← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

فأقبل فقال: ما عنّفني أحد منذ فارقت رسول الله ﷺ . وقال: إن منزلي متراخٍ، فلو صليت وتركت الفرس لم آت أهلي إلى الليل. وذكر أنه صحب رسول الله ﷺ فرأى من تيسيره" (١). فمشاهدته أفعال رسول الله ﵇ المتعددة استخلص منها أن من مقاصد الشرع التيسير. فرأى أن قطع الصلاة من أجل إدراك فرسه ثم العود إلى استئناف صلاته أولى من استمراره على صلاته مع تجشّم مشقة الرجوع إلى أهله راجلاً. فهذا المقصد بالنسبة إلى أبي برزة مظنون ظناً قريباً من القطع، ولكنه بالنسبة إلى غيره - الذين يَرْوي إليهم خبرهُ - مقصد محتمل، لأنه يُتلقّى منه على وجه التقليد وحسن الظن به. ولقد جاء الشاطبي في آخر كتاب المقاصد من تأليفه الموافقات بكلام أرى من المهم إثبات خلاصته باختصار (٢) قال: "بماذا يعرف ما هو مقصود للشارع مما ليس مقصوداً له؟ والجواب: أن النظر بحسب التقسيم العقلي ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقال: إن مقصد الشارع غائب عنا حتى يأتينا النص الذي يُعَرِّفُنا به. وحاصل هذا الوجه الحمل على الظاهر مطلقاً. وهو رأي الظاهرية الذين يحصرون مظان العلم بمقاصد الشارع في الظواهر والنصوص.

стр. 1332

الثاني: دعوى أن مقصد الشارع ليس في هذه الظواهر ولا ما يفهم منها، وإنما المقصود أمرٌ آخرُ وراءه. ويطّرد ذلك في جميع الشريعة حتى لا يبقى في ظاهرها متمسك تعرف منه مقاصد الشارع. وهذا رأي كل قاصد لإبطال الشريعة وهم الباطنية. الثالث: أن يقال باعتبار الأمرين جميعاً، على وجه لا يخل فيه المعنى بالنص ولا العكس، لتجري الشريعة على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض. وهذا الذي أمَّه أكثر العلماء. فنقول: إن مقصد الشارع يعرف من جهات: إحداها: مجرد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي. فإن الأمر كان أمراً لاقتضائه الفعلَ، فوقوع الفعل عنده مقصود للشارع، وكذلك النهي في اقتضاء الكف. الثانية: اعتبار علل الأمر والنهي كالنكاح لمصلحة التناسل، والبيع لمصلحة الانتفاع بالمبيع. الثالثة: أن للشارع في شرع الأحكام مقاصد أصلية ومقاصد تابعة. فمنها منصوص عليه، ومنها مشار إليه، ومنها ما استُقرئ من المنصوص. فاستدللنا بذلك على أن كل ما لم ينص عليه مما ذلك شأنه هو مقصود للشارع". انتهى حاصل كلامه.

стр. 1333

د - طريقة السلف في رجوعهم إلى مقاصد الشريعة وتمحيص ما يصلح لأن يكون مقصوداً لها وهذا المبحث يتنزل منزلة طريق من طرق إثبات المقاصد الشرعية، ولكنّي لم أعدّه في عدادها من حيث إني لم أجد حجّة في كل قول من أقوال السلف، إذ بعضها غير مصرِّح صاحبُه بأنه راعى في كلامه المقصد، وبعضها فيه التصريح أو ما يقاربه، ولكنّه لا يعدّ بمفرده حجّة لأن قصاراه أنّه رأي من صاحبه في فهم مقصد الشريعة. ولكنّ مناط الحجّة لنا بأقوالهم أنها دالة على أن مقاصد الشريعة على الجملة واجبة الاعتبار، وأن أقوالهم أيضاً لما تكاثرت قد أنبأتنا بأنهم كانوا يتقصَّون بالاستقراء مقاصد الشريعة من التشريع. ولقد أحببت أن أمثّل في هذا المبحث بأمثلة كثيرة يتجلَّى بها للناظر مقدارُ اعتبار سلف العلماء لهذا الغرض المهم. وفيه ما يعرفك بأن أكثر المجتهدين إصابة، وأكثرَ صواب المجتهد الواحد في اجتهاداته يَكونان على مقياس غَوصِه في تطلّب مقاصد الشريعة. وسنشرح ذلك في أبواب القسم الأول (١). المثال الأول: روى جابر بن عبد الله وأبو هريرة ورافع بن خديج ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: "من كانت له أرض

