← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وأنا أقول تبعاً لذلك: إن ضابط تحقُّق ذلك الحد أحدُ خمسةِ أمور. أولها أن يكون النفع أو الضر مُحَقَّقاً مطَّرِداً. فالنفع المحقق مثل الانتفاع بانتشاق الهواء، وبنور الشمس، والتبرد بماء البحر أو النهر في شدة الحر، مما لا يدخل في الانتفاع به ضرُّ غيره. والضرّ المحقَّق مثل حرق زرع لقصد مجرد إتلافه من دون معرفة صاحبه ولا تشف، وكما حرق (نيْرون) (١) مدينة رومة. الثاني أن يكون النفعُ أو الضر غالباً واضحاً تنساق إليه عقول العقلاء والحكماء بحيث لا يقاومه ضدُّه عند التأمل. وهذا أكثرُ أنواع المصالح والمفاسد المنظور إليها في التشريع. وهو الذي لاحظه عزّ الدين والشاطبي، مثل إنقاذ الغريق مع ما فيه من مضرة للمنقذ كشدّة التعب أو شدّة البرد أو حدوث مرض، لكنها لا تُعدُّ شيئاً في جانب مصلحة الإنقاذ، وأمثلة هذا كثيرة في معظم المصالح والمفاسد. الثالث أن لا يمكن الاجتزاء عنه بغيره في تحصيل الصلاح وحصول الفساد، مثل شرب الخمر. فقد اشتمل على ضُرٍّ بيِّن وهو إفساد العقل وإحداث الخصومات وإتلاف المال، واشتمل على نفع بيَّن وهو إثارة الشجاعة والسخاء وطرد الهموم. إلّا أننا وجدنا مضارَّه لا يخلُفُها ما يصلحها، ووجدنا منافعه يَخلُفها ما يقوم مقامها من الحث على الخير بالمواعظ الحسنة والأشعار البليغة.

стр. 1472

وقولي: "أن لا يمكن الاجتزاءُ عنه بغيره في تحصيل الصلاح وحصول الفساد". فيه إجمال في استخلاص المراد دعاني أن أشرح هذه الجملة. اعلم أن المقصود من هذا القسم الثالث تصويرُ مرتبة في النفع أو الضر دونَ مرتبة القسم الثاني (١) وفوقَ مرتبة القسم الرابع (٢). فالمراد بقولي: "أن لا يمكن": أن لا يُلفِيَ المجتهدُ عند سَبره مراتبَ المصلحة أو المفسدة من حيث إنها خالصةٌ أو مختلطةٌ بضدها، بعد السبر والبحث عن المُعارض. فالمراد بكلمة "الاجتزاء": الاكتفاءُ، أي اقتناع المجتهد بتحقّق وصفٍ للفعل غير الوصف الذي بَدَا له في ذلك الفعل المبحوث عن وصفه. فمعنى الاجتزاء: الاعتياضُ عنه بوصف آخَرَ، بحيث لا محيص للفعل الموصوف عن مقارنة الوصف إياه، على حاله في النفع أو الضر دون تخفيف في ذلك. ومعنى قولي: "بغيره"، أي بوصف آخر من نوع النفع بالنسبة إلى الوصف النافع، أو من نوع الضر بالنسبة إلى الوصف الضار. والضميران في قولي: "عنه" وقولي: "بغيره" عائدان على النفع أو على الضر. فجاء الضميران مفردين، لأن المَعَاديْن متعاطفان بـ (أو) (كما ذُكر ذلك في الضابط الأول)، و (أَوْ) لأحد الشيئين. ومعنى قولي: "لا يخلفها ما يصلحها" أن لا توجد حالة

стр. 1473

تشتمل على وصف مع الأوصاف المذكورة يُعدِّل فسادَها وضُرَّها أو ينفيه من أصله، بحيث نظن أن أوصاف فسادِها مطردةٌ ملازمَةٌ للفعل لا تتخلف عنه إلا في أحوال طَردْية لا يَعتدُّ بها الشارع، شأنَ كل الأوصاف الطردية. وهذا مثل البُطءِ أو السرعة في حصول نَشوة الخمر لشاربيها، ومثلُ تناول الخمر صرفاً أو ممزوجة. فعند عروض الأحوال الطردية لا يجوز التسامح في الاعتداد بالوصف، وترتُّبِ أثره على طمع أن يَخِفَّ فساده وضره في نادر الأشخاص أو نادر الأوقات، إذ العبرة في مناط الأحكام هي الأحوال الغالبة. ومثال هذا أن لا نلتفت إلى قول عُمارة بن الوليد بن المُغيرة (١) يخاطب امرأته، وكانت شَرَطَت عليه عند تزوّجه أن يترك الشُّرب، ثم شَرب واعتذَر لها بشعر منه قوله: أَسَرَّكِ لمّا صَرَّعَ القومَ نَشوةٌ ... خُروجيَ منها سالماً غيرَ غارم بريئاً كأنِّي قبلُ لم أكُ منهم ... وليس النزاع مُرتضًى في المكارم (٢)

стр. 1474

فهذا شخص نادر، إن كان صادقاً فيما زعمه. فلا يؤثر مِثلُه نقضاً لكلية الحكم الشرعي. ومما يصلح مثالاً للاجتزاء عن الوصف بغيره في صورة الضُّر تجارةُ المسلم في الخمر مع غير المسلمين، فإنَّ ما يُتوقع في شرب الخمر من المفاسد حاصل من الكافر والمسلم سواء، لارتفاع الوازع باختلال العقل. لكنْ يخلُفُ ما فيها من الضُّر في هذه الحالة شيءٌ قد يكون مسيغاً للتسامح في الإذن بالتجارة فيها مع الكفار. وهو: أن الضر الذي يصدر من الكافر لا يعدو قومَه وأهلَ مَحلته أو بلده غالباً. فالمسلمون في أمن من إضرار أهل الكفر، ويُضم إليه أن المسلمين غير مطالبين بحمل أهل الذمة على ترك ما تبيحه لهم ملَّتُهم. فبهذا قد يُعتبر الضر في التجارة بالخمر مع الكفار أضعفَ من النفع الحاصل للمسلمين بأرباح تجارة الخمر. فجانب ما في التجارة بها معهم من النفع قد يُرجَّحُ على جانب المفاسد اللاحقة لهم، أو يرجّح على ذريعة أن يتناولها المسلمون في حانات أهل الذمة أو في ديارهم. فإذا تكاثر تردد المسلمين على حاناتهم أَمْكنَ تحجير التجارة في الخمر تحجيراً خاصاً ببعض الأوقات أو بعض الجهات بحسب فُشُوِّ ذلك. الرابع أن يكون أحد الأمرين من النفع أو الضر مع كونه مساوياً لضده معضوداً بمرجِّح من جنسه، مثل تغريم الذي يُتلف مالاً عمداً قيمة ما أتلفه. فإن في ذلك التغريم نفعاً للمتلَف عليه، وفيه ضررٌ للمتلِف، وهما متساويان. ولكن النفع قد رجّح بما عضَّده من العدل والإنصاف الذي يشهد أهل العقول والحكماء بأحَقِيَّتِه. الخامس أن يكون أحدهما منضبطاً محقَّقاً والآخر مضطرباً.

