← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17083

هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقا

محمود محمد الخزندار

Полный текст (451 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

المؤمن الطيب رجل متورِّع عن الشبهات، ولقد كان أبو طلحة في مرض له ينزع غطاء فراشه؛ لما عليه من نقوش؛ فلما اعترض عليه بأنه ليس في الغطاء تصاوير منهي عنها، أجاب: (بلى. ولكنه أطيب لنفسي) (١). والمؤمن الطيِّب يحافظ على صفاء الود مع أخيه، كما في الحديث القدسي: «وحُقَّت محبتي للذين يتصافون من أجلي» (٢)، ويبادر إلى زيارة أخيه المسلم، أو عيادته، فيقول الله له: «طبتَ وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا» (٣). فالتصافي والتواصل علامة طيبة، ولا يتخلق بها إلا الطيب. والمجاهد الطيب لا يطمئن قلبه بالقعود حين يستنفر الناس، ولذلك وصف رسول الله ﷺ نفسية صحابته الكرام - لو أنه خرج في كل سرية - فقال: «ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدي» (٤). ولذلك كان المنافقون - لما في نفوسهم من الخبث - لا يتحرَّجون من أن يتعللوا بأعذار واهية، ورسول الله ﷺ مع صحابته في الحر والنصب، والمنازلة والطعان. وتطييب قلوب عباد الله من علامات طيب القلب، فقد وصف

стр. 282

رسول الله ﷺ الذين يؤدون إلى الناس حقوقهم - وافية وزائدة - بقوله: «أولئك خيار عباد الله عند الله يوم القيامة: المُوفُون المطيبون» (١)، وأقصر طريق إلى القلوب بالكلمة الطيبة: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم يكن فبكلمة طيبة» (٢)، وقد وصف الله الصالحين من عباده بقوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤]. وإن الملائكة لتستقبل أرواح الطيبين: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢]، وقد قال ﷺ : «الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحًا قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فينفتح لها، فيقال: مَن هذا؟ فيقولون: فلان. فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان. فلا يزال يقال لها ذلك، حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله . وإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري حتى تخرج، ثم يعرج إلى السماء، فلا يفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لا تفتح لك

стр. 283

أبواب السماء، فيرسل بها من السماء ثم تصير إلى القبر» (١)، وعلى أبواب الجنة يقال لأهل الطيبة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] بعد أن أحياهم الله الحياة الطيبة في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح. إن غلبة التعامل بالطيبة، ونقاء المجتمع من الخبث، حصانة من غضب الله وانتقامه، ولذلك تساءلت زينيب بنت جحش: «أفنَهلِكُ وفينا الصالحون؟»، فأجابها رسول الله ﷺ : «نعم إذا كثر الخبث» (٢). قال ابن العربي: (وفيه البيان بأن الخير يهلك بهلاك الشرير، إذا لم يغير عليه خبثه) (٣). الطيب نقي القلب، سليم السريرة، حسن الظن بالناس .. ومن دعائه ﷺ : «ونق قلبي من الخطايا، كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس» (٤)، ولا يغُرَّنَّك ما يلصقه الخبثاء بالطيبين: من صفات الغفلة، وضعف العقل، وقلة الحيلة، والهوان على الناس. فلأن تكون مقبولًا عند الله خير لك من أَوْسِمة الدهاء والحيلة والخبث. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - من معاني الطيبة في اللغة والقرآن. - المؤمن يعتز بطيبته.

стр. 284

- العبادات تؤصل الطيبة في القلب. - طيب النفس من النعيم. - مواطن البلاء تميز الخبيث من الطيب. - الطيب يتورع عن الشبهات. - الملائكة تدعو للمتحابين الطيبين. - لا يطيب قلب المؤمن بالقعود حين يُستنفر الناس. - من طيب القلب تطييب قلوب العباد. - النفس الطيبة ترحب بها الملائكة. - غلبة التعامل بالطيب وقاية من غضب الله. - أبرز ما في الطيب نقاء قلبه وسلامة سريرته.

стр. 285

الفصل الثالث التواضع

стр. 286

«وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله». الله عزيز، ويريد لعباده أن يكونوا عزيزين، على ألا تمتد مساحة عزتهم على إخوانهم، فتغدو عندئذٍ إعجابًا بالنفس، واستعلاءً على الآخرين، وحطًّا من شأنهم. والله يمن على عباده أن هداهم للإيمان، فإن أبَوْا إلا الضلالة، فهو قادر على الاستبدال بهم قومًا يعتزُّون بإيمانهم، ويتواضعون لإخوانهم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]، فهذه الذلة على المؤمنين صفة المصطفين لحمل هذا الدين - حين يرتد عنه المرتدون. وفي تفسير الآية: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: يرأفون بالمؤمنين، ويرحمونهم، ويَلِينون لهم، ويغلظون على الكفار، ويعادونهم. قال ابن عباس: هم المؤمنين كالوالد للولد، والسيد للعبد. وهم في الغلظة على الكفار، كالسبع على فريسته؛ قال الله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] (١). وفي تعليل استعمال حرف الجر (على) في قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ تفسيران: ففي قول إنه (ضمنه معنى الحنو والعطف

