← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أي نشاط ظاهر. وتدارك أمرَه صديقُه خير الدين في تلك الآونة لما كان بينهما من صفاء ومودة. فسمي عضواً في اللجنة المكلّفة بمحاسبة الجنرال أحمد زرُّوق، وعيّن بعد ذلك مستشاراً أولاً بالقسم الثالث بالوزارة الكبرى، قيِّماً على الأحوال الشخصية بما له هناك من الصلاحيات القانونية. وبظهور التعاطف بينه وبين الوزير خير الدين، وتقدُّم العمر به، ازدادت مضايقة الوزير الأكبر مصطفى خزنة دار له. واضطَره الأمر إلى الاستعفاء من أعماله ومهامه في الدولة في ذي قعدة ١٢٨٨/ فيفري ١٨٧٢. وقد سعى الوزير خير الدين لدى الأمير محمد الصادق باي لإعطائه مرتباً عمرياً تقديراً لما كان له من خدمات، كما اشترى منه مجموعة كتبه التي أودعها الوزير خير الدين المكتبة الصادقية بالجامع الأعظم (١). ولقد كانت الفترة، التي قضاها ابن أبي الضياف في الأعمال الإدارية والكتابة في الديوان، والممارسة لشؤون السياسة في الدولة الحسينية طويلة لا تقلّ عن خمسة وأربعين عاماً من حين ضَمَّهُ الأمير حسين باي إلى كتابته الخاصة، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة في أوائل شوال ١١٤٢/ أبريل ١٨٢٧، إلى حين مغادرته القصر نهائياً قبل وفاته بعامين. وفي الأيام القليلة التي بقيت من عمره، والشبيبة ولّت، والقريحة كلّت، والقوى ألقت ما فيها وتخلّت، عكف على تدوين تاريخه الشهير المعروف بإتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان. وقد جعله على مقدمة ذات عقدين: العقد الأول هو خلاصة آرائه وآثار تجربته، ومظهر إصلاحه ومجتلى دعوته، والعقد الثاني

стр. 107

رواية وتلخيص. ففي تمهيده إلمام بأخبار أمراء إفريقية من الصحابة والتابعين ومن خَلَفَهم، وحديث عن بيوت الملك في القيروان والمهدية وتونس على الإجمال. وأبواب الكتاب بعد ذلك ثمانية للملوك بعددهم، لم تدوّن أخبارهم، ولا قيّدت آراؤهم من أحد قبله. وهي القصد من التأليف. عرّف فيها بالملوك وسيرهم، والأحداث التي حصلت في عهودهم. لم يبخل فيها عن ذكر رأيه ببيان الأسباب للمسببات، وعوامل الهزّات والفتن والاضطرابات، ونتائج الأحداث المتعاقبات، مع بذل النصيحة لمستحقيها، وعرض المواقف وتوثيقها ونقدها. وقد ضمن كتابه ما خطه بقلمه في تلك المناسبات من رسائل للساسة والعلماء عن ملوك الدولة أو عن نفسه، وارتفعت بذلك أهمية تصنيفه، خاصة بما حواه من شهادات معاصرة. وأقبل الناس من حين فراغه منه على استنساخه وقراءته وروايته وتهادي نسخه على قِلَّتها، رغبة في الوقوف على ما فيه، والحصول على فوائده ودراريه. ولعل مما يتأكّد ذكره من أعمال ابن أبي الضياف وآرائه الإصلاحية الاجتماعية والسياسية يكمن في قضايا باشرها، وملاحظات سجّلها، وأفكار ارتآها، وتيارات سايرها أو كان له أثر فيها. ومن أبرز ما نحتاج إلى بيانه من ذلك قضية عهد الأمان التي جعلها المؤلف جزءاً من عنوان تاريخه، تنبيهاً إليها وتنويهاً بها، وتأكيداً عليها، بسبب ارتباطها بالتنظيمات الخيرية التي دعي إلى تطبيقها في كل الإيالات من طرف ولاتها وحكامها. وكما ألمعنا إلى هذا من قبل فإن نصوصها وقوانينها صدرت بعاصمة الخلافة: خط شريف كلخانة ١٨٣٩، وخط همايون ١٨٥٦. وهي من الدولة العثمانية ضبط للنظام، وأولى خطوات الإصلاح التي اقتضتها

стр. 108

مصالح العباد والبلاد. قد تدخلت السلط الأجنبية ومن يمثلها لدى الدولة العلية للالتزام بها وتطبيقها. وورد على الإيالة التونسية في محرم ١٢٥٦/ مارس ١٨٤٠ فرمان بها من السلطان عبد المجيد إلى المشير الأول أحمد باي. فجمع هذا له رجال الدولة وأعيانها. وبعد عرضه على أسماعهم أعلن الباي امتناعه من تطبيق التنظيمات قائلاً: "إن هذا غرض محمود، ولا بد من زمن لإبرازه إلى الوجود، لاختلاف الطباع والبقاع، وهو أمر لا محيص عنه ولا بد منه" (١). وتدخل بعد ذلك الصدر الأعظم في الأمر فلقي نفس الصدود والإعراض. وحرص قنصلا فرنسة وإنجلترة روش ووود على الباي بشتى الطرق، وكان من أخطرها إبحار أسطول فرنسي في مياه تونس في أغسطس ١٨٥٦، دعا قائدُه الباي على لسان دولته إلى إعطاء الحرية والأمن للرعية بالاستجابة للأمر السلطاني خط همايون. فما كان من المشير الثاني محمد باي إلا أن سارع بقبول الإصلاحات، تاركاً الناس من حوله منقسمين إلى فئتين: فئة يمثلها الجنرال حسين الذي يرى في هذه الإصلاحات تحكيماً للقوانين بدل الشريعة، وانتزاعاً للسلطة من أيدي أربابها بإسنادها إلى المجالس والمحاكم التي جاءت بتأسيسها التنظيمات، وألحّ على إيجادها قناصل الدول الأجنبية، وفئة ثانية مقتنعة بالإصلاحات، قابلة لها. أبرز من يمثلها الوزير الأكبر مصطفى خزنة دار ووزير البحر الجنرال خير الدين. أما ابن أبي الضياف فقد كان في تلك الآونة من المتردّدين الرافضين بدعوى أن الإصلاحات ستغلّ أيدي الباي. وكان ردّ المشير

стр. 109

على ذلك حاسماً حين قال: "أرضى بفقد حرية التصرّف من أجل نفع الرعية" (١)، والباي متأثر في موقفه هذا بمقالة شيخ الإسلام محمد بيرم الرابع: "إننا نخشى غضب الدولة العلية، وأصول التنظيمات لا تخالف ديننا" (٢)، وكان هذا جارياً على رأي شيخي الإسلام عارف بك بالآستانة، وإبراهيم الرياحي بتونس. وبتكليف ابن أبي الضياف بصياغة قانون عهد الأمان الذي يعتبر صورة من التنظيمات الخيرية وتطبيقاتها، وبالاستجابة للفرمان السلطاني استبشر خير الدين بموقف المشير الثاني، ودعا له "أن يمنحه الله من يعينه بنصائحه على إعداد نص القانون التنفيذي". واعتبر المؤرخون وأهل تونس هذه الإصلاحات نهاية للمجتمع الإسلامي التقليدي، وبداية مسارٍ آخر لا يعلم منتهاه إلا الله (٣). وفحوى عهد الأمان الذي تمّ الإعلان عن قانونه بمجلس الباي بحضور أعضاء الحكومة، وأهل المجلس الشرعي، والأعيان، ورجال الدين من الملَّتين اليهودية والنصرانية، وقناصل الدول، والأميرال الفرنسي في ٢٠ محرم ١٢٧٤/ ٩ سبتمبر ١٨٥٧، تتمثل فيما نصت عليه بنوده، وتعهد به الباي من ضمان مساواة كل رعاياه أمام القانون، وأمام الضرائب، كما أعلن فيه عن تأسيس محاكم تجارية مختلطة لفض النزاعات بين التونسيين والأجانب، وتنظيم الخدمة العسكرية، وضمان حرية الأديان، ومنح الأجانب حق ممارسة كل المهن، وحق الملكية العقارية في البلاد (٤).