стр. 1475

وهو مثل الضر الذي يحصل من خطبة المسلم على خطبة أخيه، ومن سومه على سومه، الواقع النهيُ عنهما في حديث الموطأ عن أبي هريرة (١). فإن ما يحصل من ذلك عند مجرد الخِطبة والتساوم قبل المراكنة والتقارب ضررٌ مضطرب، لا ينضبط ولا تجده سائر النفوس. فلو عملنا بظاهر الحديث لكانت المرأة إذا خطبها خاطب ولم تتم خطبته، والسلعةُ إذا سامها مساوم ولم يُرض السومُ ربَّها، أن يحظر على الرجال خطبة تلك المرأة وسوم تلك السلعة. ففي هذا فساد للمرأة، ولصاحب السلعة، وفساد يدخل على الناس الراغبين في تحصل ذلك. فلذلك قال مالك في الموطأ بعد أن ذكر حديث الخطبة: "وتفسير قول رسول الله ﷺ ، فيما نَرى، والله أعلم، [لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه] أن يخطب الرجل المرأة، فتَركنَ إليه، ويتفقان على صداق [واحد معلوم] وقد تراضيا، [فهي تشرط عليه لنفسها]. فتلك التي نهى أن يخطبها الرجل على خطبة أخيه، ولم يَعن بذلك إذا خطب الرجل المرأةَ فلم يوافقها أمرُه، ولم تَركن إليه، أن لا يخطبها أحد. فهذا بابُ فسادٍ يدخل على الناس" (٢). وقال في باب ما ينهى عنه من المساومة بعد أن ذكر حديث ابن عمر وأبي هريرة: "ولا يَبعْ بعضكم على بيع بعض" (٣). وتفسير

стр. 1476

قول رسول الله ﷺ فيما نرى، والله أعلم: "أنه إنما نَهى أن يَسُومَ الرجلُ على سَوْمِ أخيه، إذا ركن البائعُ إلى السائم. وجعل يشترط وزن الذهب، ويتبرأ من العيوب وما أشبه هذا مما يعرف به أن البائع قد أراد مبايعة السائم. فهذا الذي نُهي عنه .... ولو ترك الناسُ السوم عند أول من يسوم بها أُخِذت بشبه الباطل في الثمن، ودخل على الباعة في سلعهم المكروه" (١). قال عز الدين بن عبد السلام: "قاعدة فيما يعرف به الصالح والفاسد: وأما مصالح الدنيا وأسبابها، ومفاسدها وأسبابها فمعروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات. فإن خفي شيء من ذلك طلب من أدلته. فمن أراد أن يعرف المصالح والمفاسد راجحَها ومرجوحَها فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يرد به ثم يبني عليه الأحكام. فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك إلّا ما تعبد الله به عباده، ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته" (٢). وقال في أول الفصل الثالث من قواعده: "إن تحصيل المصالح المحضة ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن، وإن تقديم أرجح المصالح فأرجحِها ودرء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن، وإن تقديم المصالح الراجحة على المفاسد المرجوحة محمود حسن، وإن درء المفاسد الراجحة على تقديم

стр. 1477

المصالح المرجوحة محمود حسن. اتفق الحكماء على ذلك ... وإن اختُلف في بعض ذلك، فالغالب أن ذلك لأجل الاختلاف في التساوي أو الرجحان" (١). وقال أيضاً في المثال الحادي والعشرين من أمثلة ما خالف القياس من المعاوضات: "ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها نص ولا إجماع ولا قياس خاص. فإن فَهْمَ نفسِ الشرع يوجب ذلك. ومَثَلُ ذلك: من عاشر إنساناً من الفضلاء الحكماء العقلاء، وفهم ما يؤثره ويكرهه في كل ورد وصدر، ثم سنحت له مصلحة أو مفسدة لم يعرف قوله فيها، فإنه يعرف بمجموع ما عهده من طريقته وأَلِفه من عادته أنه يؤثر تلك المصلحة ويكره تلك المفسدة ... وهذا ظاهر في الخير الخالص والشر الخالص. وإنما الإشكال إذا لم تفهم خير الخيرين وشر الشرين، أو تعرف ترجيح المصلحة على المفسدة، أو ترجيح المفسدة على المصلحة أو جهلنا المصلحة والمفسدة. ومن المصالح والمفاسد ما لا يعرفه إلّا كلُّ ذي فهم سليم وطبع مستقيم، يعرف بهما دِقَّ المصالح والمفاسد وجلَّهما وأرجحهما من مرجوحهما. ويتفاوت الناس في ذلك على قدر تفاوتهم فيما ذكرته. وقد يغفل الحاذق الأفضل عن بعض ما يطلع عليه [الأخرق] المفضول ولكنّه قليل" (٢) اهـ.

