← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وبعد، فلا بد للفقيه من استقراء الأحوال وتوسُّم القرائن الحافَّة بالتصرّفات النبوية. فمن قرائن التشريع: الاهتمام بإبلاع النبي ﷺ إلى العامة، والحرص على العمل به، والإعلام بالحكم وإبرازه في صورة القضايا الكليّة مثل قول رسول الله ﷺ : "ألَا لا وصية لوارث" (١)،

стр. 1402

وقوله: "إنما الولاء لمن أعتق" (١). ومن علامات عدم قصد التشريع عدم الحرص على تنفيذ الفعل، مثل قول النبي ﷺ في مرض الوفاة: "آتوني أكتبْ لكم كتاباً لن تضلوا بعده". قال ابن عباس: فاختلفوا. فقال بعضهم: حسبنا كتاب الله؛ وقال بعضهم: قدّموا له يكتب لكم، ولا ينبغي عند نبيِّ تنازع. فلما

стр. 1403

رأى اختلافهم قال: "دعوني فما أنا فيه خير" (١). واعلم أن أشد الأحوال التي ذكرناها اختصاصاً برسول الله ﷺ هي حالة التشريع، لأن التشريع هو المراد الأول لله تعالى من بعثته، حتى حصر أحواله فيه في قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ (٢). فلذلك يجب المصير إلى اعتبار ما صدر عن رسول الله ﷺ من الأقوال والأفعال فيما هو من عوارض أحوال الأمة صادراً مصدر التشريع ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك. وقد أجمع العلماء على الأخذ بخبر سعد بن أبي وقاص، حيث سأل النبي ﷺ أن يوصي في ماله. قال له: "الثلث والثلث كثير". فجعلوا الوصية بالزائد على الثلث مردودة إلا أن يجيزها الورثة. ولم يحملوه محمل الإشارة والنصيحة، مع ما قارنه مما يسمح بذلك، وهو قوله: "إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" (٣). فإنه مؤذن بالنظر إلى حالة خاصة بسعد وورثته

стр. 1404

وشدة فقرهم، ومع كونه جرى بين رسول الله ﷺ وبين سعد خاصة، ولم يفعل به رسول الله ﷺ ولا رواه عنه غير سعد. فكان للفقيه أن يجيز الوصية بأكثر من الثلث لمن كان ورثته أغنياء - ولم يقل به أحد من أهل العلم - أو لمن لم يكن له وارث. وقد قال بذلك بعض أهل العلم فيما نقل ابن حزم في المُحلّى عن ابن مسعود وعبَيدة السلماني وطائفة (١)، وهو قول شاذ.

стр. 1405

ز - مقاصد الشريعة مرتبتان: قطعية وظنية على الباحث في مقاصد الشريعة أن يطيل التأمل ويجيد التثبت في إثبات مقصد شرعي. وإياه والتساهل والتسرع في ذلك، لأن تعيين مقصد شرعي كلي أو جزئي أمر تتفرع عنه أدلة وأحكام كثيرة في الاستنباط. ففي الخطإ فيه خطر عظيم. فعليه أن لا يعيّن مقصداً شرعياً إلا بعد استقراء تصرفات الشريعة في النوع الذي يريد انتزاع المقصد الشرعي منه، وبعد اقتفاء آثار أئمة الفقه ليستضيء بأفهامهم، وما حصل لهم من ممارسة قواعد الشرع، فإن هو فعل ذلك اكتسب قوةَ استنباط يَفهم بها مقصود الشارع.

стр. 1406

ثم هو بعد الاضطلاع بهذا العمل العظيم لا يجد الحاصل في نفسه سواءً في اليقين بتعيين مقصد الشريعة، لأن قوة الجزم بكون الشيء مقصداً شرعياً تتفاوت بمقدار فيض ينابيع الأدلة ونضوبها، وبمقدار وفرة العثور عليها واختفائها. وليس هذا التَّوَفُّر وضده بعالة على مقدار استفراغ جهد الفقيه الناظر واستكمال نشاطه، بل إن الأدلة علي ذلك متفاوتةُ الكثرة والقلة في أنواع التشريعات بحسب سعة وضيق الزمان الذي عرض في وقت التشريع، وبحسب كثرة وقلة الأحوال التي عرضت للأمة في وقت التشريع. ألا ترى أن مسائل العبادات والآداب الشرعية أكثرُ أدلةً وآثاراً عن الشارع من مسائل المعاملات والنوازل؟ إذ كان معظم التشريع قبل الهجرة مقصوراً على النوعين الأولين دون الثالث، لأن جهل الأمة في مبدأ أمرها بمعرفة الله ورسله واليوم الآخر والعبادات كان أعرق وأشد من جهلهم بطرائق الإنصاف في المعاملة. وعلى هذا فالحاصل للباحث عن المقاصد الشرعية قد يكون علماً قطعياً أو قريباً من القطعي، وقد يكون ظناً. ولا يعتبر ما حصل للناظر من ظن ضعيف أو دونه، فإن لم يحصل له من عمله سوى هذا الضعيف فليفرضه فرضاً مجرداً ليكون تهيئة لناظر يأتي بعده، كما أوصى رسول الله ﷺ إذ قال: "فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" (١).