стр. 110

وحين قال بعض المتزلّفين في مجلس الباي عند قراءة شرح المادة الأولى من قانون عهد الأمان - وهي كما ذكر ابن أبي الضياف قاعدة كل القواعد - أي شيء بقي لسيدنا؟ ردّ عليه الوزير خير الدين، وكان أثبت القوم جناناً وأقواهم إيماناً: بقي لسيدنا ما بقي للسلطان عبد المجيد، وما بقي لسلطان فرنسة، وسلاطنة بريطانية، وغيرهم من السلاطين بالقانون (١). وفي ذكر هذا دلالة صريحة على تغير اتجاه ابن أبي الضياف في نظرته إلى نظام الحكم، وهو ما وضع لتحليله العقد الأول من مقدمة تاريخه كما ذكرنا. فالملك أو الحكم لديه منصب ضروري للنوع الإنساني. وهو واجب على الأمة شرعاً، راجع إلى اختيار أهل الحل والعقد فيها. وهو ثلاثة أصناف: ملك مطلق، وملك جمهوري، وملك مقيد بقانون شرعي أو عقلي سياسي (٢). وتتضح من المقارنة بين الأصناف الثلاثة خصائص ومميزات ينفرد بها كل صنف منها. فالمَلِك المطلق يسوق الناسَ بعصاه إلى ما يراد منهم بحسب اجتهاده في المصلحة، والملك فرد غير معصوم. وأجساد الخلق منساقة منقادة له انقياد البهائم والأنعام، خوفاً من حاميته التي جعلها آلة غلبته وقهره، وربما حصل من هذه السياسة انطباع الرعايا على صبغة الانقياد والتسليم بما تخلقوا به من ذلّ المغارم والقهر الذي جدع أنوف آبائهم، ومحا عزّة نفوسهم بمرور السنين. وهذا الصنف من الحكم مرفوض شرعاً وعقلاً، لأنه تصرف في عباد الله وبلاده بالهوى - والشرائع إنما جاءت لإخراج المكلف من

стр. 111

داعية هواه - ولما هو فيه من التغلب والقهر اللذين هما سبب العصيان والفتنة والثورة. والاستبداد متى وقع زال معه الأمن، وبزوال الأمن يزول الأمل، وبزوال الأمل يزول العمل (١). وقد قرر ابن خلدون من قبل أن الظلم مؤذن بفساد العمران، كما أنه مفضٍ في تقدير ابن أبي الضياف إلى نقص في بعض الكمالات الإنسانية، حتى صار بعض أهل الجهات من المسلمين عبيدَ جباية، ليس لهم من مسقط رؤوسهم وبلادهم ومنبت آبائهم وأجدادهم إلا إعطاء الدرهم والدينار، عن مذلة وصغار، والربط على الخسف ربط الحمار، إلى أن زهدوا في حب الوطن والدار، وانسلخوا من أخلاق الأحرار. وهذا أعظم الأسباب في ضعف الممالك الإسلامية وخرابها (٢). وقد ذكر من صنوف الظلم وضروبه ما هو ترجمة بل صورة من واقع المسلمين في مختلف ديارهم، وحمله ذلك على دفعه، وردّه وإنكاره على النظم التي قامت عليها حكومات الإطلاق. أما الملك الجمهوري فهو كذلك الذي يشاهد في بلدان أميركة وغيرها؛ يقوم الناس منهم باختيارهم من يلي سياستهم ومصالحهم لمدة معينة. فإذا تمت المدة، يخلفه غيره ممن يقع عليه الاختيار. وقد يستحسنون سيرة أحد رؤسائهم فيمدّدون له. ولا يجعلون لمن يقدم لرئاستهم وحكمهم شيئاً من فخامة الملك وشاراته، بل هو كواحد منهم، ينفذ ما يتفق عليه الرأي من أهل المشورة. ولهم في

стр. 112

ذلك قوانين يحترمونها احترام الشرائع المقدسة ويقفون عند حدِّها (١). ولما كانت تونس دولة ملكية، كان الأصل أن تلتزم بقانون الملك الإسلامي من كتاب الله وسنّة رسوله، واستنباطات الأئمة المجتهدين وقياساتهم، وحفظ مقاصد الشريعة في تصرّفاتها مع الخاصة والعامة حتى يكون الملك الذي هو ضروري للمجتمع الإنساني جارياً على قانون قويم من الدين في شروط صاحبه، وما يجب عليه من العدل والرفق والأمانة، واتباع المصلحة وإن خالفت هواه، والاستشارة في الأمر كله، والانقياد لأوامر الله على لسان من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٢). وحين امتدت العصور، واختلفت الأوضاع، انتبه السلطان العثماني سليمان القانوني إلى السبب الرئيسي في تغيّر الأحوال، فخطب في أهل ديوانه معلناً عن إحداث نظام للدولة. وجاء في خطابه: "سبحان الدائم الباقي الذي لا يزول ملكه. ها نحن سلكنا طريق آبائنا وأجدادنا، ولا نعلم ما سيكون بعدنا. وربما كانت ذريتنا فيهم الصالح والطالح، والمستقيم وغير المستقيم، والحائد عن الاستقامة ربما يكون سبباً لزوال هذا الملك بعد انتظامه وتشتيت الإسلام. وإني عزمت على جعل قانون يحتوي على تخويفٍ وردعٍ لمن يخرج من ذريتنا عن الصراط المستقيم" (٣). وفي هذا العقد الأول من مقدمته يلتفت ابن أبي الضياف إلى

стр. 113

مسالك الغربيين في تنظيم دولهم، ويحيل على رفاعة الطهطاوي في الفصل الثالث من المقالة الثالثة من تأليفه تخليص الإبريز، يلخّص القانون الفرنسي تلخيصاً حسناً بديعاً، يقول فيه: "وإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله تعالى ولا في سنّة رسوله ﷺ ، لِتعرِفَ كيف حكمت عقولهُم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا لذلك حتى عمرت بلادهم، وكثرت معارفهم، وتراكم غناهم، وارتاحت قلوبهم، فلا تسمع فيهم من يشكو ظلماً أبداً. والعدل أساس العمران" (١). وعلى هذا النحو جرى الوزير المصلح خير الدين في أقوم المسالك، حيث جمع فيه من فرائد السياسة ما تتحلى به الرئاسة. عرَّبَ أكثره مما نقله من كتب فرنسية بأسلوب ممتع غريب المنحى، يشهد لصاحبه بالتقدم وقوة العارضة (٢). وابن أبي الضياف وهو يُوَجِّه إلى هذا المنحى السياسي، على الوجه الذي دلّ عليه الطهطاوي ورغّب فيه خير الدين، لا ينسى أن يؤكّد ذلك بمقالات الفقهاء والمؤرخين أمثال الشاطبي في مقاصده، وابن خلدون في مقدمته. وهو مثلُ معاصريه لم يُخْفِ إعجابه وانبهاره بما شاهده في رحلته إلى فرنسة حين كان في معيّة المشير الأول أحمد باي. نلمس ذلك في قوله يشيد بما رآه في باريس: "هي الغانية الحسناء، الباسمُ ثغرها في وجوه القادمين، مشحونةٌ بأعاجيب الدنيا، جامعة لأشتات المحاسن، ينطق لسان عمرانها الزاخر بقوله: كم ترك الأول للآخر. ما شئت من علوم وصنائع، وثروة وسياسة، وطرق

стр. 114

وحضارة، وعدل تزكو أنواره. تموج شوارعها بالساكن في مراكز الأمن ومضاجع العافية .. يقودهم الأمل، ويسوقهم الحرص على العمل" (١). ولو حاسب المشير الأول نفسه، وهو يشاهد ما شاهده في رحلته الباريسية، لتأثّر لما تأثّر به وزيره وكاتبه خير الدين، وابن أبي الضياف، ولوقف أمام هذا التقابل البغيض الذي يثير في نفوسهم كلهم الشعور بالمرارة: "حضارةٌ زاهية زاهرة، وعدلٌ وأمن، وتقدّمٌ وعلم، وثروة ورخاء في البلد المزور، يقابلها من وراء البحر المتوسط تخلف وظلم واضطراب وجهل وفقر وشدّة". وطبيعي في مثل هذه الأحوال البحث عن الأسباب لتلافي الأمر وتغيير الحال. ومن أجل تصوير ذلك نكتفي بومضات تتبعها لمحات، نرجو أن تكون صادقة معبّرة. فاعتناء الدول الصغيرة والبلاد الفقيرة مثلاً بجمع العساكر فوق الحاجة وترتيبها وتدريبها، وصرف كل العناية إليها طلباً للأبهة والمفاخرة، والتشبّه بالدول الكبيرة والبلاد الغنية، تضطر الملوك إلى إحداث ضرائب ومكوس تؤثّر نقصاناً كبيراً في ثروة الدولة. وليس من الحكمة القيام بمثل هذا، والدنيا اليوم مؤسّسة على الحقوق. وهذا العسكر الذي بالغ المشيرُ الأول في جمعه، إن كان لحماية المملكة ودَفعِ الأجنبي عنها فالمحقق أن ذلك لا يقع وهو مطلب لا طمع فيه، وإن أُعدّ لدفع الضرر داخل المملكة فالظاهر أنه أكثر من الحاجة، وإن سرّحنا البعض فلا مانع من جلبه في وقته (٢). وانتقد ابن أبي الضياف هذا الأمير عند ترجمته له، وشنّع

стр. 115

بتصرّفاته في قوله: "إنه ذو همة عالية استصغر بها ما أقامه الله فيه، فحمّل هذه الإيالة، على ضعف حالها وضيق مجالها، ما لا طاقة لها به من التقدم في ترف الحضارة، والاستكثار من الجند، والإفراط في تكثير قادتهم، وغالبُهم أسماء بلا مسميات، مع التفنن في الكرم الحاتمي، فجاد وما لديه قليل: وأتعبُ خلق الله مَن زاد همه ... وقصَّر عما تشتهي النفس وُجدَه إلى غير ذلك من مقتضيات علو النفس والإمرة المطلقة، حتى تجاوز الحدود، وهو نقصان من المحدود، والتقدم للغاية تأخر عنها، والزيادة على الكفاية نقصان منها" (١). وإذا زاد على ذلك فاستطالته أيدي العلماء وقع كما قال بعض الحكماء: الاختلال في بيوت الأموال، وجاء النقص يتبعه الاضمحلال (٢). وذلك ما دعا دون شك إلى الإسراف في الاقتراض، ومضاعفة المديونية من الدول الأجنبية، مما هدّد استقلال البلاد، وسمح للدائنين بالتدخّل في شؤون الدولة والعباد. وتفاقم العجز المالي في شعبان سنة ١٢٦٩ عن صرف الرسوم المالية لعدم وجود المال الناضّ بها. وأسباب ذلك كثيرة: منها أن الباي مطلق التصرّف بمشيئته، وفي طبعه شغف بكثرة عدد العسكر النظامي لسياسة انفرد بها، ظناً منه أن الدولة العليّة سوف تغصبه على الأخذ بالتنظيمات ولو بحرب، وثمرة الجهاد تكثير سواد المسلمين، وثمرة التنظيمات إصلاح ما فسد من أمرهم المؤدّي إلى ضعفهم واضمحلالهم (٣).

