الشرعي. وهذا القسم هو الغالب في أحكام الشريعة. وهو سماوي إلهي باعتبار الأصل والأساس، وهو تشريعي وصفي بالنظر إلى جهود المجتهدين في استمداد الأحكام واستنباطها.
ثانياً: إلى أن الدليل التفصيلي المقصود بالنظر فيه التوصّلُ إلى إدراك حكمٍ شرعي على سبل العلم أو الظن.
وقد اشتهر عند علماء الأصول أن من الأدلة ما هو قطعي يفيد القطع، ومنها ما هو ظني في دلالته على الحكم. وذهبت طائفة كما قدمنا إلى أن الدليل هو ما يتوصل بالنظر الصحيح فيه إلى إدراك حكم تشريعي على سبيل العلم والجزم فقط. واعتبروا ما يتوصل بالنظر فيه إلى إدراك حكم شرعي على سبيل الظنّ أمارةً لا دليلاً.
واختار الجويني أن الأمر مختلِف وكأنّه ملتَقَط من الطرفين، وهو يجمع المحاسن. فإن عنينا أنه لا يوجب العمل بمقتضى الظن، فهذا إنكار ما لا وجه لإنكاره، إذ المجتهد إذا غلب على ظنه أمر فأمر الله اتباع موجب ظنه، ولا يناط ظنه بظن آخر. فإن رأينا أن المجتهد كلف ما وراء غلبة الظن بتحصيل أمر آخر، فلا وجه له أيضاً إذ الأمر والاجتهاد ينضبط به وغلبة الظن حاصل (١).
ولعلنا بعد ما عرفناه في الطور الأول من الفقه في صدر الإسلام، وما وقفنا عليه بعد ذلك من فقه أصحاب المذاهب، نجد علماً متيناً وآراء ناضجة وتحقيقات وفتاوى بذل أصحابها أقصى ما يملكون من الجهد. وتبعت هذه الأطوار فترة طويلة من الاستقرار والجمود امتدت نحو خمسة قرون أو أكثر. وإنا لنلمس بحمد الله من
стр. 1227
منتصف القرن الماضي نهضة جديدة بما ظهر من مظاهر اليقظة والانبعاث. وبعد أن انتشرت القوانين الوضعية الأجنبية والالتزام بالعمل بها قسراً عاد علماء الإسلام ورجال القضاء إلى الشريعة الإسلامية يلوذون بتراثهم الفقهي وأحكام شريعتهم، يحيونها مُراعين في ذلك مراحل التطور للخروج بالحكم الإسلامي من سيطرة الغرب إلى واقع معاش يرجع فيه الناس إلى حكم الله وحكم الرسول ﷺ .
وكانت الخطوة الأولى في التقنين، وإعطاء الفقه الإسلامي طابعه النظري الذي يجمع بين الأصول والاجتهادات المعاصرة. وهذه مجلة الأحكام العدلية شاهدة بذلك. صدرت سنة ١٢٨٦، وبدأ العمل بها ١٢٩٢، غير أن أحكامها كانت مقصورة على المذهب الحنفي. ورغم ذلك فقد اندفع علماء الفقه وأصوله إلى توسيع هذه النهضة وكتابة الفقه في مقالات ورسائل وكتب، وتكونت لجان الفتوى في كل مكان، وأُحدث مجمع البحوث الإسلامية ومجامع الفقه الإسلامي في بلاد كثيرة.
وفي ١٩٢٠ خرجت الأحكام الشرعية في مصر عن الاقتصار طى المذهب الحنفي، وتجاوزت ذلك إلى الأخذ بالمذاهب الأربعة.
وفي ١٩٢٩ تجاوز الأخذ بالأحكام في الأحوال الشخصية عن خصوص المذهب الحنفي إلى الأخذ ببعض المذاهب الفقهية الإسلامية الأخرى. وتجلّى ذلك بالخصوص في أحكام الوقف والمواريث والوصية. وذلك ما اقتضته مراعاة مصالح الناس ومسايرة التطور الاجتماعي.
واتسعت النظم بعد هذا إلى الأخذ بالقوانين الشرعية المختلفة تحقيقاً لمصالح الناس، ومسايرة لروح العصر وتطوراته، شرط ألا يخالف ذلك نصاً من القرآن أو السُّنة الصحيحة.
стр. 1228
واجب الاجتهاد:
توجيهاً لعلماء العصر وفقهائه أطلق الإمام الأكبر دعوته بوجوب الاجتهاد، منبهاً إلى أن ذلك لا يتم لأحد إلا متى توافرت لديه شروط ثلاثة:
(١) أن يكون الفقيه، كما قدمنا، ذا نظر سديد في فقه الشريعة.
(٢) أن يكون متمكّناً من معرفة مقاصد الشريعة.
(٣) أن يكون خبيراً بمواضع الحاجة في الأمة، قديراً على إمدادها بالمعالجة الشرعية استبقاءً لعظمتها، واسترفاءِ خروقها، ووضعِ الهناء بمواضع النقب من أديمها.
وقد بيّن صاحب المقاصد أن الاجتهاد فرض كفاية على الأمة بمقدار حاجة أقطارها وأحوالها. وتأثم الأمة بتركه، خاصة إذا كانت متمكنة من الانقطاع إلى خدمة الفقه للعمل به في خاصة نفسها. وتأثم العامة بعزوفها عن المطالبة بذلك، وتدعو إليه من شهد له أهل العلم بذلك، كما يأثم الأمراء والخلفاء في إضاعة الاهتمام بحمل الكافة عليه (١). وقالت جماعة من الفقهاء: إن الحكم في هذا على ثلاثة أوجه:
(١) يكون الاجتهاد واجباً عينياً في حالتين:
(أ) حال من سئل عن حادثة وقعت فعلاً، وتعيّن المجتهد لبيان حكمها، وضاق الوقت بحيث يُخاف فوتُها إن لم يجتهد ويصدر حكمه.
(ب) حال المجتهد الذي تنزل به الحادثة، ويريد معرفة حكمها. فإنه يجب عليه أن يجتهد، ولا يجوز أن يقلّد غيره في حق نفسه ولا في حق غيره.
стр. 1229
(٢) يجب الاجتهاد وجوباً كفائياً في حالتين:
(أ) إذا سئل المجتهد عن حكم حادثة نزلت بفرد من الأفراد، وهناك غيره من المجتهدين، ولم يَخَفْ فوت الحادثة، فإذا تركوه كلهم أثموا جميعاً، وإذا أفتى أحدهم بعد اجتهاده سقط الطلب عن الجميع.
(ب) إذا تردد الحكم بين قاضيين مختلفين في الظن، فإن الاجتهاد يكون فرضاً مشتركاً يقع عليهما. فأيهما اجتهد وتفرد بالحكم سقط عن الآخر.
(٣) يكون الاجتهاد مندوباً في حالتين:
(أ) الاجتهاد في حادثة لم تقع سواء سئل عنها أو لم يُسأل.
(ب) إذا استفتى أحد الناس المجتهد في حادثة لم تقع، فاجتهد بحكمها لم يأثم (١).
إعادة النظر في قضايا اجتهادية:
ولما ظهر من العنت في فرض أحكام اختلف فيها القضاة، بسبب اختلاف المذاهب المعتمدة، فإن من الخير إعادة النظر والبتّ فيها على أساس ما هو مقصد أصلي للشارع، وعلى أساس ما يقبل التيسير من أقوال المجتهدين.
الإجراءات الشرعية:
(١) ومن الإجراءات الشرعية ما قام به فقهاء المالكية من تحديد مقادير الآجال للحُجج ونحوها. ذلك أن الأمر موكول إلى
стр. 1230
الاجتهاد في ضرب الآجال بحسب حُسن النظر في أمر الخصوم. وليس فيه حد محدود لا يتجاوز، وإنما هو الاجتهاد (١).
(٢) تغيير الأحكام بالتجديد ووضع الإجراءات أو الزيادة منها اعتباراً لاختلاف الأحوال وما نشاهده من اختلاف وتطور في كل عصر. وذلك ما يشير إليه قول عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور (٢).
أما السياسة الشرعية فمثالها ما تواجه به الرعونة بترك الطعام، وبالإمساك عن الزواج، وترك أسباب الاكتساب.
وللقائم بالشريعة ولأصحاب العلم بها من المعنيّين بذلك أن يقفوا في هذا المقام موقف ردع هذه العوارض النادرة بإرشاد يزيل الضلال والخطأ ويفضح الأفِن. لكن هذا يتعيّن في حالة كون العارض منها مقصوراً على نفس صاحبه لا يتعدّى ضرره إلى غيره. وما كان فيه الضرر متعدّياً من الفرد إلى الناس بدعوته لهم بالقول وبالفعل، بعزمه على نشر تلك الرعونات تنزَل به العقوبة على قدر ما كسبت يداه. ومن ترك الاكتساب مع قدرته عليه وله عيال يجبره وليُّ الأمر على الاكتساب (٣).
