← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17083

هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقا

محمود محمد الخزندار

Полный текст (451 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

كانت عليه» (١)، يقول شارح الحديث: (أي لا تكون قلوبهم صافية عن الحقد والبغض كما كانت صافية قبل ذلك) (٢). ترى الرجل العاقل ولا تدري أين ذهب عقله في حال وقوع الفتنة، ينقل ابن حجر حديثًا لابن أبي شيبة في الفتن: «ثم فتنة تموج كموج البحر وهي التي يصبح الناس فيها كالبهائم»؛ أي: لا عقول لهم، ويؤيده حديث أبي موسى: «تذهب عقول أكثر ذلك الزمان» (٣). وحين بيَّن ابن حجر استحباب الاستعاذة من الفتن، حتى في حق مَن علم أنه على حق، علل ذلك بقوله: (لأنها قد تُفضِي إلى وقوع ما لا يرى وقوعه) (٤). ومن أخطر آثار الوقوع في الفتن انعدام التأثر بالموعظة، روى أحمد (أن أخاً لأبي موسى كان يتسرع في الفتنة فجعل ينهاه ولا ينتهي فقال: (إن كنت أرى سيكفيك مني اليسير - أو قال من الموعظة - دون ما أرى ...) (٥)، بل ويستصغر الناس المعاصي. يقول عبدالله بن عمر: (في الفتنة لا ترون القتل شيئاً) (٦)، فما سبيل النجاة من الفتن؟ من المنجيات من الفتن: أن تتنازل عن حقك في الدنيا، وإن كان

стр. 317

الصبر على ذلك شاقاً على النفس، كما جاء في سنن أبي داود: «إن السعيد لمن جُنِّب الفتن - ثلاثاً - ولمن ابتلي فصبر فواهاً» (١)، ومن كانت الفتنة تحيط به ولا مُنجِيَ به منها فليفرَّ بدينه من الفتن أو ليكثر من العبادة كما في الحديث: «العبادة في الفتنة كالهجرة إليَّ» (٢)، والتزود بالأعمال الصالحة مطلوب للوقاية من الفتنة قبل وقوعها، قال ﷺ : «بادروا بالأعمال فتنًا» (٣). يقول النووي في شرح الحديث: (معنى الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال قبل تعذُّرها، والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتراكمة المتكاثرة) (٤). ومَن كان يملك أسباب الفتنة فليتخلَّص منها كما جاء في الحديث: «كسِّروا فيها قِسِيَّكم» (٥) حتى إن كعب بن مالك ﵁ يذكر في قصة الثلاثة الذين خلفوا؛ كيف جاءه كتاب من ملك غسَّان وفيه (قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نُواسِك)، يقول كعب: (فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء فتيمَّمت التنُّور فسجرتُه بها) (٦).

стр. 318

وحاول في الفتنة ألا تكون أميرًا فإن أسامة ﵁ كان يقول: (ما أنا بالذي أقول لرجل - بعد أن يكون أميرًا على رجلين -: أنت خير) (١)، يقول ابن حجر: (فكان أسامة يرى أنه لا يتأمر على أحد، وإلى ذلك أشار بقوله: لا أقول للأمير: إنه خير الناس) (٢). والدعاء بالحماية من شرور الفتن سبب من أسباب النجاة ففي مسند أحمد: «وإذا أردت بعبادك فتنة أن تقبضني إليك غير مفتون» (٣)، وفي دعاء عمر ﵁: (نعوذ بالله من شر الفتن)، وقال أنس ﵁: (عائذاً بالله من شر الفتن) (٤). وينجيك عند الله أن تنكر الفتنة، ولا ترضى بها، ولا تعين عليه، قال ﷺ : «.. وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامتِ السماوات والأرض» (٥). وأهم المنجيات أن يفقه المرء دينه، وأن يميز حدود الشرع - دون التباس - فقد نقل ابن حجر عن ابن أبي شيبة حديثاً عن حذيفة يقول فيه: (لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك، إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل) (٦). ورغم كل هذه الأسباب المنجية وغيرها، لا بدَّ للقلب من أن يبقى

стр. 319

معلقا بالله، وحقاً: «إن السعيد لمن جُنِّب الفتن»، فاجتناب الفتن حفظ رباني، أكثر من كونه كسبًا بشريًّا، فخذ بالأسباب واستعِن بالله. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - من أسباب الوقوع في الفتنة: - استعداد القلب لقبولها. - الخوض بالألسنة واعتقاد الأوهام. - تقديم الرأي على حكم الشرع. - استلام إمارة لا يُعان عليها. - الانشغال بالقول عن العمل. - من آثار الفتنة: - تُنسِي الناس حقائق يعرفونها. - ترقق الدين. - تُذهِب العقل. - تعدم التأثر بالموعظة. - من المنجيات من الفتن: - التنازل عن حقك في الدنيا. - الفقه في الدين. - التخلص من وسائل الفتنة وأسبابها. - عدم تولي إمرة في الفتنة. - الدعاء بالحماية من شرها. - إنكار القلب للفتنة. - التزود بالعمل الصالح. - اجتناب الفتن حفظ رباني أكثر من كونه كسبًا بشريًّا.

