← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17083

هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقا

محمود محمد الخزندار

Полный текст (451 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وهو لا يشعر. فإن كثيرًا من الصحابة كانوا يخافون على أنفسهم من النفاق، ويعلل ابن حجر ذلك بقوله: (ولا يلزم من خوفهم من ذلك - النفاق - وقوعه منهم، بل ذلك على سبيل المبالغة منهم في الورع والتقوى ﵃ (١). هكذا كانوا فلنراجع أنفسنا ولنَزِنْ أعمالنا. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - الورع خشية تدفع إلى ترك كثير من المباحات احتياطًا. - من علامات الورع: - شدة الحذر من الحرام والشبهات. - اتخاذ وقاية بينه وبين المنهيات. - اجتناب كل ما يشك فيه. - عدم التوسع في المباح. - عدم الفتوى بغير علم. - تركه ما لا يعنيه - من ثمرات الورع. - تحصين النفس من الاستدراج. - حماية الدين والعرض. - من ورع الصحابة أنهم كانوا يخشون على أنفسهم من النفاق. ****

стр. 247

الفصل الرابع إطابة المطعم

стр. 248

﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ إن تحرِّي الرزق الحلال مسألة يومية، تقتضي من كلٍّ منا أن يديم استحضارها والتواصي بها، فإن لم يكن لدينا كوابحُ إيمانية توقفنا عن الانسياق وراء شهوة المال وقعنا في الشبهات ثم في الحرام، والخطورة تكمن في استمراءِ النَّفْس للحرام واعتيادها عليه أو عدم مبالاتِها فيه. كثيرًا ما أوصى رسول الله ﷺ بتحليل الرزق و «إن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ...﴾ [المؤمنون: ٥١] (١)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ...﴾ [البقرة: ١٧٢]» وجعل ﵊ عدم المبالاة بهذا الأمر من صفات شرار الخلق فقال: «يأتي على الناس زمان لا يُبالِي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام» (٢)، وقد ورد في خطبة لعثمان بن عفان ﵁ (وعفُّوا إذا أعفَّكم الله، وعليكم من المطاعم بما طاب منها) (٣). ومن أبرز صور الرزق الطيِّب ما كان بعمل اليد مع استفراغ الجهد والطاقة في الإتقان والإحسان «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود ﵇ كان يأكل من عمل

стр. 249

يده» (١)، وإذا ما أردت أن تأوي إلى مضجعك منشرح الصدر فإن (من بات كالاًّ من عمله بات مغفورًا له) (٢). ولا فرق بين مهنة وضيعة ومهنة رفيعة، المهم أن يكون الرزق حلالاً، وقد كان هذا شأن الأنبياء، وعلى ذلك ربَّى رسول الله ﷺ صحابته، فكان يُخاطِبهم بكل وضوح: «لأن يحتطِبَ أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه» (٣). والمصيبة الكبرى في سؤال الناس أن نفسية المرء تعتاد الاتكال على الآخرين وتركن إل الكسل، والدين الذي يدعو إلى الجهاد لا يقبل لأتباعه أن يكونوا عالةً في أرزاقهم، ولا متطفِّلين على أموال غيرهم بغير طيب نفس، «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس ... منه» (٤)، وقد طلب حكيم بنُ حزامٍ ﵁ من رسول الله ﷺ في موقفٍ واحد ثلاث مرات، ورسول الله يعطيه في كل مرة، ولكنه لم يتركه حتى أدَّبه بأدب الإسلام: «يا حكيم، إن هذا المال خضر حلو؛ فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى» (٥)، فأقسَم حكيمٌ ألا يطلب بعد ذلك شيئًا، ووفى بقسمه

стр. 250

إلى أن مات، وذلك لأن إطابة المطعم وتحليل الرزق تبدأ باجتناب الشبهات، وتنتهي إلى عدم استشراف النفس إلى ما بأيدي الناس بحيث تعف اليد ويقنع القلب. وقد يظن بعض الناس أن كثرة الجدل وأن الإحراج في تحصيل شيء إنما هي من علامات الذكاء والفطانة، وقد نهى عن ذلك رسول الله ﷺ : «لا تُلِحُّوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئًا فتُخرِج له مسألته مني شيئًا وأنا له كارهٌ فيبارك له فيما ... أعطيتُه» (١). فما أخذ بالحياء ليس بالرزق الطيب، وما حصل بالإحراج عديم البركة، ومن هانت عليه نفسه اليوم ليسأل الناس، لا يبعد أن يصل به الهوان إلى عدم تحري الحلال. أما الرزق الذي يسوقه الله إليك، ولم تتلهف إليه نفسك، ولم يتعلق به قلبك فخُذْه، وقد كان عمر ﵁ كلما عرض عليه رسول الله ﷺ عطاء يقول: أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال له رسول الله ﷺ : «خذه. إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموله. فإن شئت كله وإن شئت تصدق به. وما لا فلا تتبعه نفسك» (٢). والرزق الطيب من أسباب قبول الدعاء ومما يشرع طلبه في الدعاء، والزكاة تطهر ما بقي من المال «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم ..» (٣).

