المالي، ضمن دائرة النهي، أي في عموم النهي قال بحظر التعامل به لحرمته. فنهيُ الشارع عنه موجِبٌ لحُرمَته، فينبغي تركه والخروج عنه وهو معدود في العقود المحرّمة.
والمقصد الشرعي من تحريم الربا وحكمتُه منع الظلم، والحثُّ على العمل ليكون سبيلاً للتكسّب وتدريباً للنفوس على البرّ والمعروف والصدقة والقرض الحسن والتعاون على الخير. ويؤكد هذه المعاني قوله : ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (١).
وذهب ابن القيم إلى أن تحريم هذا النوع من الربا دفعٌ لما يربو على المحتاج من غير نفع يحصل له، ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويحصل أخوه على غاية الضرر. وقد قابل الله ، كما في الآية الأولى، بين حِلِّ البيع وحرمة الربا فتوعد طائفة ووعد أخرى قائلاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢). ومن وعده سبحانه للمنفقين في سبيل الله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣).
وقد حدَث في عصرنا كثير من التصرّفات المالية استوجبت النظر والتعليل وبيان حكم الشارع فيها. وهذه كثيرة كتلك التي تقوم بها البنوك التجارية مثل الفائدة والودائع والقروض وفتح الاعتماد
стр. 1157
وخطابات الضمان والأعمال المصرفية الاستثمارية ونحوها. وكلها مما عرض على المجامع الفقهية لاتخاذ القرار بشأنه.
العقود المنهي عنها:
يمكن اختصار القول في هذه العقود بردّها إلى أربعة أنواع من التصرّفات المالية ترمز عناوينها إلى حقائقها، وتدل على أسباب منعها والنهي عنها. فمن ذلك:
• أولاً: البيوع الممنوعة بسبب عدم أهلية العاقد.
• ثانياً: البيوع الممنوعة بسبب الصيغة.
• ثالثاً: البيوع الممنوعة بسبب محل العقد.
• رابعاً: البيوع الممنوعة بسبب وصف أو شرط أو نهي شرعي.
ومما يذكر من بين هذه البيوعات الممنوعة صور منها:
بيع حاضرٍ لبادٍ ممن لا يعرف الأسعار، ومن كل وارد على مكان وإن كان من مدينة:
حُكمه: الحرمة. ودليل ذلك قوله ﷺ : "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" (١). والقصد من هذا الحكم الرفق بأهل البلد، ومنع الضرر بأهل السوق في انفراد المتلقي عنهم في الرخص، وقطع الموارد عنهم. وللفقهاء تخصيصات لعموم هذا النهي. قالت الحنفية بالمنع (كراهة التحريم) خاص بزمن الغلاء، وبما يحتاج إليه أهل المصر. واعتبرت الشافعية والحنابلة المنع منوطاً بالبادي ومن شاركه في معناه، وهو عدم معرفة السعر. وجعلت المالكية البداوة قيداً لهذا الحكم.
стр. 1158
وهذا البيع يقع فاسداً ويجوز بقيمته كالنجس عند المالكية، وهو صحيح عند الحنفية، وذهبت الشافعية والحنابلة إلى القول بالخيار.
تلقي الركبان (١):
التلقّي حرام، ودليل ذلك قوله ﷺ : "ولا تَلقَّوا الجلب. فمن تلقّاه فاشترى منه فإذا أتى صاحبُه السوقَ فهو بالخيار" (٢). وكرهته الحنفية كراهة للضرر أو الغرر، فإذا انتفيا فلا بأس ولا يكره. وبذلك صرح المرغيناني، والكاساني، والزيلعي، والحصكفي وآخرون (٣). وفي الحديث عن ابن عباس: "لا تَلقَّوا الركبان، لا يبع حاضر لباد". اختلف الفقهاء في هذا النهي. فاعتبر قوم التلقّي جائزاً ومنعه آخرون. قال ابن تيمية: في الخبر دليل على صحة البيع (٤). والراجح أن هذا البيع وبيع الحاضر للبادي صحيح غير فاسد. وبهذا قالت الحنفية. وفيه خيار الغبن عند الشافعية والحنابلة، ولا يجوز لحقِ أهل الأسواق، ويقع فاسداً عند المالكية.
ومما وقع النهي عنه من ذلك بيع السلع حيث تبتاع. فعن ابن عمر أن زيد بن ثابت رآه يفعل ذلك فقال له: "لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك؛ فإن رسول الله ﷺ نهى أن تباع السلع حيث
стр. 1159
تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم" (١).
البيع وقت النداء لصلاة الجمعة:
ومنع ذلك من الأذان الأول عند الحنفية وقال غيرهم من حين يصعد الإمام المنبر إلى أن تنقضي الصلاة.
وحكمه كراهة التحريم عند الحنفية، ويقع صحيحاً. وهو حرام عند الشافعية. ويفسخ في المشهور عند المالكية، ولا يصح أصلاً عند الحنابلة.
البيع والشرط وهو ما يسميه الفقهاء بيع الثُّنْيَا وبيع الوفاء:
الثنيا في الاصطلاح هي البيع بشرط أن البائع متى رد الثمن رد المشتري المبيع إليه. وهذا معنى الوفاء، أي الالتزام بالشرط من المشتري. وله أسماء كثيرة:
يعرف عند الحنفية ببيع الوفاء، وبيع المعاملة، وعند الشافعية بيع العهدة، وعند الحنابلة بيع الأمانة، وبيع الطاعة وبيع الجائز (٢).
وذهبت المالكية والحنابلة والمتقدّمون من الحنفية والشافعية إلى القول بفساد بيع الوفاء؛ لأن الشرط المذكور في التعريف يخالف مقتضى البيع وحكمه. وهو أن مِلْك المشتري على وجه الاستقرار والدوام، وفيه منفعة للبائع. ولم يرد عن الشارع دليل معين على جوازه. وهكذا يكون الشرط فاسداً، يَفسُدُ البيع باشتراطه.
وقالت المالكية: البيع والشرط باطلان.
وقالت الحنابلة لا يبطل البيع بشرط واحد فيه منفعة لأحد
стр. 1160
المتعاقدين. ويبطل بالشرطين لنهي النبي ﷺ عن ذلك. فعن عبد الله بن عمرو عن ابن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك" (١).
وقال المتأخّرون من الحنفية والشافعية بجواز بيع الوفاء لإفادة هذا البيع بعض أحكامه، وهو انتفاع المشتري بالمبيع دون بعضها وهو البيع من آخر. ودليل الجواز عندهم أن البيع بهذا الشرط قد تعارفَ عليه الناس، وتعاملوا به لحاجتهم إليه، فراراً من الربا. فيكون صحيحاً لا يفسد البيع باشتراطه فيه، وإن كان مخالفاً للقواعد لأن القواعد تترك بالتعامل كما في الاستصناع (٢).
ومما ذهب إليه بعض المتأخرين كأبي شجاع وعلي السعدي والقاضي أبي الحسن الماتريدي: أن بيع الوفاء رهن وليس ببيع، له جميع أحكام الرهن. فلا يملكه المشتري ولا ينتفع به، ولو استأجره لم تلزمه أجرته، كالراهن إذا استأجر المرهون من المرتهن، ويسقط الدين بهلاكه ولا يضمن ما زاد عليه. وإن مات الراهن كان المرتهن أحقَّ به من سائر الغرماء. وحجتهم في ذلك أن العبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني (٣).
