← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وأن ليس الإسراع بالفصل بين الخصمين وحده محموداً إذا لم يكن الفصل قاطعاً لعود المنازعة، ومقنعاً في ظهور كونه صواباً وعدلاً (١). ومن أمثلة المقاصد في الإثبات والتوثيق، ما يعرف عندنا بالإجراءات الشرعية. ومنها ترجيح العلماء التصريح من القاضي في حكمه بمستنده تحقيقاً لنفي الحرج من الحكم الشرعي بقدر الإمكان (٢). وقديماً اتخذ قضاة الإسلام دواوين لكَتْب ما يصدر عنهم من آجال، وقبول بيّنات ونحو ذلك، لتكون مذكّرة للقاضي ولمن يجيئ بعده، فيبني على فعل سلفه لكيلا تعود الخصومات أُنفا، وربما كتبوا ذلك كله بشهادة عدلين (٣). ومن المقاصد توثيق المشهود به وحفظه، وأداؤه عند الاحتياج إليه. وذلك يقتضي كتابة ما يشهد به الشهود، وكتابة التوثّقات إذا كان الحق من شأنه أن يدوم متداولاً مدَّةً يبيد في مثلها الشهود. ولذلك تعيّنت مشروعية كتابة التوثّقات. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ (٤) واتصل عمل المسلمين في الأقطار كلها بكتابة التوثّقات في المعاملات كلها، مثل رسوم الأملاك والصدقات، وكذلك إثبات صحة رسوم التملّك والتعاقد بمثل وضع الختم والخطاب عليها إعلاماً بصحّتها (٥).

стр. 1192

وقد اهتم العلماء والفقهاء، من حين بدأ اجتراء الناس على الحقوق تدريجياً، بوضع أساليب في إجراء الخصومات، لقطع الشغب ومَحْقِه وتحقيق الحق. وأول ذلك البحث عن أحوال الشهود. قال علماء المدينة: إن اليمين لا تتوجه على المدعّى عليه حتى تثبت الخلطة، أو يكون المدّعى عليه ظَنيناً أي متهماً (١). وحين تتطرّق التهمة إلى الحاكم في قضائه تزول حرمة القضاء من النفوس. أما العقوبات فأول ما يطالعنا منها عند صاحب المقاصد: أن الزواجر والعقوبات والحدود ما شرعت إلا من أجل إصلاح الأفراد الذين منهم يتقوّم مجموع الأمة (٢). ومقصد الشريعة من تشريع الحدود والقصاص والتعزير وأروش الجنايات ثلاثة أمور: تأديب الجاني، وإرضاء المجنيّ عليه، وزجر المقتدي بالجناة (٣). ومن المحقق أن في إقامة العقاب على الجناة على قواعد معلومة ما يُؤْيِس أهل الدعارة من الإقدام على إرضاء شياطين نفوسهم في ارتكاب الجنايات (٤). ولطول هذا البحث وكثرة المقاصد المعروضة فيه نقتصر على النظر في قضايا أَوْلاها المؤَلَّفُ أهميةً بالغة، وهي علم القاضي، وتوليته وعزله. وكلها معلّل بالأهداف والمقاصد المرعية المترتبة عليها أحكامها.

стр. 1193

تولية القاضي: لعلو منزلة القضاء، وجعله أمانة في المجتمعات الإنسانية ولها، ولاعتبارهم القاضي أهم أركان القضاء، إذ في صلاحه وكماله صلاح بقية ما يحفّ به من أحوال كما قدمنا. تعرض أكثر الفقهاء في كتبهم، في أبواب القضاء والشهادات، وفي مصنفاتهم الخاصة بهذه المرتبة السنية وهي أدب القاضي، إلى ذكر جملة من الصفات أو الشروط التي يلتزمون بها في تولية القضاة. فمن جملة النصوص المعرّفة بواجب الولاة في اختيار مَن يصلح لهذا المهم الذي يتوقّف عليه تبيين الحقوق وإسنادها إلى مستحقيها، قول الإمام ابن تيمية: يجب على ولي الأمر البحث عن المستحقين للولايات، من نوابه على الأمصار من الأمراء الذين هم نواب ذي السلطان والقضاة .. فيجب على كل من ولي شيئاً من أمر المسلمين، من هؤلاء وغيرهم أن يستعمل، فيما تحت يده في كل موضع، أصلحَ من يقدر عليه (١). وقد تتبعنا أقوال الأئمة في كثير من المذاهب فوجدناها تشترط لولاية القضاء شروطاً صحيحة متفقاً عليها إجمالاً. وهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، وسلامة الحواس، والعلم بالأحكام الشرعية، والعدالة. وشروط مختلف فيها كالذكورة، والاجتهاد. ولم يكن يعنينا في هذا المحل غير شرط العلم الذي يتعين تحريره لضبط الرأي الشرعي فيه. ولا يتم ذلك إلا بالنظر في أحوال المجتهد والعالم والمقلِّد، والعامي أو الجاهل.

стр. 1194

(١) أما المجتهد فهو من يبذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها بالنظر المؤدّي إليها. ورجّح ابن السمعاني، على هذا التعريف، قولَ بعضهم في الاجتهاد: هو طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه. فهو أليق بكلام الفقهاء. ووضع علماءُ الأصول شروطاً للمجتهد منها: الإسلام، والعلم باللسان وبالكتاب، وبالناسخ والمنسوخ، وبالسُّنة، ومواضع الإجماع، وأن يتوافر له صحة الفهم وحُسن التقدير، وسلامة الاعتقاد، وإخلاص النية. والاجتهاد بالنسبة للقضاء يُطلق على المسلك الذي يتبعه القضاة في أحكامهم، سواء منها ما يتعلق بنصوص الشرع، أم باستنباط الحكم الواجب تطبيقه عند عدم النص، وخاصة في البلاد التي لها قانون مدوّن جامع. وإنما يتقيّد الحاكم باجتهاد المحاكم العليا التي تتقيد بدورها باجتهادها السابق. وتُمثل في الواقع هذه الاجتهادات العرف العام (١). وقال العطار محدداً وظيفة الاجتهاد: لا يقبل الاجتهاد من المجتهد أو من غيره إلا إذا اتفق مع قواعد هذا المهم. ويحصر أدلة هذا العلم في أدلّة الأحكام الشرعية ومصادرها في القرآن والسُّنة والإجماع والقياس والاستحسان والعرف والمصلحة المرسلة والذرائع والاستصحاب وشرع مَن قبلنا (٢). (٢) وأما العالم المقلِّد الذي يُعدّ في الدرجة الثانية بعد المجتهد، فهو ضد الجاهل. دليل ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣).

стр. 1195

والعلم يُطلق على إدراك المسائل. ولهذا السبب قالوا: الفقه هو الفهم، ويُطلق على المسائل نفسها، وعلى الملكة الحاصلة للمتمرس به وبقضاياه. وعلى هذا النحو قالوا: العلم هو الوجود الذهني، إذ لا يعقل ما هو معدوم صِرف بحسب الخارج كالممتنعات (١). واعتمد الماوردي على نفي مساواة العالم بغيره في الآية، لأنها وردت مورد الزجر، فأصبح الزجر أمراً في معنى الأمر بالعلم ونهياً عن الجهل. وبحكم هذا التفسير أو الاتجاه في وصف القاضي يصبح المقصود من العلم العلمَ بأصول الأحكام التي نصّ عليها معاذ في حديث: "كيف قضيت"؟ (٢). وإذا كان العالِم المقلّد هنا هو الفقيه في اصطلاحاتنا الشرعية، فإن هذا الفقيه هو من يكون ذا علم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، والفقه هو نفس هذه الأحكام التي نحتاج في معرفتها إلى التأمل والفهم، وبعضٍ من الاجتهاد وإعمال الرأي (٣). (٣) وأما العامي الذي يمكن اعتباره في الدرجة الثالثة بعد المجتهد والفقيه في بعض المذاهب، والذي قد تقتضي المصلحة وجودَه، فهو مَن لا يستطيع أن ينهض بأعباء القضاء على وجه قريب من المطلوب إلا بواسطة الاستشارة والجنوح إلى أقوال من سبقه من

