← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حفظ القرآن الكريم بمسقط رأسه، وأتم حفظه بكتّاب باب المنارة عند انتقاله إلى الحاضرة .. والتحق إثر ذلك بجامع الزيتونة طالباً للعلم، وصادف ذلك التفات همّة المشير الأول أحمد باشا إلى تأسيس التدريس الرسمي بجامع الزيتونة ١٢٥٨. وقد تخرّج الشيخ سالم بأقطاب علماء عصره، نذكر منهم: - العالم الصوفي الشيخ محمد ابن ملوكة. قرأ عليه بزاويته خارج باب القرجاني. - العلامة الصالح شيخ الإسلام إبراهيم الرياحي. أخذ عنه الموطأ بسقيفة داره. - العالم المحقق الشيخ محمد ابن عاشور. درس عليه العلوم اللغوية بالجامع، وبزاوية جده، خارج باب المنارة. - وكذلك على شيخ الإسلام محمد معاوية. - وتخرَّج في العلوم الشرعية بالمفتي الشيخ محمد الخضار. - وبشيخ الإسلام محمد ابن الخوجة. - وبقاضي الجماعة محمد النيفر. وتأكّدت صلته أيضاً بشيخ الإسلام محمد بيرم الرابع الذي استدناه، واختص به، وأنِس بأدبه، وفتح له مكتبتَه، واتخذه صديقاً. - وكذلك بالشيخ محمود قابادو اللغوي الشاعر. - وانعقدت أواصر الصداقة بينه وبين العلامة نقيب الأشراف الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور الأول.

стр. 142

عمل الشيخ سالم في التدريس: وقد تولّى بعد ذلك التدريس بالجامع الأعظم، متنقلاً في رتبه العلمية بين الطبقة الثانية ١٢٧٠/ ١٨٥٣، والطبقة الأولى ١٢٨١/ ١٨٦٤ على مدى خمسة وستين عاماً. وكان انصرافه عنه بعد طول هذه المدة بما أذنت له به كلمة [صه] الموافقة لهذا العدد من السنين بحساب الجُمَل. وكان له منهج مميّز في دروسه، أعرض به عن المناقشات اللفظية الجدلية العقيمة، متوجّهاً باجتهاداته الشخصية إلى مناقشة الآراء، وابتكار الأنظار، وقوّة التحليل، وبراعة النقد، ناعياً على متأخِّري الفقهاء تمسُّكَهم بظواهر النصوص، وإهمالَهم تحقيق المناط، وانصرافَهم عن إبراز مقاصد الشريعة وتطبيقها. وقد ألحق في حلقات دروسه الأحفاد بالأجداد، وتخرّج عليه من الفحول في العلوم العربية وأسرارها، ومصادر السنّة ودواوينها، والعلوم الشرعية فروعها وأصولها، نفر معدود من كبار العلماء، نكتفي بذكر طائفة منهم: شيخ الإسلام أحمد بيرم، والقاضي إسماعيل الصفائحي، ومحمد بيرم الخامس، وعبد العزيز الثعالبي، ومحمد السنوسي، وشيخا الإسلام محمد الطاهر ابن عاشور، ومحمد العزيز جعيط، ومحمد مخلوف، والمفتي محمد النجار، وشيخ الإسلام محمد بن يوسف (١). ومما يشهد لغزارة علمه وتعدّد اهتماماته ومنازعه عنايته بالعربية، وتقاريره على شرح الأشموني لألفية ابن مالك، وعكوفه على كتب السنّة النبوية الشريفة، وتقاريره على مواضع من صحيح

стр. 143

البخاري ومن الموطأ، وشرحه لألفية ابن عاصم في الأصول، وأختامُه الرمضانية التي تبلغ الستين ختماً. وهي جامعة لغرر المسائل، مع حرصه فيها على التوفيق بين أصول الشريعة ومقتضيات التمدن العصري، وديوان خطبه المنبرية، وديوان شعره، ورحلته. ومن يقف عند هذا الحد من ترجمته يدرك سبب عدّنا له في أعلام الزيتونة. فقد كان أغزرَ معاصريه علماً، وأوسعهم معرفة، وأقدرهم على النفع بخطابته ودروسه، وكتبه وشعره. ولكن هذا لا يمنعنا من الإشادة بما تولاه من الوظائف الإدارية ابتداء من إسناد إدارة المدرسة المرجانية له، وكتابة المجلس البلدي عند تأسيسه سنة ١٢٧٥/ ١٨٥٩، وتحرير تقارير اللجنة الإدارية المتعلقة بمراقبة المالية التونسية ١٢٧٦/ ١٨٦٠، وعضوية المجلس الكبير ١٢٧٧/ ١٨٦١، وهذا ما يصور بالخصوص نشاطه الإداري ونيابته لمواطنيه في المجالس المختلفة، ثم غَلَبَتْ مميزاته كعالم وفقيه فقُلِّد خطة الإفتاء المالكي سنة ١٣٢٣/ ١٩٠٥، وبعدها خطة كبير أهل الشورى ١٣٣٧/ ١٩١٩. وكانت له صلاته الوثيقة بالوزير خير الدين الذي اصطحبه في مهمته إلى إستنبول، فتمكّن من الاتصال بشيخ الإسلام عارف بك نصير التنظيمات العثمانية، ومن التعرّف عليه، والتذاكر معه. وكذلك بوزير التعليم الجنرال حسين. سافر في معيّته إلى إيطالية لمناقشة ورثة نسيم شمامة الحساب. وقد لجأ إليها مورثهم هارباً من العدالة وتوفي بها. وأقام الشيخ سالم بهذا البلد الأوروبي في مهمته ست سنوات، حذق فيها اللسان الإيطالي، ثم سافر منها إلى باريس لمشاهدة المعرض الدولي بها، ولمزيد التعرف على

стр. 144

مقومات الحضارة الغربية، شأنه في ذلك شأن بقية دعاة الإصلاح من معاصريه (١). وقد لاحظ المتتبعون لنشاطه، المعجبون بقدراته، وعمق درايته، واتساع آفاقه، ازدواجَ دوره الفكري العلمي والإداري السياسي. فقال أحدهم منوّهاً بهذه الشخصية الفريدة الفذة: "وبذلك أصبح مترجمنا عمارة لأعظم النوادي العلمية، وعيناً لأرقى المجالس الأدبية، يملؤها بفصاحته الباهرة، ونكته اللطيفة، وأذواقه الرفيعة، وابتكاراته العالية، حتى تعدَّت سمعته أوساط أهل العلم إلى أوساط رجال الدولة. وقد استرسلت علاقاته المتينة مع الوزير حسين، وطالت معاشرته إياه حضراً وسفراً، وتكوّنت له به صلة تشبه القرابة العائلية، كما استحكمت بينه وبين الوزير خير الدين أسباب المودة، ووجد كل منهما في صاحبه ما يثير الإعجاب. فكان صديقَه في وقت العمل، وصديقَه في طور الانقطاع، لمّا تباعد عنه ذوو الأطماع. فكان المتولِّي لإعانته على تحرير كتاب أقوم المسالك والمنقح لمسوّداته (٢). وما ذلك إلا بما وصلا إليه من تمازج فكري واتفاق حكمي فلسفي إصلاحي. يظهر هذا من تشرب الشيخ سالم لآراء صديقه الثوريَّة التوجيهية التجديدية، ومما رَشَح به قلمه من دفاع عنها، ومساندة لها في المجالس الخاصة وعلى المنابر، وفيما قرظ به هذا العمل الجليل أقرب المسالك من نثر وشعر. فقد كتب إلى خير الدين رسالة في ١٤ محرم ١٢٨٥/ ٧ مايو ١٨٦٨ يقول فيها: "فشاهدت منه، وإن لم أكن من فرسان مجاله، أساساً سياسياً

