السُّنة:
والسُّنة النبوية بيان للكتاب. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١). وقد استقلّت بأحكام وتشاريع كالذي ورد منها في الصلاة والزكاة وغيرهما من القضايا العبادية، أو ما جاء فيها من أحكام لها علاقة بالأنكحة والعقود والقصاص والحدود من العاديات. وقد ألزم الله بها في قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢)، كما حذّر سبحانه من مخالفة رسوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣).
فالكتاب والسُّنة في المنزلة العليا. قال الشاطبي: وقد كملت قواعد الشريعة في القرآن والسُّنة. فلم يتخلّف عنها شيء. والاستقراء يبيّن ذلك. ويَسهل على من هو عالِم بالكتاب والسُّنة. ولما كان السلف الصالح كذلك قالوا به ونصّوا عليه (٤).
وكذلك قوله ﷺ مشيراً إلى جملة من الحِكَم والمقاصد والمصالح كما في قوله: "فإنما بعثتم مبشّرين ولم تبعثوا معسّرين" (٥)، وقوله: "إن الدين يسر" (٦).
وقوله: "لا ضرر ولا ضرار" (٧)، وقوله: "وإنما جعل الاستئذان لأجل البصر" (٨)، وقوله: "لولا أن قومك حديثو عهد بشركٍ لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم" (٩)، وقوله: "دعه لا يتحدث الناس أن
стр. 982
محمداً يقتل أصحابه" (١).
وهذان المصدران: الكتاب والسُّنة؛ والاستنباطُ منهما مستَنَدُ التشريع، تتبين المقاصد للناظر فيهما بإدراك ما تضمّناه من أهداف الأحكام، وغاياتها التشريعية. ولا شك أن السُّنة بالإضافة إلى ما ذكرناه مبيّنة للمراد من القرآن. وهي تشتمل أيضاً على بيان مقاصد بعض الأحكام التي لم ينصّ القرآن على مقاصدها، وعلى زيادة بيان لما ورد من ذلك في الكتاب.
ومن المقاصد التي نبّهت إليها السُّنة في خصوص أحكام النكاح مثلاً قوله ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوّج. فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج" (٢). ومن المقاصد التي بيّنتها السُّنة قوله ﷺ في الجمع بين المرأة وعمّتها، والمرأة وخالتها: "إنكنّ إن فعلتن ذلك قَطَعْتُنّ أرحامكن" (٣).
والحديث عن هذين المصدرين الأساسيين مستوفى أو يكاد عند أكثر الأصوليين.
الإجماع:
هو المصدر الثالث من مصادر التشريع المتفق عليها. وهو لغة: العزم، والاتفاق، واصطلاحاً: اتفاق مجتهدي الأمة، وقيل: اتفاق جميع من هو أهل له على حكم شرعي في عصر من العصور بعد وفاة الرسول ﷺ .
وشرطه عند الشافعية انقراض العصر، وثبوته من أهل العدالة
стр. 983
والاجتهاد كالثبوت بالنصّ لقوله ﷺ : "إن الله لا يَجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذّ شذّ إلى النار أو في النار". وقال الحاكم معقّباً على هذا الحديث بأنه روي بأسانيد يصحّ بمثلها الحديث (١). ومن شروطه المتفق عليها شرائطُ الأهلية كالعقل والبلوغ والإسلام والعدالة، والكينونة من أهل الاجتهاد ومن أهل السُّنة والجماعة (٢).
واستدلّوا على حجيّته بما أفادوا من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ (٣).
وأما سببه فقد يكون توقيفاً على الكتاب والسُّنة، أو استنباطاً منهما، أو توفيقاً من الله للمجمِعين إلى الصواب وإلهامهم الرشد. فـ "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن". قال الحاكم: هذا الحديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (٤).
وهو فيما اتفق عليه أهل العلم يدعو إلى الانتباه والتأمل كالذي أشار إليه البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه في باب ما ذكره النبي ﷺ وحضّ فيه على اتفاق أهل العلم، وما أجمع عليه الحرمان مكة والمدينة، وما كان بها من مشاهد النبي ﷺ والمهاجرين والأنصار ومصلى النبي والمنبر والقبر (٥).
стр. 984
ومنه ما كان موضعه الأحكام ذات العلة الخفية ومما استنبط له الفقهاء علّة.
ويقتضي الإجماع الحكم قطعاً ويقيناً، كرامةً لما اتفق عليه الأئمة وإن شذّ عنهم النظّام من المعتزلة، وقوم من الإمامية، والرافضة والخوارج. والإجماع بحكم ما بيّناه من أقوى الطرق لمعرفة الأحكام ومقاصدها. ذلك أن ما يقع عليه الإجماع من المقاصد يكون أقوى من المقاصد المختلف فيها، كما أن معرفة المقاصد شرط ضروري في الاجتهاد، والاجتهاد شرط في الإجماع، وشرط الشرط شرط في المشروط.
القياس:
لا شك أن الأصلَ المعتمد في القياس هو التعليل. والقياس في اللغة: هو تقدير شيء على مثال شيء آخر وتسويتُه به. وفي الاصطلاح - كما حدّده أبو بكر الباقلاني -: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة.
وقال بعض المحقّقين: هو مساواة فرعٍ لأصلٍ في علّة الحكم، أو زيادته عليها في المعنى المعتبر في الحكم.
وأحسن ما ورد في حدّه: استخراج مثلِ الحكم المذكور لما لم يذكر، لجامع بينهما.
وقال ابن القيم في معنى القياس: قال الإمام أحمد: القياس أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثلَه في كل أحواله. فأما ما أشبهه في حال وخالفه في حال، فأردت أن تقيس عليه فهو خطأ. وقد خالفه في بعض أحواله ووافقه في بعضها. فإذا كان مثله في كل
стр. 985
أحواله فما أقبلت به وأدبرت به فليس في نفسي منه شيء (١).
وموضوع القياس: طلب أحكام الفروع المسكوت عنها من الأصول المنصوصة بالعلل المستنبطة من معانيها ليلحق فرع بأصله.
والقياس هو المصدر الرابع من المصادر الأساسية في التشريع. ويترتب وجوده على وجود ركنه - وهو العلّة الجامعة بين الفرع والأصل، والتي اشترط القائلون به المثبتون له من علماء الأصول أن تكون العلّة فيه مشتملة على المناسبة. وذلك لما ينجرّ عن ترتّب الحكم عليها من جلب مصلحة أو درء مفسدة. وصرّح الغزالي بوجوب مراعاتها للمقاصد. قال: وجميع أنواع المناسبات ترجع إلى رعاية المقاصد. وما انفك عن رعاية أمر مقصود فليس مناسباً، وما أشار إلى رعاية أمر مقصود فهو مناسب (٢).
أنواع القياس:
ينقسم القياس عند الجمهور إلى عقلي، وهو ما يكتفى فيه بالعقل، وشرعي وهو ما لا بد فيه من أصل معلوم بالشرع.
ومن القياس قياس الطرد. وهو عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل في العلّة المستنبطة من حكم الأصل. ومنه قياس العكس، وهو عبارة عن تحصيل نقيض حكم معلومٍ لما في غيره لافتراقهما في الحكم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الناس في مسمى القياس على ثلاثة أقوال:
стр. 986
١ - كونه حقيقةً في التمثيل، مجازاً في الشمول. وبهذا قال الغزالي وأبو محمد.
٢ - وعند ابن حزم حقيقة في الشمول مجاز في التمثيل.
٣ - والأصح الذي عليه الجمهور أنه حقيقة في التمثيل والشمول.
وقياس التمثيل يصدق على ما فيه إلحاق الشيء بنظيره، وقياس الشمول عبارة عن إدخال الشيء تحت الحكم العام الذي شمله. وكل منهما متصل بالآخر. والقياس ثابت فيهما وهو التقدير والاعتبار والحسبان (١).
أقيسة الاستدلال:
وقسم ابن القيم الأقيسة المستعملة في الاستدلال، وهي التي تختلف باعتبار ذكر العلّة فيها وعدم ذكرها، إلى ثلاثة أقسام هي:
(١) قياس العلّة. وهو ما صرح فيه بالوصف الجامع بين الأصل والفرع.
(٢) قياس الدلالة. وهو الذي يجمع فيه بين الأصل والفرع بدليل لعلّة وملزومها.