стр. 1478

وقد أتى في فصل اجتماع المصالح والمفاسد بأمثلة كثيرة: أحسنها: "أن الحجر على المريض فيما زاد على ثلث ماله مضرة له ومفسدة تلحقه، لكنه مصلحة لورثته. فقُدِّم حقُّ ورثته في ثلثي ماله" (١). "وأنَّ وضع يد غير المالك على الملك مفسدة للمالك. ولذلك وجب الضمان بالإتلاف. ولم تُعتبر هذه المفسدةُ في تصرفات الحكام إذا أخطؤوا في الاجتهاد في الحكم. فلم يجب الغُرم على الحاكم تقديماً لمصلحة إقدام القضاة على مفسدة المحكوم عليه خطأ" (٢). وقد يسمى الصلاح خيراً والمفسدة شراً كما ورد في حديث حذيفة: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشر، مخافة أن أقع فيه" (٣). وكما ورد في قول أبي بكر لعمر

стр. 1479

في جمع القرآن، إذ قال: "هو والله خير" (١)، أي جمعه في مصحف. ويتحصَّل مما ذكرناه علمٌ بأن تشريع جلب المصالح ليس فيه تحصيل مفسدة، وأن تشريع درء المفاسد ليس فيه إضاعة مصلحة. بل التشريع كله جلب مصالح، لأن طرف المفسدة المغمور في جانب المصلحة الغامرة، أو طرف المصلحة المغمور في جانب المفسدة الغامرة لا يؤثر في نظام العالم شيئاً. وإذا تعطّل حصول الأثر بوجود مانع من تأثير المؤثِّر لم يبق عبرةٌ بوجود المؤثر. ومنه نعلم أن ليست المصلحة هي مطلق الملائم ولا المفسدة هي مطلق المنافر والمشقة. فإن بين المصلحة والمفسدة وبين ما ذكرناه عموماً وخصوصاً وجهياً، ولذلك أثبت القرآن أن في الخمر والميسر منافع إذ قال: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٢) وليست تلك المنافع بمصالح لأنها لو كانت مصالح لكان تناوله مباحاً أو واجباً.

стр. 1480

وقد تقدم في مقصد الفطرة ما يجب أن نتذكره هنا فَعُدْ إليه (١). ويجب التنبه إلى أن المفسدة الراجحة على جانب المصلحة أو الخالصة نجدها متفاوتة في جنسها تفاوتاً بيّنًا، تنبئ عنه آثار الأفعال المشتملة على المفاسد في خَرم المقاصد الشرعية، والكليات الضرورية أو الحاجية أو بعض التحسينية القريبة من الحاجية. وتنبئ عنه أيضاً مقادير أثرها من الإضرار والإخلال في أحوال الأمة بكثرة ذلك وقِلَّته وانتشاره وانزوائه وطول مدته وقصرها مع اختلاف العصور والأحوال. فالمنهيات كلها مشتملة على المفاسد. ومع ذلك فقد رتبتها الشريعة مراتب مجملة فصلها الفقهاء من بعد. فقد جاء في الشريعة ذكع الفواحش والكبائر واللمم: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (٢)، وجاء ذكر الإثم والبغي: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (٣)، وجاء وصفُ المنهيات بأن بعضها أكبرُ من بعض: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٤). وفي أحاديث من الصحيح ذكرُ أكبر الكبائر (٥) أو ذكر جواب أي الذنب أعظم، مرتباً بعضها عقب بعض (٦).

стр. 1481

وقد ذكر القرآن الفساد مطلقاً تارة، ومقيّداً بالكِبَر تارة فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١)، وقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ (٣). وباعتبار مقادير المفاسد جعل الصحابة عقوبة اللوطيَيْن - بصيغة التثنية - الرجم مساوية عقوبة الزاني المحصن، سواء كانا محصنين أم لم يكونا محصنين، لأنهم وجدوا مفسدة ذلك أشد، والعذر عن فاعله أبعد (٤).

стр. 1482

وجعل علي بن أبي طالب عقوبة شارب الخمر مساوية حد القذف، لما رأى القذف مظنة لازمة للسكران غالباً (١). وكذلك تجد آثار هذا المعنى ظاهرة في تصرفات الصحابة ومن بعدهم في مراتب العقوبات والعفو. فعقوبة الحرابة جعلت أشدّ من عقوبة قتل الغيلة في التنكيل وعدم قبول العفو: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٢).

стр. 1483

وجعل قتل الغيلة غير قابل للعفو من الأولياء (١). وجعلت السرقة دون ذلك، والخِلسة دون السرقة، وكذلك الاغتصاب والغصب. وقد وضع بعض الفقهاء لبعض مراتب المفاسد أسماء ليست بالكثيرة ولا بالمطردة. فرتب الشافعيةُ مراتبَ: الحرام، والمكروه، وخلاف الأولى (٢). ورتب الحنفيةُ مراتب: التحريم، وكراهة التحريم، وكراهة التنزيه (٣).

стр. 1484

ز - طلب الشريعة للمصالح المصلحة بأنواعها تنقسم قسمين: أحدهما ما يكون فيه حظ ظاهر للناس في الجبلة يقتضي ميل نفوسهم إلى تحصيله لأن في تحصيله ملاءمةً لهم. والثاني ما ليس فيه حظ ظاهر لهم. ووصفتُ الحظ بأنه ظاهر للتنبيه على أن كثيراً من المصالح من القسم الثاني ليس الحظ فيه ظاهراً للناس، ولكنّ فيه حظوظاً خفية يغفلون عنها. مثال القسم الأول: تناول الأطعمة لإقامة الحياة، ولبس الثياب، وقربان النساء. ومثال الثاني: توسيع الطرقات وتسويتها، وإقامة الحرس بالليل. فهذا ونحوه ليس فيه حظ ظاهر لفرد من الأفراد. فإن جمهور