стр. 145

لم تسمح قريحة بمقاله، بيد أنه لم يسبق إلى التأليف في غرضه أحد من علماء الإسلام، ولا استودعت لطائف مقاصده بشيء من صحائف الأعلام. فكل من تصفّحه بعين الإنصاف، لا يشك في أنه ينبوع نصح صافٍ، نبع للأمة الإسلامية عند اشتداد ظمئها لمثله ... فهو كطبيب عارف بأمراض الدول، خبير بجبر ما يعرض لها من التوهين والخلل. ومن فوائده التي بمثلها يُتفاخر، تعريف كل منا والأجنبي بحال الآخر، إذ لولا المعرفة بحاله، ما أمكن الاستعداد لنزاله" (١). وبحكم مسايرته لأفكار خير الدين واتجاهاته، واقتناعه بدعوته وآرائه، نجده يقول في تقريظ أول له: نجز الكتاب بحمد مولىً فضلُه ... عمّ الورى، وحمى حماهم عدلُه وافى بأسباب التمدن مغرياً ... ومحذّراً مما يورّط جهلُه لا يستميل سوى السدادِ وفرعَه ... وعلى الشريعة قد تأسّس أصلُه هو نعمة للمهتدين، ونقمة للـ ... ـمعتدين، وإن حواهم طولُه فهو الكفيل بشرح حال سياسة الـ ... إسلام فيها، لم يؤلف مثلُه ١٢٨٤/ ١٨٦٧ (٢) ويؤكد في أخرى هذه المعاني، ويدعم تلك المواقف بقوله منوّهاً ومؤرّخاً الحدث الكبير صدورَ أقوم المسالك: فلذا تَبْلُغُ تقريظا ... تُه قَدْرَ مُجلَّدْ وعلى الإجمال فهو ... ذو مزايا لو تُعَدَّدْ لم يكن إلا على ذي الخَصلة الخنصرُ يُعقدْ

стр. 146

تمَّ طبعاً إثر شهر ... أرخوه شهر مولدْ ١٢٨٥/ ١٨٦٨ (١) ومن مظاهر دعوته الإصلاحية التجديدية اجتماعياً وسياسياً: انتصاره القويّ لإدخال العلوم الرياضية والطبيعية في برنامج التعليم بجامع الزيتونة، وتأييدُه لنفس الغرض، تأسيسَ الجمعية الخلدونية تأييداً عظيماً، وإلقاؤه يوم افتتاحها خطابَه الدائر حول تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، ومساندتُه للأستاذ الإمام محمد عبده عند زيارته لتونس، وإلقاؤه بها محاضرته البديعة عن العلم وطرق التعليم، مما جعل قائد الإصلاح الأزهري المصري يعلن أنه لو كان الشيخ سالم متصلاً بحركة الإصلاح الديني في الشرق عند ابتداء أمرها لكان لها بمقامه العلمي وأفكاره النيرة شأنٌ عظيم (٢). * * *

стр. 147

القسم الثاني شيخ الإسلام شيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر ابن عاشور

стр. 148

شيخ الإسلام شيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر ابن عاشور ١٢٩٦/ ١٨٧٩ = ١٣٩٤/ ١٩٧٣ نسبه وولادته: في منابت الشرف والنبل، ومغارس الصلاح والعلم، بسقت شجرة الأسرة العاشورية، وامتدت فروعها من عهد ازدهار الحضارة الأندلسية ببلد الأندلس. ومنها انتقلت إلى سلا ببلاد المغرب ١٠٣٠/ ١٦٢٠، ثم إلى تونس في حدود سنة ١٠٦٠/ ١٦٤٨. وكان أولَ من دخلها من أفراد هذه الأسرة الشيخ الصالح الشريف أبو عبد الله محمد بن عاشور الحسني. وفي الظروف الغادرة التي شهدت تآمر أوروبة على دولة الخلافة، وسعي الدول الغربية إلى اقتسام أطراف السلطنة، بمحاولة بسط نفوذها على الولايات العثمانية في أوروبة والشرق العربي وشمالي إفريقيا، وما تبع هذا الأمر من هزّات وتوترات، ولد الشيخ ابن عاشور بقصر جدّه للأم بالمرسى في جمادى الأولى ١٢٩٦ سبتمبر ١٨٧٩. وهو محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن محمد بن محمد الشاذلي بن عبد القادر بن محمد بن عاشور، وأمه فاطمة بنت الشيخ الوزير محمد العزيز بن محمد الحبيب بن محمد الطيب بن محمد بن محمد بوعتور. وفي عناية والده الشيخ محمد ابن عاشور رئيس جمعية الأوقاف، وفي كنف جدّه للأم الشيخ الوزير محمد

стр. 149

العزيز بوعتور، نشأ مترجمنا نشأته المميّزة على أكمل الصفات الدينية، وأفضل المناهج التربوية، وخير القيم والمبادىء الأخلاقية التي توافرت جميعها في هذه البيئة الأصيلة الراقية العلمية، حيثما كان مع أبيه وجده بتونس أو منوبة أو المرسى. وتعزيزاً لعناصر تكوينه الأسري، وحسنَ إعداد له للمشاركة في الميدان الذي ينتظره، أقبل الفتى من السنة السادسة من عمره على مسجد سيدي أبي حديد المجاور لبيتهم بنهج الباشا بتونس. فحفظ به القرآن الكريم ورتّله على الشيخ المقرىء محمد الخياري، وحفظ مجموعة من المتون العلمية كابن عاشر، والرسالة، والقطر، ونحوها مما كان يُعنى المؤدبون بتلقينه لتلامذتهم الصغار. ودرس في نفس المسجد شرح الشيخ خالد الأزهري على الأجرومية (١). التحاقه بالجامع الأعظم: وفي سنة ١٣١٠/ ١٨٩٣ التحق الشاب محمد الطاهر ابن عاشور بجامع الزيتونة لطلب العلم. وكانت المواد التي تدرّس بهذا المعهد الديني متنوّعة بين مقاصد ووسائل. وعلى هذا الأساس درس علوم النحو، والصرف، والبلاغة، والمنطق من جهة، وعلوم المقاصد كتفسير القرآن، والقراءات، والحديث ومصطلح الحديث، والكلام وأصول الفقه، والفقه والفرائض من جهة ثانية. كان دفتر دروس الطالب محمد الطاهر ابن عاشور مؤرخاً ١٨ شعبان ١٣١٠، ورقمه ٣٠٣٦، وعدد صفحاته ٤٤ من مائة. وبعناية

стр. 150

كريمة من الشيخ سيدي عمر ابن الشيخ كان توجيه الطالب أثناء دراسته بهذا المعهد وتعيين الشيوخ له. ومَن مثله يقدّم النصح ويحسن الاختيار - وهو من درّس بالجامع الأعظم نحو ستين عاماً. فكان الرُّحلة وممن ألحق الأحفاد بالأجداد في حلقات دروسه - وكانت المادة الواحدة أو الكتاب الواحد يوزّع تدريسه على عدد من الشيوخ، إما لأهميته أو لطوله، حرصاً على ختمه، كما كان من خصال أولئك الشيوخ مشاركتهم في العلوم، وإحاطتهم بما وضع فيها من كتب ومصنفات. شيوخه: - تخرّج محمد الطاهر ابن عاشور على الشيخ عبد القادر التميمي في تجويد القرآن وعلم القراءات، وبخاصة في رواية قالون. - وعلى الشيخ محمد النَّخْلِي. درس عليه من كتب علوم الوسائل القطر، والمكودي على الخلاصة، ومقدمة الإعراب في النحو، ومختصر السعد في البلاغة، والتهذيب في المنطق. وتخرّج به في أصول الفقه بدراسة الحطاب على الورقات، والتنقيح للقرافي، وفي الفقه المالكي بكتاب ميارة على المرشد، وكفاية الطالب على الرسالة. - وقرأ على الشيخ محمد صالح الشريف كتاب الشيخ خالد الأزهري، والقطر لابن هشام، والمكودي على الخلاصة في النحو. والسُلّم في المنطق، وفي علوم المقاصد: مختصر السعد على العقائد النسفية، والتاودي على التحفة في الفقه. - وعن الشيخ عمر ابن عاشور لامية الأفعال وشروحها في الصرف، وتعليق الدماميني على المغني لابن هشام في النحو، ومختصر السعد في البلاغة، والدردير في الفقه، والدرة في الفرائض. - ودرس على الشيخ محمد النجار الشريف كتاب المكودي على

стр. 151

الخلاصة في النحو، ومختصر السعد في البلاغة، والمواقف في علم الكلام، والبيقونيّة أو غرامي صحيح في مصطلح الحديث. - وقرأ على الشيخ محمد طاهر جعفر شرح المحلِّي على جمع الجوامع في أصول الفقه، والشهاب الخفاجي على الشفاء للقاضي عياض في السيرة النبوية. - وعلى الشيخ أحمد جمال الدين القطر في النحو، والدردير في الفقه. - وعلى الشيخ محمد صالح الشاهد الدردير. - وعلى الشيخ محمد العربي الدُّرْعي كفاية الطالب على الرسالة في الفقه (١). وهكذا ضم محمد الطاهر ابن عاشور إلى استظهاره لكتاب الله وحفظه لعدد من المتون العلمية المتعلقة بالوسائل والمقاصد، دراستَه الجادة بجامع الزيتونة، التي شهد شيوخه له - بتفوّقه ونبوغه فيها، وبقدرته الفائقة على احتواء موضوعاتها وتعمّق أسرارها - سجلوا ذلك في دفتر شهاداته، كلٌّ في المادة التي درّسها له، وأفاد الطالب منه فيها (٢).

