← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

إلى مخالفة هذه القاعدة في الهبة والعارية والقرض والكفالة والرهن. وقالوا: إن العقود تتم بإرادة واحدة، وقيل: تتم بإرادتين على تفصيل في ذلك (١). والأصل في العقود المالية اللزوم دون التخيير إلا بشرط. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢) كما استدل لذلك القرافي في الفرق ١٩٦. أما العقود التي جعلها فقهاؤنا غير لازمة بمجرد العقد بل حتى يقع الشروع في العمل؛ فهي - كما قدمنا - الجعل والقراض باتفاق، والمغارسة والمزارعة على خلاف. وقد نظر فيها إلى عذر العامل لأنه قد يخفّ إلى العقد لرغبة في العوض ثم يتبيّن له أنه لا يستطيع الوفاء بعمله. ومصلحة العقد بالأصالة في لزومه، وتأخّر اللزوم في هذه لمانع عارض خلافاً لظاهر كلام القرافي (٣). وتقدم القول في المغارسة والسَّلَم والمزارعة والقراض. وعدّها بعض علمائنا رخصاً، باعتبار أنها مستثناة من قاعدة الغرر، وإن لم يكن فيها تغيير حكم من صعوبة إلى سهولة لعذر. واعتبروا في إطلاق اسم الرخصة عليها أن تغيير الحكم أعم من تغييره بعد ثبوته، أو تغيير ما لو ثبت لكان مخالفاً للحكم المشروع (٤). ومن العقود ذات المقاصد المعتبرة المعاملاتُ المنعقدة على الأبدان. وهي إجارة الأبدان والمساقاة والمغارسة والقراض والجعل والمزارعة. وفي المغارسة لا بد من إحضار متمول قليل من طرف

стр. 1122

عاملها. وكذلك ما يحصل بالمساقاة بقلة من إصلاح ولو إصلاح حوض. وهذه العقود لا تخلو من غرر، كما قدمنا، لعسر انضباط مقادير العمل المتعاقد عليه فيها، وعسر معرفة العامل ما ينجر إليه من الربح من جراء عمله، ولعسر انضباط ما ينجر إلى صاحب المال فيها من إنتاج أو عدمه، غير أن الشريعة ألغت هذا الغرر، لأن أضرار مراعاته أشدُّ من أضرار إلغائه، لما في مراعاته من حرمان كثيرٍ من أفراد الأمة فوائد السعي والاكتساب (١). التبرعات: التبرّعات من عقود التمليك. التبرع لغة: التطوّع بغير شرط. وفي اصطلاح الفقهاء: بذل المكلف مالاً أو منفعة لغيره في الحال أو في المآل بلا عوض بقصد البر والمعروف غالباً. التبرّعات من التمليكات وهي قسيمة لها وتتنوع إلى: هبة، ووصية، ووقف، وقرض، وعارية. ويندرج تحتها ما يلي: • تبرّعات ابتداء وانتهاء. كالهبة المطلقة والصدقة والوصية والعارية. • وتبرّعات ضمن عقد معاوضة. • وتبرّعات ابتداء. وقد ينتهي بها الأمر إلى أن تصير تبرّعات في النهاية، أو تنقلب إلى معاوضات. وتشمل الهبة، والصدقة، والوصية، والإعارة، والقرض، والوقف، والإبراء من جهة كونه تمليكاً، والعمرى، والرقبى، والإباحة، والصلح عن إنكار، والهبة بشرط

стр. 1123

العوض على قول، واقتصر القول المشهور على حصرها في الهبة. وتنقسم التبرّعات إلى قسمين متفاوتين أثراً وأهمية. فالأول منها هو مطلق العطايا مثل الصدقات اليومية والعطايا الموسمية والنفقات والقربات، والثاني هو العطايا الأخرى التي قصد منها التمليك والإغناء وإقامة المصالح الكائنة في الغالب بأموال يتنافس في مثلها المتنافسون ويتشاكس في الاختصاص بها المتشاكسون. فمن القسم الأول الصدقة والهبة والعارية مما يدخل في عداد النفقات. قال الإمام الأكبر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور: "عقود التبرعات قائمة على أساس المواساة بين أفراد الأمة الخادمة لمعنى الأخوة. فهي مصلحة حاجيّة جليلة" (١). الرهن: هو لغة: الحبس واللزوم، وقيل: الثبوت والدوام. قال تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٢)، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٣). ويطلق أيضاً على الشيء المرهون. وعدّه ابن عابدين في التبرّعات (٤). وهو في الاصطلاح: حبس عين مالية، توثقةً لدين يستوفى منها أو من ثمنها عند تعذر الوفاء من غيرها لعجز أو غيبة أو مماطلة. وهذا ما عناه ابن شاس بما أورده من قوله: احتباس العين وثيقة بالحق يستوفى الحق من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذّر أخذه من الغريم (٥). وقالت المالكية: إنه شيء متموّل يؤخذ من مالكه، توثّقاً به،

стр. 1124

في دين لازم أو آئل إلى اللزوم (١). وهو جائز غير واجب بالاتفاق؛ لأنه وثيقة دين. وحكمه في هذا كحكم الكفالة. ويصح بكل حق لازم في الذمة ثابتٍ غير معرض للإسقاط من الراهن كدين السَّلَم وعوض القرض وثمن المبيعات وقيم المتلفات، والمهر وعوض الخلع غير المعينين، والدية على العاقلة بعد حلول الحول والأجرة في إجارة العين (٢). واشترطت الحنفية في صيغة الرهن ألا يكون معلقاً بشرط، ولا مضافاً إلى زمن مستقبل، لأن عقد الرهن يشبه عقد البيع من ناحية كونه سبيلاً إلى إيفاء الدين واستيفائه (٣). وقالت المالكية: يصح الشرط الذي لا يتنافى مع مقتضى العقد. فهو شرط فاسد، ولا يؤول إلى حرام. أما ما يتنافى مع مقتضى العقد فهو شرط فاسد مبطل للرهن (٤). ويقع الرهن في السفر والحضر باتفاق المذاهب، لم يخالف أحد في ذلك إلا مجاهداً والضحاك (٥). ولا يستحق المرتهن الرهن لعجز الراهن عن فكاكه لما رواه أبو هريرة من قوله ﷺ : "لا يُغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه" (٦).

стр. 1125

وله حالات ثلاث يصح فيها: الأولى: أن يقع مع العقد المنشئ للدين، كأن يشترط البائع على المشتري بثمن مؤجل إلى المستقبل في مدة معينة تسليم الرهن بالثمن. الثانية: أن يقع بعد الحق أو نشوء الدين. ويصح أيضاً بالاتفاق؛ لأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة فيه كالكفالة في الضمان. الثالثة: أن يقع قبل نشوء العقد، مثل رهنتك متاعي هذا بمائة تقرضنيها. وهذه الصور جائزة وصحيحة عند المالكية والحنفية، لأنها وثيقة بحق، ولا تصح في ظاهر المذهب عند الشافعية والحنابلة، لأن الوثيقة بالحق لا تلزم قبله لأنها كالشهادة. ومشروعية الرهن ثابتة بالكتاب والسُّنة. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١). ومن السُّنة ما روته عائشة أن النبي ﷺ اشترى طعاماً من يهودي إلى أجل ورهنه درعاً من حديد (٢). والحكمة من تشريع الرهن توثيق الديون. مثله في ذلك مثل الكفالة. فهذه توثق الدين شخصياً، والرهن يوثق مالياً. وهو طريق لتسهيل القروض، كما أنه يفيد الدائن بإعطائه حق الامتياز والأفضلية على سائر الغرماء من الدائنين.

