← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

في أفكاره ونشاطاته بذور اليقظة والنهضة بما كشف عنه من مواقف، ودلّ عليه من نزعات. وقد عرّض به ذلك إلى غضب خُصومِه، من أصحاب الانقلاب بأفغانستان، وغضبِ الخديوي توفيق بمصر، والشاه بإيران، والإنجليز بالهند. وكان بعدَ ذلك مستهدَفاً لكل الأنظمة الجائرة في بلاد الإسلام قاطبة، لكونه زعيم المسلمين وداعية من أكبر دعاة الحرية. وكانت مجلة العروة الوثقى، التي تولّى إصدارها بمشاركة محمد عبده له بباريس، الصحيفة الذائعة، الناشرة لآرائه، والداعية إلى نهضة العالم الإسلامي واتحاده، وإلى الثورة على الاستعمار أين كان. وقد سارت على نهج العروة الوثقى مجلة ضياء الخافقين التي كانت تصدر عنه باللغة العربية والإنجليزية أيام إقامته ببريطانيا. أيقن السيد جمال الدين الأفغاني بتسلّط القوى الاستعمارية، وحِقدها وتهديدها لدولة الخلافة، ولسائر البلاد الإسلامية والعربية. وكان أولَ من آمن بسيطرة الغرب على الشرق الإسلامي، وكانت نظرتُه متفحّصة، دقيقة وواقعية، فتمثل عواقب ذلك فيما إذا طال عهدها وامتد سلطانها، وأدرك شؤم المستقبل وما سينزل بساحة الإسلام والمسلمين من النوائب الكبرى إذا هم رضوا بالمهانة وسكتوا عن الظلم. ودَفَعَه إيمانه بالقضية الإسلامية إلى تحريك العقول وإلهاب العواطف، والتأكيد على مراجعة النفوس وعلاجها وتنقيتها من أسباب الضعف والوهن، وتوجيهِها إلى أسباب القوة، معلناً بين أنصاره: "إنه متى ضعف ما كان سبباً في الصعود يحصل الهبوط والانحطاط، وإنه متى زال ما كان سبباً للسقوط يحصل الصعود" (١).

стр. 72

وهو لذلك يحذّر الشعوب العربية الإسلامية مما تردّت فيه من الانقسام والتفرّق. وحين يذكّر بما سبق لابن خلدون أن قرَّره من أنّ القوة في الدولة بالعصبية، تتحقّق بقيامها وتتأكّد بالحفاظ عليها، ينظر إلى المجتمعات الإسلامية، وقد اختلفت ديارها وتباينت أقطارها، وتعدّدت أجناسها وألسنتها، فيركز دعوته على مقوّمين أساسيين آخرين هما: الدين والاتحاد. فالدين لديه هو طريق السعادة وحقيقة المدنية. والتمدن الحقيقي مكافىء له تمام المكافأة، يتيح للإنسان الارتقاء فوق مراتب البهيمية، كما يسمح ببناء نظام اجتماعي متماسك متَّحد، يسعى لخير المجموع وسعادته داخل التجمع البشري الخاص والعام. ومن أجل هذا نرى السيد جمال الدين الأفغاني يهيب بالمجتمع الإسلامي إلى التمسك بدينه والحفاظ عليه وصيانته من التغيير والتلفيق، وما يتبع ذلك من الأوهام والشعوذات. وقد استمرت دعوته هذه قاعدة مُلهِمة لمعظم الحركات الدينية الإسلامية التي ظهرت في العالم الإسلامي حتى الحرب العالمية الأولى. والمقوّم الأساسي الثاني هو الاتحاد. فالاتحاد ضرورة للدول العربية والإسلامية. وهو الشعور بالترابط الجذري بينهم، وبالعروة الوثقى التي لا انفصام لها بَين جميع المؤمنين في أطراف العالم. وهو الطريق لرأب الصدع، وجمع الشمل، ودعم الصفّ، وتعزيز المواجهة لكل عدوان. وهكذا نجد الأفغاني يدعو - في واقع الأمر - إلى اتحادين: اتحاد ترتفع به الأمة الإسلامية متميّزة بأخلاقها ومنهجها وسلوكها وتضامن شعوبها ودولها، تقيم على أسُسه القطعيّةِ والثابتةِ هياكلَ مجتمعاتها وصرحَ جامعتها.

стр. 73

واتحاد دفاعي يَحمل عليه اعتقاد الأفغاني من زمن مبكّر أن جميع الشعوب النصرانية مجمعة ومتّفقة على عداء الإسلام، تأثراً منها بالروح الصليبية. وروح العداء هذه متمثّلة في جهد جميع هذه الشعوب جهداً خفياً مستتراً متوالياً من أجل سحق الإسلام سحقاً. وهو بعد أن يمضي في تفصيل تلك العداوة ومستلحقاتها، وما يترتب عليها، يقول مصوراً المنهج والسبيل لتحويل المجتمعات الإسلامية عما انتابها وحلّ بها: "وفي جميع هذا يوضح أن العالم الإسلامي يجب عليه أن يتّحد اتحاداً دفاعياً عاماً مستمسك الأطراف وثيق العرى، ليستطيع الذود عن كيانه، ووقاية نفسه من الفناء المهدِّد. وللوصول إلى هذه الغاية الكبرى يجب عليه اكتناه أسباب تقدم الغرب والوقوف على تفوّقه وقدرته" (١). وهكذا أعلن جمال الدين عن سياسته الثورية ضدَّ كل أسباب التخلّف، وضدَّ القوات الاستعمارية المغتصبة التي أصبحت الآمرة الناهية والمتصرّفة، بل المستبدّة بكل شؤون البلاد الإسلامية: تحكمُها بهواها، وتسيّرها وفق مصالحها وغاياتها. وما انتشرت آراؤه وكلماته هذه حتى تحوّلت دستوراً يخضع له كل أنصاره ومريديه. وترتبت عليه اتجاهات ثلاثة في العمل الوطني المصري: • الاتجاه الثوري الذي يمثله الضباط المصريون الواقعون تحت سيطرة الضباط الشراكسة، ويتزعّمه أحمد عرابي، وعبد العال حلمي، وعلي فهمي، ومحمد عبيد وأمثالهم. • الاتجاه الثوري الذي يؤمن بالشعب وقواه وطبقاته الكادحة،

стр. 74

ويعتمد في حركته على العامة والجماهير. وهو الذي تولّى قيادته عبد الله النديم، ومَنْ خَلْفه من المؤيدين والموالين له. • الاتجاه الثالث وهو اتجاه إصلاحي أكثر منه ثوري. يقوم على التربية والتعليم والاستنارة الفكرية. وهو الذي تقمّصه الشيخ محمد عبده، وعبّر عنه في مقالاته الإصلاحية التي نشرها في الوقائع المصرية. وكان من مناصريه: سلطان باشا، وسليمان أباظة، وسعد زغلول، وعبد الكريم سلمان، ومحمد خليل، وغيرهم (١). وقد كان من الطبيعي ظهور هذه الاتجاهات كلها .. وهي وإن اختلفت شكلاً فإنها كانت متضامنة يخدم كل اتجاه منها، حسب الظروف التي مرّ بها والخطة التي وضعها، المصلحة العليا للوطن التي تقتضي حشد كل الطاقات والجهود. * * *

стр. 75

٢ - الأستاذ الإمام محمد عبده هو الأستاذ الإمام محمد عبده حسن خير الله ١٢٦٦/ ١٨٤٩ - ١٣٢٣/ ١٩٠٥ فقيه أزهري. تخرّج من الجامع الأحمدي بطنطا، ومن الأزهر بالقاهرة. وكان من أساتذته الشيخ السيد جمال الدين. صاحبه ابتداءً من المحرم ١٢٨٧/ مارس ١٨٧١. وتلقى عليه بعض العلوم الرياضية والحكمية والكلامية، ودعا رفاقه إلى الالتحاق به في دروس الأفغاني والإفادة منه. وقد أغضب هذا شيوخ الأزهر وجمهرة من الطلبة. فتقوَّلوا عليه الأقاويل، وزعموا أن ما يتعلّمه من السيد يفضي إلى زعزعة العقيدة الصحيحة، ويهوي بالنفس في ضلالات تَحرِمُها خيري الدنيا والآخرة (١). وحصل محمد عبده على العالِمية وكان متفوّقاً على أقرانه، معتدّاً برأيه، ملازماً لشيخه. وهو رغم طول معاشرته له، وانتسابه إليه، وعمله معه، وأخذه الكثير عنه، اختلف عنه في آخر المطاف منهجاً وطريقاً، لكنه استمر متمسكاً بأصول الخطة الدعوية الإصلاحية، يربطه بها وبشيخه الوجدان والشعور. يشهد لذلك ما يترجم عنه قوله حين بلغه نعيُ أستاذه: "إن والدي أعطاني حياة يشاركني فيها أخواي علي ومحروس، والسيد جمال الدين الأفغاني أعطاني حياة أشارك بها محمداً وإبراهيم وموسى وعيسى والأولياء. ما رثيته بالشعر لأنني لست بشاعر، وما