стр. 116

ومنها سوء التدبير السياسي وتجنّب حُسن السلوك في التصرّف في شؤون الدولة. فلا أضرّ بالعمران وأَدْعى لأسباب الخراب من تقديم الأمر التحسيني على الواجب الضروري. ودليل ذلك المشاهدة والتجربة، لأن التحسين قبل استقامة ما يراد تحسينه تقبيح (١). ومن أجل ذلك كان من أفدح الأغلاط والأخطاء السياسية إقبال الأمير على التأنّق، والسرف في الكراريس (٢)، وفي الأبنية الضخمة، وغير ذلك مما يدعوه ترف الحضارة. والناس على دين أمرائهم. وأنشأ النواشين (الأوسمة) على اختلاف مراتبها. وقبلها منه الملوكُ وأعيان الوزراء والأكابر من غير المملكة، وبالغ في كثرة إعطائها للناس، حتى قال له دقرنج مترجم سلطان الفرنسيس: "أيها السيد، إن النيشان لا يعمل السلطان، والسلطان يعمل النيشان" (٣). ولئن تتبعنا هذه الصور والنماذج وأمثالها في تاريخ ابن أبي الضياف لألفيناه بعد تقريره لأوجه الفرق القائمة بين الدول الأوروبية والدول الإسلامية في عهده، يدعو الملوك إلى حُسن السلوك والرشاد، والتغيير المبطل للفساد، واعتماد المشورة في كل أمر، وقبول النصيحة من أهلها، واتباع مناهج الفرنجة الذين بلغ العمران في بلدانهم إلى غاية يكاد السامع أن لا يصدّق بها إلا بعد المشاهدة. فألحَّ على ابتغاء الرقي والتقدم والعزة والمنعة بمسايرة النمط الأوروبي، والسير على طريقه في التدرُّج المعقول عند اتخاذ الأسباب لذلك. فإنهم أسّسوا قوانين عدل حتى استقرّ الأمن وذاقوا

стр. 117

لذته وتفيؤوا ظلاله، وأقبلوا على شؤونهم بما وسَّع دائرة عيشتهم وثروتَهم، فقوي الأمل واستقام العمل. وعندما دعتهم الحاجة إلى كثرته جعلوا المعامل لآلات الغزل والنسيج، ولُيِّن الحديد حتى تصرفوا فيه تصرّف النجار في ليّن أخشابه. وحين كثر المصنوع احتاجوا إلى إنفاقه بالبيع والشراء خارج أوطانهم، وأعون شيء على ذلك الخلطة. فسهلوا طرقها في البحر بالسفن البخارية، وفي البر بتأمين السبل وتمهيد الطرقات، واتخاذ ما يلزم من المراكب والعربات. وجعلوا البريد يحمل مكاتيب الخلطاء، واقتضت نهاية الحضارة نقل الأخبار فاستعملوا التلغراف. وظهرت آثار العقول الصافية الناشئة في معهد الأمن المغذاة بلبان الحرية. كما أن ملوكهم يترفّعون عن الانتصاب للحكم بين المتداعين تفادياً من معاداة الناس، وأوكلوا الأمر إلى الحكام في مجالس الأحكام. وهذا التدرج هو الذي أعانهم على ما يطلبونه من العمران، وسهّل عليهم أسباب الحضارة من غير تكلف. ذلك أنّ الأمر الضروري إذا تمّ على أحسن حال طلبَ بطبعه الأمر الحاجيَّ لما في الطباع من طَلَب المزيد، فإذا تمّ طَلَبَ بطبعه أوّل درجات التحسين. ولم يزل يتدرّج فيه بحسب قبوله واستعداده، ولو طمحت أنظارهم إلى التحسين من أول الأمر ما حصلوا على هذه الدرجة (١). وتلك هي السُّنة في طلب الأسباب، والسعي وراء المقاصد على المنهج الرابح الذي دعا إليه الإسلام وأصَّلته الشريعة، وقضت به الحكمة، وهدت إليه سنن الراشدين في المنهجين السياسي والعملي، النظري والتطبيقي. * * *

стр. 118

٣ - محمود قابادو العالم اللغوي المتصوِّف، والكاتب الشاعر الأديب محمود بن محمد بن محمد بن عمر بن قابادو الشريف ١٢٣٠/ ١٨١٥ - ١٢٨٨/ ١٨٧١ أندلسي الأصل. لجأ أجداده في بداية العهد التركي أوائلَ القرن العاشر الهجري - السابع عشر الميلادي إلى البلاد التونسية واستوطنوها، وذهبوا إلى صفاقس وأقاموا بها إلى أن اختار والد مترجمنا الانتقال منها إلى تونس، فدخلها ولزمتها أسرته من بعده. ويتصل نسب قابادو بالشيخ معتوق دفين حي يوسف داي بالعاصمة. وهو أحد الثلاثة من كبار الإصلاحيين المجددين خير الدين، وابن أبي الضياف. حفظ القرآن في صباه بكتّاب الحي قرب مسكنه. وكان سريع الحفظ قويّه من عهد طفولته. وأخذ علمي العربية والاشتقاق، وشدا شيئاً من المعرفة. ثم ذهب إلى طرابلس وانضم إلى حلقة الشيخ محمد المدني، ودخل طريقته وتحصّل على الإجازة منه. وبعد عودته إلى تونس وقبلَ سفره إلى الآستانة دَرَس بجامع الزيتونة، فأخذ جملة من العلوم عن كبار مشائخ عصره أمثال محمد بيرم الثالث، وأحمد بن الطاهر اللّطيف، ومحمد بن ملوكة (١). وعى جملة من العلوم والمعارف العقلية والرياضية والطبيعية والفلكية، وأقبل على التصوّف مدةً، وعكف على كتب الشيخ

стр. 119

محيي الدين بن عربي يشغل بها باله ويملأ بها فراغه (١). وبرع في علوم العربية وآدابها، وكان إلى ذلك شاعراً بارعاً لَسِناً. درّس بجامع إستنبول التي لقي بها الشيخ محمد ظافر المدني ابن شيخ طريقته، ثم بعد عودته من تركية، التي أعانه عليها ابن أبي الضياف، التحق بمدرسة الحرب بباردو، ثم بجامع الزيتونة فأقرأ بعض الكتب، وجملة من الفنون من نحو وصرف وبلاغة. فدرّس لطلبته كتاب المطول، ومختصره، وكتاب القطب، وتفسير البيضاوي. وتخرجت عليه زمرة من القادة والعلماء نذكر من بينها: الجنرال حسين الذي وُلِّي وزارة المعارف والأشغال العمومية بتونس، والجنرال رستم الذي تولَّى وزارة الداخلية بها، ومحمد بالحاج عمر الذي ارتقى إلى إدارة المدرسة الحربية بعد دي تافارن، وجمعة القرقني أحد قواد البحر. وأفاد من علومه الإسلامية والدينية والعربية علماءُ مهرة برزوا في عصره، نذكر في مقدمتهم: الشيخ سالم بوحاجب كبير أهل الشورى، ومحمد بيرم الخامس ناظر المطبعة الرسمية ورئيس الأوقاف ومدير جريدة الإعلام وصاحب صفوة الاعتبار، ومحمد السنوسي محرر الرائد وعضو المجلس العقاري المختلط (٢)، وابن أخته العلامة محمد بن عثمان بن محمد النجار الشريف الحسني الذي يتصل نسبه بالمتصوّف العالم الذاكر عبد السلام بن مشيش. وقد تولَّى إلى جانب التعليم بالمدرسة الحربية، وبجامع الزيتونة بتونس خططاً شرعية منها قاضي العسكر بباردو، ومفت مالكي بالحاضرة (٣).