(٣) قياس الشَّبَه. وهو ما ألغي الفارق فيه، بأن كان الوصف الجامع لم يصرّح به في القياس، كما في إلحاق الأَمَة بالعبد في تقويم نصيب الشريك على العتق بواسطة نفي الفارق بينهما.
وهذه الأقيسة الثلاثة واردة بأمثلتها في القرآن الكريم.
стр. 987
أما قياس العلّة فكثير في القرآن. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (١).
وردت في هذه الآية إشارة إلى من كان قبلنا من القرون. ثم الحديث عمن لحق بهم من غيرهم. وتبيّن أن ذلك كان لمعنى القياس وهو ذنوبهم في الأصل. والجاهليون في عصر النبي ﷺ هم الفرع، والذنوب العلة الجامعة، والحكم الهلاك. فهذا محض قياس العلة (٢).
ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣).
وقوله جل شأنه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٤).
وأما قياس الدلالة فهو الجمع بين الأصل والفرع بدليل العلّة، وملزومها. ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٥). وبيانه: إنكم إن كنتم في ريب من البعث فلستم ترتابون في أنكم مخلوقون، ولستم ترتابون في مبدأ خلقكم من حال إلى حال
стр. 988
إلى حين الموت والبعث الذي وعدتم به نظير النشأة الأولى. فهما نظيران في الإمكان والوقوع، فإعادتكم بعد الموت خلقاً جديداً كالنشأة الأولى التي لا ترتابون فيها، فكيف تنكرون إحدى النشأتين مع مشاهدتكم لنظيرها. وقد أعاد سبحانه هذا المعنى وأبداه في كتابه بأوجز العبارات وأدلها وأفصحها وأقطعها للعذر وألزمها للحجة (١).
فالتمثيل في القرآن ضبط لمن تدبّره. وجملة صور ومبادئَ وأحكام دعا الله إليها عباده وأمرهم بالاستماع إليها من أجل تعقّلها والتفكّر فيها والاعتبار بها. ومن ثم عندما يبرز الطرفان في التمثيل ينظر في تسوية أحدهما بالآخر. وأساس ذلك في بناء الأحكام هو التسوية بين المتماثلين، وإلحاق النظير بنظيره، واعتبار الشيء بمثله، والتفريق بين المختلفين وعدم تسوية أحدهما بالآخر. وهذا روح القياس. وقد فطر الله الناس على هذا السلوك ودعاهم إلى إلحاق النظير بنظيره. وأنكر التفريق بين المتماثلين، والجمع بين المختلفين. فالعدل والميزان الذي أنزله الله سبحانه شرعاً وقدراً يأبى ذلك (٢).
ومنه قوله جل وعلا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (٣).
وأما قياس الشَّبَه فلم يحكِه الله إلا عن المبطلين. وبالجملة فهو مردود ومذموم، إما لكون التساوي فيه مجرد شَبَه صوري كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي
стр. 989
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ (١).
وجاء ذكر أعضاء الأصنام في القرآن في صورة عاطلة عن حقائقها وصفاتها. وذلك قوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ (٢).
فالحقائق والصفات المذكورة في هذه الآية معدومة فارغة خالية عن الأوصاف والمعاني. فاستوى وجودها وعدمه. وفيما ذكرناه من الملاحظات ما يدحض قياس الشبه، الخالي عن العلة المؤثّرة والوصف المقتضي للحكم. والله أعلم (٣).
وقسّموا القياس أيضاً باعتبار قوّته وضعفه إلى قسمين: جليّ: ومن تعريفاته أنه ما عُلِم فيه نفي الفارق قطعاً، وخفيّ: وهو ما لم يُقطع فيه بنفي الفارق، ولم تكن علّته منصوصاً عليها أو لم تكن مجمعاً عليها.
وأطلقت الحنفية على الجلي لقب القياس، وعلى الخفي لقب الاستحسان.
وإلى أقسام القياس الفقهي الأصولي المبيّنة قواعده وأسسه بصورة دقيقة علمية على ما عند علماء الأصول، وإلى ظهور مذهب الظاهرية وانقسام العلماء بعده طائفتين مثبتة ونافية. أضاف الإمام
стр. 990
الأكبر قياساً آخر تحدث عنه الناس كثيراً في أوساط المجدّدين. ذلك أن الإمام الأكبر نبَّه، كما قدمنا، إلى وجود قياس آخر هو قياس الأجناس المُحدَثَة على أجناس نظائرها الثابتة في زمن الشارع. ثم قال، بعد ذكر هذا الصنف الرابع: أليس هو الأولى والأجدر بالاعتبار من قياس جزئيات المصالح عامها وخاصها بعضها على بعض.
جريان القياس:
ورغم أهمية القياس، واتفاق الجمهور على اعتماده نجد الفقهاء والأصوليين مختلفين في جريان القياس. فأجاز الجمهور القياس في الحدود والكفارات، والمقدرات، والرخص. وهذا قول المحققين. وأجاز الجمهور القياس في العادات والخلقيات إلا فيما كان طريقه العادة والخلقة كأقل الحيض وأكثره، وأقل النفاس وأكثره فإنه لا يجوز إثباته بالقياس؛ لأن أسبابها غير معلومة لا قطعاً ولا ظاهراً. فوجب - كما قال أبو إسحاق الشيرازي - الرجوع فيها إلى القول الصادق (١). وعلّل الإسنوي عدم جريان القياس فيها بسبب اختلاف الأشخاص والأزمنة والأمزجة. وكذلك منعوا جريان القياس فيما طريقه الرواية والسماع كقِران النبي ﷺ ، وإفراده، ودخوله مكة صلحاً أو عنوة. ومنعوا من التعبّد بالقياس في كل أحكام الشرع. واعتبروا ذلك محالاً؛ لأن القياس لا يصحّ إلا بعد ثبوت الحكم في الأصل، ولكن أحكام الأصول شرعية (٢).
стр. 991
المصلحة المرسلة:
تعرض كثير من الفقهاء والأصوليين عند حديثهم عن المصالح إلى اعتبارها ثلاثة أنواع: معتبرة وملغاة ومرسلة. فالمعتبرة والمُلغاة واضحتان لا تحتاجان منا إلى بيان. أما المصلحة المرسلة فهي التي لم يقم دليل من الشرع على اعتبارها أو إلغائها. قال زكي الدين شعبان في تعريفها: هي عبارة عن المعاني التي يحصل من ربط الحكم بها وبنائه عليها جلبُ منفعة أو دفع مفسدة عن الخلق (١)، وتعرف عند بعض الأصوليين بالاستصلاح.
ويظهر لنا من تعريفها هذا أنها في واقع الأمر تلك التي سكت الشارع عن بيان حكمها، وليس لها أصل تقاس عليه، غير أنها يوجد فيها معنى يصلح أن يكون علّة ومناطاً لحكم شرعي يحكم به، بناء على ذلك المعنى المناسب.
ولكونها أصلاً يعمل به وحجّة يصح الاستناد إليها. جعلها الشيخ ابن عاشور نوعاً من أنواع القياس، إذ القياس المعروف في علم الأصول والمعتمد عليه عند الأئمة، كما قدمنا، هو قياس العلّة. والمصلحة المرسلة قياس ثان هو قياس الجنس. وإذا كنا نقول بحجيّة القياس الذي هو إلحاق جزئي حادث لا يعرف له حكم في الشرع بجزئي ثابتٍ حكمهُ في الشريعة بآخر للمماثلة بينهما في العلّة المستنبطة، وهي مصلحة جزئية ظنّية غالباً لقلّة صور العلّة المنصوصة، فَلأَنْ نقول بحجيّة قياس مصلحة كلّية حادثة في الأمة، لا يعرف لها حكم على كلّية ثابتٍ اعتبارُها في الشريعة باستقراء أدلة الشريعة الذي هو قطعي أو ظنّي قريب من القطعي، أولى بنا وأجدرُ بالقياس، وأَدخَلُ في الاحتجاج الشرعي (٢).
وعقّب الشيخ ابن عاشور على المنكرين للمصلحة المرسلة
стр. 992
بقوله: وإني لأعجب فرطَ العجب من إمام الحرمين على جلالة علمه ونفاذ فهمه كيف تردّد في هذا المقام؟! وأما الغزالي فأقبل وأدبر فلحق مرّة بطرف الوفاق لاعتباره المصالح المرسلة، ومرّة بطرف رأي الجويني، إذ تردّد في مقدار المصلحة (١).