وكلما حصل التردد في أمانة من وكلت الشريعة حقاً إلى أمانته صح أن يُوكَل تنفيذ ذلك الحق إلى السلطان (٤).
стр. 1231
الفصل الثاني: عالميّة الشريعة والعمل بها
عالمية الشريعة وأسباب العمل بها:
ومن الشواهد على عالمية الشريعة وأنها للناس كافة:
(١) قيامُها على التماثل في إجرائها الأحكام والقوانين، رغم اختلاف بلاد الإسلام وتعدّد أجناسها. وذلك لما انبنت عليه الشريعة الإسلامية من اعتبار الحِكم والعلل. وهي من مدركات العقول.
(٢) الإجماع على أن علماء الملّة مأمورون بالاعتبار في أحكام الشريعة والاستنباط منها. ودليل هذا قوله سبحانه مخاطباً عامة المسلمين: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ (١)، وقوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٢).
(٣) اشتمال القرآن على كلّيات كثيرة، واشتمال السُّنة على قواعد عامة. وهما مصدرا التشريع. وكذلك ورود المجملات المطلقات في القرآن الكريم، ومعظمها ممّا أراد الشارع بقاءَهُ على إطلاقه وإجماله.
(٤) احتمال إرادة تعميم قضايا الأعيان، وهي تشريعات جزئية، كما يحتمل تخصيصها.
стр. 1232
(٥) اختلاف قضايا الأعيان وأخبار الآحاد في حجّيتها على مذاهب معروفة، إذا هي خالفت القواعد أي الكليات، أو خالفت القياس، أو خالفت عمل أهل المدينة.
(٦) مراعاة عوائد الأمم المختلفة هو خلاف الأصل في التشريع الإلزامي.
(٧) ليس من المباح مصلحة لازمة ولا مفسدة معتبرة، وإنما يصار في ذلك إلى العوائد.
(٨) عادات قوم لا يحقّ لها بما هي عادات، أن يحمل عليها أصحابها في التشريع، ولا أن يُحمَل عليها قوم آخرون فيه.
(٩) إجماع العلماء على أن عمومات الشريعة صالحة للناس في كل زمان ومكان.
(١٠) تجنب التشريع الإسلامي التفريع والتحديد، والنهي عن كثرة السؤال عن الأحكام.
(١١) اشتمال القرآن على أنواع من أساليب التشريع: منها التشريع العام الكلي، ومنها التشريعات الجزئية النازلة في صور أحكام لنوازل حلّت.
(١٢) في القرآن جزئيات تساوي الجزئيات التي وردت في السُّنة، وفيه التشريعات المنسوخة تماماً. ولكن الغالب عليه من التشريعات النوع الكلي.
(١٣) معظم تشريعات السُّنة جزئية لورودها في قضايا عينيّة، وفيها أيضاً تشريعات كليّة واضحة صالحة لأن تكون أساس التشريع.
(١٤) تقسيم المجتهدين التشريع إلى قسمين، وصرفهم كل
стр. 1233
الوسع عن النظر العقلي في تمييز ما اشتمل عليه الكتاب والسُّنة، وإلحاق كل نصّ بنوعه.
ويُلحق بهذه الصفات اليُسر. فاليسر من الفطرة، ومن الفطرة حب الرفق ورفع الحرج، وفي هذا رحمة للناس.
فهذه الاعتبارات تُبرز صلوحية هذه الشريعة؛ لأنّها قابلة بأصولها وكلياتها للانطباق على مختلف الأحوال، كما أن مختلف أحوال العصور والأمم قابل للتشكل على نحو أحكام الإسلام دون حرج ولا مشقة ولا عسر.
العمل بالشريعة:
المقصد الأساس من العمل بالشريعة الإسلامية يقوم على جملة دعائم منها:
أولاً: أن مقصد الشريعة من أحكامها كلها إثباتُ أجناس تلك الأحكام، من الوجوب والحرمة، ومن الصحة والفساد والبطلان، ونحو ذلك من الغرم والعقوبة والجزاء الحسَن وسواها من آثار الأعمال. وهذا بحسب الأحوال والأوصاف والأفعال من التصرّفات خاصِّها وعامِّها، وباعتبار ما تشتمل عليه تلك الأحوال والأوصاف والأفعال من المعاني المنتجة صلاحاً ونفعاً، أو فساداً وضراً قويين أو ضعيفين (١).
ثانياً: مجيء الشريعة الإسلامية عامة، داعية جميع البشر إلى اتباعها. وهذا ما نطق به القرآن في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
стр. 1234
يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١) , وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). وصدَعَتْ به السُّنة في قوله ﷺ : "وأعطيتُ خمساً لم يعطهن أحد قبلي ... - ذكر منها - أن الرسول كان يبعث إلى قومه خاصَّة، وبعثت إلى الناس عامّة" (٣).
ويتحقق هذان الأمران بالالتزام بأمرين آخرين هما:
أولاً: إقامة الشريعة الإسلامية. بأن يكون للأمة ولاةٌ يسوسون مصالحها، ويُقيمون العدل فيها، وينفّذون أحكام الشريعة بينها.
ثانياً: من أهم مقاصد الشريعة إقامتها وحراستها وتنفيذها بعد تبليغها، وإقامة علماءَ للشريعة قصد التبليغ والإقامة (٤). وتهيئة إقامة الشريعة وتنفيذها يكونان ببثّ علومها وتكثير علمائها وحَمَلتها (٥).
* * * * *
стр. 1235
الفصل الثالث: بعض ما يحتاج إلى إعادة النظر فيه من الأحكام
مسائل بيع الطعام:
أجمع العلماء، غير عثمان البتي، على منع بيع الطعام قبل قبضه. ودليلهم نهي النبي ﷺ عن ذلك. وهو ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر؛ ونصه: "من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه" (١). وقال الشوكاني: وحكى ابن حجر في الفتح عن مالك أنه أجازه في بيع الجزاف، وبه قال الأوزاعي وإسحاق. ودليلهم أن الجزاف يرى فيكفي فيه التخلية، والاستبقاء في المكيل والموزون (٢).
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة في ثلاثة مواضع:
• الأول: فيما يشترط فيه القبض في المبيعات.
• الثاني: في الاستفادات التي يشترط في بيعها القبض من التي لا يشترط فيها ذلك.
• الثالث: في الفرق بين ما يباع من الطعام مكيلاً وجزافاً. وقد فصل ابن رشد القول في ذلك (٣).
стр. 1236
المُقاصّة:
هي إسقاط دين مطلوب لشخص عل غريمه في مقابلة دين مطلوب من ذلك الشخص لغريمه (١). وهي طريقة من طرق قضاء الديون.
عرّفها ابن جزي بقوله: هي اقتطاع دين من دين. وفيها متاركة، ومعاوضة، وحوالة (٢).
وهي مشروعة نقلاً وعقلاً. أما نقلاً فلِما ورد عن عبد الله بن عمر فيها من قوله: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم. آخذ من هذه وأعطي من هذه، فأتيت رسول الله ﷺ ، وهو في بيت حفصة فقلت: يا رسول الله رُوَيدَك أسألك: إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه وأعطى هذه من هذه. فقال رسول الله ﷺ : "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرّقا وبينكما شيء" (٣). وهذا نص على جواز الاستبدال من ثمن المبيع الذي في الذمة بغيره.
وأما عقلاً فإن قبض الدين يحصل بقبض بدله. فالعين المقبوضة مضمونة على القابض، وفي ذمة المقبوض منه مثلها في المالية فيلتقيان قصاصاً. وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين أن يكون المقبوض من جنس ما هو عليه، أو من خلاف جنسه؛ لأن المقاصّة إنما تتحقق بالمعنى وهو المالية، والأموال كلها جنس واحد (٤).
وللمقاصّة صور. فهي تجري في الزكاة، وفي دين الزوج بنفقة
стр. 1237
زوجها ومهرها، وفي الغصب، وكذا في الوديعة والوكالة والسَّلَم، والكفالة والوقف والوصيّة.
والمقاصّة نوعان: اختيارية تقع بتراضي الطرفين، وجبرية وهي التي تحصل بتقابل الدينين بشروط معيّنة. ويشترط في المقاصّة الجبرية عند الجمهور اتحاد الدينين جنساً ووصفاً، وحلولاً، وقوة وضعفاً. ولا يشترط ذلك في المقاصّة الاختيارية. والمالكية لا يقولون بالمقاصة الجبرية التي لا تقع بنفسها إلا نادراً. فغالب أحوالها الجواز، أما وجوبها فهو قليل. وهو في أحوال ثلاثة: إذا حلّ الدينان، أو اتفقا أجلاً، أو طلبها من حَلَّ دَينه فالمذهب وجوب الحكم بالمقاصّة (١).
