← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الكبرى للجمعية. وبرز دور هذا الأستاذ الإصلاحي العملي بسدّ الثغرات، وحسن توجيه الطلبة في مجالات الحياة، حتى نال الزعامة المطلقة، والإجلال العظيم، من الشبيبة الصادقية و طلبة الجامع الأعظم جميعاً (١). وعلى غرار هذا المصلح، وبروح متوثِّبة إلى التغيير والتكميل، سار الشيخ ابن عاشور، تدفعه همته العالية وروحه اليقظة، داعياً أمير البلاد، عند عودته من رحلته الباريسية، إلى وجوب العناية بجامع الزيتونة الأعظم وتعزيزه. وقد سبقت الإشارة إلى ذلك بذكر قصيدته الميميّة في تحية القدوم. طلبة الجامع الأعظم: حرص طلبة العلم على الإصلاح ونادوا به. وبرز هذا جلياً بإعلان الإضراب في ربيع الثاني ١٣٢٨/ أبريل ١٩١٠، مطالبين بتجديد برامج التعليم المعمول بها بالجامع الأعظم. وتتلخّص مطالبهم في: ١ - إعادة تنظيم التعليم الزيتوني وإصلاحه، من حيث المناهج الدراسية، والأساليب التربوية، مع الإلحاح على إدماج بعض المواد الضرورية في برامج الدراسة كالتاريخ والجغرافية، وعلى تعديل بعض المواد التقليدية المملّة. ٢ - إحداث شهادة ختم الدروس للمرحلة الأولى من التعليم الزيتوني "الأهلية".

стр. 177

٣ - مراقبة حضور المدرسين (١). ٤ - إعفاء الطلبة من المجبى، ومن الخدمة العسكرية. الشيخ ابن عاشور والإصلاح: كانت هذه المطالب وما يرتبط بها حاضرة ماثلة في ذهن الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور. وتوفّرت أسباب ذلك لديه: منها ما هو معروف بين الخاصة والعامة، وفي الأوساط العلمية الزيتونية، وحتى في الأوساط السياسية والاجتماعية. وهي إصلاحات الوزير خير الدين. وما كان يتلقاه مباشرة من آراء جدّه الوزير، وتصرّفاته بشأن إصلاح الزيتونة. وقد كان جدّه الوزير من علماء الزيتونة، تخرّج من بين عرصاتها، واغتذى بلبانها بالأخذ عن أشياخها، وتردّد طالباً على حلقات العلم بها، ثم تولّى تفقّدها وهو وزير، كما تولّى بنفسه الإشراف على اللجنة الأولى لإصلاح التعليم بجامع الزيتونة سنة ١٣١٦/ ١٨٩٨. وما لاحظه الشيخ ابن عاشور بنفسه، وهو طالب ومدرس بالجامع الأعظم، من مسيس الحاجة إلى الإصلاح في مجالات عديدة مختلفة. ومنها ما دعاه إلى المعالجة الفعلية لقضايا الإصلاح، وهو نائب الدولة لدى النظارة العلمية ١٣٢٥/ ١٩٠٧، ثم وهو قاضٍ، بوصفه عضواً في هيئة تلك النظارة، ثم بوصفه شيخ الإسلام، والشيخ المدير للجامع الأعظم.

стр. 178

كان الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور يدرك مدى العلاقة بين رجال العلم والإصلاح. فالشيوخ لم يكونوا يكترثون بالتعديل أو التغيير لتعليمهم من تلقاء أنفسهم، أو يظهرون الاهتمام به والالتفات إليه، إلا ما كان منهم بعد تأسيس الجمعية الخلدونية في ١٨ رجب ١٣١٤/ ٢٤ ديسمبر ١٨٩٦، كما كان يدرك موقف المشائخ وما يتلقون به مساعي المصلحين من الحكومة بالتذمر والضجر. لا يحملهم على ذلك إلا حرصهم على حرية التصرّف في معهدهم، كما كان أسلافهم، وعدم التقيّد بنظام أو التزام بترتيبٍ ينشأ عنه تدخّل في الدين ومنهج تلقينه وطريقة نشره وتعليمه. ومن ثَمّ لم يعيروا الإصلاحات الثانية اعتباراً، ومضوا مستهينين بها، ومخالفين لها، مجدّدين بذلك موقفهم الذي وقفوه قبل من إصلاحات المشير أحمد باي الأول. وانكمش خير الدين عن المضي في إصلاحه، تاركاً أشياء كثيرة لم يتمّها، كما توقّف المسؤولون في قطاع التعليم من رجال الحماية عن المشاركة في جهود الإصلاح، لما تقدّم به رجال العلم بالزيتونة من وصفهم للإصلاحات بكونها بدعة. وبدأ الشقاق يظهر بين الطرفين المحافظ والإصلاحي؛ فازداد الأول تمسكاً بموقفه، وأبدى دعاة الإصلاح رغبتهم في التغيير والتجديد وإصلاح التعليم العربي الإسلامي على وجه لا يزيل عنه صبغته المحمودة عند عموم الأمة. وقابل الجانب الفرنسي هذه الدعوة بالإنكار والإعراض، وقال مدير التعليم العمومي: أرجعوا تعليم جامع الزيتونة إلى المشايخ الأربعة وخلّوا بينهم وبين جامعتهم (١).

