← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

على غير هذا الوضع فليس على وضع المشروعات (١). وقال صاحب المحيط: وضابط الحيلة إن كانت للفرار من الحرام والتباعد من الإثم فحسن، وإن كانت لإبطال حق مسلم فلا. بل هي إثم وعدوان. وقال ابن القيم في الحيلة: هي المخادعة أو المراوغة بإظهار أمر جائز ليتوصل به إلى أمر محرّم (٢). وذهب ابن قدامة إلى أن الحيل كلها محرّمةٌ غير جائزة في شيء من الدين، ومثّل لذلك بقوله: كأن يظهر عقداً مباحاً يريد به محرّماً مخادعة وتوسلاً إلى ما حرم الله، واستباحةِ محظوراته، أو إسقاط واجب، أو دفع حق أو نحو ذلك (٣). وبمثل هذا التعريف عرّفها شارح الاقناع وصاحبُ منتهى الإرادات. والحيل المحرّمة عبارة عن تصرّف مشروع لا يقصد به المتصرّف حقيقتَه وحكمَه الذي وضَعه الشارع له، بل يقصِد التصرّف المحرّم وقلب الحكم الشرعي. وختام ما نورده من تعاريف الحيلة تعريفُ الإمام الأكبر لها بقوله: هي إبراز عمل ممنوع شرعاً في صورة عمل جائز، أو إبراز عمل غير معتدّ به شرعاً في صورة عمل معتدّ به، لقصد التفصّي من مؤاخذته. والتحيّل من هذا القبيل هو الذي يتوصّل له إلى مقصد ذميم. وهو شرعاً ما كان المنع فيه شرعياً والمانع الشارع (٤).

стр. 1017

أنواع التحيّل: التحيّل، من حيث أنه يُفيتُ المقصد الشرعي كلَّه أو بعضَه، أو لا يفيته، يمكن بالاستقراء أن نردَّه إلى خمسة أنواع. قال الشيخ ابن عاشور: النوع الأول: تحيّل يفيت المقصد الشرعي ولا يعوّضه بمقصد شرعي آخر. وذلك بأن يتحيّل بالعمل لإيجاد مانع من ترتّب أمر شرعي. فهو استخدام للفعل لا في حالة جعله سبباً بل في حالة جعله مانعاً. وهذا النوع لا ينبغي الشك في ذمَّه وبطلانه، ووجوب المعاملة بنقيض مقصِد صاحبه إن اطلع عليه. النوع الثاني: تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه ينقل إلى أمر مشروع آخر، أي استعمال الشيء باعتبار كونه سبباً. فإن ترتّب المُسبب على سببه أمر مقصود للشارع. ومثله هذا الانتقال من سبب حكم إلى سبب حكم آخر، في حين يكون المكلف مخيّراً في اتباع أحد السببين. فعلم أن أحدَهما يكلفه مشقةً فانتقل إلى الأخفّ. وهذا النوع جائر على الجملة لأنه انتقال من حكم إلى حكم، وما فوّت مقصداً إلا وقد حصّل مقصداً آخر. وتختلف في ذلك الأمثلة. النوع الثالث: تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه يسلك به أمراً مشروعاً هو أخفُّ عليه من المنتقَلِ منه. وأمثلة هذا تدلّ عند الشيخ ابن عاشور على أن هذا ألصق بمقام الترخّص إذا لحقت المكلف مشقةٌ من الحكم المُنتقَل منه. وهذا أقوى من الرخصة المفضية إلى إسقاط الحكم من أصله. النوع الرابع: تحيّل في أعمال ليست مشتملة على معانٍ عظيمة مقصودة للشارع. وفي التحيّل بها تحقيق لمماثل مقصد الشارع من تلك الأعمال. وهذا كتحيّل من صدرت منه يمين لا يتعلق بها حق

стр. 1018

الغير، فإنّ البر باليمين في حقّه هو الحكم الشرعي. والمقصد المشتمل عليه البر هو تعظيم اسم الله تعالى الذي جعله شاهداً عليه ليعمل ذلك العمل. فإن ثقل عليه البرّ فتحيل للتفصّي من يمينه بوجه يشبه البر، فقد حصل مقصود الشارع من تهيّب اسم الله تعالى. وللعلماء في هذا النوع مجال من الاجتهاد. فمذهب مالك لزوم الوفاء وإلّا حنث، ومذهبُ فخر الإسلام أبي بكر الشاشي فيما نقله عن ابن العربي أن لا حنث عليه إذا تحيّل مثلاً بتغيير يُلحقه بثوبه. وقد حلف ألا يلبس هذا الثوب .. وكان بعض الحنفية يفتي من حلف ألّا يدخل الدار بأن يتسوّرها وينزل من باب سطحها. وهذا بالنسبة للأعاجم لأن الدخول عندهم مقصور على الدخول العادي. النوع الخامس: تحيّل لا ينافي مقصد الشارع. وهو يعين على تحصيل مقصده ولكنّ فيه إضاعة حق لآخر أو مفسدة أخرى (١). وما من شك في أن الحيل المحرّمة هي كما صوّرها ابن القيم من مكائد الشيطان التي كاد بها الإسلامَ وأهلَه. فإن الحيلة متى تضمّنت تحليل ما حرّم الله، وإسقاطَ ما فَرَضَه، ومضادتَه في أمره ونهيه، لا تكون إلا باطلة. وهذا ما اتفق السلف على ذمّهِ وصاحوا بأهله من أقطار الأرض. ويؤكد هذا التصوّر ما بنيت عليه الشريعة الإسلامية من سماحة ورفق وعدل ووفاق. وهذا دليل كمالها وعظمتها. فهي الصراط المستقيم الذي لا أَمْتَ فيه ولا عوج، وملته الحنيفية السمحة التي لا ضيقَ فيها ولا حرج، بل هي حنيفيةُ التوحيد، سمحةُ العلم لم تأمر بشيء فيقول العقل: لو فهمت عنه لكان أوفق، ولم تنه عن شيء فيقول الحِجا: لو أباحته لكان أرفق،

стр. 1019

بل أمرت بكل صلاح، ونهت عن كل فساد، وأباحت كل طيب، وحرمت كل خبيث (١). ومثل هذا التأكيد يحمل الناظر على التوقّف في أمر التحيّل المختلفةِ أنواعُه، المتباينةِ أغراضُه. كما يحمل على النظر في الذرائع، وما يكون بها من شدّة في إبطال كثير من الأعمال الجائزة والمباحة. ولا يتجلّى لنا هذا إلا باتباع النظر في التحيّل بالنظر في الذرائع. وفرّق د/ محمود حامد عثمان بين التحيّل وسد الذرائع بقوله: إذا كانت الحيلة عبارة عن تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، وكانت الذريعة هي ما كان ظاهره الإباحة ويُتَوصَّلُ أو يمكن أن يُتَوصَّل به إلى محظور، يتضح لنا أن الذرائع والحيل قاعدتان متشابهتان، والكلام فيهما متداخل. وهما يلتقيان أحياناً ويفترقان أخرى. ولهذا التداخل حُمل مَن كتب عنهما على التكلم على إحداهما أثناء كلامه على الأخرى. وعلى أن يستدل لإحداهما بأدلة الأخرى (٢). وقال الشيخ ابن عاشور: للذرائع تعلّق قوي بمبحث التحيّل، إلا أن التحيّل يراد به إعمال بعض الناس في خاصّة أحواله للتخلّص من حق شرعي عليه، بصورة هي أيضاً معتبرة شرعاً حتى يظن أنه جار على حكم الشرع. وأما الذرائع فهي ما يفضي إلى فساد سواء قصد الناس به إفضاءه إلى فساد أم لم يقصدوه، وذلك في الأحوال العامة. فحصل الفرق بين الذرائع والحيل من جهتين: جهة العموم والخصوص، وجهة القصد وعدمه.