стр. 1334

فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أَبَى فليمسك أرضه" (١). فبلغ هذا الحديث عبد الله بن عمر، فذهب إلى رافع بن خديج فقال: قد علمتَ أنا كنا نكري مزارعنا على عهد رسول الله ﷺ بما على الأَرْبِعاء (٢) وشيء من التبن. قال نافع: وكان ابن عمر يكري مزارعه على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان وصدراً من خلافة معاوية، ثم خَشِي عبدُ الله أن يكون النبي ﷺ قد أحدث في ذلك شيئاً لم يكن يعلمه فترك كراء الأرض (٣).

стр. 1335

وقال طاوُس عن ابن عباس: إن النبي ﷺ لم ينه عنه، ولكنه قال: "أن يمنح أحدكم أخاه خيرٌ له من أن يأخذ شيئاً معلوماً" (١) فحمله على أمر الترغيب والكمال. وبذلك أخذ البخاري. فقال في صحيحه: باب ما كان [من] أصحاب النبي ﷺ يواسي بعضهم بعضاً [في الزارعة والثمرة] (٢). وأخرج حديث رافع بن خديج عن عمه ظُهَير بن رافع: "لقد نهانا رسول الله عن أمر كان بنا رافقاً". قلت: ما قال رسول الله فهو حق. قال: دعاني رسول الله، قال: "ما تصنعون بمحاقلكم؟ " قلت: نؤاجرُها على الربع، وعلى الأوسق من التمر والشعير. فقال: "لا تفعلوا، ازرعوها أو أَزرِعوها أو أمسكوها". قال رافع: قلت: سمعاً وطاعة (٣). فأشار البخاري في ترجمة الباب - التي هي دأبه

стр. 1336

وفقهه (كما قالوا) - إلى أن ذلك من قبيل المواساة، والمواساة لا تجب ولا يقضى بها. وفسَّر مالك بن أنس في الموطأ النهي عن المحاقلة بأنها كراء الأرض بالحنطة (١)، واشتراء الزرع بالحنطة (٢). وقال، ابن شهاب: سألت سعيد بن المسيب عن استكراء الأرض بالذهب والورق، فقال: لا بأس بذلك (٣). وقال البخاري، قال الليث: "أرى أن ما نُهي عنه من كراء الأرض، ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه، لما فيه من المخاطرة" (٤). فجعل مَحملَ النهي ما كان منها آيلًا إلى بيع ممنوع، جمعاً بين الأدلة.

стр. 1337

وفي باب من شهد بدراً من مغازي صحيح البخاري: عن الزهري عن سالم عن رافع بن خديج: "أن رسول الله نهى عن كراء المزارع"، قال الزهري: قلت لسالم: أتكريها أنت؟ قال: نعم، إن رافعاً أكثر على نفسه (١). ويظهر أن رافع بن خديج لما أكثر الصحابة من مخالفته تأوَّل

