← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17083

هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقا

محمود محمد الخزندار

Полный текст (451 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الضعيف ...» (١). وفي رواية أخرى «على كل مسلم صدقة، فإن لم يجد فيعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق، فإن لم يستطع فيُعِين ذا الحاجة الملهوف، فإن لم يفعل فيأمر بالخير، فإن لم يفعل فيُمسِك عن الشر فإنه له صدقة» (٢) وهذه أدنى درجات المسلم وأقل ما يمكن أن يتوقع منه، فإنه إذا لم ينبعث بنفسه لفعل الخير، ولم يبادر للقيام بمعروف، فلا أقل من أن يأمر بفعل الخير، وإن فاته كل ذلك ولم يقدم على شيء من المعروف الإيجابي، فليضمن نفسه ألا يقع في شر وليلتزم بالامتناع عن الأذى. والأصل في المسلم التطلع إلى الدرجات العلى فكما قال رسول الله ﷺ : «خير الناس أنفعهم للناس» (٣)، «أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرور تُدخِله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دَينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في المسجد شهرًا ... ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجة حتى يثبتها - يقضيها - له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزلُّ الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخلَّ العسل» (٤). وهذا الفهم لفعل المعروف يغفل عنه كثير من أهل الصلاح الذين سبقوا في الذكر والاعتكاف والتلاوة والصيام والقيام، ولكنهم تفتر هممهم عن قضاء حوائج الخلق والسعي في مصالح المسلمين، وقد

стр. 352

تصغر في أعينِهم مثل هذه الخدمات، ورسول الله ﷺ يقول «لا تحقِرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلْق» (١)، وفي رواية «لا تسبَنَّ أحدًا، ولا تحقِرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، إن ذلك من المعروف ...» (٢)، وفي رواية أخرى: «لا يحقرن أحدكم شيئًا من المعروف فإن لم يجد فليلقَ أخاه بوجه طَلْق، وإذا اشتريتَ لحمًا أو طبخت قدرًا فأكثر مرقته واغرف منه لجارك» (٣)، وهل هنالك أعظم من أن نُزِيل همَّ قلب مؤمن ليحل محله السرور والحبور ورسول الله ﷺ يقول: «أفضل الأعمال أن تُدخل على أخيك المؤمن سرورًا، أو تقضي عنه دينًا، أو تطعمه خبزًا» (٤)؟! والمؤمن المهتم بأحوال إخوانه من المجاهدين وأسرهم وضعفاء الحيلة لا يفوته أجر المجاهدين ولا العابدين بهذه الأعمال، لقوله ﷺ : «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار» (٥). بل إن عملًا ربما كان في نظر الناس هينًا وبسيطًا، جعل الله له من الأجر ما يحفز الهمم للمعروف، وما يستنفر الجهود لخدمة المسلمين، كالذي جاء في قوله ﷺ : «نزع رجل لم يعمل خيرًا قطُّ غصن شوك عن الطريق، إما كان في شجرة مقطعة فألقاه، وإما كان موضوعًا فأماطه، فشكر الله له بها فأدخله الجنة» (٦).

стр. 353

وصاحب المعروف والحريص عليه محفوظ من الله ومخصوص منه سبحانه بحسن الخاتمة، والوقاية من سوء المصرع في الدنيا لقوله ﷺ : «عليكم باصطناع المعروف، فإنه يمنع مصارع السوء ...» (١)، والنفس الخيرة يفيض خيرها على من حولها، وصاحب القلب الحيِّ يفكر في إخوانه كما يفكر في نفسه، ولا تفلح أمة يتقلب أبناؤها بين السلبية والأنانية. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - يتفق الناس في حب الخير ويتفاوتون في المداومة عليه. - من صور المعروف: - الاهتمام بأمور المسلمين. - تقديم خدمات اجتماعية. - الأكل من عمل اليد. - الإمساك عن البشر. - المشاركة الشعورية. - النهي عن استصغار بعض صور المعروف. - من أعظم المعروف إزالة الهم وإدخال السرور. - من أعظم المعروف تعهد أسر المجاهدين. - صور صغيرة من المعروف أجرها كبير. - حسن خاتمة المداوم على المعروف. ****

стр. 354

الباب الثامن من أخلاقنا ضبط اللسان الفصل الأول: حفظ اللسان. الفصل الثاني: الصدق. الفصل الثالث: الاعتذار. الفصل الرابع: ستر العيوب. ****

стр. 355

الفصل الأول حفظ اللسان

стр. 356

«كُفَّ عليك هذا». تقوم صراعات، وتثور فتن، وتتفرق جماعات، وتضيع أوقات، وحين تُدقِّق في مبدأ الأمر ومصدره، تجد الشرارة الأولى، من كلمات طائشة، أو اتهامات غاضبة، أو نقل خاطئ، هذه بعض ثمار الاستعمال السيِّئ للسان، في الدنيا قبل الآخرة. يفسر ابن حجر (حفظ اللسان) بالامتناع (عن النطق بما لا يسوغ شرعًا، مما لا حاجة للمتكلم به) (١)، ويُشِير النووي إلى ما يُعين المتكلِّم على حفظ لسانه، فيقول: (وينبغي لمن أراد النطق بكلمة أو كلام، أن يتدبَّره في نفسه قبل نطقه، فإن ظهرت مصلحته تكلَّم، وإلا أمسك) (٢)، فالضابط الأساسي لحفظ اللسان: الحذر من التسرع في الكلام، والتدبر والتفكر قبل إخراج الكلمة، ووزن الكلمة في ميزان الشرع، وابتغاء المصلحة الشرعية، وإلا فليملك المتكلم إرادته، وليلزم الصمت، فإنه نجاة، وهو خير له. ولذلك جاء في الحديث: «فكفَّ لسانك إلاّ من الخير» (٣)، مما يُفهِم أن الأصل الصمت والكفُّ. ولما سأل عقبةُ بن عامر رسولَ الله ﷺ : «يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: أمسِك عليك لسانك، وليسَعْك بيتك، وابكِ على

