فيها. وقد وهبهم من قوى الحركة العقلية والجسمية تنفيذاً لإرادته، وعوناً لهم على بناء وجودهم، وتوفير المنفعة لهم.
والقرآن جاء دستوراً شاملاً، منسقةً حِكمُه وآياتُه، تفي بمطالب البشرية في حياتها الفردية والاجتماعية، وتهدي إلى طرق الكمال في هذا الوجود. وإن حياتنا لَعَرَض زائل نقدم منه من العمل لغدنا ما نحرص على اكتسابه في يومنا ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).
وإن في آياته الكريمة ما يحثنا على العمل الصالح شكراً لله على مننه، وامتثالاً منا لأوامره، وائتساء بنبيه، وحفاظاً على سُنته.
فالعمل هو الوسيلة الأولى للارتزاق. وعلى قدر عمل المرء يكون انتفاعه وجزاؤه. وقد عرّف الإمام ابن عاشور العمل بقوله: العمل هو وسيلة استخراج معظم المنافع. ويكون بمثل الإيجار والاتجار، وقوامه ما قدمنا ذكره من شروط. وورد أيضاً في تعريفه: أنه المجهود الإرادي الواعي الذي يستهدف منه الإنسان إنتاج السلع والخدمات لإشباع حاجاته.
° أنواع العمل:
الأول: العمل الصادر عن جامع المال لتحصيل ما يتملكه تملكاً كالاحتطاب وإحياء الموات، أو تكسباً مثل مبادلة مالِهِ بما هو أوفر.
والثاني: العمل من غير جامع المال. وهو العمل في مال غير العامل ليحصِّل العامل بعمله جزءاً من مال صاحبه. وهذا كالإجارة على عمل الأبدان (٢).
стр. 1087
ومما ورد في الأثر أن أشرف الكسب كسب الرجل من عمل يده (١)، وأن من الذنوب ما لا يغفره إلا السعي في طلب الرزق (٢).
° اختيار المسؤولين والعمال:
راعى رسول الله ﷺ جملة من الأصول والمبادئ في تكليف المسؤولين والعمال. فأسند المهام إلى أهليها والمسؤوليات إلى من يقوى على تحملها والقيام بها. واختار الرسول الكريم خاتمُ النبيين هذا المنهج في تعيين أعضاده فيما يحسنونه من مال، ويكون مناسباً لكل خطة أو جهد. فاختار معاذ بن جبل، وهو من تشرف بمحبة رسول الله ﷺ له، للولاية على اليمن، وذلك لدينه وفقهه ورجاحة عقله وكمال خلقه. واختار عمر بن الخطاب عاملاً على الصدقات لعدله وحزمه، وخالداً لإمارة الجيش لبسالته ومهارته وحنكته العسكرية، وبلالاً الأمين الحافظ لبيت مال المسلمين لرجاحة أمانته وحُسن تدبيره. ولم يكن يحكّم في اختياراته ولا في إسناده الولايات، قرابةً أو صداقة أو علاقة مادية أو غيرها. وحذر رسول الله ﷺ من ذلك فقال: "من ولي من أمر المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة، فعليه لعنة الله، ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً حتى يدخل جهنم" (٣). وقد جعل من أسباب التهارج، وظهور الفتن
стр. 1088
وفساد الأمر، إسنادَ الأشياء إلى غير أهلها. وذلك قوله: "إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" (١).
ولا يقف اختيار العامل المسلم، ولا إسناد الأمر إليه عند الحد الذي وصفنا، حتى يلتزم بما أمر الله به، ويحافظ على الكليات الخمس التي عمت كل الشرائع واتفق عليها الناس جميعهم. فتلك المحافظة هي التي تقي الناس العدوان، وتمنعهم الظلم، وتحقق لهم المقاصد، وتجلب لهم المصالح، وتدرأ عنهم المفاسد.
ومن كريم صفات العامل أن يخشى الله ويتقيَه. قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٢)، وقال جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٣).
وقد أتيحت للعامل فرص الاكتساب بمعونة الله وفضله. فعليه أن يستقيم كامل الاستقامة في أموره كلها. فيؤدي عملَه على الوجه المطلوب غير منقوص ولا معيب، وبدون غش أو خيانة، لأي سبب من الأسباب التي تحمل على الانحراف عن الحق. فإن الواقع في هذا واقع في الحرام، لا يُبعد عنه أخطار التجاوز في العمل بما يسيء به إلى الناس، ولا ينجيه من عقاب الله إلا أن يضع نصب عينيه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ (٤). وتتطلب هذه الأنواع من السلوك الإخلاص والإتقان في العمل. فالله يوفي المستقيم أجره.
стр. 1089
والإنسان حيثما كان لا ينبغي أن يشعر بالضعف والانهزام أمام المشاكل الاقتصادية المتزايدة يوماً بعد يوم. فإن في هذه الصعوبات من الدوافع والحوافز ما يحمل على التفكير الجدي، وبذل أقصى الجهد لتغيير وجه الحياة. قال رسول الله ﷺ : "إنك لا تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت عليها" (١).
والتنمية الاقتصادية التي يقوم بها المسلم في وطنه هي جزء من مضمون استخلاف الله له في الأرض. ومتى تحقق التطور والرقي فيمن حوله من الأفراد والجماعات رضيت نفسه، وشكر الله على ما هيأه وأتاحه له من أسباب النجاح. وهذا ما يدعو له سبحانه في قوله: ﴿تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (٢).
وجعَلت الدراسات الحديثة عناصرَ الإنتاج التي يكاد يجمع عليها الاقتصاديون اليوم أربعةً: هي الطبيعة والعمل ورأس المال والتنظيم. وكل واحد من هذه العناصر يؤدي بذاته وظيفة مستقلة. ولكن الإنتاج يمكن أن يتأتّى باشتراك هذه العناصر جميعها مجتمعة أو متعاونة بدرجة معينة لكل منها .. وصدرت في هذا المجال البحوث العلمية المتطورة باستمرار نحو فهم أكمل لأسرار الطبيعة وقوانينها. وأصبح الإنتاج عملاً تقنياً يعتمد بدرجة كبيرة الآلات الكهربائية والإلكترونية، ويزداد الاتجاه في تسارعه نحو الوصول إلى إتمام العمليات الإنتاجية في كثير من النشاطات، وإلى تطوير مختلف المنتجات التي تحويها الأرض في جوفها. وهكذا أصبحت الطبيعة
стр. 1090
ورأس المال يقومان بدور هام في النشاطات الإنتاجية المتطورة. ولا يعني هذا تراجع الدور الذي يقوم به الإنسان، وإنما يعني تطور طبيعة الأعمال التي يقوم بها في مختلف النشاطات وتقدُّمها نحو أن تكون أعمالاً ذهنية تتفق مع تكريم الخالق للإنسان (١).
ج - رأس المال:
هو العنصر الثالث من عناصر الإنتاج. والمراد به هنا وعند رجال الاقتصاد وفي مجالات التنمية، ليس مجرد التملك والتكسب.
وقد تعددت أنواعه عند الاقتصاديين وجعلوا منه رأسَ المال الكاسب، وهو ما يغلُّ لصاحبه دخلاً من غير أن يستخدم ماله في الإنتاج ورأسَ المال المنتج.
وألحقوا بهما أنواعاً كثيرة أخرى: منها رأسُ المال الزراعي والصناعي والتجاري.
فرأس المال المنتج هو: الثروة التي أنتجت لتستخدم بدورها في إنتاج ثروة أخرى. والمال المنتج ينقسم إلى قسمين:
الأول: رأس المال الثابت. ويشمل المصانع والمنشآت والمباني وما في حكمها.
الثاني: رأس المال المتداول الذي لا يستخدم في الإنتاج غير مرة واحدة مثل البذور والسماد والفحم والبترول والمواد الأولية.
ورأس المال الزراعي والصناعي والتجاري يختلف في مقوماته بين الثلاثة. فالزراعي يشمل المواد التي تستخدم في الإنتاج الزراعي. ومثال ذلك الآلات الزراعية والسماد والماشية والترع
стр. 1091
والسواقي ومساكن العمال والمخازن. ولا تعتبر الأرض رأس مال عند محمد الباقر. وهي ألحق بإطار التوزيع عنده منها بإطار الإنتاج. ويخالف هذا الرأي كثير من رجال الاقتصاد كما بيّن ذلك (جِيد) حين قال: إن كل ما يبذل في الأرض من عمل ورأس مال يصبح جزءاً منها ويسري عليه ما يسري على الأرض من القوانين مثل الغلة المتناقصة (١).