стр. 320

الفصل الثاني الإعذار

стр. 321

«مَن أقال مسلمًا أقاله الله عثرته». لما بالغ الناس بسوء الظن وبالمبادرة الى التعنيف والتأثيم، كان لا بدَّ من وقفة مع (الإعذار)، ونعني به: العفو عن المخطئ المستعفي عن إساءته، وقبول عذر صاحب العذر، والتماس العذر لمن لا نعرف عذره. يساعدك في قبول عذر إخوانك أو التماس العذر لهم، أن تكون في تقويم الناس والحكم على أعمالهم، بعيدًا عن الاعتداد برأيك، متهمًّا لنفسك، يقول سهل بن حُنَيف ﵁: (يا أيها الناس! اتهموا رأيكم على دينكم؛ لقدر رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته ..) (١)، وعلل مقولته تلك بأنهم - في نظر العقل - ما كانوا يعذرون رسول الله ﷺ في صلح الحديبية، مما كاد يجعلهم يردون أمر رسول الله ﷺ ، فتوقع سوء التقدير منك قبل المسارعة إلى اتخاذ رأي أو موقف. كما يساعدك على الإعذار؛ الفقه في الدين وإدراك حدود الشرع، يقول أنس بن مالك: (لقد كنا نصلي مع رسول الله ﷺ صلاة، لو صلاها أحدكم اليوم لعِبْتُموها عليه) (٢)، فقد يكون منشأ إنكارك هو جهلك، وليس خطأ أخيك. وحين يخالفك أخوك في الاجتهاد، قد يكون في الأمر سَعة لا

стр. 322

تقتضي الإنكار عليه، يقول أنس بن مالك: (كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يُعِب الصائم على المُفطِر ولا المفطر على الصائم) (١)، وفي مثل هذه المواطن تجد الحكمة في أن نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه. وليس من التقوى أن تتتبع عَوْرات الناس، وتحصى عليهم زلاتهم، فقد (نهى رسول الله ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلًا؛ يتخوَّنهم، أو يلتمس عثراتهم) (٢)؛ وذلك لأن الأصل حسن الظن والستر، وليس إقامة الحجة على الناس بتأثيمِهم أو استدراجهم للوقوع في الإثم، فذلك مخالف لخلق (الإعذار). وإذا عرَض أخوك عليك عذرًا، فلا تُجادِله فيه، يقول ابن القيم: (وعلامة الكرم والتواضع، أنك إذا رأيت الخلل في عذره، لا توقفه عليه ولا تحاجه؛ وقل: يمكن أن يكون الأمر كما تقول) (٣). وإن دواعي الإعذار لكثيرةٌ؛ على رأسِها أن الله سبحانه يحب أن يعذر ولذلك لا يعذب عباده؛ حتى يقيم عليهم الحجة؛ بحيث لا يبقى لهم عذر، وقد صرح بذلك رسول الله ﷺ بقوله: «ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين» (٤). وكل واحد منا لا بد أن يهفو، ويحب عندئذٍ أن يجد من

стр. 323

يعذره، ولذلك جاء في الحديث: «مَن أقال مسلمًا أقاله الله عثرته» (١)، فتجاوزك عن عثرة أخيك تجده في تجاوز الله عن عثرتك. ومن دواعي الإعذار مراعاة الضعف البشري الذي يصيب كل إنسان، فإن آخر رجل يدخل الجنة كلما أعطاه ربه شجرة قريبة إلى الجنة يستظل بها، ويشترط الله عليه أن يعاهد على ألا يطلب غيرها، وبعد أن يعاهد على ذلك، يرى شجرة غيرها أقرب إلى الجنة، فيطلب من ربه أن يدنيه إليها، والرسول ﷺ يقول: «وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه» (٢)، لو تذكرت هذا فسوف تعذر أخاك في كثير مما لا صبر له عليه، وكلنا نضعف. ومن صور الإعذار أن تعذر صاحب المنزلة والوجاهة الذي لا يعرف بالشر، فلا تغلظ عليه، فإن رسول الله ﷺ أمر بإقالة عثرته: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود» (٣). ولما بدأت بوادر عداوة عبد الله بن أبي لرسول الله ﷺ ، قال سعد بن عُبادة: «يا رسول الله، اعفُ عنه واصفح» (٤) وعلل طلب العفو؛ بأن هذا الرجل كاد يتوج ملكاً على المدينة، وأنه أحس وكأن النبي ﷺ بقدومه إلى المدينة - قد استلبه ملكاً، وذلك سر عداوته، وكان هذا التعليل محاولة من سعد بن عبادة لإعذار رأس المنافقين أمام

стр. 324

عوامل الضعف البشري. ولما نزلت آية القذف تشترط أربعة شهود، تساءل سعد بن عبادة: «أهكذا نزلت يا رسول الله؟!»، فتعجب النبي ﷺ من تساؤله، غير أن الأنصار قالوا: «يا رسول الله! لا تلمه؛ فإنه رجل غيور» ثم تكلم سعد: «والله يا رسول الله! إنى لأعلم أنها حق، وأنها من الله تعالى» (١)، ووضح سبب تساؤله، بأنه لو ذهب يبحث عن أربعة شهود، يكون الزاني قد قضى حاجته، فقبِل رسول الله ﷺ عذره، وأعلمه أن الله أغير منه، وهكذا إن كان لأخيك طباع خاصة تدفعه إلى سلوك لا ترضاه فتأول له، وأرفق به، واستوضحه. وإن من دواعي الأعذار توقع الجهل من المذنب ففي حديث ماعز أنه لما جاء يعترف بالزنا قال له النبي ﷺ : «لعلك قبَّلت، أو غمزت، أو نظرت»، يقول ابن عباس: (كأنه يخاف ألا يدري ما الزنا) (٢)، فخشية أن يكون قد جهل المعنى الشرعي للزنا استفسر، فلما تحقق من وقوعه فيما لا يحتمل الشك، أقام عليه الحد الشرعي. ومن شواهد الأعذار بالجهل قصة رجل ممن قبلنا، «طلب من بنيه أن يُحرقوه إذا مات، ويذروه في الريح؛ حتى لا يقدر الله على جمعه وتعذيبه - بظنه - فجمعه الله، وسأله ما دفعك إلى هذا؟ قال: يا رب خشيتك، فغفر الله له» (٣)، واستدل بعض العلماء بذلك على أعذار هذا