стр. 1485

الناس لا يشعرون بالمنافع التي تنجر إليهم من معظم المصالح العمومية ما دامت قائمة، وإنما يشعرون بها متى فقدوها، على أن بعض الناس قد يعيش دهراً لا ينتفع ببعض المصالح العامة، مثل الزمِنِ بالنسبة إلى مصلحة توسيع الطريق وتسويته. ولكل من قسمي المصلحة خصائص من عناية الشارع. فالقسم الأول ليس من شأن الشارع أن يتعرض له بالطلب، لأن داعي الجِبلة يكفي الشريعة مؤونة توجيه اهتمامها لتحصيله. وإنما شأنها أن تزيل عنه موانع حصوله، كمنع الاعتداء على أحد بافتكاك طعامه ولباسه، وكتحديد كيفية عقد النكاح لإزالة موانع التناسل كالغيرة والعضل. ولذلك نجد البيع والنكاح في قسم الإباحة، وإن كانا مصلحتين مهمتين يقتضيان لهما حكم الوجوب. والقسم الثاني يتعرّض له التشريع بالتأكيد، ويرتّب العقوبة على تركه والاعتداءِ عليه. وقد أوجب بعضَه على الأعيان، وبعضَه على الكفايات بحسب محل المصلحة. فالذي مصلحته لا تتحقّق إلا بأن يقوم به الجميع، مثل حفظ النفس يكون واجباً على الأعيان. والذي مصلحته تتحقَق بأن يقوم به فرد أو طائفة يجب على الكفاية على الفرد أو على الجماعة، كإنقاذ الغريق وإطفاء النيران الملتهمة الديار. ومن هذا القسم الإنفاقُ على الزوجات والأبناء، ومواساةُ ذي الحاجة، وإضافةُ الغريب، وإجراءُ الوظائف لمن يقوم بأمور الأمة. وقد يلتحق بهذا القسم أنواع من القسم الأول يعرض لها ما يغشى الجبلة من العوائد والتعاليم الفاسدة التي تحجب الجبلة عن التأثير، مثل من يصاب برعونة ترك الطعام. كما يذكر عن بعض الجاهلية أنه جلس يتغدَّى حذو غدير، فرأى في الماء صورة نفسه

стр. 1486

يزدرد الطعام، فكره تلك الهيئة وآلى أن لا يذوق طعاماً حتى مات جوعاً. فهذا من اختلال العقل. ومثل ما عرض لبعض أحياء العرب من وأد بناتهم، خشيةَ أن يلحقهم العارُ من جرائهن بالأسر أو الفقر. ومثل الهاجس الذي هجس بنفس المعرِّي، فأعرض عن التزوج كيلا يأتي بنسلٍ غايته الموت، إن صحّ ما نسب إليه أنه أوصى أن يكتبوا على قبره: هذا جناه أبي عليْـ ... ـيَ وما جنيتُ على أحد (١) وكذلك ما يعرض من الكسل عن الاكتساب لبعض الناس، وما يعرض لبعض الزهاد من الانقطاع إلى العبادة حتى يفضي بهم إلى إضاعة منافع أخرى. فللقائم بالشريعة ولأصحاب التفريع في التشريع أن يقفوا في هذا المقام موقفَ ردع هذه العوارض النادرة بإرشاد يزيل الضلال والخطأ، ويفضح ذلك الأفن. كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٢). وكما قال تعالى:

стр. 1487

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (١). وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: "ألم أُخْبَر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ " قال: قلت: إني أفعل ذلك. قال: "فإنك إذا فعلت هجمت عينك ونَفِهت (٢) نفسك، وإن لنفسك حقاً، ولأهلك حقاً، ولزوجك حقاً؛ فصم وأفطر وقم ونم" (٣). فما كان من هذه العوارض خاصاً بنفس صاحبه فعلاجُه الموعظة الشرعية والتربية. وما كان متعدّياً إلى إضرار الناس بالفعل أو بالقول - مثل من يدعو الناس إلى اتباعه في هذه الرعونات - فعلاجهُ العقوبات. فوليُّ الأمر يُجبر تارك الاكتساب بأن يكتسب لعياله، وينفي مَن يدعو الناس إلى بدعته كما نفى عمر صَبِيغاً (٤) عن البصرة. وقد كان

стр. 1488

عمرُ ألزمَ المحتكرين للطعام بأن يبيعوا ما يحتاج الناس إلى شرائه من الحبوب، كما في الموطأ (١)، فقد ألزمهم بنوع من البيوع مع كون أصل التصدّي للبيع والشراء مباحاً، لأن إباحته نشأت بالاعتماد على داعي النفوس للاكتساب وحب الربح، واختلاف الأغراض هو مَعدِلُ الحاجة. وعلى هذا المنهج تنتهج الشريعة في المحافظة على أنواع المصالح باعتبار تصرف الناس فيها بالتسامح والتضييق في القسمين المذكورين آنفاً. فلكل أحد الاختيار في حقوقه الذاتية الثابتة له على غيره التي هي من القسم الأول. فله أن يسقطها إن شاء، لأن كونها حقوقاً له، وكونها مطلوباً بها غيرُه له مَظِنَّةُ حرصه على تقاضيها. فالشريعة تكله إلى الداعي الجبلي، وهو داعي حب النفس والمنافسة في الاكتساب. فالإسقاط لا يكون إلا لغرض صحيح. فإن تجاوز ذلك الحدَّ فاختل الداعي الجبلّي سُمِّي سفهاً يُمنعُ صاحبُه من التصرف. وأما الحقوق الثابتة للإنسان في نفسه، ولا تعلُّقَ لها بغيره،

стр. 1489

فتصرّفه فيها بالإسقاط صحيح. ولذلك صحَّت الهباتُ والعفو عن الجنايات دون القتل، وعن الديون في الأحوال الجارية على المقاصد الحسنة. فإن اختل الداعي الجبلّي سُمِّي التصرف سفهاً، إلا إذا ترتّب على إسقاطه مفسدة. فإن ترجيح تلك المفسدة دلّ على اختلال الداعي الجبلّي. ألا ترى أن للمرء أن يأذن الطبيب بقطع عضو من أعضائه إذا رأى الطبيبُ ذلك مع كون المصلحة مظنونةً، وله بذل نفسه في الذب عن الحوزة بشروطه (١)، وليس له الإذن بقطع عضو من أعضائه باطلًا (٢).