стр. 76

رثيته بالنثر لأني لست الآن بناثر، رثيته بالوجدان والشعور لأنني إنسان أشعر وأفكّر" (١). بدأ محمد عبده حياته العلمية العملية بالتدريس للعقائد بالأزهر، وتدريس التاريخ بمدرسة دار العلوم والألسن. ودرّس بعد ذلك بالمدرسة السلطانية ببيروت التوحيد، ونهج البلاغة المنسوب للإمام علي، وديوان الحماسة لأبي تمام، والاشارات لابن سينا، وكتاب التهذيب في المنطق، ومجلة الأحكام العدلية، وبعد عودته إلى مصر تصدّر من جديد بالأزهر، وألقى مجموعة دروسه في التفسير التي استمرت ستة أعوام. وقد تولّى في الأثناء - كلّما رغبت السلطة في إبعاده عن القاهرة أو قرّرت إقصاءه عن التدريس - وظائف كثيرة هامة. فعُيّن أولاً عضواً بالمجلس الأعلى للمعارف العمومية بمصر، ثم وُلِّي قاضياً بمحكمة بنها، ونُقل منها إلى محكمة الزقازيق فمحكمة عابدين. ثم عُيّن مستشاراً لمحكمة الاستئناف، حتى اختاره خديوي مصر ٢٢ محرم ١٣١٧/ ٣ يونيو ١٨٩٩ مفتياً للديار المصرية. هذا وقد كان التدريس ألذَّ شيء وأمتعَه إليه. وحين أخذت الأعمال السياسية والتنظيمات من وقته زمناً ليس بالقصير، تعاون في أول الأمر مع أستاذه الأفغاني في حركة العروة الوثقى، وشاركه في إصدار المجلة المتحدّثة بلسانهما، وكتب المقالات الكثيرة فيها، ودخل معه الحزب الوطني، كما صار له ضلع في ثورة عرابي. وكان لهذا الاتجاه أثرُه، ولهذا التعليم أتباعُه. وتعدّدت فروع العروة الوثقى وانتشرت بأطراف البلاد، وأصبح لها ممثلون في كثير من العواصم العربية. وممّن انتسب إليها بتونس في تلك الفترة ثُلةٌ من أعلام

стр. 77

الفكر والنشاط البارزين يومئذ مثل محمد بيرم الخامس صاحب صفوة الاعتبار، ومحمد السنوسي صاحب الرحلة الحجازية، ومحمد النجار مؤلف بغية المشتاق في مسائل الاستحقاق، والعلامة سالم بوحاجب، والشيخ أحمد الورتاني العضد الأيمن لبيرم الخامس، والأستاذ محمود بن الطاهر جعفر، والشيخ حسونة بن مصطفى، أحد زعماء الحركة الاجتماعية، والسيد الشاذلي بن فرحات عامل الكاف (١). وقد اشتهر الأستاذ الإمام محمد عبده بشدّة عداوته للإنجليز. وشارك في تنظيمات ثقافية واجتماعية، مثل الجمعية السرية للتقريب بين الأديان، والجمعية الخيرية الإسلامية بمصر. وتعدّدت آثاره وتنوعت منشوراته؛ نذكر منها بالخصوص: رسالة التوحيد، والإسلام والرد على منتقديه، والإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، وقسم كبير من التفسير عرف بتفسير المنار، وفتاوى كثيرة وجريئة. كما نشر عدداً لا يحصى من المقالات في العديد من المجلات والصحف التي منها: الوقائع المصرية التي تولّى رئاسة تحريرها، والعروة الوثقى، والمنار وغيرها. وهكذا برزت شخصيته اللامعة الإصلاحية التي عرّف بها تلميذه شكيب حين قال: "كان جامعاً بين العلم والعمل، فلا نجد ما يساوي فضله وبلاغته وثقوب أفكاره، وقوةَ ملكته في الفلسفة، سوى علو مباديه، وبُعد همته، وغزارة مروءته، وطهارة أخلاقه، وهيهات أن يأتي الزمان بمثله" (٢). وكان توجهه للإصلاح بعد تجارب سياسية خاضها، ونشاطات

стр. 78

دعوية إسلامية أسهم فيها، بمصر وخارجها، كما كان لتنقُّلاته الكثيرة، بين مصر وبيروت وباريس ولندن وتونس والجزائر وغيرها من البلاد، أثر بعيد في تصوير العالم الإسلامي على حقيقته، وإدراك مختلف أوضاعه وأدوائه. وهو بعد سبْره لأغواره واستكناه أحوال مجتمعاته يقدمه لنا في صورة مؤلمة حزينة تكاد تتشابه - إن لم نقل تتطابق - فيها عامة الأقطار الإسلامية وشعوبها: "اختلفت الشؤون، وفسدت الملكات والظنون، وساءت أعمال الناس وضلّت عقائدهم، وخوت عباداتهم من روح الإخلاص، فوثب بعضهم على بعض بالشرِّ، وغالت أكثرَهم غوائلُ الفقر، فتضعضعت القوة، واختُرق السياج، وضاعت البَيضة، وانقلبت العزّة ذلّة، والهداية ضِلّة، وساكنتهم الحاجة، وألِفَتهم الضرورة، ولا يزالون نائمين عما نزل بهم وبالناس. فهلا نبّهَكم ذلك إلى البحث في أسباب ما كان سلفكم عليه، ثم بَحْثِ علَلِ ما صِرتم وصار الناس عليه". وسكت الإمام عبده مطرقاً جزَعاً، بعد إبراز هذا الواقع المرّ للمسلمين والبلاد الإسلامية، ثم أعاد علينا في ألم وحسرة ما تكاد ترتفع به أصوات الخاصة والعامة من حوله مجيبةً عن سؤاله: "ذلك ليس إلينا، ولا فرضه الله علينا، وإنما هو للحكَّام ينظرون فيه، ويبحثون عن وسائل تلافيه. فإن لم يفعلوا، ولن يفعلوا، فذلك لأنه آخر الزمان. وقد ورد في الأخبار ما يدلُّ على أنه كائن لا محالة، وأن الإسلام لا بد أن يرفع من الأرض، ولا تقوم القيامة إلا على لكع ابن لكع. واجتمعوا على اليأس والقنوط بآيات وأحاديث وآثار تقطَع الأمل ولا تَدَعُ في نفسٍ حركةً إلى عمل" (١).

стр. 79

وفكّر الأستاذ الإمام وقدّر، ثم فكّر وقدّر، من بعد أن رأى من جَهْل الناس بدينهم، ومن انتسابهم الصوري للإسلام، وأدرك أن سبب هذا البلاء ضعفُ التعليم في البلاد، وفوضَى المحاكم بها، وأن من الضروري أن يسلك منهجاً يتطلّبه الوضع ويمليه عليه الواجب. واتجه في التوِّ، حسب خطته العلمية الإصلاحية والتجديدية الدينية، إلى العناية بتلك المجالات في الداخل والخارج، ممهِّداً لذلك بتجارب ومحاولات كانت بعدُ ضمانَ نجاحه فى دعوته، وسببَ إنجازه لبرامجه وأهدافه. كان أولُ ما شغل بالَه من القضايا: التعليم بالأزهر؛ تدلّ على ذلك شكواه من وضعه، وإرادتُه وعزمُه على إدخال ما ينبغي من التغييرات عليه. وقد أُثِر من أقواله في ذلك: "إن نفسي توجّهت إلى إصلاح الأزهر منذ كنت مجاوراً فيه، بعد التلقي عن السيد جمال الدين. وقد شرعت في ذلك فحيل بيني وبينه، ثم كنت أترقّب الفرص، فما سنحت إلا واستشرفت لها، وأقبلت عليها، حتى إذا ما صادفتُ الموانع لَوَيتُ، وصبرت مترقّباً فرصة أخرى" (١). وهو أيام إقامته بالمنفى ببيروت لم يتخلّ عن التفكير في موضوع التعليم، فوضع لدولة الخلافة لائحة في إصلاح التعليم العثماني، ووضع ثانيةً في إصلاحه في القطر السوري، وثالثة لإصلاح التربية في مصر. واهتم بشؤون الأوقاف وإصلاحها، ووضع مشروعاً بترتيب المساجد. كما اهتم بالقضاء وأجهزته وأحكامه وقوانينه، وقدّم في ذلك تقريراً في إصلاح المحاكم الشرعية. وكانت عنايته بالفقه عناية فائقة ظهرت فيها نزعة اجتهادية كما

стр. 80

تدلّ على ذلك مؤلَّفاته وفتاواه الحرّة المطابقة لروح العصر. ولقد أوحى بتدريسه لمجلة الأحكام العدلية وحرصه على إبراز منافعها فكرةَ تقنين الفقه بمصر. وكان أولَ المتأثرين به في ذلك قدري باشا، الذي أفاد من جهود بعض الفقهاء والمعاصرين، ووضع بذلك كتاب مرشد الحيران الى معرفة أحوال الإنسان، في المعاملات الشرعية على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان (١). وما كان له أن يبلغ في مجالات الإصلاح هذه مبلغاً يذكر لو لم يستغلّ فرصة فترة الوفاق بينه وبين الخديوي عباس الثاني، وطلب منه إعانته في العمل لإصلاح المؤسسات التعليمية والتربوية والاجتماعية الثلاثة: الأزهر والأوقاف والمحاكم الشرعية. فعُيّن عضواً ممثلاً للحكومة بإدارة الأزهر، كما اختير عضواً في مجلس شورى القوانين، ومجلس الأوقاف. وهو وإن آخذه حُسَّاده أو خصومُه على تقرّبه من الحاكم بمماشاته للسلطة وللدولة المحتلّة، فقد كان ذلك منه سياسةَ مداراة للأوضاع المؤلمة والأحوال الخطيرة، طلباً لتحقيق الإصلاح في جوانب متعدّدة من حياة الأمة. وقد أيّده في ذلك من كان بصيراً بما آلت إليه مصر، وبما انتهى إليه أمر المسلمين بها حين قال: "كنت أعلم أنه ما أراد إلا تخفيف الداء، وتقريب أجل البلاء، وتمهيد طريق الجلاء، وما زال شأنه يعلو، وحقيقته تظهر، وجوهره ينجلي بالحك، وعقيدة فضله تتمحّص من الشك، إلى أن اتفق الناس على كونه أحد أفذاذ الشرق الذين قلّما جاد بهم الدهر، وواسطةَ عقد المصلحين المجددين في هذا العصر. وظهر أن طريقته الإسلامية العصرية ستزداد