وتقع المقاصّة مطلقاً بقدر الأقلّ من الدينين.
واختلفت آراء المذاهب فيها، وفصّلوا القول في أحكامها (٢).
بيوع الآجال:
نوع من أنواع البيوعات المحظورة سداً للذريعة.
أثبت مالك وأبو حنيفة وجوب سدّ الذريعة في بيوعات الآجال، وقال الإمامان بعدم جوازها (٣)، وأنكر ذلك الشافعي لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٤) وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ
стр. 1238
تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١) ..
وبيوع الآجال معدودة ضمن بيوع الذرائع الربوية. وهي أن يبيع الرجل سلعة بثمن إلى أجل ثم يشتريها منه بثمن آخر إلى أجل آخر نقداً. وهذه البيوعات لا تخلو من:
• أن يكون البَيعان، الأول والثاني، نقداً.
• أن يكون البَيعان، الأول والثاني، مؤجّلين.
• أن يكون البيع الأول مؤجّلاً، والثاني نقداً.
• أن يكون البيع الأول نقداً، والثاني مؤجّلاً.
فإن كانا جميعاً - الأول والثاني - نقدين فإنّ ذلك ممّا لا تقدّر فيه التهم والتحيّل على ما لا يجوز، إلا أن يكون المتبايعان من أهل العِينَة، فإنهما تتطرق إليهما التهمة، لاعتيادهما التحيّل على ما لا يجوز.
وكذلك إن كان أحدهما من أهل العِينة، والآخر ليس من أهلها، فإن التهمة تتطرق إلى هذا العقد لأجل كون أحدهما ممن يُتهم.
فأما كونهما جميعاً يتّهمان كما وقع في المذهب في منع أهل العينة فصحيح على أصل المذهب.
وأما إن كانا مؤجّلين جميعاً فإن ذلك يتهم فيه سائر الناس، لأن بياعات النقود يقل فيها الاضطرار إلى التحيّل على ما لا يحل، وبياعات الآجال يكثر فيها ذلك لشدة الحاجة إلى شراء المبيع نسيئة لعدم الأثمان عند مشتريه.
стр. 1239
وإن كانت البيعة الأولى لأجَلٍ والثانية نقداً، فإن التهمة تتطرق فيها ويؤخذ بالذريعة عموماً لما قدمناه.
وإن كانت الأولى نقداً والثانية إلى أجل فإن في ذلك اختلافاً في المذهب. فمن حمى الذريعة فيه عموماً جعل الحكم للبيعة الثانية لحاجة الناس إلى الشراء نسيئة. ومن لا يتهم البيعتين إذا كانت نقداً فلا يتهم فيهما إلا أهل العينة.
وقد جعل المازري الأقسام التي تجري فيها بيوع الآجال اثني عشر قسماً. وهي كون البائع للثوب يشتريه نقداً بمثل الثمن أو أكثر منه أو أقل، وإلى أجَلٍ أقرب من الأجل:
الأول يشتريه أيضاً بمثل الثمن أو أكثر منه أو أقل، أو إلى الأجل نفسه بمثل الثمن الأول أو الأقل أو الأكثر أو إلى أبعد من الأجل بمثل الثمن أيضاً أو أقل أو أكثر.
فجميع هذه الأقسام لا يمنع منها شيء إلا ثلاثة أقسام. وهي:
(١) أن يشتريها بأقل من الثمن نقداً.
(٢) أو إلى أجل أقرب من الأجل الأول.
(٣) أو يشتريها بأكثر من الثمن إلى أبعد من الأجل على غير جهة المقاصة بالثمنين (١).
كراء الأرض بما يخرج منها:
كراء الأرض أو إجارتها. عرّفه الفقهاء بأنه عقد معاوضة على
стр. 1240
تمليك منفعة بعوض. والعوض ركن في الإجارة. وقد اختلف الفقهاء في جواز الإجارة أو الكراء ببعض المعمول أو بعض الناتج من العمل المتعاقد عليه. فمنع ذلك الحنفية والمالكية والشافعية لما فيه من غرر؛ لأنه إذا هلك ما يجري فيه العمل ضاع على الأجير أجره. وقد نهى النبي ﷺ عن قَفِيز الطحان (١). وأجاز ذلك الحنابلة إذا كانت الأجرة جزءاً شائعاً مما عمل فيه الأجير تشبيهاً بالمغارسة والمساقاة.
ومن هذه القاعدة العامة كراء الأرض ببعض ما يخرج منها، أي بما تنبته الأرض. فقد أجاز ذلك الحنابلة لأن منفعتها مقصودة ومعهودة فيها. ومنعت المالكية والشافعية هذه الإجارة إلا إذا كانت الأرض المأجورة لها ماء تسقى به، ولو ماء المطر إلا أن تكون الإجارة لمدة طويلة فاشترطوا أن تكون مأمونة الري (٢).
الشفعة في خصوص ما يقبل القسمة:
الشفعة: تمليك البقعة جبراً على المشتري بما قام عليه، أو هي حق تملّك قَهري يثبت للشريك القديم على الحادث فيما ملك بعِوَض (٣). وهي مشروعة وجائزة فيما لم يقسم لحديث جابر بن عبد الله قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم. فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٤). وقال الشبراملّسي من
стр. 1241
الشافعية: والأخذ بها مستحب بل واجب إن تعيّن طريقاً لدفع ما يريده المشتري من الفجور (١).
وقد اختلف الفقهاء في محل جوازها. فذهب مالك في إحدى روايتيه والشافعي في الأصح والحنابلة في ظاهر المذهب إلى أن كل ما لم يقسم لا شفعة فيه (٢).
وذهب الحنفية ومالك في الرواية الثانية والشافعية في الصحيح والحنابلة في رواية إلى أن الشفعة تجب في العقار سواء قَبِل القسمة أم لم يقبلها (٣).
وإذا كانت الشفعة إنما شُرعت لدفع الضر اللاحق بالشركة فإنها تجوز فيما لا يقسم. فمن الجائز أن نقول بأن الضرر بالشركة فيما لا يقسم أبلغ من الضرر بالعقار الذي يقبل القسمة (٤).
* * * * *
стр. 1242
الفصل الرابع: الدعوة إلى إقامة مجمع للفقه الإسلامي
كان الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور يدعو إلى بذل الجهد في إقامة أحكام جديدة لما يستجد من قضايا ونوازل. وفي الوقت نفسه، ومن خلال توجيهاته وتنبيهاته التي ذكرنا منها جملةً، يُمكن أن نُهذبَ طرائقَنا في البحث، ومعالجتَنا للمشاكل القائمة اليوم. وقد دعا من قبل إلى تكوين مجالس الفتوى في كل بلد، تقوم بأطراف العالم الإسلامي بمهمة النظر والبحث والتحرير والتقرير وإيجاد الحلول الشرعية الحكيمة لما يشغل الناس من مشاكل، وتواجههم من تحديات، ودعا بعد ذلك دعوة صريحة إلى إقامة مجمع فقهي. وهو وإن كان يعلم أن الأمر صعب، يحتاج إلى جهد لتوحيد النظر، والصدور بتوصيات وقرارات واحدة، يفيد منها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، يؤكد حاجة الأمة الإسلامية إلى علماء أهل نظر سديد في فقه الشريعة، وتمكُّنٍ من معرفة مقاصدها، وخبرةٍ بمواضع الحاجة في الأمة، ومقدرةٍ على إمدادها بالمعالجة الشرعية الضرورية اللازمة.
وبعد إشارته إلى ما ينبغي أن يكون عليه المجتهد في هذا العصر والعالِم المتميز الذي بلغ درجة المقارنة والترجيح بين المذاهب الفقهية في الأحكام الشرعية (١)، يذكّر، على عادة الأئمة
стр. 1243
المتقنين المتقدمين، بحكم الاجتهاد والأسباب الحاملة عليه، قائلاً: الاجتهاد فرض كفاية على الأمة بقدر حاجة أقطارها وأحوالها، وأن الأمة تأثم بالتفريط فيه مع الاستطاعة ومِكْنَة الأسباب والآلات. وإنه لمن الضروري الانتباه إلى ما ظهر في ذلك من آثار في الأحوال التي بدت متغيّرة عن الأحوال التي كانت في عصور المجتهدين، والأحوال التي طرأت، ولم يكن نظيرها معروفاً في تلك العصور، والأحوال التي ظهرت حاجة المسلمين فيها إلى العمل بعمل واحد لا يناسبه ما هم عليه من اختلاف المذاهب. فهم بحاجة في الأقل إلى علماء يرجحون لهم العمل بقول بعض المذاهب المقتدى بها الآن بين المسلمين ليصدر المسلمون عن عمل واحد .. وإن أقلّ ما يجب على العلماء في هذا العصر أن يبتدئوا به من هذا الغرض العلمي، أن يسعَوا إلى جمع مجمع علمي يحضره أكبر العلماء بالعلوم الشرعية في كل قطر إسلامي على اختلاف مذاهب المسلمين في الأقطار، ويَبسُطوا بينهم حاجات الأمة، ويصدُروا فيها عن وفاق فيما يتعين عمل الأمة عليه، ويُعلمِوا أقطار الإسلام بمقرراتهم (١).