стр. 1126

الوقف: الوقف لغة: الحبس. ومنه وقفُ الأرض والدابة أو غير ذلك (١). وفي الاصطلاح: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة (٢) أخذاً من قول رسول الله ﷺ لعمر: "حبَّس الأصل وسبَّل المنفعة". رواه عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر (٣). واختلفت عبارات الفقهاء في تعريف الوقف باختلاف شروطه وأحكامه بينهم. وهذا من حيث لزومه وعدمه، واشتراط القربة من الواقف، وتعيين الجهة المالكة للعين بعد وقفها، وما يتصل بذلك من اشتراط القبول أو التسليم لتمامه. وذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة والحنفية والظاهرية والزيدية والجعفرية إلى القول بجوازه في الدور والأرضين بما فيها من البناء والغراس، وفي السلاح والكراع والثياب والمصاحف ونحوها. لم يشذّ عن هذا غير أبي حنيفة وزفر في رواية عنهما. واستدل المجيزون للوقف من الفقهاء بأدلة عامة وخاصة. فمن الأولى قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٤)، قال القرطبي: ففي هذه الآية دليل على استعمال ظاهر الخطاب وعمومه (٥). ومنها قوله ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من

стр. 1127

ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (١). ومن السُّنة الفعلية ما روته عائشة: أن رسول الله ﷺ جعل سبع حيطان له بالمدينة صدقة على بني عبد المطلب وبني هاشم (٢). وذكر الإمام الأكبر أن من الصدقات الجارية والأوقاف التي كانت في زمان الرسول ﷺ : صدقة عمر، وقد أشار عليه بها، وكذلك صدقة أبي طلحة الأنصاري فإنها كانت أيضاً بإشارة منه ﷺ . وصدقة عثمان ببئر رومة. قال ﷺ : من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين؟ فاشتراها عثمان وتصدّق بها على المسلمين، وتصدق سعد بن عبادة بمخراف له عن أمه بعد وفاتها. وكانت هذه الصدقات أوقافاً ينتفع المسلمون بثمرتها على تفصيل في شروطها (٣). وفي تفصيل المقصد الشرعي يقول: والحُبس والعمرى والوصية والعتق لا تقع إلا في الشق الثاني (وهو غير النفقات الواجبة وما يلحق بها) فتكون غنى وتمليكاً سواء أكانت لأشخاص معينين أم لأصحاب أوصاف مقصودة بالنفع، أم لمصالح عامة للأمة كالذي يعطى لطلبة العلم والفقراء وأهل الخير والعبادة، وإقامة الحصون، وتجهيز الجيوش، ومداواة المرضى (٤). وذكر الكبيسي أن الوقف من أنواع الصدقات التي يقصد بها التقرب إلى الله. فهو من القرب المشروعة. وهو طريق من طرق إدرار الخير، وإجزال المثوبة للمتصدّق إذا اقترن عمله بنية صالحة

стр. 1128

ورغبة صادقة ... والتصور الإسلامي للوقف ينطلق من التصور الإسلامي للملكية وللوظيفة الاجتماعية للمال (١). وقال القاضي شُريحُ بنُ الحارث الكندي، قاضي الكوفة بتعيين عمر بن الخطاب له، بحظر التحبيس. ولما بلغت مقالته سمعَ الإمام مالك، قال: رحم الله شُريحاً تكلم ببلاده، ولم يَرِد المدينة، فيرى آثار الأكابر من أزواج النبي ﷺ وأصحابه والتابعين بعدهم، وما حبّسوا من أموالهم. وهذه صدقات رسول الله ﷺ سبع حوائط. وينبغي للمرء ألّا يتكلّم إلا فيما أحاط به خبراً (٢). والحبس أو الوقف تبرع. وهو الصدقة الجارية. وشرط التبرّعات أن تكون عن طيب نفس، وتكون مهلة لزوم عقد التبرع عقب العزم عليه وإنشائه أوسعَ من مهلة انعقاد عقود المعاوضة ولزومها. وفي تلك المهلة يتم التحويز والإشهاد. فلا يعتبرُ عقد التبرّع إلا بعد التحويز. وحدوث مرض الموت قبل تحويز العطيّة مفيت لها. والإشهاد بالعطيّة قائم مقام الحوز في الانعقاد. يدل على ذلك حديث النعمان بن بشير (٣). ويهرع المتبرّع إلى الإشهاد إن تأخّر الحوز. وهذا كاف في تحقّق التبرّع عند المالكية. وقال الشافعي وأبو حنيفة: الحوز شرط صحة لانعقاد التبرّع فلا يلزم الوفاء بالتبرع إذا لم يحصل الحوز. وقالت الحنفية بجواز الرجوع في الهبة في سبع صور هي: الزيادة المتصلة بنفس الموهوب إذا كانت سبباً في رفع قيمته، وموت أحد المتعاقدين، وقبول الواهب عنها عوضاً ولو من أجنبي، وخروج

стр. 1129

الموهوب عن ملك الموهوب له، وهلاك العين الموهوبة (١). وأباحت الشريعة تعليق العطيّة على حصول موت المعطي كما في الوصية. وأمضى المالكية الشروط في الوقف والهبة والصدقة. وذلك كاشتراط الاعتصار في الصدقة والهبة، وكذلك في العمرى والتخلية. وما كان من هذه التصرّفات قد دلت القرائن على قصد الصدقة والدار الآخرة فيه فهو غير قابل للاعتصار إلا أن يشترطه المتصدّق أو الواقف. ومن شروط المتصدق أو الواهب ما لم يجزه كثير من الفقهاء، وذلك كعدم تصرّف المتصدق عليه، أو الموهوب له، فلا يبيع ولا يهب. وفي هذا اختلاف المذاهب على أقوال خمسة. ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا الباب عدم جعل الوصية والتبرع وسيلة إلى تغيير المواريث أو رزيةً لمالٍ دائنٍ. ورُوي عن مالك بطلان الحبس على البنين دون البنات، لأنه من فعل الجاهلية. وإن عمل بهذا بعضُ المالكية مع كراهتهم له، اعتماداً على رواية المغيرة عن مالك. قال ابن رشد: ومن مذهب مالك أن يدخلن فيه، وإن نص المحبّس على إخراجهن منه ما لم يفت الأمر (٢). ومما يلزم تجنّبه اعتماد تبرع المريض في حال مرضه المخوف، فيمنع من ذلك لحق الورثة. وتجوز له المعاوضة بالبيع ونحوه. ومنع التبرع في هذا المقام للتهمة، وجاز الإذن في البيع لما يحصل فيه من عوض.

стр. 1130

الهبة: الهبة لغة: العطيّة بلا عوض. قال الراغب: هي أن تجعل ملكك لغيرك بغير عوض. وفي اصطلاح الفقهاء: هي عقد يفيد تمليك العين بلا عوض في حال الحياة تطوعاً. وقال ابن عرفة: الهبة لا لثواب تمليك ذي منفعة لوجه المعطى بغير عوض. ويتنوع تمليك العين بلا عوض إلى أنواع ثلاثة (١): (١) الهبة: وهي نقل المال من يد إلى يد. (٢) الصدقة: وهي التمليك بغير عوض لمحتاج في حال الحياة يراد به ثواب الآخرة. (٣) الهدية: وهي التمليك بغير عوض في حال الحياة مقصوداً به التودد والإكرام والتعظيم، مع حملها إلى المُهدَى إليه وإيصالِها إلى مكانه. وهذه الأنواع الثلاثة هي التي عناها النووي بقوله: "الهبة والهدية وصدقة التطوع: أنواع من البرّ متقاربة، يجمعها تمليك عين بلا عوض. فإن تمحّض فيها طلب التقرب إلى الله بإعطائها لمحتاج فهي صدقة، وإن حملت إلى مكان المهدَى إليه إعظاماً وإكراماً وتودداً فهي هدية، وإلا فهي هبة" (٢). وتضاف إلى هذه الأنواع الثلاثة الهبة المجرّدة. وهي تمليك العين بلا عوض في حال الحياة تطوّعاً غير مقصود به ثواب الآخرة ولا محمولاً إلى مكان الموهوب له قصد تعظيمه وإكرامه.