стр. 81

مع توالي الأيام انتشاراً، وتكون هي طريقة المستقبل" (١). وهكذا تمكّن بموجب القانون والتعيينات السامية من أن يباشر، مع ثلة من العلماء والفقهاء الداعين بدعوته، القيام بإصلاح الأوضاع المتردّية في المؤسسات الثلاث تحقيقاً للخير، ونشراً للعلم، وتوفيراً للعدل. وفي مجال التجديد الديني أعاد للأمة روح انتمائها لدينها بما نشره من مقالات، وألّفه من كتب، وألقاه من خطب، وقرّره من آراء في دروسه أينما حلَّ بالبلاد التي عقدت له فيها مجالس، أو أقام بها دعوة. وهكذا حرّر معنى الإسلام في أجلَى حقيقة وأكمل صورة، حيث ركّز الدعوة المحمدية على الدين الخالص الذي لا يتم إلا بالالتزام بما ورد في سورة الإخلاص، من تحقيق المفاضلة بين الإسلام عقيدة التوحيد وبين ما سواه من الأديان، واكتشافِ معالم الاختلاف الجوهري الكامل بينهما قولاً وفعلاً، اعتقاداً أو إيماناً، ومن التمسك بالمنهج الكامل للحياة الذي يُشيع في النفس المؤمنة جملةَ تصورات ومشاعر واتجاهات منها منهج عبادة الله وحده، ومنهج التوجّه واللجوء إليه وحده، ومنهج التلقّي عنه وحده، ومنهج التحرك به والعمل له وحده، وإنه لمنهج يَرِبط مع ذلك كله بين القلب البشري وكل موجود برباط الحب والأمن والتعاطف والتجاوب. ومن ثم فإن التوحيد أو الوحدانية التي لا يمكن أن نجد صورتها كاملة إلا في الإسلام تُمثّل: أولاً: طاقة محرّرة من الطراز الأول للإنسان، بها تَطهَّر العقول من الأوهام الفاسدة والعقائد الخرافية، ويرتفع بها المؤمن الموحِّد إلى أسمى مراتب الكرامة والكمال.

стр. 82

وهي ثانياً: تحرِّرُ المرء من العبودية لكل موجود سوى الله، فتتقرّر عن طريقها المساواة بين الناس، ويقوم على أساسها المقياس الإسلامي للتفاوت بينهم بسبب ما يتمايزون به من علم وتقوى أو يتفاوتون به من كسب وعمل. وإن التوحيد ليحمل ثالثاً: على اقتلاع التقليد من النفوس، وتزكيتها من التماس الشفعاء والخضوع للأوهام. وهكذا فهو يحرّر العقل من كل سلطان تقليدي، ويعود به إلى مملكته يقضي فيها بحكمته، مع الخضوع في ذلك لله وحده، والوقوف عند شريعته التي لا حدَّ للعمل في منطقة حدودها، ولا نهاية للنظر في فسيح أحكامها وسعة تشريعاتها. وهو يقوم رابعاً كما يقول الدعاة: على رد الكثرة للوحدة، وتغيير الأوضاع من الفرقة والتشتت إلى الألفة والتجمُّع في مجالي العقيدة وبناء الحياة الاجتماعية. فالإسلام، مع كونه ديناً وعقيدة وشريعة ومنهج حياة، يتضمن أمرين عظيمين، طالما حُرم منهما الإنسان؛ هما: استقلال الإرادة، واستقلال الرأي والفكر. فبهما تكمل إنسانيته، وبهما يستعد لأن يبلغ من السعادة ما هيأه الله له بحكم الفطرة التي فُطر عليها (١). وبهذا التصور يداخلُ الإيمانُ النفوس الكريمة: يزكّيها ويملؤها إيقاناً وهدى وتقوى، ويدافع الانحرافات والضلالات كلَّها التي استشرت في المجتمع الإنساني بسبب العدول عن الحق وإشاعة الأراجيف والأباطيل من دعاة الشرك وأصحاب الأهواء. * * *

стр. 83

٣ - السيد محمد رشيد رضا هو السيد محمد رشيد رضا ١٢٨٢/ ١٨٦٥ - ١٣٥٤/ ١٩٣٥ فهو شامي النسبة من قرية القَلْمون من أعمال طرابلس الشام. زاول المرحلة الأولى من تعلّمه بالكتاب، ودخل بعد ذلك إلى المدرسة الرشدية التي كانت تدرّس بالتركيّة، ثم انتقل إلى المدرسة الوطنية الإسلامية حيث درس العلوم الشرعية والمنطق والرياضيات والفلسفة الطبيعية. وتخرّج بها على الشيخين حسين الجسر ومحمود نشابة. وفي هذه المرحلة وقف على أعداد من مجلة العروة الوثقى التي كان لها كبير التأثير في توجُّهه الإصلاحي. واتصل بعد ذلك بأستاذه وصاحبه الشيخ محمد عبده. لقيه بمصر ولازمه طويلاً، وانتسب إلى مدرسته الإصلاحية، وبعد غياب العروة الوثقى التي لم يصدر منها أكثر من ثمانية عشر عدداً، واختفاء مجلة الأستاذ التي كان يصدرها عبد الله نديم المصري، بادر محمد رشيد رضا إلى إنشاء المنار ١٣١٦/ ١٨٩٨، لإحياء تعاليم العروة الوثقى، والتعريف بقواعد الوحدة الإسلامية، مع البحث في البدع، وتفصيل القول في التعاليم الفاسدة والعقائد الزائفة، والدعوة إلى التربية المفيدة، وبثّ المضمون السياسي للجامعة الإسلامية عن طريق الإصلاحين الديني والتربوي. وقد أكّد على صفحات المنار أن هذا الإصلاح لا يحصل بعمارة المساجد والتكايا، ولا بالإنعام على بعض الشيوخ أو أهل الحجاز بالرتب والرواتب والوسامات، بل لا بد في ذلك من أعمال تناط

стр. 84

بالحكام، وأعمال تطلب من العلماء وأصحابِ الوظائف الدينية ... وأهم أركان الإصلاح الإسلامي جمع كلمة المسلمين على عقيدة واحدة، وأصول أدبية واحدة، وقانون شرعي واحد (١). ولقد كان لمجلة المنار دور أي دور إصلاحي في العالم الإسلامي والبلاد العربية. كانت المَعلَمَة الإسلامية الكبرى التي لا يستغني مسلم في هذا العصر عن اقتنائها (٢). وكانت لصاحبها مجدِّد السلفية آثار جيدة تخدم منهجه وتنشر آراءه. نعدُّ منها تفسير المنار، وتاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده، ونداء إلى الجنس اللطيف وهو بيان حقوق النساء في الإسلام، والوحي المحمدي والوحدة الإسلامية، ومقالات كثيرة أخرى. ولا نجد من يقدم هذا الإمام من معاصريه وينوّه به مثل شكيب أرسلان فهو يقول عنه: لا يسدّ مسدّه أحد في الإحاطة والرجاحة وشحذ الفكر وسعة الرواية معاً، والجمع بين المعقول والمنقول، والفتيا الصحيحة الطالعة كفلق الصبح في النوازل العصرية ... كما أنه لا يدانيه مُدانٍ، مع الرسوخ العظيم في الفقه، والطبع الريان في العربية، والقلم السيّال بالفوائد في مثل نسق الفرائد، والخبرة بطبائع العمران وأحوال المجتمع الإنساني ومناهج المدنية وأساليبها، وأنواع الثقافات وضروبها ... ولقد عدّ من كبار الأئمة. أسّس بمصر مدرسة الدعوة والإرشاد، وتولّى بسورية رئاسة المؤتمر الإسلامي. وله من المواقف الشريفة في النضال الديني عن الإسلام والدفاع عن عقيدته الصافية، ومن الكتب الجدلية في الرد

стр. 85

على أعدائه ما لا يقدر أحد في عصرنا هذا أن يدرك فيه شأوه أو يبلغ فيه مُدّه ولا نصيفه (١). نازع الأهرام والمقطم ادعاءهما أن الدعوة إلى الجامعة الإسلامية باسم الدين مضرّة وغير موصلة إلى غاية، وأنه لا سبيل إلى ترقّي الأمة الإسلامية إلا باتباع أوروبة كما فعلت اليابان، فكتب عن الإسلام والجنسية. ودعا إلى تأسيس منظمة تناط بها ثلاثة أعمال رئيسية: أولها تلافي البدع ومقاومتها، ثانيها إصلاح الخطابة، ثالثها الدعوة إلى الدين. ومن أهم النتائج التي كان يحرص على تحقيقها توحيد البلاد الإسلامية وجمع كلمتها. وسبيل ذلك في رأيه تعليم التربية العملية، والتعليم الديني والدنيوي الصحيح، بفضل رجال عارفين بحاجة الأمة، قادرين على التعليم. فإن هذا العمل هو الذي تقوم عليه النهضة، ويتوقّف عليه الاتحاد الإسلامي (٢). وهذا الإصلاح الذي نادى به، وكاد يحصل الاتفاق عليه من طرف الدعاة مشروط لديه بجملة شروط؛ بعضها يتعلق بطبيعة الحكم في البلاد الإسلامية، وبعضها الآخر يرتبط باستعداد الأمة وقابليتها للإصلاح، والشرط الثالث يبرز في منهج وطريق المصلحين والدعاة. ولقد فصّل القول في هذه الأغراض مبيِّناً ومعلِّلاً، ناقداً وموجهاً، مثلما يظهر ذلك في الإصلاح والإسعاد على قدر الاستعداد (٣)، وفي منافع الأوروبيين ومضارهم في الشرق (٤)، وفي مقاله: ﴿وَمَا كَانَ