واشترطوا للعمل بالمصلحة المرسلة شروطاً أربعة:
(١) أن تكون المصلحة من المصالح التي لم يقم عليها دليل شرعي يلزم منه إلغاؤها. وذلك كالتي تقتضي جواز المساواة في الميراث بين الذكر والأنثى.
(٢) أن تكون المصلحة من المصالح المحقّقة. وذلك كتسجيل العقود فإنه يقلّل من شهادة الزور. فإن كانت المصلحة متوهَّمة لم يَجُزْ العمل بها.
(٣) أن تكون المصلحة من المصالح العامة. فلا يصح تشريع الحكم لقاء المصلحة الخاصة. وهذا ما اقتضى بطلان فتوى يحيى بن يحيى بوجوب الصوم في كفارة الإفطار عمداً دون الإعتاق، وهو من القادرين عليه. أنكر ذلك الفقهاء وقالوا: إنها فتوى تخالف النصّ.
(٤) أن تكون المصلحة معقولة في ذاتها غير جارية في الأمور التعبّدية أو العقوبات. وهي التي تدرك العقول معناها المناسبَ من تشريعها.
وقد عمل الصحابة بالمصلحة وبَنَوا كثيراً من الأحكام عليها.
ومعلوم أن التشريع الإسلامي قام على مراعاة مصالح الناس وتحقيقها للجميع.
ومما اعتمد الحكم فيه على العمل بالمصلحة مسائل كثيرة، نذكر منها:
стр. 993
° جمع القرآن في المصحف. وقد أمر به أبو بكر وانشرح له صدره، ورضيه عمر، ووافق عليه زيد بن ثابت، وأجمع على اعتباره الصحابة (١).
° إجماع السلف على جعل حد شارب الخمر ثمانين جلدة. وأصل هذا التحديد ما ارتآه عبد الرحمن بن عوف، أو علي بن أبي طالب. وحَدُّهُ عند الشافعي وأبي ثور وداود وأهل الظاهر أربعون. ثم أصبح الحد ثمانين مجمعاً عليه. وذلك ما حكاه النووي بقوله: هو أربعون، وللإمام أن يرقى به إلى الثمانين، وما دونها، تعزيراً إن رأى ذلك (٢).
° وضع دواوين العطاء: أول من فعل ذلك عمر بن الخطاب. رتب الناسَ فيها، وقدّر الأعطيات بعد مشاورته الصحابة. وتفرق ديوان العطاء بعد ذلك إلى ديوان الجند، وكان خاصاً بضبط ما ينوب الجند من العطاء، وديوان الخراج لمعرفة ما يرد إلى بيت المال، وما يفرض لكل مسلم من العطاء. وكان ذلك عندما أكثر الناس، وجُبيت الأموال، وفرضت الأعطيات (٣).
° ترك عمر قسمة الغنائم من أرض سواد العراق وقت الفتوح لتكون عُدّة لنوائب المسلمين (٤).
° تدوين الحديث في زمن عمر بن عبد العزيز وقوله: تحدث الناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور (٥).
стр. 994
° وأضاف الشيخ ابن عاشور إلى هذا كله ما أحدثه قضاة الإسلام وأئمته من أساليب المرافعات، وضرب الآجال، واستفسار الشهود، والسجن للملدّ عن الجواب، وإحداث يمين القضاء لمن أثبت لنفسه حقاً بالحجة على ميت أو غائب ونحو ذلك (١)
ونجد أمثلة أخرى للمصالح المرسلة عند الباحثين، فقد عدّوا منها:
° تضمين الصناع. والمصلحة في هذا ترجع إلى التيسير ورفع الحرج وحفظ الأموال (٢).
° جواز العقاب بأخذ الأموال على بعض الجنايات (٣).
° اختيار الأمثل للقضاء الإسلامي إذا فُرض خلو الزمان عن مجتهد يظهر بين الناس (٤).
° جواز التعذيب بالتهمة (٥).
° توظيف الإمام العدل الثقة الحصيف المأمون على شؤون المال (٦).
стр. 995
° جواز قتل الجماعة بالواحد (١).
° تعيين الخليفة أو اختياره مثل ما فعل أبو بكر وعمر (٢).
° إحداث عثمان أذاناً ثانياً يوم الجمعة بالسوق (٣).
° اتخاذ وسائل للإعلام بالقدر الذي لا يتنافى مع أصل من أصول الشريعة أو أي نص من نصوصها (٤).
وبناء على ما تقدّم وعلى ما ذكره صاحب المقاصد بشأن المصالح من قوله: لا يجوز الاختلاف في حجيتها إذا كانت مصالح محضة لا تعارضها مصالح أخرى ولا تخالطها مفاسد، نجد بعد التحليل موافقة جماعية على اعتماد المصالح مرّة بشروط كما هو الأمر عند الغزالي، ومرّة على الإطلاق.
ذكر ذلك عبد الوهاب خلّاف قائلاً: والذي خلص من أقوال العلماء في المصلحة المرسلة أنه لا خلاف بينهم في التشريع بها، وأنه لم يذهب واحد منهم إلى أنه لا تشريع إلا بناء على مصلحة اعتبرها الشارع بذاتها، لأن مصالح الناس تتجدّد. وقد تقتضي ضرورات الناس وحاجاتهم في عصر من العصور مصالح لم يكن لها نظائر في عصر التشريع، ولا بد من التقنين لها (٥).
стр. 996
وذهب الدكتور مصطفى زيد إلى أنه لا محل للخلاف في أصل بناء الأحكام على المصلحة، إذ هي من أقوى الأصول الشرعية، وأثبتها وأولاها بأن تُبنى الأحكام عليها، ما دامت المصلحة ملائمة لمقاصد الشارع، وما دام في بناء الأحكام عليها رفع حرج (١).
ويمضي الدكتور البوطي مثل خلّاف وزيد إلى دعم موقف الشيخ ابن عاشور خصوصاً حين يقول: وصفوة القول إن المصالح المرسلة مقبولة بالاتفاق. والمراد من الاتفاق اتفاق الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة. وليس من المهم بعد ثبوت ذلك أن تنكرها فئة كالظاهرية أو آحاد الأصوليين كالقاضي أبي بكر الباقلاني والآمدي (٢).
الاستحسان:
الاستحسان في الأصل ميل النفس إلى ما تهواه وترضاه دون رعاية دليل من الأدلة الشرعية المعروفة. وهو ما واجهه أهل الأثر بالتصدّي والإبطال حتى بلغ الأمر بالإمام الشافعي إلى القول بأن من استحسن فقد شرعّ، أي وضع شرعاً من قبل نفسه (٣). وهذا في واقع الأمر ما لا يقول به أحد من الأئمة. ولدفع ألوان المعارضة إلى الاختفاء ضبط الفقهاء للاستحسان معناه الاصطلاحي. قال الكرخي: هو العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر لوجه أقوى يقتضي هذا العدول. وممن انتصب للردّ على الإمام الأعظم أبي حنيفة لاعتماده الاستحسان قبل ضبط معناه الاصطلاحي
стр. 997
الأصولي، عدد لم يتبيّن لهم أن الاستحسان قسم خامس من الحجج الشرعية عند صاحب المذهب. وهذا تسّرع في الطعن، وقدح في مقالة الإمام، ولمّا يقفوا على المراد من الاستحسان في الاصطلاح (١).
وقال ابن العربي من المالكية: الاستحسان عندنا وعند الحنفية هو العمل بأقوى الدليلين.
وقال القاضي أبو يعلى من الحنابلة: الاستحسان مذهب أحمد. وهو أن يُترك حكم إلى حكم أولى منه. وحدّد الشاطبي موضع العمل بالاستحسان في قوله: يُعمل به إذا كان القياس يؤديّ إلى فوات مصلحة أو إلى جلب مفسدة. فيجب تركه حينئذٍ لما فيه من الحرج (٢).
وذكره السرخسي وجعله أحد قياسين: أحدهما جليّ ضعيف الأثر يسمى قياساً، والآخر خفي قويّ الأثر يسمى استحساناً. والترجيح إنما يكون بالأثر لا بالخفاء والوضوح (٣).
وهو أنواع كثيرة بحسب طرق إثباته. ذلك أنه يمكن أن يثبت بطريق النص، أو بالإجماع، أو بالضرورة، أو بالعرف، أو بالمصلحة.
(١) فالاستحسان الثابت بالنص يشمل جميع المسائل التي أعطاها الشارع حكماً مخالفاً لحكم نظائرها على وجه استثنائي
стр. 998
كالسَّلَم والإجارة والتوصية والحكم ببقاء الصوم لمن أفطر ناسياً.