стр. 287

كأنه قال عاطفين على المؤمنين على وجه التذلل والتواضع)، وفي قول ثان أن (على) تدل على علو مقامهم، وأنه رغم فضلهم وارتفاع منزلتهم (يذلون ويخضعون لمن فضلوا عليهن مع شرفهم وعلو مكانهم) (١). العزة صفة محمودة، والكبر على الناس والعجب بالنفس مذمومان، وإن الله قد حط من قيمة الدنيا في نظر المؤمن، وبين هوانها على الله؛ ليعلم الناس جميعًا أنه ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] وأن الله يُكرِّم بها أولياءه حتى وهم في ذروة المحنة ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُون﴾ [المنافقون: ٨]، مع كل هذه العزة، فالمطلوب من المؤمن الشديد على الكفار، أن يتراحم مع المؤمنين، واللائق بالمؤمن العزيز على الكافرين، أن يتعامل بالذل على المؤمنين. يقول ابن قدامة المقدسي في حديثه عن التواضع: (واعلم أن هذا الخلق كسائر الأخلاق، له طرفان ووسط: فطرفه الذي يميل إلى الزيادة يسمى تكبرًا، وطرفه الذي يميل إلى النقصان يسمى تخسسًا ومذلة. والوسط يسمى تواضعًا - وهو المحمود - وهو أن يتواضع من غير مذلة ..) (٢). إن من تأديب رسول الله ﷺ للمؤمنين على خلق (الذلة على المؤمنين) أنه كان يدعو: «اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين» (٣)، يقول ابن الأثير: (أراد به التواضع

стр. 288

والإخبات، وألا يكون من الجبارين المتكبرين) (١). وقد كان عمر ﵁ عنه يُدرِّب ولاته على الذلة على الرعية، وينهاهم عن إذلال الناس، كما يعلم الناس حقهم في أن يعيشوا كرامًا، ومما جاء في خطبة له: (إلا إني والله ما أُرسِل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم؛ ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمَن فُعِل به شيء سوي ذلك، فليرفعه إلى، فوالذي نفسي بيده إذًا لأقصنه منه ... ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم ..) (٢)، وكان عمر ﵁ عنه يوصي واليه على الحمى بقوله: (اضمُمْ جناحك عن المسلمين واتقِ دعوة المسلم ينح فإن دعوة المظلوم مستجابة) (٣). الاعتراف بالخطأ يحتاج إلى شجاعة كبيرة، ونزاهة عالية، وتواضع جم. وإن حدثتك نفسك أن اعترافك قد يضع من قدركن فأحرص على سلامة الحق، أكثر من حرصك على تزيين نفسك، كما أن قبول عذر المعتذر إليك تواضع رفيع، وكرم عال. فالنفوس الخبيثة تتمنى الزلة من الآخرين؛ لتتشفى بالنقد والمحاسبة والتشهير .. ويعبر ابن القيم عن هذا المعنى بقوله: (مَن أساء إليك ثم جاء يعتذر عن إساءته، فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته - حقًّا كانت أو باطلًا - وتكل سريرته إلى الله تعالى .. وعلامة الكرم والتواضع: انك إذا رأيت الخلل في عذره، لا توقفه عليه، ولا تحاجه ..) (٤)، فابتعِد عن الإحراج، واقلب الصفحة،

стр. 289

وابدأ من جديد، وسيكبر لك صاحبك حسن تجاوزك عنه، وعدم التحقيق في عذره. وإذا أصررت على أن تضع أخاك في موقف تذله فيه وتحاسبه محاسبة الأرباب، فقد تجرأت على حرب الله عز وجلن وليس لك به طاقة لما جاء في الحديث القدسي: «مَن أذل لي وليًّا فقد استحل محاربتي» (١)، والله ولي كل مؤمن. إن الذي يتصدر لقيادة الناس وتوجيههم، وكسب قلوبهم، لا بدَّ أن يتمتع بقدر كبير من التواضع، ولذلك أمر الله نبيه ﷺ بقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] فما بال أكابر أمته من بعده، وهم دونه في المنزلة والخلق، لا يخفضون جناحهم؟! وقد جاء في الحكم: (من كثر تواضعه كثر صديقه)، فإذا أردت أن تكسب أنصارًا لدعوتك، فعليك بالتواضع، واحذر العجب والكبر، وأخطره عجب الطاعة، الذي يجعلك تستصغر الناس إزاء ما تقوم به أنت من طاعات، ولذلك يروى عن مطرف قوله: (لأن أَبِيت نائمًا، وأصبح نادمًا، أحب إليَّ من أن أبيت قائمًا، وأصبح معجبًا) (٢). ويعرف الفضيل بن عياض تواضع المؤمن بأنه: (أن يخضع للحق، وينقاد لهن ويقبله ممن قاله) (٣)، وهذا الخضوع للحق هو عين العز؛ لأن طاعة الله، ورجوع إلى الصواب، وتعويد للنفس ألا تصر على

стр. 290

باطل. ولذلك يقول ﷺ : «وما تواضع أحد لله، إلا رفعه الله» (١)، ومن كان قصده رضا الله، هان عليه الانقياد للحق؛ كالذي روي عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه سئل عن مسألة، فغلط فيها، فلما نبه إلى غلطهن أطرق ساعة، ثم رفع رأسه فقال: (إذاً أرجع وأنا صاغر، لأن أكون ذَنَبًا في الحق، أحب إليَّ من أن أكون رأسًا في الباطل ((٢)، وهذا الأصل في العالم، أن يتواضع لله وينقاد للحق؛ لأنه مقصوده، وإن كان بينه وبين من ظهر الحق على لسانه أي نوع من العداوة والاختلاف. وعدم الخضوع للحق هو عين الكبر والبغي، ولذلك عرَّف الرسول ﷺ الكبر بقوله «الكبر: بطر الحق، وغَمْط الناس» (٣)، وبهذا نرى أن التواضع بالإضافة إلى كونه خلقًا وجدانيًّا محمودًا، فإنه وقاية من الوقوع في الظلم، وحماية من التعالي والتفاخر على إخوة الدين، وفي الحديث: «إن الله أوحى إليَّ: أن تواضعوا؛ حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» (٤). ومن رفعة مقام رسول الله ﷺ ، فإنه حين رأى رجلًا يرتعد منه، وكأنما كان يظنه كملوك الأرض، قال له رسول الله ﷺ : «هوِّن عليك فإني لست بمَلِك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القَدِيد» (٥)، وإقراره بما كانت عليه أمه من الفقر أو خشونة العيش، يزيد من إكباره في نفس سامعه، ولا يَضِيره شيئًا، ويدرب أصحابه بذلك على عدم

