← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

والرجل الفذ الذي أفرد هذا الفن بالتدوين هو: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي المالكي (١)، إذ عني بإبراز القسم الثاني من كتابه المسمى عنوان التعريف بأصول التكليف في أصول الفقه (٢)، وعنون ذلك القسم بـ كتاب المقاصد. ولكنه تطوَّح في مسائله إلى تطويلات وخلط، وغفل عن مهمات من المقاصد، بحيث لم يحصل منه الغرض المقصود، على أنه أفاد جِد الإفادة. فأنا أقتفي آثاره، ولا أهمل مهمّاتِه، ولكن لا أقصد نقله ولا اختصاره. وإنّي قصدت في هذا الكتاب خصوصَ البحث عن مقاصد الإسلام من التشريع في قوانين المعاملات والآداب، التي أرى أنها الجديرة بأن تخصَّ باسم الشريعة، والتي هي مظهر ما راعاه الإسلام من تعاريف المصالح والمفاسد وتراجيحها مما هو مظهر عظمة الشريعة الإسلامية بين بقية الشرائع والقوانين والسياسات الاجتماعية، لحفظ نظام العالم وإصلاح المجتمع (٣).

стр. 1297

فمصطلحي إذا أَطلقتُ لفظ التشريع: أني أريد به ما هو قانون للأمة، ولا أريد به مطلق الشيء المشروع. فالمندوب والمكروه ليسا بمرادين لي. كما أرى أن أحكام العبادات جديرة بأن تسمى بالديانة، ولها أسرار أخرى تتعلق بسياسة النفس وإصلاح الفرد الذي يلتئم منه المجتمع. لذلك قد اصطلحنا على تسميتها بنظام المجتمع الإسلامي، وقد خصصتها بتأليف سميته: أصول النظام الاجتماعي في الإسلام. وفي هذا التخصيص نلاقي بعض الضيق في الاستعانة بمباحث الأئمة المتقدمين، لنضوب المنابع النابعة من كلام أئمة الفقه وأصوله

стр. 1298

والجدل، إذ قد فرضوا جَمهرة جدلهم واستدلالهم وتعليلهم خاصةً بمسائل العبادات وبعض مسائل الحلال والحرام في البيوع. وتلك الأبواب غيرُ مجدية للباحث عن أسرار التشريع في أحكام المعاملات. فإنها وإن صلُحت للأصولي في تمثيل قواعده، وللجدلي في تركيب مناظراته، وللفقيه في مقدمات الأبواب الأولى من تأليفه حين يظهر عليه نشاط الإقبال، وقبل أن تعترضه السآمة والملال، فهي لا تصلح لصاحب فقه المعاملات. ولهذا تجَشّمتُ إيجاد أمثلة من المعاملات ونحوها، مما علق بذهني واعترضني في مطالعاتي. وقد أُضطَرُّ إلى الاستعانة بمُثُل من مسائل الديانة والعبادات، لما في تلك المثل من إيماء إلى مقصد عام للشارع أو إلى أفهام أئمة الشريعة في مراده. وقد قسَّمت هذا الكتاب ثلاثةَ أقسام: القسم الأول: في إثبات مقاصد الشريعة، واحتياج الفقيه إلى معرفتها، وطرق إثباتها ومراتبها. القسم الثاني: في المقاصد العامة من التشريع. القسم الثالث: في المقاصد الخاصة بأنواع المعاملات المعبَّر عنها بأبواب فقه المعاملات.

стр. 1299

مثال مما حذفه الإمام الأكبر من الطبعة الأولى بخطه وبقلمه قبل تقديم الكتاب إلى الطبع ثانية

стр. 1300

مثال لما أضافه بخطه وبقلمه إلى نص كتابه في الطبعة الأولى

стр. 1301

القسم الأول في إثبات مقاصد الشريعة واحتياج الفقيه إلى معرفتها, وطرق إثباتها ومراتبها أ - إثبات أن للشريعة مقاصد من التشريع. ب - احتياج الفَقيه إلى معرفة مقاصد الشريعة. جـ - طرق إثبات المقاصد الشرعية. د - طريقة السلف في رجوعهم إلى مقاصد الشريعة. هـ - أدلّة الشريعة اللفظية لا تستغني عن معرفة المقاصد الشرعية. و- انتصاب الشارع للتشريع. ز - مقاصد الشريعة مرتبتان: قطعية وظنية. حـ - تعليل الأحكام الشرعية، وخلو بعضها عن التعليل وهو المسمّى التعبّدي.

