البنوة الحقيقية في صدر الإسلام (١) قبل نسخ ذلك بآية: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) الآية.
فيستخلص من هذا كله أن المقاصد الشرعية معان حقيقية لها تحقّقٌ في الخارج.
وتلحق بها المعاني الاعتبارية القريبة من الحقيقية (٣)، ومعان عرفية عامّة متحقّقة.
وتلحق بها معان عرفية خاصة تقرب من المعاني العرفية العامة.
فأما الأوهام، وهي المعاني التي يخترعها الوَهَمُ من نفسه دون أن تصل إليه من شيء محقق في الخارج، كتوهم كثير من الناس أن في الميت معنى يوجب الخوف منه أو النفور عنه عند الخلوة. وهذا الإدراك مركب من الفعل والانفعال لأن الذهن الواحد نجده في هذا فاعلاً ومنفعلاً معاً. فهو يفعل الاختراع ثم يدركه.
وكذلك التخيّلات، وهي المعاني التي تخترعها قوةُ الخيال بمعونة الوهم بأن يركِّبها الخيال من عدّة معان محسوسة محفوظةٍ في
стр. 1437
الحافظة، كتمثيل صنف من الحوت أنه خنزير بحري (١).
فليس شيء من هذين بصالح لأن يُعدّ مقصداً شرعياً.
[لأن الله تعالى قال لرسوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أي الذي ليست فيه شائبة من باطل أو فساد] (٢).
ثم إننا استقرينا الشريعة فوجدناها لا تراعي الأوهام والتخيلات وتأمر بنبذها، فعلمنا أن البناء على الأوهام مرفوض في الشريعة إلا عند الضرورة، فقضينا بأن الأوهام غير صالحة لأن تكون مقاصد شرعية.
ففي الموطأ: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة. فقال له: "اركبها"، فقال: يا رسول الله إنها بدنة. فقال: "اركبها ويلك" في الثانية أو في الثالثة (٣).
وفي الموطأ: أن عبد الله بن عمر كَفَّنَ ابنه واقدَ بن عبد الله حين مات بالجحفة وهو مُحرِم. وقال: لولا أننا حُرُم لطيّبناه (أي ما منعهم من تطييبه إلّا أن الجماعة كلَّهم محرمون لا يجوز لهم مس الطيب). قال مالك: "وإنما يعمل الرجل ما دام حياً. فإذا مات فقد
стр. 1438
انقضى العمل" (١). والمقصود من ذلك نسخ الحديث الوارد أن رجلاً وَقَصَتْه ناقتُه وهو محرم فمات، فقال رسول الله ﷺ : "لا تخمِّروا وجهه ولا تمسُّوه بطيب فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً" (٢).
وقد قيل: إن تلك خصوصية له، قد علم الله سرًّا أوجب اختصاصه بتلك المزية (٣).
والصواب عندي: أن ذلك لئلا يتلطخ محنطوه. فالنهي لأجل الأَحياء لا لأجل الميت، وجعل حرمانه من الحنوط سبباً لحشره ملبياً تنويهاً بشأن الحج، كما ورد في الشهيد، وسنذكره قريباً (٤).
وقد أبطل الإسلام أحكام التبنّي التي كانت في الجاهلية وفي صدر الإسلام لكونه أمراً وهمياً.
ومن حق الفقيه مهما لاح له ما يوهم جعل الوهْم مُدْرَك حكم شرعي أن يتعمق في التأمل، عسى أن يظفر بما يزيل ذلك الوهْم، ويرى أن ثمة معنى حقيقياً هو مناط التشريع قد قارنه أمر وهمي فغطّى عليه في نظر عموم الناس، لأنهم أَلِفوا المصير إلى الأوهام.
مثاله: النهي عن غسل الشهيد في الجهاد (٥)، وقول رسول الله ﷺ في الشهيد: "إنه يبعث يوم القيامة ودمه يثعب، اللون لون الدم والريح ريح المسك" (٦). فيتوهّم كثير من الناس أن علّة ترك
стр. 1439
غسله هي بقاء دمه في جروحه يبعث بها يوم القيامة. وليس كذلك، لأنه لو غسل جهلاً أو نسياناً أو عمداً لما بطلت تلك المزية، ولجعل الله له في جرحه دماً يَثْعَبُ شهادة له بين أهل المحشر. ولكن علّة النهي هي أن الناس في شغل عن التفرّغ إلى غسل موتى الجهاد. فلمّا علم الله ما يحصل من انكسار خواطر أهل الصفّ - حين إصابتهم بالجراح من بقاء جراحتهم، ومن دفنهم على تلك الحالة، وعلم انكسار خواطر أهليهم وذويهم - عوّضهم الله تلك المزية الجليلة. فالسبب في الحقيقة معكوس، أي السبب هو المسبّب والمسبّب هو السبب.
وكذلك الأمر بستر العورة للذي يصلي في خلوته (١)، فإن ذلك للحرص على عدم الاستخفاف بالعادات الصالحة تحقيقاً لمعنى المروءة وتعويداً عليها.
стр. 1440
وقد تأتي أحكام منوطة بمعان لم نجد لها متأوّلاً إلا أنّها أمور وهمية، مثل استقبال القبلة في الصلاة، ومثل التيمم، واستلام الحجر الأسود. فعلينا أن نثبتها كما هي، ونجعلها من قسم التعبّدي الذي لا يصلح للكون مقصداً شرعياً. أو نتأوّلها بما سنقول: وتأتي أحكام منوطة بما يمكن له تأويلٌ يخرجه عق الوهْم مثل طهارة الحدث، فنعالج بإمكاننا حتى نخرجه عن الكون وهْمياً. وتفصيل ذلك يجيء في القسم الثالث في المقاصد الخاصة (١).
واعلم أن الأمور الوهْمية وإن كانت لا تصلح للكون مقصداً شرعياً للتشريع، فهي صالحة لأن يستعان بها في تحقيق المقاصد الشرعية، فتكون طريقاً للدعوة والموعظة ترغيباً أو ترهيباً، كقوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ (٢)، وقوله ﷺ : "العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" (٣).