стр. 1020

والحيل المبحوث فيها لا تكون إلا مبطلة لمقصد شرعي، والذرائع قد تكون مبطلة لمقصد شرعي من الصلاح، وقد لا تكون مبطِلة (١). وبيان الفرق بين الحيلة والذريعة يحصل بأربعة أمور هي: أولاً: إن الحيل قد تكون للتخلّص من قواعد الشريعة كما هو ظاهر من تعريفها. ثانياً: الحيل تجري في العقود خاصة، والذرائع في العقود وغيرها، فهي أوسع (٢). ثالثاً: اشتراط القصد في الحيل، وعدم اشتراطه في الذرائع. فمتى وجد القصد في الذريعة فهي حيلة، ومتى عدم فهي ذريعة. فقد تجتمع الحيلة والذريعة. وقد يفارق كل منهما الآخر كما مرّ. فمثال ما كان ذريعةً سبُّ الأوثان عند من يعلم من حاله أنه يتجرأ فيسبّ الله. ومثال ما كان حيلة وليس ذريعة ما يحتال به من المباحات في الأصل كتفويت النصاب قبل الحول تخلّصاً من الزكاة. رابعاً: اجتماع الذريعة والحيلة: كشراء البائع السلعة من مشتريها بأقل من الثمن المستحق وما شابه ذلك (٣). * * * * *

стр. 1021

الباب السابع توجه الأحكام التشريعية إلى المعاملات وتعيين الحقوق لأنواع مستحقيها

стр. 1022

توطئة يتميز القسم الثالث من كتاب المقاصد بدراسة أغراض ومسائل لم يلتفت إليها في جملتها مَن سبق إلى بحث المقاصد والمصالح. وصرف الشيخ إليها كامل عنايته. وهي: (١) المعاملات في توجه الأحكام التشريعية إليها، والحقوق وتعيين أنواعها لأنواع مستحقيها. (٢) مقاصد أحكام العائلة، والأسرة، وتفصيل الكلام في أواصر النكاح والنسب والقرابة، والصهر، وطرق انحلال هذه الأواصر. (٣) مقاصد التصرّفات المالية وتشمل قضايا المال، والملك والتكسب، والإنتاج ووسائل الاستثمار من أرض وعمل ورأس مال، والمعاملات المالية، والنقود وما يتعلق بكل العقود من أسباب الصحة والفساد، وضمان المصالح التي من أجلها وضعت، والحكَم التي عليها انبنت. (٤) مقاصد الشريعة في المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان. (٥) واجبات العمال وحقوقهم. (٦) مقاصد أحكام التبرّعات، وهي أربعة. (٧) مقاصد أحكام القضاء والشهادة، والقصد من العقوبات.

стр. 1023

الفصل الأول: الحقوق وأنواعها الحقوق واحدها الحق. وهو لغة مقابل الباطل. ويراد به النصيب، والواجب، واليقين. وحقوق العقار مرافقه. والحق في الاصطلاح: الحكم المطابق للواقع، ويطلق على الأقوال من العقائد والأديان، والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك. وقيل الحق: هو الواجب الثابت. وهو قسمان: حق الله، وحق العباد. فحق الله هو ما يتعلّق به النفع العام للعالَم من غير اختصاص بأحد. فينسب إلى الله لعظيم خطره وشمول نفعه. وهو كما قال ابن القيم: ما لا دخل للصلح فيه كالحدود والزكوات والكفارات ونحوها. وحق العبد ما تعلقت به مصلحة خاصّة له كحرمة ماله. قال صاحب إعلام الموقعين: حقوق العباد هي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها (١). ونوّع القرافي الحق إلى نوعين: حق الله تعالى وهو أمره ونهيه،

стр. 1024

وحق العبد وهو مصالحه. وفرّع التكالف المبنية على هذا الحق إلى ثلاثة: (١) حق الله وحده كالإيمان وتحريم الكفر به سبحانه. (٢) حق العبد كالديون والأثمان. (٣) حق مختلف فيه لاشتماله على النوعين معاً. وذلك بأن يكون مما غلب فيه حق الله، أو مما غلب فيه حق العبد كحد القذف. وحق العبد المحض قابل للإسقاط إن أسقطه صاحبه. وينبغي التنبيه إلى أنه ما من حق للعبد إلا وفيه حق لله. وهو أمره بإيصال ذلك الحق إلى صاحبه (١). وقسم ابن رجب حقوق العباد خمسةَ أقسام هي: ° حق الملْك. ° وحق التملك. ° وحق الانتفاع. ° وحق الاختصاص. ° وحق التعلّق لاستيفاء الحق مثل تعلّق حق المرتهن بالرهن (٢). وفي هذا يقول الإمام الأكبر في تقسيم الحقوق:

стр. 1025

أولها: ما يعرف بحق الله. وهو أوسع الحقوق. والمراد به بوجه عام حقوق الأمة ليحصل لها النفع العام أو الغالب، أو حقّ من يعجز عن حماية حقه. وما كان في الحقوق من هذا القبيل مأمور بحفظه وحمايته شرعاً، ولم يجعل لأحد إسقاطه؛ لأنه مما قضت الشريعة بحفظه كتصرّفات الناس في اكتساب مصالحهم وحمايتها من الانخرام. وهذا كحق بيت المال، والقاصر، وحضانة الصغير الذي لا حاضن له. ثانيها: حقوق العباد كالتي قدمنا في التقسيم الأول للمقاصد. وهي التصرّفات التي يجلبون لهم بها المصالح، ويدرؤون بها عنهم المفاسد، دون أن يفضي ذلك إلى انخرام مصلحة عامة أو جلب مفسدة عامة، ولا إلى انخرام مصلحة شخص أو جلب مصلحة له أو جلب مضرّة له في تحصيل مصلحة غيره. وحقوق العباد هي الغالب. وثالثها: حال اقتران الحقّين: حق الله أو الحق العام، وحق العبد، كما في القصاص والقذف والاغتصاب. ويغلب في هذا حقُّ العبد، إذا لم يُمكن تدارك حق الله كما في عفو القتيل عن قاتله عمداً، لأن حق الاستحياء الذي حرّم لأجله القتل وبولغ في التهديد عليه قد فات، فرجح حق العبد على حق الله، ولا يبقى منه سوى أثر قليل هو ضرب القاتل المعفوّ عنه مائة، وحبسه عاماً (١). تعيين مستحقي الحقوق يرفع أسباب النزاع: ومن المقاصد الشرعية المعتبرة نصب الحكام، ووضع الأحكام لرفع أسباب التواثب والتغالب. وتعيين مستحقي الحقوق خيرُ طريق لتحقيق هذا القصد وهو أمر لم يكن موكولاً للصدفة ولا إلى الإرغام، ولكن إلى الفطرة والعدل. وهو ما لا تجد النفوس عنه

стр. 1026

حولاً، ولا معه نفرة، ولا في التسليم والخضوع له هضيمة. وفي هذا الغرض يطول الكلام. وقد أتى الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور، بأصول الاستحقاق وجماع أصول تعيين الحقوق وجعَلهَا نوعين؛ لأنها كما تقدم إما أن تكون من قبيل التكوين، وإما من قبيل الترجيح (١). والمراد من التكوين أصل الخلقة بأن ينشأ الحق مع تكوين صاحبه مقارناً له. والترجيح هو إظهار أولوية جانب على آخر في حق ما هو صالح لجانبين فأكثر. وطريق ذلك إما حجة العقل الشاهد بالرجحان، وإما الحجّة المعتمدة في الجملة بين الناس. فإن لم يكونا فإنه يصار إلى مرجّحات اصطلاحية مثل كبر السن، والسبق إلى تحصيل الشيء، والقرعة بحسب قوّة موجب تعيين أصحاب الحقوق. أصحاب الاستحقاق: فصّل صاحب مقاصد الشريعة الإسلامية أصحاب الاستحقاق إلى تسعة مراتب متوالية تدريجياً لما بينها من تفاوت. المرتبة الأولى: أن يكون الحق أصلياً مستحقاً بالتكوين وأصل الجبلة. وهو حق المرء في تصرّفات بدنه وحواسّه ومشاعره. ويلحق به نسل الأنعام المملوكة لأصحابها، وثمر الشجر، ومعادن الأرضين، وكل ما تولد من شيء ثبت منه حق معتبر. المرتبة الثانية: ما كان الحق فيها قريباً من المرتبة الأولى، ولكنه يخالفها لما به من شائبةِ تواضعٍ، دعت إلى اصطلاح نظام الجماعة أو الشريعة عليه، كحق الأب في أولاده.