стр. 179

حركات إصلاح التعليم في القرن ١٤/ ٢٠ في ربوع المشرق والمغرب: إنا حين نؤكد على ارتباط الشيخ ابن عاشور بشيخيه النخلي وبوحاجب، لطول ملازمته لهما، وإفادته منهما، وسيره على وفق منهجيهما في العمل الإصلاحي، لا ننسى ما يشدّه من عرى المودة أو يصل بينه وبين رواد الفكر الإصلاحي في عصره. فقد كان له ارتباط متفاوت، إما مباشرة برجال الإصلاح في العالم العربي والإسلامي، وإما بما ذاع عن بعض قرنائه في هذا المجال من آراء واجتهادات وأفكار، لفتت الأنظار إليهم، واقتضت الاتصال بهم أو التعرف عليهم. * * *

стр. 180

١ - الأستاذ الإمام محمد عبده هو الأستاذ الإمام محمد عبده مفتي الديار المصرية، وزعيم الإصلاح بالأزهر الشريف. تأكدت به صلته عند زيارته الثانية لتونس في رجب ١٣٢١/ أوت ١٩٠٣. وحصل من التجاوب بينهما ما جعل القادم ينظر إلى العالم الشاب، نِظرة إعجاب لزكانته، ورجاحة عقله، وبعد نظره، وقدرته الفائقة البيانية، وحُسن تدبيره، وكريم مواهبه، ناعتاً إياه بسفير الدعوة في الجامعة الزيتونية. وحمل ذلك الشيخ ابن عاشور على التنويه بالزائر الكبير، والحفاوة به، والإشادة بمكانته العلمية، وآرائه وأفكاره الإصلاحية. ونحن نعلم أن هذا الأستاذ رغم اختياره في الإصلاح المنهجَ الثوري الذي اشتهر به، كانت له مبادىء وآراء عمل على نشرها والدعوة إليها ونفع الناس بها. ومجملها في مجال التربية والتعليم ما يعرب عنه قوله: "أمر التربية هو كل شيء ... وعليه يُبنى كل شيء ... وكل مفقود يفقد بفقد العلم، وكل موجود يوجد بوجود العلم. وأي إصلاح للشرق والشرقيين لا بد أن يستند إلى الدين، حتى يكون سهل القَبول، شديد الرسوخ، عميق الجذور في نفوس الناس. والناس في التعليم طبقات ثلاث: العامة، والساسة، والعلماء. ويجب تحديد ما يلزم لكل واحدة من هذه الطبقات الثلاث من التعلم كمّاً ونوعاً" (١).

стр. 181

وطريق ذلك في إصلاح التعليم الديني قوله: "يجب تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف هذه الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى. والنظر إلى العقل باعتباره قوة من أفضل القوى الإنسانية بل هي أفضلها على الحقيقة" (١). * * *