стр. 1490

وأما ما كان من القسم الثاني من قسمي المصلحة فليس لأحد إسقاطُ حقه فيه لأن حقه ثابت مع حق غيره. وخلاصة القول: إن الشريعة تحافظ أبداً على المصلحة المستخفِّ بها، سواء كانت عامةً أم خاصة، حفظاً للحق العام أو للحق الخاص الذي غلب عليه هَوَى الغير أو هواه هو نفسه. ومتى تعارضت المصلحتان رُجِّحت المصلحةُ العظمى. ولهذا قدم القصاص على احترام نفس المُقتَصِّ منه، لأن مصلحة القصاص عظيمة في تسكين ثائرة أولياء القتيل، لتقع السلامة من الثارات، وفي انزجار الجناة عن القتل، وفي إزالة نفس شريرة من المجتمع. فلو أسقط وليُّ الدم القصاص زالت أعظم المصالح. فبقيت مصلحتان أخريان: إحداهما حاصلة من توقّع عدم العفو، والأخرى تحصل باستصلاح حال الجاني بالضرب والسجن. فلذلك سقط القصاصُ بالعفو فيما عدا قتل الغيلة وما عدا الحرابة، لأن عِظَم الجريمة رجَّحَ جانبَ مصلحةِ إزالةِ نفسٍ ظهرَ شرُّها وَبَعُد رجاءُ خيرها. ولأجل هذا أيضاً كان إتلاف النفوس في الذب عن الحوزة غرضاً صحيحاً. وأقر النبي ﷺ طلحةَ بن عبيد الله حين وقف يدفع بسيفه ونَبله عن رسول الله ﷺ يوم أحد حتى ضربت يده (١)، لأنّ في

стр. 1491

بقاء الرسول بقاء الأمة جمعاء، وليس بقاء طلحة كذلك. وقد عَلم [أبو] طلحة ذلك فكان يقول للرسول ﵊: "لا تشرف على القوم يصيبك سهم، نحري دون نحرك" (١). ومن هنا يتضح لنا طريق النظر في المصالح المتعددة إذا لم يمكن تحصيل جميعها، وفي المفاسد المتعددة إذا لم يمكن درء جميعها. وقد بيّن عز الدين بن عبد السلام في كتاب القواعد أن تقديم أرجح المصلحتين هو الطريق الشرعي، وأن درء أرجح المفسدتين كذلك. فإذا حصل التساوي من جميع الوجوه فالحكم التخيير (٢).

стр. 1492

وأقول: قد مُثّل في أصول الفقه بمن سقط على جماعة من الجرحى، بحيث إذا وطئ على واحدٍ قتله، فإذا انتقل على غيره قتله أيضاً. فقيل: يبقى واطئاً لمن نزل عليه. وقيل: يخيّر (١). ويظهر التخيير واضحاً في تصرّفات ولاة الأمور عند تعارض المصلحتين العامتين كتوسيع طريق بين جبلين يفضي إلى بلد بتضييق طريق بينهما يفضي إلى بلد آخر (٢). وممّا يجب التنبّه له أن التخيير لا يكون إلّا بعد استفراغ الوسع في تحصيل مُرجِّح مّا ثم العجز عن تحصيله. وفي طرق الترجيح قد يحصل اختلاف بين العلماء، فعلى الفقيه تحقيقُ الأمر في ذلك. ويُعرفُ الترجيح بوجوه منها: أهميةُ ما يترتب على المصلحة على ما يترتب على غيرها، كتقديم مصلحة الإيمان على مصلحة الأعمال، وتقديم إنقاذ الأنفس عند الأخطار على إنقاذ الأموال،

стр. 1493

وتقديم ما حضّ الشارع على طلبه على ما طلبه طلباً غير محثوث، وتقديم الأصل على فرعه. ومن طرق الترجيح الخفيّة عن المدركات الشائعةِ آثارُها في المعاملات: ترجيح إحدى المصلحتين الفرديتين على مساويتها بمرجِّح مراعاة الأصل. فإن كثيراً من أنواع التجارات إذا احترف به التاجرُ لجلب مصلحته فدخل بمقداره إضرار على مماثله في التجارة، فمصلحة أحد التاجرين في الاحتراف بالتجارة ومصلحة الآخر في ترك غيره ذلك الاحتراف، وهما متساويتان، ولا يمكن الجمع بينهما. فراعت الشريعة طريق الترجيح في مثل هذا، بأن الأصل إرسال الناس في ميدان الاختيار والجلب، فتترجح إحدى المصلحتين باختيار جالب تلك المصلحة لنفسه. ولذلك أباحت الشريعة أن يشتغل أحد بالتجارة في ضرب من ضروب السلع مع وجود مماثل له في تلك التجارة سابق له بله المقارن. فإذا قصد بذلك الإضرار كان آثماً على نيّته ولم يكن ممنوعاً من العمل (١). فالشريعة تسعى إلى تحقيق المقاصد في عموم طبقات الأمة بدون حرج ولا مشقة. فتجمع بين مناحي مقاصدها في التكاليف والقوانين مهما تيسر الجمع. فهي تترقى بالأمة من الأدون من نواحي تلك المقاصد إلى الأعلى، بمقدار ما تسمح به الأحوال ويتيسر حصوله، وإلّا فهي تتنازل من الأصعب إلى الذي يليه مما فيه تعليق الأهم من المقاصد.

стр. 1494

وقد مضى في مبحث الفطرة ما يمكن معه أن يجعل لأحكام المصالح والمفاسد وتعارضهما سبباً يربطها بمراعاة إقامة الفطرة وانخرامها. ولا يعوزك تتبعه في أحوال التعارض، فكن فيه على بصيرة (١)!.

стр. 1495

ح - أنواع المصلحة المقصودة من التشريع قد ثبت مما قررته في المبحثين قبل هذا أن مقصد الشريعة من التشريع، حفظ نظام العالم، وضبطُ تصرّف الناس فيه، على وجه يعصم من التفاسد والتهالك. وذلك إنما يكون بتحصيل المصالح واجتناب المفاسد على حسب ما يتحقق به معنى المصلحة والمفسدة. فحقيق عَلَيَّ أن أبين أمثالاً ونظائر لأنواع المصالح المعتبرة شرعاً والمفاسد المحذورة شرعاً، لتحصل للعالِم بعلم مقاصد الشريعة مَلَكةٌ يعرف بها مقصود الشارع. فينحو نحوه عند عروض المصالح والمفاسد لأحوال الأمة جلباً ودرءاً. ووجهُ حاجة هذا العالِم إلى ذلك: أن المصالح كثيرة متفاوتة الآثار قوة وضعفاً في صلاح أحوال الأمة أو الجماعة، وأنّها أيضاً متفاوتة بحسب العوارض العارضة والحافة بها من مُعضَّدات لآثارها أو مُبطلات لتلك الآثار كلًا أو بعضاً. وإنّما يُعْتَبرُ منها ما نتحقق أنه مقصودٌ للشريعة، لأن المصالح كثيرة منبثة. وقد جاءت الشريعة بمقاصد تنفي كثيراً من الأحوال التي اعتبرها العقلاء في بعض الأزمان مصالح، وتُثبِت عوضاً عنها مصالحَ أرجحَ منها. نعم إن مقصد الشارع لا يجوز أن يكون غير مصلحة، ولكنه ليس يلزم أن يكون مقصوداً منه كل مصلحة. فمن حق العالِم بالتشريع أن يَخْبُرَ أفانين هذه المصالح في ذاتها وفي عوارضها، وأن