стр. 1407

وإن أعظم ما يهم المتفقهين إيجادُ ثلةٍ من المقاصد القطعية، ليجعلوها أصلاً يصار إليه في الفقه والجدل. وقد حاول بعضُ النظار من علماء أصول الفقه أن يجعلوا أصولاً للفقه قطعية، فطفحت بذلك كلمات منهم، لكنهم ارتبكوا في تعيين طريقة ذلك. وأحسب أن أول من حاول ذلك إمام الحرمين في كتاب البرهان. فإنه قال في تفسير أصول الفقه: "إنها القواطع في عرف الأصولين" (١). ولا شك أنه يعني بها القواطع من الأدلة السمعية؛ إذ لا سبيل إلى تحصيل القواطع العقلية إلّا في أصول الدين. ثم قال "وأقسامها: نص

стр. 1408

الكتاب، ونص السنة [المتواترة]، والإجماع" (١). قال المازري في شرحه على البرهان: "قيّد في الدليلين الأولين ولم يقيد في الإجماع لأمرين: أحدهما: أن يكون جعل الألف واللام في الإجماع للعهد، يعني الإجماع الذي هو حجة (أي قاطعة). الثاني: أن الشروط المعتبرة في كون الإجماع حجة كثيرة، لا يمكن ضبطها إلّا بتفريع المسائل وتمهيد الأبواب (٢) ". ثم قال إمام الحرمين: "فإن قيل: تفصيل أخبار الآحاد والأقيسة لا يُلْفَى إلّا في أصول الفقه وليست قواطع. قلنا: حظ الأصولي إبانة القاطع في وجوب العمل بها، ولكن لا بد من ذكرها ليتبين المدلول ويرتبطَ الدليل به" (٣). فجعل حظ القطعيّ من هذه الأمور الظنّية هو القطع، باعتبارها أدلة شرعية يجب العمل بها على الجملة، لا في تفصيل جزئياتها. وفي شرح شهاب الدين القرافي على المحصول - في المسألة الأولى من مسائل اللفظ في باب الأوامر-: "قال [الأبياري] في شرح البرهان: مسائل الأصول قطعيّة، ولا يكفي فيها الظن، ومُدركها قطعيّ، ولكنه ليس المسطور في الكتب، بل معنى قول العلماء: "إنها قطعيّة" أن من كثر استقراؤه واطلاعه على أقضية الصحابة [رضوان الله عليهم و] مناظراتهم وفتاواهم وموارد النصوص الشرعية ومصادرها،

стр. 1409

حصل له القطع بقواعد الأصول. ومتى قصر عن ذلك، لا يحصل له إلّا الظن. وإنما وضع العلماء هذه الظواهر في كتبهم ليبيّنوا أصل المدرك لا [أنها] مدرك القطع، فلا تنافي بين كون هذه المسائل قطعية وبين كون هذه النصوص لا تفيد إلّا الظن" (١) اهـ. وأبو إسحاق الشاطبي حاول في المقدمة الأولى من كتابه عنوان التعريف طريقةً أخرى لإثبات كون أصول الفقه قطعية. وهي طريقة لا يوصل منها إلّا قوله: "الدليل على ذلك أنها راجعة إلى كليات الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي (أي: لو تحققنا رجوع شيء معين إلى تلك الكليات). وأعني بالكليات: الضروريات والحاجيات والتحسينيات" (٢). ثم ذهب يستدل على ذلك بمقدمات خطابية وسفسطائية، أكثرُها مدخول ومخلوط غير منخول. وقد تقدمت الإشارةُ إلى كلامهم في صدر هذا الكتاب. وذلك حاصلُ ما لسلفنا في هذا الغرض (٣). وإنما قصدت منه التنوّرَ بأضواء أفهامهم، لتعلم إمكان استخلاص قواعد تحصل بالقطع أو بالظن القريب من القطع ولو كانت قليلة. على أننا غير ملتزمين للقطع وما يقرب منه في التشريع، إذ هو منوط بالظن. وإنما أردت أن تكون ثُلةٌ من القواعد القطعية ملجأً نلجأ إليه عند الاختلاف والمكابرة، وأن ما يحصل من تلك القواعد

стр. 1410

هو ما نسميه علم مقاصد الشريعة، وليس ذلك بعلم أصول الفقه. فأما المقاصد الظنية فتحصيلها سهل من استقراءٍ غيرِ كبير لتصرّفات الشريعة، لأن ذلك الاستقراء يكسبنا علماً باصطلاح الشارع وما يراعيه في التشريع. قال عز الدين بن عبد السلام في قواعده الفقهية - في مبحث ما خالف القياس من المعاوضات - بعد ذكر المثال الحادي والعشرين: "إن من عاشر إنساناً من الفضلاء الحكماء العقلاء، وفهم ما يُؤثره ويكرهه في كل وِرد وصَدْر، ثم سنحت له مصلحة أو مفسدة لم يعرف قولَه فيها، فإنه يعرف بمجموع ما عَهِده من طريقته وأَلِفه من عادته أنه يؤثر تلك المصلحة ويكره تلك المفسدة" (١). مثال المقاصد الشرعية القطعيّة: ما يؤخذ من متكرّر أدلة القرآن تكرراً ينفي احتمال قصد المجاز والمبالغة، نحو كون مقصد الشارع التيسير. فقد قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢). فهذا التأكيد الحاصل بقوله: ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ عقب قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر﴾ قد جعل دلالة الآية قريبة من النصّ. ويضمّ إليه قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣)، وقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (٤)، وقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (٥)،

