الأنثى في الجنس الإنساني. وإنما هي جذم نظام العائلة ينبني عليه اختصاص الرجل بالمرأة، والوثوق من انتساب نسلها إليه، وتتضاعف بها أسباب حصانة المرأة، ويضفي عليها عقد الزواج تشريفاً وتنويهاً في نظر الشرع ونظر الناس، يشهد له قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (١). وفي هذا ما يفاد اقتران الرجل بالمرأة المحرمة مثل نكاح الاستبضاع، ونكاح الرهط دون العشرة، ونكاح البغايا، وما يقوم منه على السفاح أو المخادنة أو الضماد، أو الزواج من المحَرّمات.
ويتميز النكاح الشرعي بالحرص على تحقق رضا المرأة وأهلها، وتحقيق حُسن قصد الرجل من إخلاص المحبة ودوام المعاشرة. ويجب فيه المهر، وأن لا يكون العقد مدخولاً فيه على التوقيت والتأجيل. واشترطوا الولي، وقصر أبو حنيفة هذا على الصغير ومن في حكمه، ودعوا إلى الشهرة في النكاح لأن الإسرار به يقربه من الزنا، وحرم نكاح الشغار لخلوه من المهر، ووجب إنفاق الرجل على زوجه، وإن كانت غنية، وجعل الزوجية سبباً للتوارث، واعتُبِرَ الإخلال بحُسن المعاشرة، وبالقوامة مفضيين إلى فسخ عقدة النكاح بحكم الحاكم بالطلاق عند ثبوت الضرر.
وأما آصرة النسب والقرابة فتبدأ بنسبة البنوة والأبوّة من نسب مقطوع به. وأبرز مسائلها المحرمية والنفقة وإبداء الزينة.
والمحرمية ثلاثة أنواع: فقد قررت الشريعة المحرمية بالنسب فحرمت الأصول والفروع وصنوانَهم في النكاح، صوناً لهم مما
стр. 1262
يقتضيه الوطء من إذلال وإهانة لا يساير ما تقتضيه القرابة من وقار واحتشام، وحرمت الأخوة والأخوات قصد إيجاد معنى الوقار بينهما، وحرمت بالصهر أم الزوجة والربيبة إلحاقاً لها بالنسب، وحرمت الجمع بين الأختين لما قد يفضي إليه هذا الجمع في النكاح من الشقاق القاطع للرحم، وكذلك الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها لنفس السبب، وألحقت بهذه المحرمات محرمات الرضاع اللاتي نزلها الرسول ﷺ منزلة المحرمات بالنسب.
ويشمل التحريم أحوالاً أخرى كالملاعنة لتعذر حُسن المعاشرة بعدها، واختلاف الدين بين المسلم وتابعات الأديان غير السماوية، والمطلقة ثلاثاً لما قضى به الله، وتعدد الأزواج للمرأة الواحدة، والاقتصار على الأربعة من النساء للرجل. وذلك تقديراً لما في هذه المحرمات من أسباب اقتضى التشريع الإسلامي اعتبارها ومراعاتها.
ولتقوية آصرة القرابة وردت أحكام النفقة على الآباء والأبناء وعلى الأجداد والأحفاد في بعض المذاهب، وشرع الميراث باتفاق بسببها على الجملة. وحفت بهذه الآصرة آداب وواجبات كالأمر ببر الوالدين، والاعتداد بصلة الأقارب وذوي الأرحام، والترخيص للمرء أدْ يطعم في بيته أقاربُه دون دعوة ولا إذن.
ونهت الشريعة النساء عن إبداء زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو أباء بعولتهن أو بناتهن أو أبناء بعولتهن، وكذلك لأخواتهن وبني إخوانهن وبني أخواتهت، وأثبتت لآصرة النسب حقوق الميراث.
وتنشأ آصرة الصهر من آصرتي النكاح والنسب. وتثبت هذه الآصرة للربائب وأخت الزوجة وعمتها وخالتها وأم الزوجة كما تكون
стр. 1263
بنكاح أهل آصرة القرابة كزوجة الابن وزوجة الأب. وجعلت للمصاهرة درجتان: قريبة وبعيدة. أما الأولى فهي الزوجة وابنتها فهما محرمتان على الزوج، وأبو الزوج وابنته منهما محرمان على الزوج، وكذلك حرمت زوجة الابن على الأب وزوجة الأب على الابن، والثانية، وهي المصاهرة البعيدة على مراتب، منها ما يحرم كالجمع بين الأختين والجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، ومنها ما لا يحرم لضعف آصرته.