فعلى الفقيه أن يفرق بين المقامين. فلا يذهب يفَرِّع على تلك المواعظ أحكاماً فقهية، كمن توهّم أن الصائم إذا اغتاب أحداً أفطر لأنه قد أكل لحم أخيه (٤). وقد تكون الوهْميات في أحوال نادرة مستعاناً بها على تحقيق مقصد شرعي حين يتعذر غيرها. ولعل ما ذكرناه من التيمم والاستقبال يرجع إلى ذلك، فلنتفطنْ له.
стр. 1441
ج - ابتناء مقاصد الشريعة على وصف الشريعة الإسلامية الأعظم وهو الفطرة
قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (١). والمراد بالدين دين الإسلام لا محالة، لأن الخطاب لمحمد ﷺ . فهو مأمور بإقامة وجهه للدين المرسل به.
ومعنى إقامة الوجه للدين: القصد إليه والجدّ فيه. والمراد بوجهه جميع ذاته، فخصّ الوجه بالذكر لأنّه جامع الحواس وآلات الإدراك، و ﴿حَنِيفًا﴾: حال من ﴿وَجْهَكَ﴾. والحنيف: المائل. والمراد هنا: الميل عن غير ذلك الدين من الشرك. قال تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (٢).
ودخل في هذا الخطاب جميعُ المسلمين باتفاق أهل التأويل.
وقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ منصوب على البدل من ﴿حَنِيفًا﴾ المنصوب على الحال من "الدين". فقوله: ﴿فِطْرَتَ﴾ في معنى حال ثانية. فيكون المعنى: فأقم وجهك للدين الحنيف الفطرة. والمراد من الدين: مجموع ما يسمى بالدين من عقائد وأحكام.
стр. 1442
وليس تخصيصه بالعقائد في كلام بعض المفسرين مثل فخر الدين الرازي (١) والبيضاوي (٢) إلا انقياداً لظاهر سياق الكلام السابق، لأن الآيات قبلها وردت في ذم الشرك وإبطال عقائد المشركين والدهريين، ابتداء من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣) إلى أن قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾، وبظنهم أن الفاء فاء التفريع. وكِلا الأمرين غير ظاهر. فليس سياق الكلام بموجب تجزئةَ اسم الكُل. فإن الدين اسم يشمل جميع ما يتدين به المرء كما دل عليه حديث: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" (٤).
стр. 1443
وقد نبّه أئمة أصول الفقه على أنّه إذا ورد في القرآن كلام خاص ثم تلاه لفظ يشمل ذلك الخاص وغيره لمناسبة، أن ذلك اللفظ لا يختص ببعض مدلوله لأجل السياق (١).
وأما الفاء فالظاهر أنها فاء الفصيحة لا فاء التفريع. والفصيحة هي الفاء التي تؤذن بشرط مقدر إذا وقعت بعد كلام يقصد به إثبات أمر مطلوب للمتكلم بعد التمهيد له بذكر مقدماته ودلائله. فيقع ما بعد الفاء موقعَ النتيجة من القياس.
والتقدير في الآية: إذا علمت ما بينّاه للناس من دلائل
стр. 1444
الوحدانية وإبطال الشرك فأقم وجهك. أي توجَّه لدين الإسلام الذي هو الفطرة. فالتعريف في ﴿الدِّينُ﴾ تعريف العهد، وهو ما عهده الرسول ﷺ مما أنزل عليه من العقائد والشريعة كلِّها. كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (١).
فالفطرة في هذه الآية مراد بها جملة الدين بعقائده وشرائعه. وبذلك فسر ابن عطية والزمخشري. قال ابن عطيّة: "والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة (الفطرة) أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الطفل التي هي معدّة ومهيّئة لأن يميز بها [مصنوعات] الله تعالى ويستدلّ بها على ربّه ويعرف شرائعه [ويؤمن به] " (٢). وقال الزمخشري في الكشاف: "والمعنى أنه خلقهم قابلين للتوحيد ودين الإسلام" (٣).
فبنا (٤) أن نبيّن معنى كون الإسلام الفطرة إذ هو معنى لم أَرَ من أتقن الإفصاح عنه:
الفطرة: الخلقة، أي النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق ففطرة الإنسان هي ما فطر، أي خُلق عليه الإنسان ظاهراً وباطناً، أي: جسداً وعقلاً. فمشي الإنسان برجليه فطرة جسدية، فمحاولة أن يتناول الأشياء برجليه خلاف الفطرة. واستنتاج المسبّبات من أسبابها والنتائج من مقدّماتها فطرة عقليّة، فاستنتاج الشيء من غير سببه
стр. 1445
المسمّى في علم الاستدلال بفساد الوضع خلاف الفطرة العقليّة (١). والجزم بأن ما نشاهده من الأشياء هو حقائق ثابتة في نفس الأمر فطرة عقليّة، فإنكار السفسطائية (٢) ثبوت ذلك خلاف الفطرة العقليّة.
فوصف الإسلام بأنه الفطرة، معناه: أنه فطرة عقليّة لأنّ الإسلام عقائد وتشريعات، وكلّها أمور عقلية أو جارية على وفق ما يدركه العقل ويشهد به.
وقد بين أبو علي ابن سينا حقيقة الفطرة في كتاب النجاة فقال:
стр. 1446
"ومعنى الفطرة: أن يتوهّم الإنسان نفسه حصل في الدنيا دفعة وهو عاقل، لكنّه لم يسمع رأياً ولم يعتقد مذهباً ولم يعاشر أمة ولم يعرف سياسة، ولكنه شاهد المحسوسات وأخذ منها الحالات، ثم يَعرض على ذهنه شيئاً ويتشكّك فيه. فإن أمكنه الشكّ فالفطرةُ لا تشهد به، وإن لم يمكنه الشك فهو ما توجبه الفطرة. وليس كل ما توجبه فطرة الإنسان بصادق، إنما الصادق فطرة القوّة التي تسمى عقلاً.
