بعضهم اكتفى بملاحظةِ أنَّ الجارَّ الأول يتعلَّق بالعاملِ وهو مُطلَق، والثاني يتعلَّقُ به بعدَ تقييده بالأول (١).
(أعلى درجاتِ الإيقانِ) اللائقِ بالحالِ على ما تقتضيه الحكمة، وإلاَّ .. فالأعلى المطلق إنما يكون لخاصَّةِ الخواصِّ، على أنَّ ما من كمالٍ إلا وعندَ الله ما هو أكملُ منه.
ودرجاتُ اليقين:
- علمُ اليقين: كعلمِ مَن لم يذهب مكةَ بها بالتواتر.
- وحقُّ اليقين: كعلمِ مَن سافرَ حتى رآها.
- وعين اليقين: إذا دخلَها، وعرف طرقَها ودورها وما اشتملت عليه تفصيلاً.
وبعضهم يضمُّ الثانية للثالثة ويقول بمرتبتين فقط.
وفي " حواشي شرح كبرى السنوسي " ما يقتضي أنَّ حقَّ اليقين أعلى من عين اليقين، وهو:
- أن علمَ اليقين: ما كان من طريق النظر والاستدلال بقاطع البرهان.
- وعين اليقين: ما يحصُلُ عن مشاهدة العيان، ومن طريق الكشف والنوال.
- وحق اليقين: تحقيقُ صورة العيان، ويكونُ بتحقيق الانفصال عن
стр. 72
لوثِ الصلصال بورود زائد الوصال (١).
ثم لمَّا جمعَ اللهُ تعالى ذكر نبيه ﷺ مع ذكره في مواطن كثيرة، وقد فُسِّرَ به ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، وانظر الدخول في الإسلامِ، حتى قيل للشهادتين شهادة .. قال:
ـ[وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ألَّذِي أُوتِيَ أَنْوَاعَ الْحِكْمَةِ وَالتِّبيَانِ.]ـ
(وَأشهدُ أنَّ سيِّدَنا محمداً عبدُه ورسولُهُ الذي أُوتيَ أنواعَ الحكمةِ) أي: العلم النافع المصيِّر للعمل، كذا في " تفسير الجلال " (٢).
وأما الحكمةُ باصطلاحِ الرِّياضيين .. فقال الشريفُ الحُسَيني على " هداية أثير الدين الأبهري " (٣):
(الحكمةُ: هي العلم بأعيان الموجودات على ما هي عليه بقدر الطاقة البشرية، تنقسم بالأول إلى:
стр. 73
- نظرية: يُقصدُ بها ما حصل بالنظر من العلوم والإدراكات.
- وعملية: تتعلَّق بكيفيةِ العمل.
فالنظرية: علم يبحثُ فيه عمَّا إلينا علمُها لا عملُها، كالسماءِ والأرض.
والعملية: علم يُبحثُ فيه عمَّا إلينا علمُها وعملُها، كالأفعال الصادرةِ عنَّا.
وكلُّ واحدةٍ منهما ثلاثةُ أقسام:
- أما النظرية: فلأن ما لا يتعلَّقُ بأعمالنا إمَّا:
• ألاَّ يفتقرَ في وجوده إلى المادة، كذات الحقِّ تعالى، وَوَصْفِ ألوهيته، والوحدةِ والكثرة، والعلَّةِ والمعلول، والكليةِ والجزئية، وما أشبَه ذلك.
وهو العلم الأعلى، لتنزُّهِهِ عن المادة وعوارضها التي هي مبدأُ القوة والنقصان، الموسوم بـ " الإلهي " تسميةً للشيء بأشرفِ أجزائه.
• أو يفتقرَ فيه إليها، وحينئذٍ إما:
أن يُمكنَ تجريده عنها في الذهنِ والتعقُّل، كالتدويرِ والتربيع، والكُرويةِ والمخروطيةِ، فإن فهمَ هذه الأمور لا يتوقَّفُ على جِرمٍ معيَّنٍ، كالخشبِ مثلا، وإن كانت لا تكونُ إلا في جرمٍ معيَّني (١).
стр. 74
وهو العلمُ الأوسط، لتنَزُّهِهِ عن المادة بوجهٍ ما، الموسومُ بـ " الرياضي "، لأنهم كانوا يفتتحون به في التعاليمِ، فكان رياضةُ النفس بها أولاً.
• أو لا يمكن، كالإنسانِ مثلاً، فإنك لا تفهمه إلاَّ وتحتاجُ إلى أن تعرفَ صورتَهُ في لحمٍ وعظمٍ.
وهو العلمُ الأدنى، لاحتياجه إلى المادةِ مطلقاً، وليس يمكن أن يكونَ الشيءُ محتاجاً للمادة في الذهنِ دونَ الخارج، الموسومُ بـ " الطبيعي "، لكونه باحثاً عن الجسمِ الطبيعي.
- وأما العملية: فإنها إما:
• علم يتعلَّقُ بالانفراد، وهو علمُ الأخلاق، ويتعلَّق بكمال الشخصِ في نفسه بحسَبِ القوة العملية، لأنَّ الحكمةَ النظرية كمالٌ له في نفسه بحسب القوة العلمية.
• أو علم يتعلَّقُ بالاجتماع الخاص، وهو تدبيرُ المنزل، ويتعلَّقُ بكمالِهِ العملي أيضاً، لكن بالقياس إلى الاجتماع الخاصِّ، وبه تنتظمُ المصلحةُ التي بها يكون الازدواجُ بين زوجٍ وزوجة، ووالدٍ وولده، ومالكٍ ومملوكه.
• أو علم يتعلَّقُ بالاجتماعِ العامِّ، أعني: معرفةَ كيفيَّةِ المشاركة بين أشخاصِ الناس على العموم، وهو سياسةُ المدن، والفائدةُ، فيه: أنْ يتعاونوا بالاجتماعِ على المصالح التي بها بقاءُ نوع الإنسان، فهو أيضاً من تتمة تكميل القوة العملية.
стр. 75
فهذه جملةُ أقسام الحكمة.
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
وأما المنطقُ: فهو خارجٌ عنها، بل هو آلةٌ لتحصيلها، اللهمَّ إلا أن تفسرَ الحكمة بخروج النفسِ إلى كمالِها الممكن في جانب العلم والعمل، فحينئذ يدخلُ فيه المنطق، بل العملُ أيضاً) اه.
(والتِّبيانِ) أي: تبيين تلك الحكمةِ للأمة، ويحتملُ أنه مبالغةٌ في البيان بمعنى المنطق الفصيح، على قاعدة: زيادة الحروف (١).
ـ[وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ خُصُّوا بِدَقَائِقِ الْعُلُومِ مِنَ التَّأَمُّلِ فِي آيَاتِ الْفُرْقَانِ.]ـ
(والصلاةُ والسلامُ) يرجعان إلى زيادة التعظيم، ومن البعيد حملُ السلامِ في مثلِ هذا على اسمه تعالى، أي: اللهُ راضٍ (٢).
(عليه) الضميرُ للذي سبقت الشهادةُ له بالعبودية والرسالة، ثم هذا من التنازعِ إن أجزناه بين العواملِ غير المُشتقَّةِ (٣)، أو من مجرَّدِ
стр. 76
الحذف لدليل (١)، أو يقدَّر المتعلق مثنىً.
(وعلى آله) أي: أتباعه، قدَّمهم وأتى بـ (على) لقولهِ ﷺ في تعليم الصلاة عليه: " قولوا: اللهمَّ، صَلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ " (٢)، على أنَّه عطفٌ على ضميرِ خفضٍ (٣).