стр. 357

خطيئتك» (١)، وفي البخاري: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا، أو ليصمت» (٢)؛ وذلك لأن غالب كلام المرء، قد يكون في اللغو أو الحرام، كما جاء في الحديث: «كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر الله» (٣). ويُحدِّثنا معاذ بن جبل عن سفر له مع رسول الله ﷺ سأله فيه: «يا نبي الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار»، فعدَّ رسول الله ﷺ أبوابًا من الخير، قال بعدها: «ألا أخبرك بمِلاك ذلك كله؟» فقلت له: بلى يا نبي الله؟ «- فأخذ بلسانه - فقال: كُفَّ عليك هذا»، فقلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخَذون بما نتكلم به! فقال: ثكِلَتْك أمك يا معاذ! وهل يكبُّ الناس على وجوهِهم في النار - أو على مناخرِهم - إلا حصائدُ ألسنتهم؟!» (٤)، وزاد الطبراني: «ثم إنك لن تزال سالمًا ما سكتَّ، فإذا تكلمت كتب عليك أو ... لك» (٥). مما يقتضي مزيد الحذر من حصائد الألسن: أن المرء قد يزلُّ لسانه عن غفلة منه، فيوقعه في النار: «وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم» (٦) يقول ابن

стр. 358

حجر: (لا يُلقي لها بالًا؛ أي لا يتأملها بخاطره، ولا يتفكر في عاقبتها، ولا يظن أنها تؤثر شيئًا.) (١)، فقبل أن تخرج الكلمة من فيك، أعطِ نفسك فرصة للتفكير، هل ما ستقوله يرضي الله أم يغضبه؟ هل هو من طيِّب الكلام أم من بذيئه؟ هل تكون عاقبته خيرًا أم شرًّا؟ وطالما لم تخرج فأنت مالكُها، فإذا خرجت كنت أسيرَها. وفي الحديث الصحيح من رواية مالك وأصحاب السنن عن بلال ابن الحارث: «وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه»، قال علقمة - راوي الحديث - لرجل يحدِّثه: (فانظر - ويحك - ماذا تقول وماذا تكلم به، فرُبَّ كلام قد منعني أن أتكلم به ما سمعت من بلال بن الحارث) (٢)، والحديث صورة عملية في حسن التلقي، وفي حسن التوريث للمتلقي، لتبقى أمة الخير تحفظ ألسنتها. وكما أن الكلمة الطيبة يدخل بها صاحبها في الإيمان، فرُبَّ كلمة تؤثر على إيمان صاحبها نفاقًا أو خروجًا من الملَّة، ففي حديث حذيفة: (إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد النبي ﷺ ، فيصير بها منافقًا، وإني لأسمعها من أحدكم اليوم في المجلس عشر مرات) (٣)، وفي الحديث الصحيح: (قيل لابن عمر: إنا ندخل على أمرائنا، فنقول القول، فإذا خرجنا قلنا غيره، قال: كنا نعدُّ ذلك على عهد رسول الله ﷺ من النفاق) (٤)، وفي صحيح مسلم: «سباب

стр. 359

المسلم فسوق، وقتاله كفر» (١)، فكم للسان من زلَّات، وكم فيها من الخطر!! والحيطة والحذر تقتضيان من المرء أن يتيقظ ويتنبه في (حفظ اللسان)، وألَّا يدع نفسه على هواها، فيقع فيما يلجئه إلى الاعتذار، وقد كان من وصية رسول الله ﷺ لرجل قال له: عِظْني وأوجز: «إذا قمت في صلاتك فصلِّ صلاة مُودِّع، ولا تكلَّم بكلام تعتذر منه غدًا، واجمعِ الإياسَ مما في أيدي الناس» (٢). وتأديب النفس يكون بتعويد اللسان على الخير، وحفظه من كل شر، فقد روي أن عيسى ابن مريم لقي خنزيرًا بالطريق، فقال له: انفذ بسلام، فقيل له: تقول هذا لخنزير؟! فقال عيسى: إني أخاف أن أُعوِّد لساني النطق بالسوء) (٣)، فطيب الكلام بالدُّربة والتعويد، وفحش الكلام كذلك، ولكل امرئ مع لسانه ما اعتاد عليه، وألفه، فبشيء من المجاهدة يُحفظ اللسان، وفي لحظة من التفريط يكون الانزلاق. وقد كان صحابة رسول الله ﷺ يحذرون من الكلام المباح، خشية الوقوع في الكلام المحظور، مبالغة منهم في حفظ ألسنتهم، واحتياطًا لدينهم، لذلك كانوا يقولون: (كنَّا نتَّقِي الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد النبي ﷺ ؛ هيبة أن ينزل فينا شيء.

стр. 360

فلما تُوفِّي النبي ﷺ تكلمنا، وانبسطنا) (١)، يقول ابن حجر: (قوله (فلما توفي) يشعر بأن الذي كانوا يتركونه كان من المباح، الذي يدخل تحت البراءة الأصلية) (٢)، فمن أراد السلامة فليجتنب مجالس الغِيبة، وليحفظ لسانه من الزلات، ولا يقولن إلاّ خيرًا، وليتواصَ وإخوانه بحفظ اللسان، وليستعِنْ بالله فرسول الله ﷺ كان يعلم أصحابه الاستعاذة بالله من شر اللسان: «قل أعوذ بك من شر سمعي، وشرِّ بصري، وشرِّ لساني، وشرِّ قلبي، وشرِّ منيِّي» (٣) يستعيذ بالله من أن يكون شر لسانه على المسلمين، أو أن يكون حلو كلامه مع غيرهم، فهذا والعياذ بالله من الانتكاس واختلال الموازين. وقد سئل رسول الله ﷺ «أي الإسلام أفضل؟» قال: «مَن سلِم المسلمون من لسانه ويده» (٤)، أفلا يطمح المؤمن أن يكون من ذوي الإسلام الأفضل! بأن يجعل سلاطة لسانه على أعداء الله، وحلو كلامه وحسن حديثه للمسلمين، فإنَّ «أحب الأعمال إلى الله حفظ اللسان» (٥). ومن حفظ اللسان: حمايته عن الخوض فيما لا ينبغي ولا يهم، فإن رسول الله ﷺ وجّه المسلم لاغتنام طاقاته في المهمات: «من حسن