стр. 1027

المرتبة الثالثة: أن يكون المستحق وغيره سواء في إمكان تحصيل الحق، غيرَ أن بعض المستويين في ذلك قد سعى بجهد، وعمل بيده أو بدنه أو بابتدار لتحصيل الشيء قبل غيره. المرتبة الرابعة: أن يكون الطريق إلى نوال الشيء هو الغلبةُ والقوةُ كما في القتال على الأرض، والغارة على الأنعام، والأسر والسبي في الاسترقاق، والجهاد والمغانم. المرتبة الخامسة: هي حق السبق الذي لم يصحبه جهد في تحصيل الحق كمقاعد الأسواق للباعة، ومقاعد المتسوّقين والمجالس في المساجد، والسقي من السيح والأودية، وتزوج ذات الوليين، وترجيح الزوج الذي سبق بالبناء بالمرأة على الزوج الآخر، ومثل الالتقاط ونحوه. المرتبة السادسة: أن يكون المستحق قد نال الحق بطريق ترجيحه على متعدد من المستحقين في مراتب أخرى، كجعل حضانة الأولاد حقاً للأم دون الأب، وكالنظر في مال القُصَّر للأب وغير ذلك. ولحقوق هذه المرتبة أمثلة كثيرة يخضع الاستحقاق فيها للجانب المرجَّح. المرتبة السابعة: نوال الحق ببذل عوض في مقابلته، يدفع إلى صاحب الحق إرضاء له. وهذا من التعاوض فيما يقبل التعويض. وهذه المرتبة أوسع المراتب وأشهرها في نظام الحضارة الإنسانية. المرتبة الثامنة: نوال الحق بعد انقراض مستحقه من أقرب الناس إليه وأولاهم بأخذ حقوقه. وهذا هو نظام الإرث الذي حدد الشارع فروضه على اعتبار القرابة الأصلية العائلية دون النظر إلى صلات الود ونحوه. وقد حصر الإسلام حق الإرث في النسب والزوجية والولاء، وجعله في المتموّلات خاصة.

стр. 1028

المرتبة التاسعة: مجرد المصادفة دون عمل أو سعي. وفيما قدمنا ذكره تعريف بالحقوق، وتقسيم لها، وتعيين لأصحاب الحقوق، ورفع لأسباب التنازع بينهم، وترتيب لأصحاب الاستحقاق فيما بينهم أقره الاستقراء بحسب ما يكونون عليه من تفاوت في الدرجة (١). وعقب المؤلف على هذا بتنبيهات ثلاثة هي: أولاً: أن يكون صاحب الحق فرداً واحداً، أو متعدداً محصوراً، أو متعدداً غير محصور تجمع أصحابه أوصافٌ مشتركة بينهم: كأفراد الجيش، والفقراء، وطلَبة العلم، وبيت المال. وربما آل التصرّف مع بعض هذه الأصناف إلى اتخاذ أمناء على استعمال الحق المشترك. ثانياً: سلب الحق، عمّن يتبين أنه غيرُ أهلٍ له مقصدٌ شرعي. ويرجع هذا إلى المراتب التي وصفناها، أو إلى سلب الحق لأجل ترجيح جانب من المستحقين على جانب آخر، كما في المرتبة السادسة، أو يكون سلبه لأجل ثبوت حق آخر كما في المرتبتين الثالثة والرابعة. ثالثاً: عدم جواز نزع الحق ممن يستحقه إلا لضرورةٍ تقيم مصلحة عامة، كأخذ أرض للحمى، أو لِدفعه في قضاء آخر انتفع به المنتزع منه كبيع القاضي ريع المدين، أو لحقًّ مرجَّحٍ كالشفعة (٢). حقوق العمال: وإذا كان للعمال في هذا العصر دور أي دور في تحقيق النمو

стр. 1029

والثروة سواء في المجالات الضيقة أو الواسعة في المجالين العمراني والاقتصادي، فإن الواجب يفرض علينا أن نعرِف حقهم، ونجزيهم الجزاء الأوفى عن أعمالهم. فمن يرجع إلى توجيهات الإمام ابن عاشور في ذلك وسياسته التعاونية والاجتماعية يسرع دون شك إلى الاستجابة لله وللرسول فيما قضى به كل منهما من أداء حقوق العمال وإعطائهم أجورهم من غير تأخير أو مطل. فأجرة كل عامل على عمله، ولو كان من العاملين على الصدقات يجمعها. فقد منح الله هؤلاء العمال أجراً في كتابه إذ يقول: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾. وهذا في الواقع من باب مكافأة العامل على عمله. والأصل في هذا أن يكون الأجير كفؤاً للعمل، وأن يكون تقدير أجرته بما وقع عليه الاتفاق بين الطرفين. فإن أعوز ذلك كان تقدير الأجرة للحاكم وبتحكيم أجر المثل. ويستحق الأجيرُ العاملُ أُجْرَتَهُ عند الفراغ من عمله، أو بإثر قيامه بما وجب عليه فيه. وهكذا يستوفي حقه كاملاً. ولا يؤخذ منه أو يقطع من أجرته ما أكله بالمعروف. فإن العادة أن العامل يأكل من ثمرة الوقف، حتى ولو اشترط الواقف منعه من ذلك. والمراد بالمعروف هنا ما عناه عمر بن الخطاب ﵁ حين وقف أرضه التي بخيبر من قوله: "ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقه غير متمول مالاً" (١). والمعروف ليس الأخذ من المال بقدر أجرته على العمل، فإن

стр. 1030

هذا يرفضه الواقع ويمنع منه الحق والعدل. وأنَّ المعروف كما فسّره القرطبي: "هو القدر الذي يمنع الشهوة" (١). وإنما فرضت الأجور على أصحاب الأعمال قِبل أُجرائهم، للنصوص الكثيرة التي تستوجب كفالة ما لهم من حقوق بينهم. فإن الأجرة مقدار من المال يسعى له العامل للقيام بضروراته المعيشية والاجتماعية. ومن تباطأ في إعطاء العامل حقه أو سوّفه أو ماطله فقد أثم لاستيفائه منفعته بغير عوض، فكان أكلُه لها باطلاً، واستخدامه للعامل بغير أجرة استعباداً. والأصل في مراعاة حق العامل على أوسع الوجوه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٢)، وقوله جل وعلا في حديث قدسي: "يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً فلا تظالموا" (٣)، وجاء تأكيدُ هذا وبيانهُ في الحديث القدسي الآخر متوعداً الظلمة بقوله: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره" (٤).

стр. 1031

القواعد العامة لقيام المجتمعات الإنسانية: ولا بأس أن نشير عقب هذا البيان إلى جملة من القواعد العامة التي تحكم المجتمعات الإنسانية، والتي لها علاقة بميدان العمل وبالتصرّفات العامة والخاصة بين أفراد المجتمع ككل، فمن ذلك: (١) أن حقوق العباد تضمَنُها التصرّفات الكريمة والأخلاقية التي تجلب لهم المصالح وتدرأ عنهم المفاسد. (٢) أن من حكمة التشريع ألا توصد في وجوه العاملين بأموالهم أو بأبدانهم الطرق السليمة المثلى التي يستوجبها الحق والعدل. ولزوم الغض عما يتطرّق ذلك من مخالفة للتشريعات، مما بنيت عليه أحكام المعاملات المالية في المعاوضات. (٣) اعتبار الحاجة إلى التعاون بين الأطراف كلها في مجالات العمل والإنتاج أكيدة. فالعامل مثلاً لا قدرة له على التمويل، وصاحب المال ليس ذا خبرة للقيام بمشروعاته وإنجازها على الوجه الكامل. ومن ثم تكثر وتتعدد الدوافع عند الطرفين حاملة لهما على التشارك والتعاون. فالعملةُ إن حرموا مساعدة أصحاب الأموال، وأصحابُ الأموال إن لم يجدوا من يخدمهم أو يقوم بمشاريعهم، تَلِفت أموالهم وضاعت منهم فرص الإنتاج. ولكون ذوي المال أقدر على التماسك أمام التطورات والشدائد لزم أن تكون معاملاتهم للعمال خالية من التحيّل والاستغلال، بقدر ما تكون علاقة العمال خالية من الحَسَدِ والغِش وإضاعة الأوقات مما يفسد أعمالهم ويحول بينهم وبين الوفاء بواجباتهم. وقد أوصت الشريعة الإسلامية، طبق مبادئها وأصولها، بالتحرّز عما يثقل العامل من العقود. وذلك لكي لا يستغلّ رب المال