стр. 182

٢ - الأستاذ محمد كرد علي هو الأستاذ محمد كرد علي، رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق. ١٢٩٣/ ١٨٧٦ - ١٣٧٢/ ١٩٥٣. كان رئيساً لديوان المعارف ثم وزيراً للمعارف. وهو الذي يقف بين فرقتين: فرقة أنصار القديم من المتدينين الذين لا يعترفون بغير علوم الدين التقليدية، وبين أنصار الفرقة الحديثة الذين لا يريدون الأخذ بفنون الغرب العسكرية والتقنية فحسب، وإنما أيضاً بجملة مُثُله وفلسفته وعاداته، فيعلنها مدويةً: "ها قد أصبحنا بعد هذا النزاع بين علوم الدين وعلوم الدنيا والأمة شطرين: شطر هو إلى البلاهة والغباوة، وشطر إلى الحمق والنفرة. نسينا القديم ولم نتعلم الجديد. ومن الغريب أن معظم المستنيرين بقبس العلوم الأوروبية منا لا يرجعون إلى آداب دينهم، ويميلون في الظاهر والباطن إلى أن يكون الدين فقط جامعة تجمع الأمة على مثال الجامعات السياسية والجنسية ... وهذه حالة هؤلاء مع أولئك. وستكون الغلبة لأنصار الحديث إذا لم يقم خصومهم بلمّ شعثهم على صورة معقولة مقبولة ... وبين هذين الفريقين فريق ثالث اختار الوسط بينهما. فلم يَرَ طرح القديم كله، ولا الأخذ بالحديث بجملته، بل آثر أن يأخذ المنافع من كل شيء ويضم شتاته" (١). * * *

стр. 183

٣ - الشيخ محمود شكري الآلوسي ونَعُدُّ من كبار علماء العراق الشيخ محمود شكري الآلوسي ١٢٧٣/ ١٨٥٦ - ١٣٤٢/ ١٩٢٤. عاش مناصراً للسلفية، محاولاً الجمع بين النصوص الشرعية والقضايا العلمية المعاصرة كالتي يقوم عليها علم الفلك. فإن خالفت هذه النصوصَ لم يلتفت إليها، ولم يؤوِّل النصوص لأجلها. وهو لذلك يأخذ بمنهج ابن رشد في فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال. وهو يقول بحركة دوران الأرض اليومية والسنوية حول الشمس، ويعتبر هذه مركز نظامها، وأن الأرض إحدى الكواكب السيارة، وهي سابحة في الجو معلقة بسلاسل الجاذبية، وقائمة بها كسائر الكواكب، لا أنها كما ذهب إليه بطليموس في الأفلاك كالمسامير في الباب، إلى غير ذلك من قواعدها المشهورة وقوانينها المذكورة، التي رآها لا تعارض الكتاب والسنة. فالعقل الصحيح لا يخالف النقل الصحيح، بل كل منهما يصدّق الآخر ويؤيده (١). * * *

стр. 184

٤ - محمد بن الحسن بن العربي الحجوي هو الشيخ الجليل محمد بن الحسن بن العربي بن محمد الحجوي الثعالبي الجعفري الفِلَّالي المغربي ١٢٩١/ ١٨٧٤ - ١٣٧٦/ ١٩٥٦. من المالكية السلفية، ولي وزارة العدل فوزارة المعارف. وكانت له تجربة إصلاحية. وله مؤلفات كثيرة من أهمها: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي. وفيه يقول: "باشرت سنة ١٣٣٢ تنظيم المجلس التحسيني لإصلاح التعليم بالقرويين ... فوضعت قوانينه وترتيبه، وفاجأت بذلك علماءه فنفروا عنه. وبعد أن فهم المقصود أهلُ البصائر منهم، بما بذلته معهم من النصح والبيان، جأر منه من كان متسنماً مقاماً يقضي عليه التنظيم بالنزول عنه ... ومن أحسن ما أمكنني القيام به تفقد المدارس من حيث العلوم العربية والدينية من حين إلى آخر، وتتبع سيرها وبث روح النهضة فيها، والميل إلى إحياء علومنا والتشبع من العلوم العصرية، وحث المعلمين والمتعلمين على حفظ النظام" (١). * * * الشيخان العالمان المصلحان، اللذان لا يذكر أحدهما إلا مقترناً بذكر الآخر: ابن باديس والإبراهيمي.