وأمّا فطرة الذهن بالجملة فربّما كانت كاذبة. وإنّما يكون هذا الكذب في الأمور التي ليست محسوسة بالذات، بل هي مبادئ للمحسوسات. فالفطرة الصادقة هي مقدّمات وآراء مشهورة محمودة أوجب التصديق بها إما شهادةُ الكل مثل أن العدل جميل، وإما شهادةُ الأكثر، وإما شهادةُ العلماء أو الأفاضل منهم.
وليست الذائعات من جهة ما هي ذائعات ممّا يقع التصديق بها في الفطرة. فما كان من الذائعات ليس بأوَّلي عقلي ولا وَهْمي (١) فإنها غير فطرية، ولكنّها متقرّرة عند الأنفس، لأن العادة مستمرة عليها منذ الصبا. وربما دعا إليها محبة التسالم والاصطناعُ المضطرُّ إليهما الإنسان، أو شيءٌ من الأخلاق الإنسانية مثل الحياء والاستيناس، أو الاستقراء الكثير، أو كون القول في نفسه ذا شرط دقيق لأن يكون حقاً (٢) صِرفاً فلا يفطن لذلك الشرط ويؤخذُ على الإطلاق" (٣) اهـ كلامه.
стр. 1447
ولقد أبدع في الإفصاح عن معنى الفطرة والتنبيه على وجوب الحذر من اختلاطها بالمدركات الباطلة المتأصّلة في النفوس بسبب عوارض عرضت للبشر، مثل: العوائد الفاسدة المألوفة، ودعوة أهل الضلالات إليها. وفي كلامه ما ينبّه على أن المخاطبين بتمييز الفطرة عن غيرها هم العلماء والحكماء أهل العقول الراجحة، فلا يعوز هؤلاء تحقيق معنى الفطرة وتمييزها عما يلتبس بها من المدركات والوجدانات. على أنّه إن عسر على أحدهم تحقيق معنى فطري دقيق، أو شديدٍ التباسُ غيره به، وخاف هوى نفسه أن يخيّل له الأمر غير الفطري، فعليه حينئذ أن يعمِّق النظرَ طويلاً، وأن يعتبر بشهادة العلماء الأفاضل المشهود لأفكارهم بكثرة العصمة من الخطأ.
وقد استبان لك أن الفطرة النفسية للإنسان هي الحالة التي خلق الله عليها عقل النوع الإنساني سالماً من الاختلاط بالرعونات والعادات الفاسدة. فهي المراد من قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (١).
وهي صالحة لصدور الفضائل عنها كما شهد به قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٢). فلا شك أن المراد بالتقويم في الآية تقويم العقل الذي هو مصدر العقائد الحقة والأعمال الصالحة (٣). وأن
стр. 1448
المراد برده أسفل سافلين انتقال الناس إلى اكتساب الرذائل بالعقائد الباطلة والأعمال الذميمة. وليس المراد تقويم الصورة لأن صورة الناس لم تتغير إلى ما هو أسفل، ولأن الاستثناء بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يمنع أن يكون المستثنى منه صوراً ظاهرة، إذ ليس للمؤمنين الصالحين اختصاص بصور جميلة. فالأصول الفطرية هي التي خلق الله عليها الإنسان المخلوق لعمران العالم، وهي إذن الصالحة لانتظام هذا العالم على أكمل وجه، وهي إذن ما يحتوي علمه الإسلام الذي أراده الله لإصلاح العالم بعد اخلاله.
ومعنى وصف الإسلام بأنه ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾: أن الأصول التي جاء بها الإسلام هي من الفطرة، ثم تتبعها أصول وفروع هي من الفضائل الذائعة المقبولة. فجاء بها الإسلام وحرَّض عليها، إذ هي من العادات الصالحة المتأصّلة في البشر، والناشئة عن مقاصد من الخير سالمة من الضرر. فهي راجعة إلى أصول الفطرة، وإن كانت لو تركت الفطرة وشأنها لما شهدت بها ولا بضدّها. فلما حصلت
стр. 1449
اختارتها الفطرة، ولذلك استقرت عند الفطرة واستحسنتها.
مثال ذلك: الحياء والوقاحة، فإنّهما إذا لم يخرجا إلى حد الاستعمال في الإضرار كانا سواء في شهادة الفطرة. وقد كان بعض الحكماء معروفاً بالوقاحة والسلاطة، مثل: الحكيم ديوجينوس اليوناني (١).
ولكنا نجد الحياء محبوباً للناس فصار من العادات الصالحة، وصلح لأن تنشأ عنه منافع جمة في صلاح الذات وإصلاح العموم، فلذلك كان من شعار الإسلام. ففي الصحيح أن رسول الله ﷺ مرَّ برجل من الأنصار يعظ أخاه في الحياء (أي ينهاه عما تلبس به من الحياء)، فقال رسول الله ﷺ : "دعه فإن الحياء من الإيمان" (٢). فلم تسلم حكمة أصحاب الشدّة والغلظة من نفور الناس عنها وعنهم، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٣).
ويستبين لك من هذا أن الوجدان الإنساني العقلي لا يدخل تحت الفطرة منه إلا الحقائق والاعتباريات، ولا يدخل فيه الأوهام والتخيّلات، لأنها ليست مما فطر عليها العقل، ولكنها مما عرض
стр. 1450
للفطرة عروضاً كثيراً حتى لازمت أصحاب الفطرة في غالب الأحوال فاشتبهت بالفطريات. وإنما كان عروضها للفطرة بسوء استعمال العقل وسوء فهم الأسباب. ولذلك تجد العقلاء متفقين في الحقائق والاعتباريات، ولا تجدهم متفقين في الوهميات والتخيلات، بل تجد سلطان هذين الأخيرين أشد بمقدار شدة ضعف العقول، وتجد أهل العقول الراجحة في سلامة منهما.
ويتفرع لنا من هذا أن الشريعة الإسلامية داعية أهلها إلى تقويم الفطرة والحفاظ على أعمالها، وإحياء ما اندرس منها أو اختلط بها. فالزواج والإرضاع من الفطرة وشواهده ظاهرة في الخلقة، والتعاوض وآداب المعاشرة من الفطرة لأنهما اقتضاهما التعاون على البقاء، وحفظ الأنفس والأنساب من الفطرة، والحضارة الحق من الفطرة، لأنها من آثار حركة العقل الذي هو من الفطرة، وأنواع المعارف الصالحة من الفطرة، لأنها نشأت عن تلاقح العقول وتفاوضها. والمخترعات من الفطرة لأنها متولدة عن التفكير، وفي الفطرة حب ظهور ما تولد عن الخلقة.