стр. 120

تميّز على قرنائه بما دبّجت يراعته من آراء في مقدمته لكتاب التعبئة الحربية للجنرال جوميني (١)، وبما نظم من شعر كان به أول أديب تونسي نحا فيه نحو إصلاح الاجتماع والسياسة والتنبيه إلى وسائل الرقي والتحذير من الإخلاد إلى الخمول (٢). وإن الشيخ محمد الخضر حسين ليمضي في التنويه به قائلاً: "كان شعر الرجل يدلُّ على جانب من أخلاقه وآدابه. وهو أول شعر ظهر في تونس يدعو إلى مجاراة الغربيين في العلوم والفنون والصنائع، وأول شعر كان مظهر الأسف على ما وقع فيه المسلمون من إهمال الاستعداد لخصومهم، وأول شعر يرمي إلى أغراض سياسية عالية" (٣). ولنا على ذلك من قوافيه دلائل وشواهد، منها قصيدته الميمية المقيّدة التي يقول فيها: فمن لم يجس خُبْراً أوروبا ومُلكَها، ... ولم يتغلغل في المصانع فهمُه فذلك في كنه البلاهة داجن ... وفي مضجع العادات يلهيه حلمُه ومن لزم الأوطان أصبح كالكلا ... بمنبته منماه، ثمة حطمُه همُ غرسوا دون التمدّن فرعه الر ... رياضي والعلم الطبيعي جذمُه أيجمل، يا أهل الحفيظة، أنهم ... يبزّوننا علماً لنا كان فخمُه (٤) وقصيدته التي ينوّه فيها بما سيترتب على صدور عهد الأمان بتونس من آثار: العدل عهد خلافة الإنسان ... ومداد ظل الأمن والعمران

стр. 121

ومنها: لله قانون أقام سياسةً ... شرعيةً مرصوصة البنيان. قد عمّ أنواع الجنايات التي ... هي مرجع الإيلاف والشنآن. أبقى الورى أمناً على سكناتهم، ... لا جَور يزعجهم عن الأركان. منع التظالم في المكاسب بينهم، ... وتسخّر الأدنى لذي السلطان. هذي رئاستكم وعزَّةُ مجدكم ... نيطت بكم يا معشر الأعيان. وإلى أمانتكم وحُسن وفائكم ... وُكلت، وغيرتُكُم على الأوطان. ومنها في ذكر خير الدين: وأنبت خير الدين في تقريرها ... بفصاحة تزري على سحبان ما زال يمليها بفصل خطابه ... حتى وعتها سائر الأذهان (١) وقد علّق ابن أبي الضياف على هذه القصيدة منوّهاً بها على طولها قائلاً: "هي أقصر من ليالي الوصال، وأعذب ما يسمع من المقال" (٢). ولا ننسى هنا تقدير شاعرنا للآراء الإصلاحية، واعتزازه بما صدر عن صديقه صاحب أقوم المسالك من إحصاءات ومقارنات، ودعوة وتوجيهات، حين قال في تقريظه لكتابه قبل طبعه ١٢٨٥/ ١٨٦٨: الصبح بادٍ بأفلاك السياساتِ ... منيرة منه أرجاء السياسات (٣) وقوله فيه بعد صدوره: ومن سبر بمسبار الروية أغوار السِّيَر،

стр. 122

وجسّ بأنامل الألمعية نوابض البدو والحضر، واستشرف على استشراء الممالك الأوروبية وتغطرفها، واستئسادها وتصلّفها، بما فَوَّفته من أبراد الحضارة، وما أورفته من ظلال العمارة (١). وقد ذيل لهذا التقريظ النفيس بقصيدته التي طالعها: صبح بدا من رأى خير الدين ... أغنى العيان له عن التبيين وهي طويلة. ومن آخرها: فلكٌ يدير زواهرَ الحِكَم التي ... هي هديُ مُختبط ورَجم ظَنين طلعت به شمس الهدى من مشرق الـ ... ـخضراء في ربع الملا المسكون تهدي الورى للأقوم الأَمَم الذي ... أدنى من الطلبات كلَّ شَطون فليهتدوا، وليحمدوا، ويؤرخوا ... صبْحاً بدا من رأي خير الدين ١٨٧٦ - ١٨٧٨ (٢) فبمثل هذه الأفكار والأشعار طبع الكاتب الأديب والشاعر المبدع قابادو جيلاً كاملاً من المثقفين، عاش عصره أو تخرّج عليه، من روّاد المدرسة الحربية التي أرادها مؤسسُها المشير الأول أحمد باي أن تَسُدّ عوزاً، أو تُحدث تطوراً ومنهجاً، ومن طلبة الجامع الأعظم جامع الزيتونة الواعين بأحكام الشرع والدين، والملتزمين بمنهج الأئمة السابقين، داعياً هؤلاء وأولئك إلى الأخذ بأسباب القوة، والتطلُّع إلى موجبات المنعة والعزّة. فدعوته إلى التنظيمات متبعاً بذلك سنن شيخه شيخ الإسلام عارف بك، واطلاعه على آثار معاصره رفاعة رافع الطهطاوي المصري مثل تخليص الإبريز في تلخيص باريز، ومناهج

стр. 123

الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية، والمرشد الأمين للبنات والبنين، وتأثره بما كان ينشره أحمد فارس شدياق في صحيفة الجوائب، وتجاوُبَه مع الوزير أحمد بن أبي الضياف في الكثير من مواقفه، ومساندته وتأييده لرجل الدولة خير الدين صاحب البرنامج الإصلاحي الذي أعدّه على الصعيد الحكومي ليخاطب به جماهير الأمة، جَعَلَت كتبَهُ ومقالاته وأدبَه وشعرَه ترشح بهذه المبادىء الإصلاحية والآراء القويمة الفكرية. وهي وإن ظهرت أحياناً على طريقة عصره، وقد كان مولعاً بالإغراب في التعبير وبوحشي المباني، إلا أنها بدون شك مقبولة من معاصريه، جليّة المعاني معبّرة ومؤثّرة. تراه ينوّه بالفكر والحضارة الإسلامية التي يعتدّ بها ويفاخر بأمجادها حين يقول: "كم للعلوم الرياضية والطبيعية في الصحائف الإسلامية من خيرات حسان، لم يطمثها من أفكار الفرنج إنس ولا جان. فطال ما عرض عليّ من عيون كلامهم ما وصف لي قصور أفهامهم، حتى هممتُ، ولم أفعل وكدت، وليتني جابهتهم من الحساب ببراهين وقواعد، تأتي بعضَ بنيانهم من القواعد. ولكن أين خُطَّابُها، حتى يكشف عنها نقابها! وهب أن خطابها كثير، فأين الناقد البصير؟! وهب أن لها عِرفة، فأين منها النِّصفة؟! بلى إن لها سوقاً نافقة في هذه الحضرة الرائعة. وحسبك جلاء لعدم ارتياضهم بالرياضة وانطباعهم بالطبيعة أن ليس بين أظهرهم بالمرايا المحرقة خبير، ولا من يعرف منها قبيلاً من دبير" (١). وهو يرد ظهور المسلمين على غيرهم في الماضي بما اقتنوه من معارف وكان لهم به من علم وقدرة. فلما وهنوا وتقاعسوا، وتركوا

стр. 124

الأخذ بعوامل القوة وطرق التقدم، أفل نجمهم وتلاشت قدرتهم وزلّت بهم قدمهم وولّت هيبتهم. "فالدولة الإسلامية لمّا نشرت لها راية الرعب وخفقت في كل قلب، لم تزل الكفرة في طلاب النجاة منها تمشي تحت كل كوكب. وما منهم إلا من آب بعد الأين بخُفَّيْ حُنَيْن. إلى أن قضى القدر المتيح، والجد المريح، بأن يكون إقبال المراد وإبقال المواد في هذا العهد الحديث، غبّ ذلك السعي الحثيث، لأحلام السفنج، وجرأة الفرنج. فاستحدثوا تلك الطاقة التي هي إحدى الكُبَر، وذات الوَدْقين التي لا يعفو لها أثر، لوّاحة للبشر، التي لا تبقي ولا تذر، الصواعقَ الصناعية، الصادرة عن الأسلحة النارية. فأرادوا بها دائرة البوار على اليَلَب المُدَار، وأباحوا حمى الدِّلاص المادية، والمَوْضونة الحَطْمية، وَقَلَصوا ظلال القنوات، وبَتَروا البِيض الباترات، فَزُفَّ حديث البسالة للمنزل المهجور، ولعبت به ريح صباً ودبور. ولما طبقوا بها من أمنيتهم المِفْصل، وأَصْمَوْا من رميتهم المَقْتَل، شبّ عمرو جُنْدبِهم عن طوق أوزار الحروب السالفة، وشَمَخَ طورُ طورِهم إلى الإشراف على أوزار مستأنسة" (١). وبعد هذه المقارنة بين الحالين، وذكر تفوق الفرنجة في القوة المادية والاختراعات النارية، هبّ يدعو كما فعل غيره من المصلحين في عصره إلى الاستفادة من تجارب الغير، وما حقّقه من غلبة وظهور، واتجه في ذلك إلى تنبيه المسلمين الغافلين لا إلى ما يتحتم عليهم من المبادرة إلى الجمع بين ما اقتضاه العقل ودعا إليه الشرع، بل إلى اقتباس ما تفرد به الغرب من الوسائل والطرق المحقّقة لنهضته، المقتضية لسبقه وتقدمه.