стр. 291

التعالي على الخلق؛ باستحضار جوانب من بشريتهم، أو سابق حالهم، وبتذكر أنهم جميعًا بنو آدم، وآدم من تراب، وأن الكرم عند الله بالتقوى، وأن المتفاخر بالقيم الجاهلية أهون على الله من الجعلان. ومع ما عُرِف عن ناقة رسول الله ﷺ من السرعة، فقد سبقتها مرة ناقة أعرابي، وشق ذلك على الصحابة، بينما تلقى رسول الله ﷺ الأمر بكل بساطة، بل اغتنم الفرصة، وعمق في النفوس سنة كونية، فقال: «حق على الله: ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه» (١)، بحيث يرتدع المتعالين ويتواضع المتفاخر؛ لأنه لا يدوم شيء في الدنيا على حاله، فقد يَذِل الرفيع، ويرتفع الوضيع. ومن كمال ما عرف عن تواضع النبي ﷺ : أنه كان يخدم أهله - وهو القادر على أن يستعين بالخدم - ويُسلِّم على الصبيان الذين يلقاهم في الطريق - وهو الذي تهابُه الملوك - وحتى حين يكون في أوجِ قوَّتِه وانتصاره، لا يكون جبارًا في الأرض، فقد كان يوم غزو بني قُرَيظة على حمار مخطوم بحبل من ليف، وحين دخل مكة فاتحًا، دخل منكس الرأس، تواضعًا لربه، وحذرًا من تسلل مشاعر الكبر إلى نفس المنتصر، الذي تحدثه نفسه بأنه هو الذي صنع النصر، وقد ينسى فضل الله وتوفيقه، وقد وصف ابن تيمية حال رسول الله ﷺ بقوله: (إنه اختار العبودية - والتواضع وإن كان هو الأعلى وهو ومن اتبعه - .. ولم يرد العلو، وإن كان قد حصل له) (٢). ويكفي المتكبرين ليؤوبوا إلى رشدهم، أن يعلموا أن الله لا

стр. 292

يحبهم، ويصرفهم عن آياته، ويطبع على قلوبهم، ويسقيهم طينة الخَبَال، وتوعدهم بأن يقصمهم، و «مَن كان في قلبه مثقال حبة خَرْدل من كِبْر أكبَّه الله على وجهه في النار» (١)، كل هذا الجزاء من أجل مثقال حبة خردل من كبر، فكم يحتاج المرء إلى حفظ قلبه من مشاعر الكبر والعجب والغرور! ولا يدفع المرء إلى الكبر، إلا حب التميز عن الآخرين، أو الرغبة في عدم الخضوع لأحد، أو محاولة إخفاء نقص في ذاته، وكلها مهلكة للمرء «.. فأما المهلكات: فشُحٌّ مُطاع، وهوى متَّبع، وإعجاب المرء بنفسه» (٢). كما يكفي المتواضع أن يعلم: أن الله يرفعه، وأن عباد الله تحبه، وأن رسول الله ﷺ أسوته، وأنه أعرف بقدر ربه وبقدر نفسه، فاحذر من الانزلاق مع وساوس الشيطان، وأهواء النفوس، لعلك تكون من الذين يحبهم الله ويحبونه ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين﴾ [المائدة: ٥٤]. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - الذين يحبهم الله ويحبونه متواضعون. - لا تعارض بين العزة على الكافرين والذلة على المؤمنين. - عمر يدرب ولاته على الذلة لرعيتهم. - من التواضع الاعتراف بالخطأ وقبول أعذار الناس. - خفض الجناح من صفات مَن يتصدر لقيادة الناس.

стр. 293

- من التواضع الخضوع للحق والانقياد له. - يعين على التواضع تذكر الأصل البشري الواحد. - من أعظم التواضع ما يكون في أوج القوة والانتصار. - يعين على التواضع استحضار ما فيه من الأجر وما على المتكبرين من الوزر. - يكفي المتواضع محبة عباد الله له ورفع الله إياه. ****

стр. 294

الفصل الرابع الإحساس والتأثر

стр. 295

«من سرَّته حسنته وساءته سيئته، فذلكم المؤمن». المؤمن الذي يتمتع بدرجة عالية من الإحساس والتأثر، يبقي حي القلب، مرهف الحس، وينعكس ذلك على سلوكه، بتفاعله مع ما يجرى حوله، وانفعاله بما يثير ويحرك فيغضب الله، ويفرح لنصرة دين الله، ويتمعَّر وجهه إذا انتهكت حرمات الله، ويهتم لحال عباد الله وسطوة أعداء الله. والفاقد لهذا الخلق: تراه بليدًا جامدًا، ميت الشعور، خامل الإحساس، يتلقى كل ما يجري حوله بفتور، إلا أن يكون أمرًا يمس مصالحه الشخصية، فيثور له ويغضب ويهتم لأجله ويسعى، وهل أمر نفسه أولى عنده من أمور جميع المسلمين؟ وهل مصيبته في نفسه أشد عليه من كل مصائب المسلمين؟. إن صاحب (الإحساس والتأثر) يراعي مشاعر إخوانه، ويحترمها، ويحذر أن يمسها بسوء، يروى أن أبا سفيان - في هدنة صلح الحديبية - قبل إسلامه، مر على سلمان وصهيب وبلال، فأرادوا أن يسمعوه قولًا يغيظه، فقالوا: والله ما أخذت سيوفُ الله من عنق عدو الله مأخذها. فاستنكر عليهم أبو بكر ما قالوا، وقال لهم: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟! وذهب أبو بكر فأخبر النبي ﷺ بما جرى، فكان أول أمر أهم رسول الله، أن تساءل عن مشاعرهم تجاه ما صدر من أبي بكر، فقال له: «يا أبا بكر لعلك أغضبتَهم، لئن كنت أغضبتهم، لقد أغضبت ربك»، فأتاهم أبو بكر يسترضيهم، ويستعطفهم، قائلًا: يا إخوتاه! أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك

стр. 296

يا أخي (١) حين تكون هذه الصورة نموذجًا يحتذي في العلاقات بين الإخوة، تتحقق فينا أخوة الإسلام بأسمى صورها. ومن علامات حياة القلب، والتفكير في الآخرين، والاهتمام بأمورهم؛ أن يحزن المؤمن لحزن من يحب، ومن الصور البارزة لهذه المشاركة الشعورية: أن رسول الله ﷺ شاور أصحابه في أسرى بدر، فرأى عمر أن يقتلوا، ورأى أبو بكر أن يعتبروا أسرى، ويؤخذ منهم الفداء، فمال رسول الله ﷺ إلى رأى أبي بكر، فلما نزلت الآية في اليوم التالي: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، والآية تعاتبهم ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾، وتشير الآية التي تليها إلى أنه كان سيَمَسُّهم عذاب لذلك: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨]. فأخذ رسول الله ﷺ يبكي، وأبو بكر يبكي معه، ووجدهما عمر على هذا الحال فقال: «يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدتُ بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما» فقال رسول الله ﷺ : «أبكي للذي عرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة ..» (٢). وحين أذن الله لرسوله ﷺ بزيارة قبر أمه، (بكى هناك، وأبكى

стр. 297

من حوله) (١) من الصحابة، ولما زار رسول الله ﷺ سعد بن عبادة - وهو يحتضر - فرأى ما غشِيه من نزع الروح، بكى (فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ ، بكوا) (٢)، وبذلك نرى أن رسول الله ﷺ كان رقيق القلب، سريع الدمعة، بالغ التأثر، قوي الإحساس، وكذلك كان الصحابة من حوله، فكيف نجد قلوبنا من بعدهم؟ ومن شواهد هذا الإحساس، وذلك التأثر، في مجتمع المسلمين، أن امرأة من الأنصار، لما علمت حزن عائشة، لما رُمِيت به من حديث الإفك، ذهبت إليها، وجلست تبكي معها (٣)، فهل يطيب لك نوم، وأنت تعلم أن أخًا لك في محنة؟ إذا وجدت مصائب إخوانك تمر على مشاعرك دون أن تحركها، وتعبُرُ أمام عينيك ولا تدمعها، فاعلم أن قلبك بحاجة إلى جلاء وإحياء. ومن أبرز ما يتمثل فيه خلق (الإحساس والتأثر): حزن المرء على نفسه إذا أذنب، وندمه على ما اجترح، بحيث يدفعه ذله إلى التوبة. يروى أن السيدة عائشة ﵁ كانت نذرت أن تهجر ابن أختها عبدالله بن الزبير، ثم تَمَّ الإصلاح بينهما (.. وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي، حتى تبل دموعُها خمارَها) (٤)، لحزنها على ما نذرت من شر، ثم يأتي على الناس زمان، يفعلون فيه الموبقات وهي أدق في عيونهم من الشعر؛ لاستصغارهم لما فعلوا، ويفعل أحدهم الذنب، فلا يتأثر له إلا كما يتأثر مَن وقفت على أنفِه ذبابة، فهشها

стр. 298

بيده وانتهى كل شيء. إن هذا لدليل ضعف الإيمان، وحياة القلب هي علامة الإيمان، ولذلك قال ﷺ : «.. مَن سرَّته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن» (١)، ومثل هذا يأمن عذاب الله في الآخرة؛ لخوفه من ذنبه في الدنيا. قال أبو أيوب الأنصاري: (.. وإن الرجل ليعمل السيئة، فلا يزال منها مشفقًا، حتى يلقى الله آمنًا) (٢)، وقد جاء في وصية لرسول الله ﷺ قوله: «.. وابكِ على خطيئتك» (٣). وأول علامات حياة القلب: الشعور بالخطأ، ثم الشعور بالندم، ثم البكاء، ولا يبكي من لم يندمْ، ولا يندم مَن لم يشعر بعظم ذنبه. إن التأثر بالمواقف التي تستدعي الشفقة والرحمة، صورة من صور هذا الخلق، ومن ذلك أن أبا أيوب الأنصاري رأى امرأة في السبي تبكي؟ فعلم أنه فرق بينها وبين ولدها، فجاءها بولدها فاعترض عليه أميره عبد الله بن قيس؟ وقال له: ما حملك على ما صنعت؟. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من فرق بين والدة وولدها، فرق الله بينه وبين الأحبة يوم القيامة» (٤)، إنه التأثر لما قد يقع من ظلم، حتى على غير المسلمين. ومثل ذلك التأثر بالمواقف، التي تستدعي السخط على الظلم والظالمين، فقد ورد أن بعض الصحابة، أرادوا المرور بديار أصحاب الحجر، فقال لهم رسول الله ﷺ : «لا تدخلوا على هؤلاء القوم