стр. 325

الرجل بجهله في مسألة من مسائل العقيدة، أو أعذاره بشدة خوفه من الموت، وأنه لم يقصد حقيقة ما قال، أفلا تعذر أخاك بجهله فيما هو أدنى من هذا؟! مع أن هذا في حق الله، أفلا تعذر في حق نفسك؟ قال ابن القيم: (من أساء إليك، ثم جاء يعتذر عن إساءته، فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته - حقًّا كانت أو باطلًا - وتكل سريرته إلى الله) (١)، فكن متواضعًا واعذِرْ. وإنَّ بعض جوانب الخير في شخصية أخيك المسلم لتدعوك أن تعذِرَه، بأن الشر ليس أصيلًا في نفسه، وفي صحيح البخاري أن رجلًا جلد بشرب الخمر، فلعنه رجل من القوم، فقال النبي ﷺ «لا تلعنوه، فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله» (٢)، فالأعذار بلمسة الحنان والرفق والإعانة على الشيطان، فيما عدا الحد فإنه حق الله، ولا رأفة فيه إذا ثبت، يقول ابن القيم: (الله أرحم وأغنى وأعدل من أن يعاقب صاحب عذر، والثابت أنه لا عذر لأحد البتة في معصية الله ومخالفه أمره، مع علمه بذلك، وتمكنه من الفعل والترك) (٣)، فإنه لا تعارض بين وجوب الأعذار، ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكم تكون ظالماً حين تتهم النيات! وكم تكون متكبرًا حين تستعلي على عذر أخيك. بالأعذار تستطيب القلوب، وتقضي على بذرة الشر، وتستأصل الضغينة، وتعين على التوبة، فلنخذل

стр. 326

الشيطان ولنعذر. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - الأعذار قبول العذر أو التماسه. - يعين على الأعذار: - عدم تقديم الرأي على الدين. - إدراك حدود الشرع والعلم بالرخص. - إحسان الظن بالناس. - من دواعي الأعذار: - أن الله سبحانه يحب أن يعذر. - كل امرئ يحب أن يجد مَن يعذره. - مراعاة الضعف البشري. - إقالة ذوي الهيئات. - توقع الجهل من المذنب. - وجود جوانب خير في شخصية أخيك. - من الظلم اتهام النوايا وعدم قبول العذر. ****

стр. 327

الفصل الثالث القصد

стр. 328

«عليكم هَدْيًا قاصدًا فإنه مَن يشاد هذا الدين يغلبه» (١). تبتهج النفس برؤية شاب متحرق، متدفق، وينشرح الصدر لحديث الهداية حين ينطلق بقوة وهمة، ويرتاح القلب لحماسة الشباب للجهاد والدعوة والعلم، .. ومقابل كل هذا يغيظ القلب ما نرى من مظاهر الدعة والعجز والكسل والضعف والفتور، فهل نتفاءل بالانطلاقة المفرطة أم بالسكينة المفرطة؟! القصد هو الاعتدال في السلوك، والتوازن في الفكر، والتوسط في كل الأمور بين طرفي الإفراط والتفريط، وخير الأمور الوسط ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ...﴾ [البقرة: ١٤٣]. ولا يظنَّن أحدٌ أن القصد خلاف السنة، أو أن الغلوَّ زيادة في التقوى، فإن رسول الله ﷺ استنكر على مَن عزم على الغلو في الصيام أو القيام أو الانقطاع عن الشهوة، وأفهَمهم أن التوسط هو الأتقى: «أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفطِر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٢).

стр. 329

كما أن الطبيعة البشرية - بفطرتها - أقرب إلى القصد، ولديها قابلية الانحدار والصعود، ولن يستطيع امرؤ أن يتجاوز طبيعته لبشرية إلى الطبيعة الملائكية، ولذلك لما ظن حنظلة الكاتب التميمي الأسيدي ملاعبته لأهله وضحكه معهم بعد أن كان في خشوع وبكاء في مجلس النبي ﷺ ، لما ظن هذا التبدل في الحال نوعًا من النفاق، طمأنه رسول الله بقوله: «يا حنظلة! لو كنتم كما تكونون عندي، لصافحتكم الملائكة على فرشكم، يا حنظلة! ساعة وساعة» (١). والقصد أقرب إلى الطاقة والاحتمال، لذلك كان رسول الله ﷺ يُعلِّق على صورِ الغلو في العبادة بقوله: «عليكم بما تُطِيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملُّوا» (٢)، «ليُصَلِّ أحدكم نشاطه فإذا فتَر فليقعُد» (٣). والقصد أدعى إلى الدوام على العمل والاستمرار فيه والثبات عليه، يقول ابن حجر ﵀: (لأن المُشدِّد لا يأمن من الملل، بخلاف المقتصد فإنه أمكن لاستمراره، وخير العمل ما دوام عليه صاحبه) (٤) وقال النووي: (بدوام القليل تدوم الطاعة، حتى يثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافاً كثيرة) (٥)، وقال ابن حزم: (فأمر أمته بأن يقتصدوا في الأمور؛ لأن ذلك يقتضي