стр. 185

٥ - الشيخ عبد الحميد بن باديس هو الشيخ عبد الحميد بن باديس ١٣٠٨/ ١٨٨٩ - ١٣٥٩/ ١٩٤٠. تخرّج بشهادة التطويع من جامع الزيتونة. والتقى في المدينة المنورة بشيخه التونسي، وبالشيخ البشير الإبراهيمي. له تآليف. وأعظم ما قام به، وأحيى به الجزائر، وواجه به التحديات الاستعمارية؛ إنشاؤه لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. وهي مؤسسة عتيدة ما زالت آثارها تمتلك نفوس روادها والمنتسبين إلى مدارسها. فهي خير ما كان يمثل الدعوة إلى النهضة عن طريق العلم والتربية الأخلاقية. ويرى إمامها أن الإصلاح يقوم على شقين مترابطين: التعليم من ناحية، ونبذ الجمود والأوضاع الطرقية من ناحية ثانية. وبهذا الاعتبار فإن مناهج ابن باديس، ومحمد عبده ورشيد رضا كانت متقاربة جداً؛ إذ يقوم العمل الإصلاحي لديهم على التربية والتعليم. فهو مناهض لإبطال الأحكام القطعية الاجتماعية، ولكل ما فيه هدم لروح الدين الإسلامي، وجحود لبعض القرآن، معتبراً ذلك فسقاً وكفراً (١). * * *

стр. 186

٦ - الشيخ محمد البشير الإبراهيمي هو العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ١٣٠٦/ ١٨٨٩ - ١٣٨٥/ ١٩٦٥. خلف الشيخ ابن باديس على رأس جمعية العلماء. وكان نشطاً في تكوين المدارس وتحفيظ القرآن وتعليم العربية. وهو خطيب مفوّه، وراجز بارع. فكان عضواً في المجامع اللغوية العربية بالقاهرة ودمشق وبغداد. أصدر البصائر، ونشرت مقالاته عيون البصائر، وله في مجلة الشهاب مقالات كثيرة. وبحكم تعاونه مع صديقه الإمام الشيخ ابن باديس، وضع المنهج الذي سارت عليه الحركة التعليمية الإسلامية الحرة بالجزائر في ظل جمعية العلماء. ولعلنا نستطيع أن نفهم الكثير من ومضاته الفكرية ولمحاته البيانية في هذا الموضوع. ومن ذلك قوله: "تعتبر التربية والتعليم من أهم القضايا التي تعنى بها الأمم. فبالتربية والتعليم تتقدم الحضارات، وتتطور المجتمعات، وتصنع الأجيال. فالتربية بوجه عام هي ذلك الجهد الذي يقوم به آباء الشعب ومربوه لإنشاء الأجيال على أساس فطرية الحياة التي يؤمنون بها" (١). ولتأكيد هذا التصور للتربية نجد الإبراهيمي يستشهد في هذا المقام بكلام رجال الكفاح من أجل عزة الإسلام، مثل الشيخ علي الندوي:

стр. 187

"لقد اتفق علماء التربية في العهد الحاضر على أن التربية في أمة وبلاد ليست بضاعة تصدر إلى الخارج، أو تستورد إلى الداخل، كالمصنوعات والمواد الخام والحاجيات والمخترعات التي لا تختص ببلد دون بلد، وإنما هي لباس يفصّل على قامة هذه الشعوب، وتقاليدها الموروثة، وآدابها المفضلة، التي تعيش لها وتموت في سبيلها" (١). يُمضي الإبراهيمي مرغباً ومنفراً، فيقول مخاطباً جمهور الشباب الجزائري المسلم: "وكما أن جهنم تُتّقى بالأعمال الصالحة، وأساسها الإيمان، فإن الاستعمار يتقى بالأعمال الصالحة، وأساسها العلم. وإذا كان العدو الأكبر لجهنم هو العمل الصالح، فإن العدو الأكبر للاستعمار هو التعليم" (٢). وفي نفس الإطار يقدم صورة للجزائر المعتدة بماضيها وحضارتها وعزّتها وإسلامها فيقول: "قلنا للحكومة مرّات في صدق وإخلاص: إن هذه الأمة رضيت لأبنائها سوء التغذية، ولكنها لا ترضى لهم أبداً سوء التربية، وإنها صبرت على أسباب الفقر، ولكنها لا تصبر أبداً على موجبات الكفر" (٣). ونراه بعد ذلك يقابل بين موقفي جمعية العلماء من الشعب الجزائري وبين موقف الاستعمار الفرنسي في قضية التعليم والتثقيف فيقول:

стр. 188

"هدف هذا الصراع بين جمعية العلماء والاستعمار الفرنسي هو الأمة الجزائرية. فالجمعية تريدها أمة عربية مسلمة، كما هو قَسْمها من القدر، وحظها في التاريخ، وحقّها في الإرث، وحقيقتها في الواقع والمصطلح. تريدها كذلك وتعمل لتحقيقه. والاستعمار يريدها هيكلاً، لا تترابط أجزاؤه، ولا تتماسك أعضاؤه، يوجّه وجهه إلى الغرب، ويمكِّن في أفكاره لأهواء الغرب، وفي لسانه رطانات الغرب، بل يريد الاستعمار أن يقتلع جذور هذه الملة من تربة ويغرسها في تربة، فتأتي مضعونة هزيلة لا من هذه ولا من هذه" (١). ثم يقول مرة مخاطباً الأجيال الصاعدة: "شباب الأمة هم عمادها، ومادة حياتها، وسر بقائها. وخير شباب الأمة المتعلمون المثقفون، البانون لحياتها وحياة أمتهم على العلم. وصفوة الشباب المتعلم المثقف هم المتشبّعون بالثقافة الإسلامية العربية والمقدِّمون لها، لأنهم هم الحافظون لمقوّماتها، المحافظون على مواريثها، وهم المثبِّتون لوجودها، المصحِّحون لتاريخها، المواصلون لمستقبلها بماضيها" (٢). ويقول مرّة أخرى محدداً مطلب الأمة من العلم: "والأمة تريد تعليماً عربياً يساير العصر وقوتَه ونظامَه، لا تعليماً يحمل جراثيم الفناء، وتحمله نذر الموت" (٣). هذه إشارات ومواقف مختلفة ومتّفقة، مختلفة باعتبار الظروف والملابسات التي صدرت فيها، ومتّفقة في الغاية التي تتطلع إليها جهود المصلحين ومساعي المجاهدين. * * *

стр. 189

القسم الرابع إصلاح التعليم الزيتوني في نظر الإمام

стр. 190

تمهيد: إن الاتجاهات الفكرية والمناهج الإصلاحية التي رمزنا إليها بما كان يجري في بلاد المشرق والمغرب، وكل الأحداث التي واجهت الشيخ ابن عاشور، وأوضاع التعليم وأسباب ضعفه، وأحوال البيئة الزيتونية بما التأم فيها من شيوخ وطلبة وجهاز إداري وأوضاع اجتماعية مشتركة في الغالب بين جميع الأفراد، وكل مبادرات الإصلاح للتعليم بجامع الزيتونة بأسبابها ودواعيها وموادها وعناصرها ومراحلها، وما أثارته من اختلافات أو نزاعات حولها، كانت حاضرة لدى الإمام الأكبر ذهنياً وهو في عزّ شبابه، لمّا يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، حين أقبل على تصوير المجتمع الزيتوني الذي ينتسب إليه، ويعيش معه وبين أفراده، مقدّماً لنا ما كان له فيه من آراء، وعليه من ملاحظات. وقد شعر في بادىء تجربته الخاصة في ميدان الإصلاح بما حمله على التردّد أحياناً، ثم أعقب تردده عزم ومضيٌّ فيما أجمع عليه من الأمر. قال في بداية مذكراته أليس الصبح بقريب وهي مدوناته الإصلاحية: "قد كان حدا بي حادي الآمال، وأملى عليّ ضميري، من عام واحد وعشرين وثلاثمائة وألف، للتفكير في طرق إصلاح تعليمنا العربي والإسلامي، الذي أشعرتني مدة مزاولته، متعلماً ومعلماً، بوافر حاجته إلى الإصلاح الواسع النطاق. فعقدت الحزم على تحرير

стр. 191

كتاب في الدعوة إلى ذلك، وبيان أسبابه. ولم أنشب أن أزجيت بقلمي في ابتداء التحرير، فإذا هو يسابقني كأنه من مطايا أبي العلاء القائل: ولو أن المطيّ لها عقول ... وجدّك لم نَشُدَّ لها رحالا وصادفتُ أيام عطلة التدريس الصيفية في ذلك العام، فقضيت هواجرها الطويلة وبكرها الجميلة في هذا العمل" (١). وعاد العلامة المصلح إلى كتابه، فأتمّه بعد ذلك في ثلاثة أصياف. وحالت دون تهذيبه وإصداره موانع جمة، لم تزل تطفو وتركد، وتغفو وتسهد، لكنه بحمد الله مضى فيما شرع فيه، وهو يقول: "غير أني لم أدع فرصة إلا سعيت إلى إصلاح التعليم فيها، بما ينطبق على كثير مما تضمّنه هذا الكتاب. فاستتب العمل بكثير من ذلك وبقي كثير، بحسب ما سمحت به الظروف، وما تيسّر من مقاومة صانع منكر ومانع معروف" (٢). شروط القيام بالإصلاح: دلَّت التجربة التي مرّ بها الشيخ ابن عاشور في عمله الإصلاحي، وأثبت أهميتها في خطبه الكثيرة، وبكتابه على وجه الخصوص، على وجوب تسلح المصلح، ومن يختار هذه المهمة الشاقة السامية في حياته، بأمرين اثنين: أحدهما: أن يكون مؤهلاً للاضطلاع بالعمل الإصلاحي في ميدان التعليم. ومن أهم شروط هذا التأهل أن يكون ممّن أنشأه هذا