стр. 1131

والهبة وسائر ما اتصل بها أو جاء بمعناها تكون بصيغة مفيدة الملك المؤبد. وتكون الهبة من باب المعاوضة، إذا كانت هبة ثواب. وذلك بأن يعطي الرجل شيئاً من ماله لآخر يثيبه عليه. وحكمها الجواز. والموهوب له إما أن يردّ القيمة أو نفس ما وهب له إن كان قائماً. المجموعة الثانية: عقود المعاوضات: البيع: هو رأس عقود المعاوضات. وهو لغة: مطلق المبادلة، مالية كانت أو غير مالية. والمبادلة: إعطاء شيء وأخذ شيء مكانه. واصطلاحاً: مبادلة مال بمال على التأبيد مِن غير ربا ولا قرض. وورد في تعريف البيع أيضاً قولهم: هو تمليك البائع مالاً للمشتري بمال يكون ثمناً للمبيع. وقال المناوي في حدّه: هو تمليك عين مالية أو منفعة مباحة على التأبيد بعوض مالي (١). وينقسم البيع باعتبارين مختلفين: الأول باعتبار المبيع، والثاني باعتبار تحديد الثمن. فمن الأول أربعة أنواع: البيع المطلق، وبيع السَّلَم، وبيع الصرف، وبيع المقايضة. ومن الثاني ثلاثة أنواع أيضاً: بيع المساوقة، وبيع المزايدة، وبيع الأمانة.

стр. 1132

وبيع الأمانة: هو ما فيه اطمئنان من قبل البائع، لأنه أمانة في يد المشتري. وهو بيع مبني على الثقة والاطمئنان في التعامل. ويختلط به ببيوعات ثلاثة هي: المرابحة، والتولية، والوضيعة. أما بيع المرابحة: فهو بيع ما ملكه بما قام عليه وبفضل بين الطرفين. وأما بيع التولية: فهو نقل جميع المبيع إلى المُولَى بما قام عليه من غير زيادة ربح ولا نقصان. وأما بيع الوضيعة: فهو بيع الشيء بنقصان معلوم من الثمن الأول. وهو مقابل للمرابحة (١). وبالاعتبار الثاني كأن يكون الثمن منجزاً أو مؤجلاً. أو أن يكون المبيع مؤجلاً أو يكون البدلان مؤجلين. وأضافوا إلى هذه التقسيمات تقسيمات أخرى تكون بحسب حصول المبيع وغيبته، أو بحسب رؤيته وعدمها، أو بحسب تحقق العقد أو التخيير فيه، أو باعتبار الحكم الشرعي. وهي أنواع كثيرة (٢). وقد ثبت مشروعية البيع بالكتاب وهو قوله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٣)، وبالسُّنة في قوله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يفترقا" (٤). وبالإجماع على جوازه. وحكم البيع: أنه أحد أسباب المِلْك، يثبت للمشتري في

стр. 1133

المبيع، وللبائع في الثمن إذا كان البيع تاماً غير موقوف على الخيار، ولا على موافقةِ ولي الأمر إذا كان أحد المتعاقدين صبياً أو سفيهاً. كما تثبت الملكية عند الإجابة إذا كان البيع موقوفاً. والمقصد المباشر منه هو انتقال الملك في البدلين، وتبادل الأموال على أعدل وجه وأكمله. ومن مقاصد البيع الأصلية: • قضاء حاجات الناس بما بأيدي غيرهم من الأموال أعياناً كانت أم منافع بطريق التمليك أو التملك المؤبد. • قيام التعاون مع كل العناصر المنتجة الباذلة في المجتمع، ولا غنى للإنسان عن ذلك. ولولا مشروعية البيع لما حصل المرء على حاجته إلا بحرج ومشقة وعسر. • رفع أوجه التغالب والتناحر حماية لنظام العالم من الفساد والاختلال. • صد الأقوياء عن أكل أموال الضعفاء. وبه حفظ ضروريّ الإنسان في النفس والمال. وهما من الكليات الخمس. والأصل في البيع أن يكون حاجيّاً، ويجوز أن يكون تكميليّاً تحسينيّاً. وقد أوضحت هذه الحقائق الآية الكريمة ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (١). وترتبت على مشروعية البيع مقاصد تابعة ككسب الرزق

стр. 1134

الحلال عن طريق تحريك الأموال بالتجارة، وباستثمارها في أكثر من مجال من مجالات الحياة. ورواج الأموال وتوفير السلع وتيسير طرق الحصول عليها وخاصة فيما يتعلق منها بالطعام. ويكره تداول أثمانها في الذمم لما يترتب على ذلك أحياناً كثيرة من حبس أعيانها وتعطيل الاستفادة منها. وفي هذا مناقضة للمقصد الأساس من تشريع البيع. ومن المقاصد أيضاً تحصيل ما يحتاج إليه المرء من القوّة الماليّة لتكثير أصول المعاش وتنميتها. ودليل ذلك حضّ الإسلام عليها، والمبادلة في البر والبحر. قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (١)، وقال : ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢)، وقال جل وعلا: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣)، وقوله ﷺ ، لمن سأله: أي الكسب أطيب؟. قال: "عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور". والبيع المبرور هو ما يجري في الأمور المباحة. فلا يدخله أي نوع من عقود الربا، ولا يكون من العقود المجهولة، لما يحدث فيها من الغرر في الثمن أو المثمن. ومن غير المبرور كل وسائل الكسب الخبيث مثل الاتجار في أندية الملاهي، والقمار والميسر وما جرى مجراها. ومن كلام الأئمة في ذلك أن الكسب مباح على الإطلاق، بل هو فرض عند الحاجة (٤).

стр. 1135

الإجارة: الإجارة في اللغة: الأجر، وفي الاصطلاح: تمليك المنافع بِعِوَض، سواء أكان ذلك العوض عيناً أم دَيناً أم منفعة (١). وقال الحنابلة هي عقد يفيد تمليك منفعةٍ مباحة معلومةٍ بعوض معلوم إلى أجل معلوم (٢). وهذا أضبط وأدق من التعريف الأولى. وتستند مشروعية الإجارة إلى الكتاب: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٣)، ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (٤)، ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ (٥)، وقوله : ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ (٦)؛ وإلى السُّنة القولية كقوله ﷺ : "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره" (٧)، ولفعل رسول الله ﷺ . قالت عائشة: إن النبي ﷺ وأبا بكر استأجرا رجلاً خريتاً عالماً بالهداية (٨). وإلى الإجماع بما روي عن عمر وابن عباس من تأويلهما قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٩) قالا: هو أن الرجل يحج عن الرجل ويؤجّره نفسه.

стр. 1136

وعقد الإجارة ملزم لكل من المتعاقدين. فليس لأحدهما فسخه لأنه عقد معاوضة ومبادلة كالبيع تماماً فكان لازماً مثله، ولأن الإجارة لا تختلف عن البيع إلا باختصاصها باسم معين. وأقر رسول الله ﷺ الناس يستأجرون ويؤاجرون ونهاهم عن مفسداتها. والإجارة ضربان: إجارة عين. وهي ما يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها كاستئجار الدار الصالحة للسكنى. وإجارة منفعة في الذمة على شيء معين أو موصوف بصفات يمكن ضبطها بالعلم أو المدة كخياطة الثوب ونحوه. والاستئجار، كما قال ابن رشد الجد، هو الذي أذن الله به لعباده، وجعله قواماً لأحوالهم، وسبباً لمعاشهم وحياتهم ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بما أحكمته السُّنة والشريعة؛ فمنه الجائز، ومنه المحظور. قال رسول الله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (١). وللإجارة مقاصد منها: قضاء حاجات الناس، على وجه يحقق المصلحة والعدل فيما بينهم. فلكل عملية من العمليات، أو تصرّف معتبر من التصرّفات عقدٌ خصّه الشارع به. فاحتياجات الإنسان اليومية لا يمكن له وحده أن يقوم بها لكثرتها، ولعدم قدرته على توفيرها كلها عملياً، واحتياجِه إلى وجود سوق الشغل واستخدام الكثير من أصحاب القدرات والمواهب الراقية، دفعاً للمشقّة ورفعاً للحرج، شرع الله لعباده عقد الإجارة، عقداً يكون به تمليك المنفعة بعوض. السَّلَم: هو لغة: الإعطاء والترك والتسليف.

