← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

عليه الصلاة والسلام فيعمد إلى القياس عليها قبل التثبت في سبب صدورها. وقد عرض لي الآن أن أعدّ من أحوال رسول الله ﷺ التي يصدر عنها قول منه أو فعل - اثني عشر حالًا. منها ما وقع في كلام القرافي، ومنها ما لم يذكره. وهي: التشريع، والفتوى، والقضاء، والإمارة، والهدي، والصلح، والإشارة على المستشير، والنصيحة، وتكميل النفوس، وتعليم الحقائق العالية، والتأديب، والتجرّد عن الإرشاد. ١ - فأما حال التشريع فهو أغلب الأحوال على الرسول ﵊ إذ لأجله بعثه الله، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ (١). وقرائن الانتصاب للتشريع ظاهرة، مثل خطبة حجة الوداع (٢)، وكيف أقام مسمِّعين يُسمِّعون الناس ما يقوله رسول

стр. 1367

الله ﷺ (١)، ومثل قوله ﵊ في حجّة الوداع: "خذوا عني مناسككم" (٢)، وقوله عقب الخطاب: "ليبلغ الشاهدُ منكم

стр. 1368

الغائب" (١). ٢ - وأما حال الإفتاء فله علامات، مثل ما ورد في حديث الموطأ والصحيحين عن عبد الله بن عمرو وعن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع على ناقته بمنى للناس يسألونه، فجاء رجل فقال: لم أشعُرْ فحلقت قبل أن أنْحَر، فقال: "انحر ولا حرج"، ثم جاء آخر فقال: نحرت قبل أن أرمي، قال: "ارم ولا. حرج"، ثم أتاه آخر فقال: أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، قال: "ارم ولا حرج". فما سئل عن شيء قُدَّم ولا أخَّر ممّا ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض إلّا قال: "افعل ولا حرج" (٢).

стр. 1369

٣ - وأما حال القضاء فهو ما يصدر حين الفصل بين المتخاصمين المتشادّين مثل قوله ﵊: "أمسك يا زبير حتى يبلغ الماء الجَدْر ثم أرسله" (١). ومثل قضائه في خصومة الحضرمي والكندي في أرض بينهما الوارد في صحيح مسلم (٢). فكلُ تصرُّفٍ كان بغير حضور خصمين

стр. 1370

فليس بقضاء، مثل ما في حديث هند بنت عتبة المتقدم (١). ومن أمارات ذلك قول الخصم للرسول ﵊: اقضِ بيننا، وقول الرسول ﵊: "لأقضين بينكما". مثاله: ما في حديث الموطأ عن زيد بن خالد الجهني، قال: جاء أعرابي ومعه خصمه، فقال: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. وقال خصمه [وكان أفقه منه]: صدق، اقضِ بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلم. وذكرا قضيتهما. فقال رسول الله ﷺ : "لأقضين بينكما بكتاب الله .. " (٢) إلخ.

стр. 1371

وقد استقصى الإمام محمد بن فرج مولى ابن الطلاع القرطبي معظم أقضية رسول الله في كتاب ممتع. وقوله: حين شكت إليه حبيبة بنت سهل الأنصاري زوجة ثابت بن قيس، وذكرت أنها لا تحبّه، فقال لها رسول الله ﵊: "أتردّين عليه حديقته؟ " قالت: كل ما أعطاني هو عندي، فقال رسول الله لثابت: "خذ منها". فأخذ حديقته وطلقها (١). وهذه الأحوال الثلاثة كلُّها شواهد التشريع، وليست التفرقة بينها إلا لمعرفة اندراج أصول الشريعة تحتها. والفتوى والقضاء كلاهما تطبيق للتشريع. ويكونان في الغالب لأجل المساواة بين الحكم التشريعي والحكم التطبيقي، بحيث تكون المسألة أو القضية جزئياً من القاعدة الشرعية الأصلية، بمنزلة لزوم