стр. 1302

أ - إثبات أن للشريعة مقاصد من التشريع لا يمتري أحد في أن كل شريعة شُرعت للناس أن أحكامها ترمي إلى مقاصد مرادة لمشرّعها الحكيم تعالى، إذ قد ثبت بالأدلة القطعية أنّ الله لا يفعل الأشياء عبثاً، دلّ على ذلك صنعه في الخلقة كما أنبأ عنه قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (١)، وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ (٢). ومن أعظم ما اشتمل عليه خلق الإنسان خلقُ قبوله التمدن (٣)، الذي أعظمُه وضع الشرائع له. وما أرسل الله تعالى الرسل وأنزل الشرائع إلا لإقامة نظام البشر، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٤). وشريعة الإسلام هي أعظم الشرائع وأقومها، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٥) بصيغة الحصر المستعمل في المبالغة. فإذا وجدنا أن الله قد وصف الكتب المنزلة قبل القرآن بأوصاف الهدى وسمّاها ديناً في قوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (٦) يعني شريعة موسى، وقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٧)، وسمَّاها

стр. 1303

شرائع في قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (١)، وعلمنا أنه وصف القرآن بأنه أفضلُها، أيقنا بأن القرآن هو أفضل الهدى وأعلاه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (٢)، ثم قال: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣)، ثم قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٤)، فوصَفَهُ بوصفين: تصديق ما بين يديه من الكتاب، أعني: تقرير ما جاء به التوراة والإنجيل من التشريع الذي لم ينسخه القرآن، وكونه مهيمناً على ما بين يديه من الكتاب، وذلك فيما نُسخ من أحكام التوراة والإنجيل، وفيما جاء به من أصول الشريعة التي خلا منها التوراة والإنجيل. فهو مهيمن، أي: شاهد وقيم على الكتب السالفة. فالشرائع كلها وبخاصة شريعة الإسلام جاءت لما فيه صلاح البشر في العاجل والآجل، أي في حاضر الأمور وعواقبها. وليس المراد بالآجل أمورَ الآخرة، لأن الشرائع لا تحدد للناس سَيْرهم في الآخرة، ولكن الآخرة جعلها الله جزاءً على الأحوال التي كانوا عليها في الدنيا. وإنما نريد أن من التكاليف الشرعية ما قد يبدو فيه حرج وإضرار للمكلّفين، وتفويتَ مصالحَ عليهم، كتحريم شرب الخمر وتحريم بيعها. ولكن المتدبّر إذا تدبّر في تلك التشريعات ظهرت له مصالحها في عواقب الأمور (٥).

стр. 1304

واستقراء أدلة كثيرة من القرآن والسنة الصحيحة يوجب لنا اليقين بأن أحكام الشريعة الإسلامية منوطةٌ بحكمٍ وعللٍ راجعة للصلاح العام للمجتمع والأفراد كما سيأتي. ومقصودُنا هنا إثبات أن للشريعة مقاصد في الجملة، ونترك تفصيلَها لمواضعها الآتية. وقد ذكر أبو إسحاق الشاطبي - في مقدمة كتاب المقاصد من كتابه عنوان التعريف - أدلة لمصالح [العباد] (١)

стр. 1305

منها (١) قوله تعالى عقب آية الوضوء: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ (٢) وقوله تعالى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٣). ونزيد على ذلك أدلة كثيرة مثل قوله تعالى عقب الأمر باجتناب الخمر والميسر: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (٥). وقال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٦). وستأتي أمثلة في مبحث طريق

стр. 1306

إثبات المقاصد الشرعية الآتي (١)، وفي قسم تفصيل مقاصد الشريعة من التشريع (٢).