стр. 192

التعليم نفسه، عارفاً بحاجات الزمان وغايات العلوم، نظّاراً إلى الروح لا إلى الجثمان، بعيداً عن متابعة السفاسف، خبيراً بما أصاب مزاج التعليم من العلل، وبأنواع أدويتها (١). ثانيهما: أن يكون المصلح صادقاً مخلصاً صبوراً مثابراً على أداء واجبه، قادراً على إقناع من حوله من الناس بضرورة الإصلاح، فلا يتغافلون أو يتقاعسون، ولا يُعرضون أو يمتنعون بعد، بل يشدّون على يديه، ويبذلون الوسع في التعاون معه لتحقيق الغاية وبلوغ القصد. ولعل من أهم الطرق إلى بلوغ ذلك اعتماد سياسة الترهيب والترغيب، بتوجيههم إلى ذكر ماضيهم والاعتبار بأحوال حاضرهم، والأوضاع السيئة والمزرية، القلقة والمضطربة، التي تنتابهم في مسيرتهم العلمية. كما ينبغي للمصلح القيام بتصوير منافع الإصلاح وغاياته، ومقاصده القريبة التي لا يصعب على المرء اكتسابها والبلوغ إليها، والبعيدة التي أساسها التغيير والتلقيح والتعصير، وهذه تحتاج إلى عطاء وبذل واستمرارية وتضافر جهود. التذكير بأمجاد الزيتونة: الدعامة الأولى لهذه السياسة تملأ الناس إيماناً وثقة بالنفس وعزماً ورجاءً. وكيف لا يتمّ لهم ذلك إذا ذكروا ما قدمه أجدادهم من جهود، وبلغوه من رقي وتقدم، وسموْا به إلى الذروة بين غيرهم من الشعوب والأمم. "فتونس كانت في كل عصر غرّة الدول المغربية والعواصم

стр. 193

العلمية بها، وأهلها أقرب إلى التحقيق وإلى التقدم السريع" (١). ومن يعد إلى اللمحات الجليّة في تاريخ تونس العلمي والثقافي يجد ما يثلج الصدر، ويبعث على الاعتزاز والفخر، ويستوجب شكر الباري على كل ما منّ به على هذا القطر، من علماء وقادة ورجال إصلاح ونبغاء في كل فن. فلقد كان من بينهم، في مختلف فروع المعرفة والعلم؛ ابن زياد، وابن شبيب، ومحرز بن خلف، وابن بزيزة، وابن الجزار، وابن زيتون، وابن البراء، والغماري، والهواري، وابن الحباب، والرعيني السوسي، وابن خلدون، وابن عرفة، والقرشاني، وابن راشد. وأمثال هؤلاء كثير وخاصة من المهاجرة الأندلسية والمغربية والجزائرية. نعد منهم: المازري، واللبلي، وابن عصفور، والحضرمي، وابن حبيش، وابن الغماز، والخلاسي، وابن رزين، وابن عَميرة، وابن سعيد، وابن هاني، والقرطاجني، وابن الكماد، وابن الرومية، وقد كانت إفريقية للأولين منبتاً، وللآخرين موئلاً. تفتّقت بها أسرارهم، وتفتّحت بها مواهبهم، وظهرت بها آثارهم ومصنَّفاتهم. وكانت لكل واحد منهم مكانته المرموقة، ومنزلته العالية في العلوم الشرعية أو العربية أو الرياضية، أو الطبيعية، أو في الطب، أو التاريخ، أو القضاء، أو الدعوة والإصلاح (٢).