وفي ختام العرض للأواصر الثلاثة ذكر صور انخرامها ببيان طرق تعطيلها أو إبطالها.
فانحلال آصرة النكاح يكون بالطلاق من الزوج، أو بطلاق الحاكم أو بالفسخ، وذلك عند تعسر استقامة المعاشرة وما يترتب على ذلك من ارتباكات تحل بالزوجين أو بالأسرة كلها.
وإنما جعل الطلاق بيد الرجل لأنه في غالب الأحيان الأحرص على استبقاء الزوج، والأنفذ نظراً في مصلحة العائلة.
وأعطيت المرأة حق الخُلع بطريق الرفع إلى الحاكم إن حصل لها ضرر وتكون به المفارقة.
وفي بعض الأحوال تشترط المرأة أن يكون الطلاق بيدها، أو طلاق أمر الداخلة عليها بيدها، أو يكون أمرها بيدها إن أضر بها الزوج. واختلف في الشروط اللاحقة بعقدة النكاح. وقال مالك: الشرط إذا انعقد عليه النكاح يكون شرطاً باطلاً غير لازم، وإن وقع طوعاً من الزوج بعد عقدة النكاح لزم.
أما انحلال آصرة النسب فإنها مبنية على انكشاف بطلان ما كان يظن أنه نسب، لأن النسب الثابت لا يقبل انحلالاً ولا إسقاطاً.
стр. 1264
ويكون إثبات النسب الحق بالبينة الظاهرة أو بالإقرار الذي لا تهمة فيه.
أما في آصرة الصهر فانحلالها تابع لانحلال آصرة أصل منشئه. ويكون الانحلال فيها تاماً في مثل أخت المرأة وعمتها وخالتها إذا انفكت عصبة المرأة بموت أو طلاق، ومنها لا انحلال فيه مثل أم الزوجة وزوجة الأب وزوجة الابن والربائب.
افتتح الشيخ ابن عاشور حديثه عن الحقوق بفصول تتعلق بهذا الغرض فذكر مقصد الشريعة من تعيين أنواع الحقوق لمستحقيها. وصرّح بأن الشريعة لم تترك هذا الأمر للصدفة أو للقوة والقهر، ولكنها نصت في تعيين أصحاب الحقوق وبيان أولوية بعض الناس ببعض المستحقات على انتهاج طريق فطري عادل يضمن الاقتناع ويحقق العدل. وجماع أصول تعيين الحقوق التكوين أو الترجيح. فأما التكوين فهو يرجع إلى كون أصل الخلقة قد أوجد الحق وكوّن صاحبه، وقرن بينهما، وأما الترجيح فبإظهار الأولية في إثبات الحق لأحد الطرفين، ويكون هذا بحجة العقل أو بالحجة المقبولة بين الناس، أو بجملة من المرجحات الاصطلاحية. وبالاستقراء توصل الإمام إلى جعل الحقوق متنوعة إلى تسع مراتب. وقد تقدم تفصيل ذلك في محله.
إن في تعيين المستحقين ما يعين القضاء، عند الفصل بين الخصوم، على إيصال الحق إلى صاحبه. ومن مقاصد الشريعة اشتمال نظام هيأة القضاء في الجملة على ما فيه إعانة على إظهار الحق وقمع الباطل. والقاضي هو أهم أركان القضاء. وهو الذي يتولى إبلاغ الحقوق إلى طالبيها. ولا يكون ذلك إلا مع أصالة الرأي
стр. 1265
والعلم والسلامة من نفوذ الغير عليه في قضائه، والعدالة.
وإذا كانت الحقوق في هذا العالم معرضة للاغتصاب بدافع الغضب أو الشهوة أو معرضة لسوء الفهم وللجهل والتناسي، فإن في إقامة ولاة لأمور الأمة، وإقامة سلطة تعينهم على التنفيذ ما يكون به نشر العدل وحفظ الحقوق. ورجح العلماء، نفياً للحرج واطمئناناً للمتقاضين، أن يتولى القاضي التصريح بمستنده في الحكم.