стр. 361

إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (١) ومن سوء استعمال اللسان أن يطلق له العنان، ليلوك الأحاديث، ويجتزَّ الأخبار، ويُوقِد الفتن، وقد استشهد ابن ماجه بهذا الحديث في باب كف اللسان في الفتنة، وفي رواية لأحمد: «إن من حسن إسلام المرء قلة الكلام فيما لا ... يعنيه» (٢). وكما يكون حفظ اللسان بإخراج خيره للمسلمين، فإنه كذلك بتسليط شره على أعداء الدين، وقد سمَّى رسول الله ﷺ ذلك جهادًا، فقال: «جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم» (٣)، وحين أنشد ابن رواحة أبياتًا في تبكيت أهل مكة بين يدي رسول الله ﷺ ، وهو داخل لعمرة القضاء، نهاه عمر، فقال رسول الله ﷺ : «خلِّ عنه، فوالذي نفسي بيده لكلامه أشدُّ عليهم من وقع النَّبل» (٤)، وفي صحيح مسلم عن الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، يقول ﷺ : «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن» (٥)، فعد إنكار المنكر، وإقامة الحجة، وتبيين سبيل المجرمين، من جهاد اللسان. وأيُّ حفظٍ للسان أكبر من أن يستعمله صاحبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وإنها لأعلى المنازل، وأدناها إمساك اللسان، والتزام الصمت، والكفّ عن الأعراض، والحفظ

стр. 362

من كل سوء. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - كثيرٌ من الفتن تبدأ من كلمات طائشة. - ضابط حفظ اللسان الحذر من التسرُّع في الكلام. - زلة من اللسان توقع في النار. - الكلمة الخبيثة قد توقع صاحبها في النفاق أو الفسوق. - يكتسب طيب الكلام بتعويد النفس عليه. - التورع عن بعض الكلام المباح خشية الوقوع في المحظور. - أفضل المسلمين من سلم المسلمون من لسانه ويده. - من أوجب الحفظ للسان كفُّه في الفتنة. - من حفظ اللسان إخراج خيره للمسلمين وشره على المحاربين. - من جهاد اللسان الأمر بالمعروف وإنكار المنكر وإقامة الحجة. ****

стр. 363

الفصل الثاني الصدق

стр. 364

«عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر ..». الصدق بمعناه الضيق مطابقةُ منطوق اللسان للحقيقة، وبمعناه الأعم مطابقة الظاهر للباطن، فالصادق مع الله ومع الناس ظاهره كباطنه، ولذلك ذُكر المنافق في الصورة المقابلة للصادق، قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ ...﴾ [الأحزاب: ٢٤]. والصدق التزام بالعهد، كقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ...﴾ [الأحزاب: ٢٣] والصدق نفسه بجميع معانيه يحتاج إلى إخلاص لله ، وعمل بميثاق الله في عنق كل مسلم، قال تعالى: ﴿... وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٧، ٨] فإذا كان أهل الصدق سيُسألون، فكيف يكون السؤال والحساب لأهل الكذب والنفاق؟ والصدق من الأخلاق الأساسية التي يتفرع عنها غيرها، يقول الحارث المحاسبي: (واعلم - رحمك الله - أن الصدق والإخلاص: أصل كل حال، فمَن الصدق يتشعب الصبر، والقناعة، والزهد، والرضا، والأنس، وعن الإخلاص يتشعب اليقين، والخوف، والمحبة، والإجلال، والحياء، والتعظيم .. فالصدق في ثلاثة أشياء لا تتم إلا به: صدق القلب بالإيمان تحقيقًا، وصدق النية في الأعمال، وصدق اللفظ في الكلام) (١).

стр. 365

ولِمَا للصدق من رابطة قوية بالإيمان، فقد جوَّز رسول الله ﷺ أن يقع من المؤمن ما لا يُحمد من الصفات، غير أنه نفى أن يكون المؤمن مظنة الوقوع في الكذب؛ للاستبعاد ذلك منه، وقد سأل الصحابة فقالوا: «يا رسول الله، أيكون المؤمن جباناً؟» «قال: نعم» فقيل له: أيكون المؤمن بخيلًا؟» «قال: نعم» قيل له: أيكون المؤمن كذابًا؟» «قال: لا» (١). والأصل في اللسان الحفظ والصون؛ لأن زلاته كثيرة، وشرَّه وبيل، فالحذر منه والاحتياط في استعماله أتقى وأورع، فإذا وجدت الرجل لا يبالي، ويكثر الكلام، فاعلم أنه على خطر عظيم، فقد قال رسول الله ﷺ : «كفي بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع» (٢)؛ لأن كثرة الكلام مظنة الوقوع في الكذب، باختراع ما لم يحدث، حين لا يجد كلامًا، أو بنقل خبر كاذب - وهو يعلم - فيكون أحد الكذَّابين. وكل خُلُق جميل يمكن اكتسابه بالاعتياد عليه، والحرص على التزامه، وتحرِّي العمل به، حتى يصل صاحبه إلى المراتب العالية، يرتقي من واحدة إلى الأعلى منها بحسن خلقه، ولذلك يقول ﷺ : «عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يَهْدي إلى البر، وإن البر يَهْدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق، ويتحرَّى الصدق، حتى يُكتب عند الله صدِّيقًا»، وكذلك شأن الكاذب في السقوط، إلى أن يختم له بالكذب «وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب،

