الفصل الثالث: الأموال
° تعريف المال:
المال: هو ما تقوم عليه المعاملات جميعها، فإليه تستند، وبه تتحقق وتُنجز.
وقد جاء في تعريف المال عن اللغويين والمحدّثين والفقهاء عبارات مختلفة كثيرة تضيق وتتسع بحسب تصوّرهم له، وبحسب ما يمليه الحال في كل عصر.
قال ابن الأثير: المال في الأصل ما يُملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان. وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل لأنها كانت أكثرَ أموالهم ذكراً.
وفي اصطلاح الفقهاء من الحنفية عرّفه ابن عابدين بما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقته (١). وشرطه أن يكون عيناً مادية لها وجود خارجي بحيث يمكن إحرازها وحيازتها وادخارها. وبهذا الوصف لا يطلق المال عندهم على المنافع خلافاً للجمهور.
وهو عند الشافعي فيما نقل عنه لا يقع إلا على ما له قيمة يُباع بها وتلزم بتلفه.
وذهب الشاطبي من المالكية إلى أن المال هو ما يقع عليه الملك ويستبد به المالك عن غيره، إذا أخذه من وجهه.
стр. 1052
وتوسع جمهور الفقهاء فأطلقوه على ما يشمل الحقوق المقوّمة والمنافع جميعاً. فهو يطلق على كل ما له قيمة مادية بين الناس، وجائز الانتفاع به انتفاعاً مشروعاً حال السعة والاختيار (١). وهذا احترازاً من الخمر والنجاسات والخنزير.
وعرّفه الشيخ ابن عاشور بتعريفين خاصًّ وعامًّ. ذكر الأولى في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٢) قال: هو ما بقدره يكون قدر إقامة نظامِ معاشِ أفرادِ الناس، في تناول الضروريّات والحاجيّات والتحسينيّات بحسب مبلغ حضارتهم، حاصلاً بكدْح (٣). وذكر التعريف الثاني وهو العام الذي لا يتعلق بمداخيل الفرد فحسب، قائلاً والمال الذي يدال بين الآحاد هو على وجه الجملة حق للأمة عائد عليها بالغنى عن الغير. وبناء على هذا الاعتبار تكون للمال أنواع متعددة. فالمال الذي يقام به نظام المعاش ثلاثة أنواع على ما فصّله الإمام الأكبر (٤).
° أنواع المال:
منه ما تحصل به إقامة نظام المعاش بذاته دون توقّف على شيء آخر من غيره. وهذا كالحبوب والأطعمة والثمار. وكذلك الحيوان فيما أذن لنا بأكله، والانتفاع به: بصوفه وشعره، ولبنه وجلوده. قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَالْأَنْعَامَ
стр. 1053
خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١)، وقوله: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢).
وهذا النوع من الرزق هو أعلى أنواع الأموال وأثبتها. ومنافعه حاصلة به من غير توقف على أحوال المتعاونين على كسبه، ولا على ما جرى به اصطلاح التنظيم له بين الناس.
والنوع الثاني: ما يحصل ويكمل به نظام العيش. وهذا كالأرض للزرع وللبناء عليها، والنار للطبخ والإذابة، والماء لسقي الأشجار، وآلات الصناعات لصنع الأشياء من الخشب والصوف ونحو ذلك. وهذه الأشياء التكميلية قد تكون بأيدي أناس يضنُّون بها، وربما حالت دون نوالها موانع من حرب أو خوف أو وعورة طريق أو غير ذلك. وهي دون شك ذات أهمية بالغة. وإليها يرجع مَوْردان من الموارد المالية هما الفلاحة والصناعة.
والنوع الثالث: هو ما تحصل إقامة العيش به مما اصطلح البشر على جعله عوضاً عما يراد تحصيله. وهذا كالنقد والعملة مما هو متوافر اليوم، وكالمعاوضات التي كان يحصل بها التبادل والتعاون للاكتساب والتملك قديماً، كما تَبرز صورة ذلك في أنواع التجارات والمعاوضات التي ضبطتها الشريعة الإسلامية بقوانين فقهية وأحكام استنبطها العلماء من أئمة وفقهاء في كل عصر من مصادر التشريع الإسلامي المختلفة المتنوعة وهو ما أدّى بهم إلى تفصيل القول فيها
стр. 1054
لإناطة الأحكام بها فيما اعتبره الشارع من المقاصد جالباً للمصالح ودارئاً للمفاسد.
ولا بدع في ذلك فإن المال جميعه، الذي بأيدي الناس، هبة من الله لهم، تقتضي شكرَ المنعم، والامتثالَ لمنهجه وأحكامه التي وَجَّه بها عباده للقيام بواجباتهم تحصيناً ووقاية للإنسان من الأمراض الخُلقية والسلوكية المزمنة. وبقدر ما تحدّث القرآن الكريم والسُّنة النبوية الشريفة عن الأنواع المختلفة للمال تكسباً وامتلاكاً في مجالي المعاوضات والتبرعات، فإن الإسلام يصرف المسلمين عن اتخاذ المال هدفاً لذاته، ويأمرهم بالسعي إلى تحقيق المقصد الشرعي منه بما سخره الله لنا في السموات والأرض، فنفيد منه ونستخدمه استخداماً صالحاً كريماً، من أجل إشباع حاجاتنا وحاجات مجتمعاتنا، ضمن الإطار الديني العام وتعاليم الإسلام، ووفقاً للمفهوم الأساس للاقتصاد الإسلامي الرشيد.
وفي الآيات الكريمة أحكام للمعاملات تنظم حياة الناس وتقيهم الظلم والعدوان في المكاسب.
من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢).
وفي الآيتين تحذير للناس من التجرؤ على أكل المال بالباطل، أي ظلماً ومن غير وجه حق، إلا أن تكون الأموال عن تجارة. فإنه يُحصَل عليها بالتبادل بين الطرفين وعن طيب نفس، ولقصد المتصدّي
стр. 1055
للتجارة الحصولَ على مال زائد على قيمة ما بذله المشتري. فمن هذا الوجه الذي قد يكون به اشتباه خصّت التجارة في الآية بالاستدراك والاستثناء. والمقصد الشرعي من ذلك هو إباحة الجزء الزائد المتراضى عليه لاعتبار التجارة مدارَ رواج السلع الحاجية والتحسينية. ولولا تصدّي التجار وجلبهم السلع لما وجد صاحب الحاجة ما يسدّ حاجته عند الاحتياج.
° أقسام المال في الملكية:
قسم علماؤنا المال إلى أقسام أربعة مختلفة:
القسم الأول: تقسيم المال بالنسبة للملكية. وهو ثلاثة أنواع:
(١) ما لا يجوز تمليكه ولا تملّكه بحال. وهذا كالطرق والجسور والحصون والسكك الحديدية ونحوها. فهذه أموال عامة ليس لأحد أن يمتلكها لتعلّق حق الناس جميعهم بها.
(٢) ما لا يَقبل التمليك إلا عند وجود المسوّغ الشرعي. وهو الأعيان الموقوفة والعقار المملوك لبيت المال. والوقف لا ملك فيه لأحد عند أكثر الفقهاء، وهو عند غيرهم مملوك للواقف أو للمستحقين لريعه. وملكيتهم له ليست ملكية مطلقة. وأما المملوك لبيت المال فإنه ملك لجماعة المسلمين.
(٣) ما يقبل التمليك بلا شرط دائماً وفي كل حال. وهو ما هو حق في متناول الأفراد والجماعات كلهم كالصيد (١).
القسم الثاني: كون المال من الثوابت كالعقار من أرض ومبانٍ، أو كونه من المنقول. وهو على نوعين: إما سلعة كالنبات والجماد والحيوان، وإما ثمن.
стр. 1056
والقسم الثالث: يشمل الأموال الخاصة مضافة إلى أصحابها، وكذلك الأموال العامة، وما يتجمع في بيت المال من مختلف الموارد فهي أموال المسلمين. وكان هذا النوع في صدر الإسلام يتمثل في أموال الزكاة التي كانت تعم أذواد الإبل المعدّة لحمل المجاهدين، واللامة المرصودة للبس المجاهدين، وكذلك الأدرع والأعتدة تحبس في سبيل الله، وما جعل لمنفعة المسلمين كبئر رومة (١).