стр. 251

ولا تقبل الصدقة إلا من المال الطيب، ولا بركة إلا فيما كان طيبًا «إن الله طيِّب لا يقبلُ إلا طيِّبًا، ثم ذكر الرجل يُطِيل السَّفر أشعثَ أغبرَ يمدُّ يدَيْه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام فأنَّى يُستجاب لذلك؟!» (١). ومن كان تحت يده أموال عامَّة يتولى تصريفها بحكم مسؤوليته أو مكانته الاجتماعية، وهو متفرِّغ لهذا الأمر، فمن حقِّه أن يأخذ ما يكفيه وأسرته بقدر حاجة مثله عرفًا، وأما التوسع فيه فوق الحاجة والاستئثار به دون الناس، والتبذير في التوافه فليس من إطابة المطعم، وإلى ذلك أشار ابن حجر بقوله: (إن للعامل أن يأخذ من عرض المال الذي يعمل فيه قدر حاجته؛ إذا لم يكن فوقه إمام يقطع له أجرة معلومة) (٢)، والمرأة التي يبخل عليها زوجها قال لمثلها رسول الله ﷺ : «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (٣). وإن كان في نفس أحدنا شبهة فليحلل رزقه ببذل أقصى الجهد وغاية الوسع إلى أن يشعر أنه قد أحل مطعمه ومشربه؛ فالبر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في صدرِك حين تخلص نفوسنا للحق ولا تستعبدها الشهوات. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - إطابة المطعم سنة المرسلين. - من أطيب الطعام ما كان من عمل اليد.

стр. 252

- الحريص على إطابة المطعم لا يتحرج من أية مهنة. - ليس من طيب المطعم ما أخذ من الناس بغير طيب نفس. - ما أخذ بالإلحاح في المسألة لا يبارك فيه. - إطابة المطعم من أسباب قبول الدعاء. - ليس من طيب المطعم التوسع في المال العام. - ضابط إطابة المطعم استفراغ الجهد في الكسب. ****

стр. 253

الفصل الخامس سرعة الفيئة

стр. 254

«فخيرهم بطيء الغضب سريع الفيئة». مَن يراجع سيرة خير القرون يجد أن صحابة رسول الله ﷺ لم يكونوا متميزين بالعصمة من الوقوع في الخطأ مع الخلق أو الخالق، وإنما كانوا بشرًا تميزوا بأنهم ﴿... إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وأنهم ﴿... مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] هذه المبادرة إلى التوبة وتلك المسارعة إلى الرجوع للحق هي ما نَعْنيه بسرعة الفيئة. كثيرًا ما تكون بعض الطبائع التي لم تهذب سببًا من أسباب زلة القدم والوقوع في بعض الخصومات، وقد ورد أن رسول الله ﷺ ذكر طبائع الناس وأخلاقهم في إحدى خطبه فقال: «يكون الرجل سريع الغضب، قريب الفيئة، فهذه بهذه، ويكون بطيء الغضب بطيء الفيئة فهذه بهذه، فخيرهم بطيء الغضب سريع الفيئة وشرهم سريع الغضب بطيء الفيئة» (١). وحبل الخيرية بيدك أيها المؤمن، وما عليك إلا أن تضبط عواطفك فلا تغضب ولا تُسِئ، وإن لم تتمالك نفسك فلا يطل عليك الأمد ويتراكم على قلبك الران، وإنما تفيء إلى دائرة الحق بسرعة، وترجع إلى جادة الصواب على عجل.

стр. 255

ولم يخلُ بيتٌ من بيوت رسول الله ﷺ من خصومات تقع بين زوجاته، ولكن انظروا إلى شهادة عائشة ﵂ في ضرتها زينب ﵂ وإلى ما ذكرت من خُلُق زينب: (ولم أر امرأة قط خيرًا من زينب وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب إلى الله تعالى، ما عدا سورة من حدة كانت فيها تسرع منها الفيئة) (١). فلم تكن تُنكر عليها سوى حدَّةٍ في طبعها، ولكنها ﵂ كانت تسارع فتستدرك وتصلح ما نتج عن حدتِها. ولذلك حين تعرض الأعمال يومي الاثنين والخميس يغفر لكل مؤمن إلا المتخاصمين فيقال: «أنظِروا هذين حتى يصطلحا» (٢)، وفي رواية: «اتركوا هذين حتى يفيئا» (٣)، «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (٤). والمتوقع من المؤمن الصادق أنه يسرع الفيئة ويسابق إلى الصلح، أنا من يلجُ في الخصومة ويغرق في التمادي فإن «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» (٥)، وفسره ابن حجر بأنه: شديد العوج، كثير الخصومة (٦).