стр. 1372

المقدمة الصغرى للكبرى في القياس. وقد يكونان لأجل عموم وخصوص وجهي بين الحكم التشريعي العام وبين حكم المسألة أو القضية بأن يكون المستفتي قد عرض لفعله عارض أوجب اندراجه تحت قاعدة شرعية، لا لكون الفعل نفسه مندرجاً تحت قاعدة شرعية، بمنزلة لزوم إحدى القضيتين للأخرى في قياس المساواة المنطقي بواسطة مقدمة غريبة (١). مثاله في الفتوى: النهي عن الانتباذ في الدُّبَّاء والحَنْتَم والمُزَفَّت والنَّقير (٢)، فإن هذا النهي تعيّن كونه لأوصاف عارضة توجب تسرّع

стр. 1373

الاختمار لهذه الأنبذة في بلاد الحجاز. فلا يؤخذ ذلك النهي أصلاً يُحرّم لأجله وضعُ النبيذ في دباءة أو حنتمة مثلاً لمن هو في قطر بارد. ولو قال بعض أهل العلم بذلك لعرَّض الشريعة للاستخفاف. وكذلك القول في الأقضية مثل: قضاء رسول الله ﷺ بالشفعة للجار (١). فإن ذلك يُحمل على أن الراوي رأى جاراً قُضِي له بالشفعة ولم يعلم أنه شريك.

стр. 1374

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1375

٤ - وأما حال الإمارة فأكثر تصاريفه لا يكاد يشتبه بأحوال الانتصاب للتشريع إلا فيما يقع في خلال أحوال بعض الحروب مِمَّا يحتمل الخصوصية، مثل: النهي عن أكل لحوم الحُمُر الأهلية في غزوة خيبر (١). فقد اختلف الصحابة: هل كان نهيُ رسول الله ﷺ عن

стр. 1376

أكل الحمر الأهلية وأمرُه بإكفاء القدور التي طبخت فيها نهيَ تشريع، فيقتضي تحريم لحوم الحمر الأهلية في كل الأحوال؟ أو نهيَ إمرة لمصلحة الجيش (١)، لأنهم في تلك الغزوة كانت حمولتهم الحمير.

стр. 1377

وقد تقدم كلام الشهاب القرافي في الإذن بإحياء الموات (١). وقد قال رسول الله ﵇ يوم حنين: "من قتل قتيلاً فله سلَبُه" (٢). رواه مالك في الموطأ و [رجاله] رجال الصحيح. فجعل مالك ذلك تصرّفاً بالإمارة. فقال: لا يجوز إعطاءُ السَّلَب إلّا بإذن الإمام، وهو من النفل، وهو خارج من الخمس الذي هو موكول لاجتهاد أمير الجيش. وبذلك قال أبو حنيفة أيضاً. وقال الشافعي وأبو ثور وداود: لا يتوقّف ذلك على إذن الإمام، بل هو حق للقاتل (٣). فرأوه تصرّفاً بالفتوى والتبليغ. ٥ - وأمّا حالُ الهدي والإرشاد: فالهدي والإرشاد أعمّ من التشريع (٤)؛ لأن الرسول ﵊ قد يأمر وينهى.

стр. 1378

وليس المقصود العزم، ولكن المقصود الإرشاد إلى طرق الخير. فإن المرغّبات، وأوصاف نعيم أهل الجنة، وأكثر المندوبات من قبيل الإرشاد. فأنا أردت بالهدي والإرشاد هنا خصوصَ الإرشاد إلى مكارم الأخلاق وآداب الصحبة، وكذلك الإرشاد إلى الاعتقاد الصحيح. وفي الحديث الصحيح عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: "عبيدُكم خَوَلُكم جعلهم الله تحت أيديكم. فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليُلْبسْه مما يلبس، ولا يكلَّفه من العمل ما لا يطيق، فإن كلَّفه فليعنه". قال الراوي: "لقيت أبا ذر وغلاماً له، وعلى غلامه حلّة، فقلت لأبي ذر: ما هذا؟ فقال: تعال أحدثْك إني ساببت عبداً لي، فعيّرته بأمه، فشكاني إلى رسول الله فقال رسول الله: أعيّرته بأمه يا أبا ذر؟ قلت: نعم، قال: إنك امرؤ فيك جاهلية، عبيدكم خَوْلُكم ... " (١) الحديث. ٦ - وأما حال المصالحة بين الناس فهو حال يخالف حال القضاء. وذلك مثل تصرّف رسول الله ﵊ حين