стр. 1411

وقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (١)، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ (٢). وقول النبي ﷺ : "بعثت بالحنيفية السمحة" (٣)، وقوله: "عليكم من الأعمال ما تطيقون" (٤)، وقوله: "إن هذا الدين يسر وليس بالعسر" (٥)، وقوله لمعاذ وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: "يسّرا ولا تعسّرا" (٦)،

стр. 1412

وقوله: "إنما بعثتم ميسِّرين" (١). فمثل هذا الاستقراء يخول للباحث عن مقاصد الشريعة أن يقول: إن [من] مقاصد الشريعة: التيسير، لأن الأدلة المستقراة في ذلك كله عمومات متكررة، وكلها قطعية النسبة إلى الشارع، لأنها من القرآن، وهو قطعي المتن. ومثال المقاصد الظنية القريبة من القطعي ما قال الشاطبي في المسألة الثانية من الطرف الأول من كتاب الأدلة: "الدليل الظني إما أن يرجع إلى أصل قطعي ... مثل قول النبي ﵊: "لا ضرر ولا ضرار" (٢)، فإنه داخل تحت أصل قطعي في هذا المعنى، فإن الضرر والضرار مبثوث منعه في الشريعة كلها، في وقائع جزئيات، وقواعد كليات، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (٤)، وقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ (٥).

стр. 1413

ومنها النهي عن التعدّي على النفوس والأموال والأعراض، وعن الغضب والظلم، وكل ما هو في المعنى إضرار وضِرار. ويدخل تحته الجنايةُ على النفس أو العقل أو النسل أو المال، فهو معنى في غاية العموم في الشريعة لا مراء فيه ولا شك" (١) اهـ. فإن الأدلة المذكورة في كلام الشاطبي - وإن كانت كثيرة إلّا أنها - أدلةٌ جزئيّة. والدليل العام منها وهو قول الرسول ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" هو خبر آحاد وليس بقطعيّ النقل عن الشارع، لأن السنة غير المتواترة ليست قطعيّة المتن. وقد تقدّمت الإشارة إلى هذا في مبحث "طرق إثبات المقاصد الشرعية" (٢) من كتابنا هذا. واعلم أن مراتب الظنون في فهم مقاصد الشريعة متفاوتةٌ بحسب تفاوت الاستقراء المستند إلى مقدار ما بين يدي الناظر من الأدلة، وبحسب خفاء الدلالة وقوتها. فإن دلالة تحريم الخمر على كون مقصد الشريعة حفظَ العقول عن الفساد العارض دلالةٌ واضحة. ولذلك لم يكد يختلف المجتهدون في تحريم ما يصل بالشارب إلى حدِّ الإسكار. وأما دلالة تحريم الخمر على أن مقصد الشريعة سدُّ ذريعة إفساد العقل، حتى نأخذ من ذلك المقصد تحريم القليل من الخمر، وتحريم النبيذ الذي لا يغلب إفضاؤه إلى الإسكار، فتلك دلالةٌ خفية. ولذلك اختلف العلماء في مساواة تحريم الأنبذة لتحريم الخمر، وفي مساواة تحريم شرب قليل الخمر. فمن غلب ظنه بذلك سوّى بينهما

стр. 1414

في التحريم وإقامة الحد والتجريح به؛ ومن جعل بينهما فرقاً، لم يسوِّ بينهما في تلك الأمور. على أن لاحتمال قيام المعارضات لشواهد استقراء الفقيه أثراً بيَّناً في مقدار قوّة ظنّه وضعفه، كما تقرّر في علم الحكمة (١). فإن صاحب هذا المقام تلوح له عند النظر شواهد الأدلة بيّنة لا يشذّ عليه منها شيء، أو إلا شيئاً قليلاً. فإن قصُر الاستقراء وامتد احتمال المعارض ضعف الظنُّ بالمقصد الشرعي.

стр. 1415

ح - تعليل الأحكام الشرعية، وخُلو بعضها عن التعليل وهو المسمّى التعبّدي إن الطريقة التي رسمها الفقهاء لأنفسهم في الاستدلال في الفقه وأصوله ألجأتهم بغير اختيار إلى الاقتصار على الاستدلال بألفاظ الكتاب، والسنة وبأفعال النبي ﷺ وسكوته، وبالإجماع. على أن تلك الأقوال قد تفيد أحكاماً كلّية مثل قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١)، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر﴾ (٢)، وقول الرسول ﵊: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (٣)،

стр. 1416

وقوله: "لا ضرر ولا ضرار" (١). وقد تفيد أحكاماً جزئيّة، وهو الغالب كقوله: "أمسك يا زبير حتى يبلغ الماء الجَدْر ثم أرسل إلى جارك" (٢). والفقهاء ينتزعون من كل ذلك فروعاً: إما بطريق تحقيق المناط (٣) في الأحكام الكليّة، لأن المنتزعات جزئياتٌ لتلك القضايا الكليّة؛ أو بطريق القياس في الأحكام الجزئيّة، لأن المنتزعات مشابهةٌ لتلك الجزئيات في وصف آذنت به أحكامُها، على تفاوت بين الملحقات بسبب ظهور الأوصاف التي بها الشبه وخفائها لتفاوت مسالك العلة. ثم عمدوا إلى أحكام ثبت صدورُها من الشارع في علم المجتهد وخفي عنه مرادُ الشارع منها، فاتَّهم علمه وبذل جهده في جنب سعة الشريعة فسمَّوه بالتعبّدي، أي أن الشريعة تعبدتنا بذلك الحكم، ولم تشرح مرادها منه في نظر ذلك المجتهد. روى البخاري (٤) عن أبي الزناد أنه قال: "إن السُّنن ووجوهَ