والقسم الرابع للمال: هو ما اختلف بين نقدي وعيني.
ويحتاج الناس في معاملاتهم إلى التفريق بين الثمن والقيمة.
أما الثمن فهو إما أن يكون ثمناً بالخلقة كالذهب والفضة، وإما أن يكون ثمناً بالاصطلاح كسائر النقود من غير النقدين، سواء أكانت ورقية أم من المعادن.
وأما القيمة فهي ما يقوّم به المقوّمون الشيء استناداً إلى ما بذل في تحصيله من جهد ومال مع إضافة ربح معقول تعارف الناس عليه.
وقد اتسمت السياسة المالية في الإسلام بالوسطية لأهمية المال عند الشارع وعند الناس. ووَرَدَ في المصدرين: الكتاب والسُّنة منهج شرعي إلهي يحدد ما أمر به سبحانه من سياسة مالية ينجو بها المرء من غوائل الدهر، ويحصل بها التكافل والتراحم بين أفراد الناس كافة. فالرزق جميعه بيد الله، أنعم به على عباده. وقضى لكل واحد منهم بما قسم له مما يليق به، بحسب ما جبلت عليه نفسه، وما يحفُّ به من أحوال النظم المحيطة به في هذا العالم ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ
стр. 1057
قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (١)، و ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (٢).
ويحملنا هذا على التطلع إلى معرفة المقاصد الشرعية الحاكمة للمعاملات وللتصرّفات المالية بين الناس. فنتبين أسرار التشريع فيما يعود إلى مقاصد البشر النافعة، وما تتحقق به الموازنة بين جميع طبقات المجتمع الإنساني.
فإن من السياسة الدينية ما يقوم على توجيه العباد في تصرّفاتهم المالية، وإن كانوا أحراراً في الأساس في مباشرة ما عهد به إليهم من رزق حُرِمَ منه غيرهم.
ومنها بيان حقيقة الإنفاق لذلك المال في السبل المشروعة.
وكذلك وجوب الاستجابة للأوامر والنواهي الشرعية التي تقتضي مراعاة أحكام الله التي لا يجوز إغفالها ولا تجاوزها نفياً للظلم، وحماية للحقوق، وإقامة للعدل.
ولكون المال وهو الذهب والفضة والحلي والنقود مما تُقتنى به أعواض الأشياء المحتاج إليها، وكذلك الجنات والحوائط وحقول الزرع مما أنعم الله به على عباده، وائتمنهم عليه وامتحنهم فيه، اعتُبر ذلك كله من متاع الحياة الدنيا، تحرِص النفوس على الحصول عليه، والتنافس فيه، والتواثب عليه. وتغلب عليهم شقوتُهم بقدر تعلق نفوسهم به وإفراطها في طلبه، استجابة لشهوتها النزاعة إليه، غير ناظرة إلا إلى جانبه المغري، ساهية عما يخفيه وينطوي عليه من مذام.
стр. 1058
ففي الذكر الحكيم جاء تصوير الأموال بالفتنة إذا كانت مقصودة من الناس لذاتها، لا لأداء ما يتعلق بها من واجبات أو صرفها في وجوه البر كما أمر الله المنعمُ بها. قال : ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
وإلى جانب هذه الحقيقة الثابتة التي تعتبر في الخَلق فطرةً وجبلةً وُجودُ ما يساعد النفوس على الاستقامة والرشد فيما يصدر عنها من تصرّفات يمليها الشارع وتقتضيها طبيعة أحكامه. وهذه هي القاعدة الأولى قاعدة حُسن التصرّف. وإنك لتجدها مع قواعد أخرى في أبواب المعاملات، تأسست على توجيهات وتعاليم دينية، وعلى تشاريع وأحكام شرعية، إذا خرج عنها العبد ولم ينقد إليها، سُمجت نفسه، وطاش عقله، وقويت شهوته، واقتعد الهوى غاربَه. فإذا صدر عنه بعد ذلك أي عملٍ، كان حجة عليه شاهداً بتجاوزاته، وتعريةً لأمراضه النفسية، وحجاباً بينه وبين المصلحة الكلية التي أوجب الباري مراعاتَها والسيرَ على وفقها إصلاحاً للبشر ودعماً للأمة وإقامة للعمران.
والقاعدة الثانية هي الوسطية في البذل والعطاء. وهي الواقعة بين الحدَّين الذميمين: الإفراط والتفريط. فالله، جلّت حكمته، أمرنا بالتزامها في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٢)، وفي قوله: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (٣)، وفي قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (٤). وقال أحدهم في تحديد السرف: لا
стр. 1059
خير في السرف، فأجيب بأنه لا سرف في الخير. ولهذه النظرة مؤدّاها، والمقصد منها.
وفي هذا التوجيه والتشريع الإلهيين: التنبيهُ أولاً على أنه سبحانه جعل المال عوضاً لاقتناء ما يحتاج إليه المرء في حياته من ضروريات وحاجيات وتحسينيات كما قدمنا، وأنه قدّر ثانياً أن يكون المال مرصوداً لإقامة مصالح الأمة.
وربما دلت الثروة على معنى المال وأطلقت بإزائه. فقد قرن بينهما الشيخ ابن عاشور حين أراد استجلاء المقصد الشرعي منهما وذلك في قوله: مال الأمة ثروتها (١).
وأمعن المعاصرون في تحديد الثروة، وجعلوها قسمين باعتبارٍ أوسع وأدق. فقالوا: هي من جهة تشارُك في الأعمال الإنتاجية في شكل نقدي، ومن جهة ثانية ما يتحول إلى معدات إنتاجية تتخذ أشكالاً مختلفة عدداً، وآلات ومولدات طاقة ومبانيَ وأثاث، يترتّب على إنتاجها التضحية بإنتاج مختلف السلع والخدمات الاستهلاكية. وهي العنصر الإنتاجي الذي نسميه رأس المال في حين أن الشكل النقدي الأول ليس إلا تعبيراً نقدياً عن عنصر التنظيم الذي يواجه المخاطرة وعدم التأكد (٢).
ويقتضي هذا النظر حماية مكاسب الناس أولاً بعدم انتزاع الملك من صاحبه بدون رضاه لقوله ﷺ : "ليس لعرق ظالم حق" (٣).
стр. 1060
فإذا تعلق حق الغير بما ملكه المالك كان للحاكم أن يتدخل بالبيع، أو بالقضاء بالاستحقاق، وبإنزال العقاب بكل من أكل سحتاً أو تصرّف في أموال الناس بغير حق.
وقد كان رسول الله ﷺ يحاسب عماله وولاته. ووعظ النبي ﷺ أمته مقارناً بين ألوان السلوك القويم والجائر، موصياً بالعدل والتعفف عن المحاباة والجور في الأحكام، قائلاً: "إنما أهلك الذين من قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد" (١).
° الفوارق بين الأموال العينية والنقدية:
ومن الفوارق بين الأموال العينية والأموال النقدية أن الأولى يلحقها العرض والطلب، بخلاف الثانية وهي النقود فإنها لا تعرض إلا نادراً.
ومما يفرّق به بين الأعيان والنقود ما رواه البراء بن عازب وزيد بن أرقم من سؤال تاجرين النبي ﷺ عن الصرف فقال: "إن كان يداً بيد فلا بأس، وإن كان نَساء فلا يصلح".
وحديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن رسول الله ﷺ في ابتياع التمر الجنيب بالجمع (٢).
ومما ورد من نهيه ﷺ أن تكسر سكة المسلمين إلا من بأس (٣).
стр. 1061
ونهيه ﷺ عن استعمال الرجال للذهب والفضة لحكمة هي عدم تعطيل رواج النقدين بكثرةِ الاقتناء المفضي إلى قلّتهما (١).
وفي المقايضة تختلف أموال المعاوضات فيها بناء على تقابل إرادة العرض والطلب في زمن معين وبطريق محدد.
ومن ثم تظهر صعوبة التعامل بها كما أشار إلى ذلك الشيخ ابن عاشور لأسباب كثيرة، منها:
° توافق رغبات المتبادلين.
° وتحديد نسبة التبادل.