(وصَحبِه) الذين اجتمعوا به، عطفٌ خاصّ لشرفِه.
(الذينَ خُصُّوا) تخصيصاً نَسْبيّاً، صفة للصَّحْبِ، ويحتملُ حذفُ مثلِه من " الآل " (٤).
(بدقائقِ العلوم) مِن إضافةِ الصفةِ، أو على معنا " مِن " (٥).
وأصلُ العلم: الإدراكُ، لأنه مصدرٌ، ويُطلقُ حقيقةً عُرفيةً على المَلَكاتِ والقواعدِ، و (مِنْ) في قوله: (مِن التَّأَمُّلِ) تعليليةٌ، أو ابتدائية (في آياتِ) جمعُ آية، يحتملُ أنَّ المرادَ بها الجملة من القرآن المُعبَّر عنه بـ (الفُرقان) لِفَرقِه بين الحقِّ والباطلِ، ويُحتملُ أنَّها بمعنى مُطلقِ العلامة، والفرقانُ بمعنى مطلقِ فارق، على حَدِّ: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾.
ثم دعا بالرِّضا لمن اندرجَ في المتقدِّم، لأنَّ مقامَ الدعاء يقتضي الإطنابَ، أو أنه أراد بـ (الآل) سابقاً الأقاربَ، فقال:
стр. 77
ـ[وَرَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ بِإِحْسَانٍ.]ـ
(وَرضيَ اللهُ تعالى عن التابعين وَمَنْ تبِعَهُمْ مِنَ المؤمنينَ والمؤمناتِ) متعاقبين طائفةً بعد طائفة (إلا) قُرْبِ (يومِ الدِّينِ) حتى يأتيَ أمرُ الله، وتنقرضَ الطائفة الظاهرين على الحق (بإحسانٍ) ولو أصلُ الإيمان، ليعُمَّ الدعاء.
ـ[وَبَعْدُ:
فَيَقُولُ الْفَقِيرُ الْمُشْفِقُ مِنْ سُوءِ ألْكَسْبِ وَالْمَسَاوِي، مُحَمَّدُ عَبْدُ اللَّطِيفِ الطَّحْلاَوِيُّ - غَفَرَ اللهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ، وَمَشَايِخِهِ وَمُحِبِّيهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَإِخْوَانِهِ وَجَمِيعِ آلْمُسْلِمِينَ -:]ـ
(وَبَعْدُ) أتى بالواوِ كغيره اختصاراً وإن كان الواردُ عنه ﷺ : «أما بعد» (١).
(فيقولُ الفقيرُ) أي: المحتاجُ بأصلِ الطبع كما هو حقيقةُ كلِّ حادثٍ في كلِّ شيء (المُشْفِقُ) أي: الخائفُ (مِنْ سوءِ الكَسْبِ) أي: الميل
стр. 78
والاختيار للأمور، أو مكسوبِهِ مِن الأعمال (والمساوي) جمعُ مساءة، ما يُذَمُّ التلبُّسُ به فيسوءُ صاحبه، وهو أعمُّ مما قبله، فإنه يشمل المجبول غير المكتسب، كالغضبِ والطمع (محمدُ عبدُ اللطيف) هو جده أبو أمه، وآثرَ النِّسْبةَ إليه دون أبيه لأنَّ أباه كانَ جُندياً، وجُدُّهُ من الفقهاءِ، وهو - حفظه الله - محبّ للعلم والعمل والنِّسبةِ إليهما، حتى إنَّا لنرجو - كما عَلِمْنا ولا أُزكِّي على اللهِ أحداً - أنَّه ممن يُظلُّ تحت العرش، حيثُ نشأَ في عبادة الله، سلك الله بنا وبه فيما يرضاه.
بقيَ أنَّ هذا التركيبَ كثُرَ في كلامِ المُوَلَّدِين ولا أعلمه في كلام العرب الآن.
وتخريجُه: على حذف المضافِ وإبقاءِ المضافِ إليه على جرِّه أو إقامته مقامه، والأصلُ (ابنُ عبدِ اللطيف)، ثم يصحُّ حذف تنوينِ (محمدٌ) نظراً للأصلِ وعدمه، أو على أنَّ (محمداً) مضافٌ لـ (عبد) على معنى اللام، أو أنَّ (عبد) خبر لمحذوف، أو خبره محذوف، أي: عبدُ اللطيفِ أبوه مثلاً، أو أنَّه نزَّلَ اسم الأصلِ منزلةَ لقبٍ له بجامعِ التمييز، فيُعْرَب عطفَ بيانٍ، أو أنَّ الاسمين رُكبا على هذا المسمى، لكن حكيَ حالَ التفكيكِ فيهما، لكن هذا يظهرُ في نحو: محمدٌ
منصورٌ، لا ما هنا، لأنهم لا يُرَكِّبون أكثر من كلمتين.
(الطَّحْلاويُّ) نسبةً لـ (طحلةَ) بلدة من أعمالِ مصرَ (١)، منها جدُّه
стр. 79
المتقدِّم (غفرَ اللهُ لهُ) أصلُ الغَفْرِ: السترُ.
والمرادُ به: ترك المؤاخذة على الذنبِ على ما يشهدُ له حديثُ قولِ اللهِ سبحانه لعبد المؤمنِ يومَ القيامة بينه وبينه: " أنا سترتُها عليك في الدنيا، وأنا اليوم أغفرُها لك " (١).
(وَلوالدَيه) بفتح الدال أو كسرِها، أي: كل مَنْ له عليه ولادة من أهل المغفرة.
والمراد بالوالد: الشخص، أو أنه غلَّب المذكَّرَ.
(وَمشايخِهِ) الذين هم والدو الروح، وقدَّم الوالدين لكثرةِ الحضِّ على حقِّهما في صريح الكتاب والسنة، وإن قيل: إن الشيخَ أكثرُ حقّاً، لتربيته الروحَ الباقية، وسمعتُ من شيخنا (٢)، عن النووي (٣): أنَّ عاقَّ شيخِه لا تقبلُ له توبة (٤)، وفي النفس منه شيءٌ، فإنَّ اللهَ تعالى قال:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
стр. 80
الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وسمعتُ ذلك عن غيره في اللواط أعاذنا الله منه، وفيه البعدُ السابق متى وُجِدَتْ حقيقةُ التوبةِ المشهورة، وكثيرا ما يُنازعُ والدي - جزاه الله عني خيرا - في تفضيل شيخ الشخصِ على والده.
وممَّا يناسبُ المقامَ أيضا ما يرتضيه شيخنا من جوازِ مخالفة الوالدين في طلب العلم ولو غيرُ العينيِّ (١)، وفيه البعدُ السابق أيضا.
وتحقيق المقام: أن الشيخَ الحقيقي المُمِدَّ في الظاهر والباطن أفضلُ حقّا بوراثة: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، ولو اطَّلَع على ذلك الشيخُ، وما أسداه .. ما ساغ أحدا إنكار أفضليته.
وأمَّا شيخُكَ في لفظة، أو شيءٍ من التمشدُقِ (٢)، أو ما تكادُ لا تضطرُّ إليه .. فالوالدُ أفضلُ حقّاً منه، فإنه جَهِدَ فيك أكثرَ منه، ولولا ذاك .. ما كان هذا غالبا، ولا عكْسَ، فقد شاركَ شيخَكَ في عملِهِ في التسبُّبِ، والدالُّ على الخيرِ كفاعله (٣).