стр. 1417

الحق لتأتي كثيراً على خلاف الرأي، فما يجد المسلمون بدًّا من اتباعها. من ذلك: أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة" (١). وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب قال: "عجباً للعمة تُورَث ولا تَرِث" (٢). فكانت الأحكام عندهم قسمين: معلّل، وتعبّدي. وقد تفاوت المجتهدون في إثبات هذا النوع الأخير، غير أننا وجدنا الفقهاءَ الذين خاضوا في التعليل والقياس قد أوشكوا أن يجعلوا تقسيم أحكام الشريعة بحسب تعليلها ثلاثة أقسام: ١ - قسم معلّل لا محالة. وهو ما كانت علّته منصوصة أو مومأً إليها، أو نحو ذلك. ٢ - وقسم تعبّدي محض. وهو ما لا يُهتدى إلى حكمته. ٣ - وقسم متوسّط بين القسمين. وهو ما كانت علّته خفيّة، واستنبط له الفقهاء علّة، واختلفوا فيه، كتحريم ربا الفضل في الأصناف الستة (٣)، وكمنع كراء الأرض على الإطلاق عند القائلين

стр. 1418

بالمنع على الإطلاق من الصحابة والتابعين (١). وفي إثبات هذا النوع من العلل خطر على التفقه في الدين. فمن أجل إلغائه وتوقّيه مالت الظاهرية إلى الأخذ بالظواهر ونفوا القياس. ومن الاهتمام به تفنّنت أساليب الخلاف بين الفقهاء، وأنكر فريق منهم صحّة أسانيد كثير من الآثار. ولقد نرى كثيراً من الفقهاء الذين جعلوا من أصولهم التمسكَ بظاهر لفظ الشارع، أو بالوصف الوارد عند التشريع، لم يسلَموا من

стр. 1419

الوقوع فيما يشبه أحوال أهل الظاهر من الاعتبار بالتعبّد. مثاله ما وقع لبعض الفقهاء من القول في آية القتل العمد الموجبة للقَود. فقد نُقِل عن بعضهم أنه أخذ بما روي عن رسول الله ﷺ : "كل شيء خطأٌ إلا السيف" (١). وعندي أنه أخذ بالصفة التي كانت الغالبة على آلات القتل في الزمن الذي ورد فيه حكم القود وهي السيف. ثم ألحق بالسيف كل آلة محدّدة بطريق القياس في وصف الأصل، ثم ألحق الخنق المزهق للروح، والحرق بالنار، والذبح بالقصب بطريق القياس أيضاً. وَوَقف عند ذلك. فنَفى القصاص في القتل برمي صخرة صماء من علو على جالس تحته، والقتل بضرب الرأس بدبوس، والإغراق مكتوفاً، والتجويع أياماً متوالية. وما ذلك إلّا لأنه جعل أصله في هذا الحكم اللفظ أو الوصف دون المقصد (٢). وأنت إذا نظرت إلى أصول الظاهرية تجدهم يوشكون أن ينفوا عن الشريعة نوط أحكامها بالحكمة، لأنهم نفوا القياس والاعتبار

стр. 1420

بالمعاني, ووقفوا عند الظواهر فلم يجتازوها. ولذلك ترى حِجاجَهم وجدَلَهم لا يعدو الاحتجاجَ بألفاظ الآثار وأفعال الرسول وأصحابه. ويتجلّى ذلك واضحاً إذا طالعت كتاب "الإعراب عن الحيرة والالتباس الواقعين في مذاهب أهل الرأي والقياس" (١) لابن حزم. فقد كان هذا الأصل محورَ مناظراته مع أصحاب القياس. على أن أهل الظاهر يقعون بذلك في ورطة التوقف عن إثبات الأحكام فيما لم يُروَ فيه عن الشارع حكم من حوادث الزمان. وهو موقف خطير يُخشى على المُتردّي فيه أن يكون نافياً عن شريعة الإسلام صلاحَها لجميع العصور والأقطار. ورحم الله أبا بكر بن العربي (٢)، إذ قال في كتاب العارضة - عند الكلام على حديث افتراق الأمة، وذَكَر مذهب الظاهرية، فأنشد فيهم أبياتاً، منها قوله -: قالوا: الظواهرُ أصل لا يجوز لنا ... عنها العدولُ إلى رأي ولا نظر إن الظواهر معدودٌ مواقعُها ... فكيف تحصي بيانَ الحكم في البشر (٣)! ولذلك كان واجب الفقيه عند تحقق أن الحكم تعبّدي أن يحافظ على صورته، وأن لا يزيد في تعبديتها، كما لا يُضيع أصل التعبدية.