стр. 86

رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (١)، ومحاورة في دعوى ضرر الدين والجامعة الإسلامية (٢). وطبعي أن يكون من نتائج هذه المواقف معارضته للقضية التغريبية وحملتها، ودعوته إلى التكافل العام بين المسلمين الذي لا يتم عنده إلا بمعرفة مجموع الأمة بحقوقها ومصالحها المشتركة معرفة صحيحة تحملهم على الاتفاق على حفظها وصيانتها، بحيث إذا عبث بها عابث أو نال منها ظالم ينفعل ذلك المجموع، ويهبُّ للذود عنها وحفظ كيانها (٣). عرف ذلك منه القاصي والداني، واشتهر منهجه الدعوي الإصلاحي في أطراف البلاد المشرقية والمغربية، وقامت على أساسه مدرسة قوامها التعريف بالإسلام وعلومه، والذود عن قيمه وأصوله، وتنقيته من كل الشوائب، والتخطيط للنهضة الإسلامية بإقامة جامعتها وبناء اتحادها الإسلامي على الأصول الشرعية والمبادىء الإسلامية والمقومات الذاتية المميزة للملة. فكان ذلك، بين الأمس واليوم، منطلق أمجادها وسرّ تجددها وخلودها. * * *

стр. 87

٤ - الأمير شكيب أرسلان هو الأمير شكيب بن الأمير حمود أرسلان، رفيق جمال الدين بمصر والقسطنطينية، وتلميذ محمد عبده ببيروت، وصديق رشيد رضا بمصر وجنيف ١٢٨٦/ ١٨٧٩ - ١٣٦٦/ ١٩٤٦ فهو لبناني. مولده بالشويفات، وتعلّم بمدرسة الحكمة ثم بالمدرسة السلطانية مع انتساب إلى محمد عبده، وتخرّج به في دروسه ومجالسه الخاصة. ولما بلغ أشدّه واستقبل الحياة كان لنشاطه وجهان: أحدهما إداري ثقافي، والثاني فكري جهادي. أما الأول فتقلُّبه في عديد من الوظائف في بلاده. فمن مدير للشويفات، وقائم مقام الشوف، إلى عضو نائب عن حوران بمجلس المبعوثان (البرلمان العثماني)، ومن شاعر وكاتب وأديب إلى عضو بالمجمع العلمي العربي بدمشق. وأما الثاني فعمله الفكري الإصلاحي والجهادي، الذي قضى فيه طوال عمره، يُعنى في الدرجة الأولى بالمسائل السياسية كالمسألة الشرقية، والمسألة الإسلامية، والمسألة العربية. فلمع اسمه، وذاعت مقالاته وانتشرت كتبه. وكان له في كل منتدى أثر، وفي كل بلد عربي أو إسلامي وقع، بحكم دفاعه عن القضايا المقدسة، وبذله الجهد في الرد على القوى الاستعمارية وكشفه للمخططات الغربية، ومناداته بالتعبئة الكاملة لمواجهة التحدّيات واسترجاع العزة والكرامة وتحرير الأوطان.

стр. 88

عرف هذا عنه في كل بلد نزل به أو أرض وطئتها قدماه. وكان لكثير تنقُّله في البلاد بين لبنان ومصر، والقسطنطينية وطرابلس الغرب، وبلاد اليمن والمغرب، والبلاد الأوروبية وخاصة جنيف بسويسرة، مظهر بارز لنشاطاته، وسبب أكيد للإعلان عن مواقفه وآرائه. وقد نجد تفصيل ذلك كله في جملة من الدراسات والكتب التي نذكر في طليعتها محاضرات سامي الدهان عن الأمير شكيب التي ألقاها في معهد الدراسات العربية العالية في جامعة الدول العربية ١٩٥٨، وكتاب أحمد الشرباصي أمير البيان شكيب أرسلان الذي أصدره ١٩٦٣، وذكرى الأمير شكيب تصنيف محمد علي طاهر ١٩٤٧ الذي يضم أكبر مجموعة من أقوال الأمير التي يتحدث بها الناس بعد وفاته، وخاصة أصدقاؤه وأصحاب الصلة به ممن جرى على قدمه أو أراد التعريف به. هذا، وقد ارتسمت كل هذه الجهود وما أعربت عنه من اتجاهات فكرية، إصلاحية أو سياسية، في النوعين من إنتاجه واللونين من نشاطه. نلمس ذلك أولاً في ديوان شعره ١٨٨٧، وفي الدرة اليتيمة لابن المقفع ١٨٩٣، وفي رواية آخر بني سراج ١٨٩٧، وفي رسائل أبي إسحاق الصابي ١٨٩٨، وفي الحلل السندسية في الرحلة الأندلسية. وثانياً في كتبه ومقالاته وتعليقاته واستدراكاته، مثل لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرُهم، وغزوات العرب في فرنسة وإيطالية وسويسرة، وكتاب ابن خلدون، وتمثّل الموسوعةَ أو المعلمة الإسلامية تعليقاتُه الضافية على حاضر العالم الاسلامي للمؤرخ الأمريكي لوثروب ستودارد. وهي التي ترجم فيها للعشرات من الرجال من ملوك وأمراء وقادة ومصلحين ومجاهدين وعلماء وأدباء

стр. 89

في العالمين الإسلاميين الآسيوي والإفريقي. وحديثه عن العالم الإسلامي أجزائه وأقطاره، أحواله ومذاهبه، وعن الجامعة الإسلامية التي آمن بها نظراً وفكراً، ودراستُه للمذاهب والمدارس الصوفية التي كانت مدارس تهذيب ونَشْرٍ للإسلام في البلاد النائية وخاصة في إفريقيا، وحديثُه عن الشرق والغرب، وعن اليقظة الإسلامية، وغير ذلك من القضايا الشائكة، والموضوعات الهامة التي وإن لم تتسع لها أحياناً تعاليقه على حاضر العالم الإسلامي، فإننا نجدها في المنار التي ظلَّ ينشر على صفحاتها طوال سبعة أشهر من سنة ١٩٢٢، مثل مقالاته في الكشف والبيان حول مآسي الحرب الكونية. كان شكيب أرسلان يتابع الأحداث ويتدبّر ما تفرزه من قضايا ومشاكل. فموقفه من الأتراك الذين انقسموا فئتين: واحدة وقفت إلى جانب الاتحاديين العثمانيين مع ألمانية، والأخرى مجافية ومعادية لها، ابتعدت عنها ودعت إلى تأسيس دولة غربية مستقلة، يدل على تقديره للظروف وعمق نظره في تطورات الوضع، وحكمه على الاتجاهين بالخيبة التي باءا بها حين استشرى الداء واقتسم الإنجليز والفرنسيس الأقطار أو الإيالات التي كانت تابعة للدولة العثمانية، وفرضتا عليها باحتلالها ألواناً من الاستعمار السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي. وهو من الدعاة العمليين النشيطين للجامعة الإسلامية، مَثَلُه في ذلك مَثَل صديقه محمد رشيد رضا. ولئن كان وَضْع العرب سيئاً بسبب فقدانهم أسباب التقدّم، التي كانت ظاهرة مميّزة لهم، وتلطُّخِهم بالرذائل الأخلاقية التي تقصيهم عن حقائق الإسلام وأسرار تشريعاته، وبتنكرِهم للتربية الأخلاقية التي جاء بها الدين، ثم باستخذائهم وشعورِهم بالغلبة والقهر، وعدمِ القدرة على التجديد والبناء والعمران. فإنهم كانوا يحتاجون في نظره

стр. 90

إلى تغيير واقعهم بالأخذ بالتربية والتعليم، والتطلع إلى معالجة جملة من الجوانب؛ منها الديني العقدي، والتربوي الأخلاقي، ومنها الأوضاع السياسية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية للعالم الإسلامي. وهكذا نجد الأمير شكيب يلخّص آراءه وجملة أصول دعوته في نقاط لا بد من الوقوف عندها والتأمل فيها؛ وهي تلك التي أودعها تقديمه لكتاب حاضر العالم الإسلامي الذي نسب إليه حيث غلب الفرع أصله وتقدّم به المعلِّق على واضعه. فهو يصور أولاً المجتمع الإسلامي بالوضع الذي تردّى فيه بسبب الحملة الصليبية وما تبعها من عداء جنسي عرقي، وتكالب استعماري، قائلاً: "فالعالم الإسلامي الذي لا يزال محورَ سياستهم قهرهُ وإعناته، وتجريدُه من السلاح بكل وسيلة، والحيلولةُ بينه وبين الاتحاد والتماسك بكل حيلة، احتياطاً من وراء رسفانه في قيوده الحاضرة، وأماناً على ديمومة خنوعه لسلطتهم القاهرة، لا يصح أن يُقال إنه بلغ من النهضة الدرجة التي تكفل له حطم سلاسله المثقلة، واسترداد ممالكه العريضة الطويلة، واستئناف معاليه الخالية، ومصيره مع العالم الأوروبي إلى حالة متساوية" (١). ثم يؤكد ذلك بذكر نتائج هذا الوضع القائمة إلى اليوم في أطراف العالم الإسلامي، فيدعو إلى التغيير بالعمل الجاد، والتصدّي للأعداء، والثبات على الحق: "نعم صار المسلمون، إلا الأقل منهم، إلى زمان لا تغني عنهم كثرتهم شيئاً، بل صارت الفئة القليلة من غيرهم تتحكم في الفئة الكثيرة منهم ... وراح الأجنبي يفتح بلدانهم بهم، ويسلط بعضهم