стр. 366

حتى يُكتب عند الله كذَّابًا» (١). ومن آثار الصدق ثبات القدم، وقوة القلب، ووضوح البيان، مما يوحي إلى السامع بالاطمئنان، ومن علامات الكذب الذبذبة، واللجلجة، والارتباك، والتناقض، مما يوقع السامع بالشك وعدم الارتياح، ولذلك «فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة» (٢) كما جاء في الحديث. وعاقبة الصدق خيرٌ - وإن توقع المتكلم شرًّا - قال تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١]، وفي قصة توبة كعب بن مالك يقول كعب بعد أن نزلت توبة الله على الثلاثة الذين خلفوا: (يا رسول الله، إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أُحدِّث إلا صدقًا ما بقيت)، ويقول كذلك: (فو الله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ ، أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا) (٣)، وروى ابن الجوزي في مناقب أحمد أنه قيل له: (كيف تخلَّصت من سيف المعتصم وسوط الواثق؟ فقال: لو وُضع الصدق على جرح لبرأ) (٤)، ويوم القيامة يقال للناس: ﴿... هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ...﴾ [المائدة: ١١٩].

стр. 367

والصدق يدعو صاحبَه للجرأة والشجاعة؛ لأنه ثابت لا يتلوَّن؛ ولأنه واثقٌ لا يتردَّد، ولذلك جاء في أحد تعريفات الصدق: (القول بالحق في مواطن الهلكة) (١)، وعبر عن ذلك الجُنَيد بقوله: (حقيقة الصدق: أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب) (٢) وكم يكون شقيًّا من يتفنن في اختلاق الأحاديث؛ ليجلب الأنظار، وفي ادعاء القصص؛ ليُضحك الناس، فيؤوبون وهم سعداء بالترويح عن أنفسهم، ويبوء هو بوزر ما كذب، فله الهلاك - كما جاء في الحديث -: «ويل للذي يحدث بالحديث ليُضحك به القوم، فيكذب، ويل له، ويل له» (٣). وإن أشد الكذب إثمًا، وأعظمه جرمًا، أن يكذب على الله ورسوله، فينسب إلى دين الله ما ليس منه، ويدعي في الشرع بما لا يعلم، ويختلق نصوصًا ليس لها أصل - أراد بذلك الخير أم الشر - فهو كذب شنيع على دين الله، يقول رسول الله ﷺ : «إن كذبًا عليَّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليَّ متعمدًا، فليتبوّأ مقعده من النار» (٤)، ولذلك كان بعض الصحابة يتحرَّجون من الإكثار من رواية حديث رسول الله ﷺ ؛ خشية الوقوع في خطأ - غير مقصود - فيكونوا قد نسبوا إلى رسول الله ما لم يقل، ومن ذلك ما كان من أنس بن مالك إذ قال: إني ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا، أن النبي ﷺ قال:

стр. 368

«من تعمد عليّ كذبًا فليتبوّأ مقعده من النار» (١). ومما يدل على مزيد احتياطهم في نقل حديث رسول الله ألا يزيدوا أو ينقصوا: ذلك الموقف الذي رواه مسلم، حيث حدَّث بُشير العدوي بحضرة ابن عباس، وابن عباس لا يأبه به، ولا يبالي بحديثه، ولا ينظر إليه، فقال بُشَير: (يا ابن عباس! مالي لا أراك تسمع لحديثي. أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بأسماعنا، فلما ركب الناس الصّعب والذّلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف) (٢) أي لما أصبح الناس يتحدثون في الأمور الصعبة والسهلة، ولا يبالون ولا يحترزون من الوقوع في الخطأ، أصبحنا نحترز من التلقي عن أي كان. فليحذر الذين يبادرون إلى الفتوى بغير علم من الكذب على دين الله، وليحذر الذين يشيعون الأحاديث المنكرة والموضوعة من المشاركة في الكذب على رسول الله. ولقول المرء: لا أدري - وإن قسا على نفسه - أهون له من الكذب على رسول الله ﷺ . ولكي تكون حياتك كلها صدقًا، ولتحشر مع الصديقين، فاجعل مدخلك صدقًا، ومخرجك صدقًا، وليكن لسانك لسان صدق، لعل الله يرزقك قدم صدق، ومقعد صدق، ولا تترك فرصة للشيطان ليستدرجك بالاستكثار من المعاريض، فالصدق صراحة

стр. 369

ووضوح، والميل عنه التواء وزيغ، وحال المؤمن الصدق، و ﴿إنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ...﴾ [النحل: ١٠٥]. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - أدنى الصدق صدق اللسان وأعم منه الصدق مع الله في الظاهر والباطن. - لا صدق بلا إخلاص. - الصدق مرتبط بالإيمان. - قد يجانب الصدق من يُحدث بكل ما سمع. - يُنال الصدق بالتحري. - من آثار الصدق الطمأنينة وثبات القلب. - الصدق نجاة وإن توقع المتكلم شراً. - الصادق جريء والكاذب متلجلج. - أكبر الكذب الكذب على الله ورسوله. - كان الصحابة يحتاطون في رواية الحديث خشية الوقوع في الكذب. - الاستكثار من المعاريض يوقع في الكذب. ****