стр. 1421

ومثال ذلك كله يتّضح في مسألة العول في الميراث. فمقادير الفرائض مثبتة بنصّ القرآن، متلقاةٌ عند الأمة بتلقّي التعبّدي، لأن الله أمر بذلك في قوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١). فلم يُسِغ لنا زيادة في المقدار ولا نقصٌ على حسب زيادة النفع أو البر أو الصلة وقلّة ذلك. ثم لما نزل بالمسلمين حادثُ ميراثٍ كانت فرائض أصحاب الفرائض فيه أكثر من المال الموروث، وكان ذلك في زمن عمر، لم يتأخّر عمر عن استشارة الصحابة، وعن إعمال الرأي والتعليل في تلك المقادير بطريقة العول. وتلك قضية امرأة ماتت وتركت زوجها وأمّها وأختها. فأشار العباس أو علي بن أبي طالب وقال: "أَرَأيتَ لو أن رجلاً مات وعليه لرجال سبعة دنانير، ولم يخلف إلّا ستة دنانير. أليس يُجعلُ المالُ سبعة أجزاء ويدخل النقص على جميعهم؟ " (٢). فصوّبه عمر ومن حضر من أصحاب رسول الله ﷺ . فها هنا نراهم قد احتفظوا على معنى التعبد في أصل إعطاء الجميع على نسبة واحدة، وفي عدم إهمال البعض من الورثة، ولكنهم لم يحتفظوا على معنى التعبّد في المقادير لتعذّر ذلك، فأدخلوا التعليل في هذا المكان خاصة.

стр. 1422

وكان عبد الله بن عباس يرى خلاف ذلك ويقول: من باهلني باهلته، إن الذي أحصى رملَ عالِج عدداً (يعني الله تعالى) لم يجعل للمال نصفاً ونصفاً وثلثاً، أي لم يجعل في الأجزاء نصفين وثلثاً. وقال: إن النقص يدخل على الأخت من مقدار فرضها لأنها أضعف من الزوج، ومن الأم؛ لأنها قد تنتقل من أن تكون ذاتَ فرض إلى أن تكون من العصبة، أي مع البنات. فأبى ابن عباس من إدخال التعليل، ومن نقص فرضي الأمّ والزوج، وجعل الأخت تأخذ البقية بطريقة أن المال قد نفد. فلم يُعمِل التعليل هنا، ولكنه أعمل شيئاً من الترجيح بالتنظير (١). وكان حقاً على أئمة الفقه أن لا يساعدوا على وجود الأحكام التعبّدية في تشريع المعاملات، وأن يوقنوا بأن ما ادُّعي التعبّد فيه منها إنما هو أحكام قد خفيت عللُها أو دقت. فإن كثيراً من أحكام المعاملات التي تلقاها بعض الأئمة تلقيَ الأحكام التعبدية قد عانى المسلمون من جرائها متاعب جمّة في معاملاتهم، وكانت الأمة في كبد على حين، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢).

стр. 1423

وعلى الفقيه أن يجيد النظر في الآثار التي يتراءى منها أحكام خفِيت عللُها ومقاصدها، ويمحّص أمرها. فإن لم يجد لها محملاً من المقصد الشرعي نظر في مختلف الروايات، لعله أن يظفر بمسلك الوهم الذي دخل على بعض الرواة، فأبرز مرويه في صورة تُؤذن بأن حكمه مسلوبُ الحكمة والمقصد. وعليه أيضاً أن ينظر إلى الأحوال العامة في الأمة التي وردت تلك الآثار عند وجودها. مثال ذلك في الأمرين حديث رافع بن خديج وأنس بن مالك أن رسول الله ﷺ نهى عن المحاقلة، أي كراء المزارع (١). فقد حمله ابن عباس على أن رسول الله لم ينه عنه، ولكنه قال: "لأنَ يمنح أحدُكم أخاه خيرٌ له من أن يأخذ خراجاً معلوماً" (٢).

стр. 1424

وحمله مالك وابن شهاب وابن المسيَّب على تفسير أبي سعيد الخدريّ: أن رسول الله ﷺ نهى عن المحاقلة. والمحاقلة: كراء الأرض بالحنطة. ولذلك ترجم هذا الحديث مع غيره في الموطأ بترجمة المزابنة والمحاقلة. فلم يَرَ للمحاقلة معنى غير هذا (١). وسلك بعض الصحابة والأئمة مسلك النظر إلى الحالة التي هي مورد النهي، وهي ما ورد في حديث رافع بن خديج في صحيح البخاري، قال: "كنا أكثر أهل المدينة مُزدَرعاً فكنا نكري الأرض بالناحية منها مسمًّى لسيد الأرض (أي بالزرع الذي يحصل في الناحية المعيّنة) فممّا يصاب من ذلك وتسلمُ الأرض (أي بقيتها)، وممّا تصاب الأرض ويسلم ذلك (أي ما في الناحية المعيّنة لرب الأرض) فنُهينا عن ذلك. وأما الذهب والورِق فلم يكن يومئذ (٢)، وفي رواية: فلربّما أَنبتَت هذه ولم تُنبت الأخرى" (٣) اهـ. ولذلك قال الليث بن سعد: "كأنّ - بتشديد النون - الذي نهي عنه من ذلك - أي من كراء الأرض - ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه، لما فيه من المخاطرة". رواه عنه البخاري في كتاب المزارعة (٤).