واختلفوا فيمن يولَّى هذا المنصب الجليل. قال ابن القاسم: لا يستقضى من ليس بفقيه. وقال أصبغ وأشهب ومطرف وابن الماجشون: لا يصلح كون القاضي صاحب حديث لا فقه معه ولا صاحب فقه لا حديث معه. وقال ابن عبد البر: لا يولّى القضاء إلا من كان موثوقاً في دينه وعلمه وفهمه. فالقضاء أمانة، ومن شرطه القدرة على فهم مدركات المسائل وعللها.
وإلى جانب هذا قواعد وآداب أخرى كثيرة تلزم القاضي والشهود وغيرَهم. فمن ذلك أنه ليس من طريق لحمل طبقات الأمة على الاقتناع بأحكام القاضي غير الأخذ بالأصلح من مجموع أقوال العلماء. وأن في تطوير الإجراءات في مجال القضاء بحسب ما تدعو إليه الحاجة ما حمل الفقهاء على إضافة جملة من الضوابط والشروط في أحكام المرافعات ما كان السلف يرعونها.
وعلى القضاة أن يسعوا إلى فصل القضايا في آجال محدودة نسبياً. فالإبطاء بإيصال الحق إلى صاحبه عند تعيينه يثير مفاسد كثيرة، كما أن الإسراع بالفصل بين الخصمين وحده ليس محموداً إذا لم يكن الفصل قاطعاً يمنع أن تعود المنازعة.
والمنوط بهم تنفيذ أحكام الشريعة، في خصوص إيصال
стр. 1266
الحقوق إلى أصحابها على نحو ما رسمته الشريعة تأصيلاً وتفريعاً، هم القضاة وأهل الشورى وأعوانهم وما تتألف منه طرق أقضيتهم من بيّنات ورسوم. وقول عمر بن الخطاب في هذا هو الفصل: فاقض إذا فهمت وأنفذ إذا قضيت.
أما العقوبات فإن التحقق من إقامتها على الجناة على قواعد معلومة يؤيس أهل الدعارة من الإقدام على إرضاء شهواتهم بارتكاب الجنايات. والزواجر والعقوبات والحدود لم تشرع إلا من أجل إصلاح حال الناس. وأكبر مقاصد الشريعة هو حفظ نظام الأمة والتوصل بالعقاب إلى تأديب الجاني وإرضاء المجني عليه وزجر المعتدي.
ونحن بعد أن استعرضنا أكثر ما ورد بكتاب مقاصد الشريعة من الموضوعات تاركين ما اختصرناه من ذلك إلى همة الدَارس والمُطالع للكتاب مثل قضية الذرائع والتحيل والوازع بأنواعه وصور تحكيمه نؤكد على جملة مما ورد من مسائل في التمهيد وفي الأقسام الثلاثة من الكتاب، مبدين بذلك كمال التنسيق بين أغراضه، وحُسن الترتيب لموضوعاته، ومشيرين إلى ظواهر مميزة لطريق الإمام الأكبر في معالجته لمسائله.
وهي أولاً كثرة الأمثلة والفروع التي خصصناها بجدول جامع تقديراً لأهميتها ولربطه فيها بين الأحكام والأدلة والمقاصد. وثانياً ما أظهره من عناية بالقواعد والمقاصد.
وقضية المقاصد عرضت لنا في موضعين الأول عند ذكر المؤلف سبقها في الوجود لحكم أصول الفقه، وبيانه مدى استعانة الفقهاء بها، والخلوص منها إلى الأحكام. وذلك قوله: تُمَكّن
стр. 1267
القواعد العارف بها من انتزاع الفروع منها، أو من انتزاع أوصاف تؤذن بها تلك الألفاظ، يمكن أن تجعل تلك الأوصاف باعثاً على التشريع، كما تمكن تلك القواعد المتضلع فيها من تأييد فروع انتزعها الفقهاء بواسطة تلك القواعد مقبولة في نفوس المزاولين لها من مقلدي المذاهب.
وتولى بعد هذا بيان موضوعاتها بقوله: وقصارى ذلك أنها تؤول إلى محامل ألفاظ الشارع في انفرادها واجتماعها وافتراقها حتى يقربَ فهم المتضلع فيها من أفهام أصحاب اللسان العربى القح كمسائل مقتضيات الألفاظ وفروقها من عموم وإطلاق، ونص، وظهور وحقيقة واطراد، وكمسائل تعارض الأدلة الشرعية من تخصيص وتعيين وتأويل وجمع وترجيح. وقد قصروا مباحثها على ألفاظ الشريعة، على المعاني التي أنبأت عليها الألفاظ، وهي علل الأحكام القياسية. وقد نفى المؤلف في غضون هذه المقالة بيان الحكمة أو القصد. وذلك قوله: فهي في تصاريف مباحثها بمعزل عن بيان حكمة الشريعة وعن مقاصدها العامة والخاصة في أحكامها.