стр. 91

على بعض، ويقتل هذا بذاك مستفيداً من قتل الاثنين ... وإذا سألت أحدهم: لماذا إعطاء هذه المقادة كلها، واقتحام الموت في سبيل الأجنبي الذي تَغَلَّبَ عليه؟ أجابك أنه إنما يساق إلى الموت رغماً. والحال أن الموت الذي يخشاه في عصيان الأجنبي هو ملاقيه في طاعته! فهو من خوف الموت في موت، ومن حذر العذاب في أشد العذاب. فلا بد لاستقلال الإسلام من زوال هذه الأوهام، ولا بدّ من انتشار المعارف التي لا تجتمع مع الذل في مكان. ولا تبرح دون تلك الغاية مصاعبُ وقُحم، ومصائبُ وغُمم، وليالٍ مظلمة طوال، ومعارك تشيب لها ذوائب الأطفال" (١). وبروح المجاهد المؤمن يرد على مكائد المثبّطين الداعين إلى اليأس والقنوط والرضا بالدون، فينفي مقالاتهم ويبطل دعاويهم: "ومِن أعظمِ الخطأ الظن بأن الشرق لا يلمّ على شعث، وأن آسية وإفريقية لن تنهضا من عثار، وهما ثلثا العالم. ولقد سار الشرق في مدة وجيزة عقبات جياداً، واجتاز أزمات شداداً، وهو ماضٍ في سيره إلى الأمام. لا سبيل بعد اليوم إلى تعويقه، ولا حاجز يمكن أن يقف في طريقه، بدسائس تُلْقَى، ومبالغ سرية تُنفق، وأخلاق تُفسد، وذمم تُشترى، وأشراك تُبَث، وأسياف تُسَل. ولا المحلّقات في الجو تقدر على كم الأفواه، ولا الغازات السامة تقوى على إطفاء نور الله. ولا تزيد هذه الوسائل تلك الأمم المستضعفة إلا شوقاً إلى الحرية، ونداء إلى الثارات، وإصراراً على الضغائن. ومهما يكن من حيل العباد فللكون سَنن هو سائره، ولله أمر هو بالغه" (٢).

стр. 92

وفي نهاية تلك المقدمة يقرر الأمير شكيب أن نهوض الشرق هو الشرط الأول في سؤدد السلام، وراحة الأنام، وحقن الدماء الحرام، وحفظ موازنة العالم واستواء الأقسام. ويلتفت إلى المستضعفين داعياً إلى أسباب النهضة وموجبات القوة والمنعة قائلاً: "فلا مندوحة للأمم الشرقية عن الاقتداء باليابان في التماس المنعة، ومضارعة الدول الغربية في ارتياد العلم واقتباس الصنعة، حتى إذا قرع النبع بالنبع، ووقع النصل على النصل اقتنع كلٌّ بدياره، وأمسك الجار عن هضم جاره ... فليحرص الشرقيون من كل فريق أن يكونوا أُولي قوة مانعة، وأن يوحّدوا كلمتهم فيجعلوها كلمة جامعة. فإنّ بقوتهم خلاصَ الغرب والشرق، والإدالة من الحرب إلى السلم، ومن الباطل للحق، بفضل الله وكرمه" (١). * * *

стр. 93

بدء النهضة الفكرية بتونس وبلاد المغرب كان تأثير هذه الثلة من الساسة والمفكرين والعلماء والمصلحين ملموساً بوضوح في كل مجالات الحياة في بلاد الإسلام عامَّة، وفي المشرق العربي وبلاد المغرب خاصة. وكان هذا التأثير عميقاً تتجاوب أصداؤه في بلاد الخلافة وسائر الولايات الخاضعة لحكمها والتابعة لها. وقد كانت الدول الاستعمارية، بقدر مُداراتها للباب العالي وكيدها له ومهاجمته، تسعى بكل الوسائل للتقليل من شأن أولئك الزعماء ومطاردتهم أينما كانوا، غير أن هذه المعاملة الشرسة لم تزد دعوتهم إلا توهُّجاً، ومناهجهم إلا انتشاراً في مختلف الأقاليم، عن طريق المحاضرات واللقاءات والصحافة والنشر. وكان حظ تونس من ذلك هامّاً بما ظهر فيها من تيارات إصلاحية وحركات فكرية ومدارس علمية، إليها يرجع الفضل في حماية البيضة والملة، والحفاظ على الهوية، مع السعي إلى التطوير والتغيير للأوضاع البالية والعقيمة، والحرص على الأخذ بأسباب التقدّم والتفوّق من الحضارة الغربية الجديدة، تنبيهاً للعقول، واستدراكاً لعوامل الرقي والمنَعة. وكان يمضي بالمجتمعات التونسية نحو التلاحم والوحدة وإصلاح الأحوال في كل مجالات الحياة قادةٌ

стр. 94

مَهَرة، ورجالٌ دأبوا على مناهضة الجهل ونشر العلم والقضَاء على الظلم وإقامة العدل. ومن أبرز عناصر هذه الطائفة الراشدة علماء وأدباء وساسة ومفكرون، منهم من تقدم بقليلٍ مولدَ صاحبِ المقاصد، ومنهم من عاصره ممن كان له الأثر المباشر في حسن تنشئته وكمال تكوينه. ولعل من المفيد أن نُعرّف بهذه الثلة المتميّزة ليكون ذلك تمهيداً وتوطئة لترجمة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور الثاني. فقد احتك بدون شك بمناهجها الإصلاحية، واستوعب أذواقها وآدابها الاجتماعية، وتأثر بتياراتها العلمية والفكرية. وهي بحسب الواقع والظاهر متجانسة العناصر، متكاملة المزايا والمفاخر، يمكن تقديمها وتصنيفها باعتبار مميزاتها وخصائصها وآثارها في الحياة العامة إلى مدرستين؛ الأولى: سياسية إصلاحية، والثانية: علمية فكرية. وعماد المدرسة الأولى خير الدين باشا وأنصاره من أمثال الوزير المؤرخ ابن أبي الضياف، والشاعر المبدع قابادو، والعالم الذائع الصيت بوحاجب. وتضم الثانية جدَّي مترجمنا العلامة محمد الطاهر ابن عاشور الأول، والوزير العالم محمد العزيز بوعتور، والشيخ سالم بو حاجب. * * *

стр. 95

١ - السيد خير الدين باشا إن قطب المدرسة الإصلاحية وقائدها هو المصلح الفذ أبو محمد خير الدين باشا التونسي الصدر الأعظم للدولة العلية ١٢٣٨/ ١٨٢٠ - ١٣٠٨/ ١٨٩٠. نطقت بفضله المآثر الخالدة في الحواضر والبوادي، والأحاديث التالدة في المحاضر والنوادي، منوِّهة بدوره الإصلاحي في تاريخ الإسلام قاطبة، ومشيدة بأياديه على الملة والوطن (١). وينحدر أبو النهضة التونسية في القرن الثالث عشر الهجري - التاسع عشر الميلادي، من قبيلة شركسية هي الأبازة أو الأبخاز، كانت تقيم بالشمال الغربي من بلاد القوقاز. نُقِل مملوكاً في صغره إلى بيت تحسين باي نقيب الأشراف وقاضي جند بلد الخلافة بإستنبول، ومنها استصحبه خريفَ ١٨٣٩ إلى قصر الباي بتونس رسول أحمد باي إلى السلطان عبد المجيد. فتلقى من المعارف ما كان ضرورياً لمن سيكون عضواً في حاشية الطبقة الحاكمة. وانخرط في الجندية متدرِّجاً بين جميع رتبها من خيّالة المماليك سلاح النخبة إلى أن بلغ رتبة فريك (فريق) - وهي الرتبة العسكرية التي تلي رتبة الباي - في أكتوبر ١٨٥٣. ومن حين إقامته بالآستانة وهو صغير، ثم من وقت وصوله إلى تونس التي استقر بها واتخذها وطناً، تهيأت لخير الدين فرص

стр. 96

ومناسبات كان بها تمامُ تكوينه وتحديدُ اتجاهه، كما كان لها أبعد الأثر في اضطلاعه بدوره الإصلاحي العظيم الذي وهب له نفسه، وفاق به نظراءه في بلاد المشرق. يشهد لذلك (ج. س. فان كريكن) في مقدمته التي صدّر بها الطبعة العربية لكتابه حين يقول: "وكان خير الدين الأول من بين العديد من المسلمين في القرن التاسع عشر الذي حاول جاهداً تحليل أسباب انحطاط الأمة، ولم يكن له من هدف في صنع مؤلَّفه أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك إلا تقديم العلاج لما انتابها من صنوف الضَّعف والوهَن" (١). وترجع تلك الفرص والمناسبات أولاً إلى إقامته بالآستانة قبل انتقاله إلى تونس، وثانياً إلى اتصالاته بالشيخ محمود قابادو، وبالضباط الأوروبيين الذين كانوا يعملون بالمدرسة الحربية بباردو، وثالثاً إلى تأثّره بالحياة في باريس التي أقام بها سنوات عدة. ففي إستنبول عاش أبو محمد ظروفاً تاريخية، اجتماعية وسياسية، كانت تدفع بالسلطان محمود، ومِن بعده بولديه السلطان عبد المجيد والسلطان عبد العزيز، إلى اتخاذ ما يلزم من إجراءات للقضاء على الاضطرابات الحاصلة في السلطنة، وعلى الولاة المنحرفين ولاة الممالك البعيدة الذين شقوا عصا الطاعة، وامتنعوا من الانقياد لأوامر الدولة، وأطلقوا أعنّة الأغراض والشهوات، وتصرفوا بمقتضى أهوائهم بدون قيد شرعي أو سياسي مما يسّر للأجانب التدخل في أحوال المملكة وإفساد سياستها بما يناسب أغراضهم (٢). وأُعلنت التنظيمات الخيرية، فعُوّضت عساكرُ الانكشارية بالعسكر النظامي، وقطع دابر أمراء الإيالات "الدرابي"، فانقطعت