* * * * *
стр. 1161
الفصل السادس: مسائل مختلفة
تصرّفات المكلفين وأفعالهم، وما يترتب عليها من تشاريع وأحكام تناط بها أغراض الشارع ومقاصده
اختار الإمام الأكبر جملة من التشاريع والأحكام معتمداً في ذلك على المصدرين الأساسيين. ولم يكن دوره في هذا مقصوراً على العناية بالجانب الفقهي وحده، ولكنه عزز نظرته إلى التشاريع والأحكام بإقامتها على المصالح والمقاصد التي تمثل حِكمة التشريع من جهة، وتحرص على خدمة المجتمعات والأفراد بما تجلُبُه لهم تلك الأحكام من مصالح وتدرؤه عنهم من مفاسد. وهذا منهج في النظر والدرس متميز.
كانت جهود الشيخ ابن عاشور شاملة في المشاريع والأحكام المشار إليها للجانبين النظري والتطبيقي. فهي تربط بين ما اهتم به من مقاصد الشرع، وما اعتبره في ذلك وسائل لتطبيق تلك النظريات في قضايا الفقه العامة.
أثر المقاصد والمصالح في التشاريع والأحكام التي تحكم تصرّفات المكلفين:
من البديهي أن تكون أعمال الخلق وتصرّفاتُهم الحرةُ الاختيارية مقتضيةً جزاء، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. ولا يكون هذا الجزاء إلا عدلاً؛ لأن الجزء كما هو معلوم من جنس العمل، والغاية من
стр. 1162
الجزاء في أي صورة من صوره ترغيبٌ أو ترهيبٌ وتوصلٌ إلى تحقيق المقاصد القريبة والعالية.
ولإدراك القضايا الفقهية والأصولية والمقاصد على وجهها لا بد بعد تحققنا من أن للشريعة مقاصد من التشريع، وأن حاجة الفقيه إلى معرفتها كبيرة، من أن نتجه مع المؤلف إلى الخط الذي رسمه للتعريف بطرق إثبات المقاصد الشرعية. فنتبيّن من ذلك ما كان معتمداً لهذا الغرض في الزمن المتقدم عند السلف، وما هو من تلك الطرق أساسي وعلمي يمكن اعتماده من المجتهدين اليوم. ويضطرنا الأمر في هذه الحال إلى الجمع بين المسائل الفروعية التي هي مجالات التطبيق، وبين النظريات الحِكمية للمقاصد التي تعلل بها الأحكام أو توجه بها، لفرط ارتباطها بالمصالح وبالغايات التي أنيطت بها.
فطريقة السلف في طلب المقاصد، وإن كان الشيخ ابن عاشور مع ذكره لها لم يعدّها من الطرق لأنه لم يجد حجة لذلك في كل قول من أقوالهم، أو لأن بعضها غير مصرِّح صاحبُه بأنه راعى في كلامه المقصد، وبعضها فيه التصريح أو ما يقاربه لكنه لا يعد بمفرده حجة؛ وقصاراه أن يكون رأياً لصاحبه في فهم مقصد الشريعة (١)، يقتضي بحثاً ويتطلّب درساً لما ذكروه في هذا الغرض، فإن أقوالَهم كما بيّن ذلك الإمام الأكبر دالة على أن مقاصد الشريعة على الجملة واجبة الاعتبار، ولأن أقوالهم لما تكاثرت أنبأتنا بأنهم كانوا يتقضَّون بالاستقراء مقاصد الشريعة من التشريع (٢). وبياناً لذلك ذكر المؤلف أحكام بعض قضايا فروعية، تولّى من خلالها
стр. 1163
بحث المجتهدين التوصل إلى تحديد مقاصدها الشرعية. ومن أمثلة ذلك:
(١) النهي عن كراء الأرض.
(٢) النهي عن التختم بالذهب.
(٣) حكم الخيار في البيع.
(٤) مسألة ورود خبر الواحد معارضاً لقاعدة من قواعد الشرع، هل يجوز العمل به؟ ومثال ذلك حكم تصرية الإبل.
(٥) النهي عن تخمير رأس الميت ووجهه إذا مات مُحرماً، وعدم مسه بطيب، والنهي عن أن يُمس المُحرم بالطيب إذا وقصته ناقته فمات.
(٦) حكم التبنّي والرضاعة للكبير (١).
وسار المؤلف في بحث المنهج وعرضه كالتالي:
(١) ذكر حكم الفرع الفقهي المنظور فيه.
(٢) ذكر الدليل الناطق بحكم الفرع.
(٣) تحديد المقصد الشرعي المفروض التوصل إليه بالدرس أو المقارنة بين صيغ النصوص الواردة فيه وما يلابسها من أحوال.
جواز كراء الأرض بالخارج منها:
إن دليل الحكم بذلك وردت فيه روايات متعددة ومختلفة. القسم الأول منها يفيد منع كراء الأرض. وهو خمسة أحاديث:
(١) حديث جابر بن عبد الله وأبي هريرة ورافع بن خديج أن
стр. 1164
رسول الله ﷺ قال: "من كانت له أرض فليزْرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبى فليمسك أرضه" (١).
(٢) حديث الموطأ: النهي عن المحاقلة. وفسرها مالك بأنها كراء الأرض بالحنطة، واشتراء الزرع بالحنطة.
(٣) كان ابن عمر يكري الأرض مزارعة حتى خشي أن يكون النبي ﷺ قد أحدث في ذلك شيئاً لم يكن يعلمه، فترك كراء الأرض.
(٤) حديث رافع بن خديج الذي ورد فيه قوله: كنا أكثر أهل المدينة مزدرعاً، فكنا نكري الأرض بالناحية منها مسمى لسيدِ الأرض. فمما يصاب ذلك وتسلم الأرض، ومما تصاب الأرض ويسلم ذلك، فنهينا. وأما الذهب والورق فلم يكن يومئذٍ (٢).
(٥) منع الليث كراء الأرض قائلاً: لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه للمخاطرة، وذلك شأن ما كان آيلاً إلى بيع ممنوع، وفي حكمه جمع بين الأدلة.
وروت جماعة أحاديثَ في جواز كراءِ الأرض منها:
(١) حديث الزهري عن سالم عن رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء المزارع. قال الزهري لسالم: أتكريها أنت؟ قال: نعم، إن رافعاً أكثر على نفسه.
(٢) عن ابن عمر عن رافع قال: كنا نكري مزارعنا على الأَربِعاء وشيء من التبن على عهد رسول الله ﷺ .
стр. 1165
(٣) عن رافع عن عمه ظهير بن رافع. قال له رسول الله ﷺ : ما تصنعون في محاقلكم؟ قال: نؤاجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير.
وممن أجاز هذه المعاملة ابن عباس فيما روي عنه:
(٤) قال طاوس: روي عن ابن عباس: أن النبي ﷺ لم ينه عنه، ولكنه قال: "لأن يمنح أحدُكم أخاه خيراً من أن يأخذ منه شيئاً معلوماً". فحمل هذا على الترغيب والكمال.
(٥) روى البخاري في صحيحه حديث رافع بن خديج. ترجم للباب الذي أدرجه فيه بما يفيد عنده فقه الحديث. وذلك قوله: باب ما كان أصحاب النبي ﷺ يواسي بعضهم بعضاً.
وفي هذا العرض تعليل المنع وذكر وجه الجواز. فالأول كان القصد منه الاحتياط من الوقوع في المخاطرة. وذلك حديث رافع ومقالة الليث.
والثاني هو ما حمل على مواساة المسلمين بعضهم لبعض. وهو حديث ابن عباس، وترجمة البخاري للباب كما ذكرنا.
* * * * *
стр. 1166
الفصل السابع: بيان طرق الاستدلال على مقاصد الشريعة
إن الطرق المعتمدة لدى الأئمة والمجتهدين للتعرف على هذه المقاصد وتعيينها، هي بذل الباحث الجهد للتوصل إلى غرضه، واقتفاء أثر كبار العلماء فيما انتهجوه من مناهج وسبقوا إليه من نتائج.