وقد ضمّ العز بن عبد السلام في كتابه القواعد الكبرى المقاصد إلى القواعد، كما أنه لم يتعرض إلى القواعد الفقهية خاصة. فهي عنده لم تبلغ العشرين. وقد جعل منها: قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد، وقاعدة تعذر العدالة في الولايات، وقاعدة الحقوق الخالصة والمركبة، وقاعدة حقائق التصرفات، وقاعدة ما يوجب الضمان والقصاص، وقاعدة اختلاف التصرفات لاختلاف المصالح. وهو فيما يبدو قد جعل كتابه قائماً على بيان القواعد المتعلقة بالمصالح والمفاسد وما يتصل بها، متوسعاً في ذلك، معلناً عنه في مقدمة كتابه القواعد. وهو بذلك مخالف لما سار عليه الدبوسي في
стр. 1268
تأسيس النظر، والقرافي في الفروق، والزركشي في المنثور، والمقري في قواعده بقوله: الغرض من وضع هذا الكتاب بيانُ مصالح الطاعات والمعاملات وسائر التصرفات، ليسعى العبادُ في كسبها، وبيان مقاصد المخالفات، ليسعى العبادُ في درئها، وبيانُ مصالح المباحات، ليكونَ العبادُ على خِيَرَةِ منها، وبيانُ ما يقدم من بعض المصالح على بعض، وما يؤخر من بعض المفاسد عن بعض، مما يدخل تحت أكساب العباد، دون ما لا قُدرةَ لهم عليه، ولا سبيل لهم إليه (١).
ولحاجة صاحب مقاصد الشريعة إلى ذكر القواعد بحسب ما تقتضيه طبيعة عمله لم يقتصر في كتاب المقاصد على إدراج القواعد الفقهية أو الأصولية لديه بل تجاوز ذلك كما فعل العز بن عبد السلام، إلى الغرض العام منها معتمداً على ما ذهب ليه التهانوي في تعريفه له بقوله: القواعد ترادف الأصل والقانون والمسألة والضابط والمقصد. ويتضح ذلك مما جمعناه منها وإن تباينت صيغه.
* * * * *
стр. 1269
شَيخُ الْإِسْلَامِ الإِمَامِ الْأَكْبَرِ مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عَاشُور
وَكتابه مَقَاصِد الشَّرِيعَة الإسلامية
الْجُزْء الثَّالِث
مَقَاصِد الشَّرِيْعَةِ الإسْلاميَّةِ
لشَيخِ الْإِسْلَامِ الإِمَامِ الْأَكْبَر مُحَمَّد الطَّاهِر ابْن عَاشُور
تَحْقِيق وَمُراجَعَة
الشَّيْخ مُحَمَّد الحبيب ابْن الخوجة
طُبِعَ على نَفَقَةِ
حَضْرَة صَاحبِ السُّمُوِّ
الشَّيْخ حمد بن خَليفَة آل ثَانِي أَمِير دولة قطر - حَفِظَهُ الله -
بإشرافِ وزارةِ الْأَوْقَاف والشؤونِ الإسلاميَّة
طبعَة وزارةِ الْأَوْقَاف والشؤونِ الإسلاميَّة
دوْلة قطَر
عَلَى نَفَقَةِ
حَضْرَة صَاحبِ السُّمُوِّ
الشَّيْخ حمد بن خَليفَة آل ثَانِي أَمِير دولة قطر - حَفِظَهُ الله -
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة
١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م
стр. 1273
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المؤلف
الحمد لله على ما وهب من الهَدْي إلى شرعه ومنهاجه، وألهم من استخراج مقاصده وتنسيق حِجاجه. والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أقام به صَرْح الإصلاح بعد ارتجاجه، وعلى أصحابه وآله نجوم سماء الإسلام وجواهر تاجه، وأئمة الدين الذين بهم أضحى أفقُ العلم إثر بزوغ فجره وانبلاجه.