° وعدم إمكانية تجزئة السلع والخدمات.
المقايضة:
كان التعامل بين الناس في القديم قائماً على المقايضة. وهي تبادل سلعة بسلعة، أو خدمة بخدمة، أو سلعة بخدمة. وقلما وجد التعاوض بالنقود، إلا أن تُعتَبَرَ هي نفسها سلعة. وكانت أنواع المتموّلات في أموال المعاوضات من حبوب وفواكه وألبان ولحوم وسمك وعسل وأنعام ونحو ذلك. ولم تكن الغاية من الإنتاج في العصور الأولى الإثراء وجمع الثروات بل هي على العكس من ذلك تكاد تنحصر في إشباع الحاجات وتحقيق الاكتفاء الذاتي. وبناء على هذا لم تكن أموال المعاوضات تحتاج إلى وسيط نقدي وفقاً لظروف كل حالة من أحوال التبادل. ومتموّلات المعاوضات مختلفة متباينة، بحسب أنواعها في التمييز بين مبيع وثمن.
стр. 1062
فالأعيان القيمية هي غير التي من ذوات الأمثال وتُعتبر عند مقابلتها بالمثليات المعينة كالمبيع ومثال القيمية والمثلي هو الثمن مطلقاً وهو الثياب والدور والعقارات، والعدديات المتفاوتة كالغنم والبطيخ إذا بيع بالعدد لا بالوزن.
وإذا قوبلت الأعيان القيمية بالأموال غير المعينة، أي الملتزم بها في الذمة، فالعبرة في الثمنية بمقارنة حرف الباء مثل بعتك قنطاراً من السكر بهذا المشاع.
والمثليات هي أنواع من المكيلات والموزونات والذرعيات والعدديات متقاربة، إذا قوبلت أفرادها ب النقود فهي المبيعة، وإذا قوبلت بأمثالها كبيع قمح بزيت: فما كان منها معيناً يكون مبيعاً، وكل ما كان منها موصوفاً في الذمة يكون ثمناً. وإذا بيعت القيميات ببعضها يكون كل من العوضين مبيعاً من وجه، وثمناً من وجه آخر.
وهذه الأنواع من التصرّف، ما عدا ما كان أحد عوضيه نقداً، كانت أكثر دوراناً بين الناس، جاريةً بها معاملاتهم. وقد عرفت هذه الظاهرة، كما قدمنا في الأزمان الخالية وبخاصة في المناطق التي غلبت عليها البداوة والبساطة. ولما تطورت المجتمعات في أكثر البلاد وامتدت الحضارة إليها أصبح طلب الناس في تصرّفاتهم المالية منصباً في الغالب على أهم أنواع المتموّلات وهي النقود.
النقود:
اصطلح الناس في نظام حضارتهم المالية على اعتبار النقدين أعواضاً للتعامل. وهي في واقع الأمر نوع من المتموّلات استبدلت بالتعامل بالأعيان.
стр. 1063
ونظرة في المعاوضات بالأعيان تحملنا على ترتيبها باعتماد الناس عليها في معاملاتهم:
فالحبوب من القمح والشعير ونحوهما أيسر رواجاً من التمر والزبيب والتين المجفف. وهي أخف نقلاً، وأطول ادخاراً، وأكثر مرغوبية، وأيسر تجزئة.
والفواكه دون ذلك في جميع هذه الصفات.
والألبان واللحوم ضعيفة في جميعها.
والسمن والعسل مستويان في صفة الادخار والنقل، ومختلفان في وفرة المرغوبية.
والأنعام أقوى في وفرة المرغوبية وخفة النقل، وأعسر ادخاراً وتجزئة.
والرباع والعقار دون غيرها في معظم الصفات عدا صفة المرغوبية فالناس في اقتنائها أرغب، وعدا صفة الادخار لأن الخطر عنها أبعد.
ومما تقدم يظهر أن النقود من الذهب والفضة عوضان صالحان بغالب أحوال البشر، وخاصة في حالات الأمن واليسر والخصب. وبهما يكون التعامل أيسر من التعامل بالأعيان من سائر الجهات. وبخاصة من جهة سهولة تجزئة القيمة وسهولة التعاوض في الأمور الثقيلة في التسليم كالمقادير الكثيرة، وفيما يعسر فيه تعاوض الأعيان. وأضاف الشيخ هنا ملاحظة دقيقة هي أن النقدين عند حالة الاضطرار في مثل حالات الحصار والجدب والمجاعة لا تغني عن أصحابها شيئاً. وتبدو المزية الواضحة في التعامل بالنقدين في حالات أخرى منها:
стр. 1064
° أولاً: إمكان تمييز البائع من المشتري. فباذل المال مشترٍ، وباذل العوض بائع.
° ثانياً: أن النقدين يُطلبان ولا يُعرضان بخلاف بقية المتموّلات فإنّها يلحقها العرض والطلب. ولا يلحق العرض بالنقدين إلا نادراً.
° ثالثاً: وضع صاحب النقد مقداراً من ماله لمن يرغب في المعاملة به معه مثل وضع رأس مال السَّلَم، ورأس مالِ القراضِ، وترويج أوراق البنوك.
وتختلف النقود بعامة بين ذهب وفضة وفلوس معدنية مسكوكة رائجة، وأوراق نقدية كالتي يُتعامل بها في العصر الحاضر. والنقود أسهل رواجاً وأخف وزناً في النقل، وأطول مدة في الادخار، والرغبة فيها أشد لدى المتعاملين، لقابليتها للتجزئة إلى أجزاء قليلة. وصارت النقود اعتباراً لذلك كله أهمَّ ما اصطلح عليه البشر في حضارتهم المالية، ووضعوا النقدين أعواضاً بدل التعامل الطبيعي الذي كان تقايضاً بين الناس.
من النقود السلعية إلى النقود المعدنية:
ولما تطورت المعاملات انتقل التجار في الأسواق والمزارعون والفلاحون وأرباب الصنائع وغيرهم من اعتماد النقود السلعية في مبادلاتهم إلى النقدين: الذهب والفضة، طلبا لتيسير المعاملات، وتخلصاً من الصعوبات، ولكونها أثبتَ قيمة من غيرها من السلع.
وقد عرف العرب الجاهليون والمسلمون من بعدهم هذين المعدنين النفيسين. وورد ذكرهما في القرآن والسُّنة. ونحن نذكر عن طريق التنزيل الحكيم تبايع أهل الكهف بالورِق. وهو السكة من
стр. 1065
الفضة، كما نعلم أن النقد بدأ ينتشر في بلاد العرب وما حولها وتَعامل الناس به، وسمّوا العينين الذهب والفضة نقدين. واعتبر الفقهاء هذين المعدنين أثماناً بأصل الخلقة. وإثر ذلك ولمواجهة البيوعات والمبادلات البسيطة أو المهينة أحدثوا أثماناً دون الدينار والدرهم. فضربوا القيراط والدانق وهي الفلوس، وجعلوا قيمة الدانق سدس الدرهم، والقيراط نصف الدانق. فإذا كانت هذه الفلوس نافقة وأقبل عليها الناس فهي الرائجة، وإلا فهي فلوس كاسدة (١).
رأي الغزالي والمقريزي في النقدين:
نوّه الغزالي شديد التنويه بثمنيّة النقدين في قوله: إن الله تعالى خلق الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال حتى تقدر الأموال بهما ... وخلقهما لحكمة أخرى هي التوسل بهما إلى سائر الأشياء لأنهما عزيزان في أنفسهما، ولا غرض في أعيانهما، ونسبتهما إلى سائر الأموال واحدة. فَمَن ملَكَهما فكأنه ملك كل شيء.
ومن يتدبر هذه الجمل على اقتضابها يتبين سبق هذا العقل الجبار النافذ إلى إدراك حقائق هذه المعادن وخصائصها، والتعرف على ما لم يسبقه إليه أحد في ذلك. فهو يعلن من خلال هذا النص عن رغبات المتبادلين في التبادل، وعن كون الدنانير والدراهم خُلِقا ليكون تقديرُ الأموال عن طريقهما، وأنه من المتعيّن تثبيت قيمة النقدين فلا يكونان سلعاً. ومضى في تحليله مضيفاً أن كل من أجرى معاملة الربا على الدراهم والدنانير فقد كفر بنعمة الله وظلم؛ لأنهما
стр. 1066
خلقا لغيرهما لا لنفسيهما، وذلك قوله: "إذ لا غرض في عينيهما".