ونحن إذا أجدنا النظر في المقصد العام من التشريع - الذي سيأتي بحثه (١) - نجده لا يعدو أن يساير حفظ الفطرة والحذر من خرقها واختلالها. ولعل ما أفضى إلى خرق عظيم فيها يعدّ في الشرع محذوراً وممنوعاً، وما أفضى إلى حفظ كيانها يعد واجباً، وما كان دون ذلك في الأمرين فهو منهي أو مطلوب في الجملة، وما لا يمسّها مباح.
ثم إذا تعارضت مقتضيات الفطرة ولم يُمكن الجمع بينها في
стр. 1451
العمل يصار إلى ترجيح أَوْلاها وأَبقاها على استقامة الفطرة. فلذلك كان قتل النفس أعظم الذنوب بعد الشرك (١)، وكان الترهّب منهياً عنه (٢)، وكان خصاء البشر من أعظم الجنايات (٣)، ولم يجز الانتفاع بالإنسان
стр. 1452
انتفاعاً يفيت عينه أو يعطلها كالتمثيل بالعبد (١)، بخلاف الانتفاع بالحيوان، وكان إتلاف الحيوان بغير أكله ممنوعاً (٢).
ومن هنا تعلم أَنّ القضاء بالعوائد يرجع إلى معنى الفطرة، لأن شرط العادة التي يُقْضى بها أن لا تنافي الأحكام الشرعية. فهي تدخل تحت حكم الإباحة. وقد علمت أنها من الفطرة: إما لأنها لا تنافيها وحينئذ فالحصول عليها مرغوب لفطرة الناس، وإمّا لأن الفطرة تناسبها وهو ظاهر.
стр. 1453
د - السماحة أول أوصاف الشريعة وأكبر مقاصدها
السماحة: سهولة المعاملة في اعتدال، فهي وسط بين التضييق والتساهل.
وهي راجعة إلى معنى الاعتدال، والعدل، والتوسط. ذلك المعنى الذي نوّه به أساطين حكمائنا الذين عنوا بتوصيف أحوال النفوس والعقول، فاضلَها ودنيَّها وانتسابَ بعضها من بعض. فقد اتفقوا على أن قوام الصفات الفاضلة هو الاعتدال، أي التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، لأن ذينك الطرفين يدعو إليهما الهوى الذي حذّرنا الله منه في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)، وقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (٢)، وقوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (٣)، فإن ذلك متعلق بأهل الكتاب ابتداء، ومراد منه موعظة هذه الأمة؛ لتجتنب الأسباب التي أوجبت غضب الله على الأمم السابقة وسقوطَها. وقال رسول الله ﷺ في اليهود: "لو ذبحوا أية بقرة لأجزأتهم ولكن شدّدوا فشدّد الله عليهم" (٤).
стр. 1454
فالتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط هو منبع الكمالات. وقد قال الله تعالى في وصف هذه الأمة أو وصف صدرها: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (١). روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ في معنى الآية أن الوسط هو العدل أي بين طرفي الإفراط والتفريط (٢)، وبذلك جزم المحقّقون في تفسير هذه الآية (٣). وبه فسر أيضاً قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ (٤) أي أعلمهم وأعدلهم. وقد شاع هذا المعنى في الوسط (٥).
وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير التابعي: "خير الأمور أوساطها". وبعضهم يرويه حديثاً، وهو مشهور على الألسنة ولكنه ضعيف الإسناد (٦).
فالسماحة السهولة المحمودة فيما يظنّ الناس التشديد فيه. ومعنى كونها محمودة أنها لا تفضي إلى ضر أو فساد. وفي الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذ اقتضى" (٧). وقريب منه
стр. 1455
في رواية أبي هريرة (١).
ووصفُ الإسلام بالسماحة ثبَتَ بأدلة القرآن والسنة. فقد قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣)، وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٤)، وقال: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (٥).
وفي الحديث الصحيح عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أَحبُّ الدّين إلى الله الحنيفية السمحة". رواه ابن أبي شيبة، وأخرجه البخاري في صحيحه تعليقاً، وأخرجه في الأدب المفرد مسنداً (٦)، أي أحبُّ الأديان إلى الله دين الإسلام الذي هو الحنيفية
стр. 1456
السمحة. فقد أثبت أن السماحة هي وصف الإسلام. وفيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن الدين يسر ولن يشادّ هذا الدين أحد إلا غلبه" (١) أي كان الدين غالباً. وفي الحديث: "بعثت بالحنيفية السمحة" (٢)، وهو ضعيف السند بهذا اللفظ، ولكنه في معنى الحديث الذي قبله.
واستقراء الشريعة دل على أن السماحة واليسر من مقاصد الدين.
وفي الحديث الصحيح - في البخاري وغيره - أن رسول الله ﷺ بعث علياً ومعاذاً إلى اليمن وقال لهما: "يسِّرا ولا تعسّرا وبشّرا ولا تنّفرا" (٣). وقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "إنما بعثتم مُيسّرين ولم تبعثوا معسّرين" (٤). وعن عائشة: "كان رسول الله ما خير بين أمرين إلّا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً" (٥). والمراد من الإثم ما دلت الشريعة على تحريمه.
стр. 1457
قال الشاطبي في الفصل الثاني من المسألة السابعة من نوع الموانع (١)، وفي مواضع متكرّرة من كتابه: "إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع" (٢)، واستدل لذلك بكثير من الأدلة التي ذكرناها آنفاً.
