.
- العلم مع البصر بالسياسة.
- الكمال في العلم والعمل.
- تفسد المجتمعات حين لا يقوم الربانيون بدورهم.
- إذا لم يتميز العلماء بالربانية لم يؤمن عليهم من لي النصوص.
****
стр. 234
الفصل الثاني
الاهتمام بالآخرة
стр. 235
«من جعل الهموم همًّا واحدًا هم المعاد كفاه الله سائر همومه»
يعيش المؤمن الداعية كثيرًا من الهموم، وربما كان تكاثر الهموم سببًا لتشتيت القلب عن الهدف، ولصرف الهمة إلى مشاغل أهل الدنيا واهتماماتهم فتزول الميزة وينعدم التميز وتختلط الموازين.
إن من هوان أمر الدنيا أن جعلها الله لا تدوم لأحد «إن حقًّا على الله تعالى أن لا يرفع شيئًا من أمر الدنيا إلا وضعه» (١)، وإنما هي أيام يداولها الله بين الناس، فيرفع أقوامًا ويضع آخرين، ويعز أقوامًا ويذل آخرين لتتحقق حكمة الله في ابتلاء العباد.
إن الله يعطي الدنيا للمؤمن والكافر ولا يعطي الدين إلا لمن يحب. وقد تعجب رسول الله ﷺ من عبد الله بن عمرو حين رآه يصلح جدار بيته ويطينه فأراد أن يخلي قلبه من التعلق بالدنيا، وأن يُذكِّره بقرب الأجل للاستعداد له، فقال ﷺ : «ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك» (٢)، ليجعل الآخرة همه والاستعداد لها شغله فإذا بالغ امرؤ في الانصراف عن أعمار الدنيا والسعي فيها فيحتاج إلى لفتة من نوع آخر ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] بحيث يبقى على جادة القصد والتوازن.
стр. 236
وإن العبد المحفوف بالنعيم قد يكون مُستدرَجًا لمزيد من المسؤولية والعذاب وهو لا يدري «إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج» (١)، فلا تحزن على ما فاتك منها، ولا تمُدنَّ عينَيْك إلى ما أوتي الناس من الدنيا فربما كانوا لا يحسدون عليها إذا لم يؤدُّوا حقها.
والخطورة في أن تكون هذه النِّعم الأجر العاجل ليُحرَم صاحبها الأجر الآجل حيث يكون في أشد الحاجة لما يرجح كف حسناته؛ ولذلك طيب رسول الله ﷺ خاطر أصحابه حين ذكروا نعيم الروم والفرس، فقال: «أولئك قوم عُجِّلت لهم طيِّباتُهم في الحياة الدنيا» (٢).
وغالب حال الناس كما قال ﷺ : «أكثر الناس شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا في الآخرة» (٣)، وذلك لقلة الشاكرين، وكما قال ربنا : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨].
وكل نعمة مهما صغرت، عليها حساب ومسؤولية، فالمسكين مَن لم يقم بحقها لا من حرم منها في الدنيا: «إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصحَّ لك جسمك ونُروِيَك من الماء البارد؟» (٤).
ولذلك كان من علامة طريق الجنة أنه محفوفٌ بالبلاء، ولا يهون
стр. 237
البلاء إلا على من جعل الآخرة همه، «حُفَّت الجنة بالمكاره وحُفَّت النار بالشهوات» (١).
وإن كمسؤولية المسلم الذي يُقدِّر الله حق قدره أن يوحد همه فيفكر في المال والمصير، لا أن يصرف كل جهده وفكره ووقته في صغائر الأمور وتوافهها. وبقدر ما يكون لله في قلب العبد من توقير وإجلال ورهبة يكون للعبد عند الله من الأجر والمنزلة «من أراد أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله عنده» (٢).
ومن كان دائم التفكير في رضي الله فإنه لا تشغله النعمة ولا يعميه البلاء، ومن كان مع الله في اليسر كان الله له في العسر «تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» (٣).
ومثل هذا الحال يقتضي من المؤمن أن يكون دائم الرقابة لله والحياء منه أكثر مما يحتاط ويستحيي من البشر «ما كرهتَ أن يراه الناس منك فلا تفعله بنفسك إذا خلوت» (٤)، و «اعبُدِ الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٥).
والمهتم بآخرته إذا ذكر بخطئه سريع الفيئة قريب الرجعة «إذا ذُكِّرتم بالله فانتهوا» (٦).
стр. 238
والذي يخاف الله في الدنيا ويحذر معصيتَه ويحتاط لأمر آخرته، فذلك هو الآمن يوم القيامة «قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي» (١).