стр. 256

بل إن من صفات المنافق أنه «إذا خاصم فجر» (١)، يقول ابن حجر: (والفجور الميل عن الحق والاحتيال في رده) (٢)، وكم يكون عظيمًا ذلك الذي يذل للمؤمنين، ويؤوب إلى الرشد، ويعجل إلى ربه ليرضى عنه. ولقد ضرب أبو بكر الصديق ﵁ مثلاً رفيعًا في سرعة الفيئة حين علم أن مسطح بن أثاثة الذي يأكل من نفقة أبي بكر كان قد شارك في اتهام ابنته السيدة عائشة بحديث الإفك، فأقسم أبو بكر ألا يُنفَق عليه، ونزل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَاتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، فما أن سمع أبو بكر خاتمة الآية حتى صاح: (بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي)، وتغلَّب على عواطفه التي تدعوه للثأر لغرض ابنته البريئة (فرجع إلى مِسطَح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا) (٣). ليس العيب في الوقوع في الخطأ؛ إذ «كل بني آدم خطاء. وخير الخطائين التوابون» (٤)، وإنما تكمن المصيبة في الإصرار على الخطأ والتمادي في الباطل، مع أن أبواب الرحمة مفتحة تدعونا لسرعة الفيئة «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار

стр. 257

ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» (١)، وتستطيع تجاوز العقبة بأن تكون صريحًا مع نفسك وتعترف بخطئك، وهذه بداية طريق التوبة والفيئة إلى الله «فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه» (٢)، وإذا كان ربنا يدعونا إلى سَعَة رحمته ويقابل ضعفنا بإحسانه، فما الذي يبطئ بنا عن إصلاح أنفسنا، وما الذي يحول بيننا وبين الفيئة السريعة والرجعة النصوح؟ وقد جاء في الحديث القدسي: «وإن تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته ... هرولة» (٣).فهرول أيها العبد إلى رحمة الله وإياك والتسويف. إن الذي يَحُول دون التعجيل بالتوبة الوقوع في قيد الإصرار، ولقد ترجم البخاري أحد أبواب كتاب الإيمان بقوله: (خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة لقول الله تعالى: ﴿... وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل العمران: ١٣٥] (٤)، ويُعلِّق ابن حجر على هذا الباب (وكأن المصنف لمح بحديث عبد الله بن عمرو المخرج عند أحمد مرفوعاً قال: «ويل للمُصرِّين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون»؛ أي: يعلمون أن مَن تاب تاب الله عليه ثم لا

стр. 258

يستغفرون، قاله مجاهد وغيره) (١). وصورة الإصرار كما فسَّرها الشوكاني: (العزم على معاودة الذنب وعدم الإقلاع عنه بالتوبة منه) (٢)، فهل يختار المؤمن مصير الويل أم يقاوم هواه ويستعلي على نزوات الشيطان لينطلق من قيدها ساعيًا إلى رحمة الله؟ إن خلق سرعة الفيئة من أول ما يطالعك في أول منازل الآخرة حيث تأتيك البشرى بالخير ويقول لك عملك: «أنا عملك الصالح، كنت والله سريعًا في طاعة الله، بطيئًا عن معصية الله؛ فجزاك الله خيرًا». أو تأتيك البشرى بالشر ويقول لك عملك: «أنا عملك الخبيث، كنت بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا في معصية الله؛ فجزاك الله شرًّا» (٣). فإذا أسأت فأحسِن، وإذا أذنبتَ فاستغفر؛ لعل عملك يشهد لك بالسرعة في طاعة الله. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - تميز الصحابة في سرعة فيئتهم وليس بعصمتهم. - من أسباب زلة القدم الانسياق للطباع الغضبية. - بيت النبوة لم يخلُ من خصومات ولكن الفيئة كانت سريعة. - المتخاصمان إذا لم يُسرِعا الفيئة حُرِما قَبول العمل. - الذي يحب أن يغفر الله له يسرع الفيئة.

стр. 259

- يعين على سرعة الفيئة: - الاعتراف بالخطأ والصراحة مع النفس. - عدم الإصرار، والتعجل بالتوبة. - سريع الفيئة يشهد له عمله في أول منازل الآخرة. ****

стр. 260

الفصل السادس الثبات

стр. 261

«يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (*) كثيرًا ما نجد شبابًا يحنُّون إلى البدايات التي كانوا يتفجَّرون فيها حيوية، ويتدفقون حماسًا، ويبالغون في الحرص على دقائق السنن، ناهيك عن البعد عن دائرة الحرام والشبهات، ثم ماذا؟ كلَّت النفوس، وفترت الهمم، واكتفى كل شاب بأن يكون واحدًا من عامة المسلمين. وهذا أحسن حالاً ممن انقلبوا على أعقابهم فغَدوا يعادون الدعوة ويسخرون من أهلها ويحذرون من سبيلها، إنها معركة تقرير المصير بين الارتداد على الأعقاب والثبات. نعني بالثبات الاستمرار في طريق الهداية، والالتزام بمقتضيات هذا الطريق، والمدوامة على الخير، والسعي الدائم للاستزادة، ومهما فتر المرء، فهنالك مستوى معين لا يقبل التنازل عنه أو التقصير فيه، وإن زلت قدمه فلا يلبث أن يتوب، وربما كان بعد التوبة خيرًا مما كان قبلها، ذلك هو حال المتصف بخلق الثبات. وللثبات صور تشمل عددا من جوانب حياة المسلم منها الثبات في المعركة كما ثبت الربيون الكثير مع أنبيائهم، وكان قولهم ﴿... رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ...﴾ [آل عمران: ١٤٧] والفئة الصابرة بإمرة طالوت الذين قال الله فيهم ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ...﴾ [البقرة: ٢٥٠] وفي ذلك توجيه للمؤمن أن يلتجئ