стр. 370

الفصل الثالث الاعتذار

стр. 371

«ولئن اعتذرت لا تعذرونني!» الاعتذار: أدب اجتماعي في التعامل الإسلامي، ينفي منك شعور الكبرياء، وينفي من قلب أخيك الحقد والبغضاء، ويدفع عنك الاعتراض عليك، أو إساءة الظن بك، حين يصدر منك ما ظاهره الخطأ. ومع أن الاعتذار بهذا المعنى حسن، فالأحسن منه أن تحذر من الوقوع فيما يجعلك مضطرًّا للاعتذار، فقد جاء في الوصية الموجزة، من رسول الله ﷺ لأبي أيوب الأنصاري ﵁: «ولا تكلَّم بكلام تعتذر منه غدًا» (١) فإن زلت قدمك مرة فإنه «لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة» (٢) - كما في الحديث - وعندئذٍ فإن من التواضع ألا تكابر في الدفاع عن نفسك، بل إن الاعتراف بالخطأ أطيب للقلب، وأدعى إلى العفو، ومعلوم أن توبة الصحابي الكريم كعب بن مالك إنما أنجاه فيها الصدق، فقد كان يقول: (يا رسول الله، إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني أخرج من سخطته بعذر، والله ما كان لي عذر) (٣)، ولن يُنقض من منزلتك أن تعترف بخطئك، وهذا رسول الله ﷺ لَمَّا كان يظن أنه لا ضرورة لتأبير النخل

стр. 372

أشار بعدم تأبيرها، ثم قال بعد ذلك: (إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًّا، فلا تؤاخذني بالظن) (١). ولا تنتظر من نفسك أن تسيء لتعتذر، بل يمكن أن يكون الاعتذار توضيحًا للموقف، أو بيانًا للقصد، فقد كان الأنصار عند فتح مكة، قد توقَّعوا ميل النبي ﷺ ، للإقامة مع قومه في مكة بعد الفتح، فقالوا: (أمَّا الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته)، فقال النبي ﷺ : «كلَّا، إني عبد الله ورسوله، هاجرتُ إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم»، فأقبلوا إليه يَبْكُون، ويعتَذِرون بأنهم قالوا ما قالوه لحرصِهم على إقامته معهم في المدينة، فقالوا: (والله، ما قلنا الذي قلنا إلا الضَّن بالله ورسوله)، فقال رسول الله ﷺ : «فإن الله ورسوله يُصدِّقانكم، ويعذرانكم» (٢). وإن صاحب خلق (الاعتذار) ليستَحْيِي من افتضاح تقصيره، حين يظن من نفسه التقصير، فإن ابن عمر يروي أنه كان في سرية فانهزموا، ومن حيائهم رجعوا إلى المدينة خفية في الليل، واختفوا في المدينة، ثم قالوا: (لو خرجنا إلى رسول الله ﷺ ، واعتذرنا إليه)، فخرجوا لبيان عذرهم، وقالوا له: «نحن الفرَّارون يا رسول الله!» «قال: بل أنتم العكَّارون، وأنا فئتكم» (٣)، فهوَّن عليهم ووصفهم بالعكَّارين،

стр. 373

الذين يغزون كرة بعد كرة، ولا يتوقفون عن الغزو. وإذا جاءك مَن يأمرك بالمعروف، فاقبَل منه، ووضِّح عذرك - إن كان لك عذر - فقد وعظ سالم بن عبدالله شابًّا مسترخي الإزار، فقال: (ارفع إزارك)، فأخذ الشاب (يعتذر فقال: إنه استرخى، وإنه من كتَّان) (١)، وبذلك بيَّن أنه لم يُرخِه كبرًا، وإنما استرخى بنفسه؛ بسبب طبيعة قماشه، وهذا شأن المسلم في دفع سوء الظن، وإثبات براءته - حين يكون بريئًا بحق. ومما ورد بهذا المعنى: أن أناسًا من الأشعريين طلبوا من أبي موسى الأشعري مرافقتهم إلى رسول الله ﷺ ، ولم يكن يعلم ماذا يريدون، وإذا بهم جاؤوا يطلبون التولية على أعمال المسلمين، فظهر أبو موسى وكأنه جاء يشفع لمن طلب الإمارة، فشعر بالحرج الشديد، قال: (فاعتذرت إلى رسول الله ﷺ ، وعذرني) (٢). وكان هذا الخلق صفة مميزة لمجتمع الصحابة ﵃، يروي أحمد: أن عثمان بن عفان جاء يعتب على ابن مسعود في أمور سمعها عنه، فقال: (هل أنت مُنْتهٍ عمَّا بلغني عنك؟ فاعتذر بعض ... العذر) (٣). ويمكن أن يكون الاعتذار دفعًا لاعتراض، أو إزالة لشبهة قد تثور، وما أعظم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب! حين جاء يوم الجابية يوضح للناس أسباب عزل خالد بن الوليد، فقال: (وإني

стр. 374

أعتذر إليكم من عزل خالد بن الوليد)، وما أعظم المجتمع الذي يجرؤ أحد أفراده أن يعلن عدم قبوله لعذر الأمير! قائلًا له: (والله ما أعذرت يا عمر بن الخطاب) (١). وقد يدعوك موقفٌ من المواقف إلى الشدَّة، التي قد يظنها الناس منك غلظة، فما أجمل أن تُبيِّن دواعي شدَّتِك؛ حتى لا يُفسِّرها أحد بأنها سوء خلق منك، روى أحمد أن حذيفة طلب ماءً من رجل من أهل الكتاب؛ ليشرب، فجاءه الكتابي بالماء في إناء من فضة، فرماه حذيفة بالإناء (ثم أقبل على القوم، اعتذر اعتذارًا، وقال: إني إنما فعلت ذلك عمدًا؛ لأني كنت نهيتُه قبل هذه المرة؛ أن رسول الله ﷺ نهانا عن لبس الديباج والحرير، وآنية الذهب والفضة) (٢)، فأوضح لمن معه أن هذا الرجل يعلم حرمة استعمال آنية الفضة على المسلمين، ومع ذلك تكرر منه ما يدعو إلى الغضب والشدة. كل هذه الأخلاق وقاية لمجتمع المسلمين من تفشي سوء الظن، وتقاذف التُّهم، التي إن استقرت في القلوب، لم يعُدْ ينفع معها اعتذار، كما قالت عائشة في حديث الإفك: (والله لئن حلفتُ لا تصدقونني، ولئن اعتذرت لا تعذرونني) (٣) - فمن تغلب على نفسه فاعتذر، فتغلب أنت على كبريائك فاعذِر، فقد عدَّ ابن القيم قبول عذر المعتذر من التواضع، ويقول في ذلك: (من أساء ثم جاء يعتذر عن إساءته، فإن التواضع يوجب