стр. 1425

واعلم أن أبا إسحاق الشاطبي ذكر في المسألتين: الثامنة عشرة والتاسعة عشرة من النوع الرابع من كتاب المقاصد كلاماً طويلاً في التعبد والتعليل معظمه غير محرر ولا متجه (١). وقد أعرضت عن ذكره

стр. 1426

هنا لطوله واختلاطه فإن شئت فانظره وتأمّله ثم اعرضه على ما ذكرتهُ لك هنا. وجملة القول أن لنا اليقين بأن أحكام الشريعة كلها مشتملة على مقاصد الشارع، وهي حكم ومصالح ومنافع. ولذلك كان الواجب على علمائها تعرّفُ علل التشريع ومقاصده ظاهرها وخفيها فإن بعض الحكم قد يكون خفياً، وإن أفهام العلماء متفاوتة في التفطُّن لها. فإذا أعوز في بعض العصور الاطلاع على شيء منها فإن ذلك قد لا يعوز من بعد ذلك؛ على أنّ من يعُوزه ذلك يحقّ عليه أن يدعو نظراءه للمفاوضة في ذلك مشافهة ومراسلة، ليمكن لهم تحديد مقادير الأحكام المتفرعة من كلام الشارع. فإن هم فعلوا ذلك فاستمر عوزُ الكشف عن مراد الشارع وجب عليهم أن لا يتجاوزوا المقدار المأثور عن الشارع في ذلك الحكم، ولا يفرّعوا على صورته، ولا يقيسوا فلا ينتزعوا منه وصفاً ولا ضابطاً، لأن فوارق الأحوال المانعة من القياس تخفى عند عدم الاطلاع على العلة، ومن الفوارق مؤثر وغير مؤثر. وإذا جاز أن نثبت أحكاماً تعبّدية لا علّة لها ولا يُطلع على علّتها فإنّما ذلك في غير أبواب المعاملات المالية والجنائية. فأمّا هذان فلا أرى أن يكون فيها تعبّدي، وعلى الفقيه استنباط العلل فيها. ولذلك جزم مالك وأبو حنيفة والشافعي بالقياس على الأصناف الستة الربوية باستنباط علّة لتحريم ربا الفضل فيها، إلّا أن جميعهم إنّما استنبط لها علّة ضابطة، ولم يبينوا لها حكمة.

стр. 1427

القسم الثاني في مقاصد التشريع العامة

стр. 1428

القسم الثاني في مقاصد التشريع العامة أ - الصفة الضابطة للمقاصد الشرعية. ب - ابتناء مقاصد الشريعة على وصف الشريعة الإسلامية الأعظم وهو الفطرة. جـ - السماحة أول أوصاف الشريعة وأكبر مقاصدها. د - المقصد العام من التشريع. هـ - بيان المصلحة والمفسدة. و- طلب الشريعة للمصالح. ز - أنواع المصلحة المقصودة من التشريع. ح - عموم شريعة الإسلام. ط - المساواة. ي - ليست الشريعة بنكاية. يا - مقصد الشريعة من التشريع تغيير وتقرير. يب - نوط الأحكام الشرعية بمعانٍ وأوصاف لا بأسماء وأشكال. يج - أحكام الشريعة قابلة للقياس باعتبار العلل والمقاصد القريبة والعالية. يد - التحيّل على إظهار العمل في صورة مشروعة مع سلبه الحكمة المقصودة للشريعة.

стр. 1429

يه - سد الذرائع. يو - نوط التشريع بالضبط والتحديد. يز - نفوذ الشريعة. يح - الرخصة. يط - مراتب الوازع جبلية ودينية وسلطانية. ك - مدى حرية التصرف عند الشريعة. كا - مقصد الشريعة تجنّبُها التفريع في وقت التشريع. كب - مقصد الشريعة من نظام الأمة أن تكون قريبة مرهوبة الجانب مطمئنة البال. كج - واجب الاجتهاد.

стр. 1430

أ - مقاصد التشريع العامة مقاصد التشريع العامة هي: المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختصّ ملاحظتُها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة. فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغايتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، ويدخل في هذا أيضاً معان من الحِكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها. ب - الصفة الضابطة للمقاصد الشرعية المقاصد الشرعية نوعان: معانٍ حقيقية، ومعان عرفية عامة. ويشترط في جميعها أن يكون ثابتاً ظاهراً منضبطاً مطّرداً. فأما المعاني الحقيقيّة فهي التي لها تحقّق في نفسها (١) بحيث تدرك العقولُ السليمةُ ملاءَمَتَها للمصلحة أو منافرَتَها لها، أي تكون جالبة نفعاً عاماً أو ضُراً عاماً، إدراكاً مستقلاً عن التوقّف على معرفة عادة أو قانون، كإدراك كون العدل نافعاً، وكون الاعتداء على

стр. 1431

النفوس ضاراً، وكون الأخذ على يد الظالم نافعاً لصلاح المجتمع. والتقييد بالعقول السليمة لإخراج مدركات العقول الشاذّة كمحبة الظلم في الجاهلية، كما في قول الشَّمَيذَر الحارثي من شعراء الحماسة مفتخراً: فلسنا كمن كنتُم تصيبون سَلَّةً ... فَنَقْبَلَ ضَيمًا أو نُحَكِّمَ قاضيا ولكنَّ حكمَ السيف فيكم مسلّط ... فَنَرَضَى إذا ما أصبَحَ السيفُ راضيا (١) وقول سَوَّارِ بنِ المضَرَّب السَّعدي مفتخراً: وأنّي لا أزال أخا حروب ... إذا لم أَجْنِ كُنتُ مِجَنَّ جَانِ (٢) وأما المعاني العرفية فهي المُجَرَّبات التي ألفتها نفوس الجماهير، واستحسنتها استحساناً ناشئاً عن تجربة ملاءمتها لصلاح الجمهور، كإدراك كون الإحسان معنى ينبغي تعامل الأمة به، وكإدراك كون عقوبة الجاني رادعةً إياه عن العود إلى مثل جنايته، ورادعةً غيره عن الإجرام، وكون ضدّ ذينك يؤثر ضدّ أَثَرَيهما، وإدراك كون القذارة تقتضي التطهّر. وقد اشترطتُ لهذين النوعين: الثبوت، والظهور، والانضباط، والاطراد. فالمراد بالثبوت: أن تكون تلك المعانى مجزوماً بتحقّقها أو مظنوناً ظناً قريباً من الجزم. والمراد بالظهور: الاتّضاح، بحيث لا يختلف الفقهاء في