واختصَّ بما باشر، على أنَّه أوَّلُ مشايخِكَ غالباً، فإنه يرشدُك إلى أصول الدين، وتلقين الشهادة، والأذكار، والآداب المُحتاج إليها من صغرك.
نسألُ اللهَ بمنّه التوفيقَ لإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه مع القبولِ والرضا، والعفوِ عمَّا جرى به القضا.
стр. 81
(ومُحِبِّيْهِ وذُرِّيَّتِهِ) أي: نسله، وذرُّ كلِّ شيءٍ: الصغارُ منه، بفتح الذال، فكأنها نسبةٌ على غير قياس (١).
(وإخوانِهِ) جمع: أخٍ من صحبة أو قرابة.
(وجميع المسلمينَ) وتحققُ الوعيدِ في العاصي لا يلزمُ ولا في واحد حيثُ قُدِّرَ تعليقُهُ على المشيئة.
ولئنْ قلنا: آياتُ الغفران مُخَصَّصةٌ ولا بدَّ من تحقُّقِ العامِّ ولو في واحدٍ .. فَلْيَكُنْ من الكفار، أو يُراد جميعُ المسلمين غيرَ مَنْ أريد تحقُّقُ الوعيدِ فيه.
ـ[لَمَّا وَفَّقَ اللهُ تَعَالَى لِوَضْعِ شَيْءٍ بَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ فِي آدَابِ الْفَهْمِ وَالتَّفْهِيمِ وَنَحْوِهِ .. اطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ بَرَعَ أَقْرَانَهُ - إِنْ شَاءَ اللهُ- فِي الْفَضْلِ وَالْفَهْمِ الْمُنِيرِ، لاَ زَالَ اللهُ لَنَا وَلَهُ بِاللُّطْفِ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ.]ـ
(لمَّا) وما بعدها مقولُ القول، وجملةُ الدعاءِ معترضة (وَفَّق الله تعالى لِوَضْعِ شيءٍ) يعني: لما وضعتُ شيئاً بتوفيق اللهِ، لكن لمَّا كان توفيق اللهِ للشيء يستلزمُ حصولَه .. عبَّرَ بما عبَّرَ، وتبرُّؤاً وهضماً لنفسه أنْ يُسندَ له وضعاً، ولهذا المعنى عبَّرَ بـ (شيءٍ).
стр. 82
(بعدَ الاستخارةِ) أي: طلب الخِيرة من اللهِ تعالى في كيفيَّةِ الوضع، أو أصله لاحتمال الاستغناء عنه، أو أنَّ غيرَه أولى (١).
(في آدابِ) مُتعلق بـ (وضع)، أو صفة لـ (شيءٍ)، والآداب - جمع أدب -: ما يحمد المتلبِّسُ به، كوَلَدٍ وأولادٍ، وبَطَلٍ وأبطالٍ (الفهْمِ) في النفس (والتَّفْهيمِ) للغيرِ (وَنحوِهِ) كمقدمةِ الآداب، ويحتملُ أنْ يريدَ به أنواعَ الشروح، لكن الظاهر إدخاله في آداب التفهيم.
(اطَّلَعَ عليهِ) (٢) جواب " لمَّا " (بعضُ مَنْ برعَ) أي: فاقَ (أقرانَهُ إنْ شاءَ اللهُ) تعالى (في الفضْلِ) أي: الزيادة في الخير (والفَهْمِ المنيرِ) لا يخفى التشبيهُ بجامع الاهتداء (لا زالَ اللهُ لنا) الأحسن في مثل هذا الضميرِ أنه للمتكلم مع غيره من المسلمين، مع ملاحظتِهِ أولاً، فيجمعُ بين البداءةِ بالنفس والتعميم في الدعاء، ويكونُ ما بعده من عطفِ الخاصِّ، أو يلاحظُ في الأوَّل ما عداه.
(ولهُ باللُّطفِ) أي: الرفق (وَحُسنِ التدبيرِ) كاد العطف أن يكونَ مرادفا، إذ التدبيرُ بالنسبةِ للهِ تعالى: إيقاعُ الأمور على الوجه الأحكم، والدعاءُ به إمَّا عبادة وإن كان هو شأنُهُ، أو لأنه لا يُسأَلُ عمَّا يفعل، نسألُهُ ما هو أليقُ بنا فضلاً.
стр. 83
وعناني - حفظه الله - بهذا البعض، وأقولُ اقتداء بالصدِّيقِ رضي الله تعالى عنه: (اللَّهُمَّ، اجعلني خيراً مما يقولون، واغفرْ لي ما لا يعلمون) (١).
وقد نظرَ هذه الرسالةَ وهي معيَ بعضُ الأذكياء فقال: عندي أنَّ هذا دور، إذ لا تُفْهم إلا بآدابٍ، فقلتُ له: هي كالشاةِ من أربعين، تُزكِّي نفسَها وغيرَها!!
ـ[وَاسْتَحْسَنَهُ وَأَمَرَنِي أَنْ أُسَمِّيَهُ بِـ: " غَايَةُ الِإحْكَامِ فِي آدَابِ الْفَهْمِ وَالإِفْهَامِ " فَامْتَثَلْتُ أَمْرَهُ، وَسَمَّيْتُهُ بِذَلِكَ بَعْدَ إِعَادَةِ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضُوعِ.]ـ
(وَاسْتَحْسَنَهُ) أي: عدَّهُ حسناً ونسبَه للحُسْنِ، وهذا أحد استعمالاتِ (السين والتاء)، وتأتي للصيرورةِ، ومنها المطاوعة، وللطلبِ، وزائدة للتوكيد (٢).
стр. 84
(وَأمرني أنْ أُسَمِّيَهُ بـ " غايةُ) أي: نهاية (الإحكامِ) - بكسرِ الهمزةِ - أي: الإتقان (في آدابِ الفَهمِ والإفهامِ " فامتثلتُ أمرَهُ) هوَ ونحوه، من التجوزِ في النسبةِ الإيقاعية، أي: أطعته في أمره.
(وَسَمَّيْتُه بذلكَ) توضيحٌ لِمَا قبله، واشتُهِرَ أنَّ أسماءَ العلوم أعلامُ أشخاصٍ، وأسماءَ الكتبِ أعلامُ أجناس، وبحثَ فيه بعضهم بأنه تحكُّمٌ، إذْ كلاهما قابلٌ لتعدُّدِ الشيءِ بتعدُّدِ محلِّهِ وعدمهِ (١).
(بعدَ إعادةِ النظرِ) بالبصيرةِ أو معَ البصرِ (في ذلك الموضوعِ).
ـ[فَهَذَّبْتُهُ عَلَى قَدْرِ ألطَّاقَةِ، وَزِدْتُ عَلَيْهِ مَا يَسَّرَهُ اللهُ تَعَالَى، وَرَتَّبْتُهُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَبَابٍ:]ـ
стр. 85
(فهذَّبْتُهُ) بِأَنْ طرحتُ منه ما ينبغي طرحُهُ (على قَدْرِ الطاقةِ) أي: الوُسْع والقدرة البشرية.
(وَزِدْتُ عليهِ ما يسَّرَهُ اللهُ تعالى، وَرَتَّبْتُهُ) الترتيبُ: وضعُ الأشياء في مراتبها، والظاهرُ أنه هنا بمعنى: قسَّمته.
و (على) في قوله: (على مُقَدِّمَةٍ وبابِ) بمعنى: (إلى)، ويُلاحظُ الإجمالُ والتفصيلُ.