ويشترط في أعضاء المجمع أن يقيموا من بينهم أوسعهم علماً وأحدَّهم نظراً في فهم الشريعة. فيشهدوا له بالتأهُّل للاجتهاد في الشريعة، ويتعين أن يكونوا قد جمعوا إلى العلم العدالة واتباع الشريعة، لتكون أمانة العلم فيهم مستوفاة، ولا تتطرق إليهم الريبة في النصح للأمة.
أما الموضوعات التي على المجمع أن يوليها من العناية ما هي به جديرة فقضايا العقيدة والعبادات التي هي بها بناء كيان المسلم، وبها تتحقّق ذاته، وقضايا العصر ومستجداته في المعاملات والمسائل
стр. 1244
الاقتصادية والاجتماعية. ونبّه الإمام إلى ما كان يجده أكثر الناس من الحرج في بعض الأحكام التي كانت شديدة عليهم، وحَرَمتهم من مواجهة الصعاب. وهي مسائل تحتاج في حاضرنا إلى إعادة النظر. ذكر منها الشيخ خمسة أمثلة إجمالية: هي بيع الطعام، والمقاصّة، وبيوع الآجال، وكراء الأرض بما يخرج منها، والشفعة في خصوص ما يقبل القسمة. وفي الكثير منها تضييق (١).
* * * * *
стр. 1245
الخاتمة
وعلى نحو ما قدمنا في الحديث عن أقسام المقاصد استهل الإمام الأكبر كتابه مقاصد الشريعة بحملنا على اعتقاد أنه بما يقدمه من مباحث جليلة يرجو أن يضع بين أيدي المتفقهين في الدين نبراساً لهم، ومرجعاً بينهم، يحد من اختلاف الأنظار، ويدرب الفقهاء وأتباعهم على الإنصاف، ونبذ التعصب والخلاف، والفيئة إلى الحق فيما يبدون فيه آرائهم أو يُعرضون له من أنظار عند إرادة الترجيح بين الأقوال. ذلك أنهم لم يجدوا في علم أصول الفقه منتهى ينتهي إلى حكمه المختلفون في الفقه منهم، وعُسر أو تعذر الرجوع بهم إلى وحدة رأي أو تقريب حال.
واعتقاد الشيخ ابن عاشور أنهم واجدون في علم مقاصد الشريعة ما فقدوه في علم الأصول لأن هذا العلم محصورة قضاياه في استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع بواسطة قواعد تنتزع بها الفروع أو الأوصاف التي تؤذن بها تلك الألفاظ من غير أن تكون متناولة لبيان حكمة الشريعة. وإن كان لبعض مباحثه صلة بالمقاصد. وذلك كالمناسبة والإخالة في مسالك العلة، ومباحث المصالح المرسلة والمتواتر، والمعلوم من الدين بالضرورة، وحمل المطلق على المقيد.
واستعرض إثر ذلك موضوع قطعية أصول الفقه، وقارن القول فيها بين الجويني صاحب البرهان والمازري شارحِه، وبين الأبياري
стр. 1246
والبصري، وبين القرافي والشاطبي، رادّاً على القائلين بالقطعية مؤكداً ما ذهب إليه القرافي في نفائس الأصول، ومعترضاً على الشاطبي، مفنّداً أدلته التي ناصر بها إمام الحرمين.
وتناول في تمهيده الحديث عن القواعد القطعية للتفقه، وهي التي وضعتها جماعة من العلماء، كما تحدث عن روّاد علم المقاصد منوّهاً بهم ومقارناً بينهم.
وفي القسم الأول من الكتاب تعرض لإثبات مقاصد الشريعة، وإلى مدى احتياج الفقيه إلى معرفتها، منبهاً إلى أن كل مكلَّف بحاجة إلى معرفة ذلك، لكنّ عُسر طلبها يحول بينها وبين العامة، وأن العلماء أنفسهم متفاوتون في تقديرها على قدر تفاوتهم في القرائح والفهوم.
وذكر جملة من المقاصد منها علة تحريم المزابنة، وعلة تحريم بيع الجزاف بالمكيل، وإباحة الغبن القليل تيسيراً على الناس كما في معاملات الأبدان، وإبطال الغرر في المعاوضات، وطلب الرواج، معقباً على هذا ببيان الجهات الثلاث لمعرفة مقصد الشارع، وبتقسيمه المقاصد إلى أصلية وتابعة.
وقد اهتم بما عُني به العلماء المتقدمون من أهل السلف، ومن المجتهدين فبيّن منهاجهم والطرائق التي اعتمدوها للتوصل إلى معرفة المقاصد وتقسيمها، معتمداً أساساً على الاستقراء والاستدلال.
وتوقف عند الخطاب الشرعي، ذاهباً - كما ذهب غيره - إلى أن الكلام لا يكفي وحده للدلالة على مراد اللافظ دلالةً لا تحمل شكاً في مقصده من لفظه. وتحدث عما يلابس الخطاب من وجوه البيان
стр. 1247
والخفاء، ودعا إلى الاستعانة على فهم المعاني بمعرفة السياق والمقام وما يحف بالكلام من دلالات وقرائن مقالية وحالية، وحمل على الخطأ كل الفقهاء الذين كانوا يقتصرون في استنباط الأحكام على اعتصار الألفاظ. وأشار إلى تقصير الظاهرية وبعض المحدّثين في ذلك. ونقد بعض الأحاديث ووجه الدارسين إلى القيام بتحرير مقدار الاعتبار بمذاهب الصحابة فيما طريقه النقل والعمل.
وعلى غرار الإمام القرافي اهتم بالتمييز بين مقامات أقوال وأفعال رسول الله ﷺ . وفرَّق بدقة بين التبليغ والإمامة القضاء. وجعل المقامات بما تختلف فيه بينها من أحوال ليست مقصورة على مقامات التشريع، بل تتجاوزها إلى ما وراءها، وأورد اثنتي عشرة حالة هي كما ذكرنا أولاً مما كان يختلف فيه النبي ﷺ من أحوال التشريع أو الفتوى أو القضاء أو أحوال كثيرة أخرى كحال الإمارة، وحال الهدي، وحال المصالحة بين الناس، وحال الإشارة على المستشير، وحال النصيحة، وحال طلب حمل النفوس على الأكمل، وحال تعليم الحقائق العالية، وحال التأديب، وحال التجرد عن الإرشاد.
ثم خلص من ذلك وهو ماض في نفس السياق إلى بيان أن مقاصد الشريعة مرتبتان: قطعية وظنية، وأن تعيين مقصدٍ شرعيٍ، كلياً كان أو جزئياً، أمرٌ تتفرع منه أدلة وأحكام كثيرة في الاستنباط. ففي الخطأ فيه خطر عظيم.
وهو يقترح على من يزعم قطعية علم الأصول تجنب هذا المسلك لأن مسائل أصول الفقه ظنية لا يمكن أن ترقى إلى درجة أصول الدين. ولكن الذي ينبغي الاتجاه إليه والحرص على الظفر به
стр. 1248
هو أن نسير على منهج الإمام العز بن عبد السلام في كتابه القواعد الكبرى فنجمع جملة من القواعد القطعية، يتأتّى لنا الرجوع إليها في التحكيم عند الاختلاف والمكابرة. وتستمد هذه القواطع من متكرر أدلة القرآن النافي لاحتمال المجاز أو المبالغة، ومن اطراد النهي عن التعدي على النفوس والأموال والأعراض، وعن الغصب والظلم وكل ما فيه ضرر أو إضرار.