стр. 1338

روايته. ففي كتاب المزارعة من صحيح البخاري عن رافع بن خديج قال: "كنا أكثر أهل المدينة مُزْدَرعاً، كنا نكري الأرض بالناحية منها مسمًّى لسيد الأرض، [قال:] فممّا يصاب ذلك وتسلمُ الأرض، ومما تصاب الأرض ويسلم ذلك، فنهينا. وأما الذهب والورِق فلم يكن يومئذ" (١) اهـ. فجعل محمل النهي ما في عقود قومه من المخاطرة. المثال الثاني: أخرج البخاري في باب وفد اليمن: "إن خباب بن الأرتّ جاء إلى عبد الله بن مسعود وفي أصبعه خاتم من ذهب. فقال له ابن مسعود: أما آن لهذا الخاتم أن ينزع؟! فقال له خباب: أما إنك لا تراه عليّ بعد اليوم. فنزعه" (٢) اهـ. قال العلماء: كان خباب يرى نهي رسول الله ﷺ عن لبس خاتم الذهب نهيَ تنزيه لا نهيَ تحريم. ولذلك كان ابن مسعود يحاوره في نزعه، ويستبطئ تريُّث خباب عن نزعه، إلى أن رضي خباب بنزعه إرضاء لصاحبه، ولم يكن تغيير ابن مسعود عليه بلهجة تغيير المُنكِر. المثال الثالث: أخرج مالك في الموطأ حديث: "البيعان بالخيار ما لم يفترقا" (٣) ثمّ عقّبه بقوله: وليس لهذا عندنا حد محدود

стр. 1339

ولا أمر معمول به [فيه] (١)، أي في تقدير مدّة عدم تفرّقهما ولم يقل به مالك في مذهبه. وعلّلوا ذلك بمنافاته لمقصد الشارع من بتّ العقود. فمحمل الافتراق عنده أنه الافتراق بالقول وهو صدور صيغة البيع [الإيجاب دون القبول]. المثال الرابع: ذكر أبو إسحاق الشاطبي في المسألة الثانية من كتاب الأدلة عن ابن العربي (٢) قال: "إذا جاء خبر الواحد معارضاً لقاعدة من قواعد الشرع هل يجوز العمل به [أم لا]؟ فقال أبو حنيفة: لا يجوز العمل به (٣). وقال الشافعي: يجوز. [وتردّد مالك في

стр. 1340

المسألة، قال:] ومشهور قوله، والذي عليه المعوَّل: أن الحديث إن عضدته قاعدة أخرى قال به، وإن كان وحده تركه (١). وقد رد مالك حديث المُصرَّاة (٢)؛ لمَّا رآه مخالفاً للأصول، [فإنه قد خالف أصل

стр. 1341

(الخراج بالضمان)] (١)، ولأن متلف الشيء إنما يغرم مثله أو قيمته،

стр. 1342

وأما غرم جنس آخر من الطعام أو العروض فلا. المثال الخامس: أخرج مالك في الموطأ [عن نافع] في تخمير المُحرم وجهه: "أن عبد الله بن عمر كفَّن ابنه واقدَ بنَ عبد الله، ومات بالجحفة مُحرماً، وخمّر رأسه ووجهه. وقال: لولا أنَّا حُرُم لطيّبناه. قال مالك: وإنما يعمل الرجل ما دام حياً، فإذا مات فقد انقضى العمل" (١) اهـ. أشار إلى أن المحرم إذا مات يطيب إن كان

стр. 1343

معه من الناس غيرُ مُحرم يجوز له مس الطيب (١). وأشار إلى تأويل الحديث المروي في صحيح البخاري في المحرم الذي وقصته ناقته أن رسول الله ﷺ قال: "لا تمسّوه بطيب" (٢). والظاهر أن الراوي

стр. 1344

اشتبه عليه قوله: "لا تمسّوه بطيب" بأنه لأجل الميت، وإنما هو لأجل الأحياء الذين معه، أو هي خصوصية. وعلّة الرّد أن ذلك مخالف لتواعد الشريعة، وليس لورود خبر آخر يعارضه، إذ لم يُرو غيرُ ذلك. المثال السادس: أخرج مالك في الموطأ: "أن أبا حذيفة كان تبنّى سالماً وكان يرى أنه ابنه. فلما نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (١) جاءت سَهلة بنت سُهيل زوجُ أبي حُذيفة إلى رسول الله ﷺ فقالت: كنا نرى سالماً ولداً، وكان يدخل علي وأنا فُضُل (٢)، وليس لنا إلّا بيت واحد، فماذا ترى في شأنه؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "أرضعيه خمس رضعات، فيحرم بلبنها" (٣). وكانت تراه ابناً من الرضاعة. فأخذت بذلك عائشة [أم المؤمنين] فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال. [فكانت] تأمر أختها [أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق وبنات أخيها أن يرضعن من أحبّت أن يدخل عليها من الرجال] (٤). وأبى سائرُ أزواج رسول الله ﷺ أن يدخل عليهن بتلك