стр. 194

وإن هذا الماضي المجيد ليدعو إلى الاعتزاز بشرف الانتماء إلى الوطن وإلى رجاله وقادته وعلمائه. ويحمل على المحافظة على تلك القيم الموروثة، وعلى التمسك بذلك التراث العظيم. فلا يتسامح في إضاعته أو نسيانه، ولا يقبل الرجوع على الأعقاب ولا التخلف عنه، فيصدق على ذلك ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ (١). ويحق قول لبيد: اِقْض اللبانة لا أب لك واذهب ... والحق بأسرتك الكرام الغيّب ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب ما آل إليه التعليم بالجامع الأعظم: وهنا تبرز الدعامة الثانية للإصلاح التي تدفع إلى نقض الأوضاع، والبحث عن العلل، والسعي إلى التغيير. وهي تتمثل في إلقاء نظرة عميقة فاحصة على الواقع المرّ والوضع السيِّئ الذي انتهى إليه ذلك المركز العلمي الجليل جامع الزيتونة، والدهش مما حَلَّ بأهله من غفلة ونكوص. وتحمل على المقارنة بين هؤلاء وأسلافهم ما كنا نبّهنا إليه من إهمال الضبط، واختلال النظام. فلا المناهج محدّدة، ولا الكتب مقرّرة، ولا الأوقات معيّنة، ولا المدرسون مراقبون، ولا المتطوِّعون قائمون بما التزموا به من حصص الدرس. فالانسياب مُسْتَشْرٍ، والفوضى مسيطرة على كل شيء. وطلاب العلم بهذا المعهد متفاوتو الأعمار، متمايزو المواهب والاستعدادات. ومما يزيد الوضع سوءاً الغفلة عن تنظيم درجات التعليم، وإعطاء كل مرتبة من المراتب ما تحتاجه من عناية، ويناسبها من أسلوب لائق بها نافع لها. فقد أهملت التمارين التطبيقية في عامة الدروس حتى

стр. 195

بالمرحلة الابتدائية، وترتّب على ذلك ضعف الملكات اللسانية وقِلّةُ التحصيل. وخلا التعليم من المواد التربوية، وعَرِي مما يفيد التلامذة اطلاعاً على أحوال الأمم وارتباطاً بواقع الحياة خارج جدران الجامع. وجمدت المعارف لدى هؤلاء فلم يتجاوزوا ما ورد منها بالكتب من آراء وتقريرات لاستظهارهم إياها بغير نظر ولا تمييز ولا نقد حتى في المرتبة العالية من التعليم أو القريبة منها. وقصرت الهِمم عند ذوي الكفاءات العلمية عن التأليف، وبقي جميعهم مقيداً في مواد الدراسة بمصنفات وكتب مرت على تأليفها وتصنيفها قرون، فتحجَّرت العقول وتعطلت آلة التدبر والتفكير (١). وقد تعرض العلامة المصلح الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور إلى تفصيل القول في ذلك كله عند بيان أسباب تأخر التعليم وفساده، فلم يترك في ذلك مقالاً لقائل (٢). غايات التعليم الزيتوني وأهدافه: لإبراز نتائج المقارنة، لطلبة الجامع الأعظم وخريجيه، بين أمسهم المشرق، ويومهم الغائم الرضف، ومن أجل شحذ هممهم وتحريك عزائمهم لعملية التجديد والتغيير التي دعا إليها الشيخ ابن عاشور، لا بد أن يركن دعاة الإصلاح ورجاله إلى الدعامة الثالثة فيعالجون مشاكلهم بالبر والتقوى والنصيحة والمعروف، ليستشعروا من وراء ذلك عظيم رسالة جامع الزيتونة معهدهم العتيق والوحيد، ويذكروا ما غاب عنهم من إشراقه الديني والفكري، وإشعاعه وسلطانه