ومن بين ما تناوله القسم الأول من الكتاب النظر في تعليل الأحكام الشرعية، والتفريق بين ما هو منها معلل وما هو تعبدي. وفي هذا أبرزَ وظيفة الفقهاء في انتزاع الفروع من الأصول إما بطريق تحقيق المناط، وإما بطريق القياس، وإما باعتماد أحكام ثبت صدورها عن الشارع في علم المجتهد وهو موقن بها، لكنه لم يقف على مراد الشارع منها لخفائها، وهو التعبدي. وقد نبّه إلى مقالة عمر أن السنن ووجوه الحق تأتي كثيراً على خلاف الرأي، فما يجد المسلمون بداً من اتباعها كقضاء الحائض الصوم، وعدم قضائها الصلاة، وكون العمة تورِث ولا تَرث. وكشف المؤلف عن رأي الظاهرية في هذا المحل، وذهب مسانداً لابن العربي في موقفه منهم قائلاً: يضطر الظاهرية (بنزعتهم هذه) إلى التوقف عن إثبات الأحكام فيما لم يرو فيه عن الشارع حكماً من حوادث الزمان. كما أن في اتجاههم هذا نفيَ مواكبة الشريعة لجميع العصور والأقطار.
ومثل لما أبداه الصحابة من الاجتهاد بقضية العول في الميراث. ونصح الفقهاء بأن لا يساعدوا على وجود الأحكام التعبدية في تشريع المعاملات، وأن يعتبروا أن التعبدي من الأحكام هو ما خفيت علله ودقت. وأنه وإن جاز إثبات أحكام تعبدية لا علة لها في غير أبواب المعاملات المالية والجنائية، فإن عليهم استنباط العلل في
стр. 1249
أقسام المعاملات الأخرى كما فعل الأئمة الثلاثة في بيان علةِ تحريمِ ربا الفضل قياساً على الأصناف الربوية.
وفي القسم الثاني من الكتاب الموضوع لمقاصد التشريع العامة بدأ الإمام الأكبر بتعريف المقاصد، وبيان الصفة الضابطة لها في المعاني الحقيقية والمعاني العرفية العامة. واشترط فيها الثبوت والظهور والانضباط والاطراد. فإذا توفرت الشروط حصل اليقين بأنها مقاصد شرعية، وإذا اختلطت المعاني وترددت بين الصلاح والفساد تعين الرجوع إلى نظر العلماء وولاة الأمر لتحديد المقصود منها ولا يعتد بما هو أوهام أو تخيلات في المعاني. فإن البناء على الأوهام مرفوض في الشريعة إلا عند الضرورة. ومن حق الفقيه أن يتعمق في التأمل من أجل إزالة ذلك الوهم والتوصل إلى المعنى الخفي الذي هو مناط التشريع. والأمور الوهمية وإن لم تصلح لأن تكون مقصداً شرعياً فهي صالحة لأن يُستبان بها في تحقيق المقاصد الشرعية، فتكون طريقاً للدعوة والموعظة ترغيباً وترهيباً.
وتوقف الإمام طويلاً عند وصف الفطرة وذكر ما قالها المفسرون فيها، وفي أقسامها، وأورد في ذلك مقالة ابن سينا نقلاً عن كتاب النجاة. وفي وجوه الحث عليها والجري على مقتضاها يقول: إن الشريعة الإسلامية داعية أهلها إلى تقويم الفطرة والحفاظ على إعمالها وإحياء ما اندرس منها، وأن المقصد العام من التشريع يتعين أن يكون مسايراً لها، سالماً من خرقها أو اختلالها، وأن الوصف المترتب عليها وهو أكبر مقاصدها هو السماحة. وهي سهولة المعاملة في اعتدال، وتظهر سهولتها المحمودة فيما يظن الناس التشديد فيه، ومن ثم كان من الفطرة النفور من الشدة والإعنات.
стр. 1250
والمقصد العام من التشريع هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان. ذلك أن مقصد الشريعة أساساً وبالذات هو الإصلاح وإزالة الفساد. وقد جعل الإسلام صلاح الإنسان بصلاح أفراده وبصلاح مجموعه. فبدأ بإصلاح الاعتقاد ثم عالج الإنسان بتزكية نفسه وتصفية باطنة، وتصفية الباطن تُحرِّك دون شك الإنسانَ إلى الأعمال الصالحة.
وللارتباط الجذري بين المقصد والمصلحة عرف الإمام المصلحة بكونها الوصف الذي يحصل به الصلاح أي النفع دائماً أو غالباً للجمهور وللآحاد. وذكر في هذا المقام تعريفات أخرى لها وللمفسدة، نقلها عن الإيجي والشاطبي. ثم قسم المصلحة باعتبار العموم والخصوص، وباعتبار الظهور والخفاء. وتميز عن الإمامين العز بن عبد السلام والشاطبي بذكر ضوابط المصلحة. وهي خمسة أمور:
كون النفع والضر محققين، غالبين، واضحين لا يمكن الاجتزاء عنهما بغيرهما، وكون أحدهما في حال المساواة بضده يعضده مرجح من جنسه، وكون أحدهما منضبطاً محققاً والآخر مضطرباً.
وتعرف مصالح الدنيا ومفاسدها وأسبابها، كما قال العز بن عبد السلام، بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات.
وأكد بعد ذلك على أن تشريع جلبِ المصالح ليس فيه تحصيلُ مفسدة كما أن تشريع درءِ المفاسد ليسَ فيه إضاعةُ مصلحة. وختم البحث بذكر أن المنهيات كلَّها مشتملة على مفاسد.
أما طلب الشريعة للمصالح فقد جعله قسمين: الأول: ما ليس
стр. 1251
من شأن الشارع أن يطلبه لداعي الجبلة فيه ولكنها إلى ذلك تزيل عنه موانع حصوله، والثاني: ما لا تتحقق به المصلحة إلا أن يقوم بها الجميع كحفظ النفس الواجب على الأعيان، وكالواجب على الكفاية على الفرد أو على الجماعة مثل إنقاذ الغريق وإطفاء النار الملتهمة للبيت. ووقع البحث مع ذلك في جزئيات أخرى كثيرة تدخل في إطار هذا الموضوع منها أن للإنسان أن يتصرف في الحقوق الثابتة له، ولا تعلق لها بغيره بالإسقاط إن شاء، ومنها أنه ليس لأحد إسقاط شيء من مصالح القسم الثاني لأن المصلحة فيه حق ثابت له مع حق غيره. وإذا تعارضت المصالح ترجحت في التقديم العظمى. فتقديم أرجح المصلحتين هو الطريق الشرعي، ودرء أرجح المفسدتين كذلك. فإن حصل التساوي من جميع الوجوه بين المصالح والمفاسد كان الحكم في هذه الحالة التخيير. والشريعة تسعى إلى تحقيق المقاصد في عموم طبقات الأمة بدون حرج ولا مشقة، فتجمع بين مناحي مقاصدها في التكاليف والقوانين مهما تيسر الجمع.
ويمكن أن نضيف إلى هذا ذكرَ أنواع المصلحة المقصودة من التشريع. والعالِم المتمكن ذو الملكة في علم المقاصد يمكنه التعرف بيسر على مقصود الشارع. فمن ذلك اعتبار مقصد الشريعة من التشريع حفظ نظام العالم، وضبط تصرف الناس فيه على وجه يعصم من التفاسد والتهالك.
وكذلك بيان أمثلة ونظائر لأنواع المصالح المعتبرة شرعاً والمفاسد المحذورة. ويتنبه إلى أن مقصد الشارع لا يجوز أن يكون غير مصلحة، ولكنه لا يلزم شرعاً أن يكون مقصوداً منه كل مصلحة.
فالمصالح باعتبار آثارها في قوام أمر الأمة ثلاثة أقسام: ضرورية، وحاجية، وتحسينية.
стр. 1252
وهي باعتبار تعلقها بعموم الأمة أو جماعاتها أو أفرادها تتنوع إلى كلية وجزئية.
وباعتبار تحقق الاحتياج إليها في قوام أمر الأمة أو الأفراد تختلف بين أن تكون قطعية أو ظنية أو وهمية، كما تتنوع بين خالصة محضة ومشوبة.
وبدأ بالكليات الخمس فذكر حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسب وخالف القرافي والطوفي في اعتبارهما حفظ العرض ملحقاً بتلك الكليات. وبعد حديثه المفصل عن الكليات تعرض لقسمي الحاجي والتحسيني. وقال عن الأول: هو ما تحتاجه الأمة لاقتناء مصالحها وانتظام أمورها على وجه حسن، ولولا مرعاة ذلك لما فسد النظام، ولكنه يكون على حالة غير منتظمة، وهو لا يبلغ مبلغ الضروري. وبعد إيراد أمثلة كثيرة لهذا النوع أفرد التحسيني بالبيان، وعرّفه بأنه ما يكون به كمال حال الأمة في نظامها حتى تكون مرغوباً في الاندماج فيها وفي التقرُّب منها، وهي ما تُراعَى به المدارك الراقية البشرية.