стр. 262

إلى الله طالبًا منه التثبيت. وخُوطِب أبناءُ هذه الأمة بأمر الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا ...﴾ [الأنفال: ٤٥]. ومن الكبائر في ديننا الفرار من الزحف؛ ولذلك كان من الوصايا العشر التي أوصى بها رسول الله ﷺ معاذ بن جبل: «وإيَّاك والفرار من الزحف وإن هلك الناس، وإذا أصاب الناس مُوتانٌ وأنت فيهم فاثبُتْ» (١)؛ لأن الثبات يزيد المؤمنين قوة، ويوقع في نفوس العدو رهبة، وتزعزعُ المواقف يخذل الصديق ويُشمِّت العدو، وقد كان رسول الله ﷺ يعمق هذا المعنى يوم الأحزاب وهو ينقل التراب وقد وارى التراب بطنه وهو يقول: (لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدَّقْنا ولا صلَّينا، فأنزل السكينة علينا، وثبِّت الأقدام إن لاقينا، إن الأُلَى قد بغَوْا علينا إذا أرادوا فتنة أبَيْنا) (٢). ولأن مسألة الثبات على الدين قضية تشغل فكر المسلم فإنه يكثر من الدعاء بها، فقد كان رسول الله ﷺ يكثر من قول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (٣)، وقد كان رسول الله ﷺ يخشى على نفسه في مواجهة الجاهلية أن يداهن أو يلين، ولذلك خاطبه ربنا بفضله عليه بأن أخلص ولاءه لله ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ

стр. 263

الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ...﴾ [الإسراء: ٧٤، ٧٥]، فليحذر الدعاة وهم يواجهون الطغاة من زلزلة الأقدام وزعزعة الولاء. وقد حذَّر حذيفة العلماء العباد لأنهم قدوة: (يا معشر القراء استقيموا، فإن أخذتُم يمينًا وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيدًا) (١)، ولو أن ضلال المتذبذب يمينًا وشمالاً يقتصر عليه لهان الأمر، ولكن يفتن بضلاله آخرون. وقد كان من وسائل أهل الكتاب في زعزعة صفوف المسلمين أن يتظاهروا بالدخول في الإسلام، ثم يرتدون ليرتد معهم آخرون ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل العمران: ٧٢]، فالسعيد مَن وفقه الله للثبات، وختم له بخير ومات وهو يعمل عمل أهل الجنة إلى أن يرزقه الله التثبيت حين يسأل. ولو تأملت في أحاديث الحوض من صحيح مسلم لوجدت أناسًا مُنعوا منه ورسول الله ﷺ يقول: «يا رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، فيدعو عليهم رسول الله «سحقًا سحقًا لمن غير بعدي»، وفي رواية أخرى يقال له «والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم»، فكان ابن أبي مُلَيكة - أحد رواة هذا الحديث - يقول: (اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا) (٢)، وكلمة "ما برحوا يرجعون" توحي بالتراجع البطيء المتواصل المؤدي إلى

стр. 264

الهاوية. وربما يصعب الرجوع بعد طول الاستدراج. فهنيئًا لمن استدرك نفسه لئلا تزل قدمه بعد ثبوتها. نجد كثيرًا من الأدعية تركز على معنى الثبات، ومن ذلك دعاء عبدالله بن مسعود: (الله إني أسألك إيمانًا لا يرتد، ونعيمًا لا ينفد ...) (١)، وقال شدَّاد بن أَوْسٍ: (كان رسول الله ﷺ يُعلِّمنا كلمات ندعو بهن في صلاتنا. الله إني أسألك الثبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرشد) (٢). ومن صور الثبات في الفتن: الصبر في أيام الصبر التي وصفها رسول الله ﷺ بقوله: «الصبر فيهن مثل القبض على الجمر»، وفي رواية: يأتي على الناس زمانٌ الصابر فيه على دينه، كالقابض على الجمر) (٣)، ومن ذا الذي يثبت قابضًا على الجمر؟! لذلك بشَّر رسول الله ﷺ بأن الثابت من هؤلاء له أجرُ خمسين من الصحابة: «إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذٍ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم» (٤). وفي أشد ما يلقاه المسلمون من الفتن حين يخرج الدجال ويعيث يمينًا وشمالاً، فإن الوصية الأساسية لرسول الله ﷺ التي يوصي بها أمته حينئذٍ: «يا عباد الله، اثبتوا» (٥). من أهم صور الثبات

стр. 265

المداومة على الطاعات: فالمطلوب في بعضها المثابرة عليها، يروي الترمذي: «مَن ثابر ثنتَي عشرة ركعة من السُّنة بنَى الله له بيتًا في الجنة» (١). وفي رواية مسلم تقولُ أم حبيبة راوية الحديث، ويقول كلٌّ من عمرو بن أوس والنعمان بن ثابت - من رجال السند -: (ما تركتهن منذ سمعتهن) (٢). وتقول عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ : (وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه) (٣)، وعند مسلم كذلك (وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته) (٤). وحين سئل رسول الله ﷺ : أي العمل أحب الى الله؟ قال: «أدومه وإن قل» (٥)، (وكان آل محمد ﷺ إذا عملوا عملاً أثبتوه) (٦)، يقول النووي: (أي لازموه وداوموا عليه) (٧). والثبات مظهر بارز للاستقامة؛ لأن المذبذب المتقلِّب لا يقدر على الثبات، ولا يقوى على الاستقامة، فقد كان الواحد من الصحابة يقول: يا رسول الله، حدِّثني بعملٍ أستقيم عليه وأعمله، فأجابه بأوجب