стр. 1307

ب - احتياج الفقيه إلى معرفة مقاصد الشريعة إنّ تصرف المجتهدين بفقههم في الشريعة يقع على خمسة أنحاء: النحو الأول: فهمُ أقوالها، واستفادةُ مدلولات تلك الأقوال، بحسب الاستعمال اللغوي، وبحسب النقل الشرعي بالقواعد اللفظية التي بها عمل الاستدلال الفقهي. وقد تكفَّل بمعظمه علمُ أصول الفقه. النحو الثاني: البحثُ عمّا يعارض الأدلّة التي لاحت للمجتهد، والتي استكمل إعمالَ نظره في استفادة مدلولاتها، ليستيقن أن تلك الأدلة سالمةٌ مما يُبطل دلالتَها ويقضي عليها بالإلغاء والتنقيح (١). فإذا استيقن أن الدليل سالمٌ عن المُعارِض أعمله، وإذا ألفى له معارضاً نظر في كيفية العمل بالدليلين معاً، أو رجحان أحدهما على الآخر. النحو الثالث: قياسُ ما لم يرِد حكمُه في أقوال الشارع على حكمِ مَا ورد حكمُه فيه بعد أن يعرف علل التشريعات الثابتة بطريق من طرق مسالك العلة المُبيَّنةَ في أصول الفقه.

стр. 1308

النحو الرابع: إعطاءُ حكم لفعل أو حادث حدث للناس لا يعرف حكمه فيما لاح للمجتهدين من أدلة الشريعة، ولا له نظيرٌ يقاس عليه. النحو الخامس: تلقِّي بعض أحكام الشريعة الثابتة عنده تلِقِّيَ من لم يعرف عِلَلَ أحكامها ولا حكمةَ الشريعة في تشريعها. فهو يتّهم نفسه بالقصور عن إدراك حكمة الشارع منها، ويستضعف علمه في جَنْب سَعَةِ الشريعة، فيسمَّي هذا النوع بالتعبّدي. فالفقيه بحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة في هذه الأنحاء كلَّها. أمّا في النحو الرابع فاحتياجه فيه ظاهر. وهو الكفيل بدوام أحكام الشريعة الإسلامية للعصور والأجيال التي أتت بعد عصر الشارع، والتي تأتي إلى انقضاء الدنيا. وفي هذا النحو أثبت مالك، ﵀، حجيّة المصالح المرسلة (١). وفيه أيضاً قال الأئمة بمراعاة

стр. 1309

الكليات الشرعية الضرورية، وألحقوا بها الحاجيّة والتحسينيّة،

стр. 1310

وسَمُّوا الجميع بالمناسب، وهو مقرر في مسالك العلة من علم أصول الفقه (١). وفي هذا النحو هرع أهلُ الرأي إلى إعمال الرأي والاستحسان. فقامت في وجوههم ضجة علماء الأثر الذين اطلعوا على أدلة من الأثرِ والعملِ، فيها أحكامُ الأحوال والحوادث التي فاتت أهلَ الرأي معرفتُها، كما أنكر مالك على شُريح قولَه بعدم صحة الحُبس (٢). وقامت أيضاً ضجّة العلماء الجامعين بين الأثر والنظر فيما أَلْفَوه من أقوال أهل الرأي مخالفاً لما دل عليه استقراءُ مقاصد الشريعة، كما أنكر مالك على القائلين من السلف بخيار المجلس في البيع. فقال في الموطأ: "وليس لهذا عندنا حدٌّ محدود ولا أمر معمول به [فيه] " (٣). وفسّره أصحابه بأنه أراد أن المجلس

стр. 1311

لا ينضبط، وأنه ينافي مقصد الشريعة من انعقاد العقود. وأما الأنحاء الثلاثة الأولى: فاحتياجه في النحو الأول منها إلى ذلك احتياجٌ مّا ليجزم بكون اللفظ منقولًا شرعاً مثلًا. واحتياجُه إليه في النحو الثاني أشدّ، لأنّ باعث اهتدائه إلى البحث عن المعارِض، ثم إلى التنقيب على ذلك المعارض في مظانّه، يَقوى ويضعف بمقدار ما ينقدح في نفسه، وقتَ النظر في الدليل الذي بين يديه، من أنَّ ذلك الدليل غيرُ مناسب لأن يكون مقصوداً للشارع على عِلَّاته. فبمقدار تشكُّكِه في أن يكون ذلك الدليل كافياً لإثبات حكم الشرع فيما هو بصدده يشتد تنقيبُه على المعارض، وبمقدار ذلك التشكك يحصل له الاقتناع بانتهاء بحثه عن المعارض عند عدم العثور عليه. مثاله: ما في الصحيح: أن عبد الله بن عمر، لما بلغه قولُ عائشة أن رسول الله ﷺ قال لها: "ألمْ تَرَيْ قَومك حين بنوا الكعبة قصُرت بهم النفقة فاقتصروا عن قواعد إبراهيم فلم يدخلوا الجَدْر في البيت؟، وهو من البيت" (١) فقال ابن عمر: "لئن كانت