стр. 196

الروحي والعلمي، بسبب رتابة حياتهم وعاداتهم المضلّة، والمفترض أن يكونوا على علم وبيّنة، بل على اعتقاد ويقين، بما يرام من وراء هذا التعليم، وبما حقّقه في الماضي، وما يمكن أن يحقّقه لهم من طموحات وآمال. فليس التعليم عندهم مقصوراً على ما يبلغ به المرء إلى استخدام النفوس في مقاصد الدين، كما كان الشأن لدى الأمم السالفة التي كان معظم نظامها مستمداً من الأديان في الكليات والجزئيات. فذلك تعليم اختصاصي لحملة الأسرار الدينية من كهنة وسدنة. وهو لا ينطبق أساساً على صبغة التعليم الإسلامي ومراكزه عندنا (١). ولكنه تعليم يحفظ على الأمة دينها الذي به ازدهارها في الحياة العاجلة، وسعادتها في الحياة الأبدية الآخرة، كما يحفظ عليها لغتها التي هي ضمان جامعتها، ومظهر مفاخرها وعزتها. ولكون هذا التعليم يفيد ارتقاءً في النوع الإنساني وكمالاً، باعتبار استجابته لحاجات العصر ومن به من الأقوام، وهو ما تتفاوت فيه مدارك الناس، كانت الغاية منه أن يفيد ترقية المدارك البشرية، وصقل الفطر الطيبة، لإضاءة الإنسانية وإظهارها في أجمل مظاهرها، فيخرج صاحبها من وصف الحيوانية البسيط، وهو الشعور بحاجة نفسه خاصة، إلى ما يفكر به في جلب مصلحته ومصلحة غيره، بالتحرز من الخلل والخطأ، قدرَ الطاقة، وبحسب منتهى المدنية في وقته (٢). وهذا المعنى هو الذي فصّله الأستاذ الإمام في قوله من خطبته

стр. 197

بالجامع الأعظم: "فعلينا أن يكون طلبة العلم بالمعهد الزيتوني علماء بالأصول الإسلامية، والمعاملات الفقهية التشريعية، والآداب الدينية والأخلاق القويمة، وعلوم آداب اللغة العربية، وما يتحصّل بذلك من تاريخ الأمة وتاريخ أحوال وضعيتها من الأمم المعاصرة لها في سائر عصورها، وتاريخ رجالها وسيرهم" (١). ولم يخلُ هذا المعهد في أي العصور من علوم تكمل مدارك خريجيه تكميلاً يؤهلهم لمسايرة أحوال مجتمعاتهم. ونحن اليوم في عصر صار فيه المجتمع الإنساني بمنزلة مجتمع القطر الخاص. وامتزجت حاجات الأمم ومصالحها به بعضها ببعض. فأصبح تقارب الثقافة بينهم ضربة لازب، وصار ما كان يعد تكملة موضوعاً الآن في عداد الواجب. فلذلك كله لم يَغْنَ التلميذ الزيتوني عن أن يضرب مع أمم عصره بسهم صائب. وذلك يلزمه لا محالة إلى أن يصعد في جو الثقافة الزمنية إلى مرتقى لا يقعد به عن مجاراة أرقى الأمم إحاطة بدلائل الحياة السعيدة، ولم يغن عن الأخذ بالنصيب الكامل مما يتناوله أمثاله من علوم التبصر، فلا يعدم بصارة بأحوال العالم، تبَصُّرَ خريجي المعاهد الراقية. وبرامج ذلك توضع على وفق المناسبة للمراتب التي يختار التلميذ الانتهاء إليها، على وجه تحصل به التكملة ولا يضاع معه الأصل" (٢). ومن هنا نصل إلى غاية الغايات من التعليم الإسلامي، وأسنى مقاصده. وذلك هو إنتاج قادة للأمة في دينها ودنياها، وهداةٍ هم

стр. 198

مصابيح إرشادها، ومحاصد قتادها، ومهدئو نفوسها إذا أقلقها اضطراب مهادها (١). الترتيب الصادقي ١٢٩٢/ ١٨٧٥، عرضه ونقده: ربما كان لهذا الترتيب - رغم غضب عصابة المعارضين للإصلاح من الشيوخ ونفورهم منه - أثر كبير في تحسين الأوضاع وتغييرها في أواخر القرن الماضي إلى ما هو أحسن. فهو، بما أحدثه من تنظيم، يفارق ما كان عليه التعليم بالجامع الأعظم من فوضى سائدة وأحوال سائبة. لكنه مع ذلك، ورغم ما ظهر به من جدّة، يستحق المراجعة ممن مارسه وخضع له ليصبح متجاوباً مع العصر، مسايراً لمتطلباته، معالجاً لمشاكله، مساعداً على بلوغ الغاية منه. وإنا وإن قدمنا صورة لوضع هذا التعليم من قبل فإن تحليلها وتفصيلها يعتبر ضرورياً لبناء حركة الإصلاح، والقيام بما يحتاج إليه من تهذيب وتغيير وتكميل وتحوير. فنظام التدريس يقوم في ذلك العصر على اختيارات مختلفة من الأساتذة