وما زال الإمام الأكبر يعيد توجيهه النصح لأولي العلم وطلاب المعرفة، بأن يكون اتخاذهم للقرار بعد طول الدرس والمثافنة، حتى إذا انتظم الدليل على إثبات مقصد شرعي وجبَ على المتجادلين فيه أن يستقبلوا قِبلة الإنصاف، وينبذوا الاحتمالات الضعاف (١).
وفي هذا الفصل تناول الشيخ ابن عاشور بيان طرق التوصل إلى المقاصد. وهي:
° الطرق الكاشفة عن الحِكم والمقاصد الشرعية من الأحكام.
° وبِمَ يعرف ما هو مقصود الشارع من الأحكام؟
° وما هي الجهات التي تعرف منها المقاصد؟
أما الصورة الأولى في تحديد الطرق الملمع إليها قبل، فهي استقراء الأدلة من القرآن، ومن السُّنة المتواترة كمصدر لمعرفة تلك
стр. 1167
الطرق. والاستقراء أوسع المسالك لبلوغ القصد. وقد تقدم لنا التعريف به وبيانه. وهو نوعان:
أولهما: استقراء الشريعة وتصرّفاتها من أجل الوقوف على الأحكام المعروفةِ عللُها بطريق مسالك الإيماء. وهذا يتضمن استقراء العلل نفسها. ويحصل من استقراءِ العلل في ذاتها طريق العلم بمقاصد الشريعة بغاية السهولة.
والنوع الثاني: هو استقراء أدلّة أحكام اشتركت في علة واحدة وقد تقدّم ذكره، فيحصل بذلك اليقين بأن متحصل العلة مقصد مراد للشارع. وعلى المهيع الذي جرى عليه المصنف في بيان مقاصد الأحكام حصروا أحكام بعض المعاملات المالية في مجموعات ثلاث:
أ - أما المجموعة الأولى فمنها:
(١) النهي عن بيع التمر بالرطب. وهو المزابنة.
(٢) النهي عن بيع الجزاف بالمكيل. لعلّة جهالة أحد العوضين، وطريقة معرفته استنباط العلة.
(٣) إباحة الغبن في القيام بالبيع. ودليله: أن رسول الله ﷺ قال لمن جاء يخبره: إني أُخدع في البيوع. فقال: "إذا بايعت فقل: لا خلابة".
وهذه الأمثلة الثلاثة يستخلص منها مقصدٌ واحد هو إبطال الغرر في المعاوضات.
ب - أما المجموعة الثانية: فكالنهي عن خطبة المسلم على خطبة أخيه المسلم، والنهي عن السوم على سوم أخيه. وذلك
стр. 1168
للوحشة التي تنشأ عن السعي في الحرمان من منفعة مبتغاة. ودليل المنع قوله ﷺ : "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه". والقصد من هذا النهي دوام الأخوة بين المسلمين.
ج - وأما المجموعة الثالثة فهي التي مثَّل الإمام لها بصور ثلاث:
° النهي عن بيع الطعام قبل قبضه.
° النهي عن بيع الطعام بالطعام نسيئة.
° النهي عن الاحتكار.
والمقصد من المجموعة الثالثة هو طلب رواج الطعام في الأسواق، وعدم بقاء الطعام في الذمة فيفوت رواجه، وعدم إقلال الطعام في الأسواق.
فالمقصد الشرعي في المعاملات رواج الطعام وتيسير تناوله. ويعتبر هذا المقصد أصلاً. وهو يجري في صور من المعاملات. ويكون الإقلال جائزاً في بعض الصور كالتي لا يمكن ترك التبايع فيها، مع كونها من المعاوضات التي لا يخشى معها عدم رواج الطعام. ومثّل لذلك بالشركة والتولية والإقالة في الطعام قبل قبضه، ويمثّل لهذا القصد الشرعي بعتق الرقاب الذي يدل عليه حرص الشريعة على مقصد تحريرها.
طرق التعرف إلى المقاصد:
إن المنهج المعتمد في طلب العلم بالمقصد الشرعي هو القرآن الكريم وهو المرجع الأصلي اليقيني المتن المحتمل المراد منه. فروايته قطعية لا شك فيها، ويشترط في المتن ألا يكون المراد منه
стр. 1169
غير ما هو ظاهره. ويؤكد المصنف على هذا المعنى بذكر القاعدة القاضية بأنه إذا انضمت إلى قطعية المتن قوةُ ظنية الدلالة تسنّى لنا أخذ مقصد شرعي منه، يضعف معه تطرق معنى ثانٍ إليه. والآيات الدالة على ذلك كثيرة: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (١)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٢)، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣)، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (٤)، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٥)، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٦).
وفي كل آية من الآيات تصريح بمقصد شرعي أو تنبيه على مقصد (٧).
والسُّنة النبوية المتواترة. ولها صورتان.
الأولى: المعلوم من الدين بالضرورة. وهو حالان: الأولى ما وصفه الإمام بالتواتر المعنوي الحاصل من مشاهدة عموم الصحابة فعل الرسول ﷺ له. فإن ذلك ينتهي بهم دون شك إلى الإيقان والعمل به. ويظهر مثل هذا في المعلل الشرعي القريب من المعلوم من الدين بالضرورة مثل الحُبس.
والصورة الثانية من التواتر العملي هي أن تتكرر المشاهدة لفعل النبي ﷺ لأحد الصحابة دون جميعهم. فإن ذلك يحصل منه للصحابي علم بالمقصد الشرعي كالذي حصل للأزرق بن قيس حين
стр. 1170
شردت ناقته. فانقطع عن صلاته، وذهب في طلبها ثم عاد فأكمل صلاته. وعجب أصحابه من فعله فقال لهم: ما عنّفني أحد منذ فارقت رسول الله ﷺ . فكان يرى من تيسير الرسول ما حمله على ما فعل (١).
وقد ألحق صاحب مقاصد الشريعة هذه الأمثلة في بيان طرق التوصل إلى معرفة المقاصد بمبحثين ذكرهما تيسيراً على الفقهاء وتوجيهاً لهم في طلب هذا المهم:
المبحث الأول هو عين المبحث الذي عقده الشاطبي للإجابة عن تساؤل طلاب العلم الشرعي: بم يعرف ما هو مقصود للشارع؟ ونوَّه الشيخ ابن عاشور في هذا المقام بكلام أبي إسحاق قائلاً: إني أرى فيما أتى به الشاطبي في موافقاته ما يعدّ من المهم إثبات خلاصته (٢).
وعلى هذا السنن جرى المصنف معتمداً في تحليله التقسيم العقلي.
والمقصد الشرعي أحد ثلاثة:
مقصد شرعي غائب عنا حتى يأتينا النص الذي يعرّفنا به. ويقتضي هذا الحمل على الظاهر مطلقاً. وهو قد يعني في سياق تعريفه مخالفة القائلين به، فالرأي رأي الظاهرية، وهم يحصرون العلم بذلك في المعاني من النصوص والظواهر.
والاتجاه الثاني هو رأي الباطنية الذين يدّعون أن المقاصد
стр. 1171
الشرعية ليست في الظواهر ولا فيما يفهم منها، وإنما هي أغراض من وراء ذلك تتناول النصوص والظواهر بالتعطيل عن مدلولاتها ويقولون فيها برأيهم، ويؤوّلونها تآويل مردودة تُناقض الشريعة.
والاتجاه الثالث هو القائم على الاعتبارين جميعاً على وجه دقيق وواضح، لا يخلُّ فيه المعنى بالنص ولا العكس؛ لأن الشريعة تسير على نظام واحد لا خلاف فيه ولا تناقض. وهذا هو الرأي الذي أخذ به جمهور الأئمة وأكثر العلماء.
والمبحث الثاني الذي ختم به الإمام هذا الفصل هو ذكر الجهات التي تعرف منها المقاصد. وهي ثلاثة أيضاً:
إحداها: مجرد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي الذي يقتضي الأمرُ العملَ به بوقوع الفعل عنده مقصوداً للشارع، وكذا القول في النهي لاقتضائه بمجرد صدوره النفي للفعل أو الكف عنه.