وأقول: إن حكمة السماحة في الشريعة أن الله جعل هذه الشريعة دين الفطرة. وأمور الفطرة راجعة إلى الجبلة، فهي كائنة في
стр. 1458
النفوس سهل عليها قبولها. ومن الفطرة النفور من الشدة والإعنات. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (١). وقد أراد الله تعالى أن تكون شريعة الإسلام شريعة عامة ودائمة، فاقتضى ذلك أن يكون تنفيذها بين الأمة سهلاً. ولا يكون ذلك إلّا إذا انتفى عنها الإعنات. فكانت بسماحتها أشد ملاءمة للنفوس، لأن فيها إراحة النفوس في حالي خويصتها ومجتمعها.
وقد ظهر للسماحة أثر عظيم في انتشار الشريعة وطول دوامها. فعلم أن اليسر من الفطرة، لأن في فطرة الناس حب الرفق. ولذلك كره الله من المشركين تغيير خلق الله فأسنده إلى الشيطان، إذ قال عنه: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (٢). وذلك من حيث يكون التغيير خلوًا عن المصلحة. فأما إذا كان لمعنى أدخل في الفطرة لا يصير مذموماً بل يكون محموداً، مثل: الختان، وتقليم الأظفار (٣)، وحلق الرأس في الحج (٤).
стр. 1459
هـ - المقصد العام من التشريع
إذا نحن استقرينا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع استبان لنا - من كليات دلائلها، ومن جزئياتها المستقراة - أن المقصد العام من التشريع فيها هو حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان. ويشمل صلاحه وصلاحَ عقله وصلاحَ عمله وصلاحَ ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه.
قال الله تعالى حكاية عن رسوله شعيب وتنويهاً به: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (١). فعلمنا أنّ الله أمر ذلك الرسول بإرادة الإصلاح بمنتهى الاستطاعة.
وقال: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٢). وقال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٣). فعلمنا أن الصفات التي أجريت على فرعون كلها من الفساد، وأن ذلك مذموم، وأن بعثة موسى كانت لإنقاذ بني إسرائيل من فساد فرعون، فعلمنا أن المراد من الفساد غير
стр. 1460
الكفر، وإنما هو فساد العمل في الأرض، لأن بني إسرائيل لم يتبعوا فرعون في كفره.
وقال حكاية عن شريعة شعيب لأهل مدين: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (١)، وفي آية أخرى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٢).
وقال حكاية عن رسول ثمود: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٣). وقال الله تعالى مخاطباً هذه الأمة: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (٤). وقال: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٥). وقال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ (٦).
فهذه أدلة صريحة كلية دلت على أن مقصد الشريعة الإصلاح وإزالة الفساد، وذلك في تصاريف أعمال الناس.
وهناك آيات كثيرة في القرآن ذكر فيها الصلاح في معرض الحث والمدح، وذُكِر فيها الفساد في معرض التحذير والذم، تركت سوقها هنا لأنها لم تكن صريحة في أن المراد من الصلاح والفساد صلاح وفساد الأعمال، بل تحتمل أن يراد منهما الإيمان والكفر.
стр. 1461
وتَتْبَعُها أدلة من قبيل الإيماء جاءت دالة على أن صلاح الحال في هذا العالم منة كبرى يَمُنُّ الله بها على الصالحين من عباده جزاء لهم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ (١). وقال مخاطباً المسلمين: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٢). وقال في معرض الوعد: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (٣). وامتن على بني إسرائيل بالإنقاذ من الأسر الدنيوي بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ (٤). فلولا أن صلاح هذا العالم مقصود للشارع ما امتن به على الصالحين من عباده.
ولقد علمنا أن الشارع ما أراد من الإصلاح المنوّه به مجرد صلاح العقيدة وصلاح العمل كما قد يتوهم، بل أراد منه صلاح أحوال الناس وشؤونهم في الحياة الاجتماعية.
فإنّ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ (٥) أنبأنا بأن الفساد المحذّر منه هنالك هو إفساد موجودات هذا العالم، وأن الذي أوجد هذا العالم وأوجد فيه قانون بقائه لا يظن فعله ذلك عبثاً. وهو يقول: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ
стр. 1462
عَبَثًا﴾ (١). ولولا إرادة انتظامه لما شرع الشرائع الجزئية الرادعة للناس عن الإفساد. فقد شرع القصاص على إتلاف الأرواح (٢) وعلى قطع الأطراف (٣)، وشرع غرم قيمة المتلفات، والعقوبة على الذين يحرقون القرى ويغرقون السلع (٤). ولَمَا أباح تناول الطيبات والزينة (٥). وأقامت الشريعة لإصلاح معاملة الناس بعضهم مع بعض نظام الحق. وهو لدفع الفساد قطعاً، كما صرح به قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ (٦). فجعل الحقَّ ممانعاً للفساد.
ومن عموم هذه الأدلة ونحوها حصل لنا اليقين بأن الشريعة متطلِّبةٌ لجلب المصالح ودرء المفاسد، واعتبرنا هذا قاعدة كلية في الشريعة.
فقد انتظم لنا الآن أن المقصد الأعظم من الشريعة هو جلب الصلاح ودرء الفساد. وذلك يحصل بإصلاح حال الإنسان ودفع فساده. فإنّه لما كان هو المهيمنَ على هذا العالم كان في صلاحه صلاح العالم وأحواله. ولذلك نرى الإسلام عالج صلاح الإنسان بصلاح أفراده الذين هم أجزاء نوعه، وبصلاح مجموعه وهو النوع كله. فابتدأ الدعوة بإصلاح الاعتقاد الذي هو إصلاح مبدأ التفكير
стр. 1463
الإنساني الذي يسوقه إلى التفكير الحق في أحوال هذا العالم. ثم عالج الإنسان بتزكية نفسه وتصفية باطنه، لأن الباطن محرك الإنسان إلى الأعمال الصالحة، كما ورد في الحديث: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب" (١). وقد قال الحكماء: الإنسان عقل تخدمه الأعضاء (٢).
стр. 1464
ثم عالج بعد ذلك إصلاح العمل، وذلك بتقنين التشريعات كلها. فاستعداد الإنسان للكمال وسعيه إليه يحصل بالتدريج في مدارج تزكية النفس.