(٢) والاستحسان الثابت بالإجماع أي باتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ في زمن من الأزمان على حكم شرعي لحادثة على خلاف الأصل العام المقرّر في أمثالها، أو سكوتهم على ما يفعله الناس دون إنكار عليهم. ومن أمثلته الاستصناع وإطفاء الظمأ نظير مبلغ معيّن من المال.
(٣) الاستحسان الثابت بالضرورة والحاجة. ويكون في كل مسألة يُعدل فيها عن القياس لحاجة الناس وضرورتهم. ومثاله الحكم بطهارة سؤر سباع الطير، والحكم بطهارة البئر التي وقعت فيها النجاسة.
(٤) الاستحسان الثابت بالقياس الخفيّ. ومحلّه وجود قياسين جليّ وخفيّ فيعدل عن الأول كما في وقف الأراضي الزراعية.
(٥) الاستحسان الثابت بالعرف كالنهي عن بيع وشرط. ومثاله أن يحْلف المرء على أن لا يأكل لحماً ويأكل سمكاً. ويتحقّق في كل مسألة جرى العرف فيها على خلاف القياس.
(٦) الاستحسان الثابت بالمصلحة المرسلة. ويكون في كل مسألة عُدل فيها عن الحكم الذي يَقْضِي به القياس إلى حكم آخر يثبت لها بناء على المصلحة الراجحة كعدم إنهاء عقد المزارعة بموت المتعاقدين أو أحدهما، وكدفع الزكاة إلى بني هاشم.
وفرّقوا بين القول بالمصلحة المرسلة والقول بالاستحسان؛ فإذا كان الأخذ بالمصلحة في مقابل قاعدة عامة اعتبر ذلك استحساناً، وإن لم يكن فيه مخالفة للقياس لم يكن استحساناً.
стр. 999
سدّ الذرائع:
الذريعة لغة: هي السبب، والوسيلة إلى الشيء، وجمعها ذرائع. ومثلها الدريئة، وهي الجَمل يُختَل به الصيد، يمشي الصياد إلى جنبه فيستتر به، ويرمي الصيد إذا أمكنه، ويسيّب ذلك الجَمل مع الوحش أولاً حتى تألفه.
وللمنية أسباب تقرّبها ... كما تقرب للوحشيّة الذرع (١)
وفي اصطلاح الفقهاء والأصوليين: هي الأشياء التي ظاهرها الإباحة، ويتوصّل بها إلى فعل محظور. وهذا الاصطلاح يطلق في الواقع على ما اشتهر بين العلماء بسدّ الذريعة. والمراد به حسم داء الفساد، دفعاً له إذا كان الفعل السالم من المفسدة وسيلة إلى المفسدة (٢). وقد بنى الشاطبي هذه القاعدة على أساس أن النظر في مآلات الأفعال معتبر ومقصود شرعاً. وقال المازري: سدّ الذريعة منع ما يجوز لئلا يتطرّق به إلى ما لا يجوز (٣).
ومن المعلوم أن المصطلح بالمعنى الذي حدّدناه هو ما استقر عليه الأمر عند علماء الشريعة لقَصرهم الحديث عن الذرائع، في كتبهم، على ما أفضى إلى الفساد خاصة. يقول ابن تيمية: الذريعة ما كان وسيلة أو طريقاً إلى الشيء، لكن صارت في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى فعل محرّم. ولو تجرّدت عن ذلك الإفضاء لم يكن فيها مفسدة فليست إلا سبباً ومقتضياً (٤). وعلى هذا النحو جرى
стр. 1000
تلميذه ابن القيم (١).
وقد وردت تعاريف كثيرة أخرى لهذا المصطلح عند الشاطبي (٢)، والشوكاني (٣). وذكره ابن العربي مجارياً لما ذهب إليه الإمام المازري في تحديده، قال: هو كل عقد جائز في الظاهر يؤول أو يمكن أن يُتوصَّل به إلى محظور (٤).
وأركان الذريعة ثلاثة: الوسيلة، والإفضاء، والقصد. ويفرق الشيخ محمد هشام البرهاني بين الأركان الثلاثة بقوله، منتزعاً ذلك من تعريف الذريعة: "إنها عبارة عن أمر غير ممنوع في نفسه، قويت التهمة في التطرّق به إلى الممنوع". فعبارة "أمر غير ممنوع لنفسه" إشارة إلى الوسيلة، وعبارة "قويت التهمة في التطرّق به" إشارة إلى الركن الثاني وهو الإفضاء، وعبارة "إلى ممنوع" يحدّد وصف القصد أو المتوسل إليه (٥).
ولا أظنّ أن ركن الذريعة هو على ما صوّره، لما سبق في التعريفات أنها لا يشترط فيها القصد. فقد يكون المتوسَّل إليه محرّماً، سواء أراد المتذرّع ذلك القصد السيئ أو لم يرده.
وتبعاً لتقسيم القرافي الذرائع إلى ما يجب سدّه وما يجب فتحه، وما هو موضع اجتهادٍ ونظرٍ بين الفقهاء والمجتهدين يقول الشيخ ابن عاشور: الذريعة في الشريعة الإسلامية قسمان:
قسم لا يفارقه كونه ذريعة إلى فساد، لاطِّراد هذا الوصف فيه،
стр. 1001
لأن الفساد من خاصة ماهيته. وهذا القسم من أصول التشريع عند الإمامين مالك وابن حنبل، وعليه بنيت أحكام كثيرة منصوص عليها مثل تحريم الخمر. والقياس أصل في هذا الباب.
والقسم الثاني ما يصير مآله إلى فساد كثيراً أو قليلاً. وهذا منه ما يكون سبباً للتشريع المنصوص عليه لمنع النبي ﷺ بيع الطعام قبل قبضه، ومنه ما تكون وقائعه وصوره غير قائمة في زمن الرسول، ولكنها مما استَجدّ بعد ذلك. وقد اختلفت أنظار الفقهاء فيه؛ فربما اتفقوا على حكمه، وربما اختلفوا. وذلك بحسب مقدار اتضاح الإفضاء إلى المفسدة وخفائه، وكثرته وقلته، ووجود معارض ما، يقتضي إلغاء المفسدة وعدم وجوده، وتوقيت ذلك الإفضاء ودوامه. ومثال هذا بيوع الآجال التي لها صور كثيرة. قال مالك بمنعها لتذرّع الناس بها كثيراً إلى إحلال معاملات الربا التي هي مفسدة. فإن الاعتداد بالتهمة عند مالك قائم فيها، إذ ليس لقصد الناس تأثير في التشريع، لولا أن ذلك إذا فشا صار القصد مآلَ الفعل. وهو مقصود الناس فاستحلّوا به ما حرّم عليهم. ومن دقائق الفهوم ما اتجه إليه نظر إمام دار الهجرة: إذا كان المنع منها لأجل التهمة كان حقاً ألّا يُمنع ما صدر منها عن أهل الدين (١). وفي هذا إبطال لكلام الغزالي (٢). وإنما جعلت التهمة علامة على التمالي على إحلال المفسدة الممنوعة (٣).
стр. 1002
وختم الشيخ ابن عاشور كلامه عن الذريعة بالتنبيه في مجال التفقّه والاجتهاد إلى التفريق بين الغلوّ في الدين، وبين سدّ الذريعة. وهي تفرقة دقيقة، لأن سدّ الذريعة موقعه وجود المفسدة، والغلو موقعه المبالغة والإغراق في إلحاق مباح بمأمور أو منهي عنه شرعاً بدعوى خشية التقصير. وهذا من التعمّق والتنطّع المذمومين شرعاً. وهو سبب ما يعرض لكثير من الناس من الوسوسة الذميمة. ولهذا انتهى في تحرير هذا الموضوع إلى القول بأنه يجب على المستنبطين والمفتين أن يتجنّبوا مواقع الغلو والتعمّق في حمل الأمة على الشريعة وما يسنّ لها من ذلك (١).
ومما سبقت الإشارة إليه نعلم أن سدّ الذرائع أصل من الأصول المعتمدة في التشريع. أخذ به المالكية والحنابلة، كما قدمنا، مستدلين بقوله : ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ (٣)، وقوله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (٤).