стр. 1345

الرضاعة أحدٌ [من الناس] وقلن: [لا والله] ما نرى الذي أمر [به] رسولُ اللهِ ﷺ سهلةَ إلا رخصة [من رسول الله ﷺ ] في رضاعة سالم وحده. [لا] والله لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد"، قال مالك بعد ذلك: "وكان عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود لا يريان الرضاعة إلّا في الصغر في الحولين" (١) اهـ.

стр. 1346

هـ - أدلة الشريعة اللفظية لا تستغني عن معرفة المقاصد الشرعية إن الكلام لم يكن في لغة من لغات البشر، ولا كان نوعٌ من أنواعه وأساليبه في اللغة الواحدة بالذي يكفي في الدلالة على مراد اللافظ دلالةً لا تحتمل شكاً في مقصده من لفظه، أعني: الدلالة المعبّر عنها بالنص الذي يفيد معنى لا يحتمل غيره (١)، ولكن تفاوت

стр. 1347

دلالة ألفاظ اللغات، ودلالة أنواع كلام اللغة الواحدة تفاوتاً في تطرّق الاحتمال إلى المراد بذلك الكلام. فبعض أنواع الكلام يتطرّقه احتمالٌ أكثر ممَّا يتطرق إلى بعض آخر، وبعضُ المتكلمين أقدر على نصب العلامات في كلامه على مراده منه من بعض آخر. ومن هنا وُصف بعضُ المتكلّمين بالفصاحة والبلاغة. على أن حظ السامعين للكلام في مقدار الاستفادة منه متفاوت أيضاً؛ بحسب تفاوت أذهانهم، وممارستهم لأساليب لغة ذلك الكلام، ولأساليب صنف المتكلم بذلك الكلام. وبذلك لم يستغنِ المتكلمون والسامعون عن أن تحف بالكلام ملامحُ من سياق الكلام، ومقام الخطاب، ومبيّناتٌ من البساط، لتتظافر تلك الأشياءُ الحافة بالكلام على إزالة احتمالاتٍ كانت تعرض للسامع في مراد المتكلم من كلامه. ولذلك تجدُ الكلامَ الذي شافه به المتكلم سامعيه أوضح دلالة على مراده من الكلام الذي بَلَّغَه عنه مبلَّغ، وتجد الكلامَ المكتوب أكثرَ احتمالاتٍ من الكلام المبلّغ بلفظه

стр. 1348

بله المشافه به؛ من أجل فقده دلالة السياق وملامح المتكلّم والمبلّغ، وإن كان هو أضبط من جهة انتفاء التحريف والسهو والتصرف في التعبير عن المعنى عند سوء الفهم (١). ومن هنا يقصر بعض العلماء ويتوحّل في خَضخاض من الأغلاط حين يقتصر في استنباط أحكام الشريعة على اعتصار الألفاظ، ويوجّه رأيه إلى اللفظ مقتنعاً به، فلا يزال يقلَّبه ويحلّله ويأمل أن يستخرج لُبَّه. ويهمل ما قدمناه من الاستعانة بما يحفَ بالكلام من حافات القرائن والاصطلاحات والسياق. وإنّ أدق مقام في الدلالة وأحوجه إلى الاستعانة عليها مقام التشريع. وفي هذا العمل تتفاوت مراتب الفقهاء، وترى جميعهم لم يستغنوا عن استقصاء تصرّفات الرسول ﷺ ولا على استنباط العلل، وكانوا في عصر التابعين وتابعيهم يشدّون الرحال إلى المدينة ليتبصّروا من آثار الرسول ﷺ وأعماله وعمل الصحابة ومن صحبهم من التابعين. هنالك يتبيّن لهم ما يدفع عنهم احتمالات كثيرة في دلالات الألفاظ، وليتضح لهم ما يستنبط من العلل تبعاً لمعرفة الحكم والمقاصد. وفي هذا المقام ظهر تقصير الظاهرية وبعض المحدّثين المقتصرين في التَفَقُّه على الأخبار (٢).