стр. 1312

عائشة سمعت هذا من رسول الله، ما أُرَى رسول الله ترك استلام الركنين اللذين يليان الحِجْر إلا أن البيت لم يُتمّم على قواعد إبراهيم" (١). فعلمنا من كلامه أنه كان يرى الدليل الذي بلغه من فعل النبي ﷺ ، وهو ترك استلام الركنين، حالّاً محل الحيرة من نفسه، وكان ينقدح في نفسه أن لدلالة ذلك الدليل موجباً لم يعلمه. فلماه سمع حديث عائشة أيقن أنه الموجِب وانثلج لذلك صدره. وأيضاً يكون الاقتناع عند وجود المعارض سريعاً أو بطيئاً بمقدار قوّة الشك في أن يكون ذلك المعارض مناسباً للمقصد الشرعي أو غير مناسب. ألا ترى أن عمر بن الخطاب لما استأذن عليه أبو موسى الأشعري ثلاثاً فلم يجبه. فرجع أبو موسى فبعث عمر وراءه. فلما حضر عتَبَ عليه انصرافه. فذكر أبو موسى أنه: سمع من رسول الله ﷺ أنّه إذا لم يؤذن للمستأذن بعد ثلاث ينصرف. فطالبه عمر بالبيّنة على ذلك وضايقه حتى جعل أبو موسى يسأل في مجلس الأنصار عمّن يشهد له بعلم بذلك من رسول الله ﷺ . فقال له مشيخة الأنصار: لا يشهد لك إلّا أصغرنا، وهو أبو سعيد الخدري (٢). فلما

стр. 1313

شهد بذلك عند عمر اقتنع عمر، وعلم أن كثيراً من الأنصار يعلم ذلك، لأنه كان في شك قويّ أن يكون معارض أصل الاستئذان بأن يقيّد بثلاث ويرجع بعد الثلاث، لأن في ذلك بياناً للإجمال الذي في قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ (١). وبعكس ذلك نجده لما تردد في أخذ الجزية من المجوس فقال له عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله يقول: "سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب" (٢) قبله ولم يطلب شهادة على ذلك لضعف شكّه في

стр. 1314

المعارض. بخلاف حاله في قضية استئذان أبى موسى. وأَمَّا احتياجه إليه في النحو الثالث فلأنّ القياس يعتمد إثباتَ العلل، وإثباتُ العلل قد يحتاج إلى معرفة مقاصد الشريعة كما في المناسبة (١)، أي: تخريج المناط، وكما في تنقيح المناط (٢)،

стр. 1315

وإلغاء الفارق (١). ألا ترى أنهم لمّا اشترطوا أن العلّة تكون ضابطاً

стр. 1316

لحكمة كانوا قد أحالونا على استقراء وجوه الحكم الشرعية التي هي من المقاصد (١). وبعد هذا فالفقيه محتاج إلى معرفة مقاصد الشريعة في قبول الآثار من السنة، وفي الاعتبار بأقوال الصحابة والسلف من الفقهاء، وفي تصاريف الاستدلال. وقد أبى عمر من قبول خبر فاطمة ابنة قيس في نفقة المعتدة (٢)، وأبت عائشة من قبول خبر ابن عمر في أن

стр. 1317

الميت يعذب ببكاء أهله عليه (١)، وقرأت قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ

стр. 1318

وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١). وأما احتياجه إليه في النحو الخامس، فلأنّه بمقدار ما يستحصل من مقاصد الشريعة ويستكثر مما حصل في علمه منها، يقلّ بين يديه ذلك النحوُ الخامس الذي هو مظهرُ حيرة. وليس كل مكلف بحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة، لأن معرفة مقاصد الشريعة نوع دقيق من أنواع العلم. فحقّ العامي أن يتلقّى الشريعة بدون معرفة المقصد، لأنه لا يُحسن ضبطه ولا تنزيلَه. ثم يتوسع للناس في تعريفهم المقاصد بمقدار ازدياد حظهم من العلوم الشرعية، لئلا يضعوا ما يُلقَّنون من المقاصد في غير مواضعه، فيعود بعكس المراد. وحقُّ العالم فهمُ المقاصد. والعلماء - كما قلنا - في ذلك متفاوتون على قدر القرائح والفهوم.