والمهتم بآخرته يفكر فيما يقربه إلى الجنة ويباعده عن النار، وقد جعل الله مدار المسؤولية على انبعاث إرادة الإنسان إلى الطاعة أو المعصية لذلك قال ﷺ : «الجنة أقرب إلى أحدكم من شِراك نعله، والنار مثل ذلك» (٢)، وإذا صدق المرء في مجاهدة نفسه يسر الله له السبيل ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦].
والمهتم بآخرته لا يرى الدنيا دار قرار لشعوره بقرب الرحيل إلى دار الخلود، قال ﷺ : «قال لي جبريل: يا محمد عِشْ ما شئتَ فإنك ميِّت، وأحبِبْ مَن شئت فإنك مُفارِقه، واعمَل ما شئتَ فإنك مُلاقِيه» (٣).
ولذلك كا مما تعجب منه ﷺ انفتاح أبواب الخير وغفلة الإنسان عنها ولاحقة الفتن للمرء وعدم فراره منها «ما رأيت مثل النار نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها» (٤)، بينما يكون المهتم بآخرته شديد الحرص على اتقاء المنكرات، والمسارعة في الخيرات.
وحال المهتم لأمر آخرته التخفف من العلائق والزهد بالصوارف
стр. 239
«كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» (١) والجدية في الحياة علامة مميزة للراغب الراهب «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» (٢) والهمة في العمل علامة صدق الاستعداد للآخرة والخوف من الله، وذلك ما مثله رسول الله ﷺ بقوله: «مَن خاف أدلج ومَن أدلَج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة» (٣)، أما من كان سفره طويلًا، وانطلاقه متأخرًا، وحركته بطيئة، وهمته ضعيفة فلن يبلغ مراده، ولن يصل إلى مقصوده.
ومن أهم ما يورثه الاهتمام بأمر الآخرة أن يزيح الله به عن القلب باقي الهموم ليصفوَ القلب لله وإن كان في بحر من الابتلاءات، قال ﷺ : «من جعل الهموم همًّا واحدًا همَّ المعاد كفاه الله سائر همومه، مَن تشعَّبت به الهموم من أحوال الدنيا لم يُبالِ الله في أي أوديتِها هلك» (٤).
و «مَن كانت الآخرة همَّه؛ جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومَن كانت الدنيا همَّه؛ جعل الله فقرَه بين عينَيْه، وفرَّق عليه شمله. ولم يأتِه من الدنيا إلا ما قُدِّر له» (٥).
فتجارة الآخرة لا تبور، والتهافت على الدنيا لا يغير المقدور.
стр. 240
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- من سنة الله في أمور الدنيا أنها ترفع وتوضع
- من هوان الدنيا على الله أنه يَهَبُها للكافر.
- لكما زادت النعم عظُمت المسؤولية.
- قد تكون النعم عاجل الأجر لصاحبها
- من علامة طريق الجنة أنه محفوف بالبلاء.
- المهتم بآخرته:
- يتعرف إلى الله في الرخاء والشدة.
- سريع الفيئة إذا أخطأ.
- يفكر فيما يقربه إلى الجنة ويباعده من النار.
- لا يرى الدنيا دار قرار.
- يتخفَّف من الدنيا ويزهد.
- شديد الهمة والخوف من الله.
- يجعل همومه هما واحدًا هم المعاد.
- غنى القلب.
****
стр. 241
الفصل الثالث
الورع
стр. 242
«كن ورعًا تكن أعبد الناس»
إن مَن عرَف ربه وقدَّره حق قدره، وعظَّم حرماته وشعائره، يصل به التعظيم إلى الحيطة والحذر من كل ما يكون مظنة غضب الرب في الحال أو في المال.
فالورع عنده نوع من الخشية والرهبة تجعله يترك كثيرًا من المباحات إن التبَست عليه مع الحرام لئلا يجازف بدينه؛ ولهذا عرف الهروي الورع بقوله: (الورع تَوْقٌ مُستقصًى على حذر، وتحرُّج على تعظيم) (١).
ومن العلامات الأساسية للورعين بشدة حذرهم من الحرام، وضعف جرأتهم على الأقدام إلى ما قد يجر إلى الحرام، وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ : «الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما شُبِّه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان» (٢)، فمَن تجرَّأ على مواضع الريبة والشك تزدَدْ جرأتُه على ما هو أشد «وأنه مَن يخالط الريبة يوشك أن يجسر» (٣).فالورع الحقيقي كما وصفه يونس بن عبيد: (الخروج من كل
стр. 243
شبهة ومحاسبة النفس في كل طرفة عين) (١).