ويشمل رأسُ المال الصناعي المواد التي يستعين بها الإنسان في الإنتاج الصناعي كالآلات الصناعية، وأبنية المصانع والمواد الأولية.
وأما رأسُ المال التجاري فكالسفن والعربات وسكك الحديد والموانئ والمخازن والطائرات والمطارات مما يسهّل على أصحاب هذه المهنة التنقل والاستبدال. وبعض هذه الوسائل يضاف أحياناً إلى المجالات المستخدمة فيها كالمجال الزراعي والصناعي.
ورؤوس الأموال المنتَجة تقتضي:
أولاً: وجود فائض من المنتجات يعيش منه العمال الذين يعملون على توفيره.
وثانياً: الادخار واستثمار الثروات المدخرة. قال الإمام الأكبر: وأما رأس المال فوسيلة لإدامة العمل للإثراء. وهو مال مدّخر لإنفاقه فيما يجلب أرباحاً (٢) أي للاستثمار. وما كان هذا شأنه، وقد أديت زكاته، لا يكون من قبيل الاكتناز Thesaurisation المنهي عنه شرعاً. ومن مقاصد الشريعة عدم تجميد الأموال ولزوم تحريكها فيما ينفع الناس من ألوان العمل الاستثماري.
стр. 1092
وثالثاً: وجود من يقوم من المدّخرين بتجميع رأس المال للمشروعات الإنتاجية التي تتطلب التمويل من أجل مضاعفة الإنتاج وتطويره. وهذه المشروعات هي التي تقوم على إيجاد رؤوس الأموال دون غيرها. وذلك بتوفير العمل وآلاته ومختلف المواد الأولية، وإنتاج الثروات الاستهلاكية. وهي تتجه إلى هذا الإنتاج أو ذاك بحسب قصد المدخرين، أو بحسب الخطة التي. يرسمونها لتحقيقه وإنجازه.
ومن أهم العوامل، بل الحوافز، المتعددة في هذا العصر للمساعدة على الادخار والزيادة في رؤوس الأموال، تلك الاختراعات الحديثة التي يرجع إليها الفضل في إيجاد المشروعات الكثيرة، وتطوير طرق الاقتصاد في مختلف المجالات من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومشروعات الأمن الغذائي والسكاني والثورة البيضاء التي يسود بها الأمن، وتعم بها الطمأنينة ربوع البلاد وسائر الأرجاء (١).
ويتنوع رأس المال المعدّ لأن يكون عنصراً من عناصر الإنتاج في المفهوم الاقتصادي ما أو مأنا إليه قبل: رأس المال الإنتاجي، ورأس المال التجاري.
فرأس المال الإنتاجي إما أن يكون عينياً، وهو عبارة عن مجموع الأموال المادية التي تزيد في إنتاجية العمل متى استخدم في العملية الإنتاجية، وإما أن يكون نقدياً وهو مجموع المبالغ النقدية المستخدمة في تمويل العملية الإنتاجية.
стр. 1093
ورأس المال التجاري هو مجموع الأموال الاقتصادية، عينية كانت أو نقدية، المستخدمة في المبادلات من أجل الحصول على الأرباح. وبخصوص النقدية يلاحظ أنها قادرة على تمويل العمليات التجارية، لبلوغ نفس الغرض. وذلك مثلاً عن طريق شراء السلع وإعادة بيعها (١).
وتجب في رأس المال التجاري الزكاة مهما كانت أنواعه. قال الجمهور: تقوّم باليوم الذي تجب فيه، فتؤدّى الزكاة من قيمته. وذهب الشافعي إلى تقويمها بالثمن الذي اشتريت به وتؤدى الزكاة (٢). وعائد هذا النوع من رأس المال ربح أو خسارة، وعلى الشركاء فيه مثل ذلك. وليس لواحد منهم اشتراط ربح مخصوص لنفسه، لما في ذلك من اختلال العدل في توزيع الربح بين الشركاء. ولا يخلو أن يكون رأس المال نقوداً أو عروضاً. فإن كان الأول فقد اتفق الفقهاء على صحة الشركة فيه، وإن كان رأس المال عروضاً، قوّمت تلك العروض وجعلت القيمة رأسَ مال للشركة.
ولا مندوحة هنا من الوقوف على المعاملات المالية. وقد أشرنا قبلُ إلى أن منها ما يكون من باب التملك كبيع ديار السكنى، والأطعمة المأكولة، ومنها ما يكون من قبيل التكسب كبيع أرض الحراثة وأشجار الزيتون، وعقود الشركات من قراض ومزارعة ومغارسة ومساقاة، وعقود الإيجار في الذوات والدواب والآلات والسفن والبواخر والأرتال. والمقصود الشرعي في الأموال كلها خمسة أمور هي: الرواج، والوضوح، والحفظ، والثبات، والعدل فيها.
стр. 1094
د - مجالات التكسب:
اعتبر رجال الاقتصاد أن في مجالات التكسب ميادين تطبيقية ترعاها وتقوم بها وهي ثلاثة: التجارة والصناعة والفلاحة. وجرى على هذا التقسيم من قبل الإمامُ البخاري فيما رواه من أحاديث المعاملات. ونحن نعرض لهذه الوسائل بإلماعات تكفل الوفاء بتصورها على وجه دقيق، إن شاء الله.
° التجارة:
إن القصد من التجارة هو تنمية المال، بشراء البضائع ومحاولة بيعها بأعلى من ثمن الشراء. إما بانتظار حوالة الأسواق، أو بنقلها إلى بلد هي فيه أنفق وأغلى، أو ببيعها بالغلاء على الآجال. وهذا الربح بالنسبة إلى رأس المال نزر يسير، لأن المال إن كان كثيراً عظم الربح لأن القليل في الكثير كثير. ثم لا بد من محاولة هذه التنمية التي هي الربح من حصول هذا المال بأيدي الباعة في شراء البضائع وبيعها، ومعاملتهم في تقاضي أثمانها، وأهلُ النصفة قليل.
وقد كان تعلق الصدر الأول من المسلمين بالتجارة يحملهم على الرغبة في هذا العمل وتقديمه على غيره من الأعمال. كانوا يفاخرون به ويتمنون القيام عليه. قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١).
حملت هذه الآية المسلمين على بذل جهودهم للفوز في الدارين الأولى والأخرى: أولاً: بالضرب في الأرض ابتغاء الرزق،
стр. 1095
وثانياً: بالقتال في سبيل الله لنشر دينه وإعلاء كلمته. وتأول ابن مسعود الضرب في الأرض بقوله: "أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين محتسباً فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء" (١)، وقال عمر: "ما خلق الله موتة [أموتها] بعد الموت في سبيل الله أحبَّ إليَّ من أن أموت بين شعبَتَي رحلي أبتغي من فضل الله ضارباً في الأرض" (٢). والابتغاء من فضل الله في الأرض هو السفر للتجارة. قال بعض الصحابة: "تكشف هذه الآية عن فضيلة التجارة والسفر للتجر، حيث سوى الله بين المجاهدين والمكتسبين للمال الحلال" (٣).
وقد تَعرِض أسباب تُخيف الممارسين للتجارة فتحملهم على عدم الاطمئنان على أموالهم. فمن ذلك ما حذر منه ابن خلدون مما لا بد أن يقع في المعاملات التجارية كالغش والتطفيف المجحف بالبضائع، ومن المطل في الأثمان المجحف بالربح كتعطيل المحاولة في تلك المدة وبها نماؤه، ومن الجحود والإنكار المسحِتِ لرأس المال إن لم يتقيد بالكتاب والشهادة. وغَناءُ الحكام في ذلك قليل، لأن الحكم إنما هو على الظاهر، فيعاني التاجر من ذلك أحوالاً صعبة (٤).
стр. 1096
° الفلاحة:
هي أقدم الصنائع وهي إثارة الأرض وازدراعها وعلاج نباتها وتعهده بالسقي (١). فثمرة الفلاحة إنماء الأقوات والحبوب إلى بلوغ حصاد سنبله، واستخراج حبه من غلافه، وإحكام الأعمال لذلك وتحصيل أسبابه ودواعيه.