стр. 330

الاستدامة عادة) (١). وإلى ذلك أشار رسول الله ﷺ بقوله: «سدِّدوا وقارِبوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا» (٢). يقول ابن حجر في شرح الحديث: («وقاربوا» أي لا تفرطوا، فتجهدوا أنفسكم في العبادة؛ لئلا يُفضِي بكم ذلك إلى المَلال؛ فتتركوا العمل فتفرطوا، وقد أخرج البزار: «إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله، فإن المنبتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى» (٣). وليس المقصود بالقصد التقصير، فقد كان النبي ﷺ يوجز الصلاة ويكملها (٤) وفي حديث آخر: (وكانت خطبته قصدًا وصلاته قصداً) (٥)، كما روى ابن عباس في وصف وضوء رسول الله ﷺ : ... (فتوضأ ولم يكثر من الماء، ولم يقصر في الوضوء) (٦). بل كان القصد صفة بارزة للأنبياء كما في الحديث «السمت الحسن،

стр. 331

والتؤدة، والاقتصاد، جزء من أربعة وعشرين جزءًا من النبوة» (١). وحين نستنكر الغلو، فإننا ننكر الإفراط بشدة الإقبال والالتزام المفضي إلى الترك، أو الملل أو الخروج عن القصد، بسبب المبالغة في النوافل، أو العمل على جهل وغفلة، كما ننكر التفريط والتهاون بشدة التكاسل والتقصير والإعراض والانفلات، ولكن الثاني تستنكره الطباع السليمة عادة، أما الأول فهو الذي يغتر به النغترون، ويلتبس على كثير من الناس، وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ : «هلك المتنطعون» (٢)، وحذر منه بقوله: «يا أيها الناس، إيَّاكم والغلو في الدين؛ فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (٣)، قال القرطبي في الخوارج: (لما حكموا بكفر من خالفهم، استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذمة، فقالوا: نفي لهم بعهدهم، وتركوا قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين، وهذا كله من آثار عبادة الجهال، الذين لم تنشرح صدورهم بنور العلم، ولم يتمسكوا بحبل وثيق من العلم ..) (٤).

стр. 332

ويعلق ابن حجر على نتائج الغلو فيقول: (.. من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه، ومن غير أن يختار دينًا على دين الإِسلام) وحذَّر من الاغترار بالغالين في بعض صور العبادة، وأن ذلك لا يكفي دليلًا على الصلاح، فقال: (لا يُكتفى في التعديل بظاهر الحال، ولو بلغ المشهود له بتعديله الغاية في العبادة والتقشف والورع، حتى يُختبر باطنه) (١). وإنه لمن الغلو في الدين، ومن مجانبة القصد، أخذ النفس بالعزيمة؛ فيما ترخَّص به النبي ﷺ ، وفي ذلك يقول: «ما بال أقوام يتنَزَّهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله إني أعلمهم بالله، وأشدُّهم له خشية» (٢)، وفي الفتح: (.. نقل ابن التِّين عن الداودي أن التنَزُّه عما ترخَّص فيه النبي ﷺ من أعظم الذنوب؛ لأنه يرى نفسه أتقى لله من رسوله، وهذا إِلحاد. قلتُ (ابن حجر): لا شك في إلحاد مَن اعتقد ذلك .. فمهما فعله النبي ﷺ من عزيمة ورخصة فهو في غاية التقوى والخشية) (٣). وقد طالبنا الشرع بالتعوُّد على القصد والتوازن في أمورنا الحياتية؛ حتى يغدو القصد خُلقًا وطبيعةً، فقد قال ربنا تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٧٦]

стр. 333

ونهى رسول الله ﷺ عن المغالاة في الطعام والشراب، وعن المغالاة في المهور، مثلما نهى عن الغلو في الرجاء الذي يجعل الناس يتَّكلون، وعن الغلو في الخوف الذي يجعلهم يقنَطون، وعن الغلو في المديح الذي يجعلهم يشركون أو ينافقون؛ كقوله: «لا تُطْرُوني كما أَطْرَتِ النصارى ابن مريم، فإنّما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله» (١)، وكما نهى عن الغلو في الحب الذي يُعمي عن القبائح، والبغض الذي يعمي عن المحاسن، كقوله: «أحبِبْ حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بَغيضك يومًا ما، وأبغِضْ بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما» (٢). وكل ما نخشاه حين نغلو أن نقع في مشقة الدنيا وجحيم الآخرة، كما في قوله تعالى: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤، ٣] ويضيع بشؤم الغلو ثمرة الجهد في العبادة، بينما الهَدْي القاصد أهدى وأتقى وأبقى، ولا يكون التزام التوسط إلا بالعلم والمجاهدة. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - القصد هو الاعتدال في السلوك والفكر فلا إِفراط ولا تفريط. - ليس في القصد خروج عن السنة، ولا في الغلو مزيد تقوى. - من مزايا القصد: - أنه أقرب إلى الفطرة البشرية.

стр. 334

- أنه أقرب إلى الطاقة والاحتمال. - أنه أدعى إلى الدوام على العمل. - ليس المقصود بالقصد التقصير. - يُستنكر الغلو في الطاعة إِذا كان يفضي إِلى الترك. - من الغلو الاقتصار على العزيمة في كل أمره. - القصد مطلوب في العبادات والعادات والأعراف. - الهدي القاصد أهدى وأتقى وأبقى. * * *