стр. 97

بذلك المظالم الناشئة عن ذينك الفريقين، وضبطت أسس تصرّفات الدولة في الحال بإعانة من رجال الدولة وعلمائها العاملين (١). وقد انقسم الناس حول تلك التنظيمات، داخل المملكة وخارجها بالولايات التابعة لها، ودعا السلطان الولاة إلى الأخذ بها وتطبيقها في إيالاتهم، خصوصاً بعد ما ظهر من تأييد العلماء لها، وحكمهم بموافقتها للشرع، فأظهروا التقاعس في الإجابة لها، والتردّدَ في قبولها، والنفورَ منها. وبالإيالة التونسية التي أظهر بها والي الدولة العلية أحمد باي ميلَه إلى تكوين جيش نظامي عصري يضاهي جيش دولة الخلافة ومصر، تكوّنت المدرسة الحربية بباردو في ٥/ ٣/ ١٨٤٠. وكان الباي يطمح من ورائها إلى تكوين أكاديمية كالأكاديميتين العسكريتين بإستانبول وبالقاهرة، جاعلاً الهدف منها تلقين طلبتها ما يلزم العسكر النظامي من العلوم؛ كالهندسة والمساحة والحساب وغيرها مما يعدّ آلة التقدم الحقيقي، وكذلك تعليمهم اللغة الفرنسية التي كتبت بها مصنفاتهم العلمية، واللغة العربية والإسلام اللذين يحتاجونهما لحياتهم اليومية (٢). ووجد هذا الاتجاه صدى عميقاً في نفس خير الدين؛ فهو رغم عدم دخوله هذه المدرسة، وانتسابه إليها كالوزيرين حسين ورستم، قد كان ذا صلة متينة بأحد أساتذتها العالِم والكاتبِ الشاعرِ محمود قابادو الذي يدرّس طلابها العربية والإسلام، والمُراجع لترجمات نحو أربعين كتاباً تعالج المسائل العسكرية صدرت عنها، كما عُرف أبو محمد بالتردّد على الأساتذة الأوروبيين بالمدرسة، من ضباط وغيرهم وبملازمتهم. وهكذا اكتسب انطباعاته الأولى عن عالم

стр. 98

أجنبي ساحر، سيهتم به طوال حياته. فعنهم تلقى الفرنسية وأخذ مبادىء فن الحرب العصري (١). وبباريس التي زارها مرتين؛ الأولى في ركب الأمير أحمد باي مع ثلة من وزرائه؛ من بينهم مصطفى خزندار وابن أبي الضياف في ٥/ ١١/ ١٨٤٦، والثانية في ٤/ ١٠/ ١٨٥٣ للعلاج والمفاوضة من أجل القرض مع المصرفيين، واستمرت إقامته هذه بها إلى ١٠/ ٨/ ١٨٥٨. ثم تكررت زيارته لها أكثر من مرّة في مهمات مختلفة متعددةٍ في أعوام ١٨٦١، ٦٣، ٦٥، ٦٧. وتأكدت علاقاته واتصالاته الرسمية والخاصة فيها بالشخصيات الفرنسية. فأمكن له تعميق معرفته لأوروبة العصرية، ورأى كيف تعمل حكومة مراقبة بصفة واضحة من مجلسٍ نوابهُ منتخبون من الأهالي، كما انبهر بما يوليه المسؤولون هناك من عناية بالتعليم والاقتصاد. وبقدر إعجاب الشاب المُتَأَوْرِب بالتقدم والمدنية الأوروبية، كان إصداعه برغبته وإعلانه عن دعوته. فهو يوجه إلى العلم والاعتقاد بأن كل ما شاهده بأوروبة وبباريس خاصة مؤسَّسٌ على العدل السياسي، وتسهيل طرق الثروة، واستخراج كنوز الأرض بعلم الزراعة والتجارة. وملاك ذلك كله الأمن والعدل اللذان صارا طبيعة في بلدانهم. وقد جرت عادة الله في بلادهم أن العدل وحسن التدبير والتراتيبَ المحفوظة من أسباب نمو الأموال والأنفس والثمرات، وبضدها يقع النقص في جميع ما ذكر كما هو معلوم من شريعتنا والتواريخ الإسلامية وغيرها (٢). ولم يقف في حديثه هذا عند التذكير بسنن الله الكونية، وما يترتب عليها، وجوداً وعدماً، من إيجابيات

стр. 99

وسلبيات، بل نجده يتلمس الطريق إلى الإصلاح والتغيير فيقول في مقدمة كتابه، مؤكداً على ضرورة اتخاذ الأسباب لعلاج الأوضاع وتحقيق الرقي والتقدم: "وهل يمكننا اليوم الحصول على الاستعداد المشار إليه بدون تقدم في المعارف وأسباب العمران المشاهدة عند غيرنا؟ وهل يتيسر ذلك التقدم بدون إجراء تنظيمات سياسية تناسب التنظيمات التي نشاهدها عند غيرنا في التأسيس على دعامتي العدل والحرية اللذَيْن هما أصلان في شريعتنا. ولا يخفى أنهما ملاك القوة والاستقامة في جميع الممالك" (١). وبفضل هذه الظروف والملابسات، والتنقل بين مركز الخلافة، وقاعدة الإيالة، وعاصمة فرنسة. عاش أبو محمد خير الدين الرجلُ السياسي اليقظ تجربةً شخصية متميّزة، تأثّر فيها بالعوامل السائدة، الفكرية والسياسية والاجتماعية المختلفة. وبعد عمق نظر وتدبّر وتأمّل في الأحداث والأزمات الكثيرة المتنوعة أسبابها ونتائجها، أودع خير الدين نتيجة تجربته كتابه الفريد، وبسط فيه، بعد دراسات ومقارنات وإحصائيات وتحليل للأوضاع في نحو عشرين بلداً أوروبياً، مشروعه ومنهجه الإصلاحي الذي كان موجّهاً منه للعالم العربي والإسلامي قاطبة، وبالخصوص إلى وطنه تونس. وقد ذاع صيت هذا المؤلَّف، وتناوله المؤرخون والنقاد والساسة بالدرس والتحليل. وهو بدون شك يكشف عن عقل مستنير يبحث عن موقف يقفه العالم الإسلامي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وهذا الموقف المنشود إزاء المدنية الأوروبية، هو موقف أكثر نضجاً من ذاك الذي اتخذه رفاعة الطهطاوي، وأقربُ إلى المحيط العربي

стр. 100

والإسلامي الذي تمثَّله ابن خلدون، وأكثر عزماً بإزاء سيطرة الثقافة الأجنبية واعتباراتها الفلسفية والأخلاقية (١). وضع أقومَ المسالك لا في صورة مذكرات سياسيٍّ يباشر عمله، ويبين للناس ما يخطر له من ملاحظات وأسرار، ويدافع عن مواقفه، وإنما كان عملاً مركزاً، وتحليلاً لواقع، وتطلعاً إلى مستقبل، دوّنه صاحبه بإثر استعفائه من وزارة البحر، وتخلّيه عن رئاسة المجلس الأكبر، معتكفاً بقصره خمس سنوات إلى تاريخ صدوره. وضعه كما وضع ابن خلدون مقدمته في عزلة عن الناس، غير متقلّد المهام الخطيرة الحكومية كالوزارة الكبرى بتونس، والصدارة العظمى بإستنبول إلا بعد فراغه من تأليفه ونشره: ١٨٦٧ - ١٨٦٨ م. وكان نشره له بالعربية والتركية ليتمكّن المسؤولون من العرب والمسلمين من الاطلاع عليه والإفادة منه، وباللغتين الفرنسية والإنجليزية ليعلم المشككون من الساسة الغربيين بتحرك المصلحين ونهضتهم ببلادهم فإن لهؤلاء كامل الاستعداد وأدق التخطيط لعملهم الإصلاحي. وربما اهتم خير الدين في توجيه خطابه الإصلاحي - ابتداء - بعنصرين هامين في الأمة هما العلماء والساسة. دعاه إلى ذلك ما لاحظه لدى الفئة الأولى من وجود طائفة من علماء الإسلام الموكول لأمانتهم مراعاة أحوال الوقت في تنزيل الأحكام، معرضين عن استكشاف الحوادث الداخلية، وأذهانُهم عن معرفة الحوادث الخارجية خليّة. ولا يخفى أن ذلك من أعظم العوائق عن معرفة ما يجب اعتباره على الوجه اللائق. أفيحسن بأساة الأمة الجهل بأمراضها، أو صرفُ الهمة إلى اقتناء جواهر العلوم مجردة عن