стр. 1032

اضطرار العاملِ إلى التعاقد، فينتهز ذلك ويتجاوز في أرباح نفسه. وقد علل الفقهاء إعطاء الأجير أجره، قبل أن يجفّ عرقه من غير تأخير ولا نَظْرة ولا تأجيل، بشدة حاجته إلى الانتفاع بعوض عمله، إذ ليس له في الغالب موئل مال. كما جوّزوا تنفيل العملة فيما يبرمونهُ من عقود بمنافع زائدة مما يقتضيه العمل، ولا يُنفّل بمثل ذلك صاحبُ المالِ أو صاحبُ العمل. وقصد الشريعة من هذه التصرّفات والتوجيهات الحياطة لجانب العَمَلة سداً لذريعة ذهاب عملهم باطلاً أو مغبوناً. وليس معنى هذا أنها بأحكامها تحابي العمال دون أصحاب الأعمال. فإن في حراسة حقوق العمال من الاعتداء عليها عدلاً وصلاحاً للفريقين. وبالإضافة إلى هذا كله أوصت الشريعة باحترام العامل والحفاظ على كرامته. فمنعت كل عقد أو شرط يكون فيه إضرار بالعامل، أو إيهام الاستعباد له، وربما ذهبت إلى أكثر من هذا. فقد جاء في خبر عن رسول الله ﷺ وجوبُ التزام دائرة الوسع والطاقة، وعدم تكليف العامل إلا بما هو في وسعه. وأكد ﵇ هذا المعنى بقوله: "عبيدكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم. فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق، فإن كلفه فليُعِنْه" (١). ومن رحمة الإسلام بالأُجراء والإحسان إلى من يُستخدم منهم ألا يقل أجر الأجير الذي يقيم مع صاحب العمل عن كفايته من الطعام والثياب، أما السكنى فهو يساكن صاحب العمل في بيته. ويكون هذا في كل عصر بما يناسبه.

стр. 1033

ويهمنا في المحل الأول، قبل الحديث عن ميادين العمل التي اتجه إليها الناس في الماضي وما يزالون، ويتجهون إليها في الحاضر مع اختلاف أنواعها وتطوراتها والغايات منها وأهدافها، أن نقف عند المبادئ والأصول الإسلامية التي تحكم أعمالنا فنحوطها بأسباب الجد والقدرة والقوة وزيادة الإنتاج، سواء من طرف أهل اليسار والمموّلين أو من طرف العمال الكادحين. وكلاهما إما مجاهد بماله وإما مجاهد بعمله يبتغون من وراء ما يبذلونه من جهد فضلَ الله ليحِلَّ في مجتمعاتنا وبين أهل ملتنا الغنى محل العوز، والتقدم والسبق محل التأخر والتخلف، والرقي والعزة بدل الانحطاط والمذلة. وإن التأكيد على العمل الإنساني ليظل كبير الأثر في الإنتاج وفيما نجنيه من خير عن طريقه، كما أن له القدرة الفائقة على تطوير الإنتاج، وفتح آفاق أخرى للعمل تدفع إلى مزيد من التقدم والرقي. وإذا كانت كل المعاملات والتصرّفات المالية خاضعة للعقود ليتم إنجازها على الوجه المأذون فيه، والمعتبر شرعاً، فإن هذه العقود تعتبر ضوابط شرعية تحدد وجوه التصرّف المالي في المعاملات. ويقتضي هذا النظر في صور العقود، لمعرفة صحّتها من فسادها، والنظر في غاياتها ومآلاتها من أجل التحقق من المقصد الشرعي فيها أو من أجل الالتزام بها، وفاء بما يتفق عليه الطرفان المتعاقدان من شروط فيها. * * * * *

стр. 1034

الفصل الثاني: مقاصد العائلة في الشريعة اعتنى الشيخ بمقاصد أحكام العائلة الأصلية والتابعة. وافتتح قوله بأن انتظام أمر العائلة في الأمة أساسُ حضارتها وانتظامِ جامعتها. وهذه الحقيقة غير خاصةٍ بالتشريع الإسلامي أو مقصورةٍ عليه، بل هي التفاتٌ إلى الحِكمة الإلهية في تشريع أحكام الأُسرة، وإلى بنائه سبحانه المجتمعات الإنسانية على ما سنه لها من شرائع تمكّنها من ضبط وإقامة أصول حياتها المدنية. فقد عنيت الشعوب من أقدم العصور بنظام تكوين العائلة. وهو اقتران الذكر بالأنثى المعروف بالنكاح. وسعت إلى اختيار أكمل صورة وأشرفها له، حتى لم تعُد الداعيةُ إلى ذلك الاقتران هي قضاء الشهوة كما هو الأمر عند سائر أنواع الحيوان، ولكنّها الارتفاعَ بالإنسان إلى مراتب عالية ودرجات سامية، بنيت عليها الحياة الصالحة، وأقيمت على أسبابها سياسة العمران البشري. وإن الله الخبير العليم كرّم ابن آدم فلم يجعله كغيره من الخلق. وجعل من إتيان الرجل للمرأة، واندفاعِه إليها، دوراً لا يقف عند الميل الجنسي، بل جعله بما فضّله به على غيره يَنشُد حباً ووداً، ولطفاً ورحمة، وتعاوناً وتناسلاً، واتحاداً وإقامةً لنظامِ الأسرة، ولنظام القبيلة، ثم لنظام الأمة. وإنها للمحامد والغايات التي أثمرتها الشرائع، وصيّرت جُذورَها الأُولى شيئاً ضئيلاً في جنب ما حُبي به الإنسان من عظيم

стр. 1035

الكمالات. فأصبح بحق مشرَّفاً بشرف آثاره ونتائجه (١). وإثر هذه الملاحظات ينتقل ﵀ ليواكب المسائل الفقهية التي من الضروري الحديث عنها في هذا الباب. فذكر حقيقة النكاح مع ما يكتنفها من أحكام، ويُمثلها من صور، ويُثبتُها من عقد، ويُبذل فيها من مهر. ثم تعرّض كسائر الفقهاء إلى مسائل أخرى ذكروا منها الولي، والشهرة، والتوقيت والتأجيل، وحُسن المعاشرة، والقوامة على النساء، وتعدد الزوجات إلى الأربع، والإنفاق، والإرث. ولا بدع أن يكون لكل قضية من هذه القضايا السابقة حُكم، وأن تكون لها شروط. وتترتّب على ذلك بدون شك أهداف وغايات هي المقاصد المطلوبة من ورائها. كان النكاح عند العرب في الجاهلية متعدد الأنواع: الأول منها: النكاح الشرعي الذي عليه الناس اليوم. وذلك أن يخطب الرجل إلى الرجل وليّته أو ابنتَه فَيُصْدِقَها، ثم ينكحها. والثاني: هو الاستبضاع. والثالث: نكاح الرهط. والرابع: البغاء. وهذه الأربعة ورد ذكرها في حديث عائشة (٢). والنوع الخامس: هو الذي اختص القرآن بذكره في قوله :