стр. 335

الفصل الرابع المراجعة والتصحيح

стр. 336

﴿وَلم يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُم يَعلَمُونَ﴾ (*). حتى لا يسترسل المسلم في خطأ وقع فيه، أو هوى انساق إليه، لا بدَّ له في حياته من وقفات مع نفسه ومع إخوانه؛ لمراجعة حساباته من جديد، والسير - بعدئذٍ - على بصيرة. وقد افتتح البخاري أحد أبواب الصوم بكلمة لأبي الزناد جاء فيها: (إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرًا على خلاف الرأي ..) (١)، فحين يتخذ أحدنا لنفسه قناعات لا يَحيد عنها، ولا يقبل المراجعة فيها، قد لا يسلم من هوى يطغيه، أو فساد في الرأي يرديه. وإن ديننا حين بشَّر المجتهد المخطئ بأجر، فإنه لا يقبل في الوقت نفسه التعامي عن الخطأ، والإِصرار عليه، وكم أفتى فقهاؤنا بفتاوى ثم رجعوا عنها، لما أعادوا النظر فيها، وتبيَّن لهم الصواب في غيرها، وإن الذين تردهم الملائكة عن الحوض، إنما مصيبتهم في الاسترسال في الغي، ويُقال لرسول الله ﷺ : «.. إنهم قد بدَّلوا بعدك، ولم يزالوا يرجعون على أعقابهم، فيقول رسول الله ﷺ : سحقًا سحقًا» (٢)، يدعو عليهم بالهلاك؛ لأنهم لم يراجعوا أنفسهم، ولم يفيئوا إِلى الصواب.

стр. 337

المراجعة وسيلة لمحاسبة النفس، والتصحيح نتيجة، تظهر آثارها بالرجوع عن المعصية الجلية، أو الخطأ في الاجتهاد والرأي. ومن وسائل المراجعة للتصحيح: الاستماع إلى المشورة بنيَّة البحث عن الحق، وقد أورد البخاري قصة اقتراح عمر على أبي بكر ﵄ أن يجمع القرآن، ولم يقبل أبو بكر بذلك (فقال عمر: هو والله خير - قال أبو بكر -: فلم يزل عمر يراجعني فيه، حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر ..) (١)، ولم يُصِرَّ على رأيه، ولم يحجزه المنصب عن قَبول الصواب ممَّن دونه. ويعين على الصواب: مطالبة البطانة الصالحة بالتذكير بما هو خير وأصوب، وخاصة حين لا يبادر الآخرون بالتذكير، ولن نكون أصوب رأيًا، ولا أهدى فكرًا من رسول الله ﷺ ، حيث يقول: «.. إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإِذا نسيت فذكروني ..» (٢)، وحينما نشعر الناس بالترحيب بالتذكير، ونرفع عنهم الحرج الذي يتوقَّعونه، تكون عيون الناس - عندئذٍ - مرآتنا التي تقوِّمنا على الدوام. وتضمن لنفسك سلامة الطريق وصواب الرأي باتخاذ البطانة الصالحة، وعدم الالتفات إلى المدَّاحين؛ الذين لا يُبصِّرون أخاهم بأخطائه، ففي الحديث أن: «مَن ولَّاه الله من أمر المسلمين شيئًا، فأراد به خيرًا، جعل له وزير صدق، فإن نسي ذكَّره، وإن ذكر أَعانه» (٣).

стр. 338

وقد كان الحُرُّ بنُ قيس من مقرَّبِي عمر بن الخطاب، وهمَّ عمر أمامه بضرب عُيَيْنة بن حصن لتطاوله عليه، فقال له الحر: (يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين)، يقول الراوي: (والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله) (١) وكم من المظالم يمكن أن تزول، وكم من الممارسات الخاطئة يمكن أن تُصحِّح؛ حين تقوم البطانة بدورها الصالح. والخلوة بالنفس من أنجح صور المراجعة؛ لمحاسبة النفس، وتصحيح العمل، رُوي عن عمر بن الخطاب قوله: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وتزيَّنوا للعرض الأكبر) (٢)، ويروى عن ميمون بن مهران قوله: (لا يكون العبد تقيًّا حتى يحاسب نفسه كما يحاسب شريكه) (٣)، والرابح أخيرًا هو أنت، وليس العيب في الرجوع عن الخطأ، وإنما البلاء الكبير في الإصرار على الباطل. ومن بركات هذه المراجعة للنفس: أنها سببٌ من أسباب رفع لبلاء وتخفيف الحساب، ففي بقية كلمة عمر السابقة: (وإنما يخفَّف الحساب يوم القيامة على مَن حاسب نفسه في الدنيا) (٤).

стр. 339

وحين تعمُّ المفاسد في أي زمان فالمخرج بالرجوع إِلى ديننا، كما قال ﷺ : «إِذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سّلط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم»، وفي رواية: «حتى يراجعوا دينهم» (١)، وبذلك تكون المراجعة بداية رفع البلاء والذل. كما أن مراجعة النفس وتصحيح مسارها سببٌ من أسباب انشرح الصدر للخير، وإيثار الباقي على الفاني، ففي حديث طويل لابن مسعود: (بينما رجل فيمَن كان قبلكم، كان في مملكته، فتفكَّر، فعلم أن ذلك - أي المُلك - منقطع عنه، وأن ما هو فيه قد شغله عن عبادة ربه)، فاعتزل الملك، وذهب إلى مملكة أخرى يكسب رزقه من عمل يده، وعلم ملك هذه البلاد به وبصلاحه، فقصده الملك، وسعى إليه، واستفسر منه فقال ملك البلاد: (ما أنت بأحوج إِلى ما صنعتَ مني، ثم نزل عن دابته فسيبها، ثم تبعه فكانا جميعًا يعبدان الله ..) (٢)، واستطاع كل منهما أن يُصحِّح ما أفسد دون أن يعميهما بريق الملك، وفتنة الكرسي، وما بدأت صحوة كل منهما إلا بالتفكُّر والمراجعة. والمراجعة والتصحيح فرصة لرأب الصدع بين القلوب، وإصلاح ذات البَيْن، قال رسول الله ﷺ : «إن أبواب الجنة تُفتَح يوم الاثنين ويوم