стр. 1137

واصطلاحاً: بيع موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلاً. وقد اختلفت عبارات الفقهاء في تعريفه. فهو عند الحنفية والحنابلة: بيع مؤَجَّلٍ بمُعجَّل، اعتماداً على شروط صحّته عندهم. وهي قبض رأس المال في المجلس وتأجيل المسلم فيه. وقالت الشافعية: هو عقد على موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلاً. وقد نظروا إلى شروطه عندهم. وهي قبض رأس المال في المجلس، وإجازة أن يكون السَّلَم مؤجلاً. وذهبت المالكية إلى: أنه عبارة عن بيع معلوم في الذمة، محصور بالصفة بعين حاضرة أو ما في حكمها، إلى أجل معلوم. وقولُهم هذا مبنيٌّ على منعهم السلم الحالّ، وعدم اشتراطهم تسليم رأس المال في المجلس (١). فالسَّلَم نوع من أنواع البيع، ينعقد بما ينعقد به، وبلفظ السلم والسلف. وقد أقرّ الكتاب والسُّنة والإجماع مشروعيتَه. ودليل ذلك من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢). شهد ابن عباس أنها نزلت في السَّلَم يعني بيع الثمار ونحوها من المثليات في ذمة البائع إذا كان ذا ذمة إلى أجل. وقد كان السَّلَم من معاملات أهل المدينة، أذن فيه الشارع وإن اعتبر الأصوليون السبب الخاص لا يخصص العموم (٣). ودليل مشروعية السَّلَم من السُّنة قوله ﷺ من رواية ابن عباس: "من أسلم في شيء فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل

стр. 1138

معلوم" (١). وهذا هو الأصل والقاعدة التي اعتمدها الفقهاء. وأما الإجماع فهو ما حكاه ابن المنذر من قوله: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السَّلَم جائز. وفي هذا ترخيص من الشارع وإذن منه بجواز السَّلَم. قال الإمام الأكبر: وقد وجدنا من الضرورات ضرورات عامة مطردة كانت سبب تشريع عام في أنواع من التشريعات مستثناة من أصول كان شأنها المنع مثل السلم والمغارسة والمساقاة. فهذه مشروعة باطراد. وكان ما تشتمل عليه من أضرار وتوقع ضياع المال مقتضياً منعها، لولا أن حاجات الأمة إليها داعية. فدخلت في قسم الحاجي (٢). وفي هذا التشريع حكمة بالغة جرت على لسان الشيخ ابن عاشور في تفسيره عند قوله: التداين من أعظم أسباب رواج المعاملات، لأن المقتدر على تنمية المال قد يعوزه المال، فيضطر إلى التداين ليظهر مواهبه في التجارة أو الصناعة أو الزراعة، ولأن المترفّه قد ينضب المال من بين يديه وله قِبَلٌ به بعد حين. فإذا لم يتداين اختلّ نظام ماله. فشرع الله تعالى للناس بقاء التداين المتعارف بينهم كيلا يظنّوا أن تحريم الربا والرجوع بالمتعاملين إلى رؤوس أموالهم إبطال للتداين كله. وأفاد ذلك التشريع بوضعه في تشريع آخر مكمل له. وهو التوثق له بالكتابة والإشهاد (٣). المجموعة الثالثة: عقود المشاركة أو الشركات القائمة على عمل الأبدان: هذا النوع من المعاملات مثّل له الإمام بالمساقاة والمغارسة

стр. 1139

والقراض والجعل والمزارعة. وهذه معاملات مما يراد تكثيره لتأكد الحاجة إليه. وفرّق بين هذه المعاملات صاحب المقاصد وبيّن أنها مما يدخله الغبن والغرر، وهو مغتفر فيها بخلاف المعاملات المالية، فإنها لا يدخلها شيء من ذلك الغرر على أيّ طرف من أطراف العقد. وإنما جاز العقد على عمل الأبدان لصعوبة انضباط مقادير العمل المتعاقد عليه فيه، وتعسر معرفة ما ينجر للعامل من الربح، وما يحصل لصاحب المال فيها من إنتاج. ومن حِكمة الشريعة في إلغاء اعتبار الغرر والضرر في هذه العقود الخوف من بقاء أهل العمل عاطلين. وهذا أشد عليهم مما يلحقهم من الخيبة في بعض الصور والأحوال. وقد دلّ على مشروعية هذه الأعمال البدنية عمل رسول الله ﷺ مع اليهود في إعطائهم نخل خيبر للعمل فيه مقابل نصف الثمرة من محصولها. وكذلك ما فعله الأنصار مع المهاجرين حين سلَّموا إليهم حوائطهم للعمل بها. وخشية الإطالة في شرح هذه المسألة نقف عند أنواع أربعة من المعاملات المشار إليها آنفاً هي: المضاربة ، والمساقاة، والمزارعة، والمغارسة. المضاربة: المضاربة عند أهل العراق هي القراض في بلاد الحجاز. والتسمية الأولى مستمدة من الضرب في الأرض. قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (١)، ومن قوله : ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ

стр. 1140

مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (١). والتسمية الثانية مأخوذة من اصطلاح أهل المدينة. وذلك قول الصحابة لعمر بن الخطاب في قصّته مع ابنيه: لو جعلته قراضاً. والقراض لم يرد التنصيص عليه في الكتاب ولا في السَّنة. وهو مأخوذ من الإجماع الذي لا خلاف فيه لأحد من أهل العلم. وكان في الجاهلية فأقرّه الرسول ﷺ في الإسلام (٢). ونصّ على الاستعمالين وفرّق بينهما في أصل التشريع ابنُ عبد البر. قال: أصل هذا الباب إجماع العلماء - يريد القراض - وقال: المضاربة سُنة معمول بها. وروي عن عمر وعائشة وابن مسعود وابن عمر أنهم كانوا يقولون: اتجروا في أموال اليتامى حتى لا تأكلها الزكاة. وكانوا يضاربون بأموال اليتامى (٣). وهي عبارة عن شركة فيها المَغْنَمُ والمَغْرَمُ لطرفي المضاربة، وأن الكسب فيها ثابت لهما مهما قلّ أو كثر. وحَدُّ شركة المضاربة أو المقارضة دفع معلوم لمن يتّجر به بجزء معلوم مشاع من ربحه كالنصف والثلث والربع والسدس (٤). وفي المجلة هي نوع شركة على أن رأس المال من طرف، والسعيَ والعملَ من الطرف الآخر (٥). والمضاربة عند الفقهاء نوعان: مطلقة، ومقيّدة. أما المطلقة فهي التي لا تتقيد بزمان ولا مكان، ولا نوع تجارة ولا بتعيين بائع ولا مشتر. وأما المقيّدة فهي التي تقيّدت بواحد من هذه الصفات.