стр. 1319

ج - طرق إثبات المقاصد الشرعية أحسبك قد وثقت ممّا قرّرته لك آنفاً بأنّ للشريعة مقاصد من التشريع بأدلة حَصل لك العلمُ بها تَحقّق الغرض على وجه الإجمال. فتطلّعتَ الآن إلى معرفة الطرق التي نستطيع أن نبلغ بها إلى إثبات أعيان المقاصد الشرعية في مختلف التشريعات. وكيف نصل إلى الاستدلال على تعيين مقصدٍ ما من تلك المقاصد استدلالًا يجعله بعد استنباطه محل وفاق بين المتفقّهين سواء في ذلك من استنبطه ومن بلغه، فيكون ذلك باباً لحصول الوفاق في مدارك المجتهدين أو التوفيق بين المختلفين من المقلدين. فاعلم أننا لسنا بسبيل أن نستدل على إثبات المقاصد الشرعية المتنوّعة بالأدلة المتعارفة التي ألفنا الخوضَ فيها في علم أصول الفقه، وفي مسائل أدلة الفقه، وفي مسائل الخلاف، لأن وجود القطع والظن القريب منه بين تلك الأدلة مفقود أو نادر، لأن تلك الأدلة إن كانت من القرآن وهو متواتر اللفظ فمعظم أدلته ظواهر. وفي القرآن أدلة على مقاصد الشريعة قريبة من النصوص سنذكرها في تقسيمها الآتي. وإن كانت الأدلة من السنة فهي كلها أخبار آحاد، وهي لا تفيد القطع ولا الظن القريب منه (١). ولذلك قد كان القرآن بين يدي جميع المجتهدين فلم

стр. 1320

يتّفقوا على الأحكام التي استنبطوها منه، ولو مع ظهور بعضها دون الآخر. فقد قال الله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (١) قال مالك في الموطأ: "هو الأب في ابنته البكر، والسيد في أمته" (٢)، أي لأنهما اللذان يعقدان نكاح ولاياهما. وقال الشافعي: "هو الزوج" (٣)

стр. 1321

وجعل معنى كون عقدة النكاح بيده: أن بيده حلّها بالطلاق. فعلينا أن نرسم طرائق الاستدلال على مقاصد الشريعة بما بلغنا إليه بالتأمل، وبالرجوع إلى كلام أساطين العلماء. ويجب أن يكون الرائدُ الأعظم للفقيه في هذا المسلك هو الإنصافَ، ونبذَ التعصب لبادئ الرأي، أو لسابق الاجتهاد، أو لقول إمام، أو أستاذ. فلا يكون حال الفقيه في هذا العلم كحال صاحب ابن عرفة (١) الذي قال في حق ابن عرفة: "ما خالفته في حياته فلا

стр. 1322

أخالفه بعد وفاته" (١)، بحيث إذا انتظم الدليلُ على إثبات مقصد شرعي وجب على المتجادلين فيه أن يستقبلوا قبلة الإنصاف، وينبذوا الاحتمالات الضعاف.

стр. 1323

الطريق الأول: وهو أعظمها، استقراء الشريعة في تصرفاتها، وهو على نوعين: أعظمهما: استقراء الأحكام المعروفة عللُها، الآئل إلى استقراء تلك العلل المثبتة بطرق مسالك العلة، فإن باستقراء العلل حصولَ العلم بمقاصد الشريعة بسهولة، لأننا إذا استقرينا عللاً كثيرة متماثلة في كونها ضابطاً لحكمة متّحدة أمكن أن نستخلص منها حكمةً واحدة، فنجزم بأنها مقصد شرعي، كما يُستَنتج من استقراء الجزئيات تحصيلُ مفهوم كلّي حسب قواعد المنطق. مثاله: أننا إذا علمنا علّة النهي عن المزابنة الثابتة بمسلك الإيماء في قول رسول الله، ﵊، في الحديث الصحيح لمن سأله عن بيع التمر بالرطب: "أينقص الرُّطَبُ إذا جفّ؟ " قال: نعم، قال: "فلا إذن" (١). فحصل لنا أنّ علة تحريم المزابنة، هي: الجهل بمقدار أحد العوضين، وهو الرُّطَب منهما المبيعُ باليابس. وإذا علمنا النهي عن بيع الجزاف بالمكيل (٢)، وعلمنا أن