стр. 266

الواجبات وقتها: «عليك بالهجرة فإنه لا مثل لها» (١). وكان من دقيق ملاحظة الصحابة لظاهرة الثبات في يلوك كل فرد أن بريدة بن الحصيب لقي سلمة بن الأكوع قادمًا من البادية فظن أنه قطع هجرته إلى المدينة وأقام خارجها، فقال له: (ارتددتَ عن هجرتك يا سليمة؟! فقال مسلمة: معاذ الله إني في إذنٍ من رسول الله ﷺ ) (٢). ومن الملعونين على لسان رسول الله ﷺ : (المرتد أعرابيًّا بعد هجرته) (٣)، هذه صورة الجيل الفريد كيف يحرِص على الثبات ويتواصى به، ويخشى الانقلاب على الأعقاب، وإلى عام (حجة الوداع) والرسول ﷺ يدعو للصحابة بالثبات على هجرتهم إلى المدينة لتقوى بهم الدولة الناشئة: «اللهم أمضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تردَّهم على أعقابهم» (٤). والقول الجامع لرسول الله ﷺ في بيان حقيقة الإسلام: إيمان وثبات «قُل لي في الإسلام قولاً لا أسال عنه أحدًا بعدك، قال: قل آمنتُ بالله ثم استقم» (٥). خلاصة هذا الفصل وعناصره: - أكثر الشباب قد لا يستمرون على حماس البدايات.

стр. 267

- من صور الثبات: - الثبات في مواجهة العدو. - الثبات على دين الله. - الثبات على الاستقامة. - الثبات في أيام الفتن. - المداومة على فعل الطاعات. - المتذبذب قد يفتن الناس بعدم ثباته. - الثبات مظهر بارز للاستقامة. - مما يعين على الثبات التواصي به. - حقيقة الإسلام إيمان وثبات. ****

стр. 268

الباب السادس من أخلاقنا في الوجدان الفصل الأول: الحياء. الفصل الثاني: الطيبة. الفصل الثالث: التواضع. الفصل الرابع: الإحساس والتأثر. الفصل الخامس: القناعة والعفة. ****

стр. 269

الفصل الأول الحياء

стр. 270

«الحياء لا يأتي إلا بخير». إنه لمن مظاهر التوازن، ومن علامات التكامل في التربية، أن تجد المؤمن القوي الحازم الدؤوب حييًّا خجولاً أديبًا وقورًا. والحياء الممدوح: (خلق يبعث على ترك القبيح) (١)؛ كما عرَّفه ابن حجر. أما التحرج من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واتخاذ المواقف الجريئة في الحق، والتفقه في الدين، فليس من الحياء، وهذا بعض ما أشار إليه ابن حجر حين صنَّف الحياء إلى شرعي وغير شرعي، فقال: (الشرعي الذي يقع على وجه الإجلال والاحرتام للأكابر - وهو محمود - وأما ما يقع سببًا لترك أمر شرعي، فهو مذموم وليس هو بحياء شرعي، وإنما هو ضعف ومهانة) (٢). لا ينبغي الحياء في المطالبة بالحقوق، ولا في تعليم الجاهل، ولا في السؤال عما لا نعلم، فقد قال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحيٍ ولا متكبِّر، وقالت السيدة عائشة ﵂: (نِعْم النساء نساءُ الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) (٣)، وكانت أم سُلَيم تسأل في مسائل دقيقة من أحكام النساء، وتستفتح سؤالها بقولها: (يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق)، قال ابن حجر: (أي لا

стр. 271

يأمر بالحياء في الحق) (١). ومَن لم يُرزَق الحياء بالفطرة، طُولِب به بالقصد والاكتساب والتعلُّم، خاصة وأنه الخلق المميز لأتباع هذا الدين، كما جاء في الحدث الحسن: «إن لكل دين خلقًا، وخلق الإسلام الحياء» (٢)، وقد ورد أنه من سنن المرسلين، وأنه من الإيمان: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبَذاء من الجفاء، والجفاء في النار» (٣)، وقد كان حبيبنا وقدوتنا (أشد حياء من العذراء في خدرها) (٤) (وكان رسول الله ﷺ حييًّا كريمًا يستحيي ..) (٥)، وبعد كل ذلك هل نختار الحياء أم البَذاء؟ ونتحلى بالإيمان أم بالجفاء؟ ونُؤثِر أخلاق أهل الجنة أم أخلاق أهل النار؟ لقد كان أهل الجاهلية - على جاهليتهم - يتحرَّجون من بعض القبائح بدافع الحياء، ومن ذلك ما جرى مع أبي سفيان عند هرقل، لَمَّا سئل عن رسول الله ﷺ ، ويقول في ذلك: (فوالله لولا الحياء من أن يؤثروا عليَّ كذبًا، لكذبتُ عنه) (٦)، فمنعه من الحياء الافتراء على رسول الله، لئلا يوصف بالكذب، ويشاع عنه ذلك. وكذلك ما جرى مع السيدة خديجة، حيث وافق أبوها في حضرة جمعٍ من قريش - وهو سكران - على خطبتها لرسول الله ﷺ . فلما صحا من سكره، وفكَّر