стр. 299

المعذَّبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم مثلما أصابهم» (١). ومن المواقف التي تقتضي التأثر: رؤية ما يغضب الله، أو ينفر الناس من الدعوة، فقد شكا رجل إلى النبي ﷺ طول صلاة إمامهن يقول أبو مسعود الأنصاري:) فما رأيت النبي ﷺ في موعظة أشد غضبًا من يومئذ ((٢). والحري بأن يكون أكثر الناس إحساسًا بإخوانه، وتأثرا لما يحبه الله أو يبغضه، ولما يفرح المؤمنين أو يغيظهم، الحري بذلك أكثر من غيره، من كان أكثر علمًان فمزيد العلم يزيد الخشية، فإذا لم يتفاعل المرء مع ما يتعلم لم يرقَّ قلبه ولم يخشع، وقد استعاذ رسول الله ﷺ من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع (٣)، ولذلك لو وصل علمنا، إلى ما وصل إليه علم رسول الله ﷺ ، لضحكنا قليلًا، ولبكينا كثيرًا (٤)، وقد كان الصالحون من سلف الأمة يتعهدون قلوبهم، فيقارنون بين حقيقة حالهم، ومحتوى أقوالهم، يقول إبراهيم التيمي: (ما عرضت قولي على عملي، إلا خشيت أن أكون مكذبًا) (٥). إن القلوب إذا طال عليها الأمد قست، وإذا ذكرت لانت ورقت، وتأثرت وشفت، وذلك حال المؤمنين حقًّا: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].

стр. 300

﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، بينما إخوان الشياطين الذين ماتت قلوبهم ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢]. إن هذا الدين بحاجة إلى مَن يتبنَّى همومه، ويحمل مسؤوليته، ويشعر بخطورة دوره، وليس بحاجة إلي أبواق رنانة، وأصوات طنانة، فليست النائحة كالثكلى. فتعهَّد حساسية قلبك نحو حالك مع الله، وأحوال المسلمين .. فإذا سرَّك الخير وأفرحك، وساءك الشر وأهمك فأنت مؤمن، حي القلب، يقظ المشاعر. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - الإحساس علامة حياة القلب ورهافة الشعور. - من علامات الإحساس: - تقدير مشاعر الإخوة ومراعاتها. - الحزن لحزنهم والفرح لفرحهم. - الوجد والبكاء في المواقف المؤثرة. - الحزن على النفس إذا أذنبت - التأثر بمواقف الظلم. - الانفعال عند رؤية المنكر. - أحرى الناس بالإحساس العلماء. - تقسو القلوب إذا طال عليها الأمد. - لا يقوم الدين إلا على أكتاف المتحرقين عليه.

стр. 301

الفصل الخامس القناعة والعفة

стр. 302

«وكن قنعًا تكن أشكر الناس». صورة اللاهث على الدنيا، المتهافت على الاستكثار منها بجشع وطمع، الذي يرضى بالدنية، ويعتاد الشكوى، ويُلحِف في السؤال، هذه الصورة لا تنسجم مع عزة المجاهد، وقناعته، وتعففه، ورضاه بما قسم الله له. إن الاستسلام لدواعي الطمع ليس له نهاية، إذا أرخى المرء عنان شهواته؛ لذلك جاء في الحديث: «.. إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع ..» (١). ويغلب الطمع على المتنافسين في الدنيا وزينتها، والمتطلعين دوما إلى من هو فوقهم، يعلل الإمام النووي ذلك بقوله: (لأن الإنسان إذا رأى من فضل عليه في الدنيا، طلبت نفسه مثل ذلك، واستصغر ما عنده من نعمة الله تعالى، وحرص على الازدياد؛ ليلحق بذلك أو يقاربه، هذا هو الموجود في غالب الناس ...) (٢). وهذا الحرص الزائد في نفس المرء، يفسد عليه دينه، كما جاء في الحديث: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء

стр. 303

على المال والشرف لدينه» (١). والتعلق القلبي الزائد بزينة الحياة، وبالاستكثار من المال، يستعبد المرء، وقد دعا رسول الله ﷺ على أولئك بالتعاسة: «تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة: إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس ...» (٢). ولا تنال القناعة إلا بمجاهدة النفس وبتوفيق من الله «.. من يستعفف يعفه الله، ومن يستعن يغنه الله» (٣) وقد كان الصحابي الكريم حكيم بن حزام يمتنع من أن يأخذ حقه في الفيء - رغم إلحاح سيدنا عمر عليه - ويفسر ابن حجر سبب ذلك بقوله: (وإنما أمتنع حكيم من أخذ العطاء - مع أنه حقه - لأنه خشي أن يقبل من أحد شيئا، فيعتاد الأخذ، فتتجاوز به نفسه إلى ما لا يريده، ففطمها عن ذلك، وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ..) (٤). وقد عد رسول الله ﷺ من أهل الجنة: «عفيف متعفف، ذو عيال» (٥) إذ أنه يجاهد نفسه مع وجود الحاجة. ومن تمام الاستعفاف: أن بعض الصحابة كانوا يبايعون رسول الله ﷺ على ألا يسألوا الناس شيئا، ويصف الرواي حالهم بعد رسول الله، فيقول: (.. فلقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوطه، فما يسأل

стр. 304

أحدا أن يناوله إياه) (١) مبالغة منهم في الالتزام بما بايعوا عليه. وفي حوار مع أبي ذر، قال رسول الله ﷺ : «كيف أنت وجوعاً يصيب الناس، حتى تأتي مسجدك فلا تستطيع أن ترجع إلى فراشك، ولا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: عليك بالعفة ...» (٢). ومن المجاهدة ألا تكون الشكوى إلا إلى الله، وألا ينتظر الفرج إلا منه سبحانه، ففي الحديث: «من أصابته فاقة فأنزلها بالناس، لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله، أوشك الله له بالغنى: إما بموت آجل، أو غنى عاجل» (٣). وفي حالات الضرورة الشديدة التي تدفع المرء إلى أن يمد يده بالسؤال، شرط السؤال عدم وجدان الغنى لوصف الله الفقراء بقوله: يقول ابن حجر: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ ...﴾ [البقرة: ٢٧٣]؛ إذ من استطاع ضربا بها فهو واجد لنوع من الغنى، والمراد بالذين أحصروا: الذين حصرهم الجهاد؛ أي: منعهم الاشتغال به من الضرب في الأرض - أي التجارة - لاشتغالهم به عن التكسب) (٤). الصورة التي أذِن فيها رسول الله ﷺ بالسؤال، قيدها بحد معين «حتى يصيب قوامًا من عيش، أو سدادًا من عيش ... فما سواهن