стр. 375

عليك قبول معذرته ... وعلامة الكرم والتواضع: أنك إذا رأيت الخلل في عذره، لا توقفه عليه، ولا تحاجَّه) (١). وتلقِّي الأعذار بطيب نفس، وبالعفو والصفح، يحضُّ الناس على الاعتذار، وسوء المقابلة للمعتذر، وتشديد اللائمة عليه، يجعل النفوس تصّر على الخطأ، وتأبى الاعتراف بالزلل، وترفض تقديم المعاذير، فإن بادر المسيء بالاعتذار فبادر أنت بقبول العذر والعفو عما مضى لئلا ينقطع المعروف. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - الاعتذار ينبع عن تواضع وإنصاف. - أحسن من الاعتذار تجنب ما يلجئ إلى الاعتذار. - الاعتذار يدل على حياء المخطئ وعدم مكابرته. - كان الاعتذار أدبًا مميزًا لمجتمع الصحابة. - من مبررات الاعتذار بيان دواعي الشدة. - الاعتذار ينفي سوء الظن وتقاذف التهم. - حسن قبول الاعتذار يعين على الاعتراف بالخطأ. ****

стр. 376

الفصل الرابع ستر العيوب

стр. 377

«ومَن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة». المجتمع الذي يغلب عليه الطُّهر، لا يطفح فيه من الأخبار إلا ما كان طاهرًا وعفيفًا، ويبقى المسرُّ بالمعصية مستورًا بستر الله عليه، إلى أن يتوب، ويستره المؤمنون؛ لئلا يتجاسر على الجهر بها، أو الإصرار عليها، وليكونوا عونًا له على الشيطان، طالما أسرَّ واستتر. مثلما استنكر رسول الله ﷺ حديث العاصي الفاضح لنفسه، والكاشف لستر الله عنه، فقال: «كلّ أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان! عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه» (١)، فقد استقبح أيضًا شأن الفاضح لأخيه، لذلك وصف الله الذين يلوكون أعراض المسلمين بألسنتهم - كما قال تعالى - ﴿يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا ...﴾ [النور: ١٩]، وما زال الوعيد الشديد يتهددهم ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ [النور: ١٩]، ويقابل هذا الوعيد بشارة للذين يكتمون عيوب إخوانهم، بستر الله لهم في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث الصحيح: «ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة» (٢). يقول النووي في شرحه لهذا الحديث: (وأما الستر

стр. 378

المندوب إليه هنا، فالمراد به: الستر على ذوي الهيئات ونحوهم، ممن ليس هو معروفًا بالأذى والفساد، فأما المعروف بذلك، فيستحب ألا يستر عليه، بل تُرفع قضيته إلى ولي الأمر - إن لم يخفف من ذلك مفسدة - لأن الستر على هذا يُطمعه في الإيذاء والفساد، وانتهاك الحرمات، وجسارة غيره على مثل فعله، وأما جرح الرواة والشهود، والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام، ونحوهم، فيجب جرحهم عند الحاجة، ولا يحل الستر عليهم، إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة) (١). ولا يعني ذلك ترك الإنكار على من تستره فيما بينك وبينه، وإذا أنكرت عليه، ونصحته، فلم ينتهِ عن قبيح فعله، ثم جاهر به، جازت الشهادة عليه بذلك - كما أفاد النووي وابن حجر - وفُرِّق بين محلِّ السَّتر والإنكار: (والذي يظهر أن السَّتر محلُّه في معصية قد انقضت، والإنكار في معصية قد حصل التلبس بها، فيجب الإنكار عليه، وإلا رفعه إلى الحاكم) (٢). ومن أولى الستر: ستر المرء لعيوب نفسه، التي سترها الله عليه، وإن الله ليكرمه، لقاء تحرجه من معصيته، واستتاره بها، واستحيائه منها، بن يغفر له: _ كما جاء في الحديث - «إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربِّ، حتى إذا قرَّره بذنوبه، ورأى

стр. 379

في نفسه أنه هلك، قال: سترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرُها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته» (١)، وقد حلف رسول الله ﷺ على ثلاثة أشياء، ثم قال: «والرابعة لو حلفت عليها رجوت أن لا آثم: لا يستر الله عبدًا في الدنيا إلا ستره يوم القيامة» (٢)، فليستر نفسه كما ستره الله. إن من كرامة المسلم على الله: أنه - سبحانه - يتولى الدفاع عنه بنفسه، والانتقام له من المسيء إليه، وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ : «يا معشر مَن آمن بلسانه، ولم يدخُلِ الإيمان قلبه: لا تغتابوا المسلمين، ولا تتَّبِعوا عوراتهم، فإنه مَن يتَّبِع عوراتهم، يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته، يفضحه في بيته» (٣). فاستُرْ إخوانك، فإنه لا طاقة لك بحرب الله، القادر على كشف عيوبك، وفضح ذنوبك، التي لا يعلمها الناس عنك، وأَلْجِم لسانك عن الخوض في الأعراض، وتتبع العورات، وإفساد صِيت إخوانك، وإساءة سمعتهم. تجد النفس المريضة شغوفة بسماع العيوب، وتتبع السقطات، وتصدر المجالس في تجريح ذوي الهيئات، مع أن رسول الله ﷺ أمر بالتجاوز عن عثراتهم، ومع أن الله «يحب الحياء ... والستر» (٤)، وكأنما قرن بين هذين الخلقين (الحياء والستر)؛ لأن الإنسان الذي ينشر