стр. 1496

يَسْبُرَ الحدود والغايات التي لاحظتْها الشريعة في أمثالها وأحوالها إثباتاً ورفعاً، واعتداداً ورفضاً، لتكون له دستوراً يُقتدَى، وإماماً يُحتذى (١)، إذ ليس له مطمع - عند عروض كل النوازل النازلة والنوائب العارضة - بأن يظفر لها بأصل مماثل في الشريعة المنصوصة ليقيس عليه، بله نصٍّ مقنع يفيء إليه. فإذا عَنَّتْ للأمة حاجةٌ وهرع الناس إليه يتطلّبون قوله الفصلَ فيما يُقدمون عليه وَجَدُوه ذكيَّ القلب صارم القول غير كسلان ولا متبلِّدٍ. وتنقسم المصالح باعتبار آثارها في قوام أمر الأمة إلى ثلاثة أقسام: ضرورية، وحاجيَّة، وتحسينية.

стр. 1497

وتنقسم باعتبار تعلّقها بعموم الأمة أو جماعاتها أو أفرادها إلى: كلية، وجزئية. وتنقسم باعتبار تحقق الاحتياج إليها في قوام أمر الأمة أو الأفراد إلى: قطعيّة، أو ظنيّة، أو وهميّة (١). فأما التقسيم الأول إلى: ضرورية، وحاجية، وتحسينية. فهذه ثلاثة أصناف: فالمصالح الضرورية، هي التي تكون الأمةُ بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها، بحيث لا يستقيم النظامُ باختلالها، بحيث إذا انخرمت تؤول حالة الأمة إلى فساد وتلاش. ولست أعني باختلال نظام الأمة هلاكَها واضمحلالها، لأن هذا قد سلمت منه أعرق الأمم في الوثنية والهمجية، ولكنَّي أعني به أن تصير أحوال الأمة شبيهة بأحوال الأنعام، بحيث لا تكون على الحالة التي أرادها الشارع منها. وقد يُفضي بعضُ ذلك الاختلال إلى الاضمحلال الآجل بتفاني بعضها ببعض، أو بتسلط العدو عليها إذا كانت بمرصد من الأمم المعادية لها أو الطامعة في استيلائها عليها. كما أوشكت حالة العرب في الجاهلية على ذلك مثلما قال زهير: تداركتما عبساً وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عِطرَ مَنشَم (٢)

стр. 1498

وقد مثّل الغزالي (١) - في المستصفى (٢) - وابن الحاجب (٣) لقرافي (٤) والشاطبي (٥) هذا القسم الضروري بحفظ الدين والنفوس

стр. 1499

والعقول والأموال والأنساب. وزاد القرافي نقلًا عن قائلٍ: حفظَ الأعراض. ونُسب في كتب الشافعية إلى الطوفي (١) *. قال الغزالي: "وتحريمُ تفويت هذه الأصول الخمسة يستحيل أن لا تشتمل عليه ملة [من الملل] وشريعة [من الشرائع] التي أريد بها إصلاح الخلق" (٢). وقد علم بالضرورة كونها مقصودة للشرع لا بدليل واحد وأصل معين بل بأدلة خارجة عن الحصر. وقال الشاطبي (٣) *: "وعلم هذه الضروريات صار مقطوعاً به، ولم يثبت ذلك بدليل معين بل علمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد. فكما لا يتعين في التواتر المعنوي أن يكون المفيد للعلم خبراً واحداً من الأخبار دون سائر الأخبار، كذلك لا يتعين هنا لاستواء جميع الأدلة في إفادة الظن على انفرادها. فنحن

стр. 1500

إذا نظرنا في حفظ النفس مثلًا نجد النهي عن قتلها (١)، وجعل قتلها سبباً للقصاص ومتوعَّداً عليه ومقروناً بالشرك (٢)، ووجوب سد الرمق على الخائف على نفسه ولو بأكل الميتة (٣). فعلمنا تحريم القتل علم اليقين. وإذا انتظم الأصل الكلي جارياً مجرى دليل عام فاندرجت تحته جميعُ الجزئيات التي يتحقق فيها ذلك العموم" اهـ. وقد تنبّه بعض علماء الأصول إلى أن هذه الضروريات مشار إليها بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ (٤) إذ لا خصوصية للنساء المؤمنات. فقد كان رسول الله ﷺ يأخذ البيعة على الرجال بمثل ما نزل في المؤمنات كما في صحيح البخاري (٥).

стр. 1501

قال الشاطبي: "وحفظ هذه الضروريات بأمرين: أحدهما ما يقيم أصل وجودها. والثاني ما يدفع عنها الاختلال الذي يعرض لها" (١) اهـ. وأقول: إن حفظ هذه الكليات معناه حفظها بالنسبة لآحاد الأمة وبالنسبة لعموم الأمة بالأولى. فحفظ الدين معناه حفظ دين كل أحد من المسلمين أن يدخل عليه ما يفسد اعتقادهُ وعملَه اللاحق بالدين. وحفظ الدين بالنسبة لعموم الأمة، أي دفع كل ما شأنه أن ينقض أصول الدين القطعية. ويدخل في ذلك حمايةُ البيضة والذبُّ عن الحوزة الإسلامية بإبقاء وسائل تلقي الدين من الأمة حاضرها وآتيها. ومعنى حفظ النفوس حفظُ الأرواح من التلف أفراداً وعموماً، لأن العالَم مركب من أفراد الإنسان، وفي كل نفس خصائصُها التي بها بعضُ قِوام العالم. وليس المرادُ حفظَها بالقصاص كما مثل به الفقهاء، بل نجد القصاص هو أضعفَ أنواع حفظ النفوس، لأنه تداركُ بعضِ الفوات. بل الحفظ أهمه حفظُها عن التلف قبل وقوعه،

стр. 1502

مثل مقاومة الأمراض السارية. وقد منع عمر بن الخطاب الجيش من دخول الشام لأجل طاعون عمواس (١). والمرادُ النفوس المحترمة في نظر الشريعة، وهي المعبر عنها بالمعصومة الدم. ألا ترى أنه يُعاقَب الزاني المُحصَن بالرجم مع أن حفظ النسب دون مرتبة حفظ النفس. ويلحق بحفظ النفوس من الإتلاف حفظُ بعض أطراف الجسد من الإتلاف، وهي الأطراف التي يُنزَّل إتلافُها منزلة إتلاف النفس في انعدام المنفعة بتلك النفس. مثل الأطراف التي جُعلت في إتلافها خطأَ الديةُ كاملة (٢).