стр. 125

وفي لهجة حزينة وقوية، فيها لهفة وحسرة، وإلحاح وشدّة في الطلب، كتب يقول لأقوام عن سنن عوائد الله يعمهون، وفي تيه اطِّراح الأسباب يهيمون. "قد بَرَّح الخفاء ولكن لا تفهمون ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). أولئك قوم أتوا البيوت من أبوابها وأدمنوا القرع، ولن يجيب سبحانه سائلاً بلسانه القابلية بمنع. وإنما الحرمان أن تتَنكَّب السبل عن ضلة أو يأس، وقد قال سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٢). وما ظنّك بقوم استدارت رحاهم على قطب الجِدّ، وبَكْرَتُهُم على محور الكَدّ، واستمروا خلاف المريرة، واستمرؤوا المُرَّ ودقاريره. وصاهروا ببنات أفكار صعلوكهم أبناء أقيال ملوكهم، فتلقّحت أذهانهم، وتناسلت فنونهم وأفنانهم، واستنبتت قرائحهم، وتنافست موانحهم". ثم يمضي في محض النصيحة: "ولقد تقرر لديك أن العدو إذا هجم مغيراً، أو عمّم أمير المؤمنين نفيراً، أنَّ الجهاد يكون إذ ذاك فرض عين، في هاتين الصورتين، وفي غيرهما يعدّ فرض كفاية، كما حققه أهل الدراية، وما لزمنا عن هاتين الصورتين من فسحة، فما لأحد من بنيه عن التعاليم الحربية من ندحة. فهي في الوجوب كمقاصدها، على رغم أنف جاحدها. ألم يبلغك في الآيات المتلوة، قوله عز شأنه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٣) أو ليس تلك التعاليم من القوة المستطاعة، فيتناولها أمر الوجوب وينظمها في سلك الطاعة؟! " (٤). * * *

стр. 126

أعلام الزيتونة إن علماء المدرسة الثانية التي كان لها تأثير أيُّ تأثير في تكوين شخصية الأستاذ الإمام شيخ الإسلام مترجَمنا هم جدّه للأب العلامة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور الأول، وجدّه للأم العلامة الوزير الشيخ محمد العزيز بوعتُّور، وشيخ الإسلام سالم بوحاجب. * * *

стр. 127

١ - محمد الطاهر ابن عاشور الجد هو العلامة قاضي الجماعة الشيخ محمد الطاهر بن محمد بن الشاذلي بن عبد القادر بن محمد بن عاشور ١٢٣٥/ ١٨١٥ - ١٢٨٤/ ١٨٦٨ بتونس. أديب فقيه عالي الهمّة، زكيّ النفس. لم يقنع بشرف النسب حتى أضاف له شرف المكتسب، من نور الفهم والتضلع بالعلم، وهما نعمتان، وكل ذي نعمة محسود، ورغم وجود حساده، وتظاهر أضداده، فإنهم لم يجدوا في قضائه موضعاً لانتقاده (١). وهو وإن تميّز بالأدب والعلم والتدريس، وجملة من الأعمال الإدارية، وتقلّب في الخطط الشرعية بين الفتوى والقضاء، لم يبرز له تطلع سياسي، ولا اهتمام بالإصلاح إلا في مجالي التعليم والفتوى، اللذَيْن عَكف عليهما من صغره. فلم يكن كقابادو الأستاذ بالمدرسة الحربية، ولا كتلميذه الشيخ سالم بوحاجب الذي اتسعت مشاركاته وتعددت رحلاته. حفظ القرآن الكريم بكُتَّاب حوانيت عاشور في صباه. ولمّا اشتد عوده دخل جامع الزيتونة الذي كانت سوق العلم به نافقة بفضل اهتمام المشير الأول أحمد باشا بالعلم وأهله، ووقفه الكتب العلمية به على طلبته. وكان تمرسه البالغ بالعلوم اللغوية والعربية والأدب

стр. 128

وأسرار البيان. فجدّد من فنون القول ما اندرس، وتميّز في صناعتي الكتابة والشعر. وأخذ عن أبرز علماء عصره بمصره أمثال أخيه الأكبر الشيخ محمد ابن عاشور، والفقيه المتصوّف الشيخ محمد ابن مُلُوكة الذي كان يظهر اهتمامه به ويستنجبه، والعلامة شيخ الإسلام محمد ابن الخوجة، وشيخ الإسلام محمد بيرم الثالث، والمفتي الشيخ محمد معاوية، وشيخ الشيوخ الإمام إبراهيم الرياحي. تولّى التدريس من الطبقة الأولى ١٢٦٢/ ١٨٤٦، وبرع في المعقولات. وأقبل عليه الطلاب، وتخرّجوا به في النحو والبلاغة والأدب والأصول. وكان في هذه الفنون أحسن منه في الفقه، ولكن استدرك ذلك حين ولي القضاء وأكّد مقَومات معارفه الشرعية. فانقطع إلى الدواوين الفقهية، وعمّر بها أوقاته، حتى تدارك في قليل من الزمن ما فاته. جرى مع فحول الفقهاء في مضمارهم ومعارك أنظارهم. ولم ينعزل عن التدريس حين أثقلته مهمة فصل النزاعات بين الناس، كغيره من العلماء. وتلك سنّة متّبعة معلومة منهم. فاستجاب لطلابه حين رغبوا منه إكمال تدريس شرح المَحلِّي لجمع الجوامع لهم. وكان يريح بذلك نفسه، فأقرأه بين العشاءين بجامع الزيتونة. وخالف في منهجه في مجال الفقه كثيراً من معاصريه، واتبع مسلك رئيس المفتين الشيخ إسماعيل التميمي من قبله، آخذاً مأخذ المجتهدين في رد الفروع إلى أصولها، والاستدلال على الأحكام، والتنبيه إلى مقاصدها. وهذا ما جعله يفاخر بطريقته، معلناً أنه لم يكن يعجبه أن يقول في المسائل هكذا قال الفقهاء. فكان حريصاً على التعرف على الأدلّة والإحاطة بها مثلما كان عليه الأئمة وكبار الشيوخ. وحمل هذا الموقف منه على الإعجاب بمداركه في كل الأوساط. وكان المشير الأول يفاخر به، ويسأل في بعض القضايا عن قول

стр. 129

القاضي الشريف فيها، يعنيه دون سائر الفقهاء (١). وهو من أكثر الناس جمعاً للكتب والفرائد، فقد كلف أيام تدريسه للمطول من يستنسخ له من خزائن الآستانة كتاب دلائل الاعجاز لعبد القاهر الجرجاني. وكان ممّن أخذ عنه العلامة الوزير الشيخ محمد العزيز بوعتور، والعلامة الوزير الشيخ يوسف جَعَيط، وشيخ الإسلام أحمد ابن الخوجة، والشيخ سالم بوحاجب، والشيخ محمد النجار، والشيخ محمد بيرم الخامس. وفي هذا يقول ابن أبي الضياف: (انثال عليه الناس من كل حدب، وجرى منه بالجامع الأعظم سبيل الإفادة، وسعِد به سوق العلم أَيَّ سعادة، يقدم الإفادة على سائر لذَّاتِه، بداعٍ قوي من ذاته. إذا تصدر للتدريس رأيت الدر الفاخر، من البحر الزاخر، ومصداقَ "كم ترك الأول للآخر") (٢). وممّا يشهد له بعلو الكعب وطولِ الباع في شتى العلوم والفنون، وبخاصة منها العقلية، ما حرَّره من شروح وتقييدات أو حواشٍ وتعليقات على ما درّسه من كتب أو خالطه من تصانيف. نذكر له من ذلك في فن الحديث تعليقاته على مواضع من صحيح مسلم. وله في السيرة كتاب: شفاء القلب الجريح بشرح بردة المديح، ولعله اختصار لشرح شيخ الإسلام ابن مرزوق لقصيدة البردة للبوصيري، كما كان له ختم مشهود في الحديث بمسجد حوانيت عاشور. ونجد له في مادة النحو كتباً ثلاثة:

стр. 130

- حاشية على شرح ابن سعيد الحجري على الأشموني. من جمع تلميذه الشيخ كريّم. - وحاشيته على القطر لابن هشام، أسماها هدية الأريب إلى أصدق حبيب. - وتقييداته على بعض المواضع من حاشية الصبّان على الأشموني. وله في البلاغة: الغيث الإفريقي. وهو تقييدات على حاشية عبد الحكيم على المطوَّل. وفي الأصول: حاشيته على شرح المحلِّي لجمع الجوامع، لم يتمّها. وفي الفقه: كنّاش جمع فيه فرائد ومسائل، محتفظ به بالخزانة العاشورية. ومجموعة فتاوى. وحاشية على شرح العصام لرسالة البيان، انفرد بذكرها الشيخ محمد الخضر حسين (١). أما الوظائف الإدارية التي تقلّب فيها فهي: خطة القضاء التي أسندها إليه المشير الأول تقديراً له واعترافاً بسعة علمه، وهو ابن خمس وثلاثين سنة في ٢٥ رجب ١٢٦٧/ ٢٦ مايو ١٨٥١، رغم صغر سنه. وقد شهد له بالعلم شيخه شيخُ الإسلام محمد بيرم الثالث، وصدق الخُبْر الخَبَر، فباشر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور خطة القضاء بميزان العدل، غير ملتفت إلى خوف أو عزل. شرّد أهل الزور، وغلّ أيدي الملدّين وأهل الفجور (٢).