стр. 152

تحفّي جدّه الوزير به: يمكن أن نضيف إلى هذا التكوين العالي ما برز فيه الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور على أقرانه بتعلمه الفرنسية في ذلك العهد بمساعدة أستاذه الخاص السيد أحمد بن وَنّاس المحمودي. وقد شملت هذا الطالب المتفوق حسنُ سياسة جدّه له، وإقباله عليه وكريم توجيهه. ومن مظاهر عناية الوزير الشيخ العزيز بحفيده تدوينه بخط يده لمجموع فريد جمع له به عيون الأدب ونصوص الحِكَم وبدائع النظم والنثر. أراده اختيارات انتقاها له، كاختيارات أبي تمام أو البحتري، وهو أوسع من هاته وتلك، لِينهج نهج مبدعيها، ويحاكيهم فيما يروق له منها. ولم يقف اهتمام الوزير العلّامة عند هذا الحد، بل فَتَحَ له خزانة كتبه، وكَتَبَ له بيمينه - تشجيعاً له وحبّاً فيه - مصنفات في الحديث والبلاغة مثل متن البخاري، وكتاب المفتاح للسكاكي، اللذَين ما زالت تحتفظ بهما المكتبة العاشورية العامرة، شاهدة بفائق عناية جدّه به (١). وإنك لتجد هذا الطالب المُجِدّ مقبلاً إقبالاً شديداً على مطالعة أمهات الكتب، ومراجعة دواوين العلوم، مشتغلاً بالبحث في مختلف المسائل العلمية، اللغوية منها والشرعية، حتى صار ذلك دَيْدَنَه كاملَ حياته. حصوله على شهادة التطويع: ولا غرو إذا هو - بفضل هذا التكوين - قد تفوّق في امتحاناته ومناظراته، وفي حياته العلمية والوظيفية بعد ذلك.

стр. 153

وأول هذه النجاحات الباهرة حصوله على شهادة التطويع في ٤ ربيع الأول ١٣١٧/ ١١ جويلية ١٨٩٩. وقد كتب له بذلك في دفتر دروسه شيوخ المجلس الشرعي الذين تتكوّن منهم لجنة الامتحان آنذاك. ونص الشهادة: الحمد لله فاتح رموز العرفان، ومانح كنوز الفضل والإحسان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الفضلاء الأعيان. أما بعد: فإن الفقيه النبيه الألمعي المشارك سي محمد الطاهر ابن عاشور، صاحب هذا الدفتر، ممّن تقدم لمجلس الامتحان السنوي الواقع بسراية المملكة عام التاريخ. وقضى بتقدّمه ما يلزم من واجبات فصول القرار الوزيري، المؤرخ في ٦ صفر و١٤ جوان الفارطين، الصادر في إجراء امتحان تلامذة جامع الزيتونة الأعظم - أدام الله عمرانه - الراغبين في الحصول على رتبة التطويع. ومن تلك الواجبات إقراؤه لدرس من مختصر السعد في المعاني والبيان من قول المصنف: "والتخصيص لازم للتقديم غالباً ... إلى قوله: ويفيد في الجمع" وأنتج النظر أن يكون هذا المتقدم مستحقاً لرتبة التطويع. فأُذن له في ذلك لتتوفر رغبته العلمية ويجتهد في تحصيل الكمالات. والله ولي الإعانة، لا ربَّ غيره سبحانه، بتاريخ يوم الثلاثاء في ٤ ربيع الأنور و١١ جويلية ١٣١٧/ ١٨٩٩. محمد بيرم، أحمد الشريف، إسماعيل الصفائحي، محمد الطيب النَّيفر (١). دراسته العليا: وبعد حصوله على شهادة التطويع عاد إلى حضور دروس شيخه

стр. 154

محمد النخلي. قرأ عليه الوسطى في العقيدة، وكتاب المحلِّي على جمع الجوامع في أصول الفقه، والمطوّل في البلاغة، والأشموني في النحو. كان ذلك سنة ١٣١٨ بتقييد الشيخ. كما حضر صحبة صديقه الشيخ محمد الخضر حسين درس الأستاذ الشيخ عمر ابن الشيخ في تفسير البيضاوي، ودرسَ الأستاذ الشيخ محمد النجار لكتاب المواقف، ودرسَ الشيخ سالم لكتابَيْ البخاري والموطأ بشرحيهما. ومما لاحظه الشيخ الخضر حسين في زميله شدّةَ حرصه على العلم ودقّة نظره، متجليين في ملاحظاته وبحوثه. وقد سجل صاحب الدفتر بخطه في صفحة ٤١ من دفتره أنه أفاد من شيخه الإمام سالم بوحاجب أدباً وعلماً؛ قائلاً: قرأت صحيح الإمام البخاري، ﵀ ورضي عنه، على شيخنا وشيخ مشايخنا العلّامة النحرير سيدي سالم بوحاجب المفتي المالكي ... بشرح شهاب الدين القسطلاني ﵀، قراءة تحقيق بجامع الزيتونة، وقرأت عليه من الموطأ (أجزاء) بشرح الشيخ الزرقاني قراءة تحقيق (١). الإجازات العلمية: وكان من الطبيعي، بعد ملازمة هذا الإمام وصحبته، أن يتوّج ارتباطه به بنفحات من الإسناد زكيّة، وطرق من الرواية سنيّة. وذلك ما دعا الشيخ الإمام سالم بوحاجب إلى أن يكتب له في نهاية دفتره بالإجازة الشريفة قائلاً في غضونها: أكتفي بالإجازة بأنواعها المبيّنة في الأصول، لتأسيس المعارف على سند موصول ... مَنْ تعلّقت همته بالمهم المذكور، وانتظمت رغبته منه في سلك السعي المشكور ... محرز قصب السبق في الميادين العرفانية بلا منازع،

стр. 155

(مَن) أحرز شرفي العلم والنسب، واسترقّ الألباب كلما تكلّم أو كتب، مَن تتشرف ببنوّته منّي الروح، وبتهذيبه ينمحي النقص وتندمل الجروح، الشيخ المدرس سيدي الطاهر ابن العمدة اللوذعي الماجد الزكي المهذب اليلمعي، سيدي محمد بن الهمام النحرير من تقاصر العصر والمصر أن يأتيا له بنظير، كما يقصر القلم واللسان في الإعراب عن فضل شيخنا الشهير، سيدي محمد الطاهر ابن عاشور المفتي المالكي، بَرَّد الله ضريحه، وأسكنه من الفردوس فسيحه. فبناء على ذلك أقول، مقتبساً إنارة طرف الإيجاب من طرف القبول: قد أجزت لابننا المذكور جميع محفوظاتي وملحوظاتي من معقول ومنقول، في فروع أو أصول، إجازةً تامة مطلقة عامة ... وأروي صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن العالم الفاضل المحدث الأديب أبي العباس الشيخ سيدي أحمد بن الطالب بن سودة، وهو عن شيخه مفتي الأنام وتاج الإسلام سيدي مصطفى بن محمد المالكي، الجزائري المنشأ، الإسكندري الموطن، وهو عن شيخه العلّامة مفتي الإسلام الشيخ علي بن عبد القادر، شُهِر بابن الأمير المتوفى ١٢٣٦، وهو عن شيخ المشايخ سيدي علي الصعيدي المتوفى ١١٨٥، وهو عن شيخه العلّامة محمد عقيلة المكي، وهو عن الشيخ حسن بن علي العجيمي، وهو عن الشيخ أحمد بن محمد العَجِل اليمني، وهو عن الإمام يحيى بن مكرم الطبري، عن الشيخ برهان إبراهيم بن محمد بن صدّيق الدمشقي، عن الشيخ عبد الرحيم بن عبد الأول الفرغاني - وكان عمره مائة وأربعين سنة - وقرأ البخاري على أبي عبد الرحمن محمد بن شاذ بخت الفرغاني، بسماعه لجميعه على الشيخ، أحد الأبدال، أبي لقمان يحيى بن عمار بن مقبل شاهان الخَتْلاني - وكان عمره مائة وثلاثاً وأربعين سنة -

стр. 156

وقد سمع جميعه عن محمد بن يوسف بن مطر بن صالح الفِرَبري، قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري رحمه الله تعالى، وأفاض علينا من ينابيع علومه آمين. كتب هذه الإجازة سالم بوحاجب في الخامس والعشرين من رمضان ١٣٢٣ (١). وممّن منحه فضيلة الإسناد وشرّفه بربط حلقات اتصاله العالي بأكرم جناب، جدّه الوزير الشيخ محمد العزيز بوعتور الذي أجازه بكل مروياته سنة ١٣٢١/ ١٩٠٤. أجازه بسنده الجامع بين صحيحي البخاري ومسلم، كليهما عن طريق واحد هو طريق الفِرَبري. وهو ما حدّث به الشيخ محمد العزيز بوعتور، عن الشيخ محمد صالح الرضوي، عن عمر بن عبد الكريم، عن محمد بن سنّة، عن أحمد بن موسى بن عجيل، عن قطب الدين محمد النهرواني، عن محمد بن عبد الله الطاوسي، عن الشيخ المعمّر بابا يوسف الهروي، عن محمد بن شاذ بخت الفرغاني، عن يحيى الخَتْلاني، عن الإمام محمد بن يوسف الفربري، عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وعن أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري. تذييل: وبهذا السند الأعزّ أروي عن الإمامين من طريق شيخي محمد الفاضل، عن أبيه الشيخ محمد الطاهر، عن جدّه محمد العزيز بوعتور (٢). إجازات أخرى: مثل: إجازة شيخ الإسلام محمود ابن الخوجة له.