стр. 101

أعراضها؟ وما لاحظه في الفئة الثانية أو في بعض رجالها من جهل بالذي يحدث أو تجاهل له رغبة في إطلاق الرئاسة (١). فإلى هاتين الفئتين خاصة، وإلى كل أفراد الأمة الإسلامية عامة، تقدم خير الدين بمشروعه الإصلاحي. فذهب إلى أبعد مما ذهب إليه قابادو حين ربط بين التقدم العمراني وبين العدل والحرية، مضيفاً إلى العناصر المادية التي نوّه بها قابادو، التنظيمات الدنيوية. وإنك لتعجب من هذا المفكر، وقد جمع بصورة لا نظير لها من قبل بين الأصالة والحداثة، بين الموروث العقدي والحضاري والفكري المتمثل في الإسلام وفي رجالاته كابن خلدون والماوَردي من جهة، وبين التطور العلمي والتقدم التقني اللذين تنطق بهما منجزات العصر الحديث من جهة ثانية (٢). انطلق خير الدين في بناء هذا المشروع من واقع أليم تردّى فيه المسلمون عامة؛ وذلك بما لحقهم من الشين والخلل في العمران والسياسة. أما الشَّين فبالاحتياج للغير في غالب الضروريات الدالِّ على تأخّر الأمة في المعارف، وأما خلل العمران فبعدم انتفاع صناع البلاد باصطناع نتائجها، الذي هو أصل مهم من أصول المكاسب، وأما الخلل السياسي فهو المتولد عن احتياج المملكة لغيرها. وهذا مانع لاستقلالها، مُوهن لقوّتها، لا سيما إذا كان متعلق الاحتياج الضروريات الحربية التي لو تيسر شراؤها زمن الصلح لا يتيسر ذلك وقت الحرب ولو بأضعاف القيمة (٣). وربما كان سبب ذلك كله فساد النظام وما يخالطه من جور وظلم

стр. 102

واضطرابات وفتن. فكم ندّد خير الدين بحكومة الإطلاق وبمساويها. وذلك لِما تميّزت به من استبداد الرأي فيما ينبغي الاستشارة فيه، ولِما أظهرته من عدم المبالاة بالرعايا والمحكومين، فتصرّفت في حقوق الناس تصرُّف من لا يخاف تبعة، ولا يخضع لحساب أو مراقبة. ويقابل هذه الأوضاع السائدة الفاسدة في العالم الإسلامي ما عليه أوروبة من تنظيمات، وما بلغته من قوة وتمدن. وهل التقدم المدني الإنساني إلا مرهون بحجم الثروة والعلوم والعمران والقوة السياسية في الجماعة، كما هو مرهون بطبيعة الروابط الاجتماعية وبما ينشأ عنها من تعاون وتعاضد في هيئة الاجتماع (١). ولا شك في أن الفكر الإسلامي عند هذا المصلح قد تكفّل بجميع هذه المزايا. فهو يعلن عن ذلك في منهجه، ويصرِّح بأن التاريخ يشهد بأن التطبيق الصريح الأمين للشريعة الإسلامية قد أدّى دوماً إلى نتائج باهرة، لا ترجع إلى المصادفة، ولا إلى تأثير ظروف خاصة، وإنما إلى الأثر الطبيعي لروح الشريعة ولاستعداداتها الفذة (٢). وهو مع موقفه هذا الذي أكّده غير مرّة في مقدمة كتابه، يعتقد أن الملتزم به مدعوّ دون شك إلى أن يأخذ بأسباب التطور والتقدم، إعمالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (٣)، ولأن التجاور يوجب التجانس في التنظيمات الضرورية والتنافس عليها. ومن لم يفعل جَرَفَه التيار وقضى على وجوده. هذا وقد حكى عن بعض معاصريه: أن التمدن الأوروبي تدفَّق سيلُه في الأرض، فلا يعارضه شيء إلا استأصلته قوة تياره المتتابع. فيُخشى

стр. 103

على الممالك المجاورة لأوروبة من ذلك التيار، إلا إذا حذوا حذوه وجروا مجراه في التنظيمات الدنيوية، فيمكن نجاتهم من الغرق (١). وأكّد ذلك بمقالة مافلي روسي: إن الممالك التي لا تنهج على منوال مجاوريها فيما يستحدثونه من الآلات الحربية والتراتيب العسكرية توشك أن تكون غنيمة لهم ولو بعد حين (٢). ولبيان الخطة الإصلاحية التي يدعو إليها يعرض في مؤلفه العجيب مشروعَه الإصلاحي. وهو يتصدّى فيه لثلاث مشاكل وضع بجانبها حلولها هي: مشكلة تقدم أوروبة وضرورة الأخذ عنها، مشكلة نظام الحكم المطلق الاستبدادي وضرورة أن يستبدل به نظام مقيد بالشرع والقانون والعدل، ومشكلة التخلف والانهيار العمراني وضرورة الخروج منه ببناء نظام علمي تكون فيه الحرية شرطاً لازدهار الاقتصاد والعمران، نظام شبيه بالنظام الاقتصادي الرأسمالي الأوروبي. وقد عقّب المشاكل الأساسية، التي تتبّعها بالتعليل والتحليل والبحث عن الحلول والمخارج، بباب التمدن الأوروبي الذي رسم عن طريقه سبل المقارنة، وتحدّث فيه عن علماء أوروبة وإنجازاتهم، ملخصاً المكتشفات والاختراعات فيما بين القرن الرابع عشر والثامن عشر، كما تعرّض لأبرز مقومات النهضة المسيطرة المهيمنة والمشهودة، كالتعليم والأكاديميات والمكتبات، والحريات، والحياة الاقتصادية، ونظم الحكم، مثيراً بذلك انتباه قرائه ومثبّتاً في عقولهم عوامل النهضة وأسباب الرقي والمنعة.

стр. 104

٢ - أحمد بن أبي الضياف هو الوزير المؤرخ والفقيه الأديب أبو العباس أحمد بن الحاج أبي الضياف بن عمر بن أحمد العوني ١٢١٩/ ١٨٠٤ - ١٢٩١/ ١٨٧٤. كان من أعلام السياسة وأقطابها في عهدي المشيرين: الأول أحمد باي، والثاني مَحَمد باي. حفظ القرآن في صغره بمكتب سيدي ابن عروس، ثم دخل جامع الزيتونة فتخرّج على أئمته. وأخذ عن مشايخ الإسلام إسماعيل التميمي ومحمد بيرم الثالث وإبراهيم الرياحي ومحمد ابن الخوجة، وعن القاضي الشيخ محمد البحري بن عبد الستار، وعن المفتي الشيخ أحمد الأبي، وعن العالم الصالح الشيخ محمد بن ملوكه، وعن الكاتب البارع محمد بن سليمان المناعي. برع في علوم الوسائل والمقاصد، وبرّز في قلم الإنشاء على طريقة لسان الدين بن الخطيب. بدأ حياته العملية بخطة العدالة، ثم اختاره الأمير حسين باي لكتابته الخاصة قبل أن يُلحقه بديوان الوزير محمد شاكير صاحب الطابع. وهكذا ذاع صيته وبزغ نجمه، وأصبح مضرب الأمثال في صناعة الكتابة حتى تمثلوا فيه قول الشاعر: وإن أقرّ على رقّ أناملَه ... أقرّ بالرقّ كتّاب الأنام له وهو إلى ذلك من أبدع الناس نظماً وأجودهم شعراً. وأول من

стр. 105

كتب من الإيالة للدولة العلية بالقلم العربي. له رسالة في المرأة، ومقامة دعاها المقامة البشرية في الأنوار البشيرية. تقلد المراقب العسكرية، فتدرّج من آلاي أميني وقائم مقام إلى أمير لواء وأمير أمراء. ولِما ظهر فيه من القدرة والفطنة وليَ السفارة بإستانبول مرتين، وانتقل من كاتب سرّ الباي إلى وزيره. صاحبَ المشير الأول أحمد باي في زيارته إلى باريس، وعيّن عضواً بمجلس المشير الثاني مَحَمد باي. وفي عهد المشير الثالث محمد الصادق باي سماه الأمير عضواً بالمجلس الأكبر المنبثق عن عهد الأمان. وإن محبته للوزير خير الدين، وتقديره لآرائه، وإعجابه بتصنيفه لأقوم المسالك جعله يقول في تقريظه: "فرأيته كالصبح في الدجى الحالك، يحذّر السالك من مهاوي الغرور والمهالك، فزادك الله كمالاً على كمالك. أوضحتَ فيه من قواعد شريعتنا المحمدية الصالحة لكل زمان، بما فيها من اعتبار المصالح والاستحسان، ما يروي الظمآن بأبلغ بيان، حتى اتَّضح سرّها للعيان، وبيّنتَ أسباب التقدم في المعارف التي أساسها العمران، الذي جاءت به الشرائع والأديان، على أعذب أسلوب جاذب للقلوب. وقمت فيه بشهادة الله مقام علماء الدين والأئمة المهتدين، بنقل ما حررته عن أولئك المجتهدين، فكان كتابك في ذلك كسراج المهتدين" (١). وبعد ذلك بدأ نجم ابن أبي الضِّيَاف في الأفول في الأشهر الأخيرة من سنة ١٢٨١/ ١٨٦٤، بعد أن حيكت له من الخصوم والمزاحمين الدسائس. ففقد حظوته بإبعاده من السلطة، ولم يعد له