стр. 340

الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجل بينه وبين أخيه شحناء، فيُقال: أنظِروهما حتى يصطلحا - مرتين -» (١)، وما فائدة إنظارهما إن لم يراجع كل منهما نفسه ليبدأ صاحبه بالسلام؟! وهي سبب من أسباب البراءة من النفاق، قال إبراهيم التيمي: (ما عرضتُ قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبًا) (٢)، وقال ابن أبي مُلَيكة: (أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ ، كلهم يخاف النفاق على نفسه) (٣)، وتعليقًا عليه ينقل ابن حجر قول ابن بطال: (إنهم خافوا لأنهم طالت أعمارهم، حتى رأوا من التغيير ما لم يعهدوه، ولم يقدروا على إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسكوت) (٤). وجِماع الأمر ومِلاكه أن يفترض المسلم في نفسه الخطأ، وأن يستحضر عدم العصمة، لئلا يثقل عليه الاعتراف بخطئه، فتسد عليه أبواب التصحيح. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ...﴾ [الرعد: ١١]، ولأن الإنسان مخلوقٌ ضعيف، فهو كثير التغير والتقلُّب، وهنيئًا لمن كانت نيَّته فيئته إلى سنة، ومراجعته إِلى صواب، وتصحيحه إلى ما يرضي الله، فإن الرجوع إلى الحق شأن الأوابين والتوابين. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - فائدة المراجعة عدم الاسترسال في الخطأ.

стр. 341

- يعتذر المجتهد من المخطئ ولا يعذر بعد تبين الخطأ له. - المراجعة محاسبة للنفس، وتصحيح السلوك ثمرتها. - من وسائل المراجعة: - المشاورة بنية معرفة الحق. - اتخاذ البطانة الصالحة وحضها على التذكير بالأصوب. - الخلوة بالنفس. - من بركات المراجعة أنها: - من أسباب رفع البلاء وتخفيف الحساب. - من أسباب انشراح الصدر للخير. - من أسباب رأب الصدع بين القلوب. - من أسباب البراءة من النفاق. - جماع الأمر في المراجعة توقع الوقوع في الخطأ وعدم الاعتداد بالنفس. * * *

стр. 342

الفصل الخامس الحرص على الانتفاع

стр. 343

«احرِص على ما ينفعك واستعِنْ بالله». لا تكتمل شخصية المسلم النافع لغيره، مالم يكن من خلقه الحرص على استنفاد نفسه، واستغلال طاقاته، ومواقف حياته فيما ينجيه عند ربه. إن رسول الله ﷺ قد وجَّهنا إلى هذا الخلق بقوله: «احرِص على ما ينفعك» (١)، وبتحذيره لعشيرته الأقربين: «أنقذوا أنفسكم من النار» (٢) وبتذكيره باليوم الذي يفر فيه كل خليل من خليله، ويقول كل نبي: «نفسي، نفسي، نفسي» (٣)؛ حيث ﴿... لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ...﴾ [الأنعام: ١٥٨]. بدافع من هذا الخُلق نجد صحابيًّا مثل خيثمة بن الحارث يصرُّ على الخروج لغزوة بدر، ويلِّح على ابنه سعدٍ أن يبقى مع نساء آل بيته، ويأبى سعد إلا أن يخرج بنفسه، ويصارح أباه قائلًا: (لو كان غيرَ الجنة لآثرتك به، إني أرجو الشهادة في وجهي هذا. فاستهما فخرج سهم سعد ..) (٤).

стр. 344

فقد كان الحرص على جلب النفع للنفس في الآخرة رائدَهم، ولذلك كان رجاء كل منهم: دُلَّنِي على عمل ينفعني، أو يدخلني الجنة (١). وقد تغفل في غمرة جهادك ومشاغلك عن حظ نفسك من التربية فلابد من لفتة إِلى خاصة نفسك، وإن رسول الله ﷺ خيّر عمه حمزة خيارًا مُعِبِّرًا: «يا حمزة! نفسٌ تحييها، أحبُّ إِليك، أم نفسٌ تميتها؟ قال: بل نفس أحييها قال: عليك بنفسك» (٢). بعض الصور والمواقف من حياة لجيل الأول، تؤكد لك رسوخ هذا الخلق في تربية خير القرون، ففي حديث طويل يكرر أبو أمامة طلبه: «يا رسول الله! ادعُ الله لي بالشهادة) وفي كل مرة يصّر رسول الله ﷺ أن يدعو له بقوله: «اللَّهم سَلِّمهم وغنِّمهم» ثم أتى أبو أمامة بعد ذلك فقال: «يا رسول الله! مُرْني بعمل آخذه عنك؛ ينفعني الله به»، قال: «عليك بالصوم ..»، يقول الراوي: (فكان أبو أمامة وامرأته وخادمه لا يُلْفَوْنَ إِلا صيامًا)، ثم أتى أبو أمامة بعد ذلك فقال: «يا رسول الله! إِنك قد أمرتني بأمر، وأرجو أن يكون الله قد نفعني به، فمرني بأمر آخر ينفعني الله به فأمره بكثرة السجود» (٣). ومثل ذلك ما ورد عن جارية بن قدامة السعدي حيث