стр. 1036

﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (١). وقد ذمّ القرآن هذين النوعين في الرجال والنساء، ورغّبَ عنهما الشارع. فالسفاح والمخادنة من البغاء. ويدخلان في الأنكحة الباطلة والمحرّمة. وهي التي تخالطها المذام، أو تحفّ بها آثار قبيحة (٢). وإنما عنيت الشريعة بأمر النكاح وحده دون بقية العلاقات التي حُكمُها الهجرُ والبطلان، فجعل من غايتها قَصْرَ الأُمَّةِ عليه لكونه أسمى مقاصدها؛ ولأن النكاح جِذم نظام العائلة. والقصدُ الشرعي من اعتباره هو جَعْلُه العلاقة الوحيدة الموثوق بها في اختصاص الرجل بالمرأة أو بنساءٍ هُنَّ قرارات نسله حتى يثق من جراء ذلك الاختصاص بثبوت انتساب نسلها إليه (٣). آصرة النكاح: والنكاح الشرعي هو الذي تنبني على أساسه العائلة. وقد صوّر لنا ذلك الإمام الأكبر بقوله: هو أصل تكوين النسل، وتفريع القرابة بفروعها وأصولها. واستتبع ذلك ضبطَ نظام الصهر. فلم يلبث أن كان لذلك الأثرُ الجليل في تكوين نظام العشيرة فالقبيلة فالأمة. فَمِن نظام النكاح تتكون الأمومة والأبوة والبنوة. ومن هذا تتكون الأخوة وما دونها من صور العصبة. ومن امتزاج رابطة النكاح برباط النسب

стр. 1037

تحدث رابطة الصهر. وهكذا جاءت شريعة الإسلام مهيمنة على جميع الشرائع. فكانت الأحكام التي شرعها الله للعائلة أعدلَ الأحكام وأوثقَها وأجلَّها (١). ويتم النكاح بالعقد ويزيده هذا تشريفاً وتنويهاً، إذ المقصد الديني منه، حُرمتُه في نفوس الأزواج، وفي نظر الناس عامة. ينطق بهذا المقصد الشريف قوله سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (٢). وكذا الإيجاب والقبول فهما أساس العقد الذي يشهد "بالتعبير" عن رضا المرأة ورضا أهلها بذلك القِران، والحرصُ على تحقيقِ حُسن قصدِ الرجل مع زوجته، بما يُترجم عنه سلوكهُ وعمله على دوام المعاشرة، وعلى إخلاص المحبّة بين الطرفين. ولتقرير العقد وإعطائه ما يستحقّه من الثبوت والدوام اشترط جمهور فقهاء الأمصار أن يتولّى أمره الوليّ. وورد من الأحاديث الشريفة: "لا نكاح إلا بولي" (٣). وصرّح جمعٌ من الفقهاء بأن الآيات وكذلك السُّنن التي جرت العادة بالاحتجاج بها في هذا المقام مُحتمِلةٌ كلُّها لم يثبت منها سوى حديث ابن عباس: "الأيم أحقُّ بنفسها من وليّها، والبكر تستأمر في نفسها، وإذنها صماتها" (٤). ويتم النكاح ويُبَرمُ عَقدُه بشرطِ أن يبذل الرجل لزوجته مهراً يسمّيه لها. ولا يُعتبر المهر عوضاً عن البضع. فهو ليس ثمناً كما كان

стр. 1038

يتصوّره أهل الجاهلية في الأزمان القديمة البعيدة، لأن العقد في تصوّرهم شبه تمليك. وهو ليس أجراً للمنفعة المنضبطة عند الفقهاء. وتكون المنفعة المقصودة من العَقد غيرَ قابلة لتحديده، ولكنه العطيّة المحضة أو النِحلة كما سماها القرآن في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (١)، وقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٢). وفي هذه الآية تأكيد لما اشتهر بين الفقهاء من أن النكاح مبني على المكارمة، بخلاف البيع فهو مبني على المكايسة (٣). وعلّل الشيخ ابن عاشور هذا الشرط في العقد بألا تفقد المرأة خفرها، وتتولّى بذاتها الركون إلى الرجل دون علم ذويها. فالمرأة حين يتولّى وليُّها الأقربُ أو الأبعدُ، الخاص أو العام، تزويجَها يتّضح القصد الشرعي من اشتراط الولي في العقد، وهو أن يكون عوناً على حراسة جمالها وحصانتها، وأن تكون عشيرتُه وأنصاره وعائلته وجيرانُه عوناً له في الذبِّ عن ذلك (٤). وذهب أبو حنيفة دون صاحبيه إلى ذلك في نكاح الصغير والمجنون والرقيق لا في الحرّة البالغة بكراً كانت أو ثيّباً؛ لأن النكاح ينعقد برضاها، ولأن لها التصرّف في خالص حقها، وهي من

стр. 1039

أهله. ورجع إلى رأي الإمام صاحبُه أبو يوسف وهو الصحيح، كما ذكر ذلك الإسبيجابي. ورُوي أيضاً رجوعُ محمد بن الحسن الشيباني إلى مقالة إمامه. قال ذلك المحبوبي والنسفي (١). ومن المقاصد الشرعية ذكر المهور وتسميتها في العقد. فلا يُغفل عما كتبه الله للزوجات من حقوق. قال الشيخ ابن عاشور: إن محاسن المرأة نعمةٌ من الله منَّ بها عليها، وخوَّلَها حقَّ الانتفاع بها من أجل رغبات الرجال في استصفائها. ويتأكد هذا المقصد الشرعي بما نبهت عليه الشريعة من أن يكون صداق المرأة مناسباً لنفاستها. فجمال المرأة وخلقها هما من وسائل رزقها. ولهذا لم يكن للوصي ولا للسلطان تزويج اليتيمة بأقلّ من مهر مثلها (٢). واشترطوا لصحة النكاح الشهرة أو الإشهار تأكيداً لحصانة المرأة، ولأن الشهرة تحث الزوج نفسه على مزيد الحصانة لزوجه. ونكاح السرّ باطل في بعض المذاهب. وهو يقرِّب صاحبَه من الزنا، ويحول بين الناس وبين الذبّ عنه، ويعرّض النسل إلى اشتباه أمره، ويُنقص من معنى حصانة المرأة (٣). وحَرُم نكاحُ الشغار لخلوّه من المهر. ولا يلتبس عليك ما يشبهه من الصور الجائزة والنافذة شرعاً. وحَرُم نكاح المتعة لنهي النبي ﷺ عنه يوم خيبر (٤). وكذا كل عقد نكاح دخله التوقيت والتأجيل. فإن ذلك يقرّبه من عقود الإجارات والأكرية، ويخلع عنه المعنى المقدس الذي تطمئن له نفس الزوجة، من نية كليهما أن

стр. 1040

يكون قريناً للآخر، ما صلح الحال بينهما، فلا يتطَلَّبان إلا ما يعين على دوامه إلى أمد مقدور (١). ونُهي عن نكاح اليتامى لما ورد فيه من أحكام وعلل وأسباب. وهو الذي بيّنته عائشة بقولها: هي اليتيمة تكون في حجر وليّها، فيعجبه مالها وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوّجها من غير أن يقسط في صداقها، فيعطيها أقل مما يعطيها غيرُه. فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يُقسطوا إليهن، ويبلغوا بهن أعلى سنّتهن من الصداق. فأُمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء من سواهن (٢). هذه صور لبعض الأحكام المتعلّقة بالنكاح أردنا التنبيه إلى مقاصدها والتنويه بأهميتها. ولا نقف عند كل مسائل الباب التي تعرّض إلى ضبط أحكامها الإمام الأكبر. فهي مفصّلة في محالها من كتابيه المقاصد والتحرير والتنوير. ويمكن أن نعدّ منها: تعدد الزوجات، والمحرّمات من النساء، ومراجعة المطلقات، والطلاق بلفظ الثلاث، وعدة المتوفَّى عنها زوجُها، وعدة الحوامل، وضرب المرأة ونحو ذلك، وحُسن المعاشرة بين الأزواج، والقوامة على النساء، وحكم إنفاق الرجل على زوجه، واعتبار الزوجية سببَ إرث ببقاء آصرة النسب والقرابة. والنسل المعتبر هو ما كان طريقه الشرعي عقدَ النكاح المعتمد. آصرة النسب: ولاختلاف الأوضاع التشريعية والاجتماعية بين العصرين الجاهلي والإسلامي كان لزاماً الاعتراف بصحة النسب في مثل البغاء