стр. 106

أي نشاط ظاهر. وتدارك أمرَه صديقُه خير الدين في تلك الآونة لما كان بينهما من صفاء ومودة. فسمي عضواً في اللجنة المكلّفة بمحاسبة الجنرال أحمد زرُّوق، وعيّن بعد ذلك مستشاراً أولاً بالقسم الثالث بالوزارة الكبرى، قيِّماً على الأحوال الشخصية بما له هناك من الصلاحيات القانونية. وبظهور التعاطف بينه وبين الوزير خير الدين، وتقدُّم العمر به، ازدادت مضايقة الوزير الأكبر مصطفى خزنة دار له. واضطَره الأمر إلى الاستعفاء من أعماله ومهامه في الدولة في ذي قعدة ١٢٨٨/ فيفري ١٨٧٢. وقد سعى الوزير خير الدين لدى الأمير محمد الصادق باي لإعطائه مرتباً عمرياً تقديراً لما كان له من خدمات، كما اشترى منه مجموعة كتبه التي أودعها الوزير خير الدين المكتبة الصادقية بالجامع الأعظم (١). ولقد كانت الفترة، التي قضاها ابن أبي الضياف في الأعمال الإدارية والكتابة في الديوان، والممارسة لشؤون السياسة في الدولة الحسينية طويلة لا تقلّ عن خمسة وأربعين عاماً من حين ضَمَّهُ الأمير حسين باي إلى كتابته الخاصة، وهو ابن ثلاث وعشرين سنة في أوائل شوال ١١٤٢/ أبريل ١٨٢٧، إلى حين مغادرته القصر نهائياً قبل وفاته بعامين. وفي الأيام القليلة التي بقيت من عمره، والشبيبة ولّت، والقريحة كلّت، والقوى ألقت ما فيها وتخلّت، عكف على تدوين تاريخه الشهير المعروف بإتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان. وقد جعله على مقدمة ذات عقدين: العقد الأول هو خلاصة آرائه وآثار تجربته، ومظهر إصلاحه ومجتلى دعوته، والعقد الثاني

стр. 107

رواية وتلخيص. ففي تمهيده إلمام بأخبار أمراء إفريقية من الصحابة والتابعين ومن خَلَفَهم، وحديث عن بيوت الملك في القيروان والمهدية وتونس على الإجمال. وأبواب الكتاب بعد ذلك ثمانية للملوك بعددهم، لم تدوّن أخبارهم، ولا قيّدت آراؤهم من أحد قبله. وهي القصد من التأليف. عرّف فيها بالملوك وسيرهم، والأحداث التي حصلت في عهودهم. لم يبخل فيها عن ذكر رأيه ببيان الأسباب للمسببات، وعوامل الهزّات والفتن والاضطرابات، ونتائج الأحداث المتعاقبات، مع بذل النصيحة لمستحقيها، وعرض المواقف وتوثيقها ونقدها. وقد ضمن كتابه ما خطه بقلمه في تلك المناسبات من رسائل للساسة والعلماء عن ملوك الدولة أو عن نفسه، وارتفعت بذلك أهمية تصنيفه، خاصة بما حواه من شهادات معاصرة. وأقبل الناس من حين فراغه منه على استنساخه وقراءته وروايته وتهادي نسخه على قِلَّتها، رغبة في الوقوف على ما فيه، والحصول على فوائده ودراريه. ولعل مما يتأكّد ذكره من أعمال ابن أبي الضياف وآرائه الإصلاحية الاجتماعية والسياسية يكمن في قضايا باشرها، وملاحظات سجّلها، وأفكار ارتآها، وتيارات سايرها أو كان له أثر فيها. ومن أبرز ما نحتاج إلى بيانه من ذلك قضية عهد الأمان التي جعلها المؤلف جزءاً من عنوان تاريخه، تنبيهاً إليها وتنويهاً بها، وتأكيداً عليها، بسبب ارتباطها بالتنظيمات الخيرية التي دعي إلى تطبيقها في كل الإيالات من طرف ولاتها وحكامها. وكما ألمعنا إلى هذا من قبل فإن نصوصها وقوانينها صدرت بعاصمة الخلافة: خط شريف كلخانة ١٨٣٩، وخط همايون ١٨٥٦. وهي من الدولة العثمانية ضبط للنظام، وأولى خطوات الإصلاح التي اقتضتها

стр. 108

مصالح العباد والبلاد. قد تدخلت السلط الأجنبية ومن يمثلها لدى الدولة العلية للالتزام بها وتطبيقها. وورد على الإيالة التونسية في محرم ١٢٥٦/ مارس ١٨٤٠ فرمان بها من السلطان عبد المجيد إلى المشير الأول أحمد باي. فجمع هذا له رجال الدولة وأعيانها. وبعد عرضه على أسماعهم أعلن الباي امتناعه من تطبيق التنظيمات قائلاً: "إن هذا غرض محمود، ولا بد من زمن لإبرازه إلى الوجود، لاختلاف الطباع والبقاع، وهو أمر لا محيص عنه ولا بد منه" (١). وتدخل بعد ذلك الصدر الأعظم في الأمر فلقي نفس الصدود والإعراض. وحرص قنصلا فرنسة وإنجلترة روش ووود على الباي بشتى الطرق، وكان من أخطرها إبحار أسطول فرنسي في مياه تونس في أغسطس ١٨٥٦، دعا قائدُه الباي على لسان دولته إلى إعطاء الحرية والأمن للرعية بالاستجابة للأمر السلطاني خط همايون. فما كان من المشير الثاني محمد باي إلا أن سارع بقبول الإصلاحات، تاركاً الناس من حوله منقسمين إلى فئتين: فئة يمثلها الجنرال حسين الذي يرى في هذه الإصلاحات تحكيماً للقوانين بدل الشريعة، وانتزاعاً للسلطة من أيدي أربابها بإسنادها إلى المجالس والمحاكم التي جاءت بتأسيسها التنظيمات، وألحّ على إيجادها قناصل الدول الأجنبية، وفئة ثانية مقتنعة بالإصلاحات، قابلة لها. أبرز من يمثلها الوزير الأكبر مصطفى خزنة دار ووزير البحر الجنرال خير الدين. أما ابن أبي الضياف فقد كان في تلك الآونة من المتردّدين الرافضين بدعوى أن الإصلاحات ستغلّ أيدي الباي. وكان ردّ المشير

стр. 109

على ذلك حاسماً حين قال: "أرضى بفقد حرية التصرّف من أجل نفع الرعية" (١)، والباي متأثر في موقفه هذا بمقالة شيخ الإسلام محمد بيرم الرابع: "إننا نخشى غضب الدولة العلية، وأصول التنظيمات لا تخالف ديننا" (٢)، وكان هذا جارياً على رأي شيخي الإسلام عارف بك بالآستانة، وإبراهيم الرياحي بتونس. وبتكليف ابن أبي الضياف بصياغة قانون عهد الأمان الذي يعتبر صورة من التنظيمات الخيرية وتطبيقاتها، وبالاستجابة للفرمان السلطاني استبشر خير الدين بموقف المشير الثاني، ودعا له "أن يمنحه الله من يعينه بنصائحه على إعداد نص القانون التنفيذي". واعتبر المؤرخون وأهل تونس هذه الإصلاحات نهاية للمجتمع الإسلامي التقليدي، وبداية مسارٍ آخر لا يعلم منتهاه إلا الله (٣). وفحوى عهد الأمان الذي تمّ الإعلان عن قانونه بمجلس الباي بحضور أعضاء الحكومة، وأهل المجلس الشرعي، والأعيان، ورجال الدين من الملَّتين اليهودية والنصرانية، وقناصل الدول، والأميرال الفرنسي في ٢٠ محرم ١٢٧٤/ ٩ سبتمبر ١٨٥٧، تتمثل فيما نصت عليه بنوده، وتعهد به الباي من ضمان مساواة كل رعاياه أمام القانون، وأمام الضرائب، كما أعلن فيه عن تأسيس محاكم تجارية مختلطة لفض النزاعات بين التونسيين والأجانب، وتنظيم الخدمة العسكرية، وضمان حرية الأديان، ومنح الأجانب حق ممارسة كل المهن، وحق الملكية العقارية في البلاد (٤).

стр. 110

وحين قال بعض المتزلّفين في مجلس الباي عند قراءة شرح المادة الأولى من قانون عهد الأمان - وهي كما ذكر ابن أبي الضياف قاعدة كل القواعد - أي شيء بقي لسيدنا؟ ردّ عليه الوزير خير الدين، وكان أثبت القوم جناناً وأقواهم إيماناً: بقي لسيدنا ما بقي للسلطان عبد المجيد، وما بقي لسلطان فرنسة، وسلاطنة بريطانية، وغيرهم من السلاطين بالقانون (١). وفي ذكر هذا دلالة صريحة على تغير اتجاه ابن أبي الضياف في نظرته إلى نظام الحكم، وهو ما وضع لتحليله العقد الأول من مقدمة تاريخه كما ذكرنا. فالملك أو الحكم لديه منصب ضروري للنوع الإنساني. وهو واجب على الأمة شرعاً، راجع إلى اختيار أهل الحل والعقد فيها. وهو ثلاثة أصناف: ملك مطلق، وملك جمهوري، وملك مقيد بقانون شرعي أو عقلي سياسي (٢). وتتضح من المقارنة بين الأصناف الثلاثة خصائص ومميزات ينفرد بها كل صنف منها. فالمَلِك المطلق يسوق الناسَ بعصاه إلى ما يراد منهم بحسب اجتهاده في المصلحة، والملك فرد غير معصوم. وأجساد الخلق منساقة منقادة له انقياد البهائم والأنعام، خوفاً من حاميته التي جعلها آلة غلبته وقهره، وربما حصل من هذه السياسة انطباع الرعايا على صبغة الانقياد والتسليم بما تخلقوا به من ذلّ المغارم والقهر الذي جدع أنوف آبائهم، ومحا عزّة نفوسهم بمرور السنين. وهذا الصنف من الحكم مرفوض شرعاً وعقلاً، لأنه تصرف في عباد الله وبلاده بالهوى - والشرائع إنما جاءت لإخراج المكلف من
следующие страницы →