стр. 1141

وهي مما اتفق عليه الفقهاء في الجملة. والخلاف في تفاصيلها (١). والمقصد الشرعي كقصد تشريع عقود المشاركة كلها، منه أصلي وتابع. أما القصد الأصلي فهو تحصيل المال الحلال الطيب، أو تنمية الموجود منه في أيدي ملاكه بالعمل ممن لا يجده، أو لا يجد القدر الكافي منه لمباشرة التجارات الواسعة والمكاسب العظيمة، مع قدرته على العمل ومعرفته بوسائل استخراج المكاسب وتنمية الثروات. ومن مقاصد المشاركة التابعة: (١) إشاعة تداول الأموال بين الناس وتكثير عدد المستفيدين منها من أفراد الأمة حتى لا تبقى دُولَةً بين عدد قليل من الناس، لا يُحسن التصرّف فيها أو لا تستوعب قدراته وطاقات الفردية تشغيلها. (٢) تشغيل أكبر عدد ممكن من الأيدي العاملة ذات القوة البدنية والمهارة والخبرة مما يكون سبباً لزيادة الإنفاق، وتكثير المكاسب وتوفير السلع في الأسواق بأسعار رخيصة تكون في متناول الطالبين والمستهلكين. (٣) تشغيل العاطلين، وتنمية أموال المالكين، وعموم النفع لأفراد المجتمع وفئاته المختلفة. (٤) مظهر من مظاهر التعاون على البر والتقوى تتوثق به عرى الأخوة والتضامن والتكامل بين كل طبقات المجتمع وعناصره (٢).

стр. 1142

وفي ذيل هذا التعريف بالمضاربة وبيان المقصد الشرعي منها ومن بقية عقود المشاركات، لا يفوتنا أن ننبه إلى نوع آخر من المضاربة، يتأكد التحذير منه، وهو معروف وجارٍ في الاقتصاد الغربي. وهو يشبه ما كان يعرف في العصر الجاهلي بالقرض الإنتاجي الربوي. وهو يقوم أساساً على تحديد الفائدة الربوية، للمبلغ المقترض، كما يحدّد الزمن الذي يستغرقه القرض كأن يكون ١٠ % سنوياً من رأس المال، مهما كانت نتائج القرض من كسبٍ كثير أو قليل أو من خسارة. وقد أبطله الإسلام لما فيه من تضارب مع أحكام الشريعة الإسلامية، ومناقَضة لها. وأضاف د/ علي السالوس في تفريقه بين شركة المضاربة والقرض الإنتاجي الربوي أنّ العلاقة بين صاحب القرض وآخِذِه ليست من باب الشركة. فصاحب القرض له مبلغ معين محدّد، ولا شأن له بعمل من أخذ القرض، والمقترض يستثمر ما أخذ من مال لنفسه فقط باعتباره مالكاً لذلك المال. وهو ملتزم برد مثله مع الزيادة الربوية عند حلول أجل الوفاء بذلك الدين. فإن كسب كثيراً فلنفسه، وإن خسر تحمَّلَ وحده الخسارة (١). والمضاربة في الاقتصاد المعاصر عبارة عن عمليات بيع وشراء تنتقل معها العقود والأوراق المالية من يد ليد، دون أن يكون في نية البائع أو المشتري تسليمُ أو تسلمُ موضوع العقد المتفق عليه. وإنما غاية كل طرف من الطرفين ربِ المال والمضاربِ أو العامل الاستفادة من فرق السعر بين ما اشتراه بالأمس وما باعه اليوم، وبين ما يشتريه اليوم ويبيعه غداً. وهكذا تدور الصفقة عدَّة دَورات بين الطرفين إلى

стр. 1143

أن تنتهي إلى آخر مشتر يتسلم الموضوع محل الصفقة (١). وقد اهتزت لمخاطر هذا النوع من التعامل أسواق كثيرة في العالم، وزلزلت هذه المضاربات، من نحو عشر سنوات أو أكثر، كيان اقتصاد دول النمور الآسيوية في جنوب شرقي آسية. المساقاة: المساقاة كذا في لغة أهل الحجاز، وهي المعاملة عند أهل العراق (٢). وهي في اللغة: مفاعلَة من السقي، بأن يقوم شخص على سقي النخيل والكروم ومصلحتهما. ويكون له من ريع ذلك جزء معلوم (٣). وهي في الاصطلاح الشرعي: معاقدة دفع الشجر والكروم إلى من يصلحه بجزء معلوم من ثمره (٤). ولها تعريفات أخرى منها أنها نوع شركة، على أن يكون الشجر من واحد وتربيته من آخر، ويقسم ما يحصل من الثمرة بينهما (٥). ومنها أنها دفع شجر مغروس معلوم ذي ثمر مأكول لمن يعمل عليه، بجزء شائع معلوم من ثمره (٦).

стр. 1144

ومنها كذلك أن يدفع الرجل كرمه أو حائط نخله أو شجر تينه أو زيتونه أو سائر مثمر شجره لمن يكفيه القيام بما يحتاج إليه من السقي والعمل مقابل أن ما أطعم الله من ثمرها يكون بينهما نصفين، أو للعامل جزء معلوم من الثمرة. وهذه رخصة مستثناة من كراء الأرض بما يخرج منها، ومن بيع الثمرة والإجارة بها، ومن الإجارة المجهولة، ومن بيع الغرر (١). ومحلّ المساقاة عند الحنفية: الشجر المثمر كالنخل والشجر والكروم والرطاب وأصول الباذنجان. وجوازها للحاجة وهي تعمُّ الجميع. وزاد المتأخرون من أهل المذهب من مواضعها الشجر غير المثمر كشجر الجوز والصفصاف والشجر المتخذ للحطب إذا كان يحتاج إلى السقي والحفظ، وإلا لم تجز المساقاة فيه. وتقع عند المالكية على الزروع ما عدا البقول، وعلى الأشجار المثمرة ذات الأصول الثابتة ككرم العنب والنخيل والتفاح بشروط. ورجح الشيخ ابن عاشور جريانها في الزرع كما في الشجر إذا كان الزرع يحتاج إلى العمل (٢). وتَرِد عند الحنابلة على الأشجار المثمرة المأكولة فقط. فلا تصح في غير المثمر منها كالصفصاف والجوز، والعفص والورد ونحوها. وذهب الشافعي في الجديد إلى أن مورد المساقاة محصور في النخل والعنب لا غير. وللمساقاة الصحيحة أحكام تختلف بين المذاهب.

стр. 1145

فعند الحنفية لها خمسة أحكام. هي: (١) أن كل ما كان من أعمال المساقاة مرتبطاً بالشجر ونحوه كالسقي وإصلاح النهر، والحفظ والتلقيح مما هو من توابع المعقود عليه فهو على العامل. وأن كل ما تدعو إليه الحاجة من مصاريف على المساقاة كالسِّرقين وتقليب الأرض، والجذاذ والقطاف فعلى المتعاقدين كليهما. (٢) أن الخارج عن المساقاة يكون للطرفين على الشرط المتفق عليه. فإن لم يخرج الشجر شيئاً فلا شيء لواحد منهما على الآخر. (٣) أن العقد لازم للجانبين، ولصاحب الأرض إجبار العامل على العمل إلا لعذر. (٤) أنّ الزيادة على الشرط والحطّ فيه جائزة كما في المزارعة. وتكون الزيادة من الطرفين، ولا تجوز من صاحب الأرض للعامل ولا زيادة صاحب الأرض. (٥) ليس للعامل مساقاة غيره إلا بتفويض من صاحب الأرض. فإن خالف العامل بأن عامل غيره على زرع الشجر كانت الثمرة لصاحب الشجر، ولا شيء للعامل الأول، وللثاني أجر مثل عمله على العامل الأول. وأحكام المساقاة عند المالكية تتفق في الغالب مع ما عند الحنفية. وعمل المساقي فيما لا تعلّق له بالثمرة لا يجوز اشتراطه عليه، ولا يَلزم العقدُ العاملَ به إلا فيما لا بال له كَشدِّ الحظيرة وإصلاح الضفيرة. وتفسد المساقاة في شجر لا ينقطع إثماره في وقت من السنة كشجر الموز والقضب. وإذا كان الشجر مما يخلف لم تصحّ مساقاته