الثانية: اعتبار علل الأمر والنهي كاعتبار النكاح سبيلاً لتحقيق مصلحة النسل، واعتبار البيع طريقاً لبلوغ مصلحة الانتفاع بالمبيع.
الثالثة: اختلاف مقاصد الأحكام الشرعية بين أصلية وتابعة لها. فمنها المنصوص عليه، ومنها المشار إليه، ومنها ما وقع استقراؤه من النصوص كما تقدم (١). وبهذا يتضح أن النصوص وحدها، كما ذهبت إلى ذلك الظاهرية، صالحة لإفادة ذلك. فما خفي من المقاصد. وإن منها ما لم يدل عليه النص لكنه يحصل بالاستقراء، الاستدلال به على أن ما هذا شأنه يعتبر مقصوداً للشارع (٢).
стр. 1172
دلالات المقاصد:
إن المحور الأساس الذي يدور حوله البحث في كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية، هو المقاصد ذاتها. ومن خلال ما وقفنا عليه من استعمالات لكلمة المقاصد رأينا أحياناً ألفاظاً أخرى بإزائها تطلق بمعناها. وهي من قبيل المدلول العام كالكليات فقد أطلقوها على الضروريات وحدها باعتبار وعليها وعلى الحاجيات والتحسينيات باعتبار آخر. وربما أطلقوا الجنسين العاليين: المصلحة والمفسدة بإزائها. وهي بدون شك راجعة إليهما.
ومصطلح المقصد مختلف المعاني، باعتبار مدلولها، مواءمةً أو مساوقةً له كالمعاني الحقيقية والمعاني العرفية، والمعاني الاعتبارية، أو مناقضة له غير قابلة للاندماج فيه كالمعاني الوهمية أو التخيلية. فليس شيء من هذين بصالح لأن يعدّ مقصداً شرعياً.
وقد تقدم ذكر الشروط الواجب مراعاتها في تعيين المقاصد، وهي: الثبوت والظهور والانضباط والاطِّراد.
والمقاصد الشرعية كثيرة ومتعددة بتعدد الأحكام الجزئية التفصيلية، وإن أدلّتها لموذنة بذلك. وتكون كما قدمنا ظاهرة وخفية.
فمن المقاصد الشرعية ما شاع الحديث عنه في المجتمع الإسلامي بل المجتمعات الإنسانية لكونه ملاحظاً بالإجماع، مرغوباً فيه من الأفراد والجماعات، مدعو إلى الالتزام به كالحرية والمساواة والأمن والرفق والمواساة.
والمقاصد أقسام:
منها: ما يرجع أمره إلى الأمة جمعاء، أو ما يقوم عليه نظامها.
ومنها: ما يرجع إلى طبيعة الحكم الإسلامي، أو إلى صفة من
стр. 1173
الصفات والمعاني تكون أساساً للتشريع الإسلامي وقاعدة للتصرّف بين أفراد الملة كلها.
ومنها: مسالك التشريع المتفاوتة بين الحزم والتيسير، وكذلك لزوم الشريعة ونفوذها.
ويمكن أن نرد المقاصد جميعها إلى جملة أقسام بياناً لصورها وتفصيلاً لأغراضها: فمنها ما يتصل بنظام العالم والمجتمعات وما تتطلبه من مصالح. وله عدة صور:
° فللقسم الأول أمثلة كثيرة من المقاصد نذكر منها:
حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان (١).
وصلاح العالم المقصود للشارع. وهو منة كبرى يمنُّ الله بها على عباده الصالحين جزاء لهم. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٢). والمقصد الأعظم للشريعة يتجلّى في جلب الصلاح ودرء الفساد (٣).
ومنه حياطة الشريعة المصالح المألوفة المطردة بسياج الحفظ الدائم. وهذا كمصلحة نظام العالم باحترام بقاء النفوس في كل حال، مع الأمر بالصبر على ما يلوح من شدّة الأضرار الراجعة لحياة بعض الأحياء.
ومن أهم مقاصد الشريعة في انتظام أمر الأمة صلاح أحوال
стр. 1174
المجموع وانتظام أمر الجامعة فهذا أسمى وأعظم من صلاح حال الأفراد وانتظام أمورهم (١).
(٥) إقرار الشريعة الحرية وكذا المساواة بين الناس مع تقييد لها في مختلف تصرفات الناس بما نبه عليه الشارع.
° والقسم الثاني: راجع إلى دور الحكومة في الإسلام وتطبيق أحكامه. ومن صوره:
(١) إقامة الإمام، ومَن يكون المجتمع أو الأمة في حاجة إليه من وزراء وأهل الشورى في الإفتاء والشرطة والحِسبة ونوابِهم ومساعديهم ليتم تنفيذ الأحكام المتعلقة بالحقوق العامة للأمة، والأحكام المتعلقة بالحقوق الخاصة بين أفراد الأمة (٢).
(٢) حراسة ولاة الأمور للوازع الديني من الإهمال حتى يكون الامتثال من الناس اختيارياً، وإلا لجأوا إلى استخدام الوازع السلطاني الذي به يكون تنفيذ الوازعين الديني والجِبِلّي (٣)
° القسم الثالث تابع لما قبله. ويتضح بجلاء في طبيعة التشريع الإسلامي ومقوماته، أصوله وقواعده. ومن أمثلته التي أوردنا قبل:
(١) عموم الشريعة ودعوتها جميع البشر إلى اتباعها. فهي خاتمة الشرائع، ويستلزم عمومُها مخاطبةَ المكلفين جميعاً أينما وجدوا في أقطار العالم وحيثما كانوا في أزمانه. وأدلة ذلك كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ (٤)، وقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٥). ولتحقيق
стр. 1175
عموم الخطاب الشرعي أقام الله أحكامه على وصف مشترك بين الناس جميعاً استقر في نفوسهم وارتضته العقول السليمة فيهم وهو الفطرة. وقد جعل التماثل في إجراء أحكامه عوناً على حصول الوحدة الاجتماعية في الأمة، كما أرساها على اعتبار الحِكم والعلل التي هي من مدركات العقول لا تختلف باختلاف الأمم والعوائد. ومما يؤكد عموم الشريعة الكليات الكثيرة الواردة في القرآن، والقواعد العامة التي نجدها في السُّنة، ثم ما انبنت عليه الشريعة من مجملات ومطلقات يتولّى أمرَ بيانها وبيان محاملها أئمة هذا الدين من مجتهدين وفقهاء. وقد أردف المؤلف حديثه عن عموم الشريعة بذكر أمثلة كثيرة غَمرت كتب الأصول والقواعد (١).
(٢) اقتضاء الأوصاف المتقدمة صلوحية الشريعة للناس كافة في كل زمان ومكان. وذكر الكيفيات التي تتحقق بها صلوحيتها الدائمة، كقبول الشريعة بأصولها وكلياتها للانطباق على مختلف الأحوال بحيث تساير أحكامها مختلف الأحوال دون حرج ولا مشقة ولا عسر.
وكأن يكون مختلف أحوال العصور والأمم قابلاً للتشكيل على نحو أحكام الإسلام دون حرج ولا مشقة، كما أمكن للإسلام تغيير بعض أحوال العرب والفرس والقبط والبربر والروم والتتار والهنود والصينيين والترك من غير أن يجدوا حرجاً ولا عسراً في الإقلاع عما لزموه من قديم أحوالهم الباطلة، أو انسلخوا عنه مما تعارفوه من العوائد المقبولة (٢).