стр. 1324

علّته جهل أحد العوضين بطريق استنباط العلة. وإذا علمنا إباحة القيام بالغبن، وعلمنا أن علّته نفي الخديعة بين الأُمة بنصّ قول الرسول، ﵇، للرجل - الذي قال له: إني أخدع في البيوع -: "إذا بايعتَ فقُل لا خِلابة" (١). إذا علمنا هذه العلل كلها استخلصنا منها مقصداً واحداً، وهو: إبطال الغرر في المعاوضات. فلم يبق خلاف في أن كل تعاوض اشتمل على خطر أو غرر في ثمن، أو مثمن أو أجل فهو تعاوض باطل. ومثال آخر: وهو أننا نعلم النهيَ عن أن يخطب المسلم على

стр. 1325

خِطبة مسلم آخر (١)، والنهيَ عن أن يسوم على سومه (٢)، ونعلم أن

стр. 1326

علّة ذلك هو ما في ذلك من الوحشة التي تنشأ عن السعي في الحرمان من منفعة مبتغاة، فنستخلص من ذلك مقصداً هو: دوام الأخوة بين المسلمين، فنستخدم ذلك المقصد لإثبات الجزم بانتفاء حرمة الخطبة بعد الخطبة والسوم بعد السوم، إذا كان الخاطبُ الأول والسائمُ الأول قد أعرضا عما رغبا فيه. النوع الثاني من هذا الطريق: استقراء أدلة أحكام اشتركت في علّة، بحيث يحصل لنا اليقين بأن تلك العلّة مقصدٌ مرادٌ للشارع. مثاله: النهي عن بيع الطعام قبل قبضه (١)، علته طلب رواج الطعام في الأسواق.

стр. 1327

والنهي عن بيع الطعام بالطعام نسيئةً (١) إذا حمل على إطلاقه

стр. 1328

عند الجمهور، علّتهُ أن لا يبقى الطعامُ في الذمة فيفوت رواجه. والنهي عن الاحتكار في الطعام لحديث مسلم عن معمر مرفوعاً: "من احتكر طعاماً فهو خاطئ" (١)، علته إقلال الطعام من الأسواق. فبهذا الاستقراء يحصل العلمُ بأن رواج الطعام وتيسيرَ تناوله مقصد من مقاصد الشريعة. فنعمد إلى هذا المقصد فنجعله أصلاً ونقول: إن الرواج إنما يكون بصور من المعاوضات، والإقلالَ إنما يكون بصور من المعاوضات، إذ الناس لا يتركون التبايع. فما عدا المعاوضات لا يُخشى معه عدم رواج الطعام. ولذلك قلنا: تجوز الشركة والتولية والإقالة في الطعام قبل قبضه. ومن هذا القبيل كثرة الأمر بعتق الرقاب الذي دلَّنا على أن من مقاصد الشريعة حصول الحرية.

стр. 1329

الطريق الثاني: أدلة القرآن الواضحةُ الدلالة التي يضعف احتمال أن يكون المراد منها غير ما هو ظاهرها بحسب الاستعمال العربي، بحيث لا يَشُك في المراد منها إلّا من شاء أن يُدخِل على نفسه شكًّا لا يعتدّ به. ألا ترى أنا نجزم بأن معنى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (١): أن الله أوجبه. ولو قال أحد: إن ظاهر هذا اللفظ أن الصيام مكتوب في الورق لجاء خطأً من القول. فالقرآن لكونه متواترَ اللفظ قطعيَّهُ يحصل اليقين بنسبة ما يحتوي عليه إلى الشارع تعالى، ولكنه لكونه ظنّيّ الدلالة يحتاج إلى دلالة واضحة يضعف تطرق احتمال معنى ثانٍ إليها. فإذا انضمَّ إلى قطعيّة المتن قوّة ظَنّ الدلالة تَسَنّى لنا أخذُ مقصد شرعي منه يرفع الخلافَ عند الجدل في الفقه، مثل ما يؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٤)، وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (٥)، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٦)، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٧). ففي كلّ آية من هذه الآيات تصريح بمقصد شرعي أو تنبيه على مقصد.