وذكر ابن رشد أن أبواب الذرائع في الكتاب والسُّنة يطول ذكرها ولا يمكن حصرها. وقال ابن القيم: ولو أباح الرب الوسائل والذرائع المفضية إلى الشيء المحرّم لكان ذلك نقضاً للتحريم وإغراء للنفوس به، وحكمةُ الشارع وعلمُه يأبى ذلك كلَّ الإباء (٥).
وأنكر الحنفية والشافعية الأخذ بقاعدة سدّ الذرائع. وقالوا:
стр. 1003
ليست هي من أدلة الفقه لأن الذرائع هي الوسائل، والوسائل مضطربة اضطراباً شديداً. فقد تكون حراماً وقد تكون واجبة، وقد تكون مكروهة أو مندوبة أو مباحة (١).
ومن المؤكد أن الإمامين أبا حنيفة والشافعي رُوي عنهما نفيُ اعتبارهما الذريعة دليلاً وحجّةً صراحةً، كما وردت عنهما نصوص تشهد باعتبارها عندهم. فمن ذلك ما جاء في النهي عن بيع السلاح في الفتنة. قال الشافعي: أصل ما أذهب إليه أن كل عقد كان صحيحاً في الظاهر لم أُبطله بتهمة ولا بعادة بين المتبايعين، وأَجزتُه بصحة الظاهر، وأكره لهما النية، إذا كانت النية لو ظهرت كانت تفسد البيع (٢). كما أن نصوصه صريحة في عدم سد الذريعة في بيوع الآجال، وقوله فيها قولاً واحداً لم يختلف فيه عنه أصحابه.
وقد نصَب القرافي والشاطبي الخلاف في الذرائع بين مالك والشافعي في هذا القسم دون غيره من أقسام الذريعة. ومما جاء عنه من النصوص ما يشهد ظاهرها بعمله بقاعدة سد الذرائع. فهو يقول: ولا نحسب مبايعة مَن أكثرُ ماله الربا أو ثمنهُ المحرّم ما كان اكتسابه المال من الغصب والمحرّم كله. وإن بايع رجل رجلاً من هؤلاء لم أفسخ البيع؛ لأن هؤلاء قد يملكون حلالاً فلا يفسخ البيع، ولا نحرم حراماً بيَّناً، إلا أن يشتري الرجل حراماً يعرفه، أو بثمن حرام يعرفه، وسواء في هذا المسلم والذمي والحربي. والحرام كله حرام (٣). ويحمل هذا على أن الإفضاء لو كان مقطوعاً به عادة لعاد على العقد بالإبطال.
стр. 1004
وأمثلة الحنفية أكثرها وارد في باب البيع الفاسد. فمن ذلك قولهم فيما إذا آجره دابته لينقل عليها الخمر أو آجره نفسه ليرعى له الخنازير. وكذلك بيع ما هو من لباس النساء للرجل يلبسه، وكذلك الإسكافي يأمره إنسان أن يتخذ له خفاً على زي المجوس أو الفسقة، أو الخياط يأمره رجل أن يخيط له ثوباً على زي الفساق. كل ذلك كرهه الصاحبان مع تصحيح العقد والقول بنفاذه. وعلَّلا لهما بأنه تعاون على المعصية، وأجازه أبو حنيفة من غير كراهة، لعدم القطع بالإفضاء إلى المآل الفاسد، وهو استعماله في الوجه الذي هو معصية (١).
وكتب الفقه ودواوينه بها أثر من اعتبار سدّ الذرائع في أكثر الأبواب من عبادات، ومعاملات، وأنكحة، وقضاء، أو في الشهادات، وفي الحدود والجنايات، والوصايا والمواريث.
ونحن وإن ضاق بنا المجال عن ذكر أمثلة لذلك من مختلف أبواب الفقه، نرى من الضروري تبعاً لما فعله المتقدّمون أن نقف على الأقل في موضوعنا هذا على أمثلة ظهر فيها أثر اعتبار الذرائع في الأحكام في قسم المعاملات. ذكروا منها ثمانية فروع موزّعة بين البيوع والسلم وتضمين الصنّاع.
ومن الفروع الثمانية نهيُ الشرع عن أن يجمع الرجل بين سلف وبيع.
قال ابن رشد: اتفق الفقهاء على أنه من البيوع الفاسدة (٢)،
стр. 1005
ودليله الحديث: نهى رسول الله ﷺ عن بيع وسلف (١). ومن تفسير مالك له قال: آخذ سلعتك بكذا على أن تسلفني كذا وكذا. فإن عَقَد المتبايعان البيع على هذا الشرط فالبيع غير جائز، وإن ترك صاحب الشرط شرطَه جاز البيع وانعقد. وقال الصنعاني: في هذه الصورة تحيّل لأجل ما يفضي إليه من الفساد. ووجه سدّ الذريعة في هذا المثال ما صرّح به ابن القيم في قوله: نهى النبي ﷺ أن يجمع الرجل بين سلف وبيع. ومعلوم أنه لو أفرد أحدهما عن الآخر صحّ. وإنما ذلك لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعة إلى أن يقرضه ألفاً، ويبيعه سلعة تساوي ثمانمائة بألف أخرى. فيكون قد أعطاه ألفاً وسلعة بثمانمائة ليأخذ منه ألفين. وهذا هو معنى الربا. فانظر إلى حمايته الذريعةَ إلى ذلك بكل طريق (٢).
ومنها بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. وقد اختلفت آراء العلماء في هذا البيع. فمنهم من يقول بجواز ذلك مطلقاً وهو مذهب الشافعي, وهو الرواية الصحيحة عن أحمد. وفي المجموع: لا ربا في الحيوان عندنا، فيجوز بيع شاة بشاتين وبعير ببعيرين ونحو ذلك، وكذا سائر الحيوان (٣). وقال ابن قدامة: لا يحرم النَّساء في شيء من ذلك سواء بيع بجنسه أو بغيره متساوياً أو متفاضلاً (٤).
ومذهب أبي حنيفة منع بيع الحيوان بالحيوان نسيئة مطلقاً. ومذهب مالك عدم جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة فيما اتفقت منافعه وتشابه، مع التفاضل. وفيما عدا ذلك فهو جائز.
стр. 1006
قال مالك: ولا بأس أن يبتاع البعيرَ النجيبَ بالبعيرين أو بالأبعرة من الحمولة من ماشية الإبل، وإن كانت من نَعَم واحدة، فلا بأس أن يشتري منها اثنان بواحد إلى أجل إذا اختلفت فبان اختلافها، وإن أشبه بعضها بعضاً واختلفت أجناسُها أو لم تختلف فلا يؤخذ منها اثنان بواحد إلى أجل (١). وقد اختلفت الأدلة بين أصحاب هذه الآراء الثلاثة ما بين سُنة وآثار وإجماع أهل المدينة. ومن أدلة مالك في أساس مراعاة منع النَّساء عند اتفاق الأغراض سد الذريعة. وذلك لكونه من باب سلف جرّ نفعاً. وهو محرّم.
أما إجماع أهل المدينة فقد صوره مالك بقوله: الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا بأس بالجمل بالجمل مثلِه وزيادة دراهم يداً بيد، ولا بأس بالجمل بالجمل مثله وزيادة دراهم: الجمل بالجمل يداً بيد والدراهم إلى أجل. قال: ولا خير في الجمل بالجمل مثلِه وزيادة دراهم، الدراهمُ نقداً والجمل إلى أجل، وإن أَخّرت الجمل والدراهم لا خير في ذلك أيضاً (٢).
ومنها منع بيع السلعة بالسلعة نقداً بكذا، ونسيئة بكذا إذا تفرّقا قبل تعيين الثمن. وحجّة مالك في ذلك سد الذريعة الموجبة للربا، لإمكان أن يكون مَنْ له الخيار قد اختار أولاً إنفاذ العقد بأحد الثمنين المؤجل أو المعجل، ثم بدا له ولم يُظهِر ذلك، فيكون قد ترك أحد الثمنين للثمن الآخر فيكون كمن باع الثمنين بالثاني فيدخله بيع ثمن بثمن نسيئة أو نسيئة ومتفاضلاً.
واعتمد سائر الأئمة كون الجهالة في الثمن مفضية إلى النزاع. ففي قول الشافعية: ولو قال: بعتك هذا بألف نقداً أو ألفين إلى سعة
стр. 1007
فخذ بأيهما شئت أنت أو شئتُ أنا؛ فهو باطل للجهالة (١). وقال ابن قدامة: وإن قال: بعتك بعشرة صحاح أو إحدى عشرة مكسرة أو بعشرة نقداً أو عشرين نسيئة لم يصح، وعللوا عدم الصحة بجهالة الثمن (٢).