стр. 1176
(٣) قيام مقصد الشريعة على المنزع السوي في إناطة أحكامها مرتّبة على أوصاف ومعانٍ، وقيامها بضبط وتحديد ذلك على وجه يتبيّن به وجود الأوصاف والمعاني التي جاءت الشريعة برعايتها. وقد نصبت لذلك أمارات التشريع بها، والحدود والضوابط الصالحة لأن تكون عوناً للعلماء، تهديهم عند خفاء معاني الأوصاف، أو وقوع التردد فيها (١).
(٤) تحقيق الأحكام الشرعية العدلَ في المجتمع الإنساني والإسلامي.
(٥) تنويع المقاصد إلى أصلية وتابعة مما يكون من اليسير معه طلب الأحكام.
° القسم الرابع: وهو عبارة عن الأوصاف والمعاني التي ترتبط بها الأحكام.
يتضح ذلك فيما اعتمده أكثر الفقهاء من القياس، وسد الذرائع، الخاضعين لملاحظة العلل والأوصاف، التي تترتب عليها الأحكام:
(١) فمقصد الشريعة من أحكامها إثبات أجناس الأحكام لأحوال وأوصافٍ وأفعالٍ تنتج صلاحاً ونفعاً، أو فساداً وضراً قويين أو ضعيفين. مما يتأكد التوقف عنده لعلاج ما صدر من أحكام خاطئة في مثل:
(أ) إبطال نكاح المرأة من رجل زوّجها وليها منه بمهر، وزوّج هو ذلك الولي امرأة هو وليها بمهر مساوٍ لمهر الأخرى أو غير مساوٍ. فالحكم بالإبطال في هذا مردود لأنه ليس شغاراً بأي معنى من المعاني.
стр. 1177
(ب) تحريم بعض الفقهاء التدخين بوضع ورقة التبغ في الفم حملاً له على ما يفعله الحشاشون باطل، لمفارقة التبغ للحشيش المخدر. وبهذا فرّق الفقهاء بين الأوصاف. فإن منها ما هو مقصد للتشريع، ومنها ما هو مقارب له لا يتعلق به غرض الشارع وأسموه الأوصاف الطردية (١).
(٢) قابلية الشريعة القياس على أحكام ثابتة. وذلك للاتحاد بين المقيس عليه والمقيس في الوصف أو العلة، وكذلك أجازوا قبول الأحكام المقيسة عليها، عند الشعور بجهات الاتحاد بين مماثلاتها في الأحكام ... وقد أكسب استقراءُ الشريعة في تصرّفاتها فقهاءَ الأمة يقيناً بأنها ما سوت في جنس حكم من الأحكام بين جزئيات متكاثرة إلا ولتلك الجزئيات اشتراك في وصف يتعين عندهم أن يكون هو موجب إعطائها حكماً مماثلاً. والأوصاف المقصودة للشارع من أحكامه إما أوصاف فرعية قريبة كالإسكار أسميناها عللاً، وإما كليات مثل حفظ العقل سميناها مقاصد قريبة، وإما كليات تشمل النوعين المصلحة والمفسدة دعوناها مقاصد عالية.
ودلالة النظير على المعنى المرعي للشارع حين حكم له بحكم مّا دلالة مضبوطة ظاهرة مصحوبة بمثالها .. ومن أجل هذا صرّح العلماء بأن لاستحضار المُثل والنظائر شأناً ليس بالخفي في إبراز دقائق المعاني ورفع الأستار عن الحقائق. ومن ثم كفت الشريعة الفقيه مؤونة الانتشار في البحث عن المعنى في أجناسه العالية. ويتضح أن الأصل في الأحكام الشرعية كلها قبول القياس عليها ما قامت منها معانٍ ملحوظة للشارع (٢).
стр. 1178
(٣) مقصد سد الذرائع مقصد تشريعي عظيم استفيد من استقراء تصرّفات الشريعة في تشاريع أحكامها، وفي سياسة تصرّفاتها مع الأمم، وفي تقنين مقاصدها. ولا يمنع مثل هذا التصرّف في الأحكام من الانتباه إلى أن الشريعة قد عمدت لذرائع المصالح ففتحتها (١).
° القسم الخامس: مميزات التشريع الإسلامي علل ودلائل لا تصورات وظواهر:
(١) أساس مقصد الشريعة في الوصول إلى الإصلاح المطلوب هو تطور التشريع كالذي حصل من ابتداء البعثة إلى ما بعد الهجرة. ولعل هذا هو ما أشار إليه النبي ﷺ حين أجاب ابا عمرة الثقفي عن سؤاله عن الكلمة الجامعة في الإسلام فقال له الرسول ﷺ : "قل آمنت بالله ثم استقم" (٢).
(٢) قصد الشريعة من التشريع التغيير والتقرير. ويكون الأول من هذين للأحوال الفاسدة، وهو ما عناه تعالى بقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٣).
ويكون التغيير في الأحكام. تخفيفاً ورحمة بالمكلّفين ومثاله قصر عدة الوفاة في الظروف العادية على أربعة أشهر وعشر بدل استيفاء العام. كما يكون حزماً مثل التغيير إلى ما هو أشد كنهي المرأة عن الاكتحال في عدة وفاة زوجها ولو من مرض. والحكمة في هذا الحرصُ على المحافظة على الحكم.
ومسلك التيسير والرحمة تقتضيه فطرية الشريعة وسماحتها. فهي
стр. 1179
ليست بنكاية، ولا مقتضية لحرج أو مشقة ومن مظاهر تيسير الشريعة:
(أ) كون أحكامها مبنية على التيسير في غالب الأحوال.
(ب) لم تترك الشريعة للمكلفين بها عذراً للتقصير عن العمل بها، لأنها بنيت على أصول الحِكم والتعليل والضبط والتحديد كما قدمنا.
(ج) اعتماد الشريعة تغيير الحكم الشرعي من صعوبة إلى سهولة في الأحوال العارضة للأمة وللأفراد. قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١). وهذا من الرخصة.
وأما التقرير فللأحوال الصالحة استدامةً لها وإكثاراً منها. وهي ما يُنعتُ بالمعروف. قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢).
(٣) المقصد الأعظم للشريعة الإسلامية هو نوط أحكامها المختلفة بأوصاف تقتضيها، وأن يتسع تغيّر الأحكام بتغيّر الأوصاف. وفسّر الشيخ ابن عاشور هذا المقصد، موضّحاً ومعللاً له بقوله: ويحق علينا أن نأتي بشيء من استقراء الرسول ﷺ وتصرّفه لطمأنة الناظر في هذا المقام الذي قد يكثر منكروه ويعثر مبصروه. والدليل على اعتبار هذا المقصد كراهية الرسول ﷺ السؤال في النوازل (٣)، وقوله من حديث سعد بن أبي وقاص: أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يُحَرَّم فَحُرِّم من أجل مسألته (٤).
قد نَبَّه الشارع إلى مسلك الحزم في إقامة الشريعة. ودليل ذلك قوله تعالى:
стр. 1180
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١). ومن الحديث قوله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ" (٢)، و"من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق" (٣). كما دعا إلى الأخذ بالرخص.
الرخصة:
والرخصة في الاصطلاح الشرعي: تغيّر الفعل من صعوبة إلى سهولة لعذر عرض لفاعله وضرورة اقتضت عدم اعتداد الشريعة بما في الفعل المشروع من جلب مصلحة أو دفع مفسدة، مقابل دفع المضرّة العارضة الداعية لارتكاب الفعل المشتمل على المفسدة. ومثال هذا أكل المضطر الميتة.
وعرف الشاطبي الرخصة بقوله: هي مستمدة من قاعدة رفع الحرج، كما أن العزيمة راجعة إلى أصل التكليف. وكلاهما أصل كُلِّي (٤). وبتتبع صور الرخصة نجدها ترجع أيضاً إلى عروض المشقة والضرورة. ولما قدمنا استُثنيت من الأصل التشريعي صور وأحكام كإباحة السلم والمغارسة والمساقاة.