стр. 1146

حيث كان لا ينقطع. أما ما يخلف مع كونه يقطع كالسدر فيصحّ (١). وتعتمد المساقاة أيضاً فيما تطول مدة إثماره لصغره كالمساقاة على ودي النخل ونشء شجر الزيتون (٢). أما ما يتعلق بالثمرة فما كان مما يبقى بعدها كحفر البئر، وإقامة الساقية وبناء محل للتخزين وغرس للشجر فهو مما لا يقتضيه العقد فلا يُلزَمُ به ولا يجوز أن يُشترطَ عليه. وأما ما يتعلق بالثمرة وما يبقى بعدها فهو على العامل بمقتضى العقد. وذلك كالتقليم والجذاذ والسقي. وعليه جميع المؤن من الآلات والأسمدة والأجراء ونفقتهم من كل ما يلزم الشجر عُرفاً. وحق العامل جزء من الثمرة حسبما يقع الاتفاق عليه بين الطرفين، ويجوز أن تكون كلها له. وإذا لم يثمر الشجر فلا شيء لأحد المتعاقدين. وأما الشافعية والحنابلة فهما يتفقان مع المالكية في تحديد الملزَم بالعمل، وفي حق العمل. ويقولون في ذلك: كل ما يتكرر كل عام فهو على العامل وما لا فعلى رب المال (٣). وعلى العامل ما يحتاج إليه لصلاح الثمر ونمائه، مما يتكرر كل سنة في العمل ولا يقصد به حفظ الأصل. وأما ما يقصد به حفظ الأصل أي الشجر ولا يتكرر كل سنة فهو على المالك. واختلف قولهم في الجِذاذ فهو على العامل في المذهبين وعند الحنابلة. وهو على المالك والعامل معاً بقدر نصيبهما عند الحنفية.

стр. 1147

والمساقاة عقد لازم من الجانبين كالإجارة عند الجمهور من الشافعية والحنفية والمالكية. وغير لازم عند الحنابلة. وإن هرب العامل عند هؤلاء، فلرب المال الفسخ لكون المساقاة عندهم عقداً جائزاً غير لازم. وذهب الجمهور ممن يقول بلزوم العقد: لو هرب العامل قبل الفراغ من العمل، وأتمّه المالك متبرّعاً بالعمل بقي استحقاق العامل كتبرع الأجنبي بأداء الدين، ولو لم يتبرّع المالك بالعمل استأجر الحاكمُ بعد رفع الأمر إليه على العامل من يتم العمل من مال العامل. فإن عجز المالك عن مراجعة الحاكم أشهد المالك على العمل بنفسه، أو على الاتفاق إن أراد الرجوع بما يعمله أو ينفقه. ذلك أن الشهادة حالّ قيام العذر كالحكم، ويلزمه التصريح في الإشهاد بحق الرجوع على العامل. ولم يجز أبو حنيفة وزفر المساقاة لأنها من قبيل الاستئجار ببعض الخارج من الأرض وهو منهي عنه. وقال بمشروعية المساقاة أبو يوسف ومحمد صاحبا الإمام أبي حنيفة، وجمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد استدلالاً بمعاملة النبي ﷺ أهل خيبر. وفي هذا قوله ليهود خيبر: أقرّكم فيها ما أقرّكم الله على أن الثمر بيننا وبينكم. وفي رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ لما فتح خيبر دعا اليهود فقال: نعطيكم على أن تعملوها. أقرّكم ما أقرّكم الله (١). وقد جرى على هذا الصحابة، لعمل النبي ﷺ والأئمة الراشدين وأهل المدينة، ولإجماع الصحابة عليه (٢).

стр. 1148

والحكمة من تشريع المساقاة سدّ حاجة الناس الكبيرة إليها؛ وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك عند الحديث عن حكمة تشريع المشاركة والشركات. المزارعة: المزارعة هي عقد على الزرع ببعض الخارج. وفيها الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه. وهي لا تصح إلا بشروط هي صلاحية الأرض، وأهلية المتعاقدين، وبيان المدة، ورب البذر، وجنسه، وحظ الآخر، والتخلية بين الأرض والعامل، والشركة في الخارج. وصور المزارعة ثلاثة: • أن تكون الأرض والبذر لواحد، والعمل والباقي لآخر. • أو تكون الأرض لواحد والباقي لآخر. • أو يكون العمل لواحد والباقي لآخر. وأجازت المالكية المزارعة بشرطين عند ابن القاسم: الأول السلامة من كراء الأرض بما تنبت، والثاني: تكافؤ الشريكين فيما يخرجان. ومنها أوجه أخرى ذكرها ابن جزي (١). ومن أحكام المزارعة أنه لا يشترط على العامل حرث أرض المزارعة عند تسليمها إلى صاحبها مقابل أنه سلمه إياها محترثة، لما في ذلك من الإلجاء (٢).

стр. 1149

المغارسة: عقد على تعمير أرض بشجر بقدر معلوم كالإجارة والجعالة، أو بجزء من الأصل. وهي جائزة لازمة بالعقد على الراجح. قال بها المالكية وأهملها الحنفية والشافعية (١). وأتبع المؤلف حديثه عن المغارسة بذكر جملة من أحكامها. كترجيحه ما جرى عليه العمل بالأندلس من إعطاء أرض الحبس مغارسة. وهو ما أفتى به أبو زيد عبد الرحمن الفاسي كما في نوازل الزياني. وقول صاحب المعيار: المغارسة في أرض الحبس ماضية (٢). ولا يجوز أن يشترط على عاملها تكسير الأرض الشعراء وهي الروضة الكثيرة الشجر. ولا جعل جدار للأرض المغترسة. وجاز تأجيل خدمة المغارسة إلى مدة تبلغها الأشجار أو مدة الإثمار. ولا يجوز أن يكون التأجيل إلى مدة تتجاوز إبان الإثمار. وإن ذلك لموجب من موجبات فساد العقد. قال ابن رشد: وأما إن كان الحد فوق الإطعام فلا يجوز (٣). ومن غرر مسائل الفقه المالكي أن لعامل المغارسة أن يبيع حقه في العمل لآخر يقوم مقامه (٤). ويلحق تلقيح جَبُّوز الزيتون بالمغارسة ولا يجري مجرى المساقاة (٥).

стр. 1150

وفرق الشيخ ابن عاشور بين ذكر هذه الأنواع الثلاثة من عمل الأبدان: المساقاة، والمزارعة، والمغارسة، وبيّن ما توصل إلى ضبطه من مقاصدَ شرعيةٍ وآداب تعاملية تُطلب من ورائها، وذلك كوجوه الرفق بالعمال، وعدم استعبادهم أو إلحاق الضرر بهم، والتعجيل بدفع مستحقاتهم وتنفيلهم بمنافع زائدة على ما يقتضيه العمل (١). ومما سبق نخلص إلى أن مقاصد الشريعة في التصرّفات المالية خمسة هي: الرواج، والوضوح، والحفظ، والثبات، والعدل، كما تقدم وكما ذكره الشيخ ﵀ (٢). ولا يسعنا بعد استعراض هذه النماذج من العقود المختلفة من عقود التمليك وعقود التبرع، وعقود التوثق وعقود المشاركة أو عقود الأبدان، وبعد الحرص على بيان المقصد الشرعي أو الحكمة من تشريعها، كما هو الشأن في سائر العقود، إلا أن ننبه إلى أن الأئمة من الفقهاء المبرّزين بذلوا في كل العصور من الجهود ما استقامت عليه هذه الشريعة من أحكام وضوابط وعلل وأقيسة بغية التوصل إلى الوفاء بالغرض منها. وما ذلك إلا بالرجوع إلى الكتاب والسُّنة، وفهمهما فهماً صحيحاً، والاستنباط منهما، والاعتماد على إجماع علماء الأمة، وما قاموا به من ضروب القياسات لعلاج ما يعرض لهم مع تطورات الزمان، وما يقتضيه ذلك أو يتطلبه من دراسة للمستجدات، وبيان لحكم الشارع فيها باستخدام ما بين أيديهم من آلات النظر والبحث والاستنباط والاستنتاج والوقوف على ما هو من مقاصد الشريعة مما أُمرنا فيه بجعل مناهجنا في تصورها وتحديدها