стр. 1349

ولله درُّ البخاري إذ ترجم في كتاب الاعتصام من صحيحه بقوله: باب ما ذكَر النبي ﷺ وحضّ على اتفاق أهل العلم، وما أجمع عليه الحَرَمان مكة والمدينة، وما كان بها من مشاهد النبي ﷺ والمهاجرين والأنصار ومصلّى النبي والمنبر والقبر (١). ثمّ أخرج

стр. 1350

حديث عاصم قال: "قلت لأنس بن مالك: أبلغك أن النبي ﷺ قال: "لا حلف في الإسلام" (١)؟ قال أنس: قد حالف النبي بين قريش

стр. 1351

والأنصار في داري التي بالمدينة. يشير إلى إبطال الحديث المروي عن أم سلمة وعن جبير بن مطعم وعن ابن عباس. أخرجه أحمد والطبراني وابن حبان وأبو داود (١). وفيه ما يحرر مقدار الاعتبار

стр. 1352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1353

بمذاهب الصحابة فيما طريقه النقل والعمل. فقد كانوا يسألون رسول الله إذا عرضت لهم الاحتمالات، وكانوا يشاهدون من الأحوال ما يبصرّهم بمقصد الشارع.

стр. 1354

و - انتصاب الشارع للتشريع ممّا يهمُّ الناظرَ في مقاصد الشريعة تمييز مقامات الأقوال والأفعال الصادرة عن رسول الله ﷺ ، والتفرقةُ بين أنواع تصرّفاته. وللرسول ﵊ صفات كثيرة صالحة لأن تكون مصادر أقوال وأفعال منه. فالناظر في مقاصد الشريعة بحاجة إلى تعيين الصفة التي عنها صدر منه قول أو فعل. وأول من اهتدى إلى النظر في هذا التمييز والتعيين العلامة شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، في كتابه: "أنوار البروق في أنواء الفروق". فإنه جعل الفرق السادس والثلاثين بين قاعدة تصرّف رسول الله ﷺ بالقضاء، وقاعدة تصرّفه بالفتوى - وهي التبليغ -، وقاعدة تصرفه بالإمامة (١).

стр. 1355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1356

وقال: "إن رسول الله ﷺ هو الإمام الأعظم، والقاضي الأحكم، والمفتي الأعلم. فهو ﷺ إمام الأئمة وقاضي القضاة وعالم

стр. 1357

العلماء. [فجميع المناصب الدينية فوَّضها الله تعالى إليه في رسالته. وهو أعظم من كل من قد تولّى منصباً منها في ذلك إلى يوم القيامة] (١). فما من منصب ديني إلّا وهو متَّصف به في أعلى رتبة، غير أن غالب تصرفه ﷺ بالتبليغ، لأن وصف الرسالة غالب عليه. ثم تقع تصرّفاته ﷺ : منها ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعاً؛ ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء؛ ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة؛ ومنها ما يختلف العلماء فيه لتردّده بين رتبتين فصاعداً. فمنهم من يغلب عليه رتبة، ومنهم من يغلب عليه أخرى. ثم تصرّفاته ﷺ بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة. فكل ما قاله أو فعله على سبيل التبليغ كان ذلك حكماً عاماً على الثقلين إلى يوم القيامة. فإن كان مأموراً به أقدم عليه كل أحد بنفسه، وكذلك المباح. وإن كان منهياً عنه اجتنبه كل أحد بنفسه. وكل ما تصرّف فيه ﵇ بوصف الإمامة لا يجوز لأحد أن يُقدِم عليه إلا بإذن الإمام، [اقتداء به ﵇] (١)، ولأن سبب تصرّفه فيه ﵇ بوصف الإمامة دون التبليغ يقتضي ذلك. وما تصرّف فيه ﷺ بوصف القضاء لا يجوز لأحد أن يُقدِم عليه إلا بحكم حاكم، لأن السبب الذي لأجله تصرّف فيه ﷺ بوصف القضاء يقتضي ذلك. وهذه هي الفروق بين هذه القواعد الثلاثة. وتحقيق ذلك بأربع مسائل: المسألة الأولى: بعث الجيوش، وصرف أموال بيت المال