стр. 157

وإجازة العالم النابغ سيدي عمر بن أحمد ابن الشيخ ١٣٢٥/ ١٩٠٨ (١). ومن جميل عناية الله بي، وسابغ فضله عليّ، اتصالي بهذه الأسانيد كلها وبغيرها، في الخامس من رمضان ١٣٦٦ بالمرسى، من طريق مقام والدي، أستاذي وشيخي، عميد الزيتونة ومفتي الجمهورية ﵀ الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور طيّب الله ثراه وتغمّده بواسع رحمته (٢). تجربته في التدريس ونقده الذاتي لمنهجه فيه: بجمع الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور بين علوم الرواية والدراية على أكمل وجه، وبتعَمُّقِه الفريد في علوم الوسائل وعلوم المقاصد على وجه شحذت به ملكاته الذهنية، وقدراته العلمية، ومداركه الذوقية اللسانية، وتصوراته الدقيقة للحقائق الشرعية، والآراء والأنظار المقصدية، عجِل - لا كما يعجل كل مُطَوَّع إلى حلقات التدريس من أجل أن ينتسب إلى هذا الجامع انتساب المتعلم والمعلم - ولكن ليبدأ طريق الإفادة، ويتمكن بعد من تدريس أمهات الكتب وأفانين العلوم، على منهج بديع، وأسلوب رفيع، كان يحدّث به نفسه من وقت التحاقه بهذا المعهد، للأخذ عن أشياخه، ونيل مختلف المعارف والآداب منهم وعن طريقهم. فكان وهو يتوجّه في اليوم الأول إلى حلقة درسه، ليقوم بدوره المجيد في تعليم الأجيال وتلقينها مقوّمات المعرفة، وحقائق العلم، وجميل الأخلاق، وكمال التربية، وحسن الاستعداد، والتضلّع بالطاقات والكفاءات، لمواجهة الحياة والوقوف أمام التحديات،

стр. 158

ومسايرة التقدم والرقي، بالأخذ بأسباب النهضة والقوّة، يراجع نفسه ويتحسّر على ما فاته بسبب ما مسّ التعليم الإسلامي من الوهن قائلاً: "وإنّي على يقين أنَّنِي لو أتيح لي في فجر الشباب التشبّع من قواعد نظام التعليم والتوجيه لاقتصدت كثيراً من مواهبي، ولاكتسبت جمّاً من المعرفة، ولسَلِمت من التطوّح في طرائق، تَبيّنَ لي بعد حينٍ الارتدادُ عنها. مع أني أشكر ما منحت به من إرشاد قيّم من الوالد والجَد ومن نصحاء الأساتذة. ولا غِنى عن الاستزادة من الخير (١). ثم وهو في أول مراحل التدريس يعلّم طلابه مبادىء العربية وقواعد المنطق يشعر بالحيدة عن الحق، ويقوم مع الشيخ محمد الخضر حسين صديقه بنقد ذاتي، يستشعران به في دروسهما إضاعة الأوقات النفيسة عليهما، وعلى من وكل أمرهم إليهما بالتلقّي عنهما من الطلاب. فكتب الشيخ الخضر في رحلته الجزائرية مقالات صرّح فيها بأنّه كان ممّن ابتُلي في درسه باستجلاب المسائل المختلفة الفنون، متوكئاً على أدنى مناسبة، حتى أفضى الأمر إلى ألّا يتجاوز في درسه شطر بيت من ألفية ابن مالك مثلاً. فتراجع قائلاً: ثم أدركت أنها طريقة منحرفة المزاج عن الإنتاج (٢). وقال الشيخ ابن عاشور: وأنا عرَض لي مثل ذلك في تدريس المقدمة الآجُرُّومية. فكنت آتي في دروسي بتحقيقات من الشاطبي على الألفية، وفي درس مقدمة إيساغوجي أجلب مسائل من النجاة لابن سينا. ثم لم ألبث أن أقلعت عن ذلك (٣).

стр. 159

ويظهر أن الذي نبّههما إلى الترك بعد الإقدام ما كان عليه طلبتهم من سوء فهم، فإن عقولهم ومداركهم لم تمكّنهم من ذلك، كما أنهما ذَكَرا ما يقتضيه إصلاح خير الدين، ونص عليه القانون في الباب الثاني، الفصول ٧ - ٢٢ المتعلقة بالمنهج وبواجبات الأستاذ. ونص ذلك: "أن يضع المدرس نفسه في مستوى سامعيه، ويجعل لغته وتفسيره في متناول ذكائهم ودرجة تعلُّمهم"، إذ القصد تبليغ المعلومات إلى الطلاب وإفادتهم بها، لا الإغلاق على قلوبهم، والتعالي عليهم لإبهارهم، أو إظهار التنافس بينه وبين غيره من الأساتذة والمدرّسين. وهكذا بعلم وافر غزير، وتطلّع إلى الإصلاح كبير، امتزجت حياة مترجَمنا ﵀ في مراحل العمر كلها. وكانت وجوه تصرّفاته ومختلف نواحي أنشطته وأعماله متّسمة بالرصانة العلمية، والاستقلالية الفكرية، والالتزام بأحكام الشريعة والدين، والبصر بآيات الله في الكون، والتفتّح على ما يجري في أطراف العالم، وحبّ الخير للكافة، وبذل الجهد فيما ينفع الناس، وتدفّق العطاء. نلمس ذلك كلّه في حياته العلمية والإدارية والقضائية، وفي إنتاجه المتنوِّع الغزير. درجاته العلمية وعمله في التدريس: تقلّب الشيخ ابن عاشور في مراتب التدريس. ففي سنة ١٣٢٠/ ١٩٠٣ نجح في مناظرة الطبقة الثانية وتولّى مهام التعليم بصفة رسميّة بالجامع الأعظم. وبعدها انتدب للتدريس بالمدرسة الصادقية في عام ١٣٢١/ ١٩٠٤، وبقي بها ١٣٢١/ ١٣٥١ - ١٩٠٤/ ١٩٣٢ خلا فترة مباشرته للقضاء. وفي سنة ١٣٢٤/ ١٩٠٥ شارك في مناظرة التدريس للطبقة الأولى بجامع الزيتونة. وكان درسه في تلك المناظرة في الفقه.

стр. 160

وموضوعه: بيع الخيار (١). وارتقت به همته العالية إلى العناية بجملة من الفنون، كان موفّقاً في الوقوف على دقائقها، مبرّزاً في استخلاص مقاصدها، متعاملاً مع مصادرها تعامل من تعدّدت مواهبه، واتسع أفقه الفكري. وكان قديراً، لا على الإحاطة بالمادة والكتاب بترديد ما علمه من ذلك فحسب، بل على النظر والمشاركة والنقد أيضاً لكل ما يقع تحت يده، وذلك بما خصّه الله تعالى به من سَعَة العارضة، وقوة الذاكرة، ودقة المقارنة والمناظرة بين مختلف المراجع والأقوال والآراء العلمية. درّس الشرح المطوّل للتفتازاني، وكتاب دلائل الإعجاز للجرجاني في البلاغة، وشرح المَحَلّي لجمع الجوامع للسبكي في أصول الفقه، ومقدمة ابن خلدون، وهي كما لا يخفى من أمهات الكتب في نقد التاريخ وأصول علم الاجتماع، وديوان الحماسة لأبي تمام. ودرّس أيضاً في الحديث موطأ الإمام مالك، وأقرأ تفسير البيضاوي بحاشية الشهاب (٢). وقد تخرّجتْ بشيخنا العلامة محمد الطاهر ابن عاشور أجيالٌ كثيرة، كانت تجلس إليه في حلقة درسه بالمسكبة الأخيرة من بيت الصلاة بجامع الزيتونة، وكان مقرّ دروسه بين أبواب البلّور على مقربة من باب الشفا بجوار حلقة شيخه مقدَّم علماء الحنفية الشيخ محمد بن يوسف. فكانا رأس أئمة العلم بهذا المعهد، يحتشد الطلاب في حلقتيهما، يجلسون أسماطاً على شكل بيضوي دائري حول شيخيهما.