стр. 1503

ومعنى حفظ العقل: حفظُ عقول الناس من أن يدخل عليها خلل، لأن دخول الخلل على العقل مؤدٍّ إلى فساد عظيم من عدم انضباط التصرف. فدخول الخلل على عقل الفرد مفض إلى فساد جزئي، ودخوله على عقول الجماعات وعموم الأمة أعظم. ولذلك يجب منع الشخص من السكر، ومنع الأمة من تفشّي السكر بين أفرادها. وكذلك تفشّي المفسدات مثل الحشيشة والأفيون والمورفين والكوكايين والهروين، ونحوها مما كثر تناوله في القرن الرابع عشر الهجري. وأما حفظ المال فهو حفظُ أموال الأمة من الإتلاف، ومن الخروج إلى أيدي غير الأمة بدون عوض، وحفظُ أجزاء المال المعتبرة عن التلف بدون عوض. وليس من الضروري إلغاء بعض الأعواض عن الاعتبار كإلغاء دفع العوض على التأجيل وهو ربا الجاهلية، وإلغاء التعويض على الضمان وعلى بذل الجاه وعلى القرض، ولا حفظُ المال من الخروج

стр. 1504

عن يد مالكه إلى يد أخرى من أيدي الأمة بدون رضًى، لأن هذين من الحاجي لا من الضروري. ثم إن حفظَ الأموال الفردية يؤول إلى حفظ مال الأمة. وبه يحصل حصول الكلُّ بحصول أجزائه. وأما حفظ الأنساب - ويعبّر عنه بحفظ النسل - فقد أطلقه العلماء ولم يبيّنوا المقصود منه، ونحن نفصل القول فيه. وذلك أنه إن أريد به حفظ الأنساب أي النسل من التعطيل فظاهرٌ عدُّه من الضروري، لأن النسل هو خِلفَةُ أفراد النوع. فلو تعطل يؤول تعطيلُه إلى اضمحلال النوع وانتقاصه، كما قال لوط لقومه: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ (١) على أحد التفسيرين (٢). فبهذا المعنى لا شبهة في عده من الكليات لأنه يعادل حفظ النفوس. فيجب أن تحفظ ذكور الأمة من الاختصاء مثلًا، ومن ترك مباشرة النساء باطراد العزوبة ونحو ذلك. وأن تحفظ إناث الأمة من قطع أعضاء الأرحام التي بها الولادة، ومن تفشّي إفساد الحمل في وقت العلوق، وقطع الثدي، فإنه يكثر الموتان في الأطفال بعسر الإرضاع الصناعي على كثير من النساء وتعذره في البوادي. وأما إن أُريد بحفظ النسب حفظ انتساب النسل إلى أصله، وهو الذي لأجله شرعت قواعد الأنكحة، وحرم الزنا وفرض له الحد، فقد يقال: إن عَدَّه من الضروريات غير واضح، إذ ليس بالأمة من ضرورة إلى معرفة أن زيداً هو ابن عمر وإنما ضرورتها في وجود أفراد النوع وانتظام أمرهم.

стр. 1505

ولكن في هذه الحالة مضرّة عظيمة، وهي أن الشك في انتساب النسل إلى أصله يزيل من الأصل الميل الجبلي الباعث عن الذب عنه، والقيام عليه بما فيه بقاؤه وصلاحه وكمال جسده وعقله بالتربية والإنفاق على الأطفال إلى أن يبلغوا مبلغ الاستغناء عن العناية. وهي مَضَرّة لا تبلغ مبلغ الضرورة لأن في قيام الأمهات بالأطفال كفاية مّا لتحصيل المقصود من النسل. وهو يزيل من الفرع الإحساس بالمبرة والصلة والمعاونة والحفظ عند العجز. فيكون حفظ النسب بهذا المعنى بالنظر إلى تفكيك جوانبه من قبيل الحاجي. ولكنه لما كانت لفوات حفظه من مجموع هذه الجوانب عواقب كثيرة سيئة يضطرب لها أمر نظام الأمة وتنخرم بها دعامة العائلة، اعتبر علماؤنا حفظ النسب في الضروري، لما ورد في الشريعة من التغليظ في حد الزنا، وما ورد عن بعض العلماء من التغليظ في نكاح السر والنكاح بدون ولي وبدون إشهاد، كما سنبيّنه عند الكلام على مقصد الشريعة في نظام العائلة الراجع إلى حفظ حقوق الأولاد (١). وأما حفظ العِرض في الضروري فليس بصحيح. والصواب أنه من قبيل الحاجي. وإن الذي حمل بعض العلماء - مثل تاج الدين السبكي في جمع الجوامع - على عدّه في الضروري هو ما رأوه من ورود حد القذف في الشريعة (٢). ونحن لا نلتزم الملازمة بين