стр. 1196

الفقهاء والمفتين. وأكثر المذاهب لا تبيح تقليدَه خطة القضاء لأنها وإن صحّت نسبته إليها فإن جهله يحول دون قضائه بالحق، ويقع الحكم منه باطلاً من حيث لا يشعر. قال الماوردي: ويدخل في الوعيد لأنه قَضَى على جهل (١). وبنظرة سريعة إلى المذاهب الأربعة يمكن التفريق بينها فى شأن العلم. فالحنفية، وإن كانوا لا يعتبرون العلم شرطَ صحة في تولية القضاء بل شرطَ ندب واستحباب؛ منقسمون إلى فريقين: الأول: يجيز تقليد العامي القضاء، لأنه قد يحكم بعلم غيره باعتماده في هذا المهم فتاوى وأحكام مَن تقدمه من القضاة فيقضي بها. الثاني: لا يَقبل تقليدَ العامي القضاء بحال. فَتَوْلِيته وإن جازت شكلاً عند أصحاب الفريق الأول فلا ينبغي أن يتصرّف بحكم هذا التقليد في قضايا الناس، لما يترتب على تصرّفه هذا في الأحكام من إضرار بالمجتمع، وجور على الخلق. وهذا باطل شرعاً لا يقبل تبريراً، ولا يمكن القيام به لما فيه من ردٍّ وإبطال لحديث معاذ، ولمخالفته إقرار الرسول ﷺ لمُعاذ، ورضاه بما ذكره من الأصول التي تبعها القاضي مطمئناً. فهو إما أن يحكم بالكتاب، وإما أن يحكم بالسُّنة، وإما بما يلتمسه من مصادر التشريع الأخرى. ولا يتأتّى هذا للعامي إذ هو مقطوع الصلة بهذه المصادر وبالوجوه الثلاثة من الحكم، فأين سبيله إليها؟!. وقد توعّد رسول الله ﷺ هذا النوع من

стр. 1197

المستخفِّين بحقوق الخلق قائلاً: "القضاة ثلاثة: قاضٍ في الجنة، وقاضيان في النار" (١). ويدل هذا على أن القضاء بغير علم مدرجة للحكم بالباطل، وللوقوع في الظلم ولو من غير شعور أو توقّع. وقالت الشافعية: الشرائط المعتبرة في تولية القضاء عشرة. وذكروا منها الاجتهاد. والاجتهاد هو العلم بالكتاب والسُّنة والإجماع والقياس وأقوال العلماء ولسان العرب (٢). فلو لم يصل القاضي باجتهاده إلى حكم الحادثة ففي جواز تقليده وجهان: الأول: قول ابن سريح: يجوز أن يقلّد فيها للضرورة، ويحكم لأنه ما من عالِم إلا وتُشكل عليه أحكام بعض الحوادث. الثاني: قول المروزي: لا يجوز أن يقلَّد في قضائه، ويستخلف عليها من يحكم باجتهاده، إن ضاق وقت الحادثة. وذلك الحاكم ملزَم، فلا يجوز أن يلزمه ما لا يعتقد لزومه. قال المزني: قال الشافعي ﵀: ولا يشاوِرُ إذا نزل به المشكلُ إلا عالماً بالكتاب والسُّنة والآثار وأقاويل الناس والقياس ولسان العرب (٣). والمجتهد ثلاثة أقسام: مجتهدٌ مطلق، ومجتهدُ مذهب، ومجتهدُ فتوى. واشترطت الحنابلة الاجتهاد أيضاً فيمن يلي رتبة القضاء، وأَوْلَوا الأمرَ أعدَلَ المقلِّدين وأعرَفَهم عند غياب المجتهد حتى لا

стр. 1198

تسقط الأحكام ولا يختلَّ النظام. واشترطوا في المجتهد أن يقتصر في الاجتهاد على مذهب إمامه للضرورة. فإن كان مقلداً جرى على نفس المهيع الذي عَمِل به الناس من مدة طويلة (١). وذهبت المالكية إلى اشتراط العلم في تولية القاضي. وقالت: ينبغي أن يكون عالماً بالأحكام الشرعية التي ولي القضاء بها، ولو مقلداً لمجتهد على المعتمد، خلافاً لخليل (٢). وتوسّع الإمام الأكبر في بيان اشتراط العلم للقاضي في مذهبه عند المالكية وقال: الشرط الأول الاجتهاد إن وجد، وأن يكون صاحبه، أي المجتهد، مشتهراً بذلك، وسلّمت له مرتبة الاجتهاد من طائفة علماء عصره. ثم عقّب على هذا الرأي بقوله: (١) إن العالِم المقلّد لمذهب مجتهد مشهور، العالِم بالأدلة لا يقصرُ في استحقاقه القضاء عن المجتهد. وولاية الفقيه المقلَّد إنما تكون للفقيه في المذهب الذي تقلّده الناس الذين يقضي بينهم. (٢) وجوب استحضار القاضي للأحكام الشرعية في المسائل الكثيرة النزول، وأن يكون مقتدراً على الإطلاع على أحكام والنوازل ونوادرها، عند دعاء الحاجة إليها، بسهولة. ونقل لنا الإمام بعد هذا عن ابن القاسم أنه لا يُستقضَى من ليس بفقيه. ومضى يصوّر درجات القضاة مومئاً إليها بعدُ بذكر ما يحصل للقاضي بها من العلم التام الكفيل بنجاحه في مهمته. فيروِي عن أصبغ وأشهب ومطرف وابن الماجشون: أنه لا يصلح أن يكون

стр. 1199

القاضي صاحب حديث لا فقه معه، ولا صاحب فقه لا حديث معه، مؤذناً بالحاجة الأكيدة إلى جمع كل هذه المعارف والفنون: الفقه وأدلته، والأحكام ومراتبها جمعاً يثبت لديه ما ينشأ له بذلك من ملكة يتفوق بها على غيره من الفقهاء. ويقابل ما ذكرناه من آراء في اشتراط العلم للقاضي، تصحيحاً لولايته، وتمكيناً له من الوفاء بواجبه عند فصل النزاعات قولُ قاضي مصر نفيس الدين بن شكر: إنه يجوز تولية المتأهّل لمعرفة استخراج المسائل من مواضعها. حكى ذلك ابن راشد القفصي عنه في كتابه الفائق، مؤيداً هذا بقوله: لا يلزم المجتهد أن يكون حافظاً لآيات الأحكام. وهاتان في واقع الأمر قضيتان: قضية حفظ المجتهد لآيات الأحكام. قال الشيخ ﵀ مثنيّاً على كلام صاحب الفائق: وكلام ابن راشد هو الصواب، لأن المجتهد غير مطلوب بفصل القضاء بين الناس. فإذا ولي المجتهد القضاء كان الشرط فيه أضيق من شروط مطلقِ مجتهد. وفي قضية تولية المتأهّل لمعرفة استخراج المسائل من مواقعها للقضاء، لم يُسَلِّم ابن راشد بمقالة ابن شكر القاضي تسليماً مطلقاً بل رفض موافقته على ذلك بقوله: وفي هذا من التضييق على الخصوم، لأنه يطيل عليهم فصل نوازلهم حتى يفهمها. وفيه وسيلة إلى تولية الجهال. اهـ (١). عزل القاضي: العزل التنحية، أو إنهاء الولاية. ومحلهما أن تكون الولاية في