ولفتة أخرى إلى حجة الإسلام ترينا كيف توصل إلى تفسير صعوبات المقايضة، فهو يقول في معرض حديثه: إن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه وملبسه وسائر حاجاته. وقد يعجز عما يحتاج إليه ويملك ما يستغني عنه.
ويحدد بعد هذا نِسب التبادل، ويطرح صعوبة تجزئة السلع والخدمات على أساس أن السِلع تختلف من حيث حجمُها وطبيعتُها. فبعض السلع لا تقبل التجزئة لكبر حجمها، وهو ما يشكل عقبة في سبيل إتمام التبادل.
وتناول المقريزي نفس القضية في كتابه إغاثة الأمة بكشف الغمة قائلاً: "إن النقد [يريد المعدنين الذهب والفضة] أمر أساسي في حياة المجتمعات، يتخذ أساساً لتعيين ثمن المبيعات وقيم الأعمال. وقد لازم الناس من قديم الزمان في سائر البلدان، ولا يُعلم خبر صحيح ولا سقيم، عن أمة من الأمم ولا طائفة من طوائف البشر، أنهم اتخذوا في قديم الزمان ولا حديثه نقداً غيرهما" (١).
ولِما انتاب المجتمعات من نوائب، وحدث بها من تضخم في الأسعار، انتُقل في التعامل من اعتماد المقايضة إلى استعمال النقود.
وتعرض عدد آخر من علماء ومفكري العرب والمسلمين لقضية النقود من جوانب مختلفة، نذكر منها مقالة عبد الرحمن بن خلدون: "الكسب هو قيمة الأعمال البشرية. وأن الله تعالى خلق الحجرين المعدنيين من الذهب والفضة قيمةً لكل متموّل، وإن اقتني
стр. 1067
غيرهما في بعض الأحيان، فهما الذخيرة والقِنية وأصل المكاسب" (١).
وأودع صاحب المقدمة في هذا الفصل حقائق كثيرة تُصوّر مدى علاقة النقود بالقدرة الإنتاجية للدولة، والعلاقة بين الرخاء وسرعة تداول النقود. وأبرز لنا خاصية النقود بقوله: "وإن اقتنى سواهما في بعض الأحيان فإنما هو لقصد تحصيلهما بما يقع في غيرهما من حوالة الأسواق التي هما عنها بمعزل". وبهذا يقرّر خاصيات الثبات النقدي للنقدين: الذهب والفضة، ويشير إليه بقوله: "إن للذهب والفضة وظيفتين هامتين، فهما الذخيرة والقنية لأهل العالم في الغالب، كما أنهما القيمة لكل متموّل"، وبنى على ذلك "أن الناس اتخذوهما أداة للمبادلة والادِّخار".
وحدد ابن خلدون العلاقة بين النقود وبين القدرة الإنتاجية للدولة، وصرح في غير تردد: "أن الأموال من الذهب والفضة والجواهر والأمتعة إنما هي معادن ومكاسب كالحديد والنحاس والرصاص، وسائر العقارات والمعادن. والعمران يظهرها بالأعمال الإنسانية ويزيد فيها أو ينقصها. وما يوجد منها بأيدي الناس فهو متناقل متوارث. وربما انتقل من قطر إلى قطر أو من دولة إلى دولة أخرى بحسب أغراضه والعمران الذي يستدعي له".
وهو لا يلبث أن يحدثنا عن أن أكثرية الاقتصاد يقوم على تبادل المنفعة والحصول على الذهب والفضة ابتغاء الحصول بهما على سلع أخرى. وأن هذا رهين بنشاط الدولة ومن لنظرها من أرباب الأموال وأصحاب المهن والصنائع. يشهد لهذا قوله: "إن
стр. 1068
أقطار المشرق مثل مصر والشام وعراق العجم الهند والصين وناحية الشمال وأقطار ما وراء البحر الرومي لمّا كثر عمرانها كثر المال فيها، وعظمت دولهم، وتعددت مدنهم وحواضرهم، وعظمت متاجرهم وأموالهم. فإنه بلغنا عنهم في باب الغنى والرَّفَه غرائب تسير الركبان بحديثها، وربما تُتَلقى بالإنكار في غالب الأمر. ويحسب ما يسمع من العامة، يعزون ذلك لزيادة أموالهم، أو لأن المعادن الذهبية والفضية أكثر بأرضهم، أو لأن ذهب الأقدمين من الأمم استأثروا به دون غيرهم. وليس كذلك فمعدن الذهب من بلاد السودان. وهي إلى بلاد المغرب أقرب، وجميع ما في أرضهم من البضاعة فإنما يجلبونه إلى غير بلادهم للتجارة. فلو كان المال عتيداً موفوراً لديهم لما جلبوا بضائعهم إلى سواهم يبتغون بها الأموال، ولاستغنوا عن أموال الناس بالجملة" (١).
وهذا الوضع من الرخاء والرَّفَه مما يقتضيه العمران. فالعمران يظهر النقود بالأعمال الإنسانية فيزيد منها أو ينقصها.
النقود عند ابن القيم وابن عابدين:
إلى جانب نظرة المؤرخين للنقدين يذكر الفقهاء كابن القيم في إعلام الموقعين شيئاً عنهما أثناء حديثه عن ربا الفضل. ومن ذلك قوله: "فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات. والثمن هو المعيار، به يُعرف تقويم الأموال. فيجب أن يكون محدوداً مضبوطاً لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات بل الجميع سلع. وحاجة الناس إلى الثمن يعتبرون
стр. 1069
به المبيعات حاجة ضرورية عامة. وذلك لا يمكن إلا بسعر تُعرَف به القيمة. وذلك لا يكون إلا بثمن تقوّم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة، ولا يُقَوّمُ هو بغيره، إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخُلفُ، ويشتد الضرر كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح. فعمَّ الضرر وحصل الظلم. ولو جعلت ثمناً واحداً لا يزداد ولا ينقص بل تقوّم به الأشياء ولا تقوّم هي بغيرها لصلح أمر الناس" (١).
وخص ابن عابدين النقود برسالة مستقلة هي تنبيه الرقود على مسائل النقود. لخّص بها رسالة الغزّي التمرتاشي بذل المجهود في مسأل تغيّر النقود. وموضوع الرسالة، كما صرح بذلك مؤلفها بحث موضوع النقود من جهة الرخص والغلاء والكساد والانقطاع. وقد نقل فيها أكثر ما وقف عليه من كلام الأئمة.
أنواع النقود:
وظهرت بعد السلعة الوسطية التي كانت تستخدم في المقايضات النقودْ المعدنية. فاستعملوا لهذا الغرض الحديد، ثم النحاس، ثم المعدنين النفيسين، ثم البرونز. وبدأ ترتيب هذه النقود في التداول بالفضية ثم الذهبية. واتجهت كل واحدة منهما إلى مجال من المعاملات. وبقيت تُستخدم في المبادلات الصغيرة القليلةِ الأهمية نقودٌ أخرى من النحاس والبرونز والرصاص وأحياناً النيكل. وإنما اتخذت إنجلترة في منتصف القرن التاسع عشر الذهب أساساً لنظامها النقدي، حين توافرت لديها كميات معتبرة من الذهب. وذلك بعد قيام الثورة الصناعية واستعمال المحركات الميكانيكية، وتقدم التجارة
стр. 1070
الخارجية بفضل تطوّر وسائل النقل باستعمال البخار. وفي تلك الفترة من الزمن اكتشفت مناجم الذهب في الأورال وكاليفورنية وأسترالية. فعجل ذلك بسقوط العملة الفضية وتدنّيها وأصبحت من بين النقود الثانوية.
لكنّ تَميّز المعدنين: الذهب والفضة ببريقيهما جعلهما يُقدّمان على غيرهما من المعادن. وكان من أهم خصائصهما رغبة الناس فيهما وشغفُهم المتزايد بالزينة والتحلّي، وسهولة حملهما وسلامتهما من التلف، وقابليتهما للتجزئة، والتشابه والتجانس بين القطع المسكوكة من الذهب والفضة، وصعوبة تزييفهما وثبات قيمتهما. كل ذلك قضى لهذين النقدين على سائر المعادن. فكان لهما بذلك الرواج والادَّخار.