ومن هذا القسم النهي عن البيع وقت صلاة الجمعة، وبيع الرجل على بيع أخيه، والنهي عن بيع السلاح في الفتنة، وبيع العنب لعاصر الخمر، وبيع الثمار قبل بدو صلاحها.
وذكروا فرعين في باب السَّلَم:
أولهما: المسلَم فيه المتعذر تسليمه واختلاف العلماء فيه على رأيين (٣):
الأول: التخيير بين أن يأخذ المسلِمُ الثمن، أو يصبر حتى يوجَدَ المسلَمُ فيه، وهذا رأي الأئمة: الشافعي وأبي حنيفة وأحمد (٤).
الثاني: فسخ العقد وأخذ صاحب المال ماله إذا تعذر على المسلَمِ إليه تسليم المسلَمِ فيه. وهذا أحد قولي الشافعي.
والقول بالرأي الأول أوْلى لما فيه من ضمان للمعاملات وإحسانٍ إلى المعسر.
والفرع الثاني: الإقالة من بعض المسلَم فيه. وفي هذا الفرع اختلاف المذاهب الأربعة. فإذا حلَّ الأجلُ في السَلَم وتراضى المسلِم والمسلَم إليه على الإقالة تعددت أقوال المذاهب:
قال مالك: لا تجوز الإقالة من البعض. فإما أن يقيله من الكل، وإما أن يأخذ الكل. ودليل ذلك سد الذريعة، لأن الإقالة من البعض وأخذ البعض منه تذريع إلى بيع وسلف وهو منهي عنه. وقد جاء هذا القول مفصلاً عند ابن رشد (٥).
стр. 1008
وذهب الشافعي إلى جواز الإقالة من بعض المسلَم فيه قياساً على الإقالة من الكل؛ لأن الإقالة منهم. فإذا جازت من الكل جازت من البعض. وورد شرح وتفصيل ذلك في المذهب (١). وقالت الحنفية بجواز الإقالة من البعض أيضاً. ودليلهم أن الإقالة شرعت نظراً للعاقدين لدفع حاجة الندم، وفي الإقالة من البعض نظر من المتعاقدين. قال الكاساني: وإن تقايلا السلَم في بعض المسلم فيه، فإن كان بعد حِلِّ الأجل جازت الإقالة فيه بقدره إذا كان الباقي جزءاً معلوماً من النصف أو الثلث ونحوه، لما ذكرنا أن الإقالة شرعت نظراً (للعاقدين وفقاً لحاجة الندم)، وفي إقالة البعض دون البعض نظر من الجانبين (٢).
وروي عن أحمد قولان:
أولهما بمنع الإقالة عن بعض المسلم فيه لأن السلف في الغالب يزاد فيه في الثمن من أجل التأجيل فلم يجز، وفيه مراعاة لسد الذرائع.
ثانيهما: أن الإقالة من بعض المسلم فيه تجوز؛ لأن الإقالة مندوب إليها. وكل معروف جاز في الجميع جاز في البعض كالإبراء والإنظار (٣).
ومنها تضمين الصناع. ذهبت المالكية والحنابلة والإمامان من الحنفية والشافعي في أحد قوليه إلى تضمين الأجير المشترك. قال ابن رشد: وأما تضمين الصناع ما ادعوا هلاكه من المصنوعات المدفوعة إليهم. فمذهب مالك أنهم يضمنون ما هلك عندهم (٤). وقال ابن قدامة: الأجير المشترك ضامن لما جنت يداه (٥). وذهب أبو حنيفة والشافعي في القول الآخر إلى عدم الضمان إذا لم يقع تعدٍّ منه. وبهذا قال زفر والحسن بن زياد. قال الكاساني: الأجير لا يخلو إما
стр. 1009
أن يكون مشتركاً أو خاصاً، فإن كان مشتركاً فهو أمانة في قول أبي حنيفة وزفر والحسن. وهو أحد قولي الشافعي (١). وقال الربيع: الذي ذهب إليه الشافعي أنه لا ضمان على الصنَّاع إلا ما جنت أيديهم. ولم يكن يبوح بذلك خوفاً من الضياع (٢). والدليل على القول الأول، وهو القول الراجح في هذه المسألة السُّنة وسد الذرائع. أما السُّنة فقول رسول الله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (٣).
وأما العمل بقاعدة سد الذرائع في هذا الفرع، فلأن الأُجراء الذين يسلّم المال إليهم من غير شهود وتُخاف الخيانة منهم، لو علموا أنهم لا يضمنون لهلكت أموال الناس؛ لأنهم لا يعجزون عن دعوى الهلاك. فسدّاً لهذه الذريعة قالوا بتضمين الصناع. ومما يؤيد هذا الاتجاه قول الإمام علي: لا يَصلح الناس إلا بذلك.
وقال الشاطبي: إن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصنَّاع. ووجه المصلحة منه: أن الناس لهم حاجة إلى الصناع، وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، وإلا غلب عليهم التفريط وترك الحفظ. فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأفضى بهم ذلك إلى أحد أمرين: إما ترك الاستصناع بالكلّية، وإما أن يهملوا ولا يضمنوا ذلك بدعوى الهلاك والضياع، فتضيع الأموال ويقلّ الاحتراز وتتطرّق الخيانة، فكانت المصلحة التضمين.
الحيلة:
الحيلة والاحتيال والتحيّل في أصل اللغة: الحذق وجودة
стр. 1010
النظر، والقدرة على دقّة التصرّف في تدبير الأمور (١). وعلى هذا النحو من التعريف جرى الراغب الأصفهاني في المفردات (٢)، والبجيري في الحيل في الشريعة الاسلامية (٣). وعلى هذا المعنى جرى استعمال المخارج والمعاريض في كتب الفقه.
والاستعمال الغالب للحيل والتحيّل والاحتيال يطلق على الوسائل المُتوصَّل بها إلى المقصود السيئ. والكلمات ذات الصلة الواردة بهذا الغرض هي المكر والكيد، والخداع والخديعة والمخادعة، والمدالسة والمخاتلة، وقريب من هذه الكلم الخذل كالذي ورد من قول النبي ﷺ لنعيم بن مسعود: خذِّل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة (٤).
وليس من باب الحيلة أو التحيّل التدبير والحرص والورع؛ لأنها عمل مأذون فيه بصورة غير صورته أو بإيجاد وسائله (٥).
وتطلق الحيلة ونحوها في الاصطلاح على ما يتوصل به إلى مقصود خفي. وهي قسمان: جائزة وغير جائزة (٦).
أركان الحيلة:
أركان الحيلة أربعة، هي:
أولاً: الوسيلة التي يتوصل بها إلى المقصود قولاً كانت أو فعلاً، مشروعة أم غير مشروعة.
стр. 1011
ثانياً: المقصد. وهو الغاية التي يراد التوصل إليها عن طريق الوسيلة ويكون المقصد مشروعاً أو غير مشروع.
ثالثاً: القصد وهو نية التوصل إلى المقصود بسلوك الوسيلة المفضية إليه.
رابعاً: الخفاء في وجه التوصل إلى المقصود.
ومن الحيل مشروع وغير مشروع.
فمن الحيل المشروعة قول أبي بكر وقد سألة المشركون عن الرجل الذي معه، وهو في طريقه إلى الهجرة: هاد يهديني السبيل (١).
ومنها قول أبي حنيفة لمن سأله: يا إمام، لي ولد، ليس لي غيره. فإن زوّجته طلّق، وإن سرّيته أعتقَ. وقد عجزت عنه فهل من حيلة؟ قال الإمام: اشترِ الجارية التي يرضاها هو لنفسه ثم زوجها منه فإن طلق رجعت إليك، وإن أعتق أعتق ما لا يملك.
وقد أطلقوا على الحيل الجائزة التي توافق مقاصد الشرع كلمتي المعاريض والمخارج. والمعاريض جمعٌ، واحدُه المعراض، وهو التعريض كالتورية. ويقابله التصريح. وهو اللفظ الذي له ظاهر وباطن أو قريب وبعيد، يوهم المتكلم به إرادة المعنى الظاهر المتبادر إلى الذهن، وهو يريد في الواقع المعنى الباطن أو البعيد، أو هو الكلام الجائز الذي يقصد به التكلم معنى صحيحاً يتوصل به إلى مقصد مشروع، ويتوهم غيره أنه قصد به معنى آخر. وقد ورد استعماله في القرآن في قوله ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (٢)؛ وورد على لسان إبراهيم ﵇ حين أراد الطاغية سوءاً
стр. 1012
بزوجته سارة، وسأله من تَكون؟ قال: هي أختي، يوهمه بأنها أختُه من النسب. وهو في واقع الأمر يريد أختَه في الدين. وفي هذا دَفع للظلم واتقاء لما يمكن أن يترتّب على سَورة الغضب عند عدوه (١).