ولنا من تطور التشريع من ابتداء البعثة إلى ما بعد الهجرة هاد يهدينا إلى مقصد الشريعة من الوصول إلى الإصلاح المطلوب. وقد أشار إلى مجمل ما أطلناه ما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي عمرة الثقفي أنه قال: "قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك"، قال: "قل آمنت بالله ثم استقم" (١).
وإذا لم يكن غرضنا في هذا الكتاب الكلام عن الإصلاح العام في الإسلام فلنلْوِ عنان القلم عن الخوض في صلاح الاعتقاد وفي صلاح الأنفس وفي صلاح عمل العبادات، ولنثن ذلك العنان إلى خصوص البحث في صلاح أحوال المسلمين في نظام المعاملات المدنية، وهي ما يعبر عنه بجلب المصلحة ودرء المفسدة.
стр. 1465
و - بيان المصلحة والمفسدة
أما المصلحة: فهي كاسمها شيء فيه صلاح قوي. ولذلك اشتق لها صيغة المَفْعَلة الدالة على اسم المكان الذي يكثر فيه ما منه اشتقاقه، وهو هنا مكان مجازي.
ويظهر لي أن نعرفها بأنها وصف للفعل يحصل به الصلاح، أي النفع منه دائماً أو غالباً للجمهور أو للآحاد.
فقولي: "دائماً"، يشير إلى المصلحة الخالصة والمطّردة، وقولي: "أو غالباً"، يشير إلى المصلحة الراجحة في غالب الأحوال، وقولي: "للجمهور أو للآحاد"، إشارة إلى أنها قسمان كما سيأتي (١).
وعرف عضد الدين في شرح مختصر ابن الحاجب الأصلي المصلحةَ بأنها اللذة ووسيلتها (٢). وعرفها هو في المواقف بأنها ملاءمة الطبع (٣).
وعرفها الشاطبي في مواضع من كتابه عنوان التعريف - بما
стр. 1466
يتحصل منه بعد تهذيبه - أنها ما يؤثر صلاحاً أو منفعة للناس عمومية أو خصوصية، وملاءمةً قارة في النفوس في قيام الحياة (١). وهو أقرب التعاريف السابقة على تعريفنا، ولكنه غير منضبط.
وأما المفسدة فهي ما قابل المصلحة. وهي وصف للفعل يحصل به الفساد، أي الضر دائماً أو غالباً للجمهور أو للآحاد.
стр. 1467
وقد لاح من التعريف أن المصلحة قسمان:
مصلحة عامة: وهي ما فيه صلاحُ عموم الأمة أو الجمهور، ولا التفاتَ منه إلى أحوال الأفراد إلّا من حيث إنهم أجزاء من مجموع الأمة، مثل حفظ المتموّلات من الإحراق والإغراق. فإن في بقاء تلك المتموّلات منافع ومصالح، هي بحيث يستطيع كل من يتمكّن من الانتفاع بها نوالها بالوجوه المعروفة شرعاً. فإحراقها وإغراقها يفيت ما بها من المصالح عن الجمهور. وهذا هو معظم ما جاء فيه التشريع القرآني. ومنه معظم فروض الكفايات، كطلب العلم الديني والجهاد وطلب العلم الذي يكون سبباً في حصول قوة للأمة.
ومصلحة خاصة: وهي ما فيه نفع الآحاد باعتبار صدور الأفعال من آحادهم ليحصل بإصلاحهم صلاح المجتمع المركب منهم. فالالتفات فيه ابتداء إلى الأفراد، وأما العموم فحاصل تبعاً. وهو بعض ما [جاء] به التشريع القرآني، ومعظم ما جاء به في السنة من التشريع. وهذا مثل حفظ المال من السرف بالحجر على السفيه مدة سفهه (١). فذلك نفع لصاحب المال ليجده عند رشده أو يجده وارثه من بعده وليس نفعاً للجمهور.
ويحق على العالِم أن يغوص برأيه في تتبع المصالح الخفية. فإنه يجد معظمها مراعًى فيه النفع العام للأمة والجماعة، أو لنظام العالم. مثل الدية في قتل الخطأ فإنها وجبت على القرابة من القبيلة (٢)، وليس
стр. 1468
فيها في ظاهر الأمر نفع لدافعيها، حتى قال زهير:
تُعَفَّى الكلوم بالمئينَ فأصبحت ... يُنَجِّمها من ليس فيها بمجرم (١)
وفيها مصلحة خاصة للقاتل خطأً إذ استُبقي مالُه. ولو كان النظر إلى تلك المصلحة الخاصة لكان النظرُ يوجب إلغاء مصلحة القاتل في مقابلة مضرة أقاربه من قبيلته. ولكن غوص النظر ينبئنا بأنها روعي فيها نفع عام، وهو حق المواساة عند الشدائد، ليكون ذلك سنة بين القوم في تحمل جماعاتهم بالمصائب العظيمة. فهي نفع مدّخَر لهم في نوائبهم كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٢)، مع ما في ذلك من إرضاء أولياء القتيل حتى تنتزع الإحن من قلوبهم. تلك الإحن التي قد تدفعهم إلى الاجتراء على إذاءة القاتل، فإن فرحهم بمال الدية الكثير يجبر صدعهم. ولو كلف القاتل دفع ذلك لأعوزه أو لصار بحالة فقر. فبذلك كله حصلت مقاصد الأمن والمواساة والرفق.
ومثال مراعاة مصلحة نظام العالم حياطةُ الشريعة المصالح المألوفة المطردة بسياج الحفظ الدائم، ولو في الأحوال التي يظن
стр. 1469
فوات المصلحة من سائر جوانبها، كما يقال في الشيخ الهرم المنهوك بالمرض، الفقير الجاهل الذي لم يبق فيه رجاء نفع ما، فهو مع هذه الأحوال محترم النفس محافظة على مصلحة بقاء النفوس، لأن مصلحة نظام العالم في احترام بقاء النفوس في كل حال، مع الأمر بالصبر على ما يلوح من شدة الأضرار اللاحقة لحياة بعض الأحياء، كيلا يتطرق الوهن والاستخفاف بالنفوس إلى عقول الناس، فتتفاوت في ذلك اعتباراتهم تفاوتاً ربما يفضي إلى خرق سياج النظام. فالحفاظ على ذلك تأمين للأحياء من تلاعب أهواء الناس وأهواء نفوسهم بهم، وتأمين لنظام العالم من دخول التساهل في خرم أصوله.