والفلاحة وإن اختصت بالبدو قديماً لهي ذات أهمية كبرى، لأنها محصلة للقوت المكمل لحياة الإنسان غالباً" (٢).
ومن ثم نجد في القرآن الإيماء إلى جملة من أنواعها والتنويه بها، كما في قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٣)، وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٤)، وقال ﷻ : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٥). فالفلاحة بأنواعها والأشجار والزروع، وما تحتاجه من عمل وجهد بالحرث والسقي وحصاد الزرع وجني الثمار، وما خلقه سبحانه لنا في هذا الكون كالليل والنهار والسبات والنشور والرياح اللواقح الرخية، والماء الطهور الذي أنزله تعالى علينا من السماء، وأجراه ينابيع في الأرض لآيات تدل على قدرة الله سبحانه
стр. 1097
وخالقيته ووحدانيته وتوجيهه لعباده ليعمروا الأرض التي استخلفهم فيها. ولن يكون منهم ذلك إلا بالعمل والمثابرة عليه والإتقان له.
وتطورت الفلاحة في العصور الأخيرة، وخصّت بالدراسات الكثيرة. وتعدّدت أنواعها، وتضاعفت أهميتها وأصبحت مورداً مدراراً من موارد الرزق خصوصاً بعد ما دخلتها الصناعة. فوفّرت تلك الموارد، مع ما حققته من جودة في الزروع والغراسات، وما قامت به من جهود لحمايتها من الأمراض والعوارض المفسدة لها، وما تخيّرته من مشاتل ومركّبات نوعية لها، عملت على مزاحمتها في الأسواق لكثير من البضائع الأخرى، وجعلتها من أجود ما يقتنى. وهي في عصرنا الحاضر تتطلب جهوداً كبرى مع ما يقبل عليه الناس وتقتضيه الفلاحة بأنواعها الفصلية من حراثة وسماد وجهد غير قليل. وإن البال لمنشغل بها، ويداوم التفكير في تطويرها لمضاعفة الإنتاج. وهكذا أصبحت الفلاحة في هذا العصر تحتاج إلى العديد من الخبراء والعمال الذين يُعنَون بها، وينصرفون إليها طمعاً في الكسب الجيد والرزق الواسع الحسن الذي لا ينقطع بفضل التربة الخصبة وأيدي المهرة من العمال، وأصحاب الخبرة في هذا المجال.
والذي تتأكد ملاحظته في ميدان الفلاحة في بلادنا العربية ثلاثة أشياء هي:
أولاً: أن مساحة الأرض عندنا تأتي ثانية بعد مساحة الاتحاد السوفييتي سابقاً، وأن الأراضي المزدرعة عندنا تبلغ فقط ٤٧,٣ مليون هكتار أي نحو ٣ % من جملة مساحة أرضنا وهي نحو ٣,٢ % من كل المساحة الزراعية على وجه البسيطة.
ثانياً: أن الأرض الزراعية من قديم كانت تمثل العمود الفقري
стр. 1098
للاقتصاد العربي فيما عدا معظم الأقطار النفطية. وهي، وكأنها قد نشأت بالبلاد العربية، وانتشرت منها إلى بلاد العالم، تشهد لِذلك السدود والقنوات القديمة في بلادنا: بمصر وبلاد الرافدين وديار الشام واليمن السعيد وليبية وأنحاء متفرقة من الجزيرة العربية. وهي اليوم بسبب التحولات والعوارض الطبيعية من جفاف وتصحُّر وأمطار إعصارية ونحوها فقدت نضارتها وتدنَّت ثروتها.
ثالثاً: أن الكثير من شعوبنا بسبب الفقر والجهل بالوسائل الحديثة ما يزال يعتمد الطرائق البدائية في الفلاحة، مبقياً على الزراعة التقلدية المتخلّفة، التي تقوم على الحيوان وعضلات الإنسان. فإن المزاحمةَ الصناعية تهدّدها، وعليها أن تطلب المخصّبات لزراعتها، وتحرص على إيجاد المدخلات الزراعية، وتنشئ من الآلات ما يوفر عليها الطاقة والإنتاج، وتهتم بمكافحة الحشرات الضارة، وتطبيق أحدث المبتكرات العلمية والتكنولوجية كما في البلاد المتطوّرة. وإنما يبدأ هذا بإصلاح الأراضي الزراعية، وإنشاء أطر فنية تكون عنواناً على مدى حضارة الفلاح وقدرته. فوجود الأرض وحدها لا يغني، ولكن رؤوس الأموال والبذل والتحديث والخبرة هي التي تحيي الموات، وتغير وجه الأرض وترفع من مداخيلها وريعها (١).
ولا بد أن نقتبس مما قدمنا توجيهاً وتنويراً. فإن العرب والمسلمين بتداول العصور واختلاف الأوضاع واختلالها أصبحوا عاجزين معدمين، سواء في ذلك أسرهم وأفرادهم، شعوبهم أو جماعاتهم. وقد تفشّى مع العوز والحاجة التشكي مما آلوا إليه. وقامت في وجوههم الصعاب والمشاكل المعقدة. وهذه لمن يشعر
стр. 1099
بواجبه ويقدّر نعمة الله عليه بالاستخلاف في الأرض، من أسباب النهضة والحوافز لها، تجيش بذلك مشاعر الفلاح وعقيدته، فيكون هذا طريقاً للحفاظ على دينه وأمانته، ومخرجاً له من كل ضيق، خاصة إذا اتَّحدت القوى، وكان التنسيق، واستولت الإرادة على التدبير لصنع عالم ومجتمع جديدين.
ولعل من دواعي ذلك ما عليه العالم العربي والإسلامي بخاصة، والعالم المحيط به بعامة، من حرص على مضاعفة الإنتاج الغذائي. فإنه يحظى بمقدار أكبر من الاهتمام بجمع رؤوس الأموال في كثير من الأقطار، وتطوير الأرض تطويراً صالحاً ينمي مزارعها، ويمدها بما يحقق لها الخير والنماء. ويكون هذا من العمل الجليل لنفع الناس كافة، وسدّ حاجاتهم. وسبيل ذلك، كما دلت عليه البحوث المعاصرة في مجالات الفلاحة، يعتمد جملة وسائل:
أولاً: توسيع المساحات الزراعية بحُسن إعدادها ومدّها بما تحتاجه من مدخلات الزراعة تنهض بها وتثريها.
ثانياً: تكثيف الإنتاج والزيادة في المحاصيل واعتماد طرق الري الصناعي.
ثالثاً: توسيع المساحات السقوية ومضاعفة الإنتاج عن طريقها.
وفي هذا مقاومة للمجاعة في كثير من الأقطار الإفريقية، واضطلاع بواجبات تفضي إلى تحقيق المقاصد الضروريّة والحاجيّة لكثير من الناس.
ونحن ما نزال نسمع دعاة الأمن والسلم، يحذرون من الإفراط في الشح ومن الإعداد للصراعات والحروب الفتاكة، إذ بسبب ذلك تركت الميادين المحتاجة للإنفاق، بعيدة عن القيام بدورها في تغذية
стр. 1100
المجتمعات الإنسانية، وبعث الحياة فيها، وتغيير ما عليه الحشود البشرية من فاقة وبؤس.
° الصناعة:
الصناعة معدودة في الرتبة الثالثة قديماً، إذ لم تكن تحتاج إلى علم وتكوين دقيقين. وهي لا ترتقي إلا بالارتقاء الحضاري وازدياد الحاجة إليها وطلب الناس لها. وقد نبهتنا إلى هذه الحقائق آيات الله الحكيمة الخالدة كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (١)، وقوله أيضاً: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (٢)، وهي تشير إلى بعض الصناعات كما في قوله: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ (٥)، وقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُون﴾ (٧)، وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي
стр. 1101
الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١).