هذا كتاب قصدتُ منه إلى إملاء مباحث جليلة من مقاصد الشريعة الإسلامية، والتمثيل لها، والاحتجاج لإثباتها، لتكون نبراساً للمتفقِّهين في الدين، ومرجعاً بينهم عند اختلاف الأنظارِ وتبدل الأعصار، وتوسُّلًا إلى إقلال الاختلاف بين فقهاء الأمصار، ودُربة لأَتباعهم على الإنصاف في ترجيح بعض الأقوال على بعض عند تطاير شرر الخلاف، حتى يَسْتتب بذلك ما أردناه غير مرّة من نبذ التعصّب، والفَيْئَة إلى الحق إذا كان القصد إغاثة المسلمين ببُلالة تشريع مصالحهم الطارئة متى نزلت الحوادث واشتبكت النوازل، وبفَصْل من القول إذا شَجَرت حجَج المذاهب، وتبارت في مناظرتها تلكم المقانب (١).
стр. 1274
دعاني إلى صرف الهمة إليه ما رأيتُ من عُسر الاحتجاج بين المختلفين في مسائل الشريعة، إذ كانوا لا ينتهون في حجاجهم إلى أدلّة ضرورية، أو قريبة منها، يذعن إليها المكابر ويهتدي بها المشبَّهُ عليه، كما ينتهي أهلُ العلوم العقلية في حجاجهم المنطقي والفلسفي إلى الأدلّة الضروريات والمشاهدات والأصول الموضوعة؛ فينقطعُ بين الجميع الحجاج، ويرتفع من أهل الجدل ما هم فيه من لَجاج. ورأيت علماء الشريعة بذلك أولى، وللآخرةُ خير من الأولى.
وقد يَظنُّ ظانٌّ أن في مسائل علم أصول الفقه غُنيةً لمُتطلّب هذا الغرض، بَيْد أنه إذا تمكّن من علم الأصول، رَأَى رَأيَ اليقين أن معظم مسائله مُخْتلَف فيها بين النُظَّار، مستمرٌّ بينهم الخلاف في الفروع تبعاً للاختلاف في تلك الأصول. وإن شئت فقل: قد استمر بينهم الخلاف في الفروع لأن قواعد الأصول انتزعوها من صفات تلك الفروع، إذ كان علم الأصول لم يُدوّن إلا بعد تدوين الفقه بزهاء قرنين (١)!. على أن جمعاً من المتفقّهين كان هزيلاً في الأصول، يَسيرُ
стр. 1275
. . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1276
فيها وهو راجل، وقلّ من ركب متن التفقه فدُعِيت نزال فكان أولَ نازل. لذلك لم يكن علم الأصول منتهًى ينتهي إلى حكمه المختلفون في الفقه، وعسُرَ أو تعذَّرَ الرجوع بهم إلى وحدة رأي أو تقريب حال.
على أن معظم مسائل أصول الفقه لا ترجع إلى خدمة حكمة الشريعة ومقصدها، ولكنها تدور حول محور استنباط الأحكام من ألفاظ الشارع بواسطة قواعدَ تمكِّن العارف بها من انتزاع الفروع منها، أو من انتزاع أوصاف تُؤذن بها تلك الألفاظُ يمكن أن تجعل تلك الأوصاف باعثاً على التشريع، فتقاسُ فروع كثيرة على مورد لفظ
стр. 1277
منها، باعتقاد اشتمال تلك الفروع كلها على الوصف الذي اعتقدوا أنه مرادٌ من لفظ الشارع، وهو الوصف المسمى بالعلّة (١).
وبعبارة أقرب: تُمَكِّن تلك القواعدُ المتضلِّعَ فيها من تَأْيِيد فروع انتزعها الفقهاء قبل ابتكار علم الأصول، لتكون تلك الفروع بواسطة تلك القواعد مقبولةً في نفوس المزاولين لها من مقلِّدي المذاهب.