هذا وتحقيق الحد الذي نعتبر به الوصف مصلحة أو مفسدة أمر دقيق في العبارة، ولكنه ليس عسيراً في الاعتبار والملاحظة، لأن النفع الخالص والضر الخالص وإن كانا موجودين إلّا أنهما بالنسبة للنفع والضر يعتبران عزيزين.
ولذلك قال عز الدين بن عبد السلام في الفصل الثالث من قواعده: "واعلم أن المصالح الخالصة عزيزة الوجود. فإن تحصيل المنافع المحضة للناس كالمأكل والمسكن لا يحصل إلا بالسعي في تحصيلها بمشقة الكد والنصب. فإذا حصلت فقد اقترن بها من المضار والآفات ما ينغصها" (١). وقال فيه أيضاً: "واعلم أن تقديم الأصلح فالأصلح ودرء الأفسد فالأفسد مركوز في طبائع العباد ... ولا يُقدَّمُ الصالح على الأصلح إلا جاهل بفضل الأصلح أو شقيٌ متجاهل لا ينظر إلى ما بين المرتبتين من التفاوت" (٢).
стр. 1470
وقال الشاطبي في المسألة الخامسة من أول كتاب المقاصد من الموافقات: "فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنما تفهم على مقتضى ما غَلب. فإذا كان الغالب جهة المصلحة، فهي المصلحة المفهومة عُرفاً. وإذا غلبت الجهة الأخرى فهي المفسدة المفهومة عُرفاً. ولذلك كان الفعلُ ذو الوجهين منسوباً إلى الجهة الراجحة فإن رجحت المصلحة فمطلوب، ويقال فيه: إنه مصلحة. وإذا غلبت جهةُ المفسدة فمهروب عنه، ويقال: إنه مفسدة، على ما جرت به العادات في مثله" (١) اهـ.
وإياك أن تتوهم من كلامهما اليأسَ من وجود النفع الخالص والضر الخالص، فإن التعاون الواقع بين شخصين هو مصلحة لهما وليس فيه أدنى ضر، وإن إحراقَ مال أحد إضرار خالص. على أننا لا نلزم فرض الأمرين في خصوص تعامل شخصين أو أكثر بل إذا صورناه في فعل الشخص الواحد نستطيع أن نكثر من أمثلته. على أن بعض المضرة قد يكون لضعفه مغفولاً عنه ممّن يلحقه، فذلك منزّلٌ منزلة العدم، مثل المضرة اللاحقة للقادر على الحمل الذي يُناول متاعاً لراكب دابة سقط منها متاعه. فإن فعله ذلك مصلحة محضة للراكب، وإن ما يعرض للمناول من العمل لا أثر له في جلب ضر إليه. وكأنّ عز الدين تصور ذلك عزيزاً، لأنه نظر إليه من جهة المعاملة بين شخصين.
وقد حام ذانك الإمامان حول تحقيق الضابط الذي به نعتبر الوصف مصلحة أو مفسدة، لكنهما لم يقعا عليه.
стр. 1471
وأنا أقول تبعاً لذلك: إن ضابط تحقُّق ذلك الحد أحدُ خمسةِ أمور.
أولها أن يكون النفع أو الضر مُحَقَّقاً مطَّرِداً. فالنفع المحقق مثل الانتفاع بانتشاق الهواء، وبنور الشمس، والتبرد بماء البحر أو النهر في شدة الحر، مما لا يدخل في الانتفاع به ضرُّ غيره. والضرّ المحقَّق مثل حرق زرع لقصد مجرد إتلافه من دون معرفة صاحبه ولا تشف، وكما حرق (نيْرون) (١) مدينة رومة.
الثاني أن يكون النفعُ أو الضر غالباً واضحاً تنساق إليه عقول العقلاء والحكماء بحيث لا يقاومه ضدُّه عند التأمل. وهذا أكثرُ أنواع المصالح والمفاسد المنظور إليها في التشريع. وهو الذي لاحظه عزّ الدين والشاطبي، مثل إنقاذ الغريق مع ما فيه من مضرة للمنقذ كشدّة التعب أو شدّة البرد أو حدوث مرض، لكنها لا تُعدُّ شيئاً في جانب مصلحة الإنقاذ، وأمثلة هذا كثيرة في معظم المصالح والمفاسد.
الثالث أن لا يمكن الاجتزاء عنه بغيره في تحصيل الصلاح وحصول الفساد، مثل شرب الخمر. فقد اشتمل على ضُرٍّ بيِّن وهو إفساد العقل وإحداث الخصومات وإتلاف المال، واشتمل على نفع بيَّن وهو إثارة الشجاعة والسخاء وطرد الهموم. إلّا أننا وجدنا مضارَّه لا يخلُفُها ما يصلحها، ووجدنا منافعه يَخلُفها ما يقوم مقامها من الحث على الخير بالمواعظ الحسنة والأشعار البليغة.
стр. 1472
وقولي: "أن لا يمكن الاجتزاءُ عنه بغيره في تحصيل الصلاح وحصول الفساد". فيه إجمال في استخلاص المراد دعاني أن أشرح هذه الجملة.
اعلم أن المقصود من هذا القسم الثالث تصويرُ مرتبة في النفع أو الضر دونَ مرتبة القسم الثاني (١) وفوقَ مرتبة القسم الرابع (٢).
فالمراد بقولي: "أن لا يمكن": أن لا يُلفِيَ المجتهدُ عند سَبره مراتبَ المصلحة أو المفسدة من حيث إنها خالصةٌ أو مختلطةٌ بضدها، بعد السبر والبحث عن المُعارض.
فالمراد بكلمة "الاجتزاء": الاكتفاءُ، أي اقتناع المجتهد بتحقّق وصفٍ للفعل غير الوصف الذي بَدَا له في ذلك الفعل المبحوث عن وصفه. فمعنى الاجتزاء: الاعتياضُ عنه بوصف آخَرَ، بحيث لا محيص للفعل الموصوف عن مقارنة الوصف إياه، على حاله في النفع أو الضر دون تخفيف في ذلك.