стр. 1151

وفق ما جاءت به المصادر الأساسية للاجتهاد، وما يتبع ذلك من استحسان واستصلاح ونحوه، وبيان أنواع الدلالات والتفريق بين العموم والخصوص، والاستثناء والشرط والفرق بينهما، ومراعاة القواعد الأصولية والفقهية العامة. فإن ذلك كله وقاية من المخاطر والمزالق، تحمي السلوك الإنساني من الاضطراب، ومن مخالفته لقوانين العقل وأحكام الشرع التي لم يَرِد بها الحكماء ولا رجال الشريعة إلا لأجل حمل الناس على الجادة والاستقامة ما عاشوا. وذلك هو المطلب الثاني بعد الإيمان. يدل عليه قول الرسول ﷺ لمن سأله عن منهج الإسلام: "قل آمنت بالله ثم استقم" (١). وقد تفطن لهذه الحقيقة العالمان الجليلان محمد الخضر حسين ومحمد الطاهر ابن عاشور. فقال الأول في محاضرة ألقاها بعنوان مدارك الشريعة الإسلامية وسياستها إن المقصد من وضع قوانين المعاملات والجنايات تمكين الناس من حقوقهم التي تهوى إليها أفئدتهم، ووقايتُهم مما يدخل على قلوبهم من الآثار المؤلمة. وليس كل ما فيه ألم يستحق أن يدفع، ولا كل ما فيه لذة هو أهل لأن يجلب. فقد يتجرّع الشخص مشقة تعود عليه بسعادة، ويلتذ براحة تلقي به في التهلكة، كالمريض تلذ له بعض الأطعمة تسوق له منيتَه، ويشمئز ذوقه من بعضها وفيها غنيمة شفائه (٢). وتعرّض الشيخ ابن عاشور لكلام الشاطبي في المسألة الثانية عشرة من كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية (٣) قائلاً: "إن الأعمال كلها

стр. 1152

منوطة بأسباب، وما جعلت الأسباب إلّا لاشتمالها على الحكم والمصالح. فيكون في إلغائها تفريغها من حكمة التشريع التي عني بها الشارع وهذا أول الطريق في خرق الأحكام والاختلاف بها عن المنهج الشرعي الموثوق به". تحريم المعاملات الربوية كلها: إذا كان الشرع بحكمته قد أحلّ ما أحلّ من بيوعات ومعاملات كثيرة، وسمحَ ببعض ما كان أصله المنع رفعاً للمشقة ودفعاً للضرورة، فأباحه وأبطل ما سوى ذلك من أنواع التصرّفات المالية والمداينات القائمة على الأثرة والظلم والاستغلال، أو المجافية لروح الشريعة، ولما تقتضيه الحكمة النظرية العقلية السليمة. فقد صدع القرآن بالحق والعدل، وجاء بالحكم الفصل في هذه المعاملات، وبالتحذير والوعيد لمن يخالف أمر الله فيها ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١). والربا: مطلق الزيادة. وفي اصطلاح الفقهاء: الزيادة المشروطة في أموال مخصوصة، في عقود مخصوصة، وفي حالات مخصوصة. وهو سبب في انقطاع المعروف بين الناس لتعطيل القروض. وبتحريم الربا تطيب النفوس بقرض الدراهم للمحتاج واسترجاع مثلها من غير زيادة ابتغاء للأجر من الله.

стр. 1153

وقد جاءت أحاديث كثيرة في تحريم الربا، منها: (١) حديث أبي سعيد الخدري: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلاً بمِثل يداً بيد. فمن زاد أو استزاد فقد أربى، والآخذ والمعطي في ذلك سواء" (١). (٢) حديث عبادة بن الصامت: "الذهب بالذهب تِبرُها وعَينُها، والفضة بالفضة تبرها وعينها، والبُر بالبر مُدْيٌ بمُدْي، والشعير بالشعير مُدي بمُدي، والتمر بالتمر مدي بمدي، والملح بالملح مُدْي بمُدْي. فمن زاد أو ازداد فقد أربى. ولا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضة أكثرهما يداً بيد، وأما نسيئة فلا، ولا بأس ببيع البُر بالشعير والشعير أكثرهما يداً بيد، وأما نسيئة فلا" (٢). (٣) سمى رسول الله ﷺ التفاضل في بيع الطعام صاعين بصاع ربا. وقال لبلال: "أوّه أوّه، عين الربا، عين الربا! لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبع ببيع آخر ثم اشترِ به" (٣). (٤) ومثل هذا الحديث ما أثبتناه من رواية أبي هريرة من نهيه ﷺ عن أخذ الصاع بالصاعين من الجمع. فقال رسول الله ﷺ : "لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتعْ بالدراهم جنيباً" (٤). (٥) حديث عائشة. قالت: لما أُنزلت هذه الآيات من آخر البقرة في الربا قرأها النبي ﷺ . ومن هديه تحريم التجارة في الخمر (٥).

стр. 1154

(٦) حديث مالك. إن امرأة قالت: وفدت من المدينة إلى الكوفة فلقيت عائشة فأخبرتها أنها باعت من زيد بن أرقم في الكوفة جارية بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم إن زيداً باع الجارية فاشترتها المرأة منه بستمائة نقداً. فقالت لها عائشة: بئسما شريت وما اشتريت. أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب. قالت: فقلت لها: أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ قالت عائشة: نعم فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف، فجعلته عائشة من الربا ولذلك تلت الآية (١). وقد اعتمد الفقهاء على الآية وعلى هذه الآحاديث فأثبتوا أن الربا ثلاثة أنواع في اصطلاح الشرع: (١) ربا الجاهلية. وهو الزيادة على الدين لأجل التأخير. (٢) ربا الفضل. وهو الزيادة في أحد العوضين في بيع الصنف بصنفه من الأصناف الستة المذكورة. (٣) ربا النسيئة. وهو بيع شيء من تلك الأصناف بمثله مؤخراً. (٤) وأضافت المالكية: ما يؤول إلى واحد من الأصناف بتهمة التحيّل على الربا. وهو المعروف ببيوع الآجال. (٥) وأضاف ابن العربي نوعاً خامساً يشمل كل بيع فاسد. قال الإمام الأكبر معقباً على هذه الأنواع الربوية المأخوذة من السُّنة: إن أظهر المذاهب في هذا هو مذهب ابن عباس، وإن أحاديث ربا الفضل تحمل على حديث أسامة: "إنما الربا في النسيئة" (٢)

стр. 1155

ليجمع بين الحديثين. وتسمية التفاضل بالربا في حديثي أبي سعيد وعبادة دليل على ما قلناه. وإن ما رعاه مالك من إبطال ما يفضي إلى التعامل بالربا إن صدر من مواقع التهمة رعي حسن، وما عداه إغراق في الاحتياط. وقد يؤخذ من بعض أقوال مالك في الموطأ وغيره أن انتفاء التهمة لا يبطل العقد (١). ولا تمسك في نحو حديث عائشة في زيد بن أرقم لأن المسلمين في أمرهم الأول كانوا قريبي عهد بربا الجاهلية. فكان حالهم مقتضياً لسدّ الذرائع. وربا الجاهلية المحرّم لذاته لا يباح إلا للضرورة التي تبيح أكل الميتة. وقال ابن عرفة: إن ما يحرم به فضل القدر والنَّساء هو عوض متحدي جنس الذهب أو الفضة، وربوي الطعام، وإن ما يحرم فيه النَّساء فقط هو عوض اختلف في جنسه، أو الذهب والفضة. وباتخاذ العوضين في درجة الطيب من الطعام تحصل المماثلة، فلا يجوز بيع فريك الحنطة بيابسها، ولا السمن بالزبد متماثلاً ولا متفاضلاً (٢). واعتقادي أنه لا يجوز التصرّف بسرعة وارتجال في إلحاق عدد كبير من المبادلات المالية بما تقرَّر حظرُه ومنعُه. فإن للفقهاء في بعض هذه المعاملات توقفاً أو خلافاً. فما كان من العقود لا ينطبق عليه النهي الوارد من الشارع دخل باتفاق في دائرة المعاملات المشروعة، وما اختلفت فيه وجهة النظر من حيث شمول النهي أو عدم شموله كان موضع اختلافهم. فمن أدخل هذا النوع من التبادل