وقُصارَى ذلك كله: أنها تؤول إلى محامل ألفاظ الشارع في: انفرادها، واجتماعها، وافتراقها، حتى تقرِّب فهمَ المتضلِّع فيها من
стр. 1278
أفهام أصحاب اللسان العربي القُحّ، كمسائل مقتضيات الألفاظ وفروقها: من عموم، وإطلاق، ونصًّ، وظهور، وحقيقة، وأضداد ذلك؛ وكمسائل تعارض الأدلة الشرعية: من تخصيص، وتقييد، وتأويل، وجمع، وترجيح، ونحو ذلك. وتلك كلها في تصاريف مباحثها بمعزل عن بيان حكمة الشريعة ومقاصدها العامة والخاصة في أحكامها، فهم قَصَروا مباحثهم على ألفاظ الشريعة، وعلى المعاني التي أنبأت عنها الألفاظ، وهي عِلل الأحكام القياسية. وربَّما يجد المطّلِع على كتب الفقه العالية مَن ذكر مقاصد الشريعة [و] كثيراً من مهمات القواعد (١) لا يجد منه شيئاً في علم الأصول. وذلك يخصُّ مقاصد
стр. 1279
أنواع المشروعات في طوالع الأبواب دون مقاصد التشريع العامة (١).
стр. 1280
ومن وراء ذلك خبايا، في بعض مسائل أصول الفقه، أو في مغمور أبوابها المهجورة عند المدارسة، أو المملولة، ترسُب في أواخر كتب الأصول، لا يصل إليها المؤلفون إلّا عن سآمة، ولا المتعلمون إلّا الذين رزقوا الصبر على الإدامة، فبقيت ضئيلة ومنسية، وهي بأن تعد في علم المقاصد حَرِيَّة. وهذه هي مباحث المناسبة والإخالة في مسالك العلة (١)،
стр. 1281
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1283
ومبحث المصالح المرسلة (١)، ومبحث التواتر (٢)، والمعلوم بالضرورة (٣)، ومبحث حمل المطلق على المقيّد إذا اتحد الموجِبُ والمُوجَبُ أو اختلفا (٤).
стр. 1284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1285
وقد وقع لإمام الحرمين ﵀ (١) في أول كتاب البرهان اعتذار عن إدخال ما ليس بقطعي في مسائل الأصول، فقال: "فإن قيل: تفصيل أخبار الآحاد والأقيسة لا تُلْفَى إلا في أصول الفقه، وليست قواطع. قلنا: حظ الأصولي إبانة القواطع في وجوب العمل بها، ولكن لا بد من ذكرها ليتبين المدلول ويرتبط بالدليل" (٢).
стр. 1286
وهو اعتذار واهٍ؛ لأنا لم نَرَهُمْ دونوا في أصول الفقه أصولاً قواطعَ يمكن توقيف المخالف عند جريه على خلاف مقتضاها، كما فعلوا في أصول الدين. بل لم نجد القواطعَ إلّا نادرة، مثل ذكر الكليات الضرورية: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال، والعِرض (١). وما عدا ذلك فمعظم أصول الفقه مظنونة.
وقد استشعر الإمام أبو عبد الله المازَريّ (٢) ذلك فقال عند شرحه قول إمام الحرمين في البرهان: "وأقسامها - أي: أدلة الأحكام - نص الكتاب، ونص السنة المتواترة، والإجماع" (٣):
стр. 1287
"اختلفت عبارات الأصوليين في هذا:
فمنهم من لا يقيد هذا التقييد - أي: قيد كلمة نص -، ويذكر الكتاب والسنة - أي: يقتصر على هاتين الكلمتين، ولا يذكر كلمتي نص - والإجماعَ. فإذا قيل لهم: فالظواهر وأخبار الآحاد؟ يقولون: إنما أردنا بذلك ما تحقق اشتمال الكتاب عليه، ولم نتحقق اشتمال الكتاب على الصورة المعيّنة من صور العموم. وكذلك يقولون في أخبار الآحاد: لم نتحقق كونه سنة.
ومنهم من لا يقيد لإزالة هذا اللبس.
ومنهم من يقول: ما دلَّ على الحكم ولو على وجه مظنون فهو دليل. فهذا لا يفتقر إلى التقييد" اهـ (١).
ورأيت في شرح القرافي على المحصول، في المسألة الثانية من مسائل اللفظ في الأمر والنهي، أن الأبياري (٢) قال في شرح البرهان:
стр. 1288
"مسائل الأصول قطعية، ولا يكفي فيها الظن. ومُدْرَكُها قطعي، ولكنه ليس المسطورَ في الكتب، بل معنى [قول العلماء: إنها قطعية]: أن من كثُر استقراؤه واطِّلاعه على أقضية الصحابة [رضوان الله عليهم]، ومناظراتهم، [وفتاواهم]، وموارد النصوص الشرعية، [ومصادرها] حصل له القطع بقواعد الأصول، ومتى قصر عن ذلك لا يحصل له إلّا الظّن" اهـ (١).