стр. 161

ويكون من بينهم الشيوخ المدرسون، والمتطوِّعون، وكبار الطلاب الذين يستعدون للمشاركة في امتحانات التطويع أو التدريس. الوظائف الإدارية: تمرّس ﵀، إلى جانب ذلك، بالأعمال الإدارية والوظائف الشرعية، التي أهّلته لها مواهبه الفائقة العالية، كما شارك في المؤسسات العلمية والثقافية، وأسهم في إدارتها وتنشيطها بعزم وهمّة. عيّن عضواً بمجلس إدارة الجمعية الخلدونية سنة ١٣٢٣/ ١٩٠٥. وحصل على خطّة العدالة في نفس التاريخ، وإن لم يباشرها فعلاً. ولعنايته الفائقة بالكتب والمخطوطات شارك في اللجنة المكلّفة بوضع فهرست للمكتبة الصادقية، بوصفه عضواً، في محرم ١٣٢٣/ فبراير ١٩٠٥. - وسمي نائب الدولة لدى النظارة العلمية سنة ١٣٢٥/ ١٩٠٧. - وعضواً في لجنة تنقيح برامج التعليم سنة ١٣٢٦/ ١٩٠٨. وكَتَبَ تقريراً عن حالة التعليم، واقترح إيجاد تعليم ابتدائي إسلامي في مدن القيروان وسوسة وصفاقس وتوزر وقفصة. - كما عيّن عضواً بمجلس المدارس، وبمجلس إدارة المدرسة الصادقية سنة ١٣٢٦/ ١٩٠٩. - ثم ترأس لجنة فهرسة المكتبة الصادقية ابتداءً من ربيع الأنور ١٣٢٧/ مارس ١٩١٠. - والتحق بعد ذلك بمجلس إصلاح التعليم الثاني بجامع الزيتونة، فكان عضواً به سنة ١٣٢٨/ ١٩١٠.

стр. 162

- وفي السنة الموالية عيّن عضواً بمجلس الأوقاف الأعلى سنة ١٣٢٨/ ١٩١١. - فعضواً في مجلس الإصلاح الثالث سنة ١٣٤٣/ ١٩٢٤. - فعضواً في مجلس الإصلاح الرابع سنة ١٣٤٨/ ١٩٣٠. - وبحكم وظيفته الشرعية، عُيِّن عضواً في النظارة العلمية وقاضياً أو كبير أهل الشورى في المجلس الشرعي. - ثم شيخاً للجامع الأعظم سنة ١٣٥١/ ١٩٣٢ - ١٩٣٣ (١). - وعاد إلى مباشرة مهامه على رأس مشيخة الجامع الأعظم سنة ١٣٦٥/ ١٩٤٥ - ١٣٧٢/ ١٩٥٢. - وبإثر استقلال البلاد عيّن عميداً للجامعة الزيتونية سنة ١٣٧٥/ ١٩٥٦ - ١٣٨٠/ ١٩٦٠. الوظائف القضائية الشرعية: كانت تمتزج بهذه المهام الإدارية والإصلاحية وظائفه السامية الشرعية. - اختير حاكماً بالمجلس المختلط العقاري سنة ١٣٢٨/ ١٩١١.

стр. 163

- عيّن قاضياً مالكياً بالمجلس الشرعي سنة ١٣٣٢ - ١٣٤٢/ ١٩١٣ - ١٩٢٣. - عيّن مفتياً في رجب ١٣٤١/ مارس ١٩٢٣. - عيّن مفتياً ثانياً مكلَّفاً بخطة باش مفتي سنة ١٣٤٢/ ١٩٢٤. - وارتقى بعدها إلى خطة كبير أهل الشورى سنة ١٣٤٦/ ١٩٢٧. - فشيخ الإسلام المالكي سنة ١٣٥١/ ١٩٣٢ (١). - باشر هذه المهام كلها بحكمة وجِدٍّ وحزم. وقد انتخب عضواً بالمجمعين: مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة ١٩٥٠، والمجمع العلمي العربي بدمشق سنة ١٩٥٥. وكانت له كتابات وتحريرات في مجلتيهما، وبغيرهما من المجلات العلمية بالشرق، كالموسوعة الفقهية بالكويت، التي كان يصدرها الشيخ مصطفى الزرقاء، ومجلة الهداية الإسلامية بالقاهرة، وعدد من الصحف والمجلات الأخرى بالشرق كالمنار، وبتونس كالسعادة العظمى. تلفَّتَ فوقَ القائمين فطالَهم ... تشوّف بسّام إلى الوفد قاعد جهيرُ خطاب، يخفِض القومُ عنده ... معاريض قول كالرياح الرواكد يخصّون بالتبجيل أطولهم يداً ... وأظهرهم أكرومة في المشاهد ولم أرَ أمثال الرجال تفاوتت ... إلى الفضل، حتّى عدّ ألف بواحد وقد تزوج سليلة المجد والشرف ابنة نقيب الأشراف بتونس سيدي محمد محسن. وكان له ثلاثة بنين؛ هم العلّامة البحر محمد الفاضل ابن عاشور، والسيدان الجليلان عبد الملك، وزين العابدين

стр. 164

رحمهم الله، وبنتان. وكانت وفاته بالمرسى عن ٩٤ سنة يوم الأحد ١٣ رجب ١٣٩٤/ ١٢ أغسطس ١٩٧٣. ووري ﵀ التراب في مقبرة الزلاج من مدينة تونس. مكانته العلمية وثناء العلماء عليه: فمما نعته به صديقه الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر قوله: "وللأستاذ فصاحة منطق، وبراعة بيان. ويضيف إلى غزارة العلم وقوّة النظر، صفاءَ الذوق، وسعة الاطلاع في آداب اللغة ... كنت أرى فيه لساناً لهجته الصدق، وسريرة نقيّة من كل خاطر سيِّئ، وهمّة طمّاحة إلى المعالي، وجِداً في العمل لا يَمَسه كلل، ومحافظة على واجبات الدين وآدابه ... وبالإجمال ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم" (١). وذكره العلّامة الشيخ العالم اللغوي الأديب محمد البشير الإبراهيمي قائلاً: "عَلَم من الأعلام الذين يعدّهم التاريخ الحاضر من ذخائره. فهو إمام متبحِّر في العلوم الإسلامية، مستقلّ في الاستدلال، واسع الثراء من كنوزها، فسيح الذرع بتحمّلها، نافذ البصيرة في معقولها، وافر الاطلاع على المنقول منها. أقرأ وأفاد، وتخرّجت عليه طبقات ممتازة في التحقيق العلمي. وهذه لمحات دالَّة في الجملة على منزلته العلمية، وخلاصتها أنه إمام في العلميات لا ينازع في إمامته أحد. وأما عن دوره الإصلاحي المتميز فقد ذكر "أن الذين يثيرون في وجهه الغبار، أو يضعون في وجهته العواثير لمجرمون، وإنا إن

стр. 165

شاء الله للأستاذ الأكبر في طريقه الإصلاحي لمؤيدون وناصرون" (١). ودرس العلماء والمفكرون كُتب الإمام وآثاره، وتأثروا بها أيما تأثر، فقال عنه الداعية المصلح الشيخ محمد الغزالي: هو رجل القرآن الكريم، وإمام الثقافية الإسلامية المعاصرة ... الرجل بدأ يتكلم عن اللغة، ويتكلم بها أديباً ... أقرأُ كلماته في التحرير والتنوير فأستغرب لأنه وطأ كلمات مستغربة وجعلها مألوفة، وحرر الجملة العربية من بعض الخبات الذي أصابها في أيام انحدار الأدب في عصوره الأخيرة. ولكن الرجل لم يلق حظه ... ابن عاشور لا يمثل صورة من اللحم والدم، إنما يمثل تراثاً أدبياً علمياً عقائدياً أخلاقياً (٢). وتحدث الأستاذ الدكتور مصطفى زيد عنه بعد سبع سنين من إصداره الطبعة الأولى من كتابه مقاصد الشريعة الاسلامية، معجَباً بتصرفاته وطريقته في الحديث عن المصلحة قائلاً: وتمضي الأعوام فلا نرى في المصلحة كلاماً ذا وزن حتى خرج علينا شيخ جامع الزيتونة السيد محمد الطاهر ابن عاشور بكتابه المقاصد (٣). وعن الكتاب نفسه يقول الأستاذ الدكتور البوطي: من أهم ما يمتاز به هذا الكتاب فيما أعتقد، أنه أول مؤلف يعالج موضوعاً من أبرز وأهم الموضوعات في أصول الفقه، ألا وهو مقاصد الشريعة الإسلامية، ويفرده بالبحث والتحليل ... لا ريب أن صنيع العلامة المرحوم ابن عاشور يعد تأسيساً كبيراً لذاتية هذا العلم ورسماً لإطاره الذي ميزه عن غيره (٤).