стр. 1330

الطريق الثالث: السنة المتواترة. وهذا الطريق لا يوجد له مثال إلّا في حالين: الحال الأول: المتواتر المعنوي الحاصل من مشاهدة عموم الصحابة عملًا من النبي ﷺ ، فيحصل لهم علم بتشريع في ذلك يستوي فيه جميع المشاهدين. وإلى هذا الحال يرجع قسمُ المعلوم من الدين بالضرورة، وقسمُ العمل الشرعي القريب من المعلوم ضرورة، لمثل مشروعية الصدقة الجارية المعبَّر عن بعضها بالحُبُس. وهذا العمل هو الذي عناه مالك حين بلغه: أن شريحاً يقول بعدم انعقاد الحُبُس، ويقول أن لا حَبس عن فرائض الله. فقال مالك: "رحم الله شريحاً تكلّم ببلاده - يعني الكوفة - ولم يَرِد المدينة، فيرى آثار الأكابر من أزواج النبي ﷺ وأصحابه والتابعين بعدَهم وما حبَّسوا من أموالهم [لا يطعن فيها طاعن]، وهذه صدقات رسول الله سبعةُ حوائط. وينبغي للمرء أن لا يتكلم إلا فيما أحاط به خبراً" (١) اهـ. وأمثلة هذا العمل في العبادات كثيرة، ككون خطبة العيدين بعد الصلاة. الحال الثاني: تواتر عملي، يحصل لآحاد الصحابة من تكرر مشاهدة أعمال رسول الله ﷺ بحيث يستخلص من مجموعها مقصداً شرعياً. ففي صحيح البخاري: عن الأزرق بن قيس قال: "كنا على شاطئ نهر بالأهواز، قد نضب عنه الماء. فجاء أبو برزة الأسلمي على فرس، فقام يصلي وخلّى فرسه، فانطلقت الفرس. فترك صلاته وتبعها حتى أدركها فأخذها، ثم جاء فقضى صلاته. وفينا رجل له رأي فأقبل يقول: انظروا إلى هذا الشيخ ترك صلاته من أجل فرس.

стр. 1331

فأقبل فقال: ما عنّفني أحد منذ فارقت رسول الله ﷺ . وقال: إن منزلي متراخٍ، فلو صليت وتركت الفرس لم آت أهلي إلى الليل. وذكر أنه صحب رسول الله ﷺ فرأى من تيسيره" (١). فمشاهدته أفعال رسول الله ﵇ المتعددة استخلص منها أن من مقاصد الشرع التيسير. فرأى أن قطع الصلاة من أجل إدراك فرسه ثم العود إلى استئناف صلاته أولى من استمراره على صلاته مع تجشّم مشقة الرجوع إلى أهله راجلاً. فهذا المقصد بالنسبة إلى أبي برزة مظنون ظناً قريباً من القطع، ولكنه بالنسبة إلى غيره - الذين يَرْوي إليهم خبرهُ - مقصد محتمل، لأنه يُتلقّى منه على وجه التقليد وحسن الظن به. ولقد جاء الشاطبي في آخر كتاب المقاصد من تأليفه الموافقات بكلام أرى من المهم إثبات خلاصته باختصار (٢) قال: "بماذا يعرف ما هو مقصود للشارع مما ليس مقصوداً له؟ والجواب: أن النظر بحسب التقسيم العقلي ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقال: إن مقصد الشارع غائب عنا حتى يأتينا النص الذي يُعَرِّفُنا به. وحاصل هذا الوجه الحمل على الظاهر مطلقاً. وهو رأي الظاهرية الذين يحصرون مظان العلم بمقاصد الشارع في الظواهر والنصوص.