والمخارج هي التي يتخلّص بها من المكروه أو يجلب بها المحبوب. وواحدها مخرج. ورد بهذا اللفظ القرآني في قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٢). وهذه التسمية واردة بكثرة في كتب الحنفية. ومثال المَخرَجِ ما أشار به الإمام أبو حنيفة على رجل نهبت داره. ولما ضايق اللصوصَ استحلفوه بالطلاق ألا يدل عليهم. فذهب إلى الوالي وطلب حصر مَن في الحي وسوقهم جميعهم إلى الإمارة. ولما بدأ استعراضهم ظل الوالي يسأله عن كل واحد منهم فإن كان من غير اللصوص، قال: ليس منهم، وإن كان منهم سكت الرجل ولم يجب بكلمة. وهكذا وقع التعرف على اللصوص وأخذ ما سرقوه منه (٣).
وقال الشعبي: لا بأس بالحيل فيما يحل ويجوز. وقد يكون في الحيلة ما هو أكبر فائدة وأعظم أثراً. فمن الحيل ما يتخلّص به من المآثم والحرام ويُخرَجُ به إلى الحلال. فما كان من هذا أو نحوه فلا بأس. وإنما يكره من ذلك أن يحتال الرجل في حق الرجل حتى يبطله، أو يحتال في باطل حتى يموّه، أو يحتال في شيء حتى يدخل فيه شبهة. فأما ما كان على هذا القبيل الذي قلنا فلا بأس بذلك (٤).
стр. 1013
وقال الشاطبي في موافقاته: لا يمكن إقامة دليل من الشريعة على إبطال كل حيلة، كما أنه لا يقوم دليل على تصحيح كل حيلة. فإنما يبطل منها ما كان مضاداً لقصد الشارع خاصة. وهو الذي يتفق عليه جميع أهل الإسلام، ويقع الاختلاف في المسائل التي تتعارض فيها الأدلة (١).
وعرّف الفقهاء الحيل المشروعة والجائزة فقالوا: هي التي تكون وسيلتها مشروعة وغايتها كذلك.
وقصر الشيخ ابن عاشور كلامه على الحيل غير المشروعة وغير الجائزة. وقد سبق تعريفه لها في كتابه (٢). وحمله هذا الاتجاه على تأويل ما وقع من الحيل المشروعة مما اشتمل عليه الكتاب والسُّنة. وأكثرَ الفقهاءُ من ترديد ذكر الحيل في كتبهم ودواوينهم. يقول الإمام الأكبر: فأما ما كان وارداً في آثار شريعتنا فمخارجه ظاهرة، ومن ذلك:
ما رخّص فيه النبي ﷺ مما كان وقوعه في مبدأ التشريع، مثاله ما روي في الموطأ وصحيح مسلم: أنه لما أُبطل التبنّي وكان سالم مولى أبي حذيفة متبنّىً لأبي حذيفة، جاءت سهلة بنت سهيل زوج أبي حذيفة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن سالماً يدخل علينا وأنا فضل، وليس لنا إلا بيت واحد. فقال لها رسول الله ﷺ : "أرضعيه تحرمي عليه". فقالت: يا رسول الله كيف أرضعه وهو كبير؟ فضحك رسول الله ﷺ وقال: "قد علمت أنه رجل كبير". فقال نساء رسول الله ﷺ : والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله ﷺ لسالم خاصة. وأَبَيْنَ أن يدخل عليهن أحد بهذه الرضاعة (٣).
стр. 1014
ومنها ما كان من شريعة سابقة فلا نطيل القول في تأويله، إذ ليس بين أيدينا من بقية فروع تلك الشريعة ما يقنعنا في معرفة مخالفة مقدار الصورة الظاهرة المدعوّة عندنا بالحيلة لبقية أحكام تلك الشريعة. ومن أمثلة ذلك: إذن الله تعالى لأيوب بأن يصرب امرأته براً بيمينه. فقال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (١)، ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ (٢). ومن هذا قوله ﷺ لعائشة: "خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق" (٣).
وإنه لمن الغفلة أن يقاس على مثل هذه الحيل، فتجعل أصلاً للقياس عليها، مع تحقق أن الحيلة لا تشتمل على معنى أو حكمة يصحّ القياس عليها، إذ قد اتفقنا أن الحيلة مخالفة للحكم ومفيتة للمقصد (٤).
والحيل غير المشروعة أو المحرّمة هي تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله من الظاهر إلى حكم آخر .. فمآل العمل فيها في الواقع خرم لقواعد الشريعة. كالواهب ماله عند رأس الحول، فراراً من الزكاة. فإن أصل الهبة على الجواز ولو منع الزكاة من غير هبة لكان ممنوعاً. فإن كل واحد منهما ظاهر أمره في المصلحة أو المفسدة. فإذا اجتمع الأمران صار مآل الهبة المنع من أداء الزكاة. وهو مفسدة (٥).
وأخذ بعضهم بمذهب البخاري، وهو رأي أهل الحديث (٦)، متوسعاً في مفهوم الحيلة: التحيّل بوجه سائغ مشروع في الظاهر أو
стр. 1015
غير سائغ من إسقاط حكم أو قلبه إلى حكم آخر، بحيث لا يسقط أو لا ينقلب إلا مع تلك الواسطة فتُفعل ليتوسل بها إلى ذلك الغرض المقصود مع العلم بكونها لم تشرع له.
وكأنّ التحيُّلَ مشتمل على مقدمتين:
إحداهما: قلب الأفعال بعضها إلى بعض في ظاهر الأمر.
وثانيتهما: جعل الأفعال المقصود بها في الشرع معان ووسائل إلى قلب تلك الأحكام. ولذلك عرّفه أبو إسحاق الشاطبي، في المسألة العاشرة من القسم الثاني من كتاب المقاصد من تأليفه، تعريف تمثيل بقوله: إن الله أوجب أشياء وحرم أشياء، إما مطلقاً من غير قيد ولا ترتيب على سبب، كما أوجب الصلاة والصيام والحج وأشباه ذلك، وحرّم الزنا والربا والقتل ونحوها. وأوجب أيضاً أشياء مرتبة على أسباب، وحرّم أخرى كذلك، كإيجاب الزكاة والكفارات وما أشبهها. فإذا تسبّب المكلف في إسقاط ذلك الوجوب عن نفسه، أو في إباحة ذلك المحرّم عليه بوجه من وجوه التسبّب، حتى يصير الواجب غير واجب في الظاهر، أو المحرّم حلالاً في الظاهر أيضاً، فهذا التسبب يسمى حيلة وتحيلاً (١). وختم كلامه هذا، في المسألة الثانية عشرة بقوله: لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد كانت الأعمال معتبرة بذلك، لأنه مقصود الشارع منها. فإذا كان العمل في ظاهره وباطنه (أي منفعته وحكمته) على أصل المشروعية فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقاً والمصلحة مخالفة فالفعل غير صحيح، لأن الأعمال الشرعية غير مقصودة لأنفسها، وإنما قصد بها أمور أخر هي معانيها. وهي المصالح التي شرعت لأجلها. فالذي عمل من ذلك
стр. 1016
على غير هذا الوضع فليس على وضع المشروعات (١).
وقال صاحب المحيط: وضابط الحيلة إن كانت للفرار من الحرام والتباعد من الإثم فحسن، وإن كانت لإبطال حق مسلم فلا. بل هي إثم وعدوان.
وقال ابن القيم في الحيلة: هي المخادعة أو المراوغة بإظهار أمر جائز ليتوصل به إلى أمر محرّم (٢). وذهب ابن قدامة إلى أن الحيل كلها محرّمةٌ غير جائزة في شيء من الدين، ومثّل لذلك بقوله: كأن يظهر عقداً مباحاً يريد به محرّماً مخادعة وتوسلاً إلى ما حرم الله، واستباحةِ محظوراته، أو إسقاط واجب، أو دفع حق أو نحو ذلك (٣). وبمثل هذا التعريف عرّفها شارح الاقناع وصاحبُ منتهى الإرادات.