стр. 345

قال: «يا رسول الله! قل لي قولًا ينفعني، وأقلل عليَّ لعلِّي أعيه»، فقال له رسول الله ﷺ : «لا تغضب» (١)، وهذا الحرص على تحصيل ما ينفع إِذا استمر نمت شخصية المسلم وارتقت. وإن الشخصية التي لا تنتفع بالنصيحة، ولا تتأثر بالموعظة، ولا تستفيد من الفرص، يكون قد أصابها الشلل أو الموت، لذلك (كان النبي ﷺ يتعوَّذ من علم لا ينفع، ودعاء لا يسمع، وقلب لا يخشع) (٢)، وعندئذٍ يكون المرء قد فقد قابلية الانتفاع والتأثر، وغطَّى قلبَه الرانُ. وإن رجلًا مثل قبيضة بن المخارق - كبير السن حي القلب - يسعى إِلى رسول الله ﷺ ، فيقول له رسول الله ﷺ : «يا قبيضة! ما جاء بك؟»، يقول قبيضة: «كبرت سني، ورق عظمي، فأتيتك لتعلمني ما ينفعني الله به ..» (٣) فعلّمه بعض الأدعية، فهل ترى نفسك بهذه الهمة وهذا الحرص رغم مزيد قدرتك وفائض طاقتك؟ قل «اللَّهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني» (٤). وفي قصة أبي هريرة مع الشيطان حين علَّمه آية الكرسي، يقول الراوي في آخر الحديث في وصف الصحابة: (وكانوا أحرصَ شيءٍ على

стр. 346

الخير) (١)، ولم يكن اهتمام جيل الأسوة بصور الأعمال وأعدادها؛ ولكنهم كانوا يبحثون عن الثمرة والأثر، فقد صحَّ عن عبد الله بن مسعود قوله: (ولَيقرأنَّ القرآنَ أقوامٌ لا يجاوز تراقيَهم، ولكنه إذا قرأه فرسخ في القلب نفع) (٢). وقد وضح رسول الله ﷺ أن ذهاب العلم بفقد أثره، وبعدم الانتفاع به، لا بذهاب رسمه، وفي ذلك يقول زياد بن لَبيد: «يا رسول الله! وكيف يذهب العلم، ونحن نقرأ القرآن، ونُقرئه أبناءنا، ويُقرئه أبناؤنا أبناءهم، إلى يوم القيامة» قال رسول الله ﷺ : «ثكِلتْك أمك يا ابن أم لَبيد! إن كنت لأراك من أفقه رجلٍ بالمدينة. أَوَليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإِنجيل، لا ينتفعون مما فيهما بشيء» (٣). فبالحرص على الانتفاع بالعلم حياة للقلوب وللعلم، وبهذا تصبح الأمة تعيش المبادئ التي تعتز بها وتدعو إِليها. ولا يفوتنك أن تنتفع بصحبة الصالحين، فقد ورد أن رسول الله ﷺ قال: «ما نفعني مالٌ قط إِلا مال أبي بكر، فبكى أبو بكر وقال: وهل نعني الله إلا بك؟ ثلاثًا» (٤)، فمصاحبة الصالحين تورث الأسوة الحسنة، وتجعل الوقت والمواقف مشحونة بصور الانتفاع لما ينجي في الآخرة.

стр. 347

حتى أهل البادية كانوا يقدمون من باديتهم ابتغاء الاستزادة مما ينفعهم، يقول أبو جريٍّ الهجيمي: «يا رسول الله! إنا قوم من أهل البادية، فعلِّمنا شيئًا ينفعنا الله ﵎ به»، «قال: لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تفرغ من دلوك في إِناء المستسقي ..» (١). ولم يكن همُّ الدنيا ليغلب همَّ الآخرة، فقد خاطب النبي ﷺ الأنصار مرة: «والله لا تسألوني اليوم شيئًا إِلا أعطيتكموه، ولا أسأل الله لكم شيئًا إِلا أعطانيه» فماذا طلبوا؟ قال بعضهم لبعض: «اغتنموها واطلبوا المغفرة» (٢) فالحرص على الانتفاع بالعُمر في الدنيا إِنما ثمرته الانتفاع في الآخرة بتحصيل المغفرة والنجاة، وقد وعى الصحابة ذلك فحرَصوا عليه، وسعوا إِليه. بل إن الصلاة التي لا يكون من ثمرتها أنها تَنْهَى صاحبها عن الفحشاء والمنكر؛ يستعيذ منها رسول الله ﷺ ؛ لأنها لم تُحقِّق غرض الانتفاع: «اللَّهم إني أعوذ بك من صلاة لا تنفع» (٣)، ومن أدق الصور المُنَمِّية لخلق الانتفاع ما ورد عند أحمد والنسائي: «مَن قتل عصفورًا عبثًا عجَّ إلى الله يوم القيامة؛ يقول: يارب إن فلانًا قتلني

стр. 348

عبثاً، ولم يقتلني لمنفعة» (١)، فكم أسأنا استغلال ما فينا من طاقات؟ وكم أضعنا من الأمور والأوقات؟ وإِنها لأغلى وأثمن، وإِننا عنها لمسؤولون. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - لا يكمل خلق الانتفاع إِلا بخلق تقديم النفع. - في الطاعات لا يؤثر المرء أحداً على نفسه. - الاستغراق في العمل العام قد يشغل عن حق النفس. - من مزايا الجيل الأول الحرص على ما ينفع الآخرة. - محروم من الانتفاع: - من لا يقبل النصيحة. - من لا يعمل بعلمه. - من لا يتدبر القرآن. - مما يعين على الانتفاع. - مصاحبة الصالحين. - الانتفاع بالوقت. - استغلال الطاقات. - يسأل الله العبد عما لم يحسن الانتفاع به. ****