стр. 305

من المسألة - يا قبيصة - سحتًا يأكلها صاحبها سحتًا» (١). وقد ذكر الإمام النووي اتفاق العلماء على النهي عن السؤال لغير ضرورة، واشترط في سؤال القادر على الكسب ثلاثة شروط: (ألا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يؤذي المسؤول، فإن فقد أحد هذه الشروط، فهي حرام بالاتفاق، والله أعلم) (٢). والمال الذي يأتي بغير تطلع النفس إليه، قال فيه رسول الله ﷺ : «إذا جاءك من هذا المال شيء - وأنت غير مشرف ولا سائل - فخذه، وما لا، فلا تُتبِعه نفسك» (٣)، وفضَّل ابن بطال الأخذ على الترك، بشرط عدم استشراف النفس، وعلَّل الأفضلية بما يدل على مزيد فقه بطبائع البشر، فقال: (والوجه في تعليل الأفضلية: أن الآخذ أعون في العمل، وألزم للتصيحة من التارك، لأنه إن لم يأخذ، كان عند نفسه متطوعًا بالعمل، فقد لا يجد جدَّ مَن أخذ، ركونًا إلى أنه غير ملتزم، بخلاف الذي يأخذ، فإنه يكون مستشعرًا بأن العمل واجب عليه، فيجد جدَّه فيه) (٤). ولكي تتوفر في المسلم، دواعي الكفاية والقناعة، بشرف وعزة، دعاه الإسلام إلى العمل، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده، لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب على ظهره، خير له من أن يأتي رجلًا فيسأله، أعطاه أو منعه» (٥)، وذكر ابن حجر من فوائد الحديث:

стр. 306

(الحض على التعفف عن المسألة والتنزه عنها، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق، وارتكب المشقة في ذلك، ولولا قبح المسألة في نظر الشرع، لم يفضل ذلك عليها، وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال، ومن ذلِّ الرد إذا لم يُعطَ) (١). يقول أحمد في الدعوة إلى التوكل والتكسب: (أجرة التعليم والعلم، أحب إلب من الجلوس لانتظار ما في أيدي الناس، - وقال أيضا -: من جلس ولم يحترف، دعته نفسه إلى ما في أيدي الناس) (٢). والزهد بما في أيدي الناس، يحبب المرء إليهم، وفي وصية موجزة قال رسول الله ﷺ : «.. وأجمعِ اليأسَ عما في أيدي الناس» (٣)، كما في وصية جبريل لرسول الله ﷺ «.. واعلَم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس» (٤). وإذا علمنا ما كان عليه حال رسول الله ﷺ ، هان علينا أن نقنع بما نحن فيه، فقد وصف حاله النعمان بن بشير بقوله: (لقد رأيتُ نبيَّكم، وما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه) (٥)، وكان ﷺ يدعو: «اللهم اجعَل رزقَ آل محمد قوتًا» (٦). ومن أسباب القناعة: أن ينظر المرء إلى حال مَن كان دونه؛ ليعرف

стр. 307

نعمةَ الله عليه، كما جاء في الحديث: «انظروا إلى مَن أسفلَ منكم ولا تنظروا إلى مَن هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» (١). وصاحب النفس العفيفة لا يرضى أن تكون يده السفلى، ورسول الله ﷺ يقول: «اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة» (٢)، وسيكون أكثر تعففًا؛ حين يتخيل هذا التصوير لمال الصدقة: يذكر عبد الله بن الأرقم أنه طلب بعيرًا من بيت المال، فعرض عليه جمل من الصدقة، فأبى واستنكر أن يعرض عليه ذلك، وقال لصاحبه: (أتحب أن رجلاً بادناً في يوم حار، غسل لك ما تحت إزاره ورُفْغَيْه، ثم أعطاكه، فشربته؟ فغضب الرجل وقال: يغفر الله لك، أتقول لي مثل هذا؟! فقال عبد الله بن الأرقم: إنما الصدقة أوساخ الناس؛ يغسلونها عنهم) (٣). ووما يُقوِّي القناعة: علم المرء بأن السؤال ذل في الدنيا، وعذاب وفضيحة في الآخرة، وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ : «من سأل الناس أموالهم تكثرًا، فإنما يسأل جمرًا، فليستقل أو ليستكثر» (٤). وكذلك (من سأل وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من النار) (٥)، ولماذا يستكثر من حيزت له الدنيا بأمنها وعافيتها وقوت يومها؟: «من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت بومه، فكأنما حيزت

стр. 308

له الدنيا» (١)، ولماذا يحزن المرء على شيء فاته من الدنيا، إذا اطمأن أنه من المفلحين؟ «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه» (٢)؟ وكيف يلهث طامعًا إذا علم بخطر ذلك على عاقبته، إن لم يؤد حقَّه؟: «الأكثرون هم الأسفلون، إلا من قال هكذا، وهكذا، وهكذا» (٣). وما فائدة الاستكثار والكنز إذا كانت احتياجات المرء محدودة بضرورات معينة؟: «وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو ليست فأبليت؟!» (٤). والخلل في قناعة المسلم قد ينشأ عن اهتزاز بعض مفاهيمه الإيمانية، من الرضا بالقدر، في العسر واليسر، لذلك كان من دعائه ﷺ : «.. وأسألك نعيمًا لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بالقضاء» (٥). وفي دعاء الاستخارة: «.. واقدر لي الخير حيث كان ثم رضِّني به» (٦)، ومن دواعي الرضا بالتفكير بالأجر، كما في الحديث: «لو تعلمون ما لكم عند الله، لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة» (٧)، وكذلك قوله ﷺ : «لو تعلمون ما ادُّخِر لكم، ما حزنتم