وهذا جواب باطل، لأننا بصدد الحكم على مسائل علم أصول الفقه لا على ما يحصل لبعض علماء الشريعة (٢).
وفي شرح القرافي على المحصول في الفصل الثاني من المقدمات [فائدة]: "إن أبا الحسين (٣) قال في شرح العُمد: لا يجوز
стр. 1289
التقليد في أصول الفقه، ولا يكون كل مجتهد فيه مصيباً، بل المصيب واحد [بخلاف الفقه في الأمرين]. والمخطئ فى أصول الفقه ملوم، بخلاف الفقه [فهو مأجور] ". اهـ.
وعقّبه القرافي بقوله: "إن من أصول الفقه مسائل ضعيفة المدارك، كالإجماع السكوتي، [والكلام على الحروف]، ونحو ذلك. [فإن الخلاف فيها أقوى]، والمخالف فيها لم يخالف قاطعاً بل ظناً فلا ينبغي تأثيمه، كما أنّا في أصول الدين لا نؤثّم من يقول: "العَرَض يبقى زمانين"، وينفي الخلاء، [وإثبات الملأ]، وغير ذلك من المسائل التي مقصودها ليس من قواعد الدين الأصليّة، وإنما هي من التتمّات في ذلك العلم" (١).
وقد حاول أبو إسحاق الشاطبي فى المقدمة الأولى من كتاب الموافقات الاستدلال على كون أصول الفقه قطعية (٢)، فلم يأت بطائل (٣).
стр. 1290
وأنا أرى: سبب اختلاف الأصوليين في تقييد الأدلة بالقواطع هو: الحيرة بين ما ألفوه من أدلة الأحكام، وبين ما راموا أن يصلوا إليه من جعل أصول الفقه قطعية كأصول الدين السمعية. فهم قد أقدموا على جعلها قطعية، فلما دوَّنوها وجمعوها ألفوا القطعي فيها نادراً ندرة كادت تذهب باعتباره في عداد مسائل علم الأصول. كيف وفي معظم أصول الفقه اختلاف بين علمائه؟!. فنحن إذا أردنا أن ندون أصولاً قطعية للتفقّه في الدين حقّ علينا أن نعمد إلى مسائل أصول الفقه المتعارفة، وأن نعيد ذَوْبها في بُوتَقَةِ التدوين، ونُعَيِّرها بمعيار النظر والنقد، فننفي عنها الأجزاء الغريبة التي غلثت بها، ونضع فيها أشرف معادن مدارك الفقه والنظر، ثمّ نعيد صوغ ذلك العلم ونسمّيه "علم مقاصد الشريعة"، ونترك علم أصول الفقه على حاله نَستمد منه طرق تركيب الأدلة الفقهية، ونعمد إلى ما هو من مسائل أصول الفقه غير مُنْزَوٍ تحت سرادق مقصدنا هذا من تدوين مقاصد الشريعة، فنجعل منه مبادئ لهذا العلم الجليل: "علم مقاصد الشريعة" (١). فينبغي أن نقول: أصول
стр. 1291
الفقه يجب أن تكون قطعية، أي: من حق العلماء أن لا يدوّنوا في أصول الفقه إلّا ما هو قطعي، إما بالضرورة أو بالنظر القوي. وهذه المسألة لم تزل معترك الأنظار. ومحاولة الانفصال فيها ملأت دروس المحققين لها في أختام الحديث في شهر رمضان (١).
ولقد فاضت كلمات مباركة من بعض أئمة الدين، أمست قواعدَ قطعية للتفقّه، إلّا أن تناثرَها وانغمارَها بوقوعها في أثناء استدلال على جزئيات، يسارع ذلك إليها بإبعادها عن ذاكرة من قد ينتفع بها عند الحاجة إليها. وهذه مثل قولهم: "لا ضرر ولا ضرار" (٢)، وقول
стр. 1292
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1293
عمر بن عبد العزيز: "تحدُث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور" (١) وقول مالك في الموطأ: "ودين الله يُسْرٌ" (٢). وقوله أيضاً في ما جاء في الخطبة: "وتفسير قول رسول الله: "لا يخطب أحدكم على خِطبة أخيه" (٣): أن يخطب الرجل المرأة فتركن إليه [ويتفقان على صداق
стр. 1294
واحد معلوم، وقد تراضيا. فهي تشترط عليه لنفسها. فتلك التي نهى أن يخطبها الرجلُ على خطبة أخيه]. ولم يعنِ بذلك إذا خطب الرجل المرأة فلم يوافقها أمرُه [ولم تركن إليه] أن لا يخطبها أحد. فهذا باب فساد يدخل على الناس" (١).