والحيل المحرّمة عبارة عن تصرّف مشروع لا يقصد به المتصرّف حقيقتَه وحكمَه الذي وضَعه الشارع له، بل يقصِد التصرّف المحرّم وقلب الحكم الشرعي.
وختام ما نورده من تعاريف الحيلة تعريفُ الإمام الأكبر لها بقوله: هي إبراز عمل ممنوع شرعاً في صورة عمل جائز، أو إبراز عمل غير معتدّ به شرعاً في صورة عمل معتدّ به، لقصد التفصّي من مؤاخذته. والتحيّل من هذا القبيل هو الذي يتوصّل له إلى مقصد ذميم. وهو شرعاً ما كان المنع فيه شرعياً والمانع الشارع (٤).
стр. 1017
أنواع التحيّل:
التحيّل، من حيث أنه يُفيتُ المقصد الشرعي كلَّه أو بعضَه، أو لا يفيته، يمكن بالاستقراء أن نردَّه إلى خمسة أنواع. قال الشيخ ابن عاشور:
النوع الأول: تحيّل يفيت المقصد الشرعي ولا يعوّضه بمقصد شرعي آخر. وذلك بأن يتحيّل بالعمل لإيجاد مانع من ترتّب أمر شرعي. فهو استخدام للفعل لا في حالة جعله سبباً بل في حالة جعله مانعاً. وهذا النوع لا ينبغي الشك في ذمَّه وبطلانه، ووجوب المعاملة بنقيض مقصِد صاحبه إن اطلع عليه.
النوع الثاني: تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه ينقل إلى أمر مشروع آخر، أي استعمال الشيء باعتبار كونه سبباً. فإن ترتّب المُسبب على سببه أمر مقصود للشارع. ومثله هذا الانتقال من سبب حكم إلى سبب حكم آخر، في حين يكون المكلف مخيّراً في اتباع أحد السببين. فعلم أن أحدَهما يكلفه مشقةً فانتقل إلى الأخفّ. وهذا النوع جائر على الجملة لأنه انتقال من حكم إلى حكم، وما فوّت مقصداً إلا وقد حصّل مقصداً آخر. وتختلف في ذلك الأمثلة.
النوع الثالث: تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه يسلك به أمراً مشروعاً هو أخفُّ عليه من المنتقَلِ منه. وأمثلة هذا تدلّ عند الشيخ ابن عاشور على أن هذا ألصق بمقام الترخّص إذا لحقت المكلف مشقةٌ من الحكم المُنتقَل منه. وهذا أقوى من الرخصة المفضية إلى إسقاط الحكم من أصله.
النوع الرابع: تحيّل في أعمال ليست مشتملة على معانٍ عظيمة مقصودة للشارع. وفي التحيّل بها تحقيق لمماثل مقصد الشارع من تلك الأعمال. وهذا كتحيّل من صدرت منه يمين لا يتعلق بها حق
стр. 1018
الغير، فإنّ البر باليمين في حقّه هو الحكم الشرعي. والمقصد المشتمل عليه البر هو تعظيم اسم الله تعالى الذي جعله شاهداً عليه ليعمل ذلك العمل. فإن ثقل عليه البرّ فتحيل للتفصّي من يمينه بوجه يشبه البر، فقد حصل مقصود الشارع من تهيّب اسم الله تعالى. وللعلماء في هذا النوع مجال من الاجتهاد. فمذهب مالك لزوم الوفاء وإلّا حنث، ومذهبُ فخر الإسلام أبي بكر الشاشي فيما نقله عن ابن العربي أن لا حنث عليه إذا تحيّل مثلاً بتغيير يُلحقه بثوبه. وقد حلف ألا يلبس هذا الثوب .. وكان بعض الحنفية يفتي من حلف ألّا يدخل الدار بأن يتسوّرها وينزل من باب سطحها. وهذا بالنسبة للأعاجم لأن الدخول عندهم مقصور على الدخول العادي.
النوع الخامس: تحيّل لا ينافي مقصد الشارع. وهو يعين على تحصيل مقصده ولكنّ فيه إضاعة حق لآخر أو مفسدة أخرى (١).
وما من شك في أن الحيل المحرّمة هي كما صوّرها ابن القيم من مكائد الشيطان التي كاد بها الإسلامَ وأهلَه. فإن الحيلة متى تضمّنت تحليل ما حرّم الله، وإسقاطَ ما فَرَضَه، ومضادتَه في أمره ونهيه، لا تكون إلا باطلة. وهذا ما اتفق السلف على ذمّهِ وصاحوا بأهله من أقطار الأرض. ويؤكد هذا التصوّر ما بنيت عليه الشريعة الإسلامية من سماحة ورفق وعدل ووفاق. وهذا دليل كمالها وعظمتها. فهي الصراط المستقيم الذي لا أَمْتَ فيه ولا عوج، وملته الحنيفية السمحة التي لا ضيقَ فيها ولا حرج، بل هي حنيفيةُ التوحيد، سمحةُ العلم لم تأمر بشيء فيقول العقل: لو فهمت عنه لكان أوفق، ولم تنه عن شيء فيقول الحِجا: لو أباحته لكان أرفق،
стр. 1019
بل أمرت بكل صلاح، ونهت عن كل فساد، وأباحت كل طيب، وحرمت كل خبيث (١).
ومثل هذا التأكيد يحمل الناظر على التوقّف في أمر التحيّل المختلفةِ أنواعُه، المتباينةِ أغراضُه. كما يحمل على النظر في الذرائع، وما يكون بها من شدّة في إبطال كثير من الأعمال الجائزة والمباحة. ولا يتجلّى لنا هذا إلا باتباع النظر في التحيّل بالنظر في الذرائع.
وفرّق د/ محمود حامد عثمان بين التحيّل وسد الذرائع بقوله: إذا كانت الحيلة عبارة عن تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، وكانت الذريعة هي ما كان ظاهره الإباحة ويُتَوصَّلُ أو يمكن أن يُتَوصَّل به إلى محظور، يتضح لنا أن الذرائع والحيل قاعدتان متشابهتان، والكلام فيهما متداخل. وهما يلتقيان أحياناً ويفترقان أخرى. ولهذا التداخل حُمل مَن كتب عنهما على التكلم على إحداهما أثناء كلامه على الأخرى. وعلى أن يستدل لإحداهما بأدلة الأخرى (٢).
وقال الشيخ ابن عاشور: للذرائع تعلّق قوي بمبحث التحيّل، إلا أن التحيّل يراد به إعمال بعض الناس في خاصّة أحواله للتخلّص من حق شرعي عليه، بصورة هي أيضاً معتبرة شرعاً حتى يظن أنه جار على حكم الشرع. وأما الذرائع فهي ما يفضي إلى فساد سواء قصد الناس به إفضاءه إلى فساد أم لم يقصدوه، وذلك في الأحوال العامة. فحصل الفرق بين الذرائع والحيل من جهتين: جهة العموم والخصوص، وجهة القصد وعدمه.
стр. 1020
والحيل المبحوث فيها لا تكون إلا مبطلة لمقصد شرعي، والذرائع قد تكون مبطلة لمقصد شرعي من الصلاح، وقد لا تكون مبطِلة (١).
وبيان الفرق بين الحيلة والذريعة يحصل بأربعة أمور هي:
أولاً: إن الحيل قد تكون للتخلّص من قواعد الشريعة كما هو ظاهر من تعريفها.
ثانياً: الحيل تجري في العقود خاصة، والذرائع في العقود وغيرها، فهي أوسع (٢).
ثالثاً: اشتراط القصد في الحيل، وعدم اشتراطه في الذرائع. فمتى وجد القصد في الذريعة فهي حيلة، ومتى عدم فهي ذريعة. فقد تجتمع الحيلة والذريعة. وقد يفارق كل منهما الآخر كما مرّ.
فمثال ما كان ذريعةً سبُّ الأوثان عند من يعلم من حاله أنه يتجرأ فيسبّ الله.
ومثال ما كان حيلة وليس ذريعة ما يحتال به من المباحات في الأصل كتفويت النصاب قبل الحول تخلّصاً من الزكاة.
رابعاً: اجتماع الذريعة والحيلة: كشراء البائع السلعة من مشتريها بأقل من الثمن المستحق وما شابه ذلك (٣).
* * * * *