ففي هذه الآيات الكريمة امتنان من الله على عباده بما وفّره لهم، رحمة منه ولطفاً، من ضروريّات وحاجيّات وتحسينيات في هذه الحياة: تقيم أودهم، وتلبّي رغباتهم، وتَقِيهم أنواع المخاطر والمهالك. وهو سبحانه يطوي فيها أمرهم باتخاذ معدن الحديد الذي سخَّرهُ لهم يليّنونه رغم متانته وصلابته، لاستخدامه في شتى المجالات في حالتي السلم والحرب. فمنه آلة الحرث، والدروع والسيوف، والمراكب على اختلاف أنواعها، والآلات والأجهزة، وأمدّهم بالمواد الأولية لصناعة الثياب واللباس، وجعل ذلك ستراً لهم ووقاية، كما سخر لهم البحر والينابيع الجارية من الماء، وفيها رزقهم من الأسماك والحيوانات البحرية وما يحرصون على اقتنائه من جواهر ولآلئ تكون لهم حلية وزينة. إنه التذكير بالنعمة، والتحريك للمواهب، والهداية والتوجيه إلى ضروب الصناعات التي يحتاجون إليها لتحقيق الإنتاج وتنمية الثروة الزراعية والحيوانية والتطور بها.
وقد تمايزت الشعوب والبلدان بصناعاتها، وتزاحمت بذلك في ميادينها بصورة مطردة وعجيبة. فمن الصناعات ما يخدم الزراعة وينمي الإنتاج الفلاحي، ومنها ضروريّ لا يستغنى عنه، وشريف بموضوعه يحرص الناس على الإفادة منه والظهور به، ومنها ما دون ذلك مما يعدّ صنائع تابعة وممتهنة في الغالب. ولكن هذا الميدان
стр. 1102
أصبح اليوم رئيساً وشهد من القدرات والإمكانات ما لم ينكشف للناس أمره إلا في هذا العصر. وهو لا يقف في أنواعه وأشكاله، وفي تطوره وتقدمه عند ما بلغ إليه الآن بفضل التقدم العلمي والتقانة والتكنولوجيا.
وإنا لنشاهد من الصناعات شعباً ثلاثة: الصناعات الاستخراجية، والصناعات التحويلية، والخدمات.
فأما الأولى فكالزراعة واستخراج المعادن والانتفاع بمصادر القوة والطاقة. وهذا النوع من العمل يشهد تطوراً وزيادة على مر العصور وبخاصة في عصرنا الحاضر.
وأما الأعمال التحويلية التي يطلبها الكثير من الناس فهي في الأصل من الصناعات الاستخراجية. ومن أمثلتها في المحل الأول الصناعات التحويلية الثقيلة التي يمكن أن يتوفر القيام بها، ويتم إنجازها في بلادنا الثرية بالغاز الطبيعي والنفط خاصة. وهي ترتكز بشكل أساسي على أمرين: الأول استخدام هاتين المادتين، والثاني توفر القدرة على التمويل. فهي تتطلب أن يكون رأس المال كثيفاً لإنشاء صناعات تستخدم أحدث أساليب التقنية، تكون في مراحلها الأولى موجّهة للتصدير، ثم تتحوّل تدريجياً إلى التكامل التحتي بتشجيع القيام بالعديد من الصناعات المستخدمة لمنتجاتها. وتتمثل هذه الصناعات وفقاً لما تدل عليه نتائج الدراسات الاقتصادية: في صناعة التكرير، والأسمدة الكيماوية، والبتروكيماويات (١).
وأما الخدمات فهي كالطب والتدريس اللذين عدهما ابن
стр. 1103
خلدون في الصناعات. وسكت عنهما الاقتصاديون من بعده إلى أن جاء آدم سميث فاعتبر الخدمة عامل إنتاج لما تؤدي إليه من صناعة أشياء مادية (١).
وهذه الأعمال بأنواعها تحتاج إلى دراسة وتنظيم يكون بهما الإنطلاق إلى نهضة ملموسة وتنمية فعلية عملية ينكبّ عليها الأخصائيون في شتى البلاد في كل ميدان.
فالأول من تلك الأصول أو الأعمال تحكمه الفطرة وتميل إليه النفس الكريمة الطيبة. فلا يتكلف المرء معه ما يرهقه أو ينوء به من تبعات النشاط، كما لا يسند إليه فيه من الأعمال ما لا يقدر عليه أو لا يُحسنه فتلحق مضرة ذلك بالمجتمع كله، وتحول تلك العوارض دون تحقيق المراد من التكوين والاستخلاف والتثمير والإنتاج.
° الاحتكار:
عرّفه الإمام أبو حنيفة بقوله: كل ما أضرّ حبسه فهو احتكار.
وقيل: هو حبس ما يتضرر الناس بحبسه تربصاً للغلاء.
وهو من أشدّ الظلم، وسببُ إفساد العمران والدولة. والحكر هو الجمع والإمساك. والاحتكار حبس السلع عن البيع، والحُكرة: الاحتكار. ويكون الاحتكار بمعناه العام بالتسلط على أموال الناس بشراء ما بين أيديهم بأبخس الأثمان، ثم فرض البضائع عليهم بأرفع الأثمان على وجه الغصب والإكراه في الشراء والبيع.
وهو من أكل أموال الناس بالباطل. وليس البيع والشراء
стр. 1104
كالاحتكار، فالأولان يقومان على المكايسة، وهذا النوع الأخير من التعامل يقوم على الفرض والقسر والإكراه والغصب.
وعلّة تحريم الاحتكار إلحاق الضرر بالناس من فساد الأسواق، ومنع الطعام من الرواج بها، وبطلان معاش الرعايا، وغلاء الأسعار، والزيادة في المكوس والضرائب، وانتشار الفقر والجوع، وقيام شركات الاحتكار، وإلغاء التعامل الحرّ.
وقد واجهت الشريعة هذا التصرّف المقيت بإجراءات وقائية كمنع تلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي. وهدفها من ذلك قطع السبل على المحتكرين. وأخرى بطرق علاجية كالسيطرة على المال المحتكر، وتعزير المحتكرين، وجبرهم على البيع، وتسعير البضائع عليهم، ومنافستهم في البيع.
ومن قواعد الشريعة الإسلامية أنه "لا يحتكر إلا خاطئ" (١) أي آثم. وأن "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون" (٢). وتمتد الحرمة الشديدة إلى محتكري البضاعة الضرورية. وهذا ما حمل فقهاء الملة على مقاومة الاحتكار، وجَعَلهم يحاربونه ولا يسمحون بوجوده، معلنين أنّه من الضروري والواجب إبطاله في الطعام. وصدع عمر بن الخطاب بأن لا حكرة في أسواقنا. وقال مقاوماً لهذه الظاهرة، متعقباً من يعتمدها في تجارته: "لا يعمد رجال في أيديهم فضول من أذهاب إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا،
стр. 1105
ولكن أيّما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء والصيف فذلك ضيف عمر. فليبع كيف شاء وليمسك كيف شاء" (١).
وهكذا نظرت الشريعة الإسلامية إلى الاحتكار من زاوية المصلحة العامة للناس. وجعلت منه محرّماً ومذموماً. نهت عنه وحرّمته على الفرد والدولة، لما فيه من تضييق على الناس في معيشتهم وإضرارٍ بهم. وأباح النظام الرأسمالي الاحتكار للفرد، وبنى عليه نظامه، وأباحته الاشتراكية للدولة (القطاع العام) توفيراً لمواردها المالية ومداً لخزائنها بما تحتاج إليه من موارد (٢).
هذا وإن في الاحتكار لَمَا يحمل على الهرج والمرج والفتنة. يثير القُوى الشعبيةَ والأفرادَ على تتبع أصحاب هذا العدوان بما ينشرونه من ظلم وكيد. فهو يفضي إلى الخلل والفساد. وبين القصد من البيع والشراء، والقصد من الاحتكار في المعاملات والتجارات وردت الأحكام مشجعة على ضروب الخير في التعامل، ومقاومةِ التصرّفات الظالمة لما تُلحقه بالخاصة والعامة من أضرار.
وواجهت هذا المنكر والتصرّف الخطير تشريعات إسلامية متنوعة. قضت بإبطال الاحتكار وإبطال ما يترتب عليه من نتائج، جاعلة المقصد الأعظم في المعاملات رواج الأموال، وحماية المجتمع
стр. 1106
والأفراد من عبث العابثين وكيد المحتكرين، ونشر الأمن الاجتماعي، وتوفير أسباب الراحة والسعة في الحياة الفردية والاجتماعية.