стр. 166

أما الأستاذ الدكتور سعيد الأفغاني فقد كتب عنه قائلاً: هو خطوة سديدة نحو إنشاء علم أصول الأصول في الفقه (١). وقفى على هؤلاء الأستاذ الدكتور عبد المجيد النجار الذي وصف كتاب المقاصد بأنه تطوير وتهذيب (٢). ودعا البحثُ في مقاصد الشريعة والنظر في جملة مما كتب عنها إلى الانتهاء إلى مقالة الأستاذ الدكتور إسماعيل الحسني في مقارنته بين مقاصد الشاطبي في الموافقات ومقاصد الشريعة الإسلامية عند الإمام الأكبر. قال: فقد اعتقدت أنه لم يعد هناك مجال للبحث في مقاصد الشريعة كبحث متميز في علم الأصول لأن الإمام الشاطبي لم يترك جانباً من جوانبه إلا استوفاه وأتقنه. واستقر في ذهني بسبب ذلك أن البحث في المقاصد لن يتجاوز توضيح ما سطره رُواد الفكر المقاصدي من الأصوليين وخاصة الشاطبي ... إلا أني ازددت شكاً في هذا التصور كلما أمعنت في دراسة فكرة المقاصد الشرعية عند الإمام محمد الطاهر ابن عاشور من خلال أهم مؤلفاته ... واقتنعت اقتناعاً كاملاً بأني إزاء نظرية في المقاصد الشرعية بعد ما تردد أصولها إلى تراث المقاصد، تعمل أيضاً على مراجعته وتكميله (٣). ومما يمكن أن نفسر به حياة العلم والجد التي لازمها طول حياته ننقل عن الإمام الأكبر قوله عن نفسه: "إن مزية العلم وشرفَ الانتساب إليه، أمر بلغ من اليقين والضرورة مبلغاً يقصر عنه البيان، وينقص قدره محاولةُ إقامة البرهان، بعد أن توجه الله تعالى به إلى

стр. 167

نبيه الكريم، وهو الذي علّمه ما لم يكن يعلم، وزكّاه بأنه على خُلُق عظيم، وعلى صراط مستقيم، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ قولاً جعل طَلَبَ العِلْم، والحرصَ عليه، والاستزادةَ منه، أعظمَ مطلوب لأشرف موجود. وبذلك كان العلم تاجَ نبوَّته، وشعارَ ملّته. وإني أحمد الله على أن أودع فيَّ محبةَ العلم، والتوقَ إلى تحصيله وتحريره، والأنسَ بدراسته ومطالعته، سجيةٌ فُطرت عليها، فخالطت شغاف قلبي، وملأت مهجتي ولُبّي، وغرزت فيّ غريزة نمّتها التربية القويمة التي أخذني بها مشايخي طيب الله ثراهم، وطهر ذكراهم، ممن جمع أبوّة النسب وأبوّة الروح، أو ممَّن اختصّ بالأبوة الروحية وحدها؛ حتى أصبحتُ لا أتعلَّقُ بشيء من المناصب والمراتب، تعلُّقي بطلب العلم، ولا آنسُ برفقةٍ ولا حديث أُنْسِيَ بمسامرة الأساتيذ والإخوان في دقائق العلم ورقائق الأدب؛ ولا حبِّب إليّ شيء ما حُبّبت إليّ الخلوة إلى الكتاب والقرطاس، متنكّباً كل ما يجري حولي من المشاغل. فلا تكاليف الحياة الخاصة، ولا أعباء الأمانات العامة التي حُمّلتها فاحتملتها، في القضاء وإدارة التعليم، حالت بيني وبين أُنسي في دروس تضيء منها بروق البحث الذكي، والفهم الصائب بيني وبين أبنائي من الطلبة الذين ما كانوا إلا قرَّة عين وعُدَّة فخر، ومنهم اليوم علماء بارزون، أو في مطالعات وتحارير أخلص فيها نجيّاً إلى الماضين من العلماء والأدباء، الذين خلفوا لنا في آثارهم الجليلة ميادين فسيحة ركضنا فيها بالأفهام والأقلام، ومرامي بعيدة سدّدنا إليها صائب السهام. فالحمد لله الذي بوّأنا، بين الماضين من أسلافنا والآتين من أخلافنا، منزلة مَن تلقّى الأمانة فأدّاها، وأوتي النعمة فشكرها ووفّاها" (١).

стр. 168

القسم الثالث حركات الإصلاح في ربوع المشرق والمغرب

стр. 169

حركة إصلاح التعليم بالجامع الأعظم فمن بداية الدولة الحسينية التفت الأمراء إلى العناية بجامع الزيتونة ورجال العلم به. فكان ذلك شأنَ مؤسس الدولة الأمير حسين بن علي، وشأنَ ثلة من الأمراء من بعده، مثل الباشا علي باي الأول، وكان بذلك إعمارٌ ونسخٌ لما سبقه من إهمال وإغفال في عهد الدولة المرادية. المراحل الأولى للإصلاح في عهد المشير أحمد باي الأول (١٢٥٣/ ١٨٣٧ - ١٢٧٢/ ١٨٥٥): سبق لنا التنويه بما أظهره المشير أحمد باي الأول من اعتناء بهذا المعهد الذي زوّده بخزائن نفيسة من الكتب، وَقَفَها على طلبة العلم به. كما أصدر أمراً عليّاً ١٢٥٨/ ١٨٤٢ في تنظيم التعليم به، وترتيب دروسه، وتعيين هيئة من العلماء هي النظارة العلمية، المتكوّنة من شيخ الإسلام وباش مفتي المالكية، ومن القاضيين الحنفي والمالكي، لمراقبة سير الدراسة والإشراف عليها. وضَبَط أمر ترتيبَ تدريس العلوم بالجامع، وحفظ المكتبة، والمحاسبة على مالية التعليم. وهذا الترتيب مثبت بالمعلّقة الواقعة بجوار باب الشفاء بالجامع. ولئن كان الشيوخ المدرّسون يمثلون الطبقة الأولى من جهاز التعليم، فقد أحدث الأمر العلي الصادر سنة ١٢٦٥/ ١٨٤٨ طبقة ثانية لهم. وكان التقدم من هذه الطبقة إلى الأولى

стр. 170

مشروطاً بالانتساب إلى الثانية، وموكولاً لاختيار النظارة. ثم حُكِّمت المناظرة العلمية بين من يروم من المتنافسين الالتحاق بالطبقة العليا. ولكن هذا النظام اختلّ بعد وفاة المشير أحمد باي الأول، وقصّر كثير من الشيوخ في القيام بواجباتهم. بداية الإصلاح في عهد المشير محمد الصادق باي (١٢٧٦/ ١٨٥٩ - ١٢٩٩/ ١٨٨٢): تلافى المشير محمد الصادق باي الوضعَ، وأظهر بإشارة من أعضاده عناية بالزيتونة. وأسّس برواق جامع الزيتونة المكتبة الصادقية، الشهيرة بالعبدلية سنة ١٢٩٢/ ١٨٧٥. وتولّى وزيره خير الدين ضبط أحوال الدروس والمدرّسين بالجامع الأعظم، وأسقط ضريبة المجبى على المنقطعين لطلب العلم. وقد يكون الدافع لمثل هذه التصرّفات محاكاة كبار الملوك والسلاطين في الدول الأخرى، أو الرغبة في التقرّب من الرعية، وحُسن الذِّكر. صدمة الاحتلال: في خلال الفترة التي تقدّمت انتصاب نظام الحماية الفرنسية بالبلاد التونسية، وتقاطُرِ الأوروبيين وخاصة الفرنسيين منهم على تونس العاصمة، واتخاذهم حيّاً متميزاً بها عمراناً ونضارةً وبهجة حياة، بدا الفارق العظيم والبون الشاسع بين بؤس الحياة الأهلية، ونعمة الحياة الأوروبية التي لم يستطع اللحاق بها إلا كبار الموسرين وعظماء الحكام.