ـ[فَالْمُقَدِّمَةُ فِي: أَقْسَامِ ألْمَعَانِي. وَالْبَابُ فِي: الآدَابِ وَنَحْوِهَا.]ـ
(فالمُقَدِّمَةُ: في أقسامِ المعاني) يعني: من حيثُ ما يدلُّ عليها، كما يأتي.
(والبابُ: في الآدابِ ونحوِها) كأنَّه أرادَ بهِ ما يتعلَّقُ بالشُروح.
ـ[وَإِنَّمَا رَتَّبْتُهُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الطَّالِبَ إِذَا عَرَفَ الْمَعَانِيَ إِجْمَالاً .. نَهضَ لِطَلَبِ آدَابِ تَحْصِيلِهَا، فَكَانَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ بَاعِثَةً عَلَى فَهْمِ الْبَابِ.]ـ
(وَإنَّما رتَّبْتُهُ على ذلكَ) ولم أقتَصِر على الآداب، ولا جعلتُها معَ
стр. 86
أقسامِ المعاني مختلطةً، ولا أَخَّرْتُ أقسامَ المعاني، بل ذكرتُ أقسامَ المعاني أولاً ثم الآداب، (لأن الطالبَ إذا عرفَ المعاني إجمالا) في المُقَدِّمةِ .. (نَهَضَ) أي: تشوَّقَ بسرعةٍ (لِطلب آداب تحصيلها) المذكورةِ في الباب (فكانت هذهِ المُقَدِّمةُ باعتةً على فَهمِ الباب).
ولمَّا استشْعَرَ سؤالاً هو: أنَّ الطلبةَ المُشتغلين بالعلومِ قد تحقَّقُوا بهذه الآداب بتربية الأشياخِ لهم وحسنِ تبصُّرِهم، فهم يعلِّمون غيرَهم كما تعلَّموا، فلا حاجةَ لهذا الوضعِ .. أجابَ عنه بقوله -
ـ[وَضَعْتُهُ لِنَفْسِي وَلِمِثْلِي مِنَ الْمُبْتَدِئِينَ، حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ - وَإِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَهْلاً- أَنَّ الطَّالِبَ لاَ يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ الْفَهْمِ إِلاَّ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، كُلٌّ عَلَى حَسَبِهِ.]ـ
(وضَعته لنفسي ولمثلي مِنَ المبتدئينَ) في العلم، بياءٍ مُشدَّدةٍ (١)، أو همزٍ محقَّقٍ أو مُسَهَّلٍ.
(حملني) أي: بعثني ووجَّهني، فـ (على) في قوله (على ذلك) بمعنى: (إلى).
و (الواو) في قوله: (وإنْ كنت لستُ أهلاً) واو الحال، و (إن) زائدة.
стр. 87
(أنَّ الطالبَ لا يعلمُ كيفتةَ الفهمِ) تُسمَّى صِفةُ الشيءِ: كيفية، لأنه يُسألُ عنها بـ (كيف)، كما يُسمَّى قدرُهُ: كمية، وعِلَّتُه: لميَّة (١) (إلا بَعدَ مدةٍ) اسمٌ لجملةٍ من الزمنِ، لامتدادها (طويلةٍ) والطولُ مقولٌ بالتشكيك، كما أشار له بقوله: (كُل على حسبِه) ذكاءً وبلادةً.
ـ[فَرَجَوْتُ اللهَ تَعَالَى فِي تَسْهِيلِ الْفَهْمِ عَلَى مَنْ فَهِمَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً عِنْدَ الْمُحَصِّلِينَ، لَكِنْ لاَ يَعْلَمُهَا الْقَاصِرُ مِنَ الْمُبْتَدِئِينَ.]ـ
(فَرَجَوْتُ اللهَ تعالى) الرجاءُ: تعلُّق بما أخذَ في سببه، وقد أخذ في السبب بوضع هذا الموضوع (في تسهيلِ الفهمِ على مَنْ فهمَ هذهِ الكلماتِ) أي: تسهيله على نفسه وعلى غيره، وهو الإفهامُ، وتيسُّرُهُ بفهم شيءٍ قليل، كما أشارَ له بجمع القلَّةِ، والإشارةِ القريبةِ .. أقربُ من الصبرِ لقراءة كتب شتَّى في أزمنةٍ مختلفةٍ في فنونٍ متغايرة، فإنَّ ما جمعه - حفظه الله تعالى - في هذه الرسالة لا يتحقَّقُ به الشخصُ إلا بذلك.
وأمَّا قوله: (وهيَ وإنْ كانتْ ظاهرةً عندَ المحصِّلينَ لكنْ لا يعلمُها القاصرُ مِنَ المُبْتَدئينَ) فمعلومٌ ممَّا قبله، لكنْ مقامُ الاستعذارِ لا يجبُ فيه الاختصار، بل يُسْتَحْسَنُ البَسْطُ.
(وَيهديَني إليه) توكيدٌ (وَيَعْصِمَني) فيهِ طلبُ العِصمةِ، ولا بأسَ به، فإنَّ الخاصَّ بالأنبياءِ الواجبةُ (١)، أي: يُبَرِّئني ويُطهرني (مِن الخطإِ والزَّلَلِ) عطفٌ مرادِفٌ، أو أنَّ الأوَّلَ: سلوكُ غيرِ الطريق المستقيم، والثاني: الخطأُ في كيفيةِ سلوك المستقيم.
(وأنْ يجعلَهُ خالصاً لِوجهِهِ الكريمِ) يُؤَوَّلُ الوجهُ بالذاتِ، ويكفي أن يقالَ: لهُ وجهٌ لا كالحوادث.
والكرمُ: مجمعُ صفاتِ المدح اللائقةِ بالممدوحِ، ضدُّ اللؤم.
والمرادُ: لا رياءً وسمعةً، فلا ينافي قولَهُ: (وسبباً للإقامةِ في دارِ النَّعيم) أو أنه طلبَ جعلَها فائدة وعلةً غائيةً له، فلا يلزمُ أن تكونَ غرضاً وعلةَ باعثة (٢).
ـ[وَأَنْ يَجْعَلَهُ مُتَلَقّىً بِالْقَبُولِ وَالرِّضَا، وَأَنْ يَغْفِرَ لِمَنْ رَأَى فِيهِ عَيْباً فَأَصْلَحَهُ بِلاَ اعْتِرَاضٍ وَازْدِرَاءٍ، فَإِنَّ التَّصْنِيفَ مَظِنَّةٌ لِلزَّلَلِ، خُصُوصاً إِذَا كَانَ مِنْ مِثْلِي.]ـ
(وَأنْ يجعلَهُ متلقىً بالقبولِ) ضد الردِّ (والرِّضَا) ضد السُّخط، وهما متلازمان غالباً.
стр. 90
(وأنْ يغفرَ لمَنْ رأى فيهِ عيباً فأصلَحَهُ) أي: التمسَ له وَجهَ إصلاحٍ (بِلا اعتراضٍ وازدراءٍ) أي: تحقير، وظاهر حُسْنُ طلب الغفْرِ لمن غفر، وأنه لا يلزمُ من الإصلاخ عدمُ الاعتراض.
(فإنَّ) علَّةٌ لما أفاده السباقُ مِن ترقُّبِ العيبِ، أو انبغاءِ الاستعذارِ (التصنيفَ مَظِنَّةٌ للزَّلَلِ) أي: موضع لظنِّ الزَّلَلِ.