ومن الرخصة ما تَقضي به الضرورة المؤقتة، تحقيقاً لمقصد شرعي كسلامة الأمة وإبقاء قوتها (٥).
° القسم السادس: من مقاصد الشريعة أن تكون نافذة في الأمة، إذ لا تحصل المنفعة المقصودة منها كاملة بدون نفوذها. وهذا راجع كما هو معلوم إلى الوازع الديني اختيارياً كان أم جبرياً وما
стр. 1181
ألحق به. ولذلك وجب على ولاة الأمور حراسة الوازع من الإهمال (١) في نفوس المكلفين، والحرص على معالجة مختلف الأوضاع بالإصلاح.
الإصلاح والمصلحة:
لا مجال لتطهير المجتمعات ولا الأفراد، ولا سبيل إلى تخليصها مما يحيق بها في هذه الحياة من ضروب الانحراف وملابساته إلا بإصلاح الاعتقاد وتزكية النفس وتصفية الباطن وإصلاح العمل. فذلك هو الأساس لاستقامة الإنسان وأخذه بما تمليه عليه تعاليم الإسلام، وما وضعته التشريعات الإلهية لتقويمه. فإنه لا يسع المؤمن العاقل غيرُ الاستناد إلى الإصلاح والقيام به.
والإصلاح يؤثر صلاحاً ومصلحة. ويكون بإزالة الفساد عن الشيء. والصلاح صيرورة الإصلاح نافعاً ومناسباً، والمصلحة غير الصلاح.
وفي الاصطلاح يُطلق اصطلاح المصلحة على معان كثيرة متقاربة.
فالصلاح عند الغزالي عبارة عن جلب منفعة أو دفع مضرة، وتلك هي مقاصد الخلق. ولا يتم لهم ذلك إلا بصلاحهم. ويطلق لفظ الصلاح على المصلحة بمعنى المحافظة على مقصد الشارع. وكل ما يقابل ذلك مما هو من قبيل تفويت الكليات الخمس أو بعضها يسمى مفسدة (٢).
وعرفه الرازي بقوله: هو ما يوافق الإنسان تحصيلاً واتقاء. وفي التحصيل جلب للمنفعة، وفي الاتقاء دفع للمضرة.
стр. 1182
وتسمى المصلحة منفعة. وهي عبارة عن تحصيل اللذة، أو ما يكون وسيلة إليها، وبعكس ذلك أُطلقت المفسدة على الألم أو ما يكون وسيلة إليه (١).
وهذه الطريق وما يتوصل إليه بواسطتها منزَّلة منزلة المسبب والسبب المتولّدة عنه اللذة.
وأضاف العز بن عبد السلام في قواعده الكبرى: أن المصالح ضربان: حقيقي وهي الأفراح، ومجازي وهو أسبابها. والمعتد به من ذلك ما كانت المصلحة مرعية عند الشارع يقرها ولا يقتضي غيرها. فليس كل نفع معتبراً شرعاً. والمفسدة بعكس ذلك. وهي وصف للفعل يحصل به الفساد أو الضر دائماً أو غالباً للجمهور أو للآحاد (٢).
* * * * *
стр. 1183
الباب الثامن
مقاصد أحكام القضاء والشهادة
стр. 1184
توطئة
قدّم صاحب المقاصد لهذا المبحث ببيان توجّه الأحكام الشرعية المنوطة بتصرّفات الأمة ومعاملاتها إليها، مميزاً بين ما هو من قبيل المقاصد، وما هو من قبيل الوسائل، ومفرّقاً بين هذين الطرفين بكون المقاصد هي المتضمّنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، وكون الوسائل عبارة عن الطرق المفضية إلى تلك المقاصد، نازعاً في هذا منزعاً فريداً لا يلتبس بالذريعة، ولم يسبقه لمثله سوى العزّ بن عبد السلام في قواعده (١)، وشهاب الدين القرافي في فروقه (٢). وقد نبه إلى ذلك بقوله: لم أر من سبق إلى عرض هذا في غير بحث سدّ الذرائع سوى ما ذَكره العز بن عبد السلام في كتاب القواعد، وما أضافه إليه شهاب الدين القرافي في كتابه الفروق في الفرق الثامن والخمسين.
ثم رتب الشيخ على هذا قوله: وأنت ترى كلامهما مقتصراً على تخصيصها بمبحث المصالح والمفاسد. فغرضنا نحن أوسع، والفقه إليه أحوج (٣).
والمقاصد والحِكم، التي شرعت من أجلها الأحكام، هي أكثر ما تضمنه القسم الثالث من صنوف المعاملات وضروب التصرّفات،
стр. 1185
جاعلاً من صور ذلك التوثّق في عقدة الرهن، وإقامة نظام المنزل والعائلة في عقدة النكاح، ودفع الضرر المستدام الذي تسوء به المعاشرة في مشروعية الطلاق.
ويتميّز قسم مقاصد القضاء والشهادة بطرح جملة قضايا، لفَتَ إليها الإمام الأكبر النظر وهي أولاً الفقيه والقاضي. فهذا بعد مثافنته للعلم الشرعي، وممارسته للقضاء، تبرز مهارته بما اكتسبه من تجربة، وبما يتوقّعه من تطورات، ويتسم به من فهم وحزم.
ولاعتماد مصنّفه كله على العناية بإبراز المقاصد في كل مجال، نجده يتناول في هذا الباب عدداً من المواضيع أبرزها:
(١) المقاصد التي هي المحور الأساس لكل الأحكام وتصرّفات الحكام.
(٢) جملة من القواعد الفقهية التي يُحتكم إليها في الإثبات والنفي والاختيار والترجيح.
(٣) الوزعة. وهي متفاوتة متنوعة بين دينية وجبلية وسلطانية.
(٤) التفريق بين السلطتين التنفيذية وهي الولاية، والسلطة القضائية وهي المحاكم.
(٥) الاجتهاد، والقضاء، والإجراءات الشرعية.
(٦) الآثار.
(٧) أقضية الرسول ﷺ .
(٨) المسائل: كالحقوق والائتمان.
(٩) الشهادات.
(١٠) العقوبات.
стр. 1186
والمقاصد التي توّج بها المؤلف موضوعات هذا الباب، في القضاء والشهادات كثيرة متنوّعة. صدّر بها بحثه منبّهاً إلى ذلك بقوله: أنبأنا استقراء الشريعة من أقوالها وتصرّفاتها بأن مقصدها: أن يكون للأمة ولاةٌ يسوسون مصالحها، ويقيمون العدل فيها، ويُنفّذون أحكام الشريعة بينها؛ لأن الشريعة ما جاءت بما جاءت به من تحديد كيفيات معاملات الأمة، وتعيين الحقوق لأصحابها، إلا وهي تريد تنفيذ أحكامها وإيصال الحقوق إلى أربابها (١).
وهذا المقصد الجليل والهدف السامي للشريعة معلّل بما هو منتشر بين الناس من ظروف وأحوال عبّر عنها المصنّف بقوله إثر ذلك: لأن الحقوق معرّضة للاغتصاب بدافع الغضب أو الشهوة، ومعرّضة لسوء الفهم وللجهل والتناسي (٢). وإنما تزيل ذلك الشريعة بحملها الناس على الاستقامة.
وأكبر مقاصد الشريعة هو حفظ نظام الأمة، وليس يُحفظ نظامها إلا بسدّ ثَلمات الهرج والفتنة والاعتداء (٣).