ورحلة الانحدار تبدأ بزلة واحدة، والحريص على آخرته يجعل بينه وبين الانزلاق وقايات تستره وتحميه، وقد أشار إلى هذا المعنى الشيخ القباري بقوله: (المكروه عقبة بين العبد والحرام؛ فمَن استكثر من المكروه تطرَّق إلى الحرام، والمباح عقبةٌ بينه وبين المكروه؛ فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه) (٢)، واستحسن ابن حجر قوله هذا وزاد عليه: (أن الحلال حيث يخشى أن يؤول فعله مطلقًا إلى مكروه أو محرم ينبغي اجتنابه كالإكثار - مثلاً - من الطيبات فإنه يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في أخذ ما لا يستحق، أو يفضي إلى بطر النفس، وأقل ما فيه الاشتغال عن مواقف العبودية، وهذا معلوم بالعادة، مشاهد بالعيان ...) (٣).
والعلامة الأساسية لصاحب الورع قدرته على ترك ما فيه مجرد الشك أو الشبهة كما قال الخطابي: (كل ما شككت فيه فالورع اجتنابه) (٤).
ونقل البخاري عن حسان بن أبي سنان قوله: (ما رأيت شيئاً أهون من الورع: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) (٥) كما ورد عن الرسول ﷺ أنه قال: «البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب - وإن أفتاك
стр. 244
المفتون» (١) ويؤكد ذلك ما رواه ابن عساكر مرسلاً: «ما أنكره قلبك فدعه» (٢).
وأصحاب المراتب العالية يحتاطون لأنفسهم بالحذر من بعض الحلال الذي قد يُفضِي إلى شيء من المكروه أو الحرام، فقد ورد عن الرسول ﷺ أنه قال: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به البأس» (٣)، ويُؤكِّده الحديث الآخر: «اجعلوا بينكم وبين الحرام سترًا من الحلال ...» (٤)، ومن لطيف ما حدَّث به ابن القيم ﵀ (قال لي يومًا شيخ الإسلام ابن تميمة - قدس الله روحه - في شيء من المباح: هذا ينافي المراتب العالية، وإن لم يكن تركه شرطًا في النجاة) (٥).
وكما يشمل الورع صور الكسب والمعاملات فإنه يشمل اللسان. فقد تجد كثيرا من الناس يندفعون إلى الفتوى وهم لا يعلمون؛ ولذلك عقد الدارمي بابًا في (التورُّع عن الجواب فيما ليس فيه كتاب ولا سنة).
ويعتبر إسحاق بن خلف الورعَ في الكلام أشدَّ من الورع في التعاملات المالية؛ حيث يقول: (الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضة ..) (٦).
ومِن تأمُّلِ ابن القيم في أحاديث رسول الله ﷺ أعلن أنه (جمع
стр. 245
رسول الله ﷺ الورع كله في كلمة واحدة، فقال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه») (١).
ومن الثمرات البارزة لخلق الورع أنه يعصم صاحبه من الاستدراج لذلك تجد (من تعاطى ما نهي عنه يصير مظلم القلب لفقدان نور الورع فيقع في الحرام ولو لم يختَر الوقوع فيه) (٢)، كما قال ابن حجر، وفي حديث الإفك تقول السيدة عائشة ﵂ عن السيدة زينب بنت جحش حيث حَمَت سمعها وبصرها من الخوض فيما لا تعلم: (فعصمها الله بالورع) (٣).
كما أن صاحب الورع يحمي دينه وعرضه من الطعن (فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه) (٤).
يقول ابن حجر: (وفيه دليلٌ على أن مَن لم يتوقَّ الشبهات في كسبِه ومعاشه، فقد عرَّض نفسه للطعن فيه، وفي هذا إشارة إلى المحافظة على أمور الدين ومراعاة المروءة.) (٥).
فإذا كانت أعلى منازل العبادة الورع (كن ورعاً تكن أعبد الناس) (٦)، وإن كان أفضل الدين التورُّع (خير دينكم الورع) (٧)، أفلا يرتقي الداعية المؤمن إلى تلك الذروة ويربأ بنفسه عن السقوط والانزلاق، وهو الحريُّ بالحذر والاحتياط والخوف من أن يُحبَط عمله
стр. 246
وهو لا يشعر.
فإن كثيرًا من الصحابة كانوا يخافون على أنفسهم من النفاق، ويعلل ابن حجر ذلك بقوله: (ولا يلزم من خوفهم من ذلك - النفاق - وقوعه منهم، بل ذلك على سبيل المبالغة منهم في الورع والتقوى ﵃ (١).