стр. 309

على ما زوي عنكم» (١). قد يكون أب فقيرً قانعًا مستعففًا، كما قد يكون الغني طماعًا جشعا، ذلك لأن الغنَى غنى النفس، قال ﷺ : «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس» (٢)، وقد وصف رسول الله ﷺ حال الناس في القرون المتأخرة، فعد من أشراط الساعة «.. وأن يعطى الرجل ألف دينار، فيتسخطها» (٣)، وهذا من أشد صور الحرص والطمع، كما أن القناعة أعلى صور الشكر والرضا: «.. وكن قنعًا تكن أشكر الناس» (٤). خلاصة هذا الفصل وعناصره: - المستسلم لدواعي الطمع كالذي يأكل ولا يشبع. - التنافس على الدنيا من دواعي الطمع. - لا تُنال القناعة إلا بالمجاهدة. - من تمام عفَّة الصحابة بيعتهم على ألا يسألوا الناس شيئًا. - من شروط العلماء في السؤال: - عدم وجدان الغنى. - عدم إذلال النفس. - عدم الإلحاح في السؤال. - عدم استشراف النفس.

стр. 310

- يعين على العفة والقناعة: - العمل لتأمين الكفاية. - الاقتداء بحال السلف. - النظر إلى من هو دونك. - استحضار ما في السؤال من ذل الدنيا والآخرة. - احتياجات المرء محدودة فلا حاجة للطمع. - تصاب القناعة بالخلل إذا اهتز الإيمان بالقدر. - من أغرب الأحوال قناعة الفقير وطمع الغني. - القناعة أعلى صور الشكر والرضى. ****

стр. 311

الباب السابع من أخلاقنا في ضبط السلوك الفصل الأول: تجنب الفتن. الفصل الثاني: الأعذار. الفصل الثالث: القصد. الفصل الرابع: المراجعة والتصحيح. الفصل الخامس: الحرص على الانتفاع. الفصل السادس: المداومة على فعل المعروف. ****

стр. 312

الفصل الأول تجنب الفتن

стр. 313

«إن السعيد لمن جُنِّب الفتن ..». نعني بالفتنة ما يصيب الفرد أو الجماعة من هلاك أو تراجع في المستوى الإيماني، أو زعزعة في الصف الإسلامي. من أول أسباب الوقوع في الفتنة استعداد القلب لقَبولها كما في الحديث «تُعرَض الفتن على القلوب .. وأي قلب أُشرِبَها نُكِتَت فيه نكتة سوداء» (١)، وكذلك قَبول السعي فيها، ففي الصحيح «.. الماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه» (٢)؛ أي: مَن تطلَّع لها صرعته فيها. وأشد ما يُؤجِّج الفتن الخوض بالألسنة، يقول القرطبي في تعليل أسبابِ كثيرٍ من الفتن أنها تبدأ: (بالكذب عند أئمة الجور، ونقل الأخبار إليهم، فربما ينشأ من ذلك الغضب والقتل، أكثر مما ينشأ من وقوع الفتنة نفسها) (٣). وكم تكبُرُ الفتنة حينما يبني المرء موقفه على وهم!! وذلك مثلما حصل مع الصحابيَّين الكريمين أبي بكر وعمر ﵄ حينما أشار أبو بكر بتأمير رجل على وفد بني تميم وأشار عمر بتأمير

стр. 314

غيره، فقال أبو بكر: (إنما أردتَ خلافي)، وعمر يقول له: (ما أردت خلافك)، وعلت أصواتُهما عند رسول الله ﷺ حتى إن راوي الحديث قال: (كاد الخيِّران أن يهلِكا) (١). وأخطر ما يقود إلى الفتن تقديم الرأي على حكم الشرع، فقد جاء في صحيح البخاري أن سهل بن حُنَيف قال عند فتنة الصحابة: (أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم) (٢). وقد تفر من الفتنة فيلاحقك أهلها وأنت كاره للخوض فيها كما ورد عن أبي الدرداء ﵁: (إن ناقدت ناقدوك، وإن تركتهم لم يتركوك، وإن هربت منهم أدركوك) (٣). وقد يكون استلامك لإمارة لا تقدر عليها سببَ فتنةٍ لك ولمن معك، ولذلك جزع عمرو بن العاص ﵁ جزعًا شديدًا لما حضرته الوفاة، وتذكر حياته مع رسول الله ﷺ إلى أن قال: «فلو مت حينئذٍ قال الناس: هنيئًا لعمرو أسلم وكان على خيرٍ فمات فرُجِي له الجنة، ثم تلبست بعد ذلك بالسلطان وأشياء، فلا أدري عليَّ أم لي ..» (٤). وإن كنت في موضع القدوة أو الإمرة فلا تحمل الناس ما لا يُطِيقون، فتفتنهم، فإن رسول الله ﷺ لما علم أن معاذاً - رضي الله

стр. 315

عنه - يُطِيل الصلاة بالناس قال له ثلاثًا: «يا معاذ! أفتَّان أنت؟!» (١)، وفي خطبة لعمر ﵁ قوله (ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم) (٢). وإن الانشغال بالقول عن العمل كثيرًا ما يفضي إلى كثير من الفتن والمشكلات، يقول ابن تيمية ﵀: (فإذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العدواة، حتى تقع بينهم الفتنة - كما هو الواقع -) (٣)، وفي المثل: (العسكر الذي تسوده البطالة يجيد المشاغبات) (٤). إن من آثار الفتنة أنها تُنسِي الواقعين فيها حقائق يعرفونها وحدودًا كانوا يلتزمونها، وإن الواقِع في الفتنة تخف تقواه، ويرقُّ دينه، ولذلك حين يبعد أناس عن الحوض كان يظنهم رسول الله ﷺ من أمته يجاب: «لا تدري مشوا على القَهْقَرى»، قال راوي الحديث - ابن أبي مُلَيْكة -: (اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نُفتَن) (٥). وفي الحديث الذي يسأل فيه حُذَيفةُ عن الشرِّ: «.. يا رسول الله، الهدنة على الدخن ما هي؟ قال: «لا ترجع قلوب أقوام على الذي