стр. 380

عيوب إخوانه، لا يُقدِم على ذلك إلا بعد أن يهتك كل حجب الحياء، التي يمكن أن تردعه، ولا يستر إلا الحَيِيُّ. وكذلك فإن الستر حياة للمستور، الذي يتعامل مع الناس دون أن تشير إليه الأصابع، وتنهشه النظرات، وتقتله عقدة الذنب، وربما كان هذا بعض ما أراده رسول الله ﷺ بقوله: «من رأى عورة فسترها، كان كمن أحيا موءودة» (١)، ويقول المناوي في (عون المعبود): وجه الشبه أن الساتر دفع عن المستور الفضيحة بين الناس، التي هي كالموت، فكأنه أحياه، كما دفع الموت عن الموءودة من أخرجها من القبر قبل أن تموت) (٢). ولقد كان من هَدْي رسول الله ﷺ أنه يؤثر الستر، حتى في حق مرتكب الكبيرة، لذلك كان يوجه بقوله "تعافّوا الحدود فيما بينكم" (٣)؛ لئلا تُنقل إلى الإمام فتفتضح بإقامة الحد، لعل صاحبها يتوب، فيتوب الله عليه. لقد بلغ من حرص رسول الله ﷺ على كرامة المسلم، وسلامة نفسيته، أنه حين جاءه رجل يقول له: «يا رسول الله إني أصبت حدًّا فأقِمْه عليَّ»، يقول أنس بن مالك: ولم يسأله عنه، وبعد الصلاة كرر الرجل مقالته، «فقال رسول الله ﷺ : أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم. قال: فإن الله قد غفر ذنبك» (٤). يقول ابن حجر: (وإنما لم يستفسِرْه إما

стр. 381

لأن ذلك يدخل في التجسس المنهي عنه، وإما إيثارًا للستر، ورأى أن في تعرضه لإقامة الحد عليه ندمًا ورجوعًا) (١)، وندع الخلاف الفقهي في ذلك الحديث؛ لنقطف المغزى الأخلاقي الذي يُؤكِّد حرمة المسلم ومكانته، حتى حين يقرُّ على نفسه ويعترف بذنبه. أعود إلى واقعنا المؤلم، فأرى أناسًا يتهمون بالظن، ويشيعون بلا بينة، ويفترون على البريء، ويفضحون المذنب المستتر بذنبه، ويُشوِّهون صورة الفضلاء بإبراز صور ضعفهم، فمن يدعي أن هذا من الحياء والستر الذي يحبه الله؟ خلاصة هذا الفصل وعناصره: - المسرُّ بالمعصية مستور بستر الله عليه. - كشف العيوب مستقبح وإن تحدث المرء عن نفسه. - لا تعارض بين الإنكار على العاصي وبين ستره. - تتبع العورات منزلق إلى فضح العيوب. - الارتياح بسماع العيوب علامة مرض القلب. - الستر مطلوب حتى في حق مرتكب الكبيرة. ****

стр. 382

الباب التاسع من أخلاقنا في التعامل الاجتماعي الفصل الأول: اللين والرفق. الفصل الثاني: السماحة. الفصل الثالث: الاحترام. الفصل الرابع: الإحسان. الفصل الخامس: مكافأة المحسن. الفصل السادس: الكرم. الفصل السابع: الأمانة. الفصل الثامن: البر. ****

стр. 383

الفصل الأول اللين والرفق

стр. 384

«حُرِّم على النار كل هيِّن ليِّن سهل ...». إن التوازن في شخصية المسلم ليجمعُ الشدة والرحمة، وإن من الحكمة مراعاة كل ظرف بما يناسبه، والتعامل مع كل حالة بما تقتضيه؛ من الأخذ بقوة أو الرفق واللين، غير أنه يبقى أن الأصل في التعامل الاجتماعي اللين والرقة، ما لم يَقُمْ ما يقتضي خلاف ذلك. أما حين تنضُبُ ينابيع العاطفة، فلابد من تطهير القلب من عوامل القسوة؛ لتنعكس صور اللين على المعاملة والسلوك. إن طول الزمن قد يُخفِّف من رقة الشعور، وتطاول الأيام قد ينسي بعض القيم، وتقادم العهد قد يغير المشاعر القلبية، ما لم يتعهَّد المرء نفسه، ويجلو قلبه، ليبقى حاضرَ الفكر، واعيَ القلب، يقظَ الإحساس، ولأن الليِّن ظاهرة سلوكية تنبع عن قلب لين، فقد عاتب ربنا الصحابة الكرام حين رأى منهم تغيرًا في القلوب: ﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦]، وحدَّث ابن مسعود فقال: (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ... إلا أربع سنين) (١)، وزاد في رواية (فجعل ينظر إلى بعض ويقول: ما أحدثنا؟!) (٢)، فإذا كان