стр. 349

الفصل السادس المداومة على فعل المعروف

стр. 350

«لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا» «عليكم باصطناع المعروف» كل مسلم يحب الخير ويرغب في المعروف، ولكن ليس كل مسلم لديه الدافعية الدائمة المستمرة للبحث عن أبواب المعروف وطرق الخير بحيث لا يترك ثغرةً خالية يمكن أن يسدها بنفسه إلا ويسدها، صغُرت الثغرة أم كبُرت، عظمت أم حقرت. وسوف تجد في أحاديث رسول الله ﷺ سيلًا من صنائع المعروف تنتظر الحريصينَ على الأجر والمهتمين بشؤون إخوانهم من المؤمنين؛ كقولِه: ﷺ «مَن نفَّس عن مؤمنٍ كربةً من كُرَب الدنيا نفس الله عنه كربة من كُرَب يوم القيامة، ومَن يسَّر على مُعسِّر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومَن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (١). ولما أن عدَّ رسول الله ﷺ صورًا من صدقات المرء على نفسه في كل يوم تطلع فيه الشمس ذكر صورًا من الإيجابية الاجتماعية للمسلم منها: «ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويعزل الشوك عن طريق الناس، والعظم والحجر، وتَهْدِي الأعمى، وتُسمع الأصم والأبكم ... - أي تفهمه - حتى يفقه، وتدل المستدلَّ على حاجة له قد علمتَ مكانها، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وترفع بشدة ذراعيك مع

стр. 351

الضعيف ...» (١). وفي رواية أخرى «على كل مسلم صدقة، فإن لم يجد فيعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق، فإن لم يستطع فيُعِين ذا الحاجة الملهوف، فإن لم يفعل فيأمر بالخير، فإن لم يفعل فيُمسِك عن الشر فإنه له صدقة» (٢) وهذه أدنى درجات المسلم وأقل ما يمكن أن يتوقع منه، فإنه إذا لم ينبعث بنفسه لفعل الخير، ولم يبادر للقيام بمعروف، فلا أقل من أن يأمر بفعل الخير، وإن فاته كل ذلك ولم يقدم على شيء من المعروف الإيجابي، فليضمن نفسه ألا يقع في شر وليلتزم بالامتناع عن الأذى. والأصل في المسلم التطلع إلى الدرجات العلى فكما قال رسول الله ﷺ : «خير الناس أنفعهم للناس» (٣)، «أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرور تُدخِله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دَينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في المسجد شهرًا ... ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجة حتى يثبتها - يقضيها - له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزلُّ الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخلَّ العسل» (٤). وهذا الفهم لفعل المعروف يغفل عنه كثير من أهل الصلاح الذين سبقوا في الذكر والاعتكاف والتلاوة والصيام والقيام، ولكنهم تفتر هممهم عن قضاء حوائج الخلق والسعي في مصالح المسلمين، وقد

стр. 352

تصغر في أعينِهم مثل هذه الخدمات، ورسول الله ﷺ يقول «لا تحقِرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلْق» (١)، وفي رواية «لا تسبَنَّ أحدًا، ولا تحقِرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، إن ذلك من المعروف ...» (٢)، وفي رواية أخرى: «لا يحقرن أحدكم شيئًا من المعروف فإن لم يجد فليلقَ أخاه بوجه طَلْق، وإذا اشتريتَ لحمًا أو طبخت قدرًا فأكثر مرقته واغرف منه لجارك» (٣)، وهل هنالك أعظم من أن نُزِيل همَّ قلب مؤمن ليحل محله السرور والحبور ورسول الله ﷺ يقول: «أفضل الأعمال أن تُدخل على أخيك المؤمن سرورًا، أو تقضي عنه دينًا، أو تطعمه خبزًا» (٤)؟! والمؤمن المهتم بأحوال إخوانه من المجاهدين وأسرهم وضعفاء الحيلة لا يفوته أجر المجاهدين ولا العابدين بهذه الأعمال، لقوله ﷺ : «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار» (٥). بل إن عملًا ربما كان في نظر الناس هينًا وبسيطًا، جعل الله له من الأجر ما يحفز الهمم للمعروف، وما يستنفر الجهود لخدمة المسلمين، كالذي جاء في قوله ﷺ : «نزع رجل لم يعمل خيرًا قطُّ غصن شوك عن الطريق، إما كان في شجرة مقطعة فألقاه، وإما كان موضوعًا فأماطه، فشكر الله له بها فأدخله الجنة» (٦).

стр. 353

وصاحب المعروف والحريص عليه محفوظ من الله ومخصوص منه سبحانه بحسن الخاتمة، والوقاية من سوء المصرع في الدنيا لقوله ﷺ : «عليكم باصطناع المعروف، فإنه يمنع مصارع السوء ...» (١)، والنفس الخيرة يفيض خيرها على من حولها، وصاحب القلب الحيِّ يفكر في إخوانه كما يفكر في نفسه، ولا تفلح أمة يتقلب أبناؤها بين السلبية والأنانية. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - يتفق الناس في حب الخير ويتفاوتون في المداومة عليه. - من صور المعروف: - الاهتمام بأمور المسلمين. - تقديم خدمات اجتماعية. - الأكل من عمل اليد. - الإمساك عن البشر. - المشاركة الشعورية. - النهي عن استصغار بعض صور المعروف. - من أعظم المعروف إزالة الهم وإدخال السرور. - من أعظم المعروف تعهد أسر المجاهدين. - صور صغيرة من المعروف أجرها كبير. - حسن خاتمة المداوم على المعروف. ****

стр. 354

الباب الثامن من أخلاقنا ضبط اللسان الفصل الأول: حفظ اللسان. الفصل الثاني: الصدق. الفصل الثالث: الاعتذار. الفصل الرابع: ستر العيوب. ****

стр. 355

الفصل الأول حفظ اللسان
следующие страницы →