وتعددت صور الاحتكار في العصر الحاضر في الدول الرأسمالية، وبهذا انتشر الحيف والظلم في أقطار الأرض، وصار من سمات الأسواق العالَمية. وأصبحت مقاضاته والتحكم فيه أمراً محدوداً. ومن صور الاحتكار اليوم:
(١) ما يعرف بـ Trust. يقول الدكتور محمد عبد الله العربي: هو أن تتألف هذه الصورة من هيئة أمناء. مهمتها اشتراء جميع السلع المطلوب احتكارها من السوق، بل ابتياع كمية من أسهم الشركات المنتجة لهذه السلع، أو لعناصر إنتاجها، كمية تمكنها من السيطرة الكاملة على عمليات هذه الشركات وعلى سياستها.
(٢) الشركة القابضة Holding company وهي هيئة الأمناء المذكورة في الصورة السابقة. تتولّى شراء أي كمية من أسهم الشركات الأعضاء، فتتمكن بذلك من السيطرة على هذه الشركات. وقد ظل هذا العمل مشروعاً طوال المدة فيما بين ١٩٠٠ - ١٩١٤.
(٣) ولجأ المحتكرون بعد ذلك إلى صورة ثالثة، هي صورة الاندماجات Amalgamation Merger. والاندماج هو اتحاد شركتين أو أكثر تشتري إحداهما جميع أسهم الشركات الأخرى، بحيث لا يبقى من هذه الشركات سوى واحدة هي الداعية إلى الاندماج، أو تقوم شركة جديدة، تشتري جميع أسهم هذه الشركات وتحلُّها جميعها فتتحكم دونها في السوق.
وقد يفرض الوضع الاحتكاري تأسيس منشآت متعددة: Multiple-unit Monopoly. تستجيز الاحتكار في صورٍ متعددة:
стр. 1107
(١) ويكون ذلك باتفاقات الأثمان، كأن يتفق المنتجون على تحديد أثمان السلع فيما بينهم، أو أن يتفقوا على تحديد كمية الإنتاج. وغرضهم الحصول على أعظم الربح بالرغم من تعدد المنتجين.
(٢) وأخرى تقوم بقيادة الأثمان، فتتولى باعتبارها المنتج الصناعي الأكبر، تحديد ثمن البضاعة، فيتبعها سائر المنتجين الصغار. ثم تخفض الثمن الذي حددته لذلك الإنتاج المشترك لمدة معينة، فتلحق بالمزاحمين لها في السوق الخسائر الفادحة.
(٣) تجميع إمكانيات فئة من المنتجين يتماثل نشاطها الإنتاجي وإحصاء هذه الإمكانيات، ثم الاتفاق بينهم على نبذ الصراع التنافسي وتحديد الثمن، فيعود عليهم بأقصى ربح احتكاري عن منتجاتهم.
(٤) ومن صور الاحتكار "الكارتل" Cartle. وهو اتفاق المنتجين في الفرع الواحد من فروع الإنتاج على بعض المسائل ليتخلصوا من مضار المنافسة مع احتفاظ كل منهم باستقلاله في كل الأمور التي لا يتناولها الاتفاق. وللكارتل أنواع متعددة:
فمنه الضيّق، والواسع، والدولي.
ومن الأسف أن يساند هذه الصور والهيئات الاحتكارية في معاملاتها اليوم تطورُ أساليب الصناعة الحديثة من جهة، والاشتراكُ بين أقطاب الصناعة الحديثة وبين المصارف المالية الربوية من جهة ثانية (١).
واضطر برلمان الولايات المتحدة سنة ١٨٩٠ إلى إصدار أول قانون يعرف بقانون شرمان. وتبعت ذلك تشريعات مماثلة، وأصدرت المحكمة العليا بولاية أوهايو أحكاماً تدين شركة البترول
стр. 1108
Standar Oil. ولم تلبث أن انتقلت من الصنف الأول Trust إلى الصنف الثاني "الشركات القابضة". وصدر تشريع من البرلمان الاتحادي سنة ١٩١٤ حرّم قيام الشركات القابضة أيضاً، واعتبر عملها غير مشروع. ورغم كل ذلك تفاقم خطر تلك الشركات. وهذه المؤسسات بممارستها أساليب الاحتكار المشهورة عن طريق إقفال الأسواق، والتحكم في الإنتاج عن طريق منع غيرها من المؤسسات من استخدام المواد الخام، أو منعها من استخدام منافذ التسويق، وإغراق Dumping الأسواق بتدمير المؤسسات الناشئة. وظهرت بذلك عولمة الاحتكار في كل بلد ومجتمعٍ بحسبه، وبحسب المتولّين له والمتساكنين به. ولِرَد هذه الألوان من العدوان المتتابع يتعين على الدول أن تتدخل لترشد عملية الإنتاج، فتمنع التحكّم في الأسواق، وتمحق أساليب الاحتكار (١).
° الرواج:
الرواج لغة: هو نَفاق الشيء والإقبال عليه وكثرة طلبه. واصطلاحاً: هو كما عرّفه الشيخ ابن عاشور دوران المال بين أيدي أكثر من يمكن من الناس بوجه حق. وهو مقصد عظيم شرعي يدل عليه الترغيب في المعاملة التي يؤذن بها قول الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٢)، وقوله ﷺ : "ما من مسلم يزرع زرعاً أو يغرس غرساً فيأكل طير أو إنسان أو بهيمة منه إلا كان له صدقة" (٣).
стр. 1109
ومن صور الرواج: انتقال الأموال بين أيدي كثير من أفراد الأمة بالتجارة لما يترتب عليها من أعواض. وكان العرب يحرّمون التجارة في الحج، إذا دخل شهر ذي الحجة، بأسواقهم. فأبطل المولى سبحانه عادتهم بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) أي في موسم الحج (٢).
استنفادُ بعض الثروة:
ربط الشيخ هذا الموضوع بالرواج. وتوسع في هذا الغرض فجعل من الاستنفاد للمال ما يصلح أن يكون طريقاً من طرق الرواج. وهذا كالنفقات الواجبة على الزوجات والقرابة. وكذلك نفقات التحسين والترفيه. وهي وسيلة عظيمة لانتفاع الطبقتين الوسطى والدنيا في الأمة من أموال الطبقة العليا. وهي عون عظيم على ظهور مواهب الصناع وأصحاب الفنون في تقديم نتائج أذواقهم وأناملهم. وهذه النفقات هي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٣). وقوله : ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٤).
وفي هذا الإذن الإلهي، وفيما يمارسه الناس من أعمال تجارية وفلاحية وصناعية ما يحمل على طلب المقصد الشرعي وتيسيره بجعل الأموال دُولة بين الناس، يعين على دورانها بين آحاد الأمة: إحكام التوزيع والالتجاءُ في المعاملات إلى الطرق الواضحة المشروعة.
стр. 1110
من أحكام المعاوضات:
وللمحافظة على مقصد الرواج شرعت عقود المعاملات التي منها ما هو من قبيل المعاوضات، ومنها ما هو من التبرّعات. فبهذه العقود يتمّ نقل الحقوق المالية وفق شروط وقوانين هي من هندسة الفقهاء الذين تدبّروا مصادر التشريع، وعلى الأخصّ المصدرين الأساسيين. وكان لهم من ذلك ما يسّر عليهم استنباط الأحكام ووضع القواعد والأصول، وضبط ما تقتضيه العقود من صور يتم عن طريقها مراعاة المصالح.
فمن هذه الأحكام ما تُواجه الشريعة به الشرّ، وتصدّ به الظلم. مثل ما وقع للمعاملات الربوية الممنوعة شرعاً، وكذلك البيوعات المتمثلة في كل ما دخلته جهالة بأحد العضوين أو اشتمل على غرر وغبن، أو كان حكراً من التصرّفات المالية والمعاملات يقف في وجه رواج السلع والبضائع. ومن صور ذلك نهيُ الشارع عن المزابنة. وهي ضربٌ من الربا.