стр. 385

الصحابة الكرام قد احتاجوا إلى تلك اللفتة القلبية بعد أربع سنوات من إسلامهم، فكم تحتاج قلوبنا إلى تعهُّد وتزكية؟! وقسوة القلب قد تكون أحيانًا نتيجة المعاصي، ومظهرًا من مظاهر غضب الله على العبد، ولذلك يقول مالك بن دينا: (ما ضُرِب عبدٌ بعقوبة أعظم من قسوة قلب، وما غضِب الله على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم) (١). وإن العيش في أعطاف النعمة ليجعل على القلب غشاوة، تشغل المرء بذاته، وتحد من همته، ولذلك رأى محمد بن كعب في الآية السابقة توجيهًا آخر فقال: (كانت الصحابة بمكة مجدبين، فلما هاجروا أصابوا الريف والنعمة ففتَروا عما كانوا فيه فقسَتْ قلوبهم، فوعظهم الله فأفاقوا) (٢)، ألا فلنتواصَ حتى نُفِيقَ. إن الانشغال بلغو الكلام وتتبع الهفوات يُجفِّف منابع اللين في القلب، وتنعكس الآثار على صورة حدة في التعامل. جاء في موطأ الإمام مالك قوله: (بلغني أن عيسى ﵇ قال لقومه: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى؛ فتقسوا قلوبكم؛ فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا فيها كأنكم عبيد، فإنما الناس رجلان: معافى ومبتلى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية) (٣). إن شخصية الداعية لتقتضي القدرة على التعامل مع الناس

стр. 386

باللين. وقد تعجبت السيدة عائشة من موقف رسول ﷺ حين استأذن رجل بالدخول عليه، فنعته بقوله: «بئس أخو العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام ..» (١)، وليس عجيبًا أن يكون هذا شأن نبينا ﷺ وهو القائل: «الكلمة اللينة صدقة» (٢)، ولما سأل رجل رسول ﷺ عن أفضل الأعمال أوجزها له في صفات ذكر منها: «لين الكلام وبذلك الطعام» (٣). وإذا كان قصدنا الفوز برضا الله، والنجاة من النار، فإن المسلم لينال باللين ما لا يناله بالغلظة والشدة، كما في الحديث: «حُرِّم على النار: كل هيِّن ليِّن سهل، قريب من الناس» (٤). ويمكن أن يكون تكلف السلوكيات اللينة مدخلًا إلى اكتساب اللين القلبي، فقد شكا رجل إلى النبي ﷺ قسوة قلبه فقال له: «إن أردت أن يَلِين قلبك؛ فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم» (٥). وكثيرًا ما يُحرِّش الشيطان في الصدور، حتى في لحظة القيام للصلاة، وتسوية الإمام للصفوف، بتأخير هذا وتقديم ذاك، إلى أن يستقيم الصف، وقد كان من وصيته ﷺ قبل الدخول في الصلاة: «ولِينوا في أيدي إخوانكم» (٦)؛ لأن إقامة الصفوف وسد الخلل

стр. 387

تقتضي الاستجابة وعدم المعاندة. وليس المقصود باللين عدم إنكار المنكر، وإنما اللين في الأسلوب حيث يغني اللين ويحقق الغرض، وذلك باستنفاد جميع الوسائل الممكنة التي تضمن الاستجابة، ولا تستعدي الآخرين، وراجع - إن شئت - حديث البخاري في قصة الرجل الذي جامَع أهله في نهار رمضان، كيف عرض عليه رسول الله ﷺ عددًا من الخيارات للتكفير عن ذنبه، فقال له: «هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا»، فجاء النبي ﷺ تمرٌ، فأعطاه للرجل، وقال له: «خذ هذا فتصدق به». فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله، والله ما بين لَابتَيْها أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أطعمه أهلك» (١). فاللين صورة من صور الرحمة يضعها الله في قلب العبد، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ...﴾ [آل عمران: ١٥٩]. والرفيق الرحيم أحقُّ الناس برحمة الله كما في الحديث: «الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء» (٢)، ولذلك فإن رسول الله ﷺ (كان أرحم الناس بالصبيان والعيال) (٣)، ونفى كمال الإيمان عمَّن لا يرحم، «ليس

стр. 388

منا مَن لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا» (١)، وحتى الرحمة بالمخلوقات من أسباب استحقاق رحمة الله في الآخرة، كما في قوله ﷺ : «مَن رحم ولو ذبيحة عصفور، ﵀ يوم القيامة» (٢). والعَلاقات الأُسْرِيَّة مع الأهل وذوي الرحم، ينبغي أن يسودها الرفق واللين؛ للمحافظة على تماسك بنيان الأسرة المسلمة وصفاء أجوائها، كما في الحديث: «إذا أراد الله بأهل بيت خيرًا أدخل عليهم الرفق» (٣). والهين اللين ينسحب رفقه على كل صور حياته، التي تقتضي السماحة واللين في التعامل مع المؤمنين، حتى يحظَى بمحبة الله «إن الله تعالى يحب الرفق في الأمر كله» (٤)، كما نحظى بعون الله «إن الله رفيق يحب الرفق، ويرضاه، ويعين عليه ما لا يعين على العنف ..» (٥). وصورة الشديد الغليظ، الغاضب العنيف، صورة مَشينة مَعِيبة تنفر منها الطباع البشرية؛ بينما صورة السهل الرفيق، اللين اللطيف، صورة تزين صاحبها، وترتاح إليها النفوس، وتأنس إليها القلوب، وقد قال رسول الله ﷺ : «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه» (٦).

стр. 389

ولا ينفي كل ما مضى أن المؤمنين أشداء على الكفار رحماء بينهم. ولا أنهم يغضبون لله، كما أنهم يلينون لوجه الله. خلاصة هذا الفصل وعناصره: - اللين هو الأصل. - من عوامل قسوة القلب: - طول الأمد. - كثرة المعاصي. - كثرة التنعم. - كثرة اللغو. - اللين بالكلام. - تَنال باللين ما لا تناله بالشدة. - يمكن اكتساب اللين بممارسته. - اللين في تسوية الصفوف. - اللين لا ينفي الأمر بالمعروف. - الرجل الرفيق حقيق بالرحمة. - الرفق بالبهائم من الرحمة. - صورة الرجل اللين محبوبة. - لا تعارض بين اللين والشدة. ****

стр. 390

الفصل الثاني السماحة
следующие страницы →