стр. 1358

في جهاتها، وجمعها من محالِّها، وتولية الولاة، وقسمة الغنائم ... فمتى فعل رسول الله ﷺ من ذلك شيئاً علمنا أنه تصرّف فيه بطريق الإمامة دون غيرها. ومتى فصل بين اثنين في دعاوى الأموال أو أحكام الأبدان ونحوها بالبيّنات أو الأيمان والنكولات ونحوها، فنعلم أنّه ﷺ إنّما تصرَّف في ذلك بالقضاء دون الإمامة، وكل ما تصرّف فيه ﷺ من العبادات بقوله أو فعله أو أجاب به سؤال سائل عن أمر ديني فأجابه فيه فهذا تصرف بالفتوى والتبليغ. فهذه المواطن لا خفاء فيها. وأما مواضع الخفاء والتردّد ففي بقية المسائل. وهي: المسألة الثانية قوله ﵊: "من أحيا أرضاً ميتة فهي له" (١).

стр. 1359

اختلف العلماء في هذا القول هل هو تصرُّف بالفتوى فيجوز لكل أحد أن يُحيي أرضاً ولو لم يأذن له الإمام؟ وهذا قول مالك والشافعي، أو هو تصرّف بالإمامة فلا يجوز لأحد أن يُحيي إلّا بإذن الإمام؟ وهو مذهب أبي حنيفة (١).

стр. 1360

المسألة الثالثة: قول رسول الله ﷺ لهند بنت عتبة زوج أبي سفيان لما قالت له: "إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني وولدي ما يكفينا"، فقال لها: "خذي من ماله ما يكفيك وولدَك بالمعروف" (١).

стр. 1361

اختلف العلماء هل هذا تصرّف بطريق الفتوى فيجوز لكل من ظفر بحقه أو بجنسه أن يأخذه بغير علم خصمه به؟ أو هو تصرُّف بالقضاء، فلا يجوز لأحد أن يأخذ جنس حقّه أو حقَّه إذا تعذر أخذه من الغريم إلّا بقضاء قاضٍ؟ (١). المسألة الرابعة: قول رسول الله ﷺ : "من قتل قتيلًا فلْه سَلبهُ" (٢).

стр. 1362

اختلف العلماء هل هذا تصرف بالإمامة؟ فلا يستحق القاتل سلَب المقتول إلّا أن يقول له الإمام ذلك. ورآه الشافعي تصرفاً بالفتوى. فلا يحتاج إلى إذن الإمام. هذا حاصل كلام

стр. 1363

الشهاب القرافي (١). ومن ورائه نقول: إن لرسول الله ﷺ صفات وأحوالًا تكون باعثاً على أقوال وأفعال تصدر منه. فبنا (٢) أن نفتح لها مشكاة تضيء في مشكلات كثيرة لم تزل تُعنت الخلق، وتشجي الحلق. وقد كان الصحابة يفرّقون بين ما كان من أوامر الرسول صادراً في مقام التشريع، وما كان صادراً في غير مقام التشريع. وإذا أشكل عليهم أمر سألوا عنه. ففي الحديث الصحيح أن بريرة لما أعتقها أهلها كانت زوجة لمغيثٍ العبد، فَمَلَكَتْ أمر نفسها بالعتق، فطلقت نفسها. وكان مغيث شديد المحبة لها، وكانت شديدة الكراهية له. فكلم مغيث رسول الله ﷺ في ذلك، فكلّمها رسول الله في أن تراجعه. فقالت:

стр. 1364

أتأمرني يا رسول الله؟. قال: "لا، لكني أشفع". فأبت أن تراجعه (١). ولم يُثرّبها رسول الله ﷺ ولا المسلمون. وفي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله أنه مات أبوه عبد الله بن عمرو بن حرام وعليه دين. فكلم جابرٌ رسول الله ﷺ في أن يكلم غرماء أبيه أن يضعوا من دينه، فطلب النبي ﵊ منهم ذلك، فأبوا أن يضعوا منه. قال جابر: "فلمّا كَلّمهم رسول الله كأنهم أُغروا بِي" (٢). ولم يُثرّبهم المسلمون على ذلك. ونظائر ذلك ستأتي (٣). على أن علماء أصول الفقه قد تعرّضوا في مسائل السنة النبوية

стр. 1365

إلى ما كان من أفعال رسول الله ﷺ جِبِلِّياً أنه لا يدخل في التشريع (١). وما ذلك إلّا لأنهم لم يهملوا ما كان من أحوال رسول الله ﷺ أثراً من آثار أصل الخلقة لا دخل للتشريع والإرشاد فيه. وتردّدوا في الفعل المحتمل كونه جِبِلِّياً وتشريعياً كالحج على البعير (٢). وقد يغلط بعض العلماء في بعض تصرفات رسول الله

стр. 1366

عليه الصلاة والسلام فيعمد إلى القياس عليها قبل التثبت في سبب صدورها. وقد عرض لي الآن أن أعدّ من أحوال رسول الله ﷺ التي يصدر عنها قول منه أو فعل - اثني عشر حالًا. منها ما وقع في كلام القرافي، ومنها ما لم يذكره. وهي: التشريع، والفتوى، والقضاء، والإمارة، والهدي، والصلح، والإشارة على المستشير، والنصيحة، وتكميل النفوس، وتعليم الحقائق العالية، والتأديب، والتجرّد عن الإرشاد. ١ - فأما حال التشريع فهو أغلب الأحوال على الرسول ﵊ إذ لأجله بعثه الله، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ (١). وقرائن الانتصاب للتشريع ظاهرة، مثل خطبة حجة الوداع (٢)، وكيف أقام مسمِّعين يُسمِّعون الناس ما يقوله رسول

стр. 1367

الله ﷺ (١)، ومثل قوله ﵊ في حجّة الوداع: "خذوا عني مناسككم" (٢)، وقوله عقب الخطاب: "ليبلغ الشاهدُ منكم

стр. 1368

الغائب" (١). ٢ - وأما حال الإفتاء فله علامات، مثل ما ورد في حديث الموطأ والصحيحين عن عبد الله بن عمرو وعن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع على ناقته بمنى للناس يسألونه، فجاء رجل فقال: لم أشعُرْ فحلقت قبل أن أنْحَر، فقال: "انحر ولا حرج"، ثم جاء آخر فقال: نحرت قبل أن أرمي، قال: "ارم ولا. حرج"، ثم أتاه آخر فقال: أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، قال: "ارم ولا حرج". فما سئل عن شيء قُدَّم ولا أخَّر ممّا ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض إلّا قال: "افعل ولا حرج" (٢).

стр. 1369

٣ - وأما حال القضاء فهو ما يصدر حين الفصل بين المتخاصمين المتشادّين مثل قوله ﵊: "أمسك يا زبير حتى يبلغ الماء الجَدْر ثم أرسله" (١). ومثل قضائه في خصومة الحضرمي والكندي في أرض بينهما الوارد في صحيح مسلم (٢). فكلُ تصرُّفٍ كان بغير حضور خصمين

стр. 1370

فليس بقضاء، مثل ما في حديث هند بنت عتبة المتقدم (١). ومن أمارات ذلك قول الخصم للرسول ﵊: اقضِ بيننا، وقول الرسول ﵊: "لأقضين بينكما". مثاله: ما في حديث الموطأ عن زيد بن خالد الجهني، قال: جاء أعرابي ومعه خصمه، فقال: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. وقال خصمه [وكان أفقه منه]: صدق، اقضِ بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلم. وذكرا قضيتهما. فقال رسول الله ﷺ : "لأقضين بينكما بكتاب الله .. " (٢) إلخ.
следующие страницы →