وينتقل المؤلف من الحديث عن التكاليف الشرعية الراجعة إلى جهة مقاصدها في الخلق إلى قضية جدّ هامة هي من عيون المسائل التي كان له موقف مميّز فيها، وهي قضية المصلحة المرسلة. فعرفها بأنها المصلحة التي أرسلتها الشريعة فلم تُنِط بها حكماً معيناً ولا يُلفى في الشريعة لها نظير معين له حكم شرعي فتقاس هي عليه. وقد ذكر لها أمثلة كثيرة منها جمع القرآن وإحداث الدواوين، ووضع فقهاء الإسلام لجملة من الإجراءات في أساليب المرافعات ونحوها. ولما لها من الاعتبار ولحاجة الناس إليها في كثير من حوادث الزمان أثبت
стр. 1253
مالك حجيّتها. ووجه ذلك: إننا إذا كنا نقول بحجية القياس وهو إلحاق جزئي حادث لا يعرف له حكم في الشرع بجزئي آخر ثابت حكمه في الشريعة للماثلة، فلأن نقول بحجية قياس مصلحة كلية حادثة في الأمة لا يعرف لها حكم على كلية ثابت اعتبارها في الشريعة باستقراء أدلة الشريعة أولى بنا وأجدر بالقياس وأدخل في الاحتجاج الشرعي. وبعد تقرير هذه الحقيقة وركون الإمام الأكبر إلى قياس الأجناس المحدثة على أجناس نظائرها الثابتة في زمن التشريع يبدي فرط عجبه من موقف إمام الحرمين من الاستدلال، وموقف الغزالي المتردد فيه بين طرف الوفاق على اعتباره، وطرف التردد في مقدار المصلحة الذي أخذ به الجويني. وبعد بيان موقفه المساند لموقف إمامه واستغرابه من موقفي صاحب البرهان وصاحب كتاب المستصفى يعلن أن أدلة اعتبار أجناس المصالح حاصل من استقراء الشريعة قطعاً أو ظناً قريباً من القطع، وأن أوصاف الحكمة قائمة بذواتها، ولأن هذه الأوصاف واضحة وضوحاً متفاوتاً غير محتاجة إلى استنباط ولا إلى سلوك مسالكه، ولا يقتصر في بيان أنواع المصالح على ذلك، فيلحق بما قدمه اختلافَها بين أن تكون من مصالح الشارع أو من مصالح الناس، وبين ما يكون منها حاصلاً من الأفعال بالقصد أو حاصلاً منها بالمآل.
ويستأنف الحديث عن أوصاف الشريعة وينعتها بالعموم موضحاً ذلك بقوله: إن أحكام الشريعة ميسرة لانتشارها وقيامها على التماثل في إجراء الأحكام والقوانين، ولكونها مبنية على اعتبار الحكم والعلل، وهي من مدركات العقول. وأن مصدري التشريع قائمان على كليات كثيرة في الكتاب، وعلى المجملات مما أراد الشارع بقاءه على إطلاقه وإجماله، وعلى قواعد عامة مما اشتملت عليه السُّنة.
стр. 1254
وربما عقّب هذا البيان بذكر قواعد يتعين الانتباه إليها مثل أن قضايا الأعيان وأخبار الآحاد إذا خالفت القواعد أو الكليات، أو خالفت القياس أو عملَ أهل المدينة تصبح مختلفاً في حجيّتها على مذاهب معروفة في أصول الفقه. وأن علة الصلوحية للعمل بالشريعة أن لا يكون في اتباعها والالتزام بها هلاك أو عنت. وأن من مقاصد الشريعة تجنُّب التفريع في وقت التشريع.
ويذكر من مقاصد الشريعة المساواة، ويعتبرها أصلاً في التشريع. والمساواة في التشريع للأمة ناظرة إلى تساوي أفرادها في الخلقة وفروعها. فالناس سواء في البشرية وفي حقوق الحياة، وهم متساوون في أصول التشريع كحفظ النفس وحفظ النسب وحفظ المال، وحقّ القرار في الأرض لمن نشأ فيها أو استوطنها، وفي أسباب البقاء على حالة نافعة، ويكون التساوي بين الناس في الضروري والحاجي. وإلى جانب ذلك لا بد من الانتباه إلى عوارض المساواة وهي الموانع بأنواعها الجبلية والشرعية والاجتماعية والسياسية التي تحول دونها. وإنما يكون لتلك العوارض آثارُها في تقرير المساواة إذا كان في إلغاء حكم المساواة ظهورُ مصلحة راجحة أو اقتضى إجراء المساواة ظهورَ مفسدة.
وهو بعد ذلك ينفي عن الشريعة اشتمال أحكامها على النكاية، كما يلحق بهذه الأوصاف مقاصد تشريعية كاختلاف أحكامها من تغيير وتقرير، ونوط تلك الأحكام بمعان وأوصاف لا بأسماء وأشكال، ومن مقاصد الشريعة الحرية، فإن الشريعة متشوفة إلى الحرية. وتثبت الحرية في أصول الناس في معتقداتهم وأقوالهم وأفعالهم وفي النهي عن تحريم المباحات. ويقابل ذلك ما للشريعة من حقوق على أتباعِها
стр. 1255
بتقييد حرياتهم. ومن تجاوز منهم حدود حريته أوقف عند الحد الشرعي بضمان التفريط أو العقوبة.
وقد حاطت الشريعة حرية العمل بسد ذرائع خرمِ تلك الحرية كمنع وكالة الاضطرار، ومنع الشروط الواقعة من رب المال على العامل في القراض والمزارعة والمساقاة ونحوها.
وعقِب هذا ذكر الإمام جملة من المقاصد لا يجوز إغفالها ولا إهمالها. فهو بعد ذكره مقصد الشريعة من نظام الأمة بجعلها قوية مرهوبة الجانب مطمئنة البال يذكر بأن صلاح الأفراد مقصود للشارع بلا شك، ولكن صلاح أحوال المجموعة وانتظام أمر الجماعة أسمى وأعظم، وبأن تشريع الرخص في الأحوال العامة له اعتباره. والرخصة في تغيُّر الفعل من صعوبة إلى سهولة لعذر عرض لفاعله، أو ضرورة اقتضت عدم اعتداد الشريعة بما في الفعل المشروع من جلب مصلحة أو دفع مفسدة مقابلَ المضرة العارضة لارتكاب الفعل المشتمل على مفسدة.
ومن الضرورات المقتضية للترخيص ضرورات عامة كما في السَّلَم والمغارسة والمساقاة.
وضرورات خاصة مؤقتة، تكون في حالة الاضطرار.
وضرورات عامة مؤقتة تقتضي إباحة الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي مثل سلامة الأمة وإبقاء قوتها ونحوه. وقد ألح الإمام على اعتبار هذه الضرورة عند حلولها، فإنها كانت مغفولاً عنها، وهي تقتضي تغير الأحكام الشرعية كالكراء المؤبد في أرض الوقف، والحكر، وبيع الوفاء.
وقد دعت الإمام مثل هذه الأحوال والحاجات العارضة للأمة
стр. 1256
إلى التفكير في طلب المعالجة الشرعية لها بالاجتهاد فيها اجتهاداً يضطلع به العلماء من أهل النظر السديد في فقه الشريعة، العارفين بمقاصدها، ممن لهم خبرة بمواضع حاجة الأمة ومقدرة على حل مشاكلها حلاً شرعياً، ونادى بتكوين مجمع تَصدُر الفتوى فيه عن وفاق، تعلم أقطار الإسلام بمقرراته، ويتعين على الأمة العمل بها.
وبالفراغ من القسم الثاني المتعلق ببحث المقاصد العامة وضع الإمام القسم الثالث من كتابه. وإنّ أبرز ما دعا إلى الاهتمام به في هذا القسم قضايا ثلاثة:
١ - المعاملات المالية في الإسلام وما ترتبط به من مقاصد، وما يتعلق بها من حقائق التملك والتكسب ومقاصد التبرعات، وما يمكن أن يلحق بها من المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان.
٢ - مقاصد أحكام العائلة.
٣ - مقاصد الشريعة ذات الصلة:
أ - بالنظر في أحكام القضاء والشهادة.
ب - بتعيين الحقوق لأنواع مستحقيها.
ج - ببيان القصد من العقوبات.
وتمهيداً لدراسة هذه الموضوعات يعود المؤلف إلى التفريق بين المقاصد والوسائل. فالمقاصد هي المتحملة للمصالح، والمفاسد في أنفسها. والوسائل هي الأحكام التي شرعت لأن بها تحصيل أحكام أخرى، فهي غير مقصودة لذاتها بل لتحصيل غيرها على الوجه المطلوب الأكمل. والوسائل هي التي تترتب عليها المقاصد، وترتيب الوسائل يكون بترتيب المصالح والمفاسد. وهكذا يكون ترتيب الأحكام المنوطة بتصرفات الناس في معاملاتهم الصالحة والفاسدة،
стр. 1257
فتوجد متماثلة في الرتب في أقسام الحكم الشرعي، وإن كانت متفاوتة بحسب كون مناطها من التصرفات مقصداً أو وسيلة في نظر الشارع وفي نظر الناس.