стр. 1506

الضروري وبين ما في تفويته حد. ولذلك لم يَعدَّه الغزالي وابن الحاجب ضرورياً. وهذا الصنف الضروري قليل التعرض إليه في الشريعة، لأن البشر قد أخذوا حيطتهم لأنفسهم منذ القدم فأصبح مركوزاً في الطبائع. ولم تخل جماعة من البشر ذات تمدن من أخذ الحيطة له. وإنما تتفاضل الشرائع بكيفية وسائله. ولننتقلْ إلى صنف الحاجي، وهو ما تحتاج الأمة إليه لاقتناء مصالحها وانتظام أمورها على وجه حسن، بحيث لولا مراعاتُه لَمَا فسد النظام، ولكنه كان على حالة غير منتظمة فلذلك كان لا يبلغ مبلغ الضروري. قال الشاطبي: "هو ما يفتقر إليه من حيث التوسعة ورفع الحرج. فلو لم يراعَ دخَل على المكلَّفين الحرجُ والمشقةُ [على الجملة]، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد [العادي] المتوقع في المصالح العامة" (١) اهـ. ومثّله الأصوليون بالبيوع والإجارات والقراض والمساقاة. ويظهر أن معظم قسم المباح في المعاملات راجع إلى الحاجي. والنكاح الشرعي من قبيل الحاجي. وحفظ الأنساب، بمعنى إلحاق الأولاد بآبائهم من الحاجي للأولاد وللآباء. فللأولاد للقيام عليهم فيما يحتاجون ولتربيتهم النافعة لهم، وللآباء لاعتزاز العشيرة وحفظ العائلة.

стр. 1507

وحفظ الأعراض - أي حفظ أعراض الناس من الاعتداء عليها - هو من الحاجي، لينكف الناس عن الأذى بأسهل وسائله وهو الكلام. ومن الحاجي ما هو تكملة للضروري، كسد بعض ذرائع الفساد، وكإقامة القضاة والوزعة والشرطة لتنفيذ الشريعة. ومن الحاجي ما يدخل في الكليات الخمسة المتقدمة في الضروري إلّا أنه ليس بالغاً حد الضرورة. كما أشرنا إليه فيما مضى من الأمثلة. فبعض أحكام النكاح ليست من الضروري ولكنها من الحاجي مثل اشتراط الولي والشهرة. وبعض أحكام البيوع ليست من الضروري، مثل بيوع الآجال المحظورة لأجل سد الذريعة، ومثل تحريم الربا، وأخذ الأجر على الضمان، وعلى بذل الشفاعة. فإن كثيراً من تلك الأحكام تكميلية لحفظ المال، وليست داخلة في أصل حفظ المال. وعناية الشريعة بالحاجي تقرب من عنايتها بالضروري. ولذلك رتّبت الحد على تفويت بعض أنواعه، كحد القذف (١). وفيما دونه مجال للمجتهدين. فلذلك نراهم مختلفين في حد الشرب لقليل من المسكر (٢)،

стр. 1508

وفي تحريم نكاح المتعة (١). والمصالح التحسينية هي عندي ما كان بها كمال حال الأمة في نظامها حتى تعيش آمنة مطمئنة، ولها بهجة منظر المجتمع في مرأى بقية الأمم، حتى تكون الأمة الإسلامية مرغوباً في الاندماج فيها أو في التقرب منها. فإن لمحاسن العادات مدخلًا في ذلك سواء كانت عادات عامة كستر العورة، أم خاصة ببعض الأمم كخصال الفطرة وإعفاء اللحية. والحاصل أنها مما تراعى فيها المدارك الراقية البشرية. قال الغزالي: "هي التي تقع موقع التحسين والتيسير للمزايا ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات، مثاله: سلب العبد أهلية الشهادة مع قبول فتواه وروايته، لأن العبد ضعيف المنزلة باستسخار المالك إياه، فلا يليق بمنصبه التصدي للشهادة" (٢) اهـ.

стр. 1509

ومن التحسيني سد ذرائع الفساد (١). فهو أحسن من انتظار التورّط فيه. فهذه أنواع المصالح باعتبار آثارها في قوام أمر الأمة. ولقد تتبع العلماء تصاريف الشريعة في أحكامها فوجدوها دائرة حول هذه الأنواع الثلاثة. ووجدوها لا تكاد تفيت شيئاً منها ما وجدت السبيل إلى تحصيله حيث لا يعارضه معارض من جلب مصلحة أعظم أو درء مفسدة كبرى. وليس غرضنا من بيان هذه الأنواع مجردَ معرفة مراعاة الشريعة إياها في أحكامها المتلقاة عنها، لأن ذلك مجرد تفقه في الأحكام. وهو دون غرضنا من علم مقاصد الشرعية، ولا أن نقيس النظائر على جزئيات تلك المصالح، لأن ذلك ملحق بالقياس وهو من غرض الفقهاء. وإنما غرضنا من ذلك أن نعرف كثيراً من صور المصالح المختلفة الأنواع المعروف قصدُ الشريعة إياها، حتى يحصل لنا من تلك المعرفة يقين بصور كلية من أنواع هاته المصالح. فمتى حلت الحوادث التي لم يسبق حلولها في زمن الشارع، ولا لها نظائر ذات أحكام متلقاة منه، عرفنا كيف ندخلها تحت تلك الصور الكلية، فنثبت لها من الأحكام أمثال ما ثبت لكلياتها، ونطمئن بأننا في ذلك مثبتون أحكاماً شرعية إسلامية.

стр. 1510

وهذا ما يسمى بالمصالح المرسلة (١). ومعنى كونها مرسلة أن الشريعة أرسلتها فلم تُنِط بها حكماً معيناً، ولا يُلفى في الشريعة لها نظير معين له حكم شرعي فتقاس هي عليه. فهي إذن كالفرس المرسل غير المقيَّد. ولا ينبغي التردد في صحة الاستناد إليها، لأننا إذا كنا نقول بحجية القياس الذي هو إلحاق جزئي حادث لا يُعرف له حكمٌ في الشرع بجزئي ثابت حكمُه في الشريعة للمماثلة بينهما في العلة المستنبطة، وهي مصلحة جزئية ظنّية غالباً لقلة صور العلة المنصوصة، فَلَأَنْ نقول بحجية قياس مصلحة كلية حادثة في الأمة لا يُعرف لها حكم على كلية ثابت اعتبارُها في الشريعة باستقراء أدلة الشريعة الذي هو قطعي أو ظني قريب من القطعي أولى بنا وأجدرُ بالقياس وأدخلُ في الاحتجاج الشرعي. وإني لأعجب فَرط العجب من إمام الحرمين - على جلالة علمه ونفاذ فهمه - كيف تردّد في هذا المقام (٢). وأما الغزالي، فأقبل
следующие страницы →