стр. 1156

المالي، ضمن دائرة النهي، أي في عموم النهي قال بحظر التعامل به لحرمته. فنهيُ الشارع عنه موجِبٌ لحُرمَته، فينبغي تركه والخروج عنه وهو معدود في العقود المحرّمة. والمقصد الشرعي من تحريم الربا وحكمتُه منع الظلم، والحثُّ على العمل ليكون سبيلاً للتكسّب وتدريباً للنفوس على البرّ والمعروف والصدقة والقرض الحسن والتعاون على الخير. ويؤكد هذه المعاني قوله : ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (١). وذهب ابن القيم إلى أن تحريم هذا النوع من الربا دفعٌ لما يربو على المحتاج من غير نفع يحصل له، ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويحصل أخوه على غاية الضرر. وقد قابل الله ، كما في الآية الأولى، بين حِلِّ البيع وحرمة الربا فتوعد طائفة ووعد أخرى قائلاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢). ومن وعده سبحانه للمنفقين في سبيل الله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). وقد حدَث في عصرنا كثير من التصرّفات المالية استوجبت النظر والتعليل وبيان حكم الشارع فيها. وهذه كثيرة كتلك التي تقوم بها البنوك التجارية مثل الفائدة والودائع والقروض وفتح الاعتماد

стр. 1157

وخطابات الضمان والأعمال المصرفية الاستثمارية ونحوها. وكلها مما عرض على المجامع الفقهية لاتخاذ القرار بشأنه. العقود المنهي عنها: يمكن اختصار القول في هذه العقود بردّها إلى أربعة أنواع من التصرّفات المالية ترمز عناوينها إلى حقائقها، وتدل على أسباب منعها والنهي عنها. فمن ذلك: • أولاً: البيوع الممنوعة بسبب عدم أهلية العاقد. • ثانياً: البيوع الممنوعة بسبب الصيغة. • ثالثاً: البيوع الممنوعة بسبب محل العقد. • رابعاً: البيوع الممنوعة بسبب وصف أو شرط أو نهي شرعي. ومما يذكر من بين هذه البيوعات الممنوعة صور منها: بيع حاضرٍ لبادٍ ممن لا يعرف الأسعار، ومن كل وارد على مكان وإن كان من مدينة: حُكمه: الحرمة. ودليل ذلك قوله ﷺ : "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" (١). والقصد من هذا الحكم الرفق بأهل البلد، ومنع الضرر بأهل السوق في انفراد المتلقي عنهم في الرخص، وقطع الموارد عنهم. وللفقهاء تخصيصات لعموم هذا النهي. قالت الحنفية بالمنع (كراهة التحريم) خاص بزمن الغلاء، وبما يحتاج إليه أهل المصر. واعتبرت الشافعية والحنابلة المنع منوطاً بالبادي ومن شاركه في معناه، وهو عدم معرفة السعر. وجعلت المالكية البداوة قيداً لهذا الحكم.

стр. 1158

وهذا البيع يقع فاسداً ويجوز بقيمته كالنجس عند المالكية، وهو صحيح عند الحنفية، وذهبت الشافعية والحنابلة إلى القول بالخيار. تلقي الركبان (١): التلقّي حرام، ودليل ذلك قوله ﷺ : "ولا تَلقَّوا الجلب. فمن تلقّاه فاشترى منه فإذا أتى صاحبُه السوقَ فهو بالخيار" (٢). وكرهته الحنفية كراهة للضرر أو الغرر، فإذا انتفيا فلا بأس ولا يكره. وبذلك صرح المرغيناني، والكاساني، والزيلعي، والحصكفي وآخرون (٣). وفي الحديث عن ابن عباس: "لا تَلقَّوا الركبان، لا يبع حاضر لباد". اختلف الفقهاء في هذا النهي. فاعتبر قوم التلقّي جائزاً ومنعه آخرون. قال ابن تيمية: في الخبر دليل على صحة البيع (٤). والراجح أن هذا البيع وبيع الحاضر للبادي صحيح غير فاسد. وبهذا قالت الحنفية. وفيه خيار الغبن عند الشافعية والحنابلة، ولا يجوز لحقِ أهل الأسواق، ويقع فاسداً عند المالكية. ومما وقع النهي عنه من ذلك بيع السلع حيث تبتاع. فعن ابن عمر أن زيد بن ثابت رآه يفعل ذلك فقال له: "لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك؛ فإن رسول الله ﷺ نهى أن تباع السلع حيث

стр. 1159

تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم" (١). البيع وقت النداء لصلاة الجمعة: ومنع ذلك من الأذان الأول عند الحنفية وقال غيرهم من حين يصعد الإمام المنبر إلى أن تنقضي الصلاة. وحكمه كراهة التحريم عند الحنفية، ويقع صحيحاً. وهو حرام عند الشافعية. ويفسخ في المشهور عند المالكية، ولا يصح أصلاً عند الحنابلة. البيع والشرط وهو ما يسميه الفقهاء بيع الثُّنْيَا وبيع الوفاء: الثنيا في الاصطلاح هي البيع بشرط أن البائع متى رد الثمن رد المشتري المبيع إليه. وهذا معنى الوفاء، أي الالتزام بالشرط من المشتري. وله أسماء كثيرة: يعرف عند الحنفية ببيع الوفاء، وبيع المعاملة، وعند الشافعية بيع العهدة، وعند الحنابلة بيع الأمانة، وبيع الطاعة وبيع الجائز (٢). وذهبت المالكية والحنابلة والمتقدّمون من الحنفية والشافعية إلى القول بفساد بيع الوفاء؛ لأن الشرط المذكور في التعريف يخالف مقتضى البيع وحكمه. وهو أن مِلْك المشتري على وجه الاستقرار والدوام، وفيه منفعة للبائع. ولم يرد عن الشارع دليل معين على جوازه. وهكذا يكون الشرط فاسداً، يَفسُدُ البيع باشتراطه. وقالت المالكية: البيع والشرط باطلان. وقالت الحنابلة لا يبطل البيع بشرط واحد فيه منفعة لأحد

стр. 1160

المتعاقدين. ويبطل بالشرطين لنهي النبي ﷺ عن ذلك. فعن عبد الله بن عمرو عن ابن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك" (١). وقال المتأخّرون من الحنفية والشافعية بجواز بيع الوفاء لإفادة هذا البيع بعض أحكامه، وهو انتفاع المشتري بالمبيع دون بعضها وهو البيع من آخر. ودليل الجواز عندهم أن البيع بهذا الشرط قد تعارفَ عليه الناس، وتعاملوا به لحاجتهم إليه، فراراً من الربا. فيكون صحيحاً لا يفسد البيع باشتراطه فيه، وإن كان مخالفاً للقواعد لأن القواعد تترك بالتعامل كما في الاستصناع (٢). ومما ذهب إليه بعض المتأخرين كأبي شجاع وعلي السعدي والقاضي أبي الحسن الماتريدي: أن بيع الوفاء رهن وليس ببيع، له جميع أحكام الرهن. فلا يملكه المشتري ولا ينتفع به، ولو استأجره لم تلزمه أجرته، كالراهن إذا استأجر المرهون من المرتهن، ويسقط الدين بهلاكه ولا يضمن ما زاد عليه. وإن مات الراهن كان المرتهن أحقَّ به من سائر الغرماء. وحجتهم في ذلك أن العبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني (٣). * * * * *
следующие страницы →