стр. 1041

والاستبضاع لوثوق الناس في جاهليتهم بهذا النسب، ولأن الثقة بالنسل قبل تحديد قواعد الإسلام في النكاح موكولة إلى ما في الجبلة من إباية الناس التحاق من ليس منهم بأنسابهم. ولكون أصناف المقارنة الواقعة في الجاهلية قد اختلط نادرها بغالب الأنساب الصحيحة، ووثق أهلها بالأنساب الملحقة بهم من جرائها. ومن أجل الحفاظ على حرمات البيوت والأنساب سكتت الشريعة عما اعتمده واعتاده أصحاب الجاهلية، وارتضت لهم ما ارتضوه لأنفسهم، قبل أن يُضبط النكاح على الوجه الشريف الكامل، وما حفّ به من اهتمامات وسلوكيات لم تُبق لغيره من الأنواع حظاً ولا وجوداً معتبراً. وأُلحق التسرّي في صحّة النسب، وارتفعت منزلة أم الولد عن أن تكون مجردَ أَمَة. ومن أحكام آصرة النسب مَنعُ الشريعة الزوجَ الحر من التزوج بالأمة إذا كان ذا طولٍ. وورد في هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١) دفعاً لما في اجتماع سِيادتَين على المرأة من شبه تعدّد الرجال. ومن القصد الأول عند الشيخ ابن عاشور أن صدق انتساب النسل إلى أصله سائقٌ النسل إلى البرّ بأصله، كما هو سائق الأصلَ إلى الرأفة والحنوِّ على النسل سوقاً جبلياً. ولهذا المطلب بل المقصد معنى عظيم نفساني من أسرار التكوين الإلهي علاوة على ما فيه من إقرار نظام العائلة، ودرء أسباب الخصومات الناشئة عن الغيرة المجبولة عليها النفوس، وكذلك رفع الشك عند الأصول في انتساب النسل أو عدمه إليها.

стр. 1042

وأُلحقت آصرة الرضاعة بآصرة النسب. وذلك لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (١)، ولقول رسول الله ﷺ : "يحرُم من الرضاع ما يحرُم من النسب" (٢). والمقصد الشرعي من تحريم ما حَرُم تزوّجُه، مختلف بحسب اختلاف أنواع المحرّمات. وهي عندنا ثمانية: (١) المحرّمات من النسب كالأمهات والبنات: ذكر الفخر الرازي في تفسيره: أن السبب في تحريم الأمهات الوطءُ لأنّه إذلال وإهانة. وإذا أوجب الرحمن الإحسان إليهن وصونَهن فلأنّ إنعامهن على أولادهن كان أعظمَ وجوه الإنعام، فوجب صرف الأمهات عن هذا الإذلال. وقال في البنات مثل ذلك: لأن البنت جزء من الإنسان وبعض منه، فيجب صونها عن الإذلال؛ لأن المباشرة لها تجري مجرى الإذلال (٣). وعلق الشيخ ابن عاشور على هذا بقوله: وتحرير ذلك حيث كان معظم القصد من النكاح الاستمتاع. فكانت مخالطة الزوجين غير خالية من نبذ الحياء. وذلك ينافي ما تقتضيه القرابة من الوقار لأحد الجانبين والاحتشام لكليهما. وهو ظاهر في أصول الشخص وفروعه وفي صنوان أصوله. (٢) وأما محرّمات الصهر فملحقة بمحرّمات النسب وهن سبعة: الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت.

стр. 1043

(٣) والمحرّمات بالصهر والرضاع هن: الأمهات من الرضاعة، والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء والربائب، وحلائل الأبناء، ونساء الآباء، والجمع بين الأختين. وذلك لدفع ما يعرض من شقاق يفضي إلى قطع الرحم. قال الطحاوي: وجلُّ هذا من المحكم المتفق عليه (١). وفي هذه الصور يسري وقار الآباء إلى أخواتهم وهن العمات. ووقار الأمهات إلى أخواتهن وهن الخالات. ويرجع تحريم هؤلاء إلى قاعدة المروءة التابعة لكلية حفظ العرض من قسم المناسب الضروري وذلك من أوائل مظاهر الرقي البشري (٢). (٤) وأما المحرّمات للرضاع فلأن آصرة الرضاع نُزِّلت منزلة النسب. (٥) وأما المحرّمات لأجل حق الغير فأمرهن ظاهر. (٦) وأما الملاعنة فلأن ما جرى بين الزوجين بسببها يتعذّر بعده حُسن المعاشرة بينهما. (٧) وأما ما كان من المحرمات رعاية لحق الله فمثل المطلقة ثلاثاً على من طلقها (٣). ومثل ما تقدم في الحرمة تعدّد الأزواج للمرأة الواحدة، وإباحة تعدّد الزوجات للرجل إلى حدّ معيّن. ومن مقاصد الشريعة حفظ حقوق النسل من تعريضه للإضاعة والتلاشي وفساد الشأن. وكما بيّن الشيخ ابن عاشور المقاصد من هذه الأحكام في

стр. 1044

حماية ذوي آصرة النسب والقرابة أشار إلى طرق تقويتها. وذلك بالنفقة على الأبناء والآباء باتفاق، وعلى الأجداد والأحفاد عند بعض الأئمة. قال أبو شجاع: الإنفاق على الأبوين والأجداد والجدات الفقراء واجب على الموسرين من الأولاد عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، كما تجب النفقة على الأب فيما فضل من قوته وقوت زوجته على ولده الحر المعسر حتى يبلغَ قادراً على الكسب، وعلى ابنته الحرة المعسرة، حتى تتزوج ويدخل بها زوجها (١). وقال الشافعي: تجب على الأصول الموسرين وإن علوا نفقة الأولاد وإن سفلوا لفقر وصغر، أو فقر وزمانة، أو فقر وجنون (٢). وقال صاحب الهداية: ليس من الإحسان أو من المعروف أن يعيش المرء في نعم الله تعالى ويتركهما يموتان جوعاً (٣). ومن أسباب تقوية آصرة النسب والقرابة ما أوجبه الله من الميراث. آصرة الصهر: وثالثة الأواصر آصرة الصهر. وهي متولدة عن اجتماع آصِرَتيَ النكاح والنسب. فالصهر آصرة بقرابة أهل آصرة النكاح كالربائب وأخت الزوجة وعمتها وخالتها وأم الزوجة. أو عن نكاح أهل آصرة القرابة كزوجة الابن وزوجة الأب. فهذان يستوجبان الجلال والوقار. وذلك مما يدعو إليه قول الله تعالى:

стр. 1045

﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (١). ومن هذه الآصرة قريب وبعيد. فقد حرّم الشارع أم الزوجة وابنتها على الزوج، وحرم أبا الزوج وابنه على الزوجة، اعتباراً للحرمة المركّبة من قرابة أولئك بالزوجة أو الزوج، ومن صهرهما للزوج أو الزوجة، كما حرمت الشريعة زوجة الابن على الأب وزوجة الأب على الابن. وليس المقصد من ذلك مجرد حفظ أواصر المودة لأن تحريم الصهر يبقى مستمراً بعد موت الشخص المحرّم أو فراقه وبين الشخص الذي وقع التحريم بسببه. ثم أتبع الشيخ ﵀ هذا الكلام ببيان معنى وحُكم الصهر القريب، وذكرَ البعيد وجعلَه مراتب إذ منه ما يحرّم. وفيه الجمع بين الأختين، والمرأة وعمتها ونحو ذلك، ومنه ما لا يحرم بحال لضعف آصرته. وهذه العلاقات الأُسرية التي أقامها الإنسان ليحيى بها حياة كريمة مأمونة من كل ما يسلبها الخير والنعمة والسعادة والبهجة، هي التي رعاها الله، وأوجد لها نظاماً تسير عليه، وقوانين تخضع لها، وحدوداً وأحكاماً تلتزم بها وتقف عندها، راغبة أن يتحقق من المقاصد أهمها كالعدل والاستقامة، والأمن والطمأنينة. وبذلك تخرج العلاقات من الحيرة والتباس الأمر، ومن الظلم والإصرار عليه، ومن الاستخفاف الكبير بحقوق الغير، والظهور مظهر المسرفين المتكبّرين الضالّين فلا يزيدهم ذلك إلا عنتاً وحقداً، وأنانية وكبراً. وكما تُساس المجتمعات الإنسانية بالحِكمة والنصيحة وحُسن المعاملة نجد بعضها ينحرف عن الجادة وعمّا شرعه الله له، وما هداه إليه، وحدّده له في كل حالة وفي كل معاملة من التصرّفات العملية