ومعنى قولي: "بغيره"، أي بوصف آخر من نوع النفع بالنسبة إلى الوصف النافع، أو من نوع الضر بالنسبة إلى الوصف الضار.
والضميران في قولي: "عنه" وقولي: "بغيره" عائدان على النفع أو على الضر. فجاء الضميران مفردين، لأن المَعَاديْن متعاطفان بـ (أو) (كما ذُكر ذلك في الضابط الأول)، و (أَوْ) لأحد الشيئين.
ومعنى قولي: "لا يخلفها ما يصلحها" أن لا توجد حالة
стр. 1473
تشتمل على وصف مع الأوصاف المذكورة يُعدِّل فسادَها وضُرَّها أو ينفيه من أصله، بحيث نظن أن أوصاف فسادِها مطردةٌ ملازمَةٌ للفعل لا تتخلف عنه إلا في أحوال طَردْية لا يَعتدُّ بها الشارع، شأنَ كل الأوصاف الطردية. وهذا مثل البُطءِ أو السرعة في حصول نَشوة الخمر لشاربيها، ومثلُ تناول الخمر صرفاً أو ممزوجة. فعند عروض الأحوال الطردية لا يجوز التسامح في الاعتداد بالوصف، وترتُّبِ أثره على طمع أن يَخِفَّ فساده وضره في نادر الأشخاص أو نادر الأوقات، إذ العبرة في مناط الأحكام هي الأحوال الغالبة.
ومثال هذا أن لا نلتفت إلى قول عُمارة بن الوليد بن المُغيرة (١) يخاطب امرأته، وكانت شَرَطَت عليه عند تزوّجه أن يترك الشُّرب، ثم شَرب واعتذَر لها بشعر منه قوله:
أَسَرَّكِ لمّا صَرَّعَ القومَ نَشوةٌ ... خُروجيَ منها سالماً غيرَ غارم
بريئاً كأنِّي قبلُ لم أكُ منهم ... وليس النزاع مُرتضًى في المكارم (٢)
стр. 1474
فهذا شخص نادر، إن كان صادقاً فيما زعمه. فلا يؤثر مِثلُه نقضاً لكلية الحكم الشرعي.
ومما يصلح مثالاً للاجتزاء عن الوصف بغيره في صورة الضُّر تجارةُ المسلم في الخمر مع غير المسلمين، فإنَّ ما يُتوقع في شرب الخمر من المفاسد حاصل من الكافر والمسلم سواء، لارتفاع الوازع باختلال العقل. لكنْ يخلُفُ ما فيها من الضُّر في هذه الحالة شيءٌ قد يكون مسيغاً للتسامح في الإذن بالتجارة فيها مع الكفار. وهو: أن الضر الذي يصدر من الكافر لا يعدو قومَه وأهلَ مَحلته أو بلده غالباً. فالمسلمون في أمن من إضرار أهل الكفر، ويُضم إليه أن المسلمين غير مطالبين بحمل أهل الذمة على ترك ما تبيحه لهم ملَّتُهم. فبهذا قد يُعتبر الضر في التجارة بالخمر مع الكفار أضعفَ من النفع الحاصل للمسلمين بأرباح تجارة الخمر. فجانب ما في التجارة بها معهم من النفع قد يُرجَّحُ على جانب المفاسد اللاحقة لهم، أو يرجّح على ذريعة أن يتناولها المسلمون في حانات أهل الذمة أو في ديارهم. فإذا تكاثر تردد المسلمين على حاناتهم أَمْكنَ تحجير التجارة في الخمر تحجيراً خاصاً ببعض الأوقات أو بعض الجهات بحسب فُشُوِّ ذلك.
الرابع أن يكون أحد الأمرين من النفع أو الضر مع كونه مساوياً لضده معضوداً بمرجِّح من جنسه، مثل تغريم الذي يُتلف مالاً عمداً قيمة ما أتلفه. فإن في ذلك التغريم نفعاً للمتلَف عليه، وفيه ضررٌ للمتلِف، وهما متساويان. ولكن النفع قد رجّح بما عضَّده من العدل والإنصاف الذي يشهد أهل العقول والحكماء بأحَقِيَّتِه.
الخامس أن يكون أحدهما منضبطاً محقَّقاً والآخر مضطرباً.
стр. 1475
وهو مثل الضر الذي يحصل من خطبة المسلم على خطبة أخيه، ومن سومه على سومه، الواقع النهيُ عنهما في حديث الموطأ عن أبي هريرة (١). فإن ما يحصل من ذلك عند مجرد الخِطبة والتساوم قبل المراكنة والتقارب ضررٌ مضطرب، لا ينضبط ولا تجده سائر النفوس. فلو عملنا بظاهر الحديث لكانت المرأة إذا خطبها خاطب ولم تتم خطبته، والسلعةُ إذا سامها مساوم ولم يُرض السومُ ربَّها، أن يحظر على الرجال خطبة تلك المرأة وسوم تلك السلعة. ففي هذا فساد للمرأة، ولصاحب السلعة، وفساد يدخل على الناس الراغبين في تحصل ذلك.
فلذلك قال مالك في الموطأ بعد أن ذكر حديث الخطبة: "وتفسير قول رسول الله ﷺ ، فيما نَرى، والله أعلم، [لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه] أن يخطب الرجل المرأة، فتَركنَ إليه، ويتفقان على صداق [واحد معلوم] وقد تراضيا، [فهي تشرط عليه لنفسها]. فتلك التي نهى أن يخطبها الرجل على خطبة أخيه، ولم يَعن بذلك إذا خطب الرجل المرأةَ فلم يوافقها أمرُه، ولم تَركن إليه، أن لا يخطبها أحد. فهذا بابُ فسادٍ يدخل على الناس" (٢).
وقال في باب ما ينهى عنه من المساومة بعد أن ذكر حديث ابن عمر وأبي هريرة: "ولا يَبعْ بعضكم على بيع بعض" (٣). وتفسير