وبيع الطعام بالطعام نسيئة كما ذكرنا قبل. وذلك لتفادي بقاءِ الطعام ديناً في الذمةِ، فيمنع ذلك رواجه. ونهى الرسول ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه وفيه حديث ابن عباس. ولفظه في البخاري: إن رسول الله ﷺ نهى أن يبيع الرجُل طعامه حتى يستوفيه (١). وحديث ابن عمر: من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه (٢)، ونهى الشارع عن بيع الغرر. ومثاله بيعُ الجنين في بطن أمه لحديث أبي سعيد الخدري: نهى النبي ﷺ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع (٣). وعلةُ النهي عن
стр. 1111
هذا البيع الجهالة في صفته وحياته وكونُهُ غير مقدور التسليم.
ولذلك أبطل الشارع الغرر في المعاوضات، في كل تعاوضٍ يشتمل على خطر أو غررٍ في ثمن أو مثمن أو أجل.
ومن التشاريع الرفيقة بالناس ما علم الله أنها تساعدهم على الالتزام بالشريعة، وتيسر عليهم حياتهم، وتضمن لهم معاشهم، وتمكنهم من تحقيق ما ينفعهم من الرواج.
وسبيل ذلك إباحة التجارة في الحج، وتشريع عقود المعاملات. وهي من قسم الحاجي. وتلزم بحصول صيغها، وبالأقوال الدالة على التراضي فيها بين المتعاقدَين، وبالوفاء بما اتفقا عليه من شروط فيها مصلحة للطرفين.
وتجاوزت الشريعة عن الغرر الذي لا تخلو منه المقايضات في الغالب، أو الذي تقتضيه المطالب المجتمعية مما كان رفيقاً بالناس، مساعداً لهم على تحقيق مقاصدهم. وذلك كإباحة الشريعة المغارسة والسَّلَم والمزارعة والقراض.
وجعلِها اللزوم المترتّب على العقد غير جارٍ على عقود عمل الأبدان. وتركت لأصحاب هذه المعاملات التخيير، ولم تجعله مرتبطاً بالعقد ولكن بالشروع في العمل. ومن هذه العقود الجعل والقراض باتفاق بين الفقهاء، والمغارسة والمزارعة على خلاف بينهم. وأفتى الشيخ ابن عاشور بأن ما هو من أعمال الأبدان لا يلزم إلا بالشروع. وحصر ذلك القرافي في خمسة أنواع من العقود هي: الجعالة، والقراض، والمغارسة، والوكالة، وحكم الحاكم. فهذه لا تلزم بالعقد (١).
стр. 1112
وجوّزت الشريعة بيع الطعام قبل قبضه في الشركة والتولية والإقالة. ولم تلزم بالتوثّق بالإشهاد في حالات من التعامل حرصاً على نفي العوائق عن طريق المتعاملين.
ومن الرفق في التشريع تجويز كراء الأرض لعد المنع من ذلك، وتشريع المعاملات كما في المغارسة والمساقاة، وفي البيوع على الأوصاف كبيع البرنامج.
ونظمت الشريعة المعاملات بين الناس وأقامتها على قانونٍ عدلٍ يضمن النتائج الصالحة لحياة ذوي المال وأصحاب الثروة. وهي لم تهمل جانب ما بعد الموت في التشريع، إذ تولى سبحانه قسمة الفرائض بنفسه، وشرّع الوصية للأقارب وغيرهم، حصرها في ثلث المال ولغير وارث. والحكمة من هذا التوزيع جعل مال الفرد آيلاً إلى قرابة صاحبه. وبه يكون عوناً على حفظ أموال الأسرة أو المجموعة. ولم تَحرِم الشريعة أولي الأرحام حقَّهم في المال والميراث. وسمى الله تعالى ذلك فريضة في قوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١).
وتوصف بالرواج الأموال التي يتعامل بها الناس. وقد تحول المجتمع البشري من التقايض بالأعيان إلى التعاوض بالنقد. ويبرر ذلك ما اشترطوه في الأموال من الرواج، وأن تكون قابلة للادخار، مرغوباً في تحصيلها، قابلة للتداول، محدودة المقدار.
وكان دور المحتسب في القديم إجراءاً إدارياً يحرص به على تطبيق ما تقدم الإلماع إليه من التشريعات. ومن دوره منع المتاجرين
стр. 1113
بأقوات الناس من احتكار ما يحتاجون إليه في معاشهم، أو إغلاء الأثمان عليهم استغلالاً واعتداء. فلذلك أُسندت إلى المحتسب مهام كثيرة أخرى منها مراقبة الأسواق التجارية ومحلات البيع والشراء والمؤسسات الاقتصادية، ومراقبة الصناع والحِرفيين، كما وُكل إليه تحكيم قوانين العرض والطلب في المعاملات التجارية، ومراعاة جودة الصناعة، ومراقبة غذاء الشعب. وكل ذلك من أجل صيانة الأسواق من الغشّ في المبيعات، والتدليس في العقود، والغبن في الأثمان والأجور. فهو لكل ذلك بالمرصاد، يرشد الناس ويعظهم، ويتولّى تتبع المحتكرين وتعنيفهم بالقول الغليظ، ويغير منكرهم بيده، ويهددهم ويخوّفهم، ويستعمل ما يناسب ذلك من وسائل التعزير ويستعين على أداء مهمته بالأعوان والشرطة. وتصرّفه في هذا كله تصرّف أصحاب الولايات، لأن ولاية الحِسبة ولاية عامة شرعية كولاية القضاء. وقد أسندت هذه المهمة إلى رجال الشرطة ورجال التموين، وإلى النيابة الإدارية وحتى العامة (١).
توسيع الدراسات الفقهية:
كان جمهور المتقدمين من أئمة الفقه والأصول يكاد يحصر جدله واستدلالاته وتعليقاته في مسائل العبادات، وبعض مسائل الحلال والحرام في البيوع. أما اليوم فقد أصبح لزاماً على الفقهاء وعلماء الشريعة أن يعكفوا على بحث أسرار التشريع في المعاملات، وفي الكيفيات المقصودة للشارع فيها، من أجل تحقيق مقاصد الناس النافعة، وحفظ مصالحهم العامة في تصرّفاتهم الخاصة، وتدخل في ذلك كل حكمة روعيت في تشريع الأحكام. وانبنت أحكام
стр. 1114
المعاملات على مراعاة المقاصد الشرعية فيها، لأن الأصل فيها تحقيق مصالح العباد في سبل الحياة والمعاش، ورفع الحرج عنهم، بعيداً عن الباطل والحرام (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من تصرّفات العباد، في الأقوال والأفعال، عادات يحتاجون إليها في دنياهم. الأصل فيها العفو، فلا يُحظر فيها إلا ما حرمه الشرع. والغفلة عن هذه الحقيقة تعرّضنا للوقوع في منكر شديد. قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ (٢). فالبيع والهبة والإجارة وغيرها من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاملاتهم كالأكل والشرب واللباس. وقد جاءت الشريعة في هذه العادات بالآداب الحسنة، فحرّمت منها ما فيه فساد، وأوجبت ما لا بد منه، وكرهت ما لا ينبغي، واستحبت وندبت إلى ما فيه مصلحة راجحة في هذه الأنواع ومقاديرها وصفاتها" (٣).
* * * * *
стр. 1115
الفصل الخامس: العقود
العقود جمع عقد. وهو لغة: الربط والشد، ويطلق على الجمع بين أطراف الشيء. وهو عند الفقهاء: ما يتم به ارتباط إرادتين من كلام وغيره، ويترتب عليه التزام بين طرفين. قال الجرجاني في تعريفاته: هو ربط أجزاء التصرّف بالإيجاب والقبول.
وللعقد صيغة هي المظهرة لإرادة المتعاقدين. والإرادة أمر خفي لا يدرك إلا بما يظهرها من لفظ أو ما يقوم مقامه مما يكون به الإيجاب والقبول. وصيغة العقد قول يكشف عن الرغبة والقصد من لفظ العاقد وعبارته. وقد ضبط الفقهاء، لكل عقد، الألفاظَ التي تدل على مراد قائلها في إنشائه، معتمدين على ما أفصحت عنه اللغة، أو ما دلّ عليه العرف وما اعتاده الناس في كل المعاملات.