ولهذين النقدين قيمتان حقيقية ومعدنية. فالأولى هي قيمة المعدن في ذاته، والثانية القيمة الاصطلاحية التي تحددها الدولة للتعامل بذلك النقد.
وقد تتساوى القيمة الحقيقية للنقود مع قيمتها الاسمية فتعتبر النقود في هذه الحالة جيّدة. وإن كانت القيمة الحقيقية للنقود أكثر من قيمتها الاسمية وصفت النقود بالقويّة. وإن نزلت القيمة الحقيقيّة لهما دون قيمتهما الاسمية فهي نقود ضعيفة. ويُضاف إلى هذه القيم النقدية ما يسمى بالنقود الرديئة: وهي التي تطرد النقود الجيّدة. ومعنى ذلك أن النقود الجديدة لا تلبث أن تختفي من التداول غير قادرة على مزاحمة النقود القديمة. ووجه ذلك أن الجديدة تصدر إلى الخارج لتسديد الديون، وتُنتقى القديمة للاكتناز أو لتستخدم في الأغراض الصناعية أو لتُصنع وتُباع في شكل سبائك.
стр. 1071
النقود المساعدة:
اتخذ الناس نقوداً أخرى مساعدة، حين عمّت أطرافَ العالَم قُطراً فقُطراً موجةٌ جديدة اقتصادية قامت المعاملات فيها على النقود الورقية. وهذا ابتداء من منتصف القرن السابع عشر. وعزّزت هذه النقود الورقية تزايد نشاط التجارة الخارجية. وبدأ الصيارفة والتجار من القساوسة يجمعون النقود المعدنية حريصين على حفظها خوفاً من مخاطر السرقة والضياع، ومحافظةً منهم على عملة ذات قيمة عينية لا تشاركها فيها النقود الورقية.
وظهرت البنكنوت أو النقود النائبة والمثيلة. وهذه الأوراق لا تعتبر نقوداً في حقيقة الأمر، وإنما هي أوراق تنوب عن نقود حقيقية مودعة في البنوك. وبسبب هذه النيابة أو التمثيل أطلق عليها اسم نقود، وإن لم تكن كذلك. وهي تقوم مقامها على الوجه الكامل لكونها مغطاة ١٠٠ %. فإذا قدمت هذه الأوراق إلى البنك اعتبرت بمثابة دين عليه، فيتلقى الوديعة ويدفع ما بذمته من المعادن.
وظهرت بعد هذا النقودُ الورقية الائتمانية التي أصدرتها البنوك حين رأت أن ليس من الضروري أن تغطِّي ما صدر من الأوراق النقدية بغطاء معدني مقداره ١٠٠ % من قيمتها. وجرياً وراء الربح أصدرت من الأوراق النقدية ما يتجاوز قيمة المعادن المحتفظ بها كغطاء أو ضمان لطلبات التحويل. وتم ذلك بالفعل عن طريق منح البنوك قروضاً تجارية وخاصة. وبدأ يظهر هذا في صورة عمليات الخصم أو صكوك الائتمان التي كثر إصدارها. وتدفّقت الأوراق النقدية في التداول بجانب النقود التي سبق إصدارها بغطاء. وبذلك أصبحت في أيدي الأفراد كميات من أوراق النقد لا تقابلها أرصدة نقدية.
стр. 1072
وتتولى هذه العمليات البنوكُ التجارية التي آلت إلى بنوك مركزيّة تشرف عليها الحكومات.
واطردت عمليات الإصدار هذه، وارتفعت أثمان السلع والخدمات، وزاد الشعور بعدم الثقة. واصطلحوا على تسمية هذه النقود الجديدة بالنقود الورقية الإلزامية أو القانونية. وأصبحت أوراق البنكنوت مجرد أوراق تستمد قوتها الشرائية من قوة القانون، ومن ثقة المتعاملين بها. ولا بد من ملاحظة أن هذه النقود الإلزامية تنسحب على كافة المسكوكات فضية كانت أو برونزية. وهي لا تحتوي من المعادن إلا ما يقل في قيمته عما تمثله من قيمة نقدية.
ثم استقلت البنوك المركزية الموزعة على الدول عامة بإصدار تلك الأوراق النقدية. وتعامل الناس بها في تصرّفاتهم المالية، وسعوا إلى تحصيلها بمساعٍ شتى، أو حملوا على السعي إليها امتثالاً (١).
* * * * *
стр. 1073
الفصل الرابع: مقاصد التصرّفات المالية ونظر الشريعة في أهمية الأموال
في تمهيد كتاب مقاصد الشريعة إشارة واضحة من صاحبه إلى كون القصد من مصنّفه هذا هو بحث مقاصد الشريعة في قوانين المعاملات، وفي الآداب التي يتميّز بها الإسلام باعتبارها قواعد التشريع الإسلامي وأساسَ قوانينه وسياساته الاجتماعية (١). وإذا كان المتقدمون من الفقهاء قد صرفوا جهودهم لكشف أسرار التشريع في العبادات خاصّة، فإن أهميّة هذا الموضوع والحاجة إليه، حملت الشيخ ابن عاشور على الاستدراك عليهم، وعلى الالتفات إلى مثل ما أبدوه من مقاصد وخصائص في العبادات، بمحاولة الوقوف على مثل ذلك في المعاملات.
* * * * *
стр. 1074
من مقاصد المعاملات المالية
وعند بحث مقاصد التصرّفات الماليّة وما بعده، ذكر الإمام ثالثة أركان الإسلام "زكاة الأموال"، منوّهاً بها، ومعتبراً بقاءها شعاراً للمسلمين، وانتفاءها علامة للمشركين. وفي هذا تنبيه على ما للمال من قدرة على القيام بمصالح الأمة اكتساباً وإنفاقاً. وأشار إثر ذلك إلى أهمية المال البالغة، كما تدلّ على ذلك الآيات الكثيرة الكريمة. فقد ورد ذكر المال في معرض المواساة به، ثناء وتحريضاً، وأكّد المؤلّف على ما يكون به من قضاء على نوائب الأمة، مشيراً إلى تنويه الرسول ﷺ بدور المال في قوله: "ذهب أهل الدثور بالأجور"، و"اللهم أعطِ منفقاً خلَفاً وممسكاً تلَفاً". وبعد ذكر الأدلة من المصدرين على أهميته وازن بين وجوه إنفاقه، وأشار إلى ما طُبعت عليه النفوس من حب له، واعتبارها إياه فتنة. فذكر إجماع الصحابة على طلبه والسعي إليه خلافاً لموقف أبي ذر منه. وعدّ العلماء المال من الكليات الخمس. وجعل الفقهاء نظام نمائه وطرق دورانه معظم مسائل الحاجيات، كالبيع والإجارة والسَّلَم. واعتبرت الشريعة حفظ مال الأمة، وتوفيره لها، مقصداً من أهم مقاصدها. وهو حق الحاصلين عليه، وثروةٌ للأمة ينتفع به الناس آحاداً وجماعات في جلب نفع، أو دفع ضُرّ، في مختلف الأحوال والأزمان والدواعي، انتفاعَ مباشرة أو وساطة. وذكر بعد هذا الأوصاف الخاصة المقوّمة له (١).
стр. 1075
وفصّل الإمام القول في التملّك والتكسّب. جاعلاً التملّك من أصول الحضارة البشرية، وأنه الأصل الأصيل للإثراء البشري وللاختصاص. وهو عبارة عن اقتناء الأشياء التي يستحصل منها ما تُسَدُّ به الحاجة بغلاته أو بأعواضه.
وتتفرّع عنه من الحقوق ما ترجمت عنه كثير من المعاملات كإحياء الموات والمغارسة. وقيدت الشريعة تصرّف الناس فيه للأحرار الرشداء. ولا يتوقّف هذا الحق إلا بسبب صبا أو سفه أو إفلاس ونحوه.