стр. 1379

اختصم إليه الزبير وحميد الأنصاري في شِراج الحَرّة (١) كانا يسقيان به. فقال رسول الله للزبير: "اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك". فلما غضب حميد الأنصاري قال رسول الله للزبير: "اسق ثم احبس حتى يبلغ الماء الجَدْر" (٢). قال عروة بن الزبير: وكان رسول الله أشار برأي فيه سعة للزبير وللأنصاري، ثم استوعى رسولُ الله للزبير حقَّه في صريح الحكم (٣). ومثل قضية كعب بن مالك حين طالب عبد الله بن أبي حدرد بمال كان له عليه، فارتفعت أصواتهما في المسجد، فخرج رسول الله ﷺ فقال: يا كعب وأشار بيده، أي ضع الشطر. فرضي كعب، فأخذ نصف المال الذي له على ابن أبي حدرد (٤).

стр. 1380

٧ - وأما حال الإشارة على المستشير فمثل: ما في حديث الموطأ: "أن عمر بن الخطاب حمل على فرس في سبيل الله، فأضاعه الرجل الذي أعطاه عمر إياه ورام بيعه، فرام عمر أن يشتريه، وظنّ أن صاحبه بائعه برُخص، فسأل عمر رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله: "لا تشتره ولو أعطاكه بدرهم [واحد]، فإن الراجع في صدقته كالكلب يعود في قيئه" (١). فهذه إشارة من رسول الله على عمر. ولم يعلم أحد أن رسول الله نهى عن مثل ذلك نهياً علناً. فمن أجل ذلك اختلف العلماء في محمل النهي. فقال الجمهور: هو نهي تنزيه كي لا يتبع الرجل نفسه ما تصدق به فجعله لله. وحُمل على هذا قول مالك في الموطأ (٢) والمدونة (٣) لجزمه بأن ذلك البيع لو وقع لم

стр. 1381

يفسخ. وحمله في الموازية (١) على التحريم. ولم يقل إن البيع يفسخ، مع أنه لو كان نهي تحريم لأوجب فسخَ البيع، لأن أصل المذهب أن النهي يقتضي الفساد إلّا لدليل. وعلى هذا المحمل يُحمل عندي حديثُ بريرة حين رام أهلها بيعها، ورغبت عائشة في شرائها، واشترط أهلُها أن يكون ولاؤها لهم، وأبت عائشة ذلك، وأخبرت رسول الله ﷺ بذلك كالمستشيرة. فقال لها: "لا عليك أن تشترطي لهم الولاء" (٢). وفي رواية: "خذيها

стр. 1382

واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق" (١). ففعلت عائشة ذلك. ثم خطب، رسول الله في الناس خطبة، قال فيها: "ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟! [ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط. قضاء الله أحق، وشرط الله أحق]. وإنما الولاء لمن أعتق" (٢). فلو كان قوله لعائشة تشريعاً

стр. 1383

أو فتوى لكان الشرط ماضياً، ولَعَارَض قوله في الخطبة: "إنما الولاء لمن أعتق". ولكنه كان إشارة منه على عائشة بحق شرعي حتى تسنَّى لها التحصيل عليه مع حصول رغبتها في شراء بريرة وعتقها. وهذا منزع في فهم هذا الحديث هو من فتوحات الله عليَّ. وبه يندفع كل إشكال حيَّر العلماء في محمل هذا الحديث (١). وعلى مثل هذا المحمل حمل زيد بن ثابت نهي رسول الله عن

стр. 1384

بيع الثمر قبل بدوِّ صلاحه. ففي صحيح البخاري عن زيد: كان الناس في عهد رسول الله يبتاعون الثمار، فإذا جذّ الناس وحضر تقاضيهم، قال المبتاع: إنه أصاب الثمرَ الدُّمان، أصابه مُراض، أصابه قُشام: عاهات يحتجون بها، فقال رسول الله ﷺ لما كثرت عنده الخصومة: "فإمَّا لا فلا تتبايعوا حتى يبدوَ صلاحُ الثمر" (١). قال زيد بن ثابت: كالمشورة يشير بها عليهم لكثرة خصومتهم (٢) اهـ. ٨ - وأما حال النصيحة فمثاله ما في الموطأ والصحيحين عن النعمان بن بشير: أن أباه بشير بن سعد نحَلَ النعمان ابنه غلاماً من ماله دون بقية أبنائه، فقالت له زوجُه عمرة بنت رواحة، وهي