هكذا كانوا فلنراجع أنفسنا ولنَزِنْ أعمالنا.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- الورع خشية تدفع إلى ترك كثير من المباحات احتياطًا.
- من علامات الورع:
- شدة الحذر من الحرام والشبهات.
- اتخاذ وقاية بينه وبين المنهيات.
- اجتناب كل ما يشك فيه.
- عدم التوسع في المباح.
- عدم الفتوى بغير علم.
- تركه ما لا يعنيه
- من ثمرات الورع.
- تحصين النفس من الاستدراج.
- حماية الدين والعرض.
- من ورع الصحابة أنهم كانوا يخشون على أنفسهم من النفاق.
****
стр. 247
الفصل الرابع
إطابة المطعم
стр. 248
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾
إن تحرِّي الرزق الحلال مسألة يومية، تقتضي من كلٍّ منا أن يديم استحضارها والتواصي بها، فإن لم يكن لدينا كوابحُ إيمانية توقفنا عن الانسياق وراء شهوة المال وقعنا في الشبهات ثم في الحرام، والخطورة تكمن في استمراءِ النَّفْس للحرام واعتيادها عليه أو عدم مبالاتِها فيه.
كثيرًا ما أوصى رسول الله ﷺ بتحليل الرزق و «إن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ...﴾ [المؤمنون: ٥١] (١)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ...﴾ [البقرة: ١٧٢]» وجعل ﵊ عدم المبالاة بهذا الأمر من صفات شرار الخلق فقال: «يأتي على الناس زمان لا يُبالِي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام» (٢)، وقد ورد في خطبة لعثمان بن عفان ﵁ (وعفُّوا إذا أعفَّكم الله، وعليكم من المطاعم بما طاب منها) (٣).
ومن أبرز صور الرزق الطيِّب ما كان بعمل اليد مع استفراغ الجهد والطاقة في الإتقان والإحسان «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل
стр. 249
يده» (١)، وإذا ما أردت أن تأوي إلى مضجعك منشرح الصدر فإن (من بات كالاًّ من عمله بات مغفورًا له) (٢).
ولا فرق بين مهنة وضيعة ومهنة رفيعة، المهم أن يكون الرزق حلالاً، وقد كان هذا شأن الأنبياء، وعلى ذلك ربَّى رسول الله ﷺ صحابته، فكان يُخاطِبهم بكل وضوح: «لأن يحتطِبَ أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه» (٣).
والمصيبة الكبرى في سؤال الناس أن نفسية المرء تعتاد الاتكال على الآخرين وتركن إل الكسل، والدين الذي يدعو إلى الجهاد لا يقبل لأتباعه أن يكونوا عالةً في أرزاقهم، ولا متطفِّلين على أموال غيرهم بغير طيب نفس، «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس ... منه» (٤)، وقد طلب حكيم بنُ حزامٍ ﵁ من رسول الله ﷺ في موقفٍ واحد ثلاث مرات، ورسول الله يعطيه في كل مرة، ولكنه لم يتركه حتى أدَّبه بأدب الإسلام: «يا حكيم، إن هذا المال خضر حلو؛ فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى» (٥)، فأقسَم حكيمٌ ألا يطلب بعد ذلك شيئًا، ووفى بقسمه
стр. 250
إلى أن مات، وذلك لأن إطابة المطعم وتحليل الرزق تبدأ باجتناب الشبهات، وتنتهي إلى عدم استشراف النفس إلى ما بأيدي الناس بحيث تعف اليد ويقنع القلب.
وقد يظن بعض الناس أن كثرة الجدل وأن الإحراج في تحصيل شيء إنما هي من علامات الذكاء والفطانة، وقد نهى عن ذلك رسول الله ﷺ : «لا تُلِحُّوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئًا فتُخرِج له مسألته مني شيئًا وأنا له كارهٌ فيبارك له فيما ... أعطيتُه» (١).
فما أخذ بالحياء ليس بالرزق الطيب، وما حصل بالإحراج عديم البركة، ومن هانت عليه نفسه اليوم ليسأل الناس، لا يبعد أن يصل به الهوان إلى عدم تحري الحلال.
أما الرزق الذي يسوقه الله إليك، ولم تتلهف إليه نفسك، ولم يتعلق به قلبك فخُذْه، وقد كان عمر ﵁ كلما عرض عليه رسول الله ﷺ عطاء يقول: أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال له رسول الله ﷺ : «خذه. إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموله. فإن شئت كله وإن شئت تصدق به. وما لا فلا تتبعه نفسك» (٢).
والرزق الطيب من أسباب قبول الدعاء ومما يشرع طلبه في الدعاء، والزكاة تطهر ما بقي من المال «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم ..» (٣).