والتكسب وهو الوجه الثاني للتصرّفات المالية عبارة عن معالجة إيجاد ما يسدّ الحاجة إما بعمل البدن أو بالمراضاة مع الغير. وأصول التكسب ثلاثة: الأرض، والعمل، ورأس المال. وذكر علماء الاقتصاد أن التملك والتكسب سببٌ للقيام بالعديد من الوظائف الاجتماعية، وجعلت الشريعة ما يتفرع عنهما من أحكام مبنياً على الشروط والالتزامات. ومن أمثلة ذلك حديث العداء بن خالد أنه اشترى من رسول الله ﷺ عبداً أو أمة فأمره أن يكتب له بذلك: هذا ما اشتراه العداء بن خالد من رسول الله ﷺ . اشترى منه عبداً أو أمة بيع المسلم للمسلم لا داء ولا خبئة ولا غائلة (١).
ومما تقتضيه مقاصد التملك إعطاء المالك حقَّ التصرّف في ماله، وتحرم مُضارَّة المسلم غيره في ملكه، وعدم التعامل بالربا لما فيه من إضرار بالعامة والخاصة. وكل ما دخل في ملك الإنسان عن طريق غير شرعي مهدر، وهو ظلم ينبغي أن يُرفع. ولا يجبر الإضرار بحقوق الناس، ولا يحافظ على أموالهم وعلى الإنتاج، غير محاسبة الناس وإقامة العدل بينهم. فهذا رسول الله ﷺ يقول: "من استعملناه منكم على عمل فَكَتَمَنا مخيطاً فما فوقه فهو غالٌّ يأتي بما غلّ يوم
стр. 1076
القيامة .. ألَا من استعملناه على عمل فليجئ بقليله وكثيره. فما أعطي منه أخذ وما نهي عنه انتهى".
أ - مصارف المال: البرّ، والصدقات، والزكاة:
رغَّبت الشريعة في وجوه البرّ والصدقات، وفَرضت الزكاة على مَن ملك نصاباً. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تذكّر أهل الوفرة والثروة بأن ما أتيح لهم من وفرٍ آت من أبواب اتسعت لبعض فضاقت على آخرين. ومن ثَم وجب أن يكون ذلك الوفر محفوظاً لإقامة أود المعوزين، وأهل الحاجة الذين يتزايد عددهم بقدر وفرة الأموال. وخير البذل ما يكون في اكتساب الزلفى من الله. "السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد عن النار؛ والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار. وَلَجاهلٌ سخيّ أحبّ إلى الله من عابد بخيل" (١).
ومن أجل هذا قال أحدهم وهو يدعو: اللهم هب لنا حمداً وهب لنا مجداً. فإنه لا حمد إلا بفعال ولا فعال إلا بمال. ولكون أموال الأفراد من أموال الأمة، فإن لذوي القربى والمساكين وأبناء السبيل حقاً في تلك الأموال.
стр. 1077
وقد أوضح الإمام الأكبر أن القصد الشرعي من عدم التبذير ومن عدم الإمساك والبخل أن تكون للأمة أموال هي عدّةٌ لها، وقوةٌ لابتناء أساس مجدها والحفاظ على مكانتها، حتى تكون مرهوبة الجانب، مرموقة بعين الاعتبار، غير محتاجة إلى من قد يستغل حاجتها، فيبتز منافعها، ويدخلها تحت نير سلطانه (١).
الزكاة:
من الواجب والفضل إنفاق المال في البر. وأول البر الزكاة.
والزكاة لغة: النماء والريع والزيادة. قال علي بن أبي طالب: المال يزكو بالإنفاق. وترد بمعنى الصلاح كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ (٢)، وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) بمعنى صلح ويصلح. وأطلقت أيضاً على ما يُخرج من حق الله في المال لكونها تطهيراً للمال مما اختلط به من حق الغير. وفي الحديث: زكاة الفطر طُهرة للصائم (٤). كما وردت بمعنى التثمير والإصلاح والنماء بالإخلاف من الله تعالى. قال النسفي: سميت الزكاة زكاةً لأنه يزكو بها المال بالبركة ويطهّر بها المرء بالمغفرة (٥). ولعل هذا مأخوذ من قوله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٦).
стр. 1078
وفي الاصطلاح عرفها الماوردي بقوله: الزكاة عبارة عن أداء حق مخصوص من مال مخصوص، على أوصاف مخصوصة لطائفة مخصوصة. وهي فريضة من فرائض الإسلام وركن من أركانه. قَرَنَها الله بالصلاة في غير ما آية. فهي عبادة لله، وحق معلوم للمحاويج الذين ذكرهم سبحانه في كتابه. وهي محددة المقدار والوعاء والتوقيت والشروط.
وقد حذر الله من الإمساك عن أداء هذا الحق وأنزل في ذلك وعيده بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١).
وفي بيان مصارف هذه الصدقة وتعيين مستحقيها يقول : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢). وكلمة "فريضة" هنا مصدر يفيد معنى فَرَضَ الله وأَوجب.
وتأتي بعد هذه البشرى للمنفقين المتصدّقين المزكّين الذين استجابوا لربهم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣).
ومن الدلائل على تنويه الشرع بالزكاة ورود ذكرها في القرآن الكريم فى نحو اثنتين وثمانين آية. وفي السُّنة في صحيح البخاري وحده سبعةٌ وثمانون باباً حوت نحو سبعة عشر ومائتي حديث.
стр. 1079
وفي سورة التوبة يقول جل وعلا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) وفي هذا بيان من الله للناس لما وعدهم به عند أمرهم بالزكاة من تنقية لقلوب المتصدّقين من الآثام، ومغفرة لهم، وشرح لصدورهم، وتنمية للخير بينهم، معقباً ذلك كله بأمر رسوله ﷺ بالدعاء لهم بتسكين نفوسهم وملئِها طمأنينة وأمناً، واعداً بفيض من بركات الله ورحماته عليهم.
ولعلّ مما يوقع الناس في الضلال والغفلة موازنتُهم السطحية بين سلبية الزكاة المتمثلة فيما ينقص من أموالهم أو يقتطع منها بسببها، وبين إيجابيتها المتمثلة في الزكاء والنماء والطُّهرة والإخلاف والمثوبة من الله لمن بذلها وأدّاها، عن رضا وطواعية.
وقد أبدع في تصوير التعامل مع المال على وجه العموم الإمام الزَّبيدي في حديثه عن الساهين عن الحق الغافلين عن الواجب بقوله: "اعلم أن الله تعالى أوجد أعراض الدنيا بُلغة فاتخذها الناس عُقدة، وصيّر الدنيا مرتحلاً وممراً فصيروها موطناً ومقراً. ومِن وجهِ مِنحة مُنحت للإنسان لينتفع بها مدة ويذرَها لينتفع بها غيرُه من بعده، ومن وجه وديعة في يده رخّص له استعمالُها والانتفاع بها بعد ألا يسرف فيها، لكن الإنسان لجهله ونسيانه لَمَّا عُهد إليه اغترّ بها وظنّ أنها جعلت له هبة مؤبّدة. فركن إليها واعتمد عليها، ولم يؤدِّ أمانةَ الله فيها، ولَمَّا طولب بردّها تضرّر منه وضجر. فلم ينزع عنها إلا بنزع روحه أو كسر يده. وبعضهم - وهُم الأقلون - حفظوا ما عُهد إليهم بها. فتناولوها تناول العارية والمنحة والوديعة فأدّوا فيها الأمانة،
стр. 1080
وعلموا أنها مسترجعة. فلما استردت منهم لم يغضبوا ولم يجزعوا، وردُّوها شاكرين لما نالوه، ومشكورين لأداء الأمانة فيها" (١).
هذا وإن الإسلام، الذي هو خاتمُ الشرائع وأكملُها، جاء مسوّياً بين أتباعه. فكلما وجدت ثغرة في بناء المجتمع الإسلامي أو تطرّق إليه خلل ما، وجدنا في هذه الشريعة ما يسدّ الثغرة ويصلح أمر المجتمع.