وأصلُ التصنيف: جعل شيءٍ ذا أصنافٍ، والغالبُ أنَّ بين الصنفينِ مناسبةً وأُلْفَة ما، فيقالُ: تأليف، وكادوا الآن يخصُّوا مادةَ التصنيفِ بذوي المتون.
(خُصوصاً) مفعولٌ مطلقٌ، أي: أخصُّ التأليف بكونه مظنَّةَ الزَّلَلِ تخصيصاً، أو اختُصَّ بذلك اختصاصاً، يعني: بزيادة ما ذكر.
(إذا كانَ مِنْ مثلي) ولم يذكر الصفةَ التي فيها المماثلةُ، لاعتقادِ شُهْرَتِها ودِلالةِ ما سبقَ عليها.
ـ[وَهَذَا أَوَانُ الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصودِ، بِعَوْنِ الْمَلِكِ الْمَعْبُودِ، فَأَقُولُ وَهُوَ حَسْبِي وَنعْمَ الْوَكِيلُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ:]ـ
(وهذا) الزمن الحالُّ عرفاً، إذ هوَ يتناولُ أوائلَ المستقبلِ (أَوَانُ)
стр. 91
لم تقلب واوُه ألفاً لسكونِ ما بعدها، وقد قال في: " الخلاصة ":
مِنْ يَاءٍ أوْ وَاوٍ بِتَحْرِيكٍ أُصِلْ ... أَلِفاً ابْدِلْ بَعْدَ فَتْحٍ مُتَّصِلْ
إِنْ حُرِّكَ التَالِي ...... ... .......... (١)
(الشروعِ في المقصودِ بعونِ) أي: إعانة (الملكِ المَعبود) (فأقولُ) الفاءُ للتفريع، ومقولُ القول المقدِّمةُ ... إلخ، وما بينهما اعتراضٌ (وَهُوَ) أي: المعهودُ المُتَقَدِّم في الذكر (حَسْبي) أي: كافيَّ (وَنِعْمَ الوكيلُ) هو (ولا حولَ) أي: تحوُّلٌ عن شيءٍ (ولا قوَّةَ) على شيءٍ (إلا باللهِ العلي العظيمِ):
стр. 92
ـ [المقدّمة
في أقسام المعاني]ـ
(المُقَدِّمَة) بكسرِ الدال، أي: مُتَقَدِّمَةٌ، أو مقدِّمة مَن عرفها، وفتحِها، أي: مذكورة أولاً، أو محكومٌ عند أولي النظرِ باستحقاقها التقديم، ولا يلزمُ أنَّ تاءها للنقلِ، وإن قيلَ، بناءً على أنَّ التأنيثَ فرعُ التذكيرِ، وفي النقلِ فرعيةٌ (١).
كما أنه لا وجهَ لتخصيص مقدِّمةِ الكتاب بالألفاظ ومقدِّمة العلم بالمعاني، وإن اشتُهِرَ تبعاً للسَّعدِ (٢)، إذِ الظاهرُ التسوية بالمعنى فيهما أو اللفظ فيهما كما أشار له الخبيصي في " شرح التهذيب " (٣).
стр. 93
وفي أسماءِ التراجم ما علمته في أسماءِ الكتبِ (١)، وفي مُسَمَّاها وإعرابها أوْجهٌ شتَّى منها الغريبُ والمشهور، وقد بسطتُ ذلك في " شرح رسالة البسملة ".
(في أقسامِ المعاني) من حيثُ ما يدلُّ عليها كما يفيدُهُ كلامه الآتي، ولا يخفى ما يتعلَّقُ بالظرفيةِ والأقسام.
والمعاني: جمعُ معنىً، مَفْعَل من عناهُ: قصدَه، كمَذْهَب ومَذاهِب، وتصريفه كفتيّ، ويُقالُ: مَعْنِيٌّ بتشديد الياءِ اسم مفعولٍ، وأصله: مَعْنِوْي، ويُجمع على معنيَّات، فإنَّ وَصْفَ غيرِ العاقلِ يَنقاسُ جمعه بالألف والتاءِ، وكلاهما يُستعملُ في المدلولِ استعمالَ الأسماءِ، كالمفهومِ والموضوع، لكن بحيثيات لا تخفى.
ـ[اعْلَمْ: أَنَّ الْمَعْنَى أَقْسَامٌ:
مِنْهَا: مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمُفْرَدُ.
وَمِنْهَا: مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مُرَكَّبٌ تَقْيِيدِيٌّ، أَوْ إِضَافِيٌّ.
وَمِنْهَا: مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مُفْرَدَانِ فُصِلَ بَيْنَهُمَا، كـ (مَا) وَ (إِلاَّ)، فَإِنَّهُمَا يُفِيدَانِ الْحَصْرَ.]ـ
стр. 94
(اعلمْ: أنَّ المعنى أقسامٌ: منها:) ساق الأقسامَ بـ (مِنْ) لعدم الجزم بالحصرِ فيما ذكر.
(ما يدلُّ عليهِ المُفْرَدُ، ومنها ما يدلُّ عليهِ مُرَكَّبٌ تقييديٌّ، أو إضافيٌّ) واجتمعت الثلاثةُ في أوَّلِ الفاتحةِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فلفظُ الجلالةِ مفردٌ دلَّ على الذَّاتِ الأقدس، وذلك معَ ﴿رَبِّ﴾ تقييدي، وَ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إضافي.
وأرادَ بالتقييدي: ما عدا الإضافي، فصحَّ العطف بـ (أو)، وإن كان التقييدي بمعنى: كلّ كلمتين جُعِلَتْ ثانيتهما قيداً لأوْلاهما .. يشملُ الإضافي.
(ومنها: ما يدلُّ عليهِ مُفردانِ فُصِلَ بينهما، كـ " ما " وَ " إلا " فإنَّهما يفيدانِ الحصرَ) نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾.
ـ[وَمِنْهَا: مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلاَمُ.
وَمِنْهَا: مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُهُ.
وَمِنْهَا: مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ جُمَلٍ.]ـ
(ومنها: ما يدلُّ عليهِ الكلامُ) وهو تامُّ الإفادة، إخبارياً كانَ نحوَ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى﴾، أو إنشائياً نحوَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.
(ومنها: ما يدلُّ عليه سياقُهُ) أي: سياق الكلام، بالمُثنَّاةِ،
стр. 95
بمعنى: سَوْقِه الشامل لسباقه - بالمُوحَّدَةِ - ولَحاقِه، كـ (الشمس) (١) المُفَسِّرَةِ للضميرِ في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ فإن سَبْقَ العشيِّ والخيرِ - وهو صلاة العصرِ - ولحوقَ الحجابِ معَ التواري يدلُّ عليها.
(ومنها: ما يدلُّ عليهِ مجموعُ جُمَلٍ) نحو: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ الآيةَ.
واعلم: أنَّ كلاًّ مِن مجموعِ الجُمَلِ والمُفْرَدَيْن المفصولِ بينهما قد يكونُ كلاماً، وقد لا يكون (٢).
ـ[وَمِنْهَا: مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ صِفَةُ الْمَعْنَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾، فَإِنَّ الإِبْهَامَ دَالٌّ عَلَى التَّفْخِيمِ.]ـ
(ومنها: ما يدلُّ عليه صِفةُ المعنى) أتى بالظاهرِ دون الضميرِ (٣) لأنَّ المعنى المدلول غيرُ الموصوف كما سيظهر (كقَولِهِ تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ فَإنَّ الإبهامَ) وهو صفةٌ للمعنى المُستعمَلةِ فيه (ما) أي:
стр. 96
شيءٌ أوحاه، وتوصفُ (ما) نفسُها أيضاً بالإبهام (دالّ على التفخيمِ) وهو معنىً، أي: تعظيم ذلك الشيء، فكأنَّ العبارةَ لا تحيط به تفصيلاً.