стр. 1200

مظنّة المصلحة. ولا يكون العزل إلا لمظنّة المفسدة. فجميع تصرّفات الأمراء منوطة بالمصالح كما بَيَّنا (١). وإن حفظ حرمة المناصب الشرعية، وإعانة القائمين بها على المضي في سبيلهم، غيرَ وجِلين ولا مغضوضين لَمِن أكبر المصالح (٢). وورد في المقاصد عند الحديث عن إنهاء ولاية القضاة ما نصّه: تكلم العلماء في عزل القاضي، وتردّدت أنظارهم في ذلك، بناء على اعتباره وكيلاً عن الأمير من جهة، وعلى وجوب حرمة هذا المنصب في نظر الناس من جهة أخرى. وهي مسألة لها مزيد تعلّق بالسلامة من نفوذ غيره عليه، لأن العزل غضاضة عليه، وتوقّعه ينقص من صرامته إن لم يغلبه دينه (٣). وبعد التقديم لهذه الولاية وما يعتري المنتصب لها من أحكام، وما ينبغي أن يُرعى فيها من ذمام له وللقضاء، يَنقُل إلينا المؤلف جملة من الآراء المتقاربة حيناً، والمتباعدة أخرى. فيصوّر موقف بعض الأئمة ووجهات أنظارهم فيما صدروا عنه من أحكام. فمن ذلك ما ذكره عن المازري من قوله: إن عُلم عِلْمُ القاضي وعدالته ولم يقدح فيه قادح لم يعزل بالشكية، وسئل عن حاله بسببها سراً. وذكر بعد هذا -فيمَن لم تتحقق عدالته - أن أصبغ قال: يُعزل، وقال غيره: لا يُعزل. وتعرّض بعد ذلك لما جرى عليه السلف وما رواه من كلام ابن عرفة أحدِ المحققين من علماء المالكية، قال: إن في عزل القاضي توهيناً لحرمة منصبه، على أنه قد صار، فيما بعد عصر السلف، لصاحب الخطة حق في بقائها، نظراً لضعف آراء وعدالة

стр. 1201

الأمراء الذين يولون القضاة. ولم يكن هذا على إطلاقه، فقد عقّب عليه الخطّاب بقوله: ويجب تفقد الإمام له حال قضائه فيعزل مَن في بقائه مفسدة وجوباً وفوراً (١). ولم يحفظ أن عمر عزل قاضياً أصلاً. وهذا خلاف ما أورده البيهقي في سننه (٢) مع كونه عزل الأمراء بمجرد الشكيّة. عزل سعد بن أبي وقاص، وخالد بن الوليد، وشرحبيل. وأضاف إلى هذا: أنه لم يَثبت أن رسول الله ﷺ عزل قاضياً ولا أبا بكر عزل قاضياً أيضاً (٣). وفي ختام هذه الإفادات التي ظفرنا بها من المقاصد ختم الشيخ حديثه عن العزل ببيان اصطلاح بني حفص قائلاً: إنهم كانوا لا يبقون أحداً في حالة القضاء أكثر من ثلاث سنين (٤). فرد هذا القول واعتبره خطأ في التصرّف (٥). والعزل ثلاثة أنواع: الأول: أن يَعْزِل القاضي نفسه. الثاني: أن يُعزَل بموت الإمام أو بِعزله عن الإمامة. الثالث: أن يكون عزل القاضي من طرف الإمام. أما عزل القاضي نفسه رغبة منه في ذلك، فإنه يكون بصريح

стр. 1202

قوله، أو بعزله بالكتابة إلى الإمام. ووجه ذلك أن القاضي بمنزلة الوكيل وللوكيل عزل نفسه. وذهبت الحنفية إلى أنه ينعزل بعد سماح الإمام له بذلك لا قبله (١). وقالت المالكية: لا يتم عزله إلا بشرط عدم تعلّق حق لأحد في قضائه، حتى لا يؤدي عزلُه إلى حصول ضرر لمن التزم القضاء بينه وبين خصمه (٢). وأما عزل القاضي بموت الإمام، أو بعزله عن الإمامة فلا يصحّ، لأن الخلفاء ولَّوا حكاماً في زمانهم، فلم ينعزلوا بموتهم، ولأن في عزل القضاة بموت الإمام ضرراً على المسلمين. فإن البلاد تتعطل من الحكام، ولأن القاضي لم يتولَّ لمصلحة الإمام بل لعامة مصلحة المسلمين (٣). وأما عزل القاضي من قِبل الإمام فله حالتان: إذا توافرت شروط القضاء فيه، وليس فيه ما يوجب عزله، فقيل: يملك الإمام عزله، وقيل: لا. واختلف الفقهاء في هذا على ثلاثة آراء: الأول: يملك الإمام عزله مطلقاً. فإذا عزله نفذ عزله. وهو رأي الحنفية وأحد رأيي الحنابلة. ودليلهم ما قدمنا الإشارة إليه من تصرّف الخلفاء الراشدين في ما هذا شأنه.

стр. 1203

الثاني: يملك الإمام عزل القاضي لسبب من الأسباب التالية: (١) حصول خلل من القاضي ولو بغالب الظن. ومن ذلك كثرة الشكاوى منه. (٢) ألا يحصل منه خلل، ولكن يوجد من هو أفضل منه لتلك الولاية. فيجوز العزل تحصيلاً لتلك المزية للمسلمين بتولية من هو أفضل منه. (٣) ألا يحصل منه خلل، وليس هناك من هو أفضل منه، لكن في عزله مصلحة للمسلمين كتسكين فتنة. وعزل الإمام القاضي دون حصول هذه الأسباب إثم. واختلفوا في تنفيذ عزله في تلك الحالة. فإمام الحرمين يرى التنفيذ وهو الأهم. وعلّلوا هذا الحكم بمراعاة أمر الإمام، إلا أن لا يوجد من يخلف المعزول في القضاء بين الناس، فيتعين إبقاؤه وعدم عزله. وقال آخرون بعدم النفاذ لعدم وجود الخلل أو المصلحة. وهذا رأي الشافعية. وبه قالت المالكية، لكنهم احترزوا فذهبوا إلى وجوب عزله إن تحققت المفسدة في بقائه، ويستحب إن خُشيت مفسدته (١). الثالث: عدم جواز عزله مطلقاً. وهو الرأي الثاني للحنابلة. وقالوا: إن تولية القضاء أمر تعود مصلحته للمسلمين. فلم يملك الإمام عزله، كما لو عقد النكاح على موليته فإنه لم يكن له فسخه (٢). * * * * *

стр. 1204

الباب التاسع الغرض من مقاصد الشريعة

стр. 1205

الفصل الأول: المقاصد والتجديد مع علم مقاصد الشريعة: الموضوع الأساس لعلم مقاصد الشريعة هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو الإنسان، كما سبق بيانه، ذكر ذلك الشيخ في كتابيه مقاصد الشريعة الاسلامية، وأصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ولفت إليه النظر أيضاً في كتب أصول الفقه عند حديثه عن المناسبة والإخالة من مباحث المسالك ونحوها. وقد عدّوا من ذلك مباحث كثيرة، لها اتصال بالمقاصد وإن كانت تبحث أساساً في كتب علم أصول الفقه. وهي المصالح المرسلة والمتواتر والمعلوم بالضرورة وحمل المطلق على المقيد إذا اتحد الموجِب والموجَب، أو اختلفا (١). وأشار الإمام إلى مقاصد أخرى كثيرة وردت في طوالع الأبواب من كتب علم أصول الفقه، تعتبر مِن مقاصد أنواع المشروعات. وهي بلا شك دون مقاصد التشريع العامة (٢). ونقد صاحب المقاصد علم أصول الفقه بما عرفناه عن طريقه من أسباب أوجبت ضعفاً أو نقصاً في هذا العلم، أو أوجب اختلالاً في تعاطيه. من ذلك:

стр. 1206

أولاً: توسيع علم أصول الفقه بإدراج ما لا يُحتاج إليه فيه، حيث قصدوا منه أن يكون علم آلات الاجتهاد، فضمّنوه مسائل كثيرة من علم المنطق والكلام والعربية والأحكام. ثانياً: تأخّر تدوين علم أصول الفقه على تدوين الفروع. وقد أدّى هذا إلى ما زاد به الاختلاف بين المذاهب، بظهور كثير من التعارض، وحمل المؤلفين عند حصول ذلك منهم، أو عند أخذ أحدهم بغير ما يجري على أصول مذهبه على القول بأن فلاناً خالف أصلَه، وفلاناً طردَ أصلَه. وربّما قال كما عبر عن ذلك البخاري في تعليقاته على مثل هذه الحال ناقضَ فلان أصلَه. وهو في الحقيقة ما خالفَ ولا طردَ، وإنما تأصَّل الأصلَ من بعد الفرع. ثالثاً: تضمُّنُ علم أصول الفقه مسائل خارجة عن حدِّه، لا علاقة لها بموضوعه. وذلك كالتساؤل عن حال النبي ﷺ هل كان متعبّداً بشرع قبل نبوءته. رابعاً: الغفلة عن إيراد مقاصد الشريعة، إذ لم يدوّنوها في الأصول. وهي الأحرى بأن تكون الأصلَ الأول. ومن ثم استدرك أبو إسحاق الشاطبي، على الأصوليين، فخصّ جزءاً من كتابه الموافقات بالتعريف بالمقاصد الشرعية، وبحثَ قضاياها في الجزء الثاني منه. خامساً: ما انتشر بين الفقهاء من قعود وكسل حُرِموا به الاجتهاد في القضايا المستجدّة التي كان عليهم شرحها لأهل الملة، حتى يأخذوا بها، مقدّمين لها على غيرها، حماية لشريعة ربنا، وتمسكاً بأصول هذا العلم وقواعده. وقد عُدّت قوادح أخرى أسرعت إلى هذا العلم مع توالي ما مرّ