стр. 171

وظهر الأطباء والصيادلة والمهندسون الغربيون بمظاهر تفوّقهم في العلوم الطبيعية، وسبقهم في ميدان الحياة العملية. وفاضت على البلاد الثروات الأجنبية، بسعة معاملاتها وقوانينها الغربية المغرية. وبدأ نظام الدولة في الإدارة والقضاء يتطوّر بالاقتباس من الأساليب الغربية، وترك ما كان سائداً من الأحكام الشرعية والتقاليد القومية (١). يقظة الشعب: هنا توقّف الشعب والعلماء والحكام جميعاً، وأصابتهم هزة الاحتلال، وتملّكتهم الحيرة، واتجهوا جميعاً إلى تدارك الأمر، كلٌّ على شاكلته، وبالوجه الذي يراه ويختاره. فصرفوا عنايتهم إلى شتى المجالات يرعونها، ويبذلون الجهد لإصلاحها. وامتدت أيديهم إلى المدرسة الأم، المعهد الديني، جامع الزيتونة الذي أصابه الشلل، وأصبح غير قادر على تهيئة الخريجين لمواكبة التطوّرات الجديدة التي شملت كل جوانب الحياة، ولا على التقدّم بخطى دقيقة وموزونة للخروج بالبلاد من التخلّف، ولا على الصمود كثيراً أمام الاتجاهات الخطيرة. وكان حتماً أن يحرِّك الإصلاحُ مشاعرَ الراشدين فيزيلون الفساد ويقضون على أسبابه في كل مجالات الحياة. فالإصلاح عند أهل اللغة هو إزالة الفساد أينما ظهر. وقد يتجاوز الإصلاح إلى التجديد والتطوير كما سيأتي. وجعل اللغويون وعلماء الاجتماع لمصطلح الإصلاح فرعين: أحدهما يتعلق بالفرد، وثانيهما بالأمة. وفصّل الشيخ ابن عاشور المصطلح بنوعيه الخاص والعام في كتابه أصول

стр. 172

النظام الاجتماعي في الإسلام. واستُعمل الإصلاح مضافاً إلى أشياء كثيرة كإصلاح البناء وإصلاح الماء، ماء الشراب، وإصلاح العيش. ومن هذه الدلالة العامة جاء الإصلاح الاجتماعي. وهو ما تقدمت الإشارة إليه، والإصلاح الاقتصادي والمالي والسياسي وإصلاح التربية والتعليم. وقد تحركت مختلف الطبقات والعناصر لإصلاح التعليم الزيتوني. وهذا ما حدا بخير الدين إلى تكوين لجنة لتنظيم الدروس بجامع الزيتونة، والنظر في شؤون الشيوخ والطلبة من جهة، كما قام بتأسيس المدرسة الصادقية من جهة ثانية في ٤ ذي الحجة ١٢٩١/ ١٣ يناير ١٨٧٥. وعلى إثره سعى روّاد الإصلاح من حوله إلى تأسيس الجمعية الخلدونية سنة ١٣١٤/ ١٨٩٧. وقامت حركة الشباب التونسي بالعمل على إنشاء وتطوير الحركة الطالبية الزيتونية (١). ترتيبات خير الدين: كان عمل خير الدين في هذا المجال متأثراً بالمنهج الذي دعا إليه في كتابه أقوم المسالك. نزع فيه منزع الرصانة والتجديد: الأصالة والتفتح. وكان من نتائج همّة هذا الوزير، بعد سنة من إنشائه للجنة الإصلاح الزيتوني التي تولّى رئاستها بنفسه، فراغ هذه اللجنة من عملها في ذي القعدة ١٢٩٢/ جويلية ١٨٧٥. وقد ضَمَّت لجنةُ تنظيم التعليم ووضع القوانين للزيتونة، إلى جانب الوزير خير الدين رئيساً، عدداً من أنصار دعوته من أهل العلم ورجال الحكومة، فكانت تتركب من الشيخ محمد العزيز بوعتور وزير

стр. 173

القلم، والشيخ أحمد ابن الخوجه المفتي الحنفي، والشيخ محمد الطاهر النيفر القاضي المالكي، والشيخ عمر ابن الشيخ مدرس، والشيخ محمد بيرم مدرس، والسيد العربي زروق. ودخل الأمر حَيِّز التطبيق بعد ستة أشهر من التاريخ المذكور. ويتكوّن قانون تنظيم الزيتونة من خمسة أبواب، تشمل سبعة وستين فصلاً: الباب الأول: يُعنى بالدراسات والكتب الواجب دراستها: ص ١ - ٦. الباب الثاني: يضبط واجبات المدرّسين، ويحدّد حصة الدرس بينهم بساعة ونصف الساعة: ص ٧ - ١١. الباب الثالث: ينظم شؤون الطلاب، ويقتضي منهم أن يكونوا مصطحبين لدفاتر الشهادات التي يسجل بها حضورهم الدروس، ونتائج امتحاناتهم. وهي الوثيقة المعتدّ بها لإعفائهم من ضريبة المجبى، ومن الخدمة العسكرية: ص ١٢ - ٣٢، كما يلزمهم النظام الحزم وحسن السلوك ومراعاة حرمة المعهد. الباب الرابع: يحدِّد طرق مراقبة العمل وسير الدروس بالجامع، وأحوال الطلبة وسلوكهم. وقد عهد بذلك إلى هيئة أسسها القانون، هي هيئة النظارة العلمية: ص ٣٣ - ٥٣. وجعل الامتحان سنوياً يبدأ في ١٣ يونيو من كل سنة بمقر الحكومة بدار الباي، بحضور موظف حكومي. الباب الخامس: مخصص لشؤون المكتبة وترتيبها وسير العمل بها. ثم صدر بعد هذا الأمر أمر جديد بعد شهر واحد من صدور

стр. 174

الأمر الأول. وهو يكِل مهمة تطبيق ما جاءت به الترتيبات إلى أمير الأمراء حسين وزير التعليم العمومي (١). ويمتاز ترتيب خير الدين بأنه أكثر من عَدَدِ العلوم التي تدرس بالجامع الأعظم، وحدّد كيفية ابتداء تعليم التلميذ، والعلوم التي يتلقاها أولاً، ومراتب التدريس للكتب، وشهادات الحضور، والسيرة، وترتيب التعليم من حفظ وفهم، كما حدَّدَ للدرس حصة زمانية، وللمدرسين صفة تقرير الدرس، وترتيب الدرس من قواعد وشرح وقراءة وتمرين، وجعلت طريقة التدريس طريقة الإملاء (٢)، وجعل الامتحان لتحصيل شهادة التطويع (نهاية للتعليم الثانوي) لمن زاول الدراسة بالجامع المدة المحددة وشهد له الشيوخ بذلك. كان أول من شارك في هذا الامتحان ١٣١٧ شيخنا الإمام الأكبر محمد الطاهر ابن عاشور. وكانت شهادة التطويع، شهادة للخرّيج الحاصل عليها بكونه ذا ذهن قوي، وعقل مدرك للحقائق، قدير على إيصالها إلى أذهان طالبيها. وهي تخوِّله التصدّي للإقراء (٣)، كما أحدث المناظرة بين المترشِّحين للحصول على خطة التدريس الرسميّة، وأوكل المراقبة العامة للنظار ولنواب الحكومة لسائر الأحوال العلمية، وللمطبوعات.