ولَحِق بأولئك أفذاذ، أحسب أن نفوسهم جاشت بمحاولة هذا الصنيع، مثل: عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام المصري الشافعي في قواعده (٢)، وشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي المصري المالكي
стр. 1295
في كتابه الفروق (١)؛ فلقد حاولا غير مرة تأسيس المقاصد الشرعية.
стр. 1296
والرجل الفذ الذي أفرد هذا الفن بالتدوين هو: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي المالكي (١)، إذ عني بإبراز القسم الثاني من كتابه المسمى عنوان التعريف بأصول التكليف في أصول الفقه (٢)، وعنون ذلك القسم بـ كتاب المقاصد. ولكنه تطوَّح في مسائله إلى تطويلات وخلط، وغفل عن مهمات من المقاصد، بحيث لم يحصل منه الغرض المقصود، على أنه أفاد جِد الإفادة. فأنا أقتفي آثاره، ولا أهمل مهمّاتِه، ولكن لا أقصد نقله ولا اختصاره.
وإنّي قصدت في هذا الكتاب خصوصَ البحث عن مقاصد الإسلام من التشريع في قوانين المعاملات والآداب، التي أرى أنها الجديرة بأن تخصَّ باسم الشريعة، والتي هي مظهر ما راعاه الإسلام من تعاريف المصالح والمفاسد وتراجيحها مما هو مظهر عظمة الشريعة الإسلامية بين بقية الشرائع والقوانين والسياسات الاجتماعية، لحفظ نظام العالم وإصلاح المجتمع (٣).
стр. 1297
فمصطلحي إذا أَطلقتُ لفظ التشريع: أني أريد به ما هو قانون للأمة، ولا أريد به مطلق الشيء المشروع. فالمندوب والمكروه ليسا بمرادين لي.
كما أرى أن أحكام العبادات جديرة بأن تسمى بالديانة، ولها أسرار أخرى تتعلق بسياسة النفس وإصلاح الفرد الذي يلتئم منه المجتمع. لذلك قد اصطلحنا على تسميتها بنظام المجتمع الإسلامي، وقد خصصتها بتأليف سميته: أصول النظام الاجتماعي في الإسلام.
وفي هذا التخصيص نلاقي بعض الضيق في الاستعانة بمباحث الأئمة المتقدمين، لنضوب المنابع النابعة من كلام أئمة الفقه وأصوله
стр. 1298
والجدل، إذ قد فرضوا جَمهرة جدلهم واستدلالهم وتعليلهم خاصةً بمسائل العبادات وبعض مسائل الحلال والحرام في البيوع. وتلك الأبواب غيرُ مجدية للباحث عن أسرار التشريع في أحكام المعاملات. فإنها وإن صلُحت للأصولي في تمثيل قواعده، وللجدلي في تركيب مناظراته، وللفقيه في مقدمات الأبواب الأولى من تأليفه حين يظهر عليه نشاط الإقبال، وقبل أن تعترضه السآمة والملال، فهي لا تصلح لصاحب فقه المعاملات. ولهذا تجَشّمتُ إيجاد أمثلة من المعاملات ونحوها، مما علق بذهني واعترضني في مطالعاتي. وقد أُضطَرُّ إلى الاستعانة بمُثُل من مسائل الديانة والعبادات، لما في تلك المثل من إيماء إلى مقصد عام للشارع أو إلى أفهام أئمة الشريعة في مراده.
وقد قسَّمت هذا الكتاب ثلاثةَ أقسام:
القسم الأول: في إثبات مقاصد الشريعة، واحتياج الفقيه إلى معرفتها، وطرق إثباتها ومراتبها.
القسم الثاني: في المقاصد العامة من التشريع.
القسم الثالث: في المقاصد الخاصة بأنواع المعاملات المعبَّر عنها بأبواب فقه المعاملات.
стр. 1299
مثال مما حذفه الإمام الأكبر من الطبعة الأولى بخطه وبقلمه قبل تقديم الكتاب إلى الطبع ثانية
стр. 1300
مثال لما أضافه بخطه وبقلمه إلى نص كتابه في الطبعة الأولى