ويتبع الشيخ ﵀ ذكر هذا المقصد بمقصد آخر أساسه ما بنيت عليه الشريعة من هداية، وقام به السلطان من دعوة، وحثٍّ على الالتزام به من أحكام الشريعة، ودفع ورفع أسباب الغواية. ويُثنّي المؤلف على ذلك بوجوب تعيين ولاة لإقامة أمورها، وإيجاد قوة تعين على تنفيذ أحكام الشريعة بينها. وهذا ما يستوجب وجودَ حكومة وسلطان هما من لوازم إقامة الشريعة لئلا تتعرّض في بعض الأوقات إلى التعطيل.
стр. 1187
ويتّجه الشيخ إثر ذلك إلى غرضين هامين: الأول منهما ناتج عن العناية بالشريعة، والثاني عن إحلال مهابتها في النفوس بجعل الآخذين بها المنتسبين إليها متمسكين بما تميّزت به من منهج في الحياة، ومحافظين على مقاصدها.
وقد جاء تصوير ذينك الغرضين في كتاب المقاصد بقوله: إن أهم المقاصد لتهيئة إقامة الشريعة وتنفيذها بثّ علومها وتكثير علمائها وحملتها. وذلك فرض كفاية على الأمة بمقدار ما يسدّ حاجتها، ويكفي مهماتها، في سعة أقطارها وعظمة أمصارها (١).
ويعقب على بيانه هذا بالتأكيد على أن تحقيق تنفيذ الشريعة يكون بإيقاعِ حرمتها في نفوس الأمة. ويقينُ الأمة بسداد شريعتها، شريعة الإسلام، يقوم على الأدلة القاطعة بأنها معصومة لاستنادها إلى الوحي (٢).
وهو ينبّه إثر ذلك إلى أن النظر في مثل هذا المهم ينبغي أن يكون منصباً على مقاصد الشريعة وما تقتضيه من إيصال الحقوق إلى أصحابها، على نحو ما رسمه الشرع تأصيلاً وتفريعاً. والذين يتولون هذا هم القضاة، وأهل شوراهم، وأعوانهم، وما تتألف منه طرق أقضيتهم من بيّنات ورسوم (٣).
ونظام هيئة القضاء كفيل بالإعانة على إظهار الحقوق وقمع الباطل الظاهر والخفي، والدلائل على هذا كثيرة نجدها في الأحاديث والأخبار الواردة بكتب الأقضية والشهادات ودواوين السُّنة كالصحيحين وموطأ الامام مالك وجامع الترمذي وسُنن أبي داود (٤).
стр. 1188
وكل من ولي ولاية الخلافة فما دونها إلى الوصية كما نبه على ذلك القرافي في الفرق الثالث والعشرين بعد المائتين، لا يحل له أن يتصرّف إلا لجلب مصلحة أو درء مفسدة. فيكون الأئمة والولاة معزولين عما ليس بأحسن. والمرجوح أبداً ليس بأحسن، وليس الأخذ به بذلاً للاجتهاد (١). وأصل هذه القاعدة قول الله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢). وهي تستهدف مقصداً سامياً هو التمكن من رعاية المجتمع بتنقيته من الشوائب الضارة به، ونشر الحق والعدل فيه. ومن أجل هذا عاد الشيخ ابن عاشور يذكّر بواجبات هيئة القضاء وبدور القاضي قائلاً: إن مقصد الشريعة من القاضي إبلاغه الحقوق إلى طالبيها. وذلك يعتمد أموراً عديدة منها أصالة الرأي، والعلم، والسلامة من نفوذ الغير عليه، والعدالة.
ومن لوازم أصالة الرأي العقل، والتكليف، والفطنة، وسلامة الحواس.
والعلم، هو العلم بالأحكام الشرعية التي يجري بها القضاء فيما ولي عليه القاضي من نوازل. ومن اجتمع فيه من القضاة خصلتان: العلم والورع، تعيّن أن يكون أمثل العلماء الصالحين، وبمقدار قوة علمه يزداد ترجّحه (٣).
وسلامة القاضي من نفوذ غيره عليه شرطٌ لتحقّق حريته وقدرته على الوفاء بما يقتضيه استقلال القضاء، وهو ما يعرف في المصطلح المعاصر بمبدأ تفريق السلط. وفي هذا قال أشهب: إن من واجبات القاضي أن يكون مستخفاً بتوسّطات الولاة في النوازل، وشفاعتهم
стр. 1189
فيها، وفي إنفاذ الحقّ عليهم وعلى ذويهم. وليس المراد بذلك أن يكون مستخفاً بحقوق الأئمة في تقرير الطاعة العامة (١).
وإن في تحقق هذه السلامة ما يكفل للقاضي حسن القيام بدوره من الحرص على تحقيق العدل بين الناس.
والعدالة في القاضي هي الوازع الذي يزعُهُ عن الجور في الحكم وعن التقصير في تقصّي النظر في حجج الخصوم. فهو بحق، بثبوت هذا الوصف له يكون أميناً، معتزاً بانتصاره للحق واستجابته لربه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٢). ويكون لهذا الوصف عظيمُ الاعتبار بجعله شرط صحة في ولاية القضاء. صرّح بهذا ابن فرحون ناقلاً عن سحنون: وأما العدالة، في اعتبارها شرطَ صحة، فلأنه لا تصحّ ولاية غير العدل. فمَن لا تجوز شهادته لا تصحّ ولايته. وقيل: تصحّ، ويجب عزله (٣).
وجاء في المقدمات: أن العدالة مشترطة في صحّة الولاية كالإسلام والحرية والبلوغ والعقل والذكورة على مذهبنا، والتوحد (٤).
ومن بين الشروط والقواعد التي ذكرها الفقهاء في هذا الباب ما يدل على الغاية منه، وعلى القصد المطلوب من شرطه. ونوّه صاحب المقاصد بصفات أخرى يتميز بها المُوكَلُ إليهم أمر الناس في القضاء، وهي مما توحي به القواعد العامة المتصلة بالقضاء، أو بهيئته.
فيجب على الإمام أو الولي نصب القضاة لرفع التهارج ودرء
стр. 1190
النوائب، ومنع الظلم ونصر المظلوم، وقطع الخصومات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١). وأضاف المؤلف: والنصيحة لكل مسلم استناداً إلى حديث جابر بن عبد الله الأنصاري قال: أما بعد فإني أتيت النبي ﷺ قلت أُبايعك على الإسلام؟ فشرط عليّ: والنصح لكل مسلم. فبايعته على هذا. وربَّ هذا المسجد: إني لناصح لكم، ثم استغفر ونزل (٢).
وقد جعلوا القضاء أمانة (٣)، كما اعتبروا القاضي أهمّ أركان القضاء. فإن في صلاحه وكماله صلاح بقية ما يحفّ به من أحوال (٤).
ومن الإضافات الإجرائية ما يدلّ عليه قول الشيخ: سنخصّ بحثنا هذا بمقاصد الشريعة. وذكر أن الفقهاء ما زالوا يضيفون إلى أحكام المرافعات ضوابط وشروطاً كثيرة ما كان السلف يراعونها (٥). وكان الولاة حين تولية أحد الفقهاء القضاء يجعلون ولاية الفقيه المقلد إنما تكون للفقيه في المذهب الذي تقلّده الناس الذين يقضي بينهم، فإذا كان في المصر أتباع لمذاهب كثيرة نصبوا فيه قضاة بعدد أتباع تلك المذاهب (٦).
ومن خير ما ثبت فى هذا الغرض أنه ليس من طريق لحمل طبقات الأمة على الاقتناع بأحكام القاضي غيرُ الأخذ بالأصلح من مجموع أقوال العلماء (٧).
стр. 1191
وأن ليس الإسراع بالفصل بين الخصمين وحده محموداً إذا لم يكن الفصل قاطعاً لعود المنازعة، ومقنعاً في ظهور كونه صواباً وعدلاً (١).
ومن أمثلة المقاصد في الإثبات والتوثيق، ما يعرف عندنا بالإجراءات الشرعية. ومنها ترجيح العلماء التصريح من القاضي في حكمه بمستنده تحقيقاً لنفي الحرج من الحكم الشرعي بقدر الإمكان (٢).