стр. 272

بالتراجع، ما ردعته إلا بالاستحياء من أن يقر بأنه كان سكران، فقالت له: (أما تستحيي؟ تريد أن تُسفِّه نفسك عند قريش، تخبر الناس أنك كنت سكران؟ فلم تزل به حتى رضي) (١)، وكم يحتاج المسلمون اليوم إلى إحياء هذا الخُلُق بالالتزام بالكلمة والارتداع عن الوقوع في القبائح أو الشبهات بشيءٍ من الحياء. ترى الرجل الحَيِيَّ يحتقنُ وجهه؛ وتحمرُّ وَجْنتاه، إذا صدر منه أو من غيره ما ينافي الحياء: (كان رسول الله ﷺ أشد حياءً من عذراء في خدرها، وكان إذا كرِه شيئًا رئي ذلك في وجهه) (٢). ومن سمة الحياء: ما يتميز به الحَيِيُّ من مظاهر الوقار والسكينة؛ إذ روي عن بشير بن كعب قوله: (مكتوب في الحكمة: إن من الحياء وقارًا، وإن من الحياء سكينة) (٣). قال القرطبي: (معنى كلام بشير: أن من الحياء ما يحمل صاحبه على الوقار، بأن يوقر غيره، ويتوقر هو في نفسه، ومنه ما يحمله على أنه يسكن عن كثير مما يتحرك الناس فيه من الأمور التي لا تليق بذي المروءة ..) (٤)، فالحياء يحجز النفس عن كثير من خوارم المروءة، وقوادح الدين. ومن الحياء الواقع إجلالًا واحترامًا للأكابر: ما كان من ابن عمر حين سأل رسول الله ﷺ الصحابة: «إن من الشجرِ شجرةً لا يسقط ورقها، وهي مثل المسلم، حدِّثوني ما هي؟» (٥)، فعرَف ابن عمر أنها

стр. 273

النخلة، واستحيا أن يُجيب، ويُعلِّل حياءه - كما في روايات الحديث - بأنه وجد نفسه أصغر الجالسين، وأنه رأى أبا بكر وعمر لا يتكلَّمان، فكرِه أن يتكلَّم (١). كم يشرح الصدر ذلك المجتمع الذي يستحيي في الصغير من الكبير، ويتعامل الناس فيه بالاحترام والتوقير. والحياء بنفسه وقاية من الوقوع في المعاصي، فقد ورد أن أحد الصحابة كان يعاتب أخاه على حيائه، وكأنما يقول له: قد أضر بك الحياء، فقال رسول الله ﷺ : «دَعْه فإن الحياء من الإيمان» (٢)، قال أبو عبُيَد الهَرَوِي: (معناه أن المستحيي ينقطع بحيائه عن المعاصي، فصار كالإيمان القاطع بينه وبين المعاصي) (٣)، ولذلك عمَّم الرسول ﷺ في بيان ثمرات الحياء، فقال: «الحياء لا يأتي إلا بخير» (٤)، ووصفه بأنه زينة للسلوك، فقال: «ما كان الفُحْش في شيءٍ قط إلا شانه، ولا كان الحياء في شيء قط إلا زانه» (٥). ومظاهر الخجل الاجتماعي، التي قد تجر إلى الشر، لا يمكن أن تكون من الحياء المحمود شرعًا؛ إذ إنه لا يأتي إلا بخير، ومداراة بعض الأعراف الاجتماعية المنحرفة، لا يعد حياءً؛ لأن الحياء زين وليس بشَين، والانحراف هو عين القبح والشين. وكما أن الحياء أدب مع الخلق، فإن أسمى صورِه الأدب مع الخالق، وقد ورد أن عددًا من الأنبياء (آدم - نوح - موسى)، تطلب منهم الشفاعة يوم الموقف، والناس يقولون لكل منهم - لما يرون من

стр. 274

هول الموقف -: «.. فاشفَع لنا عند ربك؛ حتى يُريحَنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم - ويذكر ذنبه فيستحيي - .. لست هناكم - ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي - .. لست هناكم - ويذكر قتل النفس بغير نفس فيستحيي من ربه -» (١)، وكل منهم متحرج، ويمنعه الحياء من الجرأة على الشفاعة. ولإحساس المؤمن في الدنيا بأن الله يراه على جميع أحواله، فإنه يستحيي من ربه، ولذلك ورد في التستر عند الاغتسال في الخلوة، قوله ﷺ : «الله أحق أن يُستَحْيَا منه من الناس» (٢)، والذي يستحيي من ربه، إن كشف عورته في خلوته، حريٌّ به أن يمنعه الحياء من الإقدام على معصية. ويكفي في فضيلة الحياء وأثره، أن الأنبياء السابقين حذروا من كسر حاجز الحياء، لئلا يقع المرء في كل القبائح - وليس له رادع ولا وازع - كما في الحديث: «إن مما أدرك الناسُ من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت» (٣). ومن الوجوه التي يفهم بها هذا الحديث أنه: حيث تشعر بالحرج، وتخشى التأثم، فتوقف، وحيث يطمئن القلب، ولا تشعر بالحرجن فاصنع ما شئت.