стр. 131

وانتدبه المشير الثالث محمد الصادق باي إلى خطة الفتوى ١٢٧٧/ ١٨٦١ إثر وفاة الشيخ العلامة محمد النيفر، وأولاه نقابة الأشراف بعد وفاة الشيخ العلّامة محمد بيرم الرابع. كما عيّنه محتسباً على فواضل الأحباس، أي مديراً للأوقاف، وأسند إليه نظارة بيت المال. واختاره عضواً في مجلسه الخاص، ثم عضواً بالمجلس الأكبر للشورى الحامي لحقوق المملكة والدولة والسكان. وعرف في كل هذه المناصب بالجد والاستقامة، والاستقلالية، وعمق النظر. ونوّه ابن أبي الضياف بأخلاقه وسجاياه في قوله: "كان سليم الصدر، حسن الأخلاق، عذب البيان، كاتباً شاعراً بليغاً، ما شئت من محاضرة تتحف المجالس والمحاضر، ويسبي النواظر زهرُها الناضر" (١). جدّد بترسّله فنون عبد الحميد وابن العميد. فمن ذلك ما كتب به من الإخوانيات إلى بعض خلصائه وأصفيائه: يا نائياً وفي القلب قراره، وظاعناً وقد شاقني مزاره. لقد أفرطتَ في الجفا، وكان من الهجر ما كفى، وتَركت ما تركت بين الجوانح، وسلَّمت الفؤاد لوقد القوادح. أظلمت منازلُ أنِست من جمالك بدراً منيراً، وأوحشت منازل طالما استنشقَتْ من مسامرتك عطيراً. وأبقيت حليف هواك يقنع بطيف الخيال، بعد تمتعه بطيب الوصال، ويحسد أهل ذلك المنزل الذي سعد ببهاء جمالك، ولا يترقب سمعه إلى نغمة بشير وصالِك. قد جنح إلى رسول الكتاب، حين زاد وجده، وحنّ إلى الخطاب: كتبت، ولو كتبت بقدر شوقي ... لأفنيت القراطس والمدادا

стр. 132

ولكنّي اقتصرت على سلام ... يذكرك المحبة والودادا (١) ومن شعره الرائق ما أنشده تحية لبعض شيوخه. وتلك كانت عادة نجباء الطلاب مع شيوخهم، فمن ذلك تهنئته لأستاذه وأخيه أبي عبد الله محمد ابن عاشور بختمه تدريس كتاب الأشموني، وذلك في ١٩ رجب ١٢٥٥/ ١٨٣٩. وهي طويلة طالعها: هو العلم ضاءت من سناه المحافل ... وشاعت له بين الأنام فضائل (٢) وتهنئته للعلامة الشيخ محمد ابن سلامة بختم كتاب الشفا لعياض ١٢٦٢/ ١٨٤٦ أنشدها بحضرة الأمير المشير الأول أحمد باشا، وطالعها: لك الله من برق بدا متبسما ... تألّق ما بين المنازل والحمى وفيها يخلص إلى مدح الباشا بأبيات كثيرة، نذكر منها: رأى طلعة الباشا المشير تحُفُّها ... سرادق عزٍّ ما أجلَّ وأفخَما مليك يقاد النصر طوعاً لعزمه، ... وإن عُدَّت الأقيالُ كان المقدَّما تصدّى لحفظ الدين بالحزم والنهى ... فشيّد أركانا وأوضح معلما وأحيى رسوم العلم بعد اندراسها ... وجيّش في قهر العداة عرمرما (٣) ولكأن سجايا ممدوحه هي التي أكدت أواصر الود بينهما، لما قامت عليه من مفاخر ومناقب: كتأسيس المدرسة الحربية بباردو، وتأسيسه للتعليم الرسمي بجامع الزيتونة، وتزيينه صدر الجامع الأعظم بخزائن العلم النافعة الفاخرة، وحفاظه الدائم للدين والملة.

стр. 133

ومن نظمه البديع ما أظهره من تصرّف وتفنن في معارضته لموشح ابن سهل الشهير: هل درى ظبي الحمى أن قد حمى ... قلب صبٍّ حلّه من مكنس فهو في حر وخفق مثلما ... لعبت ريح الصبا بالقبس (١) يخاطب بذلك تلميذه العلامة الوزير الشيخ محمد العزيز بوعتور، وطالع موشحه: يا نسيماً هب من نحو الحمى ... وبُريقاً لاح لي كالقبس حدّثنْ عن أهل ودِّي علَّما ... يطفىء الذكرُ لهيب النفس وبعد وصفه لبلده تونس مفاخراً بها ومباهياً، ناعتاً إياها بجنة الدنيا، وداعياً لها، يقول في ممدوحه: لستُ كأسَ الراح أعني، إنما ... بغيتي كأس حياة الأنفس مدحة النجل العزيز المنتمَى ... للحبيب ابن الأديب الأَنفس غاية الفخر، جمال النبلا ... نشأت طلعته من مفخر قمرٌ قد ساوم المجد على ... سوم من جدَّ فكان المشتري ومن اعتاد المعالي كيف لا ... يقتني منها بحظّ أوفر؟ (٢) وإذا كان هذان الجدّان في قرَن، تميّزا أصلاً وفرعاً، وعلماً وأدباً، وريادة وسيادة. فوصْلُ الحديث عن الجدّ للأم بالترجمة للجدّ للأب يجد مناسبة ومساغاً. * * *

стр. 134

٢ - محمد العزيز بوعَتُّور هو الوزير العالم الكاتب محمد العزيز بن محمد الحبيب بن محمد الطيب بن الوزير محمد بُوْعَتُّور ١٢٤٠/ ١٨٢٥ - ١٣٢٥/ ١٩٠٧ بتونس. أصل سلفه من صفاقس. ويتصل نسبه بالشيخ عبد الكافي بوعتور العثماني من ذرية الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁. مهد ابن سبطه العلامة البحر الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور لترجمته بقوله: "إذا كان للتربية الإسلامية الكاملة، والنشأة الأخلاقية الفاضلة مظهر ينطق بسمو أثرهما في الحياة العلمية، وبرهان يفصح بمبلغ الناشئين عليهما من مقامات الرشد في كل ما تولوا، والنجاح أينما انتهجوا، فإن في حياة الوزير الخطير والعالم الكبير عبرة فائقة للمعتبر، في ما بين النشأة الزكية والنجاح في الحياة الاجتماعية من متين الأسباب في حياة من تبوَّأ المنزلة السامية من كل نظر، وحلّ محل الثقة من كل فؤاد حتى ترك حديث مقدرته السياسية يملأ الأفواه والآذان، ومأثورَ أعماله الرشيدة وأقواله الحكيمة تسير بها الركبان" (١). بدأ حياته الكريمة بحفظ القرآن. وبعد مزاولته التعليم الابتدائي التحق بجامع الزيتونة ١٢٤٥/ ١٨٣٩. تلقى به النحو وعلوم العربية والبلاغة وعلوم الشريعة من فقه وأصول. وكان متمكّناً منها ضليعاً

стр. 135

بها. أخذ عن شيوخ الإسلام: إبراهيم الرياحي، ومحمد ابن الخوجة، ومحمد الشاذلي بن صالح، وعن قضاة الجماعة محمد ابن سلامة، ومحمد الطاهر ابن عاشور الأول، ومحمد النَّيْفَر، وعن العلامة محمد الطيب الرِّيَاحي، والعلامة محمد ابن عاشور، وعن العالم الورع أحمد عاشور. كما حظي بالأخذ عن الإمام العالم الصالح محمد صالح الرضوي السمرقندي البخاري، مفتي أونقالاذ بالهند، عند زيارته لتونس. فقرأ عليه الحديث، وسمع منه وحصل عن طريقه على الأسانيد العالية (١). ولم تَعُقْه بعد ذلك المناصب الحكومية ولا الوزارة عن مواصلة طلبه للعلوم. فقد شَهِدَه المفتي الشيخ أحمد بن مراد يتردد على حلقة شيخه محمد الطاهر ابن عاشور الأول: مستزيداً من ملازمته فضلاً وعلماً، متخرّجاً على يديه أكمل تخرّج. وتوطّدت بذلك صلته به، وأصبح من خواصه وروّاد ناديه. يقول ابن سبطه: "وقد تأثّر به أيّما تأثّر بما اكتسبه من مخالطته من النظر الواسع، والبحث الحر، وتحقيق الغايات والأسرار من كل قضية علمية أو عادية" (٢). وهو وإن شغلته الكتابة والإدارة في بداية الأمر، فإن ذلك لم يمنعه من التشرف بمشاركة أترابه، وذوي النباهة منهم، في إلقاء دروسه، بالمجنبة الشرقية من الجامع الأعظم، تأدباً مع شيوخه، وإقرائه شرح المختصر للسعد في البلاغة (٣). ومن يتتبع سيرة هذا النابغ في العلوم الشيخ محمد العزيز،