ويقع التعاقد بالأفعال أي بالتعاطي فيما جرى به العرف من المعاملات كركوب سيارة الأجرة ونحوه. وأجازت المالكية والحنابلة التعاقد بالتعاطي مطلقاً. ومنعه الشافعية والشيعة في أصل مذهبهم لعدم وضوح الأفعال في الدلالة على الإرادة إلا في التافه من الأمور كبيع رغيف (١). والمختار في القول بالتعاطي ما ذهب إليه الإمام مالك في قوله: "ينعقد البيع بكل ما يعده الناس بيعاً". واستحسن
стр. 1116
هذا الرأي ابن الصباغ. وقال النووي: "هذا الذي استحسنه ابن الصباغ هو الراجح دليلاً، إذ لم يصحّ في الشرع اشتراط اللفظ، فوجب الرجوع إلى العرف" (١).
وأما قضية الرضا بالعقد والإقدام على إنشائه فهو يتبع ما جرى عليه جمهور الفقهاء.
فالعقد الصحيح هو الصادر عن اختيار ورضا، مستوفياً للشروط الواجب توافرها في العاقد والمعقود عليه وصيغة العقد.
والعقد الباطل هو الصادر ممن لا عبارة له شرعاً. فهو عقد لا اختيار فيه للعاقد ولا رضا.
والعقد الفاسد هو ما تحقق فيه اختيار العاقد وقصده إلى تكوين العقد وإنشائه لكن هذا الاختيار فَقَدَ رضا منشئه بآثاره. فإذا تحقق الرضا انقلب إلى عقد صحيح.
وفرّقوا في الفقه الإسلامي بين العقود الشكلية التي لا بد فيها مع صيغة العقد من شهادة الشهود أو التوثق أو التسجيل والتسليم كعقد الزواج والهبة، وبين العقود الرضائية وهي الأغلب، والتي تتم بمجرد تكوينها والرضا بها وبآثارها.
وعقود المعاملات مشروعة. وهي من قسم الحاجي، يحصل لزومها بصيغ العقود. واشترطت فيها شروط لفائدة المتعاقدين كليهما. فإذا استوفَتْ شروطها فهي صحيحة، وبصحة العقد يترتب أثره. والأصل فيها اللزوم بحصول الصيغ (٢).
ويتنوع تقسيم العقود بين القدامى والمحدثين. والذي اخترناه من ذلك اعتبار العقود ست مجموعات، هي:
стр. 1117
• الأولى: بحسب المشروعية وعدمها.
• الثانية: بحسب النفاذ أو التوقّف على إجازة من له الإجازة.
• الثالثة: بحسب اللزوم والجواز من الجانبين أو من أحدهما.
• الرابعة: بحسب الاكتفاء بإرادة المتعاقدين أو باشتراط شيء آخر وراءها كالقبض.
• الخامسة: بحسب وجوب الضمان وعدمه فيها (١):
° وهي عقود ضمان كعقود البيع والصلح والتخارج، وكذا المهر والخلع والطلاق على مال، والمغارسة عند الشافعية والحنابلة.
° وعقود الأمانة كالإيداع، والإيجار عند الحنفية والمالكية.
° وكذلك عقود مزدوجة بينهما كالإجارة والشركة والمضاربة والوكالة.
• والسادسة: التي تتمايز عقودها بحسب موضوعها والغرض المقصود منها.
وكل أنواع هذه العقود والمعاملات تتحقق بها مقاصد الشريعة لأنها إنما شرعت لجلب المصالح والمنافع، ودرء المفاسد والمضار، ولأنها حين يصوغها المتعاقدون بينهم لا يريدون منها إلا غاياتها، بتحقيق مقاصدهم عن طريقها.
والعقود من هذا النوع كثيرة منها: المضاربة، والعنان، والوجوه، والأبدان، والتفويض، والمساقاة، والمزارعة. وهي تغطي حاجات المجتمع والأفراد.
ونقتصر في هذا المقام على مجموعة عقود التمليك.
стр. 1118
المجموعة الأولى: عقود التمليك:
المِلْك حكم شرعي مقدر في العين أو المنفعة يقتضي تمكن من يضاف إليه من انتفاعه بالمملوك والعوض عنه من حيث هو (١). وقال ابن الهمام: الملك هو قدرة يثبتها الشارع ابتداء على التصرّف (٢). وقال ابن تيمية: الملك هو القدرة على التصرّف في الرقبة بمنزلة القدرة الحسيّة (٣). وعرّفه صدر الشريعة بقوله: هو اتصال بين الإنسان وبين الشيء يكون مطلقاً للتصّرف فيه وحاجزاً عن تصرّف الغير (٤).
وعقود التمليك هي التي تنقل الملك أو تنشئ الحِلّ.
وهي تتنوع أولاً: باعتبار محل الملك الحاصل بها إلى خمسة أنواع:
• الأول الملك التام والمطلق وهو ملك العين والمنفعة. قال ابن عابدين: هو المملوك رقبة ويداً (٥)، وهو قول الحنابلة (٦)، والشافعية (٧)، والمالكية (٨). وترد على الأعيان المملوكة بالأسباب التي اقتضتها كالبيع والهبة والصدقة والوصية.
ويقابله الملك الناقص أو الضعيف على حد تعبير الزركشي في قواعده. وضبطه ابن الرفعة بما يقدر الغيرُ على إبطاله قبل استقراره. ولا يكون لصاحبه فيه كمال التصرّف.
• الثاني ملك عين بلا منفعة. وصورته عند الحنابلة الوصية لواحد بالمنافع، ولآخر بالرقبة، أو بشرط أن تكون الرقبة للورثة.
стр. 1119
• الثالث: ملك منفعة بلا عين. وهو ضربان:
أ - ملك مؤبّد: ومن صوره الوصية بالمنافع، والوقفُ عند من يرى أنه الحبس على المنفعة دون العين. ومثّلوا لهذا بالأراضي الخراجية تكون بيد من يديرها أو يستغلها. فهو يملك منافعها على التأبيد.
ب - ملك غير مؤبّد: ومنه الإجارة، ومنافع البيع المستثناة في العقد لمدة معلومة عند من يرى أن الملك الثابت بها هو ملك منفعة لا ملك انتفاع. ذكر ذلك المالكية (١)، والحنفية (٢)، وكذا الحنابلة (٣).
• الرابع ملك الانتفاع: وله صور كثيرة منها ملك المستعير عند الشافعي (٤) وهو ما اعتمده الحنابلة، ومنها المنتفع بملك جاره بما اكتسبه من حقوق الارتفاق.
وقد فرق جمهور الفقهاء من الحنابلة والشافعية والمالكية بين ملك المنفعة وملك الانتفاع، فقالوا: إن مَن مَلَك المنفعة مَلَك الانتفاع والمعاوضة، ومَن مَلَك الانتفاع لم يملك المعاوضة (٥).
• الخامس ملك الدين. هو أن يكون لشخص في ذمَّة آخر مبلغٌ من المال وجب بسبب من الأسباب الشرعية. فهو كثمن الشيء المشترى، وبدل القرض المقترَض. ولا يسمّى ديناً إلا إذا كان المبلغ التزاماً في الذمة.
ثانياً: تتنوع الملكية باعتبار أصحابها إلى ملكية خاصة وملكية
стр. 1120
عامة، وباعتبار وضع الملك إلى ملكية متميّزة وملكية شائعة. ومحل الملك المال (١).
ثالثاً: تتنوع عقود التمليك أيضاً من حيث وجود العوض في مقابلة ما وقع عليه التمليك من عين أو منفعة، أو من حيث عدم وجوده، إلى ثلاثة أضرب:
(١) عقود معاوضة: وهي التي تقع فيها المبادلة بين عوضين. وفي الاصطلاح: عبارة عن ضرب من التمليكات تقوم على أساس إنشاء حقوق واستخدامات متقابلة بين العاقدين. وهي أنواع: مبادلة مال بمال، ومبادلة مال بمنفعة، ومبادلة مال بغير مال ولا منفعة على اصطلاحهم. وتضاف إلى هذه الأنواع مبادلة المنفعة بالمنفعة، ومبادلة المنفعة بما ليس بمال ولا منفعة بالمعنى الاصطلاحي لديهم. وتشمل المعاوضةُ البيعَ بأنواعه من مطلق، ومقايضة، وصرف، وسَلَم، واستصناع، وصلح عن إقرار، وقسمة الأعيان، والتخارج، وحوالة الحق، والإجارة، والجعالة، والمساقاة، والزواج، والخلع ونحوها (٢).