ـ[وَمِنْهَا: مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَذْفُ أللَّفْظِ، كَالْمَعْمُولِ.
وَمِنْهَا: مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَقْدِيمُهُ.
وَمِنْهَا: غَيْرُ ذَلِكَ.]ـ
(ومنها: ما يدلُّ عليه حذفُ اللفظِ كالمعمولِ) في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ فإنَّ حذفَه يدلُّ على العموم، أي: كلَّ أحدٍ.
(ومنها: ما يدلُّ عليهِ تقديمُه) أي: تقديم اللفظِ، نحو: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فإنَّ تقديمَ المعمولِ للحصرِ، أي: لا نعبُدُ إلاَّ إيَّاكَ.
(ومنها: غير ذلك) كالدوام المأخوذِ من اسميَّةِ الجملةِ، نحو: الحمدُ لله، والتجدُّدِ المدلولِ لِفعليَّتِها، نحوَ: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾، والحصرِ مِن تعريفِ طرفيْها، وغير ذلك مما لو استُقْصِيَ ..
قُصِيَ، حتى إنَّ كيفيةَ التكلُّمِ تدلُّ على المعاني عُرفاً.
ألا ترى أنك إذا نطقتَ بقولكَ: (جاءَ زيدٌ) مُستفهِماً .. أتيتَ به على غيرِ وجهِ الإخبارِ؟
وأما غيرُ النُّطق من الدوالِّ .. فلا ينحصرُ أيضاً.
стр. 97
ـ[وَالْعِلْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِالأَوَّلِ وَالثَّانِي: تَصَوُّرٌ وَبِغَيْرِهِمَا:
تَصَوُّرٌ وَتَصْدِيقٌ.
وَيَنْقَسِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ إِلَى: مَنْطُوقٍ وَمَفْهُومٍ.]ـ
(والعلمُ المُتعلِّقُ بالأولِ) المُفْرَد (والثاني) أرادَ به المُركَّبَ بِقِسْمَيْه (١) (تَصَوُّرٌ) ليس إلا.
إن قلتَ: إن المفردَ كـ (نعم) قد يكون للتصديق.
قلت: ذاك في التحقيقِ من كلامٍ مُقدَّرٍ بعدها (٢)، وقد شذَّ ابن طلحةَ فجعلَ حرفَ الجوابِ كلاماً مُفْرداً (٣).
(وَبِغَيْرِهما تَصَوُّرٌ) تارةً (وتَصْدِيقٌ) أُخرى.
إن قلتَ: من الغيرِ: الكلامُ (٤)، ولا يكون إلا تصديقاً.
стр. 98
قلت: الكلامُ الإنشائي لا تصديقَ فيه، على أنَّ التصديقَ لا بُدَّ معه من تصوُّر، فَلْيُتَأَمَّل.
(وَينقسمُ) المعنى (مِنْ وَجْهٍ آخرَ إلى منطوقٍ) وهو: ما دلَّ عليه اللفظُ مِنْ حيثُ استعمالُه فيه، كدلالة: ﴿لَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ على حُرْمةِ التأفيف.
(وَمَفْهُومٍ) وهو: ما دلَّ عليه اللفظُ لا في محلِّ النُّطْقِ، كدلالة الآية على حُرمةِ الضرب.
وتقسيمُه إلى موافقةٍ ومخالفة، وبيانِ أقسام كلٍّ، وما يتعلَّقُ بذلك .. مسطورٌ في الأصول.
***
стр. 99
(بَابُ الْآدَابِ وَنَحْوِهَا)
ـ[اِعْلَمْ: أَنَّ فَهْمَ الْمَعَانِي الَّتِي تَحْتَ الأَلْفَاظِ يَتَوَقَّفُ عَلَى: مَعْرِفَةِ مَوْضُوعَاتِ الْمُفْرَدَاتِ، لُغَة، وَشَرْعاً، وَاصْطِلاَحاً. وَمَعْرِفَةِ الْعَامِلِ، وَكَمْ لَهُ مِنَ الْمَعْمُولاَتِ.]ـ
(اعلمْ: أن فَهْمَ المعاني التي تحتَ الألفاظِ) يعني: معانيَ الكلام التركيبيَّة (يَتوقَّفُ على معرفَةِ) هذا معَ تعبيرِه أولاً بالفهْمِ تفنُّنٌ (مَوْضُوعاتِ المُفْرَدَاتِ) جمعُ موضوعٍ، فإنَّ وصفَ غير العاقلِ يَنْقاسُ بالألفِ والتاء كما مرَّ (١).
وأصلُه من الحذفِ والإيصال، أي: الموضوعُ له، وظاهرٌ توقُّفُ الكل على أجزائه.
(لُغةً، وشرعاً، واصطِلاحاً) تمييزٌ لنسبةِ الوضعِ، أو بنزعِ الخافضِ، و (الواوُ) بِمعنى (أو)، فإنَّ التوقُّفَ على الواحدِ المقصود الفهم فيه، وأرادَ بِـ (الاصطلاحِ) ما عدا الشرع.
(و) يتوقَّفُ أيضاً على (معرفَةِ العاملِ و) معرفةِ جوابِ (كَمْ له مِن المعمولاتِ).
стр. 100
ـ[فَإِذَا أَرَدْتَ فَهْمَ كَلاَمٍ .. فَانْظُرْ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْ حَيْثُ: مَعْنَاهَا، وَكَوْنُهَا عَامِلَةً أَوْ مَعْمُولَةً.]ـ
(فإذا أردْتَ فَهْمَ) معنى (كلامٍ .. فانظُر في كلِّ كلمةٍ مِنْ حيثُ: معناها) في اصطلاحِ هذا المتكلِّم، إنْ نحْوِياً، وإنْ شرعياً، فإنْ لم يدُلَّكَ دليلٌ على اصطلاحٍ .. فاللُّغَةُ.
(وكونُها عاملةً أو معمولةً) لعاملٍ لفظي أو معنوي، وقد يجتمعُ كونها عاملةً ومعمولة، وقد ينفرِدُ كونها معمولةً أو عاملة.
الأولُ: كالمُبْتدإ، بناءً على أنه عاملُ الخبرِ.
والثاني: كالخبر في نحوِ: هذا غلام.
والثالث: نحو ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ بناءً على الصحيحِ من أنَّ أسماءَ الأفعال عاملة غير معمولة، لا أنها مُبتدأٌ أغنى مرفوعُها عن الخبر، ولا مفاعيلُ مُطلقة مُقَدَّرٌ لها عاملٌ مِن معناها (١).
وقد تكون لا عاملةً ولا معمولة كـ (سوفَ).
أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ فإنَّ قولهم (١): ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ معمولٌ لـ ﴿تُؤْمِنُوا﴾ أي: لا تُقِرُّوا بإيتاءِ أحدٍ كتاباً مثلكم إلا لمن لا يفارقُ دينكم، أو كراهة إيتاءِ أحدٍ شهرةَ دين كدينكم، وجملةُ ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ اعتراضٌ.
(أو يتقدَّمُ المعمولُ) نَحوَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ و، (فلا بدَّ مِنْ مزيدِ التأمُّلِ) لئلا يتوهَّمَ حذف المعمولِ حينئذٍ، أو يُظنّ ما ليس معمولاً معمولاً.