стр. 1332

الثاني: دعوى أن مقصد الشارع ليس في هذه الظواهر ولا ما يفهم منها، وإنما المقصود أمرٌ آخرُ وراءه. ويطّرد ذلك في جميع الشريعة حتى لا يبقى في ظاهرها متمسك تعرف منه مقاصد الشارع. وهذا رأي كل قاصد لإبطال الشريعة وهم الباطنية. الثالث: أن يقال باعتبار الأمرين جميعاً، على وجه لا يخل فيه المعنى بالنص ولا العكس، لتجري الشريعة على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض. وهذا الذي أمَّه أكثر العلماء. فنقول: إن مقصد الشارع يعرف من جهات: إحداها: مجرد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي. فإن الأمر كان أمراً لاقتضائه الفعلَ، فوقوع الفعل عنده مقصود للشارع، وكذلك النهي في اقتضاء الكف. الثانية: اعتبار علل الأمر والنهي كالنكاح لمصلحة التناسل، والبيع لمصلحة الانتفاع بالمبيع. الثالثة: أن للشارع في شرع الأحكام مقاصد أصلية ومقاصد تابعة. فمنها منصوص عليه، ومنها مشار إليه، ومنها ما استُقرئ من المنصوص. فاستدللنا بذلك على أن كل ما لم ينص عليه مما ذلك شأنه هو مقصود للشارع". انتهى حاصل كلامه.

стр. 1333

د - طريقة السلف في رجوعهم إلى مقاصد الشريعة وتمحيص ما يصلح لأن يكون مقصوداً لها وهذا المبحث يتنزل منزلة طريق من طرق إثبات المقاصد الشرعية، ولكنّي لم أعدّه في عدادها من حيث إني لم أجد حجّة في كل قول من أقوال السلف، إذ بعضها غير مصرِّح صاحبُه بأنه راعى في كلامه المقصد، وبعضها فيه التصريح أو ما يقاربه، ولكنّه لا يعدّ بمفرده حجّة لأن قصاراه أنّه رأي من صاحبه في فهم مقصد الشريعة. ولكنّ مناط الحجّة لنا بأقوالهم أنها دالة على أن مقاصد الشريعة على الجملة واجبة الاعتبار، وأن أقوالهم أيضاً لما تكاثرت قد أنبأتنا بأنهم كانوا يتقصَّون بالاستقراء مقاصد الشريعة من التشريع. ولقد أحببت أن أمثّل في هذا المبحث بأمثلة كثيرة يتجلَّى بها للناظر مقدارُ اعتبار سلف العلماء لهذا الغرض المهم. وفيه ما يعرفك بأن أكثر المجتهدين إصابة، وأكثرَ صواب المجتهد الواحد في اجتهاداته يَكونان على مقياس غَوصِه في تطلّب مقاصد الشريعة. وسنشرح ذلك في أبواب القسم الأول (١). المثال الأول: روى جابر بن عبد الله وأبو هريرة ورافع بن خديج ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: "من كانت له أرض

стр. 1334

فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أَبَى فليمسك أرضه" (١). فبلغ هذا الحديث عبد الله بن عمر، فذهب إلى رافع بن خديج فقال: قد علمتَ أنا كنا نكري مزارعنا على عهد رسول الله ﷺ بما على الأَرْبِعاء (٢) وشيء من التبن. قال نافع: وكان ابن عمر يكري مزارعه على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان وصدراً من خلافة معاوية، ثم خَشِي عبدُ الله أن يكون النبي ﷺ قد أحدث في ذلك شيئاً لم يكن يعلمه فترك كراء الأرض (٣).

стр. 1335

وقال طاوُس عن ابن عباس: إن النبي ﷺ لم ينه عنه، ولكنه قال: "أن يمنح أحدكم أخاه خيرٌ له من أن يأخذ شيئاً معلوماً" (١) فحمله على أمر الترغيب والكمال. وبذلك أخذ البخاري. فقال في صحيحه: باب ما كان [من] أصحاب النبي ﷺ يواسي بعضهم بعضاً [في الزارعة والثمرة] (٢). وأخرج حديث رافع بن خديج عن عمه ظُهَير بن رافع: "لقد نهانا رسول الله عن أمر كان بنا رافقاً". قلت: ما قال رسول الله فهو حق. قال: دعاني رسول الله، قال: "ما تصنعون بمحاقلكم؟ " قلت: نؤاجرُها على الربع، وعلى الأوسق من التمر والشعير. فقال: "لا تفعلوا، ازرعوها أو أَزرِعوها أو أمسكوها". قال رافع: قلت: سمعاً وطاعة (٣). فأشار البخاري في ترجمة الباب - التي هي دأبه
следующие страницы →