стр. 1432

تشخيص المعنى، ولا يلتبس على معظمهم بمشابهه، مثل حفظ النسب الذي هو المقصد من مشروعية النكاح. فهو معنى ظاهر ولا يلتبس بحفظه الذي يحصل بالمخادنة أو بالإلاطة، وهي إلصاق المرأة البغيّ الحملَ الذي تَعْلَقه برجل معين ممن ضاجعوها. والمراد بالانضباط: أن يكون للمعنى حدّ معتبر لا يتجاوزه ولا يقصر عنه، بحيث يكون القدر الصالح منه لِأَن يعتبر مقصداً شرعياً قدراً غير مشكَّك، مثل حفظ العقل إلى القدر الذي يخرج به العاقل عن تصرّفات العقلاء الذي هو المقصد من مشروعية التعزير بالضرب عند الإسكار (١). والمراد بالاِطِّراد: أن لا يكون المعنى مختلفاً باختلاف أحوال الأقطار والقبائل والأعصار، مثل وصف الإسلام، والقدرة على الإنفاق فى تحقيق مقصد الملاءمة للمعاشرة المسماة بالكفاءة المشروطة في النكاح في قول مالك وجماعة من الفقهاء (٢)، بخلاف التماثل في الإثراء أو في القبيلة.

стр. 1433

وقد تتردّد معان بين كونها صلاحاً تارة وفساداً أخرى، أي بأن اختلّ منها وصفُ الاطراد. فهذه لا تصلح لاعتبارها مقاصدَ شرعية على الإطلاق، ولا لعدم اعتبارها كذلك، بل المقصد الشرعي فيها أن توكَلَ إلى نظر علماء الأمة وولاة أمورها الأمناء على مصالحها من أهل الحل والعقد، ليعينوا لها الوصف الجدير بالاعتبار في أحد الأحوال دون غيره. وذلك مثل القتال والمجالدة. فقد يكون ضراً إذا كان لشق عصا الأمة، وقد يكون نفعاً إذا كان للذب عن الحوزة ودفع العدو. ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ (١) الآية، فجعل قتالهم وهو الحرابة موجباً للعقاب لأنها فساد. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٢)، فأعلمنا أن هذا التقاتل ضر. فلذلك أمر البقية بالإصلاح بينهما لتنهية القتال. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا (أي الطائفتين) عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٣)، فأمر بإيقاع قتالٍ للإصلاح. وقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في آيات كثيرة (٤).

стр. 1434

فبمثل هذه المعاني بشروطها هذه يحصل اليقين بأنها مقاصد شرعية. فإن دلت أدلة شرعية على أن الشريعة اعتبرت من مقاصدها معاني اعتبارية، أو معاني عرفية خاصة احتاجت الشريعة إلى اعتبارها في مقاصدها لما تشتمل عليه من تحصيل صلاح عام أو دفع ضر كذلك، كاعتبار الرضاع سبباً لتحريم التزوج بالأخت منه ومعاملته معاملة النسب في ذلك (١)، وكاعتبار القرشية في شرط الخليفة (٢)،

стр. 1435

وجب على الفقيه سبرُ تلك الاعتبارات. فإن حصل له الظن في الجملة بأنها مقصودة للشارع أثبتها كمسائل فرعية قريبة من الأصول، ولا يجترئ على أن يتجاوز مواقع ورودها. وإن قوي الظنُّ بأنها مقاصد شرعية مطّردة فله حينئذ تأصيلها ومجاوزة مواقع ورودها كاعتبار الذكورة شرطاً في الولايات القضائية والإمارة بناء على العرف العام المطرد في العالم يومئذ (١)، واعتبار التبنّي مؤثراً في جميع آثار

стр. 1436

البنوة الحقيقية في صدر الإسلام (١) قبل نسخ ذلك بآية: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) الآية. فيستخلص من هذا كله أن المقاصد الشرعية معان حقيقية لها تحقّقٌ في الخارج. وتلحق بها المعاني الاعتبارية القريبة من الحقيقية (٣)، ومعان عرفية عامّة متحقّقة. وتلحق بها معان عرفية خاصة تقرب من المعاني العرفية العامة. فأما الأوهام، وهي المعاني التي يخترعها الوَهَمُ من نفسه دون أن تصل إليه من شيء محقق في الخارج، كتوهم كثير من الناس أن في الميت معنى يوجب الخوف منه أو النفور عنه عند الخلوة. وهذا الإدراك مركب من الفعل والانفعال لأن الذهن الواحد نجده في هذا فاعلاً ومنفعلاً معاً. فهو يفعل الاختراع ثم يدركه. وكذلك التخيّلات، وهي المعاني التي تخترعها قوةُ الخيال بمعونة الوهم بأن يركِّبها الخيال من عدّة معان محسوسة محفوظةٍ في