стр. 275

فاقد الحياء فليصنع ما يشاء، ولينظر بعدئذ ماذا يفعل الله به. ليس عجيبًا ما نراه من منكرات الأخلاق، إذا علمنا أن رادع الحياء قد مات، فالذي لا يستحيي - عادةً - يصنع ما يشاء، بلا حرج من أحد (١). أفلا يكون كل منا عونًا لأخيه في مجاهدة النفس، وتجنُّب ما لا يليق، والتزام حدود الأدب مع الخلق والخالق، في الخلوة والجلوة، وفي الغِيبة والشهادة، فقد جاء في الحديث: «إن الله حليم، حَيِيٌّ، ستِّير، يحب الحياء والستر ..» (٢)، وربما كان لاقتران الحياء والستر فيما يحب الله، إشارة إلى أنه حيث وجد الحياء، وجد الستر والعفاف، وحيث تحل الجرأة على القبائح، يحل معها التكشف والفضائح وعيوب النفس مستورة بجلباب الحياء، فإذا ما نزع الستر، تكشفت أمراض النفوس، وتجرأ الصغير على الكبير، وانطلق الناس من كل قيد، وتحرَّروا من كل وازع، وغرِقوا في أوحال الرذيلة، وستبقى الفطرة ميالة إلى الحياء والستر. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - الحياء خلق يبعث على ترك القبيح. - ليس من الحياء الامتناع عن التعلم أو المطالبة بالحقوق. - إن لكل دين خلقًا وخلق الإسلام الحياء.

стр. 276

- أهل الجاهلية كان عندهم من الحياء ما يمنعهم من بعض القبائح. - الحياء وقار ومروءة. - من الحياء احترام الأكابر. - الحياء وقاية من الوقوع في المعاصي. - من أسمى الحياء التأدب مع الخالق. - الحياء وصية النبوة الأولى. - كمال الحياء حين يكون مع الستر. ****

стр. 277

الفصل الثاني الطيبة

стр. 278

«حتى يَميز الخبيث من الطيب». نعني بالطيبة سلامة الصدر، وصفاء النفس، ورقة القلب، ويتأصل هذا الخلق باستمرار التزكية للنفس، ثم تنعكس آثاره على السلوك: أخوةً وسماحةً وسكينةً ووفاءً، والذين يفتقدون هذا الخلق، تراهم غارقين في صور من التحاليل والكيد، وسوء الظن والخبث. ومعنى «الطيب» في اللغة: الطاهر والنظيف، والحسن والعفيف، والسهل واللين، وذو الأمن والخير الكثير، والذي لا خبث فيه ولا غدر (١)، ومن هذه المعاني نفهم المراد بالرجل الطيب، والزوجة الطيبة، والبلدة الطيبة، والقول الطيب، والذرية الطيبة، والريح الطيبة، والحياة الطيبة، وكلها معاني طهر وعفة وصفاء ونقاء، وهذا حال صاحب خلق «الطيبة». إن الله حين خلق بني آدم «جعل منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن وبين ذلك، والخبيث والطيب وبين ذلك» (٢)، ولا يستوي الخبيث والطيب، ولا يأتلف كل واحد إلا مع قرينه وشبيهه. وحرصًا من النبي ﷺ على اعتزاز المؤمن بالطيبة، نهاه أن

стр. 279

ينسب الخبث إلى نفسه، فقال: «لا يقولن أحدكم خَبُثَت نفسي ..» (١)، ويورد ابن حجر قول ابن أبي حمزة في بيان الحكمة من هذا النهي، فيقول: (وفيه أن المرء يطلب الخير حتى بالفأل الحسن، ويضيف الخير إلى نفسه ولو بنسبة ما، ويدفع الشر عن نفسه مهما أمكن، ويقطع الوصلة بينه وبين أهل الشر حتى في الألفاظ المشتركة) (٢). ولقد شبه النبي ﷺ المؤمن الذي يقرأ القرآن بثمرة «الأترُجَّة»: «طعمها طيب وريحها طيب» (٣)، وضرب للمؤمن مثلًا آخر، فقال: «والذي نفس محمد بيده، إن مثل المؤمن لكمثل النحلة، أكلت طيبًا، ووضعت طيبًا ..» (٤)، وكلها تؤكد على أصالة عنصر الطيبة في نفسية المؤمن، وسمة الخيرية في تعامله. والرجل الطيب، قد يختلف حاله .. فيكون أحيانًا أكثر انشراحًا، وأحسن بشاشة .. تبعًا لما يمر به من أقدار، وقد لاحظ الصحابة ﵃ ذلك مرةً على الرسول ﷺ ، فقال بعضهم: «نراك اليوم طيب النفس، فقال: أجل. والحمد لله. ثم أفاض القوم في ذكر الغنى. فقال: لا بأس بالغنى لمن اتقى، والصحة لمن اتقى خير من الغنى،