стр. 316

كانت عليه» (١)، يقول شارح الحديث: (أي لا تكون قلوبهم صافية عن الحقد والبغض كما كانت صافية قبل ذلك) (٢). ترى الرجل العاقل ولا تدري أين ذهب عقله في حال وقوع الفتنة، ينقل ابن حجر حديثًا لابن أبي شيبة في الفتن: «ثم فتنة تموج كموج البحر وهي التي يصبح الناس فيها كالبهائم»؛ أي: لا عقول لهم، ويؤيده حديث أبي موسى: «تذهب عقول أكثر ذلك الزمان» (٣). وحين بيَّن ابن حجر استحباب الاستعاذة من الفتن، حتى في حق مَن علم أنه على حق، علل ذلك بقوله: (لأنها قد تُفضِي إلى وقوع ما لا يرى وقوعه) (٤). ومن أخطر آثار الوقوع في الفتن انعدام التأثر بالموعظة، روى أحمد (أن أخاً لأبي موسى كان يتسرع في الفتنة فجعل ينهاه ولا ينتهي فقال: (إن كنت أرى سيكفيك مني اليسير - أو قال من الموعظة - دون ما أرى ...) (٥)، بل ويستصغر الناس المعاصي. يقول عبدالله بن عمر: (في الفتنة لا ترون القتل شيئاً) (٦)، فما سبيل النجاة من الفتن؟ من المنجيات من الفتن: أن تتنازل عن حقك في الدنيا، وإن كان

стр. 317

الصبر على ذلك شاقاً على النفس، كما جاء في سنن أبي داود: «إن السعيد لمن جُنِّب الفتن - ثلاثاً - ولمن ابتلي فصبر فواهاً» (١)، ومن كانت الفتنة تحيط به ولا مُنجِيَ به منها فليفرَّ بدينه من الفتن أو ليكثر من العبادة كما في الحديث: «العبادة في الفتنة كالهجرة إليَّ» (٢)، والتزود بالأعمال الصالحة مطلوب للوقاية من الفتنة قبل وقوعها، قال ﷺ : «بادروا بالأعمال فتنًا» (٣). يقول النووي في شرح الحديث: (معنى الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال قبل تعذُّرها، والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتراكمة المتكاثرة) (٤). ومَن كان يملك أسباب الفتنة فليتخلَّص منها كما جاء في الحديث: «كسِّروا فيها قِسِيَّكم» (٥) حتى إن كعب بن مالك ﵁ يذكر في قصة الثلاثة الذين خلفوا؛ كيف جاءه كتاب من ملك غسَّان وفيه (قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نُواسِك)، يقول كعب: (فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء فتيمَّمت التنُّور فسجرتُه بها) (٦).

стр. 318

وحاول في الفتنة ألا تكون أميرًا فإن أسامة ﵁ كان يقول: (ما أنا بالذي أقول لرجل - بعد أن يكون أميرًا على رجلين -: أنت خير) (١)، يقول ابن حجر: (فكان أسامة يرى أنه لا يتأمر على أحد، وإلى ذلك أشار بقوله: لا أقول للأمير: إنه خير الناس) (٢). والدعاء بالحماية من شرور الفتن سبب من أسباب النجاة ففي مسند أحمد: «وإذا أردت بعبادك فتنة أن تقبضني إليك غير مفتون» (٣)، وفي دعاء عمر ﵁: (نعوذ بالله من شر الفتن)، وقال أنس ﵁: (عائذاً بالله من شر الفتن) (٤). وينجيك عند الله أن تنكر الفتنة، ولا ترضى بها، ولا تعين عليه، قال ﷺ : «.. وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامتِ السماوات والأرض» (٥). وأهم المنجيات أن يفقه المرء دينه، وأن يميز حدود الشرع - دون التباس - فقد نقل ابن حجر عن ابن أبي شيبة حديثاً عن حذيفة يقول فيه: (لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك، إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل) (٦). ورغم كل هذه الأسباب المنجية وغيرها، لا بدَّ للقلب من أن يبقى

стр. 319

معلقا بالله، وحقاً: «إن السعيد لمن جُنِّب الفتن»، فاجتناب الفتن حفظ رباني، أكثر من كونه كسبًا بشريًّا، فخذ بالأسباب واستعِن بالله. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - من أسباب الوقوع في الفتنة: - استعداد القلب لقبولها. - الخوض بالألسنة واعتقاد الأوهام. - تقديم الرأي على حكم الشرع. - استلام إمارة لا يُعان عليها. - الانشغال بالقول عن العمل. - من آثار الفتنة: - تُنسِي الناس حقائق يعرفونها. - ترقق الدين. - تُذهِب العقل. - تعدم التأثر بالموعظة. - من المنجيات من الفتن: - التنازل عن حقك في الدنيا. - الفقه في الدين. - التخلص من وسائل الفتنة وأسبابها. - عدم تولي إمرة في الفتنة. - الدعاء بالحماية من شرها. - إنكار القلب للفتنة. - التزود بالعمل الصالح. - اجتناب الفتن حفظ رباني أكثر من كونه كسبًا بشريًّا.

стр. 320

الفصل الثاني الإعذار
следующие страницы →