وفيما نشاهد ونرى في مجتمعاتنا من ضرورات عامة وخاصة ما يقتضي تشريع هذه الزكاة وتوفير الصدقات لعلاج أوضاعها. فالضرورة الحتمية الأولى والمزدوجة هي القضاء على البؤس والفقر، وتحرير الإنسان من عبودية المال بسب ما يعترض سبيله من حاجات لا يقوى على دفعها ولا على التخفيف من حدّتها. وقد شرع الله الزكاة لنا. فهي أعظم مؤسسة للتضامن الاجتماعي، وإن في تأدية الزكوات على وجهها إصلاحاً للأوضاع والأخلال في المجتمع، من بطالة وبؤس وفقر ونوائب وكوارث وديون. كما تتمثل أبعاد مشروعيتها في ضمان حاجات الأفراد وضمان استقرار الحياة الإنسانية بينهم.
وإن الشريعة مع ذلك حين تضيّق على الفرد مداخله، وتقتطع من جهده وكسبه، لِتَجتزئ منه شيئاً لصالح إخوانه ينشأ عنه توسيع قاعدة التوزيع، وتحول دون بقاء المال محصوراً في جهة واحدة، وتأمر بأن تتداوله الأيدي فتقوى بذلك الأمة، وتحافظ على كيانها من عوادي الدهر. وما من شك في أن مقادير الزكاة في كل أوعية الصدقات تزيد بزيادة الكسب. وفي هذا دفع للنمو الاقتصادي وزيادةٌ
стр. 1081
في الإنتاج مع ما فيه من التزام بالعبادة القائمة على السعي والإنفاق معاً، وتحقيقُ للعدل الاجتماعي بالإغناء والإثراء للفقراء، وتطورٌ حميد سليم يخرج الناس من الفاقة والحاجة إلى اليسار، ومن أخذ الصدقات إلى القيام بها وبذلها لإخوانهم.
ومن الدلائل على حرص الشارع على حماية الأموال من التلف أمر النبي ﷺ ولي اليتيم بالاتجار في مال اليتيم حتى لا تأكله الصدقة.
وهذه كلمات بليغة ووصايا مفيدة نتلمَّسُها عند الأئمة في صدر الإسلام، ولدى الفقهاء والمجتهدين. فإن أبا بكر الصديق حين ثارت، في حرب الرِدّة، طوائف من المتردّدين ضعيفي الإيمان، تدعو لتعطيل الزكاة وعدم جبايتها بعد انتقال الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى، صدع بقوله ﵁: "والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة". ثم وافقه ابن الخطاب معلناً معاضدته له بقوله: "فوالله ما هي إلا أن رأيتُ الله شرح صدر أبي بكر للقتال" (١). وقال أيضاً: "إني حريص على ألا أدع حاجة إلا سددتها"، وقال موجهاً للمتصدّقين: "إذا أعطيتم فأغنوا".
ب - التملُّك والتكسُّب:
تقدم التعريف بالتملك والتكسب. فهما عند علماء الاقتصاد الوضعي سبب القيام بالعديد من الوظائف الاجتماعية. وهما في الإسلام يتجاوزان هذا الاعتبار، لكونهما في الأصل صورةً من صور العبادة يلازمها صاحب المال وتلازمه، وتجعله في كل أمره في خشية
стр. 1082
من ربه ومراقبة له، فهو يؤدّي لذلك واجباته التي ناطها الله بمالِه على وجه عبادة.
والمقصد من الاكتساب كالمقصد من التملك. فالأحكام مبنية فيهما على الوفاء بالشروط والالتزامات. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١). وفي الحديث: "المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً" (٢).
وقامت سياسة الإسلام المالية في كل المعاملات على اكتساب المال من وجوهه الطيبة المعروفة، وبيّنت ما في وجوه صرفه من المصالح والمفاسد، مؤكّدة لأصحابه ما يحصل لهم بسببه من الفضائل والدرجات إن هم أنفقوا أموالهم في مصارفها النافعة.
ولا شك أن المقاصد الشرعية محكّمة فيما قدّمناه من معاملات وتصرّفات مالية.
١ - الأسباب المشروعة وغير المشروعة للتملك:
عدّ الفقهاء من أسباب التملّك في الشرع ثلاثة:
(١) الاختصاص بشيء لا حقّ لأحد فيه كإحياء الموات.
(٢) العمل في الشيء مع مالكه كما في المغارسة.
(٣) التبادل بالعوض في البيع وغيره من عقود المعاوضات، أو الانتقال من المالك إلى غيره عن طريق التبرع أو الميراث أو الوصية.
ومن الأسباب غير المشروعة في التملّك:
стр. 1083
(١) الربا بصوره المختلفة.
(٢) ربح ما لا يضمن لقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (١). ولأن القاعدة الفقهية العامة تأباه. وهي: "لا خراج إلا بضمان" (٢).
(٣) ما اعتُمد فيه على الحظ والمصادفة في الكسب. وذلك كالقمار والميسر. وقد جاء النهي عنهما بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٣).
(٤) كل كسب أو تملّك عن طريق محرّم ممنوعٌ وباطلٌ. وهذا كالكسب من الجريمة والبغاء، وبيع المخدرات والخمر لقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٤).
(٥) ومنها أيضاً البيوع المنهي عنها للغش أو الغرر أو الغبن الفاحش، أو ما كان منها من باب أخذ مال الغير بدون إذنه أو رضاه مثل السرقة والغصب والاختلاس، أو أخذ المال بإذن مالكه ظلماً وبغير حق كالرشوة والمصانعة.
стр. 1084
٢ - أصول التكسّب:
أصول التكسّب ثلاثة، كما قدمنا، وهي عناصر الإنتاج وركائزه: الأرض والعمل ورأس المال. وقد جعل بعضهم الطبيعة بدل الأرض، وزاد آخرون فاعتبروا العناصر أربعة بإضافة التنظيم إليها. وجمع د/ إبراهيم دسوقي أباظة بين العمل والتنظيم وقال: العمل المنظم، وقالت د/ سعاد إبراهيم صالح: إن عناصر الإنتاج في الإسلام هي العمل ورأس المال والتقوى. ورد الدكتور العربي جملة هذه العناصر إلى عنصرين أساسيين هما: رأس المال، والعمل.
° الأرض:
عرف الشيخ ابن عاشور الأرض تعريفاً، يخرج بنا عن الظاهر من أمرها. وذلك في قوله: "للأرض المكانة الأولى في هذه الأصول الثلاثة. والمراد من الأرض كل ما يصل إليه عمل الإنسان في الكرة الأرضية بما فيها من بحار وأودية ومعادن ومنابع مياه وغيرها، إلا أن الحظ الأوفر من ذلك، وهو الأسبق، هو للأرض، يعني سطحَها الترابي. فإنه منبت الشجر والحَب والمرعى ومنبع المياه. قال تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ (١)، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (٢)، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٣)، وقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (٤).
стр. 1085
وليست الأرض كلها معطاءً أو عنصرَ إنتاج، فإن منها القاحلة الجرداء والرمال.
ومما يؤكّد إرادة هذا المعنى الواسع لكلمة أرض ما أفاض فيه رجال الاقتصاد اليوم مما يكسب الأرض تلك الأهمية الكبرى. فهي مستقر موارد الطاقة وجميع أنواع الوقود، وكذلك المعادن المختلفة والموارد النباتية، وكذا الحيوانية في البر، وفي أعماق المياه، والأراضي الزراعية والغابات والمروج ومصادر المياه الصالحة للاستعمالات المختلفة. ومما يشير إلى بعض هذه العناصر الدالة على عجيب خلق الله قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ (١).
° العمل:
العمل هو العنصر الثاني للإنتاج. وهو وسيلة استخراج معظم منافع الأرض، ويضمّ كل مجهود بدني أو ذهني مقصود ومنظم، يبذله الإنسان لإيجاد زيادة مادية أو منفعة. واعتباراً لهذا فإن عقود التمليك استهدفت العمل للوصول إلى تنمية الإنتاج واطراده، ولا يتم ذلك إلا بشروط هي: سلامة العقل للتمكّن من تدبير طرق الإثراء، وصحة الجسم ليقوم بتنفيذ الخطة العملية لذلك، واستعمال ما يلزم من آلات أو استخدام ما يحتاج إليه من حيوان. وتحقيق الغرض بالغرس والزرع لجلب الأقوات والسلع. فهذا من فضل الله على عباده. وتلك هي النعمة التي يمدّ الله بها حياة الناس على وجه الأرض ويستخلفهم
стр. 1086
فيها. وقد وهبهم من قوى الحركة العقلية والجسمية تنفيذاً لإرادته، وعوناً لهم على بناء وجودهم، وتوفير المنفعة لهم.