стр. 1385

أم النعمان: لا أرضى حتى تُشهد رسول الله. فذهب بشير وأعلم رسول الله بذلك. فقال له رسول الله ﷺ : "أكلَّ ولدك نحلت مثلَه؟ " قال: لا، قال: "لا تشهدني على جور" (١) وفي رواية: "أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ " قال: نعم، قال: "فلا إذن" (٢). فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: إن رسول الله نهى بشيراً عن ذلك نظراً إلى البر والصلة لأبنائه، ولم يرد تحريمه ولا إبطال العطية. ولذلك قال مالك: يجوز للرجل أن يهب لبعض ولده ماله. وما نظروا إلّا لأن رسول الله ﷺ لما لم يشتهر عنه هذا النهي علمنا أنه نهيُ نصيحة لكمال إصلاح أمر العائلة، وليس تحجيراً. ويؤيّد ذلك ما في بعض روايات الحديث أنه قال: "لا، أَشهِدْ غيري" (٣).

стр. 1386

وذهب طاوُس وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وسفيان وداود بن علي إلى تحريم مثل هذه النِّحلة؛ وقوفاً منهم عند ظاهر النهي [من غير غوص إلى المقصد] (١).

стр. 1387

ومن هذا أيضاً حديث فاطمة بنت قيس في صحيح مسلم: أنها ذكرت لرسول الله ﷺ أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباها. فقال لها رسول الله: "أمّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأمّا معاوية فصعلوك" (١) لا يدل على أنه لا يجوز للمرأة أن تتزوج برجل فقير. ولكنها استشارت رسول الله فأشار عليها بما هو أصلح لها. ٩ - وأما حال طلب حمل النفوس على الأكمل من الأحوال فذلك كثير من أوامر رسول الله ﷺ ونواهيه، الراجعة إلى تكميل نفوس أصحابه، وحملِهم على ما يليق بجلال مرتبتهم في الدين، من الاتصاف بأكمل الأحوال، ممّا لو حُمل عليه جميع الأمة لكان حرجاً عليهم. وقد رأيت ذلك كثيراً في تصرّفات رسول الله ﷺ ، ورأيت في غفلة بعض العلماء عن هذا الحال من تصرّفاته وقوعاً في أغلاط فقهية كثيرة، وفي حمل أدلّة كثيرة من السنة على غير محاملها. وبالاهتداء إلى هذا اندفعت عنّي حيرة عظيمة في تلك المسائل. فقد كان رسول الله ﷺ لأصحابه مشرعاً لهم بالخصوص. فكان يحملهم على أكمل الأحوال: من شدّ أواصر الأخوّة الإسلامية بأجلى مظاهرها، والإغضاء عن زخرف هذه الدنيا، وألّا يغال في الإقبال على الدين وفهمه، لأنهم أُعِدُّوا ليكونوا حملة هذا الدين وناشري لوائه. وقد نوّه الله تعالى بهم في آية سورة الفتح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 1388

وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (١) الآية. ألا ترى إلى قوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم" (٢)، وقوله: "لو أنفق أحدكم مثل أُحُد ذهباً ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصِيفَهُ" (٣). وقوله في مرض سعد بن أبي وقاص في مكة في عام الفتح: "اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردّهم على أعقابهم لكن البائسُ سَعْدُ بن خولة (٤) يرثي له رسول الله أن مات بمكة"؛ لأنه طلب لهم الكمال في حالي الحياة والممات، وإن كان موت المهاجر بمكة لا ينقض هجرته (٥).