стр. 136

الذي نذر حياته للدرس، كَلِفاً به، ومقبلاً عليه، ير كيف حوّله القدر من التدريس ومن طلب طريق أمثاله من الشيوخ ذوي الرجاحة الفكرية والنباهة العلمية، إلى كتابة الدواوين، لما اشتهر من أمره، وذاع من قدراته على تملك صناعتي النثر والنظم وبراعته فيهما. وليس هذا بدعاً، فقد سبقه إلى هذا الميدان صفوة من أهل بيته. كان منهم جدُّه الأعلى الكاتب الشاعر الوزير الشيخ محمد بوعتور الذي كتب للمولى حسين بن علي مؤسس الدولة الحسينية. ثم تسلسلت مناصب الكتابة والرئاسة القلَمية في عقبه، حتى كانت الطبقة الواحدة من كتاب الدولة الحسينية تعد أربعة أو خمسة من آل بوعتور. وكان من بين هؤلاء جد مترجمنا الشيخ محمد الطيب كاهية باش كاتب في دولة حسين باي الثاني (١). وهكذا جرى الحفيد على سنن ذويه وأجداده، فتولى الكتابة للمشير الأول أحمد باشا حين انتخبه لها من بين عدد كبير من نظرائه سنة ١٢٦٢/ ١٨٤٧. ثم اختاره كاتب سرّه يتلو عليه التقارير والحجج. وقد أشركه في ترتيب خزانته الأحمدية التي حبّس كتبها على طلاب الجامع الأعظم، لما حصل عليه من حيث النجابة ونصاب العلم (٢). ومن تنويه الشيخ أحمد بن أبي الضياف به قوله عنه استطراداً في ترجمة جده محمد الطيب بوعتور: "وأعقب أبناءً امتطى بعضهم صهوة الكتابة. وحفيده الآن هو شمس ضحاها، وقطب رحاها. ورئاستها مع الوزارة طوع بنانه، لو حظي بإعانة من طبع زمانه" (٣).

стр. 137

عهد إليه بعد ذلك بمرافقة ولي العهد في تجواله وتنقلاته في البلاد. وحين آل الأمر إلى المشير الثاني محمد باشا اتخذه هذا، لكبير معرفته به وتقديره لمواهبه، رئيساً لكتبة وزارة المال ١٢٧٦/ ١٨٦٠. ثم اختاره عضواً بالمجلس الأكبر الذي استحدثه قانونُ عهد الأمان، وبإثر ذلك وبعد وفاة الشيخ محمد الأصرم في عهد المشير الثالث محمد الصادق باي عيّن باش كاتب وزيراً للقلم ١٢٨١/ ١٨٦٥، فعضواً لمجلس الشورى الملَكي الخاص. وقد كان يعهد إليه في تلك الفترة ١٢٨٠/ ١٨٦٣ بتحرير اللوائح للقوانين الجديدة، إذ كان عمدة الدولة في تحقيق الأنظار الفقهية، والمرجع في تطبيق النظر الإسلامي على النظام الجديد تطبيقاً علمياً محكماً (١)، فوزيراً للمال ١٢٨٣/ ١٨٦٧. وعند تكوين اللجنة الدولية للمراقبة المالية اختير رئيساً لقسم العمل إلى جانب خير الدين الذي كان رئيساً لقسم النظر. وحين أسندت الوزارة الكبرى للسيد خير الدين بعد انقطاعه عن الممارسات الحكومية في الدولة، قامت علاقة مزدوجة من الود والعمل بين الشيخ محمد العزيز بوعتور وبين رائد الإصلاح بالبلاد. فكان عمدة خير الدين في الأعمال الإدارية والتحريرات الدولية والمسائل الشرعية. ثم سمي وزير استشارة ١٢٩٠/ ١٨٧٣ (٢). وفي أيام الأمير علي باشا استغنى عن الوزير محمد خزنة دار، وعيّن مكانه على رأس الوزارة الكبرى الشيخ محمد العزيز بوعتور في سنة ١٣٠٠/ ١٨٨٣. فإذا عدنا إلى أنشطة مترجمنا، وقد عرفنا مما سبق أنه المرجع

стр. 138

في العلوم الشرعية، والعمدة في الفنون القولية، بما كان له من ضلاعة في مختلف الاختصاصات الفقهية واللغوية، وذكرنا تدخّله عند اختلاف الأنظار بين العلماء أعضاء المحكمة الشرعية العليا، لتباين أفهامهم للنصوص أو تنازعهم في الأخذ ببعض القواعد وتطبيقها، وتولّيه البت في الأمر بكلمة فصل في القضية، أو بترجيحه رأي أحدهم إن حالفه الحق ولو خالفه الأكثرية (١) رأينا علماً بارزاً وأديباً بارعاً. ومن جيد نظمه ما نحسبه جارياً على طريقة أبي الطيّب، محاكياً في نظمه حمودة بن عبد العزيز في قصيدته: هو العز في سمر القنا والقواضب ... وإلا فما تغني صدور المراتب فقد قال مهنئاً شيخه محمد النيفر عند ختمه تدريس كتاب السعد على التلخيص: طريق لنيل العزّ حرز المطالب ... وغور لأسنى القصد صدر المراتب ومنها: وليس ثمار الحزم إلا عزائماً ... تريه كميناً من عزاز المواهب إذا كانت السادات تصبو لرفعة، ... فإني ملكت الجد جد الرغائب وإني لمقدام، وغيري جازع، ... وإني لقوّال بأي المواكب نشرنا على متن السماك مراتباً ... تؤمّ لها الركبان من كل جانب ويا رب ليل يثبر الصلد حزنه ... أضاء الدياجي من يراع وقاضب ورب عويص، قد أزلنا لثامه، ... له الناس فوضى بين راد وذاهب (٢)

стр. 139

وكأنّه بهذه الأبيات التي صدّر بها تهنئته، يشير إلى مسلكه في الحياة والتزامه الجد والاستقامة والعمل الدؤوب. أما مقالاته ورسائله فهي مبثوثة في الدواوين، أو مُحتفظ بها في خزانة الدولة. ولعل من أهمها وأدقها تصويراً لعصره، وتعبيراً عن معارفه ومداركه الشرعية والقانونية، رسالته التي تناول فيها قانون عهد الأمان بالشرح والتحليل والتفريع، وعلّق عليه تحريرات أصولية بديعة في إجراء بعض كلياته على قواعد الشريعة الإسلامية (١). أما الجوانب العلمية الإدارية الترتيبية والإصلاحية فتشهد لها معاضدته ونصرته للوزير خير الدين في برنامجه الإصلاحي. فقد كان الشيخ بوعتور من الرجال العاملين في إصلاح نظام التعليم بالجامع الأعظم، وفي تأسيس المدرسة الصادقية، وتأسيس جمعية الأوقاف، وتنظيم المحاكم الشرعية، وسنّ قانون العدل، وغيرِ ذلك من المؤسسات النافعة الخالدة (٢). أخذ من الشيخ سالم حفظه وسعة علمه، ومن الشيخ ابن عاشور دقته وضبطه، ومن ابن أبي الضياف ترسله ونظمه، ومن خير الدين منهجه الإصلاحي وحرصه. فكانت له بذلك جماع المفاخر والمناقب، التي تفرّقت بين السادة السابقين، فسار معتداً بها، معتمداً عليها، مبلغاً إياها إلى مَن بعده مِن رجال الفكر والعلم والعمل والإصلاح. * * *

стр. 140

٣ - الشيخ سالم بوحاجب هو كبير أهل الشورى الشيخ سالم أبو حاجب ١٢٤٤/ ١٨٢٨ ببنبلة إحدى قرى المنستير ١٣٤٢/ ١٩٢٤ بتونس. هو من ذرية الشيخ شيبوب دفين الساحل، ويتصل نسبه بجدّه الشيخ مهذب دفين الصخيرة من ولاية صفاقس. وأمّه من عائلة سلامة من القلعة الكبرى إحدى قرى الساحل، انتقلت فيما بعد منها إلى تونس. شعلة من الذكاء النادر، طلعت على قرنين من تاريخ البلاد التونسية، أضاءت بها معالم الفضل، واستنارت ربوع العلم، وازدهت أسواق الأدب، وأشرقت نوادي الظرف (١). فهو من أبرز أعلام عصره؛ فقيه، محقق، لغوي، أديب، شاعر. له اليد الطولى في المعقولات، ملمّ بطرف من التاريخ والجغرافية والرياضيات. واسع الأفق، ناقد مصيب، ومصلح إسلامي (٢). تعلّق من رواية الشعر العربي، وضبط اللغة، بما أصبح به منقطع القرين. فكان يشدّ الرحلة إلى باردو راجلاً لمطالعة نسخة من القاموس بقصر الوزير مصطفى آغه، حتى أصبح قيّماً على هذا الكتاب محيطاً به، يكاد يحفظه عن ظهر قلب. ولازمته هذه الثروة اللغوية إلى آخر حياته نامية غير منقوصة (٣).