(٢) عقود تبرّع: تقوم في بدايتها ونهايتها على أساس المعونة والمساعدة والإحسان من أحد المتعاقدين للآخر، كالهبة، والإعارة، والصدقة، والوصية، والكفالة من غير طلب المدين.
(٣) عقود تبرّعات في الابتداء ومعاوضات في الانتهاء: وهذه كالقرض، وهبة الثواب، والكفالة بأمر المدين.
ولا خلاف في أن لمعظم هذه التصرّفات عقوداً يلزم لانعقادها الإيجاب والقبول، ولا تكفي فيها إرادة واحدة. وذهب بعض الفقهاء
стр. 1121
إلى مخالفة هذه القاعدة في الهبة والعارية والقرض والكفالة والرهن. وقالوا: إن العقود تتم بإرادة واحدة، وقيل: تتم بإرادتين على تفصيل في ذلك (١).
والأصل في العقود المالية اللزوم دون التخيير إلا بشرط. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢) كما استدل لذلك القرافي في الفرق ١٩٦.
أما العقود التي جعلها فقهاؤنا غير لازمة بمجرد العقد بل حتى يقع الشروع في العمل؛ فهي - كما قدمنا - الجعل والقراض باتفاق، والمغارسة والمزارعة على خلاف. وقد نظر فيها إلى عذر العامل لأنه قد يخفّ إلى العقد لرغبة في العوض ثم يتبيّن له أنه لا يستطيع الوفاء بعمله. ومصلحة العقد بالأصالة في لزومه، وتأخّر اللزوم في هذه لمانع عارض خلافاً لظاهر كلام القرافي (٣).
وتقدم القول في المغارسة والسَّلَم والمزارعة والقراض. وعدّها بعض علمائنا رخصاً، باعتبار أنها مستثناة من قاعدة الغرر، وإن لم يكن فيها تغيير حكم من صعوبة إلى سهولة لعذر. واعتبروا في إطلاق اسم الرخصة عليها أن تغيير الحكم أعم من تغييره بعد ثبوته، أو تغيير ما لو ثبت لكان مخالفاً للحكم المشروع (٤).
ومن العقود ذات المقاصد المعتبرة المعاملاتُ المنعقدة على الأبدان. وهي إجارة الأبدان والمساقاة والمغارسة والقراض والجعل والمزارعة. وفي المغارسة لا بد من إحضار متمول قليل من طرف
стр. 1122
عاملها. وكذلك ما يحصل بالمساقاة بقلة من إصلاح ولو إصلاح حوض.
وهذه العقود لا تخلو من غرر، كما قدمنا، لعسر انضباط مقادير العمل المتعاقد عليه فيها، وعسر معرفة العامل ما ينجر إليه من الربح من جراء عمله، ولعسر انضباط ما ينجر إلى صاحب المال فيها من إنتاج أو عدمه، غير أن الشريعة ألغت هذا الغرر، لأن أضرار مراعاته أشدُّ من أضرار إلغائه، لما في مراعاته من حرمان كثيرٍ من أفراد الأمة فوائد السعي والاكتساب (١).
التبرعات:
التبرّعات من عقود التمليك.
التبرع لغة: التطوّع بغير شرط. وفي اصطلاح الفقهاء: بذل المكلف مالاً أو منفعة لغيره في الحال أو في المآل بلا عوض بقصد البر والمعروف غالباً.
التبرّعات من التمليكات وهي قسيمة لها وتتنوع إلى: هبة، ووصية، ووقف، وقرض، وعارية.
ويندرج تحتها ما يلي:
• تبرّعات ابتداء وانتهاء. كالهبة المطلقة والصدقة والوصية والعارية.
• وتبرّعات ضمن عقد معاوضة.
• وتبرّعات ابتداء. وقد ينتهي بها الأمر إلى أن تصير تبرّعات في النهاية، أو تنقلب إلى معاوضات. وتشمل الهبة، والصدقة، والوصية، والإعارة، والقرض، والوقف، والإبراء من جهة كونه تمليكاً، والعمرى، والرقبى، والإباحة، والصلح عن إنكار، والهبة بشرط
стр. 1123
العوض على قول، واقتصر القول المشهور على حصرها في الهبة.
وتنقسم التبرّعات إلى قسمين متفاوتين أثراً وأهمية. فالأول منها هو مطلق العطايا مثل الصدقات اليومية والعطايا الموسمية والنفقات والقربات، والثاني هو العطايا الأخرى التي قصد منها التمليك والإغناء وإقامة المصالح الكائنة في الغالب بأموال يتنافس في مثلها المتنافسون ويتشاكس في الاختصاص بها المتشاكسون.
فمن القسم الأول الصدقة والهبة والعارية مما يدخل في عداد النفقات.
قال الإمام الأكبر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور: "عقود التبرعات قائمة على أساس المواساة بين أفراد الأمة الخادمة لمعنى الأخوة. فهي مصلحة حاجيّة جليلة" (١).
الرهن:
هو لغة: الحبس واللزوم، وقيل: الثبوت والدوام. قال تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٢)، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٣). ويطلق أيضاً على الشيء المرهون. وعدّه ابن عابدين في التبرّعات (٤).
وهو في الاصطلاح: حبس عين مالية، توثقةً لدين يستوفى منها أو من ثمنها عند تعذر الوفاء من غيرها لعجز أو غيبة أو مماطلة. وهذا ما عناه ابن شاس بما أورده من قوله: احتباس العين وثيقة بالحق يستوفى الحق من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذّر أخذه من الغريم (٥).
وقالت المالكية: إنه شيء متموّل يؤخذ من مالكه، توثّقاً به،
стр. 1124
في دين لازم أو آئل إلى اللزوم (١).
وهو جائز غير واجب بالاتفاق؛ لأنه وثيقة دين. وحكمه في هذا كحكم الكفالة. ويصح بكل حق لازم في الذمة ثابتٍ غير معرض للإسقاط من الراهن كدين السَّلَم وعوض القرض وثمن المبيعات وقيم المتلفات، والمهر وعوض الخلع غير المعينين، والدية على العاقلة بعد حلول الحول والأجرة في إجارة العين (٢).
واشترطت الحنفية في صيغة الرهن ألا يكون معلقاً بشرط، ولا مضافاً إلى زمن مستقبل، لأن عقد الرهن يشبه عقد البيع من ناحية كونه سبيلاً إلى إيفاء الدين واستيفائه (٣).
وقالت المالكية: يصح الشرط الذي لا يتنافى مع مقتضى العقد. فهو شرط فاسد، ولا يؤول إلى حرام. أما ما يتنافى مع مقتضى العقد فهو شرط فاسد مبطل للرهن (٤).
ويقع الرهن في السفر والحضر باتفاق المذاهب، لم يخالف أحد في ذلك إلا مجاهداً والضحاك (٥). ولا يستحق المرتهن الرهن لعجز الراهن عن فكاكه لما رواه أبو هريرة من قوله ﷺ : "لا يُغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه" (٦).
стр. 1125
وله حالات ثلاث يصح فيها:
الأولى: أن يقع مع العقد المنشئ للدين، كأن يشترط البائع على المشتري بثمن مؤجل إلى المستقبل في مدة معينة تسليم الرهن بالثمن.
الثانية: أن يقع بعد الحق أو نشوء الدين. ويصح أيضاً بالاتفاق؛ لأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة فيه كالكفالة في الضمان.
الثالثة: أن يقع قبل نشوء العقد، مثل رهنتك متاعي هذا بمائة تقرضنيها.
وهذه الصور جائزة وصحيحة عند المالكية والحنفية، لأنها وثيقة بحق، ولا تصح في ظاهر المذهب عند الشافعية والحنابلة، لأن الوثيقة بالحق لا تلزم قبله لأنها كالشهادة.
ومشروعية الرهن ثابتة بالكتاب والسُّنة. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١).
ومن السُّنة ما روته عائشة أن النبي ﷺ اشترى طعاماً من يهودي إلى أجل ورهنه درعاً من حديد (٢).
والحكمة من تشريع الرهن توثيق الديون. مثله في ذلك مثل الكفالة. فهذه توثق الدين شخصياً، والرهن يوثق مالياً. وهو طريق لتسهيل القروض، كما أنه يفيد الدائن بإعطائه حق الامتياز والأفضلية على سائر الغرماء من الدائنين.