والقرآن جاء دستوراً شاملاً، منسقةً حِكمُه وآياتُه، تفي بمطالب البشرية في حياتها الفردية والاجتماعية، وتهدي إلى طرق الكمال في هذا الوجود. وإن حياتنا لَعَرَض زائل نقدم منه من العمل لغدنا ما نحرص على اكتسابه في يومنا ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).
وإن في آياته الكريمة ما يحثنا على العمل الصالح شكراً لله على مننه، وامتثالاً منا لأوامره، وائتساء بنبيه، وحفاظاً على سُنته.
فالعمل هو الوسيلة الأولى للارتزاق. وعلى قدر عمل المرء يكون انتفاعه وجزاؤه. وقد عرّف الإمام ابن عاشور العمل بقوله: العمل هو وسيلة استخراج معظم المنافع. ويكون بمثل الإيجار والاتجار، وقوامه ما قدمنا ذكره من شروط. وورد أيضاً في تعريفه: أنه المجهود الإرادي الواعي الذي يستهدف منه الإنسان إنتاج السلع والخدمات لإشباع حاجاته.
° أنواع العمل:
الأول: العمل الصادر عن جامع المال لتحصيل ما يتملكه تملكاً كالاحتطاب وإحياء الموات، أو تكسباً مثل مبادلة مالِهِ بما هو أوفر.
والثاني: العمل من غير جامع المال. وهو العمل في مال غير العامل ليحصِّل العامل بعمله جزءاً من مال صاحبه. وهذا كالإجارة على عمل الأبدان (٢).
стр. 1087
ومما ورد في الأثر أن أشرف الكسب كسب الرجل من عمل يده (١)، وأن من الذنوب ما لا يغفره إلا السعي في طلب الرزق (٢).
° اختيار المسؤولين والعمال:
راعى رسول الله ﷺ جملة من الأصول والمبادئ في تكليف المسؤولين والعمال. فأسند المهام إلى أهليها والمسؤوليات إلى من يقوى على تحملها والقيام بها. واختار الرسول الكريم خاتمُ النبيين هذا المنهج في تعيين أعضاده فيما يحسنونه من مال، ويكون مناسباً لكل خطة أو جهد. فاختار معاذ بن جبل، وهو من تشرف بمحبة رسول الله ﷺ له، للولاية على اليمن، وذلك لدينه وفقهه ورجاحة عقله وكمال خلقه. واختار عمر بن الخطاب عاملاً على الصدقات لعدله وحزمه، وخالداً لإمارة الجيش لبسالته ومهارته وحنكته العسكرية، وبلالاً الأمين الحافظ لبيت مال المسلمين لرجاحة أمانته وحُسن تدبيره. ولم يكن يحكّم في اختياراته ولا في إسناده الولايات، قرابةً أو صداقة أو علاقة مادية أو غيرها. وحذر رسول الله ﷺ من ذلك فقال: "من ولي من أمر المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة، فعليه لعنة الله، ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخل جهنم" (٣). وقد جعل من أسباب التهارج، وظهور الفتن
стр. 1088
وفساد الأمر، إسنادَ الأشياء إلى غير أهلها. وذلك قوله: "إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" (١).
ولا يقف اختيار العامل المسلم، ولا إسناد الأمر إليه عند الحد الذي وصفنا، حتى يلتزم بما أمر الله به، ويحافظ على الكليات الخمس التي عمت كل الشرائع واتفق عليها الناس جميعهم. فتلك المحافظة هي التي تقي الناس العدوان، وتمنعهم الظلم، وتحقق لهم المقاصد، وتجلب لهم المصالح، وتدرأ عنهم المفاسد.
ومن كريم صفات العامل أن يخشى الله ويتقيَه. قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢)، وقال جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٣).
وقد أتيحت للعامل فرص الاكتساب بمعونة الله وفضله. فعليه أن يستقيم كامل الاستقامة في أموره كلها. فيؤدي عملَه على الوجه المطلوب غير منقوص ولا معيب، وبدون غش أو خيانة، لأي سبب من الأسباب التي تحمل على الانحراف عن الحق. فإن الواقع في هذا واقع في الحرام، لا يُبعد عنه أخطار التجاوز في العمل بما يسيء به إلى الناس، ولا ينجيه من عقاب الله إلا أن يضع نصب عينيه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ (٤). وتتطلب هذه الأنواع من السلوك الإخلاص والإتقان في العمل. فالله يوفي المستقيم أجره.
стр. 1089
والإنسان حيثما كان لا ينبغي أن يشعر بالضعف والانهزام أمام المشاكل الاقتصادية المتزايدة يوماً بعد يوم. فإن في هذه الصعوبات من الدوافع والحوافز ما يحمل على التفكير الجدي، وبذل أقصى الجهد لتغيير وجه الحياة. قال رسول الله ﷺ : "إنك لا تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت عليها" (١).
والتنمية الاقتصادية التي يقوم بها المسلم في وطنه هي جزء من مضمون استخلاف الله له في الأرض. ومتى تحقق التطور والرقي فيمن حوله من الأفراد والجماعات رضيت نفسه، وشكر الله على ما هيأه وأتاحه له من أسباب النجاح. وهذا ما يدعو له سبحانه في قوله: ﴿تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (٢).
وجعَلت الدراسات الحديثة عناصرَ الإنتاج التي يكاد يجمع عليها الاقتصاديون اليوم أربعةً: هي الطبيعة والعمل ورأس المال والتنظيم. وكل واحد من هذه العناصر يؤدي بذاته وظيفة مستقلة. ولكن الإنتاج يمكن أن يتأتّى باشتراك هذه العناصر جميعها مجتمعة أو متعاونة بدرجة معينة لكل منها .. وصدرت في هذا المجال البحوث العلمية المتطورة باستمرار نحو فهم أكمل لأسرار الطبيعة وقوانينها. وأصبح الإنتاج عملاً تقنياً يعتمد بدرجة كبيرة الآلات الكهربائية والإلكترونية، ويزداد الاتجاه في تسارعه نحو الوصول إلى إتمام العمليات الإنتاجية في كثير من النشاطات، وإلى تطوير مختلف المنتجات التي تحويها الأرض في جوفها. وهكذا أصبحت الطبيعة
стр. 1090
ورأس المال يقومان بدور هام في النشاطات الإنتاجية المتطورة. ولا يعني هذا تراجع الدور الذي يقوم به الإنسان، وإنما يعني تطور طبيعة الأعمال التي يقوم بها في مختلف النشاطات وتقدُّمها نحو أن تكون أعمالاً ذهنية تتفق مع تكريم الخالق للإنسان (١).
ج - رأس المال:
هو العنصر الثالث من عناصر الإنتاج. والمراد به هنا وعند رجال الاقتصاد وفي مجالات التنمية، ليس مجرد التملك والتكسب.
وقد تعددت أنواعه عند الاقتصاديين وجعلوا منه رأسَ المال الكاسب، وهو ما يغلُّ لصاحبه دخلاً من غير أن يستخدم ماله في الإنتاج ورأسَ المال المنتج.
وألحقوا بهما أنواعاً كثيرة أخرى: منها رأسُ المال الزراعي والصناعي والتجاري.
فرأس المال المنتج هو: الثروة التي أنتجت لتستخدم بدورها في إنتاج ثروة أخرى. والمال المنتج ينقسم إلى قسمين:
الأول: رأس المال الثابت. ويشمل المصانع والمنشآت والمباني وما في حكمها.
الثاني: رأس المال المتداول الذي لا يستخدم في الإنتاج غير مرة واحدة مثل البذور والسماد والفحم والبترول والمواد الأولية.
ورأس المال الزراعي والصناعي والتجاري يختلف في مقوماته بين الثلاثة. فالزراعي يشمل المواد التي تستخدم في الإنتاج الزراعي. ومثال ذلك الآلات الزراعية والسماد والماشية والترع