стр. 1046

السديدة. وهؤلاء المنحرفون هم الذين أقام الله عليهم الحجة بقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (١)، وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (٢). وكل تلك الأواصر العائلية والروابط الاجتماعية قد حُفَّ بالمكاره والشهوات، واختلط به من الهوى المتبع والبُعد عن الدين ما جعله يقوى ويضعف بحسب الأخذ بأسباب الحزم والقوة، أو بوسائل الانفكاك والانحلال. فهذا التشريع الإسلامي، لضبطه أحوال المجتمعات وتعليمه إياها الكتاب والحِكمة، وتلقينها إياه نظرياً وعملياً، هو جملة ما يُحتاج إليه من قواعد وأصول ومبادئ، تلاشت حقائقها باتباع سبيل الغَي والبُعد عن طريق الحق. ذلك أنهم ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٣). طرق انحلال الأواصر الثلاث: في الباب الثالث من القسم الثالث من كتاب المقاصد تحدث الإمام الأكبر عن أمثلة من أحكام الأسرة وأدلتها. وحصر الكلام في دائرتين: الأولى: دعائم الأُسرة وما ينبغي أن يراعى فيها من وسائل تحقّق الترابط المتين بين الأواصر الثلاث: النكاح، والنسب والقرابة، والصهر. فهذه الأصول في تكوين العائلة قد وضع لها الشارع قوانين وأحكاماً تضبطها وتنظمها، وتكون بها أعدل المجتمعات وآمنها، وأكثرها عزة ومنعة وسؤدداً وشرفاً. وكل هذا من فضل الله عليها، وحمايته سبحانه لها. فالعائلة في جميع تصرّفاتها،

стр. 1047

تساندها التوجيهات الإلهية، وتحدوها صور من التعاون المثالي، والنصيحة التامة. وهي بتلاوتها القرآن العظيم، وتدبّرها معاني آياته، تتوصّل إلى تعيين ومعرفة المقاصد الشرعية التي خصّها الله بها. الثانية: هذا المدد الرباني الكريم الذي يحدد سلوك الأفراد والمجتمعات منفصلة عن بعضها، أو ممتزجةً جميعُها باتباعها المنهج الرشيد الوحيد الصادر عن الحق سبحانه، والمتمثل في الطريقة العملية التفصيلية التي جاء بها الرسول الأمين خاتم النبيين محمد ﷺ . فاجتمعت من هذا وذاك آيات الأحكام وأحاديثها، وكل ما يرتبط بها من نصوص حُكمية وحِكمية فيها الدعوة إلى الحق، والتوجه إلى الخير، والتنافس في العمل الصالح. ومثلما كانت المرحلة الأولى تأسيساً وتعليماً وتلقياً وإدراكاً لأسباب العناية الإلهية، الكاشفة عن المقاصد الشرعية في تشريعنا وفقهنا، بدت لنا تشاريع أخرى تدني الطبيعة الإنسانية من النصوص التكليفية، تضيف إلى ما في الأولى من قوة وإيجابية طرقاً أساسية وقواعد وأحكاماً جديدة تضمن تدارك الأوضاع المرتبِكة في العائلة، وتنفي عنها الظلم، وتجعلها متكافئة في الحالين بانبناء أحكامها وتصرّفات المؤمنين فيها على حسب الأوامر والنواهي التي لابست الأُسرة في أحوالها المختلفة، في حال إقامة عُمَدها وأصولها، وحال محافظتها على المصالح الباقية، وحال مساعدتها على انحلال الأواصر الضعيفة، انحلالاً طبيعياً وشرعياً حسب القواعد والأصول. قال صاحب المقاصد: قد جعلت الشريعة لكل آصرة وسيلةً إلى انحلالها إذا تبيّن فساد تلك الآصرة أو تبيّن عدم استقامة بقائها (١).

стр. 1048

وأقوى الأسباب القاضية بانحلال النكاح: الطلاق. وهو صور كثيرة معروفة عند الفقهاء منها: تصرّفٌ مملوكٌ للزوج يُحدثه بلا سبب، فيقطع النكاح (١). وقيل: هو رفع عقد النكاح في الحال أو المآل، بلفظ مخصوص أو ما يقوم مقامه (٢). والنسب والصهر ليسا آصرة عقدية، والأمر ظاهر. ويقع الطلاق من الزوج بذاته. ويقع بالرفع إلى الحاكم إن حصل إضرار. ويكون بالفسخ. وهو حل رابطة العقد. وبه تنهدم آثار العقد وأحكامه التي نشأت عنه (٣). ويقع الطلاق من المرأة في صفة الخُلع. والخُلع إزالة ملك النكاح بلفظ الخلع أو ما في معناه، مقابلَ عوض تُلزم به الزوجة أو غيرها (٤). وفي صور أخرى يكون الطلاق بيد المرأة، بالخُلع إذا اشترطته أو اشترطه الزوج. وبه يكون تخلّص مما عسى أن يكون عليه في بعض الرجال، أو في العرف المنتشر بين الناس، أو في بعض القبائل أو العصور من حماقة أو غلظة جلافة، أو تسرعٍ إلى الطلاق اتباعاً لعارض الشهوات بأن تشترط أن يكون طلاقها بيدها، أو أمر الداخلة

стр. 1049

عليها بيدها، أو إن أضرّ بها زوجها فأمرها بيدها (١). واستشهدوا على صحة هذا التصرّف بحديث عقبة بن عامر: "أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم من الفروج" (٢). وأبطل سعيد ابن المسيب الشروط اللاحقة لعقدة النكاح مطلقا، وقال مالك لو شرطه لها، ثم أَسقطت الشرط، وأباحت له التزوّج أو التسرّي أو الخروج. فإن كان بقرب إرادة فعل الزوج لزمها الإسقاط ولا رجوع لها، وإن تراخى فعل الزوج كان لها الرجوع فيما أباحت له. وهو قول ابن القاسم (٣). وتحرير القول في العقد مع الشرط عند المالكية: أن الشرط إذا انعقد عليه النكاح كان شرطاً باطلاً غير لازم، وإن وقع طوعاً من الزوج بعد عقدة النكاح لزم، بناء على إلزام المرء بما التزم به (٤). والتفريق عبارة عن إلغاء العلاقة الزوجية بين الزوجين بُحكم القاضي بناء على طلب أحدهما لسبب كالشقاق والضرر، وعدم الإنفاق، أو بدون طلب حفظاً لحق الشرع كما إذا ارتد أحد الزوجين. وحكمُ هذا الطلاق البينونة في بعض الأحوال، والفسخ في أخرى، كما يقع طلاقاً رجعياً (٥). والقصد الشرعي من الطلاق والفراق ارتكابُ أخفّ الضرر عند تعسّر استقامة المعاشرة، وخوف ارتباك حال الزوجية، وتسرّب ذلك

стр. 1050

إلى ارتباك حالة العائلة (١). أما بقية أواصر العائلة مثل آصرة النسب فإنها لا تطلق على الإبطال إلا تسامحاً؛ لأن انحلال أواصر النسب منوطٌ بآصرة البنوة التي هي أصل النسب. والنسب الثابت لا يقبل انحلالاً ولا إسقاطاً إلا من طريقين هما: اللعان، وإثبات انتساب الولد إلى أب غير الذي يَنسِبه إلى نفسه أو ينسِبُه الناس إليه. وألغى الرسول ﷺ اعتماد عدم الشبه بين الولد ووالده المنتسب إليه، فإنه غير صحيح ولم يرخص فيه كما في حديث ضمضم الفزاري (٢). وأكد النووي على هذا بقوله: إن التعريض بنفي الولد ليس نفياً، وإن التعريض بالقذف ليس قذفاً. وهو مذهب الشافعي. وفيه إثبات القياس، والاعتبار بالأشياء، وضرب الأمثال، وفيه الاحتياط للأنساب وإلحاقها بمجرد الإمكان (٣). ومن المقاصد الشرعية الهامة: إبطال التبنّي وإعطاء الولد المنتسب الحق في الدفاع عن نفسه، وقد قال العلماء أن لا تعجيزَ في حق إثبات النسب (٤). وأشار المؤلف بعد هذا إلى بيان انحلال آصرة الصهر مصرّحاً بأن الانحلال يكون تاماً كما في أخت المرأة وعمتها وخالتها، إذا انفكت عصمة تلك المرأة بموت أو طلاق، ومنه ما لا انحلال فيه مثل أم الزوجة، وزوجة الأب، وزوجة الابن والربائب كما هو مبسوط ومفصّل في محله من دواوين الفقه.