ـ[وَقَدْ يَتِمُّ الْكَلاَمُ وَلاَ يَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى، فَيُنْظَرُ: فَإِنْ كَانَ فَسَادُهُ لاَزِماً .. رُدَّ.
وَإِنْ كَانَ لِعَدَمِ كَلِمَةٍ أَوْ أَكْثَرَ .. قُدِّرَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، وَلاَ يُزَادُ عَلَيْهَا.]ـ
(وَقَدْ يَتِمُّ الكلامُ) بأنْ تأخذَ العواملُ معمولاتِها والإسنادُ أركانَهُ (ولا يستقيمُ المعنى، فَيُنْظَرُ: فإنْ كانَ فساده لازِماً) لا يُمكن التخلُّصُ منه .. (رُدَّ) الكلامُ، ولا يصحُّ له مثالٌ في كلامٍ مُعْتبَر.
(وَإنْ كانَ) فسادُه الظاهري (لِعدمِ كلمةٍ أوْ أكثر .. قُدِّرَ بِحَسَبِ
стр. 103
الحاجةِ، ولا يُزادُ عليها) فإنَّ الحذْفَ تكلُّفٌ ينبغي تقليلُهُ مهما أمكنَ، فيقال في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ التقدير: واسألْ أهلَ القريةِ، لا أهلَ تلكَ القرية.
ـ[وَإِذَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ أَكْثَرَ مِنْ مَعْنَىً، وَبَعْضُهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ دُونَ غَيْرِهِ .. فَمَا لاَ يَحْتَاجُ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ مَا يَحْتَاجُ إلَى أَقَلَّ مِنْ غَيْرِهِ.]ـ
(وَإذا احتمَلَ اللفظُ أكثرَ منْ معنىً، وبعضُهُ) أي: بعض ما ذكرَ من الأكثر من معنى (يحتاجُ) يعني: اللفظ إذا حُمِلَ عليه (إلا تقديرٍ دونَ غيرِهِ .. فما لا يحتاجُ أَوْلَى) ظاهرُهُ: ولو كانَ معنىً مجازياً، كَكونِ القريةِ عبارة عن أهلها، فيكون مارّاً، على أنَّ المجازَ المُرْسَلَ أَولى مِن المجازِ بالحذفِ.
(وكذلك ما يحتاجُ إلى) تقديرٍ (أقل مِنْ غيرِهِ) أي: أَولى مما يحتاجُ لأكثر.
ـ[وَإِذَا كَانَ اللَّفْظُ مُشْتَرَكاً .. نَظَرْتَ لِمَعْنَاهُ وَاحِداً وَاحِداً، فَمَا كَانَ مُنَاسِباً لِلْمَعْنَى .. حَمَلْتَهُ عَلَيْهِ.]ـ
(وإذا كانَ اللفظُ مُشْترَكاً) اشتراكاً لفظياً، كما هو المرادُ عند
стр. 104
الإطلاق .. (نظرْتَ لمعناهُ) الإضافةُ للجنسِ، يعني: لمعانيه (واحداً واحداً) هو على حَدِّ: باباً باباً، أي: واحداً فواحداً (فما كانَ مناسِباً) من معانيهِ (للمعنى) الذي سيقَ له الكلامُ، أو لأَنْ يكونَ مَعنياً من اللفظِ (حَمَلْتَهُ عليهِ).
وأشارَ للمشترَك المعنوي بقوله:
ـ[وَإِذَا كَانَ كُلِّي، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ جَمِيعَ الأَفْرَادِ الْمَوْجُودَةِ فَقَطْ، أَوِ الْمَوْجُودَةِ وَالْمُقَدَّرَةِ، أَوْ فَرْداً غَيْرَ مُعَيَّنٍ .. فَلاَ إِشْكَالَ.
وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ فَرْداً مَخْصُوصاً .. تُؤُمِّلَ الْمَعْنَى لِيَظْهَرَ، فَيُنْظَرُ فِي الأَفْرَادِ فَرْداً فَرْداً، فَمَا يَقْتَضِيهِ الْمَعْنَى .. فُسِّرَ اللَّفْظُ بِهِ.]ـ
(وإذا كان كُلي) هكذا مرسومٌ بلا ألفٍ، على لُغةِ ربيعة، فإنهم يُجيزون تسكينَ المنصوبِ وَقْفاً، أو أنه فاعل (١) (فإنْ كانَ المرادُ منه
стр. 105
جميعَ الأفرادِ الموجودةِ فقطْ، أو الموجودةِ والمُقَدَّرَةِ، أو فرداً غيرَ مُعَيَّنٍ .. فلا إشكالَ) حيثُ دلَّ الدليلُ على المرادِ من ذلك.
(وإنْ كانَ المرادُ فرداً مخصوصاً .. تُؤُمِّلَ المعنى) المَسُوقُ له الكلام (ليظهرَ) ذلك المخصوص (فيُنظرُ) بعد معرفةِ ما سيقَ له الكلام (في الأفراد فرداً فرداً، فما يقتضيهِ المعنى .. فسِّرَ اللفظُ بهِ) وقد يتَّضِحُ الدليلُ على تعيينِ المخصوص المراد ابتداءً، فلا إشكال.
ـ[وَاعْلَمْ: أَنَّ التَّفْسِيرَ:
إِمَّا بِالْمُطَابِقِ، وَإِمَّا بِاللاَّزِمِ، وَإِمَّا الْمِثَالِ.
وَقَدْ يَفْسُدُ الْمَعْنَى بِبَعْضِ الأَلْفَاظِ، لِاعْتِقَادِ كَوْنِهِ أَصْلِيّاً. فَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ صِحَّتِهِ أَوْ فَسَادِهِ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ لاَ يَأْتِي زَائِداً أَصْلاً .. فَالْمَعْنَى لاَزِمُ الْفَسَادِ، أَوْ لاَ .. فَالْمَعْنَى
صَحِيح وَاللَّفْظُ زَائِدٌ.]ـ
(واعلمْ: أنَّ التفسيرَ: إمَّا بالمُطابِقِ) وهو: ما وُضِعَ له اللفظُ.
(وإمَّا باللازمِ) لما وُضِعَ له، وكأنه أدرجَ التفسيرَ بالجزءِ، كتفسير الإنسانِ بالناطقِ في هذا، فإنَّ الجزءَ لازمٌ للكلِّ.
(وَإما المثال) جُزئياً كان، نحو: (الإنسان كزيدٍ)، أو مبايناً مشابهاً، نحو: (العلم كالنورِ).
стр. 106
(وَقدْ يَفْسُدُ المعنى) أي: يُعتقد فسادُهُ (ببعضِ الألفاظِ، لاعتقادِ كونِهِ أصلياً. فطريقُ معرفةِ صحتِهِ) في نفس الأمر (أو فسادِهِ: أنَّهُ إنْ كانَ) ذلك اللفظ (لا يأتي .. زائداً أصلاً .. فالمعنى لازمُ الفسادِ) ولا يقعُ ممَّن به اعتداد، وأراد المعنى الذي يقتضيه الكلام، فلا يقال: جاز صحة المعنى وفساد اللفظ باستعمال ما لم يسمع زائداً .. زائدٌ.
(أو لا) بأن كان يأتي زائداً .. (فالمعنى صحيح واللفظُ زائدٌ) كالكافِ في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وإلا .. فسدَ بثبوتِ المِثلِ، وقيل، مثل بمعنى وَصف وشأن، وقيل: من باب: مثلك لا يبخل، أي: فأوْلى هو، وقيل: يلزمُ من نفي مِثْلِ مثلِه نفيُ مثلٍ له، وإلا .. كان هو مثلاً لمثلِه، لأنه معلومُ التحقُّق، والغرضُ أنه لا مِثْلَ لمثلِه، فهو على حَدِّ: ليس لأخِ زيدٍ أخٌ، أي: لا أخَ لزيد.