والوسائل في الدرجة الثانية من المقاصد فإذا سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة.
ومعرفة المقاصد الشرعية الخاصة بأبواب المعاملات، والكيفيات المقصودة للشارع من أجل تحقيق مقاصد الناس النافعة، أو من أجل حفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة تدخل فيها كل حكمة روعيت في تشريع أحكام تصرفات الناس. ومقاصد الناس في تصرفاتهم هي المعاني التي لأجلها تعاقدوا أو تعاطوا أو تغارموا أو تقاضوا أو تصالحوا، وهي نوعان: عليا ودنيا.
أ - ومقاصد التصرفات المالية يدل عليها مجيء الشريعة لحفظ نظام الأمة وتقوية شوكتها وعزتها. فلثروة الأمة في نظر الشريعة المكان السامي من الاعتبار والاهتمام، وللمال في نظر الشريعة حظ لا يُستهان به، وهو ليس منظوراً إليه بعين الشريعة إلا إغضاء أو أنه غير لاقٍ من معاملتها إلا رفضاً، لأن الشريعة لم تنهَ الناس عن اكتساب المال من وجوهه المعروفة، ولا تغبن أصحابَ الأموال ما يحصل لهم من الفضائل والدرجات بسبب أموالهم إن أنفقوها في مصارفها النافعة. وقد رأينا فيما تقدم أن حفظ الأموال معدود من كليات الشريعة الراجعة إلى القسم الضروري، وأن نظام الأموال وطرق دورانها هو معظم مسائل الحاجيات كما أن معظم قواعد التشريع المالية متعلقة بحفظ أموال الأفراد وآيلة إلى حفظ مال الأمة. والشريعة تضبط إدارة المال بأسلوب يحفظه موزعاً بقدر المستطاع، وتعين على نمائه في نفسه أو بأعواضه.
стр. 1258
ومال الأمة هو ثروتها، والثروة هي ما ينتفع به الناس آحاداً أو جماعات في جلب نافع أو دفع ضار، والكسب لا يعدّ ثروة إلا إذا صلح للانتفاع به مدداً طويلة.
وتتقوّم صفة المال بخمسة أمور، هي: قابليته للادخار، وكونه مرغوباً في تحصيله، وقابلاً للتداول، ومحدود المقدار، ومكتسباً.
ولثراء الأمة والأفراد طريقان، هما: التملك والتكسب. فالتملك أصل للإثراء البشري وهو اختصاص، يدأب المرء على تحصيله قوتاً ووقوداً ومسكناً وركوباً وسلاحاً وزينةً. وأسبابه في الشرع ثلاثة: الاختصاص، والتبادل في العوض، والانتقال من مالك إلى غيره.
والتكسب هو معالجة ما يسد الحاجة، وأصولهُ: الأرض، والعمل، ورأس المال.
والمعاملات المالية بعضها راجع إلى التملك كبيع دار للسكنى والأطعمة المأكولة، وبعضها راجع إلى التكسب كبيع أرض الحراثة وأشجار الزيتون.
والمقصد الشرعي في الأموال كلها خمسة: رواجها، ووضوحها، وحفظها، وثباتها، والعدل فيها.
ومن أهم أصول النظام في التعامل المالي وضع النقدين أعواضاً للتعامل.
فالتعامل بالنقدين أيسر من التعامل بالأعيان، والنقدان عوضان صالحان بغالب أحوال البشر، يطلبان ولا يعرضان بخلاف بقية المتموّلات فإنها يلحقها العرض والطلب.
стр. 1259
ومن الواجب إبطال الاحتكار في الطعام لقول عمر: "لا حكرة في سوقنا".
وعقود التبرعات تقوم على أساس المواساة بين أفراد الأمة الخادمة لمعنى الأخوة. وهي تمثل مصلحة حاجية جليلة بها تحصل مساعفة المعوزين، وإغناء المقترين، وإقامة الجم من مصالح المسلمين، ومما يقصد من التبرعات الإغناء وإقامة المصالح المهمة.
ومقاصد الشرع في التبرعات كثيرة: الأول: منها هو تكثيرها لما فيها من المصالح العامة والخاصة، والمقصد الثاني منها: أن تكون صادرة عن طيب نفس، والمقصد الثالث: التوسع في وسائل انعقاد التبرع حسب رغبة المتبرعين، والرابع: أن لا يكون التبرع ذريعة إلى إضاعة مال الغير من حق وارث أو دائن.
ومقاصد الشريعة في المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان أساسها إنتاج الثروة للأفراد ولمجموع الأمة. فالعمل أحد أركان الثروة. ومن ثم لا يجوز أن توصد في وجوه الفريقين: العامل وصاحب المال، الطرقُ المثلى بوجه عادل. وتنعقد المعاملات على الأبدان بإجارة الأبدان، وبالمساقاة، والمغارسة، والمزارعة، والقراض، والجعل. وهذه العقود لا تخلو من غرر لعسر تقدير عمل التعاقد عليه، وعسر معرفة ما ينجر إلى العامل من الربح، وعسر انضباط ما ينجر إلى صاحب المال من إنتاج وعدمه.
ومقصد الشريعة في هذه المعاملات الحياطة لجانب العملة، كي لا يذهب عملهم باطلاً أو مغبوناً. وقد التفت علماء الشريعة إلى ما ينبغي أن يوفر للعملة من حقوق، فجعلوها بالاستقراء ثمانية:
١ - تكثير المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان.
стр. 1260
٢ - الترخيص في اشتمال عقود هذه الأعمال على الغرر المتعارف في أمثالها.
٣ - التحرز عما يثقل على العامل في هذه العقود.
٤ - العقود على عمل الأبدان يتم انعقادها بمجرد القول، ولكن ذلك يترتب على الشروع في العمل عند المالكية، في غير المساقاة، وهو في الجعل والقراض باتفاق، وفي المغارسة والمزارعة على الراجح.
٥ - إجازة تنفيل العملة بمنافع زائدة على ما يقتضيه العمل في ذلك.
٦ - التعجل بإعطاء عوض عمل العامل دون تأخير ولا نظرة ولا تأجيل.
٧ - إيجاد وسائل إتمام العمل للعامل، فلا يلزمه إتمامه بنفسه.
٨ - الابتعاد عن كل شرط أو عقد فيه شبهة استعباد العامل.
ومما تحدث عنه الإمام الأكبر نوع من الشراكة في المزارعة تسمى بتونس شركة الخماس. ذكر صورتها وأحكامها وعقب على ذلك بكونها شركة منافية لمقاصد الشريعة لا محالة، وإن كانوا يزعمون أن الضرورة دعت إليها.
ب - وفي أحكام الأسرة ومقاصدها يوزع صاحب المقاصد الأصول التشريعية في العائلة على ثلاثة أواصر فيجعل منها أحكاماً خاصة بآصرة النكاح، وأخرى خاصة بأحكام آصرة القرابة، وثالثة دعاها بأحكام آصرة الصهر أو المصاهرة، ثم ذكر ما تنقض به كل هذه الأواصر لما يعرض لها أو يصيبها من انحلال.
فآصرة النكاح ليست مقصورة على داعية اقتراب الذكر من
стр. 1261
الأنثى في الجنس الإنساني. وإنما هي جذم نظام العائلة ينبني عليه اختصاص الرجل بالمرأة، والوثوق من انتساب نسلها إليه، وتتضاعف بها أسباب حصانة المرأة، ويضفي عليها عقد الزواج تشريفاً وتنويهاً في نظر الشرع ونظر الناس، يشهد له قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (١). وفي هذا ما يفاد اقتران الرجل بالمرأة المحرمة مثل نكاح الاستبضاع، ونكاح الرهط دون العشرة، ونكاح البغايا، وما يقوم منه على السفاح أو المخادنة أو الضماد، أو الزواج من المحَرّمات.
ويتميز النكاح الشرعي بالحرص على تحقق رضا المرأة وأهلها، وتحقيق حُسن قصد الرجل من إخلاص المحبة ودوام المعاشرة. ويجب فيه المهر، وأن لا يكون العقد مدخولاً فيه على التوقيت والتأجيل. واشترطوا الولي، وقصر أبو حنيفة هذا على الصغير ومن في حكمه، ودعوا إلى الشهرة في النكاح لأن الإسرار به يقربه من الزنا، وحرم نكاح الشغار لخلوه من المهر، ووجب إنفاق الرجل على زوجه، وإن كانت غنية، وجعل الزوجية سبباً للتوارث، واعتُبِرَ الإخلال بحُسن المعاشرة، وبالقوامة مفضيين إلى فسخ عقدة النكاح بحكم الحاكم بالطلاق عند ثبوت الضرر.