стр. 1389

وأمثلة هذا الحال كثيرة. ففي كتاب اللباس من صحيح البخاري عن البراء بن عازب قال: "أَمَرنا رسول الله بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم، وإفشاء السلام، وإجابة الداعي، ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن آنية الفضة، وعن المياثر (١) الحمر والقَسِّية والإستبرق والديباج والحرير" (٢). فجَمَع مأمورات ومنهيات مختلطة. بعضها مما عُلم وجوبه في مثل نصر المظلوم مع القدرة (٣)،

стр. 1390

وتحريمُه في مثل الشرب في آنية الفضة (١). وبعضها ممّا علم عدم وجوبه في الأمر مثل تشميت العاطس وإبرار المقسم، أو عدم تحريمه في النهي مثل المياثر والقَسِّية. فما تلك المنهيات إلّا لأجل تنزيه أصحابه عن التظاهر بمظاهر البذخ والفخفخة للترفه وللتزين بالألوان الغريبة، وهي الحمرة وبذلك تندفع الحيرة في وجه النهي عن كثير ممّا ذكر في هذا الحديث، ممّا لم يهتد إليه الخائضون في شرحه. ويشهد لهذا ما رواه أبو داود عن علي بن أبي طالب أنه قال:

стр. 1391

"نهى رسول الله ﷺ عن لبس القَسِّي، وعن لبس المُعَصفَر، وعن تختّم الذهب، وعن القراءة في الركوع والسجود، ولا أقول نهاكم" (١) يعني أن بعض هذه المنهيات لم ينهَ عنها جميعَ الأمة بل خصَّ بالنهي علياً. ومن الأمثلة حديث أبي رافع: أن رسول الله ﷺ قال: "الجار أحقُّ بِصَقَبه" (٢) أي ما يليه، أي: أحق بشرائه إذا باعه جاره. فما هو إلا لحمل أصحابه على المواساة والمؤاخاة، ولذلك جعل الجار منهم أحق بالشفعة لأجل الصَّقَب، أي القرب. ولولا كلمة (أحق) لجعلنا الحديث لمجرد الترغيب. فلمّا وجدنا كلمة أحق علمنا أنه يعني: [أن] الجار من الصحابة أحق بشفعة عقار جاره، فلا تعارض بينه وبين حديث جابر: أن رسول الله قال: "الشفعة في ما لم يقسم، فإذا حُدّدت الحدود وصرِّفت الطرق فلا شفعة" (٣). وكذلك حديث الموطأ والصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمنع أحدُكم جارَه خشبةً يغرزها في جداره" ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمينَّ بها بين أكتافكم (٤). فحمل ذلك أبو هريرة على التشريع، وحمله مالك على

стр. 1392

معنى الترغيب، فقال في الموطأ: أن لا يقضي على الجار بذلك (١)، أي: لأنه يخالف قاعدة إطلاق تصرّف المالك في ملكه، وأن لا حق لغيره فيه. وعلى هذا النحو يحمل حديث رافع بن خديج عن عمه ظُهير بن رافع أنه قال: "لقد نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان بنا رافقاً". قال رافع: قلت: ما قال رسول الله فهو حق. قال: دعاني رسول الله فقال: "ما تصنعون بمحاقلكم؟ " قلت: نؤاجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير؟ فقال: "لا تفعلوا، ازرَعوها أو أزرِعوها أو أمسكوها". قال رافع: قلت سمعاً وطاعة (٢). فتأوله معظم العلماء على معنى أن رسول الله أمر أصحابه أن يواسي بعضهم بعضاً. ولذلك ترجم البخاري هذا الحديث بقوله: باب ما كان أصحاب رسول الله ﷺ يواسي بعضهم بعضاً في الزراعة والثمرة (٣). ١٠ - وأما حال تعليم الحقائق العالية فذلك مقام رسول الله ﷺ وخاصةِ أصحابه.

стр. 1393

ومثاله ما روى أبو ذر، قال: قال لي خليلي: "يا أبا ذر أتبصر أُحُدًا؟ " قلت: نعم. قال: "ما أحب أن لي مثل أُحُد ذهباً أنفقه كُلَّهُ إلّا ثلاثة دنانير" (١). فظن أبو ذر أن هذا أمر عام للأمة، فجعل ينهى عن اكتناز المال. وقد أنكر عليه عثمان ﵁ قول ذلك كما سيجيء (٢). ١١ - وأما حال التأديب فينبغي إجادة النظر فيه؛ لأن ذلك حال قد تحف به المبالغة لقصد التهديد. فعلى الفقيه أن يميز ما يناسب أن يكون القصدُ منه بالذات التشريعَ، وما يناسب أن يكون القصد منه بالذات التوبيخَ والتهديدَ، ولكنه تشريع بالنوع أي بنوع أصل التأديب. ومثال ذلك ما في الموطأ والصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمرَ بحطب فيُحطبَ، ثم آمُرَ بالصلاة فيُؤَذّن لها، ثم آمرَ رجلاً فيؤمَّ الناس، ثم أخالف إلى رجال، فأُحرِّقَ عليهم بيوتَهم، والذي نفسي بيده لو يعلم