стр. 141

حفظ القرآن الكريم بمسقط رأسه، وأتم حفظه بكتّاب باب المنارة عند انتقاله إلى الحاضرة .. والتحق إثر ذلك بجامع الزيتونة طالباً للعلم، وصادف ذلك التفات همّة المشير الأول أحمد باشا إلى تأسيس التدريس الرسمي بجامع الزيتونة ١٢٥٨. وقد تخرّج الشيخ سالم بأقطاب علماء عصره، نذكر منهم: - العالم الصوفي الشيخ محمد ابن ملوكة. قرأ عليه بزاويته خارج باب القرجاني. - العلامة الصالح شيخ الإسلام إبراهيم الرياحي. أخذ عنه الموطأ بسقيفة داره. - العالم المحقق الشيخ محمد ابن عاشور. درس عليه العلوم اللغوية بالجامع، وبزاوية جده، خارج باب المنارة. - وكذلك على شيخ الإسلام محمد معاوية. - وتخرَّج في العلوم الشرعية بالمفتي الشيخ محمد الخضار. - وبشيخ الإسلام محمد ابن الخوجة. - وبقاضي الجماعة محمد النيفر. وتأكّدت صلته أيضاً بشيخ الإسلام محمد بيرم الرابع الذي استدناه، واختص به، وأنِس بأدبه، وفتح له مكتبتَه، واتخذه صديقاً. - وكذلك بالشيخ محمود قابادو اللغوي الشاعر. - وانعقدت أواصر الصداقة بينه وبين العلامة نقيب الأشراف الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور الأول.

стр. 142

عمل الشيخ سالم في التدريس: وقد تولّى بعد ذلك التدريس بالجامع الأعظم، متنقلاً في رتبه العلمية بين الطبقة الثانية ١٢٧٠/ ١٨٥٣، والطبقة الأولى ١٢٨١/ ١٨٦٤ على مدى خمسة وستين عاماً. وكان انصرافه عنه بعد طول هذه المدة بما أذنت له به كلمة [صه] الموافقة لهذا العدد من السنين بحساب الجُمَل. وكان له منهج مميّز في دروسه، أعرض به عن المناقشات اللفظية الجدلية العقيمة، متوجّهاً باجتهاداته الشخصية إلى مناقشة الآراء، وابتكار الأنظار، وقوّة التحليل، وبراعة النقد، ناعياً على متأخِّري الفقهاء تمسُّكَهم بظواهر النصوص، وإهمالَهم تحقيق المناط، وانصرافَهم عن إبراز مقاصد الشريعة وتطبيقها. وقد ألحق في حلقات دروسه الأحفاد بالأجداد، وتخرّج عليه من الفحول في العلوم العربية وأسرارها، ومصادر السنّة ودواوينها، والعلوم الشرعية فروعها وأصولها، نفر معدود من كبار العلماء، نكتفي بذكر طائفة منهم: شيخ الإسلام أحمد بيرم، والقاضي إسماعيل الصفائحي، ومحمد بيرم الخامس، وعبد العزيز الثعالبي، ومحمد السنوسي، وشيخا الإسلام محمد الطاهر ابن عاشور، ومحمد العزيز جعيط، ومحمد مخلوف، والمفتي محمد النجار، وشيخ الإسلام محمد بن يوسف (١). ومما يشهد لغزارة علمه وتعدّد اهتماماته ومنازعه عنايته بالعربية، وتقاريره على شرح الأشموني لألفية ابن مالك، وعكوفه على كتب السنّة النبوية الشريفة، وتقاريره على مواضع من صحيح

стр. 143

البخاري ومن الموطأ، وشرحه لألفية ابن عاصم في الأصول، وأختامُه الرمضانية التي تبلغ الستين ختماً. وهي جامعة لغرر المسائل، مع حرصه فيها على التوفيق بين أصول الشريعة ومقتضيات التمدن العصري، وديوان خطبه المنبرية، وديوان شعره، ورحلته. ومن يقف عند هذا الحد من ترجمته يدرك سبب عدّنا له في أعلام الزيتونة. فقد كان أغزرَ معاصريه علماً، وأوسعهم معرفة، وأقدرهم على النفع بخطابته ودروسه، وكتبه وشعره. ولكن هذا لا يمنعنا من الإشادة بما تولاه من الوظائف الإدارية ابتداء من إسناد إدارة المدرسة المرجانية له، وكتابة المجلس البلدي عند تأسيسه سنة ١٢٧٥/ ١٨٥٩، وتحرير تقارير اللجنة الإدارية المتعلقة بمراقبة المالية التونسية ١٢٧٦/ ١٨٦٠، وعضوية المجلس الكبير ١٢٧٧/ ١٨٦١، وهذا ما يصور بالخصوص نشاطه الإداري ونيابته لمواطنيه في المجالس المختلفة، ثم غَلَبَتْ مميزاته كعالم وفقيه فقُلِّد خطة الإفتاء المالكي سنة ١٣٢٣/ ١٩٠٥، وبعدها خطة كبير أهل الشورى ١٣٣٧/ ١٩١٩. وكانت له صلاته الوثيقة بالوزير خير الدين الذي اصطحبه في مهمته إلى إستنبول، فتمكّن من الاتصال بشيخ الإسلام عارف بك نصير التنظيمات العثمانية، ومن التعرّف عليه، والتذاكر معه. وكذلك بوزير التعليم الجنرال حسين. سافر في معيّته إلى إيطالية لمناقشة ورثة نسيم شمامة الحساب. وقد لجأ إليها مورثهم هارباً من العدالة وتوفي بها. وأقام الشيخ سالم بهذا البلد الأوروبي في مهمته ست سنوات، حذق فيها اللسان الإيطالي، ثم سافر منها إلى باريس لمشاهدة المعرض الدولي بها، ولمزيد التعرف على

стр. 144

مقومات الحضارة الغربية، شأنه في ذلك شأن بقية دعاة الإصلاح من معاصريه (١). وقد لاحظ المتتبعون لنشاطه، المعجبون بقدراته، وعمق درايته، واتساع آفاقه، ازدواجَ دوره الفكري العلمي والإداري السياسي. فقال أحدهم منوّهاً بهذه الشخصية الفريدة الفذة: "وبذلك أصبح مترجمنا عمارة لأعظم النوادي العلمية، وعيناً لأرقى المجالس الأدبية، يملؤها بفصاحته الباهرة، ونكته اللطيفة، وأذواقه الرفيعة، وابتكاراته العالية، حتى تعدَّت سمعته أوساط أهل العلم إلى أوساط رجال الدولة. وقد استرسلت علاقاته المتينة مع الوزير حسين، وطالت معاشرته إياه حضراً وسفراً، وتكوّنت له به صلة تشبه القرابة العائلية، كما استحكمت بينه وبين الوزير خير الدين أسباب المودة، ووجد كل منهما في صاحبه ما يثير الإعجاب. فكان صديقَه في وقت العمل، وصديقَه في طور الانقطاع، لمّا تباعد عنه ذوو الأطماع. فكان المتولِّي لإعانته على تحرير كتاب أقوم المسالك والمنقح لمسوّداته (٢). وما ذلك إلا بما وصلا إليه من تمازج فكري واتفاق حكمي فلسفي إصلاحي. يظهر هذا من تشرب الشيخ سالم لآراء صديقه الثوريَّة التوجيهية التجديدية، ومما رَشَح به قلمه من دفاع عنها، ومساندة لها في المجالس الخاصة وعلى المنابر، وفيما قرظ به هذا العمل الجليل أقرب المسالك من نثر وشعر. فقد كتب إلى خير الدين رسالة في ١٤ محرم ١٢٨٥/ ٧ مايو ١٨٦٨ يقول فيها: "فشاهدت منه، وإن لم أكن من فرسان مجاله، أساساً سياسياً

стр. 145

لم تسمح قريحة بمقاله، بيد أنه لم يسبق إلى التأليف في غرضه أحد من علماء الإسلام، ولا استودعت لطائف مقاصده بشيء من صحائف الأعلام. فكل من تصفّحه بعين الإنصاف، لا يشك في أنه ينبوع نصح صافٍ، نبع للأمة الإسلامية عند اشتداد ظمئها لمثله ... فهو كطبيب عارف بأمراض الدول، خبير بجبر ما يعرض لها من التوهين والخلل. ومن فوائده التي بمثلها يُتفاخر، تعريف كل منا والأجنبي بحال الآخر، إذ لولا المعرفة بحاله، ما أمكن الاستعداد لنزاله" (١). وبحكم مسايرته لأفكار خير الدين واتجاهاته، واقتناعه بدعوته وآرائه، نجده يقول في تقريظ أول له: نجز الكتاب بحمد مولىً فضلُه ... عمّ الورى، وحمى حماهم عدلُه وافى بأسباب التمدن مغرياً ... ومحذّراً مما يورّط جهلُه لا يستميل سوى السدادِ وفرعَه ... وعلى الشريعة قد تأسّس أصلُه هو نعمة للمهتدين، ونقمة للـ ... ـمعتدين، وإن حواهم طولُه فهو الكفيل بشرح حال سياسة الـ ... إسلام فيها، لم يؤلف مثلُه ١٢٨٤/ ١٨٦٧ (٢) ويؤكد في أخرى هذه المعاني، ويدعم تلك المواقف بقوله منوّهاً ومؤرّخاً الحدث الكبير صدورَ أقوم المسالك: فلذا تَبْلُغُ تقريظا ... تُه قَدْرَ مُجلَّدْ وعلى الإجمال فهو ... ذو مزايا لو تُعَدَّدْ لم يكن إلا على ذي الخَصلة الخنصرُ يُعقدْ
следующие страницы →