стр. 1051

الفصل الثالث: الأموال ° تعريف المال: المال: هو ما تقوم عليه المعاملات جميعها، فإليه تستند، وبه تتحقق وتُنجز. وقد جاء في تعريف المال عن اللغويين والمحدّثين والفقهاء عبارات مختلفة كثيرة تضيق وتتسع بحسب تصوّرهم له، وبحسب ما يمليه الحال في كل عصر. قال ابن الأثير: المال في الأصل ما يُملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان. وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل لأنها كانت أكثرَ أموالهم ذكراً. وفي اصطلاح الفقهاء من الحنفية عرّفه ابن عابدين بما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقته (١). وشرطه أن يكون عيناً مادية لها وجود خارجي بحيث يمكن إحرازها وحيازتها وادخارها. وبهذا الوصف لا يطلق المال عندهم على المنافع خلافاً للجمهور. وهو عند الشافعي فيما نقل عنه لا يقع إلا على ما له قيمة يُباع بها وتلزم بتلفه. وذهب الشاطبي من المالكية إلى أن المال هو ما يقع عليه الملك ويستبد به المالك عن غيره، إذا أخذه من وجهه.

стр. 1052

وتوسع جمهور الفقهاء فأطلقوه على ما يشمل الحقوق المقوّمة والمنافع جميعاً. فهو يطلق على كل ما له قيمة مادية بين الناس، وجائز الانتفاع به انتفاعاً مشروعاً حال السعة والاختيار (١). وهذا احترازاً من الخمر والنجاسات والخنزير. وعرّفه الشيخ ابن عاشور بتعريفين خاصًّ وعامًّ. ذكر الأولى في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٢) قال: هو ما بقدره يكون قدر إقامة نظامِ معاشِ أفرادِ الناس، في تناول الضروريّات والحاجيّات والتحسينيّات بحسب مبلغ حضارتهم، حاصلاً بكدْح (٣). وذكر التعريف الثاني وهو العام الذي لا يتعلق بمداخيل الفرد فحسب، قائلاً والمال الذي يدال بين الآحاد هو على وجه الجملة حق للأمة عائد عليها بالغنى عن الغير. وبناء على هذا الاعتبار تكون للمال أنواع متعددة. فالمال الذي يقام به نظام المعاش ثلاثة أنواع على ما فصّله الإمام الأكبر (٤). ° أنواع المال: منه ما تحصل به إقامة نظام المعاش بذاته دون توقّف على شيء آخر من غيره. وهذا كالحبوب والأطعمة والثمار. وكذلك الحيوان فيما أذن لنا بأكله، والانتفاع به: بصوفه وشعره، ولبنه وجلوده. قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَالْأَنْعَامَ

стр. 1053

خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١)، وقوله: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢). وهذا النوع من الرزق هو أعلى أنواع الأموال وأثبتها. ومنافعه حاصلة به من غير توقف على أحوال المتعاونين على كسبه، ولا على ما جرى به اصطلاح التنظيم له بين الناس. والنوع الثاني: ما يحصل ويكمل به نظام العيش. وهذا كالأرض للزرع وللبناء عليها، والنار للطبخ والإذابة، والماء لسقي الأشجار، وآلات الصناعات لصنع الأشياء من الخشب والصوف ونحو ذلك. وهذه الأشياء التكميلية قد تكون بأيدي أناس يضنُّون بها، وربما حالت دون نوالها موانع من حرب أو خوف أو وعورة طريق أو غير ذلك. وهي دون شك ذات أهمية بالغة. وإليها يرجع مَوْردان من الموارد المالية هما الفلاحة والصناعة. والنوع الثالث: هو ما تحصل إقامة العيش به مما اصطلح البشر على جعله عوضاً عما يراد تحصيله. وهذا كالنقد والعملة مما هو متوافر اليوم، وكالمعاوضات التي كان يحصل بها التبادل والتعاون للاكتساب والتملك قديماً، كما تَبرز صورة ذلك في أنواع التجارات والمعاوضات التي ضبطتها الشريعة الإسلامية بقوانين فقهية وأحكام استنبطها العلماء من أئمة وفقهاء في كل عصر من مصادر التشريع الإسلامي المختلفة المتنوعة وهو ما أدّى بهم إلى تفصيل القول فيها

стр. 1054

لإناطة الأحكام بها فيما اعتبره الشارع من المقاصد جالباً للمصالح ودارئاً للمفاسد. ولا بدع في ذلك فإن المال جميعه، الذي بأيدي الناس، هبة من الله لهم، تقتضي شكرَ المنعم، والامتثالَ لمنهجه وأحكامه التي وَجَّه بها عباده للقيام بواجباتهم تحصيناً ووقاية للإنسان من الأمراض الخُلقية والسلوكية المزمنة. وبقدر ما تحدّث القرآن الكريم والسُّنة النبوية الشريفة عن الأنواع المختلفة للمال تكسباً وامتلاكاً في مجالي المعاوضات والتبرعات، فإن الإسلام يصرف المسلمين عن اتخاذ المال هدفاً لذاته، ويأمرهم بالسعي إلى تحقيق المقصد الشرعي منه بما سخره الله لنا في السموات والأرض، فنفيد منه ونستخدمه استخداماً صالحاً كريماً، من أجل إشباع حاجاتنا وحاجات مجتمعاتنا، ضمن الإطار الديني العام وتعاليم الإسلام، ووفقاً للمفهوم الأساس للاقتصاد الإسلامي الرشيد. وفي الآيات الكريمة أحكام للمعاملات تنظم حياة الناس وتقيهم الظلم والعدوان في المكاسب. من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢). وفي الآيتين تحذير للناس من التجرؤ على أكل المال بالباطل، أي ظلماً ومن غير وجه حق، إلا أن تكون الأموال عن تجارة. فإنه يُحصَل عليها بالتبادل بين الطرفين وعن طيب نفس، ولقصد المتصدّي

стр. 1055

للتجارة الحصولَ على مال زائد على قيمة ما بذله المشتري. فمن هذا الوجه الذي قد يكون به اشتباه خصّت التجارة في الآية بالاستدراك والاستثناء. والمقصد الشرعي من ذلك هو إباحة الجزء الزائد المتراضى عليه لاعتبار التجارة مدارَ رواج السلع الحاجية والتحسينية. ولولا تصدّي التجار وجلبهم السلع لما وجد صاحب الحاجة ما يسدّ حاجته عند الاحتياج. ° أقسام المال في الملكية: قسم علماؤنا المال إلى أقسام أربعة مختلفة: القسم الأول: تقسيم المال بالنسبة للملكية. وهو ثلاثة أنواع: (١) ما لا يجوز تمليكه ولا تملّكه بحال. وهذا كالطرق والجسور والحصون والسكك الحديدية ونحوها. فهذه أموال عامة ليس لأحد أن يمتلكها لتعلّق حق الناس جميعهم بها. (٢) ما لا يَقبل التمليك إلا عند وجود المسوّغ الشرعي. وهو الأعيان الموقوفة والعقار المملوك لبيت المال. والوقف لا ملك فيه لأحد عند أكثر الفقهاء، وهو عند غيرهم مملوك للواقف أو للمستحقين لريعه. وملكيتهم له ليست ملكية مطلقة. وأما المملوك لبيت المال فإنه ملك لجماعة المسلمين. (٣) ما يقبل التمليك بلا شرط دائماً وفي كل حال. وهو ما هو حق في متناول الأفراد والجماعات كلهم كالصيد (١). القسم الثاني: كون المال من الثوابت كالعقار من أرض ومبانٍ، أو كونه من المنقول. وهو على نوعين: إما سلعة كالنبات والجماد والحيوان، وإما ثمن.
следующие страницы →