стр. 1394

أحدهم أنه يجد عظماً سميناً أو مِرماتين حسنتين (١) لشهد العِشاء" (٢). فلا يُشتَبَهُ أن رسول الله ﷺ ما كان ليحرَّق بيوت المسلمين لأجل شهود صلاة العشاء في الجماعة، ولكن الكلام سيق مساق التهويل في التأديب، أو أن الله أطلعه على أن أولئك من المنافقين، وأذن له بإتلافهم إن شاء. ومنه أيضاً ما ورد في صحيح البخاري عن أبي شريح قال: قال رسول الله: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، [والله لا يؤمن] ". فقلنا: ومن هو يا رسول الله؟ قال: "من لا يأمَن جارُه بوائقَه" (٣)، فخرج

стр. 1395

الكلامُ مَخرج التهويل لمن يسيء إلى جاره، حتى يخشى أن لا يكون من المؤمنين. والمراد نفي الإيمان الكامل. ١٢ - وأما حال التجرد عن الإرشاد فذلك ما يتعلق بغير ما فيه التشريع والتدين وتهذيب النفوس وانتظام الجماعة. ولكنه أمر يرجع إلى العمل في الجبلة وفي دواعي الحياة المادية. وأمره لا يشتبه. فإن رسول الله يعمل في شؤونه البيتية ومعاشه الحيوي أعمالاً لا قصد منها إلى تشريع ولا طلب متابعة. وقد تقرّر في أصول الفقه أنّ ما كان جبلِّياً من أفعال رسول الله ﷺ لا يكون موضوعاً لمطالبة الأمة بفعل مثله، بل لكل أحد أن يسلك ما يليق بحاله (١). وهذا كصفات الطعام واللباس والاضطجاع والمشي والركوب ونحو ذلك، سواء كان ذلك خارجاً عن الأعمال الشرعية كالمشي في الطريق والركوب في السفر، أم كان داخلاً في الأمور الدينية كالركوب على الناقة في الحج (٢). ومثل الهُوِيّ باليدين قبلَ الرجلين في السجود عند من رأى أن رسول الله ﷺ أهوى بيديه قبل رجليه حين أسَنَّ وبدَن، وهو قول أبي حنيفة (٣).

стр. 1396

وكذلك ما يروى: "أن النبي ﷺ نزل في حجّة الوداع بالمحصّب، الذي هو خَيف بني كنانة ويقال له: الأبطح (١)، فصلّى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم هجع هجعة، ثم انصرف بمن معه إلى مكة لطواف الوداع" (٢). فكان ابن عمر يلتزم النزول به

стр. 1397

في الحج، ويراه من السنة، ويفعل كما فعل رسول الله ﷺ (١). وفي البخاري عن عائشة أنها قالت: "ليس التحصيب بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ ليكون أسمح لخروجه إلى المدينة". تعني: لأنه مكان متسع يجتمع فيه الناس. وبقولها قال ابن عباس (٢) ومالك بن أنس (٣). وكذلك حديث الاضطجاع على الشق الأيمن بعد صلاة الفجر (٤).

стр. 1398

وفي حديث يوم بدر: أن رسول الله سبق قريشاً إلى الماء حتى جاء أدنى ماء من بدر، فنزل به بالجيش. فقال له الحُباب بن المنذر: يا رسول الله أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا أن نتأخر عنه أم هو الرأيُ والحربُ والمكيدةُ؟ قال رسول الله: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة". قال: يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فإني أعرف غزارة مائه وكثرتَه،