стр. 1437

الحافظة، كتمثيل صنف من الحوت أنه خنزير بحري (١). فليس شيء من هذين بصالح لأن يُعدّ مقصداً شرعياً. [لأن الله تعالى قال لرسوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أي الذي ليست فيه شائبة من باطل أو فساد] (٢). ثم إننا استقرينا الشريعة فوجدناها لا تراعي الأوهام والتخيلات وتأمر بنبذها، فعلمنا أن البناء على الأوهام مرفوض في الشريعة إلا عند الضرورة، فقضينا بأن الأوهام غير صالحة لأن تكون مقاصد شرعية. ففي الموطأ: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة. فقال له: "اركبها"، فقال: يا رسول الله إنها بدنة. فقال: "اركبها ويلك" في الثانية أو في الثالثة (٣). وفي الموطأ: أن عبد الله بن عمر كَفَّنَ ابنه واقدَ بن عبد الله حين مات بالجحفة وهو مُحرِم. وقال: لولا أننا حُرُم لطيّبناه (أي ما منعهم من تطييبه إلّا أن الجماعة كلَّهم محرمون لا يجوز لهم مس الطيب). قال مالك: "وإنما يعمل الرجل ما دام حياً. فإذا مات فقد

стр. 1438

انقضى العمل" (١). والمقصود من ذلك نسخ الحديث الوارد أن رجلاً وَقَصَتْه ناقتُه وهو محرم فمات، فقال رسول الله ﷺ : "لا تخمِّروا وجهه ولا تمسُّوه بطيب فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً" (٢). وقد قيل: إن تلك خصوصية له، قد علم الله سرًّا أوجب اختصاصه بتلك المزية (٣). والصواب عندي: أن ذلك لئلا يتلطخ محنطوه. فالنهي لأجل الأَحياء لا لأجل الميت، وجعل حرمانه من الحنوط سبباً لحشره ملبياً تنويهاً بشأن الحج، كما ورد في الشهيد، وسنذكره قريباً (٤). وقد أبطل الإسلام أحكام التبنّي التي كانت في الجاهلية وفي صدر الإسلام لكونه أمراً وهمياً. ومن حق الفقيه مهما لاح له ما يوهم جعل الوهْم مُدْرَك حكم شرعي أن يتعمق في التأمل، عسى أن يظفر بما يزيل ذلك الوهْم، ويرى أن ثمة معنى حقيقياً هو مناط التشريع قد قارنه أمر وهمي فغطّى عليه في نظر عموم الناس، لأنهم أَلِفوا المصير إلى الأوهام. مثاله: النهي عن غسل الشهيد في الجهاد (٥)، وقول رسول الله ﷺ في الشهيد: "إنه يبعث يوم القيامة ودمه يثعب، اللون لون الدم والريح ريح المسك" (٦). فيتوهّم كثير من الناس أن علّة ترك

стр. 1439

غسله هي بقاء دمه في جروحه يبعث بها يوم القيامة. وليس كذلك، لأنه لو غسل جهلاً أو نسياناً أو عمداً لما بطلت تلك المزية، ولجعل الله له في جرحه دماً يَثْعَبُ شهادة له بين أهل المحشر. ولكن علّة النهي هي أن الناس في شغل عن التفرّغ إلى غسل موتى الجهاد. فلمّا علم الله ما يحصل من انكسار خواطر أهل الصفّ - حين إصابتهم بالجراح من بقاء جراحتهم، ومن دفنهم على تلك الحالة، وعلم انكسار خواطر أهليهم وذويهم - عوّضهم الله تلك المزية الجليلة. فالسبب في الحقيقة معكوس، أي السبب هو المسبّب والمسبّب هو السبب. وكذلك الأمر بستر العورة للذي يصلي في خلوته (١)، فإن ذلك للحرص على عدم الاستخفاف بالعادات الصالحة تحقيقاً لمعنى المروءة وتعويداً عليها.

стр. 1440

وقد تأتي أحكام منوطة بمعان لم نجد لها متأوّلاً إلا أنّها أمور وهمية، مثل استقبال القبلة في الصلاة، ومثل التيمم، واستلام الحجر الأسود. فعلينا أن نثبتها كما هي، ونجعلها من قسم التعبّدي الذي لا يصلح للكون مقصداً شرعياً. أو نتأوّلها بما سنقول: وتأتي أحكام منوطة بما يمكن له تأويلٌ يخرجه عق الوهْم مثل طهارة الحدث، فنعالج بإمكاننا حتى نخرجه عن الكون وهْمياً. وتفصيل ذلك يجيء في القسم الثالث في المقاصد الخاصة (١). واعلم أن الأمور الوهْمية وإن كانت لا تصلح للكون مقصداً شرعياً للتشريع، فهي صالحة لأن يستعان بها في تحقيق المقاصد الشرعية، فتكون طريقاً للدعوة والموعظة ترغيباً أو ترهيباً، كقوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ (٢)، وقوله ﷺ : "العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" (٣). فعلى الفقيه أن يفرق بين المقامين. فلا يذهب يفَرِّع على تلك المواعظ أحكاماً فقهية، كمن توهّم أن الصائم إذا اغتاب أحداً أفطر لأنه قد أكل لحم أخيه (٤). وقد تكون الوهْميات في أحوال نادرة مستعاناً بها على تحقيق مقصد شرعي حين يتعذر غيرها. ولعل ما ذكرناه من التيمم والاستقبال يرجع إلى ذلك، فلنتفطنْ له.
следующие страницы →