ـ[وَإِذَا كَانَ اللَّفْظُ مَجَازاً .. نُظِرَ فِي هَذَا الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ مَعَانِي ذَلِكَ اللَّفْظِ، لِيُعْلَمَ الْمَعْنَى الْمُتَجَوَّزُ عَنْهُ، فَقَدْ يَكُونُ الْمُتَجَوَّزُ مَعْنَى حَقِيقِيّاً، وَقَدْ يَكُونُ مَجَازِيّاً، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ كُلٌّ مِنَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ وَالْمُتَجَوَّزِ عَنْهُ، وَقَدْ لاَ يَتَعَيَّنُ.]ـ
(وإذا كان اللفظُ مجازاً .. نُظِرَ في هذا المعنى المجازيِّ) أشارَ له لأنه في ضمنِ اللفظ (وغيرِهِ من معاني ذلكَ اللفظِ) التي يُسْتعمَلُ فيها،
стр. 107
وإنْ كان غيرَ موضوعٍ لها (لِيُعْلَمَ المعنى المُتَجَوَّزُ عنهُ) منها.
إنْ قلنا: هذا غيرُ محتاج للنظر في المعنى المجازي نفسِهِ .. قلتُ: بل يُحتاجُ له لتحقيقِ العلاقةِ بينهما (فقد يكونُ المُتَجَوَّزُ معنىً حقيقياً، وقدْ يكونُ مجازياً) بناءً على جوازِ المجازِ على المجاز (١)، حيثُ قَرَّ اللفظُ على المعنى بالعلاقةِ لا على منعه، بناءً على أنه أخْذُ الشيءِ من غير مالكه.
(وقدْ يتعيَّنُ كلٌّ مِنَ المعنى المجازيِّ) الآن، وهو المُتَبادَرُ من قوله سابقاً: " نظر في هذا المعنى المجازي " (والمُتَجَوَّزِ عنهُ) ولو مجازاً أوِّلَ كما علمتَ (وقدْ لا يتعيَّنُ) بأن يصلُح لأحد معنيين فأكثَر.
ـ[وَالتَّعَيُّنُ إِمَّا: لِقَرِينَةٍ، أَوِ اتِّحَادِ ألْمَعْنَى.
وَإِذَا كَانَ تَوَابِعُ .. فَلاَ بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَتْبُوعِهَا، وَلاَ بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي كُلِّ جُمْلَةٍ بَعْدَ النَّظَرِ فِي الْمُفْرَدَاتِ، لِيُعْلَمَ: أَيُّ الْجُمَلِ هِيَ.]ـ
(والتعينُ إما: لقرينةٍ، أو اتحادِ المعنى) لكن اتحاد المعنى المجازي عزيز حيثُ اكتُفيَ بسماع نوعِ العلاقة.
(وإذا كان) في الكلام (توابعُ .. فلا بُدَّ مِنْ معرفةِ مَتبُوعِها) وتدقيقِ
стр. 108
النظرِ فيما يلتبسُ منها، كالبدلِ وعطفِ البيان.
(ولا بُدَّ مِنَ النظرِ في كلِّ جُملةٍ) إنْ تعدَّدَتِ الجُمَلُ (بَعْدَ النَّظرِ في المُفْرَدَاتِ، لِيُعْلَمَ) جواب (أيُّ الجُمَلِ هيَ) ألَها محلٌّ مِن الإعرابِ أو لا، وعلى كلٍّ، فَمن أيِّ نوعٍ، كالصفةِ والصِّلَةِ.
ـ[وَقَدْ يَصْعُبُ فَهْمُ الْكَلاَمِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي اخْتِصَارِهِ، فَالَّذِي يُعِينُ عَلَى فَهْمِهِ مُطالَعَةُ الْمَبْسُوطَاتِ، وَلاَ يَقْتَصِرُ عَلَى مُطَالَعَةِ مُصَنَّفٍ أَوْ مُصَنَّفَيْنِ مَثَلاً، فَقَدْ يُهْمِلُ بَعْضُ ألْمُصَنِّفِينَ قُيُوْدَ الْمَسَائِلِ.]ـ
(وَقدْ يصعُبُ فهمُ الكلامِ منَ المُبالَغةِ في اختصارِهِ، فالذي يُعينُ على فهمِهِ مُطالعةُ المَبْسُوطاتِ) ويدخلُ فيها شروحُهُ.
(ولا يقتَصِرُ على مطالعةِ مُصَنَّفٍ أو مُصَنَّفَيْنِ مثلاً) ومِن هذا القبيل: لا يقتصرُ على شيخٍ أو شيخين، أو عِلْمٍ أو عِلْمَين، ورُبَّ شيخٍ إذا اجتمعَ طالبُهُ بغيرِهِ. تغيَّرَ عليه، فإنا للهِ وإنا إليه راجعون!!
نعم، لا يُقصد إلا أهلُ الفضل العارفون.
(فقد يُهْمِلُ بعضُ المُصَنِّفِينَ قُيُودَ المسائلِ) أو يُخطىءُ فيها، فيسلِّم الآخر.
كالخالِ، أُطلق على المعنى لأن الفكر فيه يصاحبُ الأول، أو لمشابهته الثاني في الحُسْنِ.
(والدَّقائقِ) عطفٌ عامٌّ من وجهٍ، فقد تكون النكتةُ غيرَ دقيقةٍ، كما أن الدقيقَ يكون غيرَ نكتةٍ، كالاعتراضِ.
(التي يتنافسُ) أي: يتغالب، فإنَّ المُغالِبَ يبذلُ النفيسَ لتحصيلِ مُرادِه (فيها العلماءُ، ويتفاوتُ فيها الأذكياءُ، ويتسابقُ فيها الفُرْسانُ (استعارَهُم للنُّظَّارِ (ويتغالبُ بها في الميدانِ) الباءُ بمعنى (في)، ولم يُعبِّر بـ (في) بعداً عن تعلُّقِ حرفينِ مُتَّحِدَيْن بعاملٍ (١)، أو أنه شبَّهها بالسلاحِ أو الخيلِ، ولا يخلو الكلامُ عن تَكرارٍ للتأكيد.
(فطريقُهُ بَعدَ الاعتمادِ على فضلِ اللهِ تعالى) خصَّ هذا بهذا لمزيدِ الاعتناء، وإلاَّ .. فلا بُدَّ من الاعتمادِ عليه في كلِّ شي؟.
ـ[أَنْ يُكَرِّرَ إِخْطَارَ الْمَعْنَى فِي ذِهْنِهِ حَتَّى يَأْلَفَهُ، وَيُحَرِّكَ ذِهْنَهُ فِي الْمَعَانِي الْمُنَاسِبَةِ، وَيَنْظُرَ إِلَى السِّيَاقِ، وإِلَى مَجْمُوعِ الْجُمَلِ، وَصِفَاتِ الْمَعَانِي، كَالإِبْهَامِ، وَتَقْدِيمِ الْمَعْمُولِ، وَحَذْفِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا بَيَّنَهُ الْعُلَمَاءُ.]ـ
(أن يُكرِّرَ) مُريدُ ذلك (إخطارَ المعنى في ذهنِهِ) أراد بالتكرار