стр. 1399

فننزله، ثم نغوِّر ما عداها من القُلُب؛ فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله: "لقد أشرت بالرأي" (١). وفي جامع العتبية في سماع ابن القاسم قال مالك: مرّ رسول الله ﷺ ببعض الحوائط وهم يؤبّرون النخل ويلقّحونها. فقال لهم: "ما عليكم ألّا تفعلوا". فترك الناس الإبار في ذلك العام، فلم تطعم النخل، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "إنما أنا بشر فاعملوا بما يُصلِحُكم". قال أبو الوليد ابن رشد في البيان والتحصيل: روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة. منها أنه قال: "ما أظن هذا يغني شيئاً، ولو تركوه لصلح -[أو لا لقاح] أو - ما أرى اللقاح شيئاً"، فتركوه فقُشِم (٢)،

стр. 1400

فأُخبر بذلك رسول الله، فقال: "ما أنا بزارع ولا بصاحب نخل، لقِّحوا" (١).

стр. 1401

وبعد، فلا بد للفقيه من استقراء الأحوال وتوسُّم القرائن الحافَّة بالتصرّفات النبوية. فمن قرائن التشريع: الاهتمام بإبلاع النبي ﷺ إلى العامة، والحرص على العمل به، والإعلام بالحكم وإبرازه في صورة القضايا الكليّة مثل قول رسول الله ﷺ : "ألَا لا وصية لوارث" (١)،

стр. 1402

وقوله: "إنما الولاء لمن أعتق" (١). ومن علامات عدم قصد التشريع عدم الحرص على تنفيذ الفعل، مثل قول النبي ﷺ في مرض الوفاة: "آتوني أكتبْ لكم كتاباً لن تضلوا بعده". قال ابن عباس: فاختلفوا. فقال بعضهم: حسبنا كتاب الله؛ وقال بعضهم: قدّموا له يكتب لكم، ولا ينبغي عند نبيِّ تنازع. فلما

стр. 1403

رأى اختلافهم قال: "دعوني فما أنا فيه خير" (١). واعلم أن أشد الأحوال التي ذكرناها اختصاصاً برسول الله ﷺ هي حالة التشريع، لأن التشريع هو المراد الأول لله تعالى من بعثته، حتى حصر أحواله فيه في قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ (٢). فلذلك يجب المصير إلى اعتبار ما صدر عن رسول الله ﷺ من الأقوال والأفعال فيما هو من عوارض أحوال الأمة صادراً مصدر التشريع ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك. وقد أجمع العلماء على الأخذ بخبر سعد بن أبي وقاص، حيث سأل النبي ﷺ أن يوصي في ماله. قال له: "الثلث والثلث كثير". فجعلوا الوصية بالزائد على الثلث مردودة إلا أن يجيزها الورثة. ولم يحملوه محمل الإشارة والنصيحة، مع ما قارنه مما يسمح بذلك، وهو قوله: "إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" (٣). فإنه مؤذن بالنظر إلى حالة خاصة بسعد وورثته

стр. 1404

وشدة فقرهم، ومع كونه جرى بين رسول الله ﷺ وبين سعد خاصة، ولم يفعل به رسول الله ﷺ ولا رواه عنه غير سعد. فكان للفقيه أن يجيز الوصية بأكثر من الثلث لمن كان ورثته أغنياء - ولم يقل به أحد من أهل العلم - أو لمن لم يكن له وارث. وقد قال بذلك بعض أهل العلم فيما نقل ابن حزم في المُحلّى عن ابن مسعود وعبَيدة السلماني وطائفة (١)، وهو قول شاذ.

стр. 1405

ز - مقاصد الشريعة مرتبتان: قطعية وظنية على الباحث في مقاصد الشريعة أن يطيل التأمل ويجيد التثبت في إثبات مقصد شرعي. وإياه والتساهل والتسرع في ذلك، لأن تعيين مقصد شرعي كلي أو جزئي أمر تتفرع عنه أدلة وأحكام كثيرة في الاستنباط. ففي الخطإ فيه خطر عظيم. فعليه أن لا يعيّن مقصداً شرعياً إلا بعد استقراء تصرفات الشريعة في النوع الذي يريد انتزاع المقصد الشرعي منه، وبعد اقتفاء آثار أئمة الفقه ليستضيء بأفهامهم، وما حصل لهم من ممارسة قواعد الشرع، فإن هو فعل ذلك اكتسب قوةَ استنباط يَفهم بها مقصود الشارع.
следующие страницы →