стр. 175

ثم تلا هذا قانون ثانٍ عزّز الأول، كان به ترتيب النظارة، وتسمية مستشار للمعارف ونائبَيْن عنه لمراقبة أحوال التعليم وإجراء التراتيب (١). من رواد الإصلاح: محمد البشير صفر، رئيس الجمعية الخلدونية: أما رواد الإصلاح من أنصار الوزير خير الدين، ومن غير الزيتونيين، فأبرزُهم وأقدرُهم رئيسُ بعثة المدرسة الصادقية إلى فرنسة محمد البشير صفر. يقول صاحب تراجم الأعلام عنه: اقتنع بوجوب تلبية داعي الواجب، فترك هو وأصحابه مواصلة الدراسة بفرنسة ليتولى بنفسه التوسط بين الأقلام العربية في الإدارة التونسية، والقلم الفرنساوي في إدارة الحماية. وعُهد إليه بإدارة فرع المدرسة الصادقية. وأنشأ علي بوشوشة صحيفته الأسبوعية الحاضرة في ٢٤ من ذي القعدة ١٣٠٥/ ٢ أوت ١٨٨٨. فكان محمد البشير صفر ركنَ التفكير والتحرير في هذه الصحيفة إلى جانب مؤسسها، ومن أبرز أعماله: خدمته للنهضة الفكرية، وسعيه في تأسيس الجمعية الخلدونية سنة ١٣١٤/ ١٨٩٦. وقد اضطلعت الخلدونية بمهام كبيرة: منها دروسها الحرة، لما كان من العلوم مهجوراً في التدريس بالجامع الأعظم، من علوم اجتماعية ورياضية وطبيعية. وتزاحم طلاب الزيتونة على دروسها، وأقبلوا على محاضرات الأستاذ محمد البشير صفر في التاريخ. فكانت تغص بهم القاعة

стр. 176

الكبرى للجمعية. وبرز دور هذا الأستاذ الإصلاحي العملي بسدّ الثغرات، وحسن توجيه الطلبة في مجالات الحياة، حتى نال الزعامة المطلقة، والإجلال العظيم، من الشبيبة الصادقية و طلبة الجامع الأعظم جميعاً (١). وعلى غرار هذا المصلح، وبروح متوثِّبة إلى التغيير والتكميل، سار الشيخ ابن عاشور، تدفعه همته العالية وروحه اليقظة، داعياً أمير البلاد، عند عودته من رحلته الباريسية، إلى وجوب العناية بجامع الزيتونة الأعظم وتعزيزه. وقد سبقت الإشارة إلى ذلك بذكر قصيدته الميميّة في تحية القدوم. طلبة الجامع الأعظم: حرص طلبة العلم على الإصلاح ونادوا به. وبرز هذا جلياً بإعلان الإضراب في ربيع الثاني ١٣٢٨/ أبريل ١٩١٠، مطالبين بتجديد برامج التعليم المعمول بها بالجامع الأعظم. وتتلخّص مطالبهم في: ١ - إعادة تنظيم التعليم الزيتوني وإصلاحه، من حيث المناهج الدراسية، والأساليب التربوية، مع الإلحاح على إدماج بعض المواد الضرورية في برامج الدراسة كالتاريخ والجغرافية، وعلى تعديل بعض المواد التقليدية المملّة. ٢ - إحداث شهادة ختم الدروس للمرحلة الأولى من التعليم الزيتوني "الأهلية".

стр. 177

٣ - مراقبة حضور المدرسين (١). ٤ - إعفاء الطلبة من المجبى، ومن الخدمة العسكرية. الشيخ ابن عاشور والإصلاح: كانت هذه المطالب وما يرتبط بها حاضرة ماثلة في ذهن الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور. وتوفّرت أسباب ذلك لديه: منها ما هو معروف بين الخاصة والعامة، وفي الأوساط العلمية الزيتونية، وحتى في الأوساط السياسية والاجتماعية. وهي إصلاحات الوزير خير الدين. وما كان يتلقاه مباشرة من آراء جدّه الوزير، وتصرّفاته بشأن إصلاح الزيتونة. وقد كان جدّه الوزير من علماء الزيتونة، تخرّج من بين عرصاتها، واغتذى بلبانها بالأخذ عن أشياخها، وتردّد طالباً على حلقات العلم بها، ثم تولّى تفقّدها وهو وزير، كما تولّى بنفسه الإشراف على اللجنة الأولى لإصلاح التعليم بجامع الزيتونة سنة ١٣١٦/ ١٨٩٨. وما لاحظه الشيخ ابن عاشور بنفسه، وهو طالب ومدرس بالجامع الأعظم، من مسيس الحاجة إلى الإصلاح في مجالات عديدة مختلفة. ومنها ما دعاه إلى المعالجة الفعلية لقضايا الإصلاح، وهو نائب الدولة لدى النظارة العلمية ١٣٢٥/ ١٩٠٧، ثم وهو قاضٍ، بوصفه عضواً في هيئة تلك النظارة، ثم بوصفه شيخ الإسلام، والشيخ المدير للجامع الأعظم.

стр. 178

كان الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور يدرك مدى العلاقة بين رجال العلم والإصلاح. فالشيوخ لم يكونوا يكترثون بالتعديل أو التغيير لتعليمهم من تلقاء أنفسهم، أو يظهرون الاهتمام به والالتفات إليه، إلا ما كان منهم بعد تأسيس الجمعية الخلدونية في ١٨ رجب ١٣١٤/ ٢٤ ديسمبر ١٨٩٦، كما كان يدرك موقف المشائخ وما يتلقون به مساعي المصلحين من الحكومة بالتذمر والضجر. لا يحملهم على ذلك إلا حرصهم على حرية التصرّف في معهدهم، كما كان أسلافهم، وعدم التقيّد بنظام أو التزام بترتيبٍ ينشأ عنه تدخّل في الدين ومنهج تلقينه وطريقة نشره وتعليمه. ومن ثَمّ لم يعيروا الإصلاحات الثانية اعتباراً، ومضوا مستهينين بها، ومخالفين لها، مجدّدين بذلك موقفهم الذي وقفوه قبل من إصلاحات المشير أحمد باي الأول. وانكمش خير الدين عن المضي في إصلاحه، تاركاً أشياء كثيرة لم يتمّها، كما توقّف المسؤولون في قطاع التعليم من رجال الحماية عن المشاركة في جهود الإصلاح، لما تقدّم به رجال العلم بالزيتونة من وصفهم للإصلاحات بكونها بدعة. وبدأ الشقاق يظهر بين الطرفين المحافظ والإصلاحي؛ فازداد الأول تمسكاً بموقفه، وأبدى دعاة الإصلاح رغبتهم في التغيير والتجديد وإصلاح التعليم العربي الإسلامي على وجه لا يزيل عنه صبغته المحمودة عند عموم الأمة. وقابل الجانب الفرنسي هذه الدعوة بالإنكار والإعراض، وقال مدير التعليم العمومي: أرجعوا تعليم جامع الزيتونة إلى المشايخ الأربعة وخلّوا بينهم وبين جامعتهم (١).

стр. 179

حركات إصلاح التعليم في القرن ١٤/ ٢٠ في ربوع المشرق والمغرب: إنا حين نؤكد على ارتباط الشيخ ابن عاشور بشيخيه النخلي وبوحاجب، لطول ملازمته لهما، وإفادته منهما، وسيره على وفق منهجيهما في العمل الإصلاحي، لا ننسى ما يشدّه من عرى المودة أو يصل بينه وبين رواد الفكر الإصلاحي في عصره. فقد كان له ارتباط متفاوت، إما مباشرة برجال الإصلاح في العالم العربي والإسلامي، وإما بما ذاع عن بعض قرنائه في هذا المجال من آراء واجتهادات وأفكار، لفتت الأنظار إليهم، واقتضت الاتصال بهم أو التعرف عليهم. * * *

стр. 180

١ - الأستاذ الإمام محمد عبده هو الأستاذ الإمام محمد عبده مفتي الديار المصرية، وزعيم الإصلاح بالأزهر الشريف. تأكدت به صلته عند زيارته الثانية لتونس في رجب ١٣٢١/ أوت ١٩٠٣. وحصل من التجاوب بينهما ما جعل القادم ينظر إلى العالم الشاب، نِظرة إعجاب لزكانته، ورجاحة عقله، وبعد نظره، وقدرته الفائقة البيانية، وحُسن تدبيره، وكريم مواهبه، ناعتاً إياه بسفير الدعوة في الجامعة الزيتونية. وحمل ذلك الشيخ ابن عاشور على التنويه بالزائر الكبير، والحفاوة به، والإشادة بمكانته العلمية، وآرائه وأفكاره الإصلاحية. ونحن نعلم أن هذا الأستاذ رغم اختياره في الإصلاح المنهجَ الثوري الذي اشتهر به، كانت له مبادىء وآراء عمل على نشرها والدعوة إليها ونفع الناس بها. ومجملها في مجال التربية والتعليم ما يعرب عنه قوله: "أمر التربية هو كل شيء ... وعليه يُبنى كل شيء ... وكل مفقود يفقد بفقد العلم، وكل موجود يوجد بوجود العلم. وأي إصلاح للشرق والشرقيين لا بد أن يستند إلى الدين، حتى يكون سهل القَبول، شديد الرسوخ، عميق الجذور في نفوس الناس. والناس في التعليم طبقات ثلاث: العامة، والساسة، والعلماء. ويجب تحديد ما يلزم لكل واحدة من هذه الطبقات الثلاث من التعلم كمّاً ونوعاً" (١).
следующие страницы →