стр. 1207

به من مراحل تاريخية، وجرت بالحديث عنها الألسن. وهي في جملتها ترجع إلى عدم الأخذ بالقياس الكلّي والاكتفاء بالجزئيّ منه (١). والموضوع الأساس هو ما نبّه إليه الإمام الأكبر عند تعريفه للمصالح المرسلة. وقد تقدّمَ الإمام الأكبر باقتراحه العلمي الدقيق طالباً أولاً تجديد علم أصول الفقه على أساس تطويره (٢) وجعلِه صالحاً للاستفادة منه والاستعانة به في استنباط الأحكام وضبطها، وفي حرصه ثانياً على المصالح ضبطاً لأحكامها. فقد قضى العلماء ردحاً من الزمن يعملون على تحكيم علم أصول الفقه في المنازعات والاختلافات كما فعل القدامى من علماء الدين أو الفقه فلم يظفروا بطائل. وفي هذه الفترة ظهرت الدعوة مرّة أخرى إلى تطوير علم أصول الفقه وتجديده، والتزم الشيخ تداركَ علم أصول الفقه مما لَامَسه من ضعف، وخالطه من مسائل لا صلة له بها، ومحاولةَ تطويره تطويراً علمياً واضح المعالم وصفه به في التمهيد من مقدمة كتاب المقاصد (٣). وإن اختيار هذا المنهج لتطوير علم أصول الفقه، أو جعلِه وعلمَ المقاصد علماً واحداً، ليضع به الإمام خطة لمن يأتي بعده حتى اليوم ممن يحاول التجديد. وتتمثل هذه الخطة على النحو الذي يراه، أو على وجه قريب منه فيما يزيل ما تراكم على علم أصول الفقه من إضافات كان ينبغي حذفها.

стр. 1208

ومما دعا الإمام إلى الإقبال على تجديد علم أصول الفقه ما أوحت به السُّنة النبوية الشريفة، التي عن طريقها حدّد علماء الدين والملة حقيقة التجديد وذلك ما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدّد لها دينها" (١). النزوع إلى التجديد عند ابن عاشور وغيره من العلماء: التجديد للدين كما عرفه الإمام الأكبر: إرجاعُهُ إلى حالة الجِدَّة، أي الحالة الأولى التي كان الشيء عليها في استقامته وقوة أمره. وذلك أن الشيء يوصف بالجديد إذا كانت متماسكة أجزاؤه، واضحاً رُواؤه، مترقرقاً ماؤه (٢). وعرفه من العلماء العلقمي والمناوي وأبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي وغيرُهم. قال المناوي في تعريفه: يجدِّدُ لها دينها؛ أي يُبيِّن السنة من البدعة، ويكثِّر العلم، وينصُر أهلَه، ويكسِّرُ أهل البدعة ويذلُّهم. قالوا: ولا يكون المجدّد إلا عالماً بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة (٣). واختار العلماء والأئمة من اعتبروهم مجدّدين، واختلفوا في اختياراتهم بحسب تصوّراتهم لما ثبت لهذه الصفوة أو تلك من أوصاف تؤهّلهم لهذه المرتبة المنيفة. ووضع الشيخ الإمام رسالة في هذا الغرض أغنى عن ذكرها هنا ما أوردناه في القسم الأول من هذا الكتاب، عند عرضنا لآثار المؤلف.

стр. 1209

أول المجددين للدين في نظر صاحب المقاصد هو الإمام مالك بن أنس: قال الشيخ ابن عاشور إثرَ الحديثِ عن فقهاء المدينة ورواتها: ثم انحصر علمهم في مالك بن أنس عالِم المدينة، فأزبد عنده ذلك المخض، وأفصح عن الخالص المحض، وانفرد في زمنه بحمل السنة الصحيحة، وعرْضِ المرويات على محكِّ النقد. وكان اعتماده في النقد على معايير ثلاثة: - عمل أهل المدينة. - قواعد الشريعة. - وصفات الرواة. ولم تجتمع هذه المعايير لغير مالك في عصره ولا قبل عصره. كان ظهور مالك في أوائل القرن الثاني في حدود سنة ١١٢؛ لأن مالكاً قد نبغ وهو شاب، وكانت ولادته سنة ٩٣ أو ٩٦، فيكون في حدود سنة ١١٠ قد بلغ الحلم أو تجاوزه. وفيه تأوّل أهل عصره حديث رسول الله ﷺ : "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون أعلم من عالم المدينة" (١). قالوا: وفيه إشارة إلى مالك بن أنس. ذهب إلى هذا سفيان بن عيينة وابن مهدي ويحيى بن معين وابن المديني، وجمعٌ كثيرٌ (٢). إمام الحرمين: سبق الإمامَ ابنَ عاشور إلى دعوة التجديد لعلم أصول الفقه إمامُ

стр. 1210

الحرمين عبد الملك الجوينى. ذكر ذلك الأستاذ الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان، منوهاً بعلمه وبمنهجه في تجديد علم أصول الفقه. قائلاً: إن التجديد الذي أبرز ثوابتَه ومعالِمه الواضحة، التي لا يعزب عن المتخصّصين الذين يعيشون على الفكر الأصولي في مدوّناته ومصادره الأصلية .. ، هو كما يقتضيه الإنصاف بالحكم ما تَفَرَّدَ به إمام الحرمين، في هذا المجال بكل ما قيل، بل والأحرى أن يعدّ كتابه البرهان في أصول الفقه مشروعاً لتجديد هذا العلم، بكل ما يعنيه التجديد موضوعاً ومضموناً وشكلاً أيضاً في صورة غير مسبوقة وغير ملحوقة، أنموذجاً رفيعاً لتحقيق هذه الغاية (١). ثم ذكر الأستاذ الدكتور في حديث طويل عناصر تجديد الفكر الأصولي. وجعل منها: (١) التسليم التام لأصول الشريعة وإبقاؤها على الرأي. (٢) التحليل الموضوعي وتصويب المجتهدين في المظنونات. (٣) تفهم آراء المخالفين وإنصافهم. (٤) كيفية استخلاص الرأي الصحيح. (٥) إعطاء كل موضوع خاصيته وعدم اعتباره بغيره. (٦) إحكام صياغة حدود المصطلحات الأصولية. وذيل هذا البحث بقوله: بهذا يكتمل الفكر الأصولي: الموضوع والمضمون والمنهج. ولا يسلم كل هذا إلا بالخلو عن العوائق والموانع التي تناولها العرض آخر هذا البحث. وقد عُدّ منها في هذه الرسالة:

стр. 1211

التعصب المذهبي، وإساءة فهم رأي المخالفين، والتأويلات البعيدة، وإهمال المقاصد، وعدم اكتمال بحث المسائل. وللتجديد عند إمام الحرمين عناصر وركائز. فلا يتمّ إلا على أصول ثابتة ونصوص موثّقة، ولا يكون على مجرد أمثلة غير مسلم بثبوتِها. وتلقَّف الدعوة إلى التجديد عدد كبير من رجال الفكر وأهل العلم في عصرنا هذا، لم تتّحِد في ذلك أسبابُ القيام به عندهم، وتعرّضت فئة منهم إلى الفتنة لوقوعها في محاذير، وتردّيها بسبب توجيهات المستشرقين وإيهامات مقالات غير ذوي الاختصاص في مهامه خطيرة. التطوّر والتجديد: فرق العلماء والكتاب المعاصرون في تعريفهم بين التطوّر والتجديد: فالتطور الذي ينادون به، أساسه أن العقل الإنساني لا يقف قط، والمعرفة تسير دائماً إلى الأمام. وأما التجديد فهو يجري في رأي الإنسان عن العالم ليستقرّ في ترجمة جديدة إعادةُ تقدير الحقائق الأساسية للعقيدة .. وهذه المميّزات يجب ألا تفرض على العقيدة من الخارج، بل يجب أن تنمو داخل نظام الاعتقاد ذاته. وبغير هذا لا تستطيع تلك التفسيرات أن تقنع المسلمين الآخرين (١). والتطور مسألة حتمية في كل شيء. وكل شيء يتطور: تتطورُ البيئة، ويتطور سكانُ البيئة من الأحياء. فلا عجب إذن أن يكون

стр. 1212

قانون هذه البيئة الاجتماعية هو التطوّر. ولن تقف حركة التطوّر الكوني والإنساني إلا حين تقف عجلة هذه الحياة الأرضية البشرية ونواميسها كلها، وتدع المكان لحياة أخرى في عالم جديد، له خصائص جديدة ترشّحه للثبات والخلود (١). وحقيقة التجديد لا تعني لدينا، نحن المسلمين، غير السعي للتقريب بين وقائع المجتمع المسلم في كل عصر وبين المجتمع النموذجي الأول الذي أنشأه الرسول ﷺ . وذلك هو المطلوب لغةً، والمقصود عملاً وديانةً. وليس من التجديد في شيء المفهوم الذي تقدمه العصرانية. وهو ما شاع عند أولي الظن كأثر من آثار مواجهة الحضارة الغربية للإسلام. فهي تقدم خليطاً من الإسلام ومن جاهلية الغرب، وتجتهد في إيجاد المواءمة بينهما، وتعتمد بذلك أسلوب التحوير والتأويل لتعاليم الإسلام، وأسلوب التنازلات والتسويغ باسم الاجتهاد (٢). التجديد بين اتجاهين تحيط بهما محاذير: برز اتجاهان خارجي وداخلي، متحامل ومستسلم. ينطق بالأول التوجيه الغربي لحركة التجديد الفقهي بل الفكري الإسلامي. فهذا أحد المستشارين الإنجليز بوزارة الخارجية يقول في كتابه إلى أين يتّجه الإسلام؟: يبدو للنظرة الأولى أن الجمهرة العظمى من المسلمين لم تتأثّر بمؤثرات دينية أوروبية، وأن التفكير الديني الإسلامي قد ظلّ وثيق الاتصال بأصوله الدينية التقليدية. ولكن ذلك ليس هو الحقيقة كلها. فالواقع أن التعاليم الدينية ومظاهرها عند أشد

стр. 1213

المسلمين محافظة على الدين وتمسكاً به، قد أخذت في التحوّل ببطء، خلال القرن الماضي. فإن دخول عناصر جديدة على الحياة الإسلامية كان يقتضي إبراز بعض تعليمات الدين، وتوجيه عناية أكبر إليها، ووضعها في المكان الأول، ووضع تعليمات أخرى في مرتبة غير أساسية. وإذا حدث هذا أيقنا بأن الموازين الدينية والتعاليم الأخلاقية في الإسلام آخذة في التحوّل. وأن هذا التحوّل يتّجه نحو تقريب الموازين الغربية في الأخلاق، من تلك التي تتمثل في التعاليم الأخلاقية للكنيسة المسيحية. وبجانب هذا التأويل للتجديد الذي ورد من الخارج نجد المستشرق الإنجليزي صاحب كتاب التشريع الإسلامي يقول في وصفه لأكذوبة التناقض التي يتصوّرها في التشريع: توصف الشريعة الإسلامية بأنها شريعة الوحي وشريعة الفقهاء. وهذا التناقض الظاهري في الوصف يكشف عن وجود توتّر أساسي في النظام الذي يتجاذبه الوحي الإلهي من ناحية، والمنطق البشري للفقهاء من ناحية أخرى (١). وبينما يلحُّ أحدُهم في الدعوة إلى تجديد أصول الفقه التقليدي وإسقاطه, مصرّحاً بقوله: إن علم الأصول التقليدي الذي نلمس فيه الهداية، لم يعد مناسباً للوفاء بحاجاتنا المعاصرة حقَّ الوفاء، فهو مطبوع بأثر الظروف التاريخية التي نشأ فيها، بل بطبيعة القضايا التي كان يتوجّه إليها البحث الفقهي (٢). وتصدرُ الآن عن آخرين مقالات لا تشجّع على الأخذ بهذا التجديد ولا تسمح بالمضي فيه.

стр. 1214

المحاذير من التجديد: حذّر أصحاب الاتجاه الرافض للحركة الإصلاحية التطويريّة التجديدية معلّلين ذلك بقولهم: (١) إن حركة تطوير الفقه وأصوله بديل مُتطورٌ لحركة تركيا الثورية نحو العلمانية. (٢) إن العمل الجاد التجديدي لهو الذي يقوم على مبدأ المصلحة وحدها. (٣) وصف الفقه بالوضعي، وإقامة الرأي في الأصول على النص يستهدف هدم الحواجز القائمة بين شريعة البشر وشريعة الله. (٤) حصر النصوص في الأمور الثابتة، وترك الفقه الوضعي للأمور المتغيرة. (٥) استخدام هذا المنهج لإضفاء صفة الشرعية للأفكار الغربية على الأسرة والاقتصاد والقانون (١). ويقابل هذا التوجيه من الخارج تحذير للطبقة المستسلمة في الداخل يَنصحها بالمحافظة على التراث الإسلامي. التراث عروبة وإسلام: يقول عماد خليل: "التراث جذور الأمة، ومكوّنات شخصيتها، ومسارها الحيوي عبر الزمان والمكان. وهو القاعدة والمنطلق وحجر الزاوية. وهو قدر الأمة ونسيج وجودها الذي لا يمكن لإنسان أن

стр. 1215

ينكره إلا على مستوى الجدل النظري الذي لا رصيد له في عالم التجربة الحية والواقع المعاشي". وهو من خلال بحثه يؤكد بأن كل المحاولات التي تستهدف الفصل بين تراثنا وإسلامنا إنما هي محاولات تسعى لإقامة الحواجز بين العروبة والإسلام. وهي محاولات انفصالية موقوتة غير دائمة. ولن تكون نتيجتها سوى الفشل المحتوم (١). وبعودتنا إلى التجديد والتطوير، تستوقفنا من بين المجموعة التي بين أيدينا جملة من الكتب والدراسات منها: كتابُ علم أصول الفقه وهو بحث د. جابر فياض. درج المؤلف في كتابه هذا على تصوير المراحل المختلفة لهذا العلم. فمن التشريع في عهد رسول الله ﷺ وعهد الصحابة، إلى التشريع بعد صدر الإسلام. ومن تدوين الشافعي لأصول الفقه، والتنويه بعمله والتفصيل لمذهبه يظهر به أثر الشافعي في دراسة الأصول، يتخلص إلى بحثِ وضبطِ المبادئ والأسس التي قام عليها هذا العلم. وينتقل من حديثه عن رسالة الشافعي إلى ذكر التطوّرات التي وقعت في هذا العلم عن طريق إمام الحرمين بكتابه البرهان، والغزالي بالمستصفى، وظهور طريقة الحنفية إلى جنب طريقة المتكلمين. ومن التمحّض لقواعد الفقه الكلية إلى تقدير ما ينبغي أن يكون عليه علم أصول الفقه في عصرنا الحاضر. ويقف المؤلف، ليقول في مرارة: إنه منذ القرن الثالث عشر لم يوضع في علم أصول الفقه ما يمكن أن يعتبر تطويراً لهذا العلم

стр. 1216

الجليل باستثناء بعض الرسائل الجامعية. ويرجع هذا عنده إلى سد باب الاجتهاد، واكتفاء الناس بما وصلهم من كتب السلف. وربما كان من أشد الأسباب في ذلك إلغاء الشريعة الإسلامية كنظام يحكم حياة المسلمين (١). ومن هذه اللفتة الدقيقة لمختلف مراحل الكتابة والتأليف في علم أصول الفقه، يستوقفنا كتاب المنطلق في التجديد لحسين أتاي الذي لخّص بعض ملاحظاته فيه بقوله: (١) يحتاج التجديد إلى تثبيت وتعيين نقطة البداية، ووضع منهج خاص للقيام بعمل نافع. (٢) توجيه النظرة من قبل العمل التجديدي في علم أصول الفقه إلى وجوب التفريق بين الشريعة والفقه، وبيان العلاقة بينهما. (٣) وجوب مسايرة الفقه أو العلم بالأحكام الشرعية التي يُتوصل بها بواسطة الاستدلال والاستنباط إلى معالجة وضع معين في زمن معين لمقتضيات الحياة المتطورة للبشر، بحيث لا تخرج عن إطار الدين. أما الشريعة فثابتة لا يمكن تبديلها، لأن القرآن قد حصر سلطة التشريع في الإسلام، فجعلها بيد الله وبيد رسوله ﷺ . (٤) تمسك أكثر العلماء بما ظهر من مذاهب شغلتهم عن دراسة علم أصول الفقه، وفي هذا تحوّل بالفروع بجعلها أصولاً. وهو ما يعوق الأئمة في الغالب عن ولوج باب الاجتهاد. وبجانب هذه التأملات والملاحظات، تقدم صاحب المنطلق في التجديد بالدعوة إلى مفهومين.

стр. 1217

(١) دراسة تراثنا الفقهي للاستفادة منه في كيفية فهم المتقدمين للنصوص، وليس لغرض الاتباع والتدين. فإن أصول الفقه والفقه ما هما إلا من الله الواحد الأحد، وهما من مشكاة واحدة، وواسطة لفهم القرآن والسنة لا غايةً في ذاتهما. (٢) أن يكون القرآن والسُّنة مصدرين رئيسيين مهما كان الحكم الفقهي، وبغضّ النظر عن صاحب الحكم، وأن يرجع إلى الكتاب والسُّنة كلما حدث حادث أو أريد وضع قانون أو نظام. ويمكن أن يتبع ما قدمناه، من ذكر لعلم أصول الفقه، بيانُ المنهج الأصولي الثابت المعروف بين مذاهبنا الفقهية بالمذهب الظاهري، فقد تولى الكتابة في ذلك د. عبد الحليم عويس حين قام بتقويم عمل ابن حزم وجهوده، وبيان مذهبه في مجال التشريع الإسلامي. ويتمثل اتجاه ابن حزم هذا كما هو معلوم في الاعتماد على البيان وهو السنة. وابن حزم لا يقبل من السنة إلا القولي منها. وقد ضمن كتابه المحلَّى نحو ثمانين حديثاً من المتواتر. ومذهبه الاحتجاج بأحاديث الآحاد، والأخذ بظواهرها من الأوامر والنواهي. وهو يحصر الإجماع في إجماع الصحابة وإجماع من بعدهم ممن أتى تبعاً لهم. وفي مقابل هذه الأصول المقرّرة المعتدّ بها عند الظاهرية نجد ابن حزم ينكر في شدةٍ القياسَ والتعليلَ والاستحسانَ وسدَّ الذرائع (١). وحاول إسماعيل راجي الفاروقي في بحثيه تسليط الضوء على أسرار التشريع في العبادات. والتنبيه إلى أنها الركن الركين في موضوعات المقاصد الشرعية. وفي بيان ذلك أورد في رسالته عن

стр. 1218

أبعاد العبادات في الإسلام جوانب ثلاثة: يتجلّى الأول في البعد الاقتصادي. وهو البعد المادي المتضمن لجميع أنواع الخَير المادي، من بقاء وصحة وقوة علمية ومادية للتغلّب على المشاكل والأزمات والتخلص من آثارها. والإيقان بأن الإسلام مركزٌ على العمل الشريف. ويتمثل الجانب الثاني في البعد الاجتماعي. وهو مجد الإسلام في علمه وحكمته، في تحكيم الأخلاق في القوانين وتعييرها بها. والجانب الثالث هو البعد السياسي. وأركانه هي الوحدة والمساواة والعدل والتعبئة (١). أما كتابه الثاني: الاجتهاد والاجماع وهما طرفا الديناميكية في الإسلام فقد تساءل فيه عن أشياء لا بد أن تحضرنا ذهنياً في كل حين للإجابة عنها قولاً وفعلاً. وهي: من يجتهد؟ وفيمَ يجتهد؟ وكيف يجتهد؟. وقد أضاف إلى بحثه هذا الشروط الإسلامية المعروفة. أهمها: (١) فهم مقاصد الشريعة الحضارية، وتحقيقها والولاءُ لها. (٢) إتاحة فرصة للإسلام لأن يدبِّر كل ناحية من نواحي الحياة، بناء على ما تنطق به تشريعاته. (٣) العمل على حلّ أهمّ مشاكل العصر الحديث بالاجتهاد. وذلك بالخوض في أمهات المبادئ، وربط القيم الإسلامية بعضها ببعض. (٤) جعل المنطلق الأساسي في هذا الاجتهاد ما يعمر القلب

стр. 1219

والفكر والروح من حقائق التوحيد (١). وتمحض الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي من بين هؤلاء الدارسين لنظرة شاملة موضوعية في دراسة الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد مركّزاً على جملة من الاعتبارات والأسس قائلاً: "ليس التجديد هو تطويعَ الفقه الإسلامي حتى يساير القوانين الوضعية: لا اللاتينية ولا الجرمانية، لا الرأسمالية ولا الاشتراكية. فهذا ليس من التجديد في شيء بل هو تحريف وتزييف. إنما التجديد الحق هو تنمية الفقه الإسلامي من داخله وبأساليبه هو، مع الاحتفاظ بخصائصه الأصلية وبطابعه المميّز. وهي الخصائص التي يرتكز عليها. والأساس الرباني، والوازع الديني، والإنسانية، والوسطية، والتوازن بين الفردية والجماعية، مع الالتزام بأصوله وضوابطه الكلية، والقدرة على النماء والتجدّد" (٢). وأضاف إلى هذه الفقرة المصوّرة لمنهجه المعتمد في التجديد ذكر معالم التجديد والوسائل المساعدة لها المثبتة لأسسه وقواعده. تصورات للتجديد: تناولَت ثلةٌ من الأساتذة البحثَ والعرضَ لتجديد وتطوير علم أصول الفقه ونشرت في مجلة المسلم المعاصر جملةً من الدراسات، مثل اعتبار التيسير مقصداً من مقاصد الشريعة، والدعوة إلى إنشاء مجلس لشؤون المجتهدين، وقضايا فقهية جزئية كإنكار تقسيم النكاح إلى فاسد وباطل، واعتبار الإجراءات الطبّية الحديثة قائمة على أساس

стр. 1220

قواعد الفقه الإسلامي، ودراسة مسائل علمية مهمّة ذات أثر، يُعنى بها الأصوليون والفقهاء، مثل: التفرقة بين السنة التشريعية وغير التشريعية، وحكم العمل بالسُّنة الفعلية في مجال الأمور الدنيوية، والتقليد والتلفيق في الفقه الإسلامي، والفتوى بين الماضي والحاضر. وإلى جانب هذه الطائفة من الآراء والتصوّرات التي يقوم بها دعاة التجديد، ظهرت بين رجال الفكر ورجال القانون والفقه جماعة اعتمدت في الترويج لآرائها مقدمات خطابية، أساسها اعتبار الفقه محصوراً في المسائل الجزئية، متناولةً في جملتها بعض المظاهر المميزة للفقه الإسلامي وأصوله. ومن الملاحظ في هذا الاتجاه الذي سلكه دعاة التجديد جمعهم بين أمرين معاً هما تجديد أصول الفقه وتجديد الفقه. وفي هذا المجال تقدمت طائفة بالإشارة إلى أن الفقه في عصرنا الحاضر وبين أصحاب الاختصاص فيه من دارسين وباحثين، لا يتناول إلا القضايا الجزئية غير ملتفٍ إلى القضايا العامة، التي نحتاج إلى دراستها مع اعتبار حاجة الأمة ملحّة إليها. فكان من مستلزمات ذلك ما أصاب الفقه من انحسار. ودعوا إلى أن تكون في الفقه دراسات عامة وكلية تتناول مسائل العبادات والمعاملات والأنكحة، ثم قضايا الملكية وما تخضع له في مختلف البلاد والعصور من سياسة واتجاهات، وتحديد سلطان الدولة، ومدى تدخّلها في تنظيم الحياة، والحديث عن الخلافة، وشروط الخليفة أو الحاكم ودوره، وقضايا السلم والحرب، وعقد المعاهدات والاتفاقات بين الدول والإجبار على العمل بها، وبجانب هذا بالخصوص الفقه العام وقضاياه المتعددة والسياسة الشرعية حسب آراء الأئمة المعتدّ بأقوالهم كالجويني والغزالي والشيباني والباقلاني

стр. 1221

والماوردي وابن تيمية وابن القيم ومن نحا نحوهم من العلماء المعاصرين أمثال محمد بيرم الأول وعبد الرحمن تاج ومحمد يوسف موسى. وكانت غايتهم من هذه الملاحظة إظهارَ فوائد هذا الاتجاه، وما يمتد إليه الاهتمام عندهم، برعاية المجتمعات الإسلامية في المجالات المختلفة، وإعادة المنعة والقوة للأمة، ونشر الخير ووسائل المعرفة بين أفرادها، مع بذل الوسع والتوجيه لما يحقق لها التقدم والازدهار الحضاري من بحث ثروة الأمة وطرق تنميتها، وما إلى ذلك مما هو موضع عناية كثير من الشرعيين ورجال الفقه. وهذا جانب آخر من التجديد يقتضي الإعداد والترتيب وجمع مختلف الوسائل وبحثها بعمق وموضوعية، وإن كان لا يخضع لما نحن فيه من النظر والدرس لقضايا علم أصول الفقه بخصوصه.

стр. 1222

الباب العاشر الاجتهاد

стр. 1223

الفصل الأول: مقدمات في الاجتهاد الاجتهاد عبارة عن بذل الفقيه جهده في استنباط حكم شرعي عملي من دليله التفصيلي الشرعي على وجه يحس معه من نفسه العجز عن المزيد. والمراد بالفقيه هنا مَن يُمكنه استنباط الأحكام العملية من الأدلة الشرعية. وذهب المتأخرون إلى أن الفقيه يطلق على المجتهد، وعلى كل من يحفظ المسائل الفقهية في مذهب من المذاهب، ويعلم عامها من خاصها، ومطلقها من مقيدها، ومشكلها من مجملها (١). وربما احتيج إلى شيء من الدقة في التعريفين ليُتخلّص قدَر الطاقة من الاضطراب الحاصل للأصوليين. فإنهم اختلفوا اختلافاً واسعاً في إصابة المجتهد من عدمها في اجتهاده على أقوال منها: ° إن المصيب واحد فيما اختلف فيه اجتهاد المجتهدين في المعقولات، وقواعد العقائد، والباقون على الزلل والخطأ. ° خالف في ذلك العدل الحافظ الأديب المفسر أبو زكريا يحيى العنبري بقوله: إن كل مجتهد مصيبٌ في المعقولات والمظنونات جميعاً. وردَّ هذا الرأي إمام الحرمين بما أورده في

стр. 1224

البرهان من قوله: وهذا لا بد أن نتكلف له مَحْمَلاً، ونبين له وجهاً. ثم نزيّفه، إذ لا يُظَنُّ بذي عقل أن يقول: الاجتهادات الواقعة في أصل الملل والنحل، كالاجتهادات الواقعة في المظنونات حتى يصوّب فيه كل مجتهد. وفي هذا انسلال من الدين بالكلية، وكيف يعتقد ذلك والعلم بأحد الجانبين أو ما يعارضه جهل، فكيف يعتبر الجاهل مصيباً؟. والقول الحق في هذه القضية أن مَطالِب الخلقِ الوصول إلى الحق، ولكن اكتفي منهم بعقدٍ هم عليه مصمّمون. فإذا خاضوا في طلب الحق، ولم يحتمل عقلهم إلا ما اعتقدوه فيُعذرون على اعتقادهم. والذي يُستند إليه في نهاية هذا التقرير: أن الأعراب في زمن رسول الله ﷺ كانوا يسألون. والرسول ﷺ يعلمهم تفاصيل أحكام الشريعة. ولم يطالبوا وراء ذلك بأعمال الفكر والنظر، فيتبين من مجموع ذلك أن الخطأ في أمر لم يكلف بأصله سهل المدرك، وهكذا يكون المصيب واحداً في المعقولات. ° واختُلف في المظنونات. والحق أن المصيب واحد، لأن في القول بتصويب المجتهدين كلهم سَفسطة في أوله وزندقة في آخره. وهذا هو المشهور من كلام الشافعي (١). ° وانقسم القائلون بالتصويب فريقين: الأول: هم المقتصدون الذين يعتبرون الوقائع العريَّة عن النصوص والإجماع ليس لله فيها حكم معين، ولكنها موكولة إلى الطلب والاجتهاد. فإذا غلب على ظن المجتهد أمر فحكم الله فيه اتباع غلبة ظنه وموجبه. الثاني: الغلاة وهم القائلون بأن الناس غير مطالبين بالاجتهاد فلا اجتهاد. ويفعل المكلف ما يختار أيَّ الطرفين يشاء (٢).

стр. 1225

وانقسم القائلون بأن المصيب واحد إلى مقتصدين وغلاة أيضاً. فالمقتصدون يرون أن من أصاب منهم فله أجران، والمخطئ معذور (١). وقال الغلاة: المخطئ آثم معاقب معاتب (٢). وفصّل القرافي في هذا القول. وعقب الجويني على ما تقدم بقوله: إن الأشبه الذي هو شوف الطالبين فيما عدم النص فيه، كالنص في محل وجوده فيخرج منه أن الذي أخطأ النصَ والشوفَ مصيب من جهة العمل، مخطئ من حيث إنه لم ينته إلى نهاية الشوف. ولا فرق بين قصور النظر عن الأشبه، أو درك النص فيما فيه الكلام. وإن كان النص يفيد ركون النفس، ولا يفيد الأشبه إلا غلبة الظن (٣). فإذا حصرنا الاجتهاد بصفة مجملة في إدراك حكم الله في أفعال العباد، وفي التعرّف على الأدلة التي تُستقى منها الأحكام، يكون لزاماً علينا أن ننبّه: أولاً: إلى أن من الأحكام ما هو تشريع إلهي محضٌ. وذلك كالذي ثبت من تواتر أو بحديث نبوي قولي أو فعلي أو تقريري. وكذلك ما سنَّه المجتهدون في عصورهم المختلفة من قوانين من عموم استنباط النصوص، ومن روح التشريع وأهدافه العامة بواسطة الأمارات التي جعلها الشارع منهجاً وطريقاً لمعرفة الحكم

стр. 1226

الشرعي. وهذا القسم هو الغالب في أحكام الشريعة. وهو سماوي إلهي باعتبار الأصل والأساس، وهو تشريعي وصفي بالنظر إلى جهود المجتهدين في استمداد الأحكام واستنباطها. ثانياً: إلى أن الدليل التفصيلي المقصود بالنظر فيه التوصّلُ إلى إدراك حكمٍ شرعي على سبل العلم أو الظن. وقد اشتهر عند علماء الأصول أن من الأدلة ما هو قطعي يفيد القطع، ومنها ما هو ظني في دلالته على الحكم. وذهبت طائفة كما قدمنا إلى أن الدليل هو ما يتوصل بالنظر الصحيح فيه إلى إدراك حكم تشريعي على سبيل العلم والجزم فقط. واعتبروا ما يتوصل بالنظر فيه إلى إدراك حكم شرعي على سبيل الظنّ أمارةً لا دليلاً. واختار الجويني أن الأمر مختلِف وكأنّه ملتَقَط من الطرفين، وهو يجمع المحاسن. فإن عنينا أنه لا يوجب العمل بمقتضى الظن، فهذا إنكار ما لا وجه لإنكاره، إذ المجتهد إذا غلب على ظنه أمر فأمر الله اتباع موجب ظنه، ولا يناط ظنه بظن آخر. فإن رأينا أن المجتهد كلف ما وراء غلبة الظن بتحصيل أمر آخر، فلا وجه له أيضاً إذ الأمر والاجتهاد ينضبط به وغلبة الظن حاصل (١). ولعلنا بعد ما عرفناه في الطور الأول من الفقه في صدر الإسلام، وما وقفنا عليه بعد ذلك من فقه أصحاب المذاهب، نجد علماً متيناً وآراء ناضجة وتحقيقات وفتاوى بذل أصحابها أقصى ما يملكون من الجهد. وتبعت هذه الأطوار فترة طويلة من الاستقرار والجمود امتدت نحو خمسة قرون أو أكثر. وإنا لنلمس بحمد الله من

стр. 1227

منتصف القرن الماضي نهضة جديدة بما ظهر من مظاهر اليقظة والانبعاث. وبعد أن انتشرت القوانين الوضعية الأجنبية والالتزام بالعمل بها قسراً عاد علماء الإسلام ورجال القضاء إلى الشريعة الإسلامية يلوذون بتراثهم الفقهي وأحكام شريعتهم، يحيونها مُراعين في ذلك مراحل التطور للخروج بالحكم الإسلامي من سيطرة الغرب إلى واقع معاش يرجع فيه الناس إلى حكم الله وحكم الرسول ﷺ . وكانت الخطوة الأولى في التقنين، وإعطاء الفقه الإسلامي طابعه النظري الذي يجمع بين الأصول والاجتهادات المعاصرة. وهذه مجلة الأحكام العدلية شاهدة بذلك. صدرت سنة ١٢٨٦، وبدأ العمل بها ١٢٩٢، غير أن أحكامها كانت مقصورة على المذهب الحنفي. ورغم ذلك فقد اندفع علماء الفقه وأصوله إلى توسيع هذه النهضة وكتابة الفقه في مقالات ورسائل وكتب، وتكونت لجان الفتوى في كل مكان، وأُحدث مجمع البحوث الإسلامية ومجامع الفقه الإسلامي في بلاد كثيرة. وفي ١٩٢٠ خرجت الأحكام الشرعية في مصر عن الاقتصار طى المذهب الحنفي، وتجاوزت ذلك إلى الأخذ بالمذاهب الأربعة. وفي ١٩٢٩ تجاوز الأخذ بالأحكام في الأحوال الشخصية عن خصوص المذهب الحنفي إلى الأخذ ببعض المذاهب الفقهية الإسلامية الأخرى. وتجلّى ذلك بالخصوص في أحكام الوقف والمواريث والوصية. وذلك ما اقتضته مراعاة مصالح الناس ومسايرة التطور الاجتماعي. واتسعت النظم بعد هذا إلى الأخذ بالقوانين الشرعية المختلفة تحقيقاً لمصالح الناس، ومسايرة لروح العصر وتطوراته، شرط ألا يخالف ذلك نصاً من القرآن أو السُّنة الصحيحة.

стр. 1228

واجب الاجتهاد: توجيهاً لعلماء العصر وفقهائه أطلق الإمام الأكبر دعوته بوجوب الاجتهاد، منبهاً إلى أن ذلك لا يتم لأحد إلا متى توافرت لديه شروط ثلاثة: (١) أن يكون الفقيه، كما قدمنا، ذا نظر سديد في فقه الشريعة. (٢) أن يكون متمكّناً من معرفة مقاصد الشريعة. (٣) أن يكون خبيراً بمواضع الحاجة في الأمة، قديراً على إمدادها بالمعالجة الشرعية استبقاءً لعظمتها، واسترفاءِ خروقها، ووضعِ الهناء بمواضع النقب من أديمها. وقد بيّن صاحب المقاصد أن الاجتهاد فرض كفاية على الأمة بمقدار حاجة أقطارها وأحوالها. وتأثم الأمة بتركه، خاصة إذا كانت متمكنة من الانقطاع إلى خدمة الفقه للعمل به في خاصة نفسها. وتأثم العامة بعزوفها عن المطالبة بذلك، وتدعو إليه من شهد له أهل العلم بذلك، كما يأثم الأمراء والخلفاء في إضاعة الاهتمام بحمل الكافة عليه (١). وقالت جماعة من الفقهاء: إن الحكم في هذا على ثلاثة أوجه: (١) يكون الاجتهاد واجباً عينياً في حالتين: (أ) حال من سئل عن حادثة وقعت فعلاً، وتعيّن المجتهد لبيان حكمها، وضاق الوقت بحيث يُخاف فوتُها إن لم يجتهد ويصدر حكمه. (ب) حال المجتهد الذي تنزل به الحادثة، ويريد معرفة حكمها. فإنه يجب عليه أن يجتهد، ولا يجوز أن يقلّد غيره في حق نفسه ولا في حق غيره.

стр. 1229

(٢) يجب الاجتهاد وجوباً كفائياً في حالتين: (أ) إذا سئل المجتهد عن حكم حادثة نزلت بفرد من الأفراد، وهناك غيره من المجتهدين، ولم يَخَفْ فوت الحادثة، فإذا تركوه كلهم أثموا جميعاً، وإذا أفتى أحدهم بعد اجتهاده سقط الطلب عن الجميع. (ب) إذا تردد الحكم بين قاضيين مختلفين في الظن، فإن الاجتهاد يكون فرضاً مشتركاً يقع عليهما. فأيهما اجتهد وتفرد بالحكم سقط عن الآخر. (٣) يكون الاجتهاد مندوباً في حالتين: (أ) الاجتهاد في حادثة لم تقع سواء سئل عنها أو لم يُسأل. (ب) إذا استفتى أحد الناس المجتهد في حادثة لم تقع، فاجتهد بحكمها لم يأثم (١). إعادة النظر في قضايا اجتهادية: ولما ظهر من العنت في فرض أحكام اختلف فيها القضاة، بسبب اختلاف المذاهب المعتمدة، فإن من الخير إعادة النظر والبتّ فيها على أساس ما هو مقصد أصلي للشارع، وعلى أساس ما يقبل التيسير من أقوال المجتهدين. الإجراءات الشرعية: (١) ومن الإجراءات الشرعية ما قام به فقهاء المالكية من تحديد مقادير الآجال للحُجج ونحوها. ذلك أن الأمر موكول إلى

стр. 1230

الاجتهاد في ضرب الآجال بحسب حُسن النظر في أمر الخصوم. وليس فيه حد محدود لا يتجاوز، وإنما هو الاجتهاد (١). (٢) تغيير الأحكام بالتجديد ووضع الإجراءات أو الزيادة منها اعتباراً لاختلاف الأحوال وما نشاهده من اختلاف وتطور في كل عصر. وذلك ما يشير إليه قول عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور (٢). أما السياسة الشرعية فمثالها ما تواجه به الرعونة بترك الطعام، وبالإمساك عن الزواج، وترك أسباب الاكتساب. وللقائم بالشريعة ولأصحاب العلم بها من المعنيّين بذلك أن يقفوا في هذا المقام موقف ردع هذه العوارض النادرة بإرشاد يزيل الضلال والخطأ ويفضح الأفِن. لكن هذا يتعيّن في حالة كون العارض منها مقصوراً على نفس صاحبه لا يتعدّى ضرره إلى غيره. وما كان فيه الضرر متعدّياً من الفرد إلى الناس بدعوته لهم بالقول وبالفعل، بعزمه على نشر تلك الرعونات تنزَل به العقوبة على قدر ما كسبت يداه. ومن ترك الاكتساب مع قدرته عليه وله عيال يجبره وليُّ الأمر على الاكتساب (٣). وكلما حصل التردد في أمانة من وكلت الشريعة حقاً إلى أمانته صح أن يُوكَل تنفيذ ذلك الحق إلى السلطان (٤).
следующие страницы →