وأما آصرة النسب والقرابة فتبدأ بنسبة البنوة والأبوّة من نسب مقطوع به. وأبرز مسائلها المحرمية والنفقة وإبداء الزينة.
والمحرمية ثلاثة أنواع: فقد قررت الشريعة المحرمية بالنسب فحرمت الأصول والفروع وصنوانَهم في النكاح، صوناً لهم مما
стр. 1262
يقتضيه الوطء من إذلال وإهانة لا يساير ما تقتضيه القرابة من وقار واحتشام، وحرمت الأخوة والأخوات قصد إيجاد معنى الوقار بينهما، وحرمت بالصهر أم الزوجة والربيبة إلحاقاً لها بالنسب، وحرمت الجمع بين الأختين لما قد يفضي إليه هذا الجمع في النكاح من الشقاق القاطع للرحم، وكذلك الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها لنفس السبب، وألحقت بهذه المحرمات محرمات الرضاع اللاتي نزلها الرسول ﷺ منزلة المحرمات بالنسب.
ويشمل التحريم أحوالاً أخرى كالملاعنة لتعذر حُسن المعاشرة بعدها، واختلاف الدين بين المسلم وتابعات الأديان غير السماوية، والمطلقة ثلاثاً لما قضى به الله، وتعدد الأزواج للمرأة الواحدة، والاقتصار على الأربعة من النساء للرجل. وذلك تقديراً لما في هذه المحرمات من أسباب اقتضى التشريع الإسلامي اعتبارها ومراعاتها.
ولتقوية آصرة القرابة وردت أحكام النفقة على الآباء والأبناء وعلى الأجداد والأحفاد في بعض المذاهب، وشرع الميراث باتفاق بسببها على الجملة. وحفت بهذه الآصرة آداب وواجبات كالأمر ببر الوالدين، والاعتداد بصلة الأقارب وذوي الأرحام، والترخيص للمرء أدْ يطعم في بيته أقاربُه دون دعوة ولا إذن.
ونهت الشريعة النساء عن إبداء زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو أباء بعولتهن أو بناتهن أو أبناء بعولتهن، وكذلك لأخواتهن وبني إخوانهن وبني أخواتهت، وأثبتت لآصرة النسب حقوق الميراث.
وتنشأ آصرة الصهر من آصرتي النكاح والنسب. وتثبت هذه الآصرة للربائب وأخت الزوجة وعمتها وخالتها وأم الزوجة كما تكون
стр. 1263
بنكاح أهل آصرة القرابة كزوجة الابن وزوجة الأب. وجعلت للمصاهرة درجتان: قريبة وبعيدة. أما الأولى فهي الزوجة وابنتها فهما محرمتان على الزوج، وأبو الزوج وابنته منهما محرمان على الزوج، وكذلك حرمت زوجة الابن على الأب وزوجة الأب على الابن، والثانية، وهي المصاهرة البعيدة على مراتب، منها ما يحرم كالجمع بين الأختين والجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، ومنها ما لا يحرم لضعف آصرته.
وفي ختام العرض للأواصر الثلاثة ذكر صور انخرامها ببيان طرق تعطيلها أو إبطالها.
فانحلال آصرة النكاح يكون بالطلاق من الزوج، أو بطلاق الحاكم أو بالفسخ، وذلك عند تعسر استقامة المعاشرة وما يترتب على ذلك من ارتباكات تحل بالزوجين أو بالأسرة كلها.
وإنما جعل الطلاق بيد الرجل لأنه في غالب الأحيان الأحرص على استبقاء الزوج، والأنفذ نظراً في مصلحة العائلة.
وأعطيت المرأة حق الخُلع بطريق الرفع إلى الحاكم إن حصل لها ضرر وتكون به المفارقة.
وفي بعض الأحوال تشترط المرأة أن يكون الطلاق بيدها، أو طلاق أمر الداخلة عليها بيدها، أو يكون أمرها بيدها إن أضر بها الزوج. واختلف في الشروط اللاحقة بعقدة النكاح. وقال مالك: الشرط إذا انعقد عليه النكاح يكون شرطاً باطلاً غير لازم، وإن وقع طوعاً من الزوج بعد عقدة النكاح لزم.
أما انحلال آصرة النسب فإنها مبنية على انكشاف بطلان ما كان يظن أنه نسب، لأن النسب الثابت لا يقبل انحلالاً ولا إسقاطاً.
стр. 1264
ويكون إثبات النسب الحق بالبينة الظاهرة أو بالإقرار الذي لا تهمة فيه.
أما في آصرة الصهر فانحلالها تابع لانحلال آصرة أصل منشئه. ويكون الانحلال فيها تاماً في مثل أخت المرأة وعمتها وخالتها إذا انفكت عصبة المرأة بموت أو طلاق، ومنها لا انحلال فيه مثل أم الزوجة وزوجة الأب وزوجة الابن والربائب.
افتتح الشيخ ابن عاشور حديثه عن الحقوق بفصول تتعلق بهذا الغرض فذكر مقصد الشريعة من تعيين أنواع الحقوق لمستحقيها. وصرّح بأن الشريعة لم تترك هذا الأمر للصدفة أو للقوة والقهر، ولكنها نصت في تعيين أصحاب الحقوق وبيان أولوية بعض الناس ببعض المستحقات على انتهاج طريق فطري عادل يضمن الاقتناع ويحقق العدل. وجماع أصول تعيين الحقوق التكوين أو الترجيح. فأما التكوين فهو يرجع إلى كون أصل الخلقة قد أوجد الحق وكوّن صاحبه، وقرن بينهما، وأما الترجيح فبإظهار الأولية في إثبات الحق لأحد الطرفين، ويكون هذا بحجة العقل أو بالحجة المقبولة بين الناس، أو بجملة من المرجحات الاصطلاحية. وبالاستقراء توصل الإمام إلى جعل الحقوق متنوعة إلى تسع مراتب. وقد تقدم تفصيل ذلك في محله.
إن في تعيين المستحقين ما يعين القضاء، عند الفصل بين الخصوم، على إيصال الحق إلى صاحبه. ومن مقاصد الشريعة اشتمال نظام هيأة القضاء في الجملة على ما فيه إعانة على إظهار الحق وقمع الباطل. والقاضي هو أهم أركان القضاء. وهو الذي يتولى إبلاغ الحقوق إلى طالبيها. ولا يكون ذلك إلا مع أصالة الرأي
стр. 1265
والعلم والسلامة من نفوذ الغير عليه في قضائه، والعدالة.
وإذا كانت الحقوق في هذا العالم معرضة للاغتصاب بدافع الغضب أو الشهوة أو معرضة لسوء الفهم وللجهل والتناسي، فإن في إقامة ولاة لأمور الأمة، وإقامة سلطة تعينهم على التنفيذ ما يكون به نشر العدل وحفظ الحقوق. ورجح العلماء، نفياً للحرج واطمئناناً للمتقاضين، أن يتولى القاضي التصريح بمستنده في الحكم.
واختلفوا فيمن يولَّى هذا المنصب الجليل. قال ابن القاسم: لا يستقضى من ليس بفقيه. وقال أصبغ وأشهب ومطرف وابن الماجشون: لا يصلح كون القاضي صاحب حديث لا فقه معه ولا صاحب فقه لا حديث معه. وقال ابن عبد البر: لا يولّى القضاء إلا من كان موثوقاً في دينه وعلمه وفهمه. فالقضاء أمانة، ومن شرطه القدرة على فهم مدركات المسائل وعللها.
وإلى جانب هذا قواعد وآداب أخرى كثيرة تلزم القاضي والشهود وغيرَهم. فمن ذلك أنه ليس من طريق لحمل طبقات الأمة على الاقتناع بأحكام القاضي غير الأخذ بالأصلح من مجموع أقوال العلماء. وأن في تطوير الإجراءات في مجال القضاء بحسب ما تدعو إليه الحاجة ما حمل الفقهاء على إضافة جملة من الضوابط والشروط في أحكام المرافعات ما كان السلف يرعونها.
وعلى القضاة أن يسعوا إلى فصل القضايا في آجال محدودة نسبياً. فالإبطاء بإيصال الحق إلى صاحبه عند تعيينه يثير مفاسد كثيرة، كما أن الإسراع بالفصل بين الخصمين وحده ليس محموداً إذا لم يكن الفصل قاطعاً يمنع أن تعود المنازعة.
والمنوط بهم تنفيذ أحكام الشريعة، في خصوص إيصال