وقديماً اتخذ قضاة الإسلام دواوين لكَتْب ما يصدر عنهم من آجال، وقبول بيّنات ونحو ذلك، لتكون مذكّرة للقاضي ولمن يجيئ بعده، فيبني على فعل سلفه لكيلا تعود الخصومات أُنفا، وربما كتبوا ذلك كله بشهادة عدلين (٣).
ومن المقاصد توثيق المشهود به وحفظه، وأداؤه عند الاحتياج إليه. وذلك يقتضي كتابة ما يشهد به الشهود، وكتابة التوثّقات إذا كان الحق من شأنه أن يدوم متداولاً مدَّةً يبيد في مثلها الشهود. ولذلك تعيّنت مشروعية كتابة التوثّقات. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ (٤) واتصل عمل المسلمين في الأقطار كلها بكتابة التوثّقات في المعاملات كلها، مثل رسوم الأملاك والصدقات، وكذلك إثبات صحة رسوم التملّك والتعاقد بمثل وضع الختم والخطاب عليها إعلاماً بصحّتها (٥).
стр. 1192
وقد اهتم العلماء والفقهاء، من حين بدأ اجتراء الناس على الحقوق تدريجياً، بوضع أساليب في إجراء الخصومات، لقطع الشغب ومَحْقِه وتحقيق الحق. وأول ذلك البحث عن أحوال الشهود.
قال علماء المدينة: إن اليمين لا تتوجه على المدعّى عليه حتى تثبت الخلطة، أو يكون المدّعى عليه ظَنيناً أي متهماً (١). وحين تتطرّق التهمة إلى الحاكم في قضائه تزول حرمة القضاء من النفوس.
أما العقوبات فأول ما يطالعنا منها عند صاحب المقاصد:
أن الزواجر والعقوبات والحدود ما شرعت إلا من أجل إصلاح الأفراد الذين منهم يتقوّم مجموع الأمة (٢).
ومقصد الشريعة من تشريع الحدود والقصاص والتعزير وأروش الجنايات ثلاثة أمور: تأديب الجاني، وإرضاء المجنيّ عليه، وزجر المقتدي بالجناة (٣).
ومن المحقق أن في إقامة العقاب على الجناة على قواعد معلومة ما يُؤْيِس أهل الدعارة من الإقدام على إرضاء شياطين نفوسهم في ارتكاب الجنايات (٤).
ولطول هذا البحث وكثرة المقاصد المعروضة فيه نقتصر على النظر في قضايا أَوْلاها المؤَلَّفُ أهميةً بالغة، وهي علم القاضي، وتوليته وعزله. وكلها معلّل بالأهداف والمقاصد المرعية المترتبة عليها أحكامها.
стр. 1193
تولية القاضي:
لعلو منزلة القضاء، وجعله أمانة في المجتمعات الإنسانية ولها، ولاعتبارهم القاضي أهم أركان القضاء، إذ في صلاحه وكماله صلاح بقية ما يحفّ به من أحوال كما قدمنا. تعرض أكثر الفقهاء في كتبهم، في أبواب القضاء والشهادات، وفي مصنفاتهم الخاصة بهذه المرتبة السنية وهي أدب القاضي، إلى ذكر جملة من الصفات أو الشروط التي يلتزمون بها في تولية القضاة.
فمن جملة النصوص المعرّفة بواجب الولاة في اختيار مَن يصلح لهذا المهم الذي يتوقّف عليه تبيين الحقوق وإسنادها إلى مستحقيها، قول الإمام ابن تيمية: يجب على ولي الأمر البحث عن المستحقين للولايات، من نوابه على الأمصار من الأمراء الذين هم نواب ذي السلطان والقضاة .. فيجب على كل من ولي شيئاً من أمر المسلمين، من هؤلاء وغيرهم أن يستعمل، فيما تحت يده في كل موضع، أصلحَ من يقدر عليه (١).
وقد تتبعنا أقوال الأئمة في كثير من المذاهب فوجدناها تشترط لولاية القضاء شروطاً صحيحة متفقاً عليها إجمالاً. وهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، وسلامة الحواس، والعلم بالأحكام الشرعية، والعدالة. وشروط مختلف فيها كالذكورة، والاجتهاد.
ولم يكن يعنينا في هذا المحل غير شرط العلم الذي يتعين تحريره لضبط الرأي الشرعي فيه. ولا يتم ذلك إلا بالنظر في أحوال المجتهد والعالم والمقلِّد، والعامي أو الجاهل.
стр. 1194
(١) أما المجتهد فهو من يبذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها بالنظر المؤدّي إليها. ورجّح ابن السمعاني، على هذا التعريف، قولَ بعضهم في الاجتهاد: هو طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه. فهو أليق بكلام الفقهاء. ووضع علماءُ الأصول شروطاً للمجتهد منها: الإسلام، والعلم باللسان وبالكتاب، وبالناسخ والمنسوخ، وبالسُّنة، ومواضع الإجماع، وأن يتوافر له صحة الفهم وحُسن التقدير، وسلامة الاعتقاد، وإخلاص النية.
والاجتهاد بالنسبة للقضاء يُطلق على المسلك الذي يتبعه القضاة في أحكامهم، سواء منها ما يتعلق بنصوص الشرع، أم باستنباط الحكم الواجب تطبيقه عند عدم النص، وخاصة في البلاد التي لها قانون مدوّن جامع. وإنما يتقيّد الحاكم باجتهاد المحاكم العليا التي تتقيد بدورها باجتهادها السابق. وتُمثل في الواقع هذه الاجتهادات العرف العام (١).
وقال العطار محدداً وظيفة الاجتهاد: لا يقبل الاجتهاد من المجتهد أو من غيره إلا إذا اتفق مع قواعد هذا المهم. ويحصر أدلة هذا العلم في أدلّة الأحكام الشرعية ومصادرها في القرآن والسُّنة والإجماع والقياس والاستحسان والعرف والمصلحة المرسلة والذرائع والاستصحاب وشرع مَن قبلنا (٢).
(٢) وأما العالم المقلِّد الذي يُعدّ في الدرجة الثانية بعد المجتهد، فهو ضد الجاهل. دليل ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣).
стр. 1195
والعلم يُطلق على إدراك المسائل. ولهذا السبب قالوا: الفقه هو الفهم، ويُطلق على المسائل نفسها، وعلى الملكة الحاصلة للمتمرس به وبقضاياه. وعلى هذا النحو قالوا: العلم هو الوجود الذهني، إذ لا يعقل ما هو معدوم صِرف بحسب الخارج كالممتنعات (١).
واعتمد الماوردي على نفي مساواة العالم بغيره في الآية، لأنها وردت مورد الزجر، فأصبح الزجر أمراً في معنى الأمر بالعلم ونهياً عن الجهل.
وبحكم هذا التفسير أو الاتجاه في وصف القاضي يصبح المقصود من العلم العلمَ بأصول الأحكام التي نصّ عليها معاذ في حديث: "كيف قضيت"؟ (٢).
وإذا كان العالِم المقلّد هنا هو الفقيه في اصطلاحاتنا الشرعية، فإن هذا الفقيه هو من يكون ذا علم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، والفقه هو نفس هذه الأحكام التي نحتاج في معرفتها إلى التأمل والفهم، وبعضٍ من الاجتهاد وإعمال الرأي (٣).
(٣) وأما العامي الذي يمكن اعتباره في الدرجة الثالثة بعد المجتهد والفقيه في بعض المذاهب، والذي قد تقتضي المصلحة وجودَه، فهو مَن لا يستطيع أن ينهض بأعباء القضاء على وجه قريب من المطلوب إلا بواسطة الاستشارة والجنوح إلى أقوال من سبقه من