стр. 280

وطيب النفس من النعيم» (١). والعبادة صورة يومية من صور جلاء القلب، وتصفية النفس من كل خبث، ويؤكد هذا المعنى ما رواه البخاري، من أن الشيطان يعقد على قافية النائم ثلاث عقد، قائلاً له: «عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضَّأ انحلت عقدة، فإن صلَّى انحلَّت عقده كلها، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان.» (٢). يقول ابن حجر: (قوله: طيب النفس؛ أي: لسروره بما وفَّقه الله له من الطاعة، وبما وعده من الثواب، وبما زال عنه من عقد الشيطان. كذا قيل. والذي يظهر أن في صلاة الليل سرًا في طيب النفس ..) (٣). وما جعل الله مواطن البلاء إلا للتمحيص والتمييز، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ٧٩]، وفي ظلال الآية: أن دور الأمة المسلمة (يقتضي التجرد والصفاء، والتميز والتماسك .. وكل هذا يقتضي أن يصهر الصف؛ ليخرج منه الخبث .. ومن ثَمَّ كان شأن الله - سبحانه - أن يَميز الخبيث من الطيب) (٤)، وتجري سنة الله في أن الزَّبَد يذهب جُفاءً، وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض.

стр. 281

المؤمن الطيب رجل متورِّع عن الشبهات، ولقد كان أبو طلحة في مرض له ينزع غطاء فراشه؛ لما عليه من نقوش؛ فلما اعترض عليه بأنه ليس في الغطاء تصاوير منهي عنها، أجاب: (بلى. ولكنه أطيب لنفسي) (١). والمؤمن الطيِّب يحافظ على صفاء الود مع أخيه، كما في الحديث القدسي: «وحُقَّت محبتي للذين يتصافون من أجلي» (٢)، ويبادر إلى زيارة أخيه المسلم، أو عيادته، فيقول الله له: «طبتَ وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا» (٣). فالتصافي والتواصل علامة طيبة، ولا يتخلق بها إلا الطيب. والمجاهد الطيب لا يطمئن قلبه بالقعود حين يستنفر الناس، ولذلك وصف رسول الله ﷺ نفسية صحابته الكرام - لو أنه خرج في كل سرية - فقال: «ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدي» (٤). ولذلك كان المنافقون - لما في نفوسهم من الخبث - لا يتحرَّجون من أن يتعللوا بأعذار واهية، ورسول الله ﷺ مع صحابته في الحر والنصب، والمنازلة والطعان. وتطييب قلوب عباد الله من علامات طيب القلب، فقد وصف

стр. 282

رسول الله ﷺ الذين يؤدون إلى الناس حقوقهم - وافية وزائدة - بقوله: «أولئك خيار عباد الله عند الله يوم القيامة: المُوفُون المطيبون» (١)، وأقصر طريق إلى القلوب بالكلمة الطيبة: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم يكن فبكلمة طيبة» (٢)، وقد وصف الله الصالحين من عباده بقوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤]. وإن الملائكة لتستقبل أرواح الطيبين: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢]، وقد قال ﷺ : «الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحًا قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فينفتح لها، فيقال: مَن هذا؟ فيقولون: فلان. فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان. فلا يزال يقال لها ذلك، حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله . وإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري حتى تخرج، ثم يعرج إلى السماء، فلا يفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لا تفتح لك

стр. 283

أبواب السماء، فيرسل بها من السماء ثم تصير إلى القبر» (١)، وعلى أبواب الجنة يقال لأهل الطيبة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] بعد أن أحياهم الله الحياة الطيبة في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح. إن غلبة التعامل بالطيبة، ونقاء المجتمع من الخبث، حصانة من غضب الله وانتقامه، ولذلك تساءلت زينيب بنت جحش: «أفنَهلِكُ وفينا الصالحون؟»، فأجابها رسول الله ﷺ : «نعم إذا كثر الخبث» (٢). قال ابن العربي: (وفيه البيان بأن الخير يهلك بهلاك الشرير، إذا لم يغير عليه خبثه) (٣). الطيب نقي القلب، سليم السريرة، حسن الظن بالناس .. ومن دعائه ﷺ : «ونق قلبي من الخطايا، كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس» (٤)، ولا يغُرَّنَّك ما يلصقه الخبثاء بالطيبين: من صفات الغفلة، وضعف العقل، وقلة الحيلة، والهوان على الناس. فلأن تكون مقبولًا عند الله خير لك من أَوْسِمة الدهاء والحيلة والخبث. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - من معاني الطيبة في اللغة والقرآن. - المؤمن يعتز بطيبته.

стр. 284

- العبادات تؤصل الطيبة في القلب. - طيب النفس من النعيم. - مواطن البلاء تميز الخبيث من الطيب. - الطيب يتورع عن الشبهات. - الملائكة تدعو للمتحابين الطيبين. - لا يطيب قلب المؤمن بالقعود حين يُستنفر الناس. - من طيب القلب تطييب قلوب العباد. - النفس الطيبة ترحب بها الملائكة. - غلبة التعامل بالطيب وقاية من غضب الله. - أبرز ما في الطيب نقاء قلبه وسلامة سريرته.

стр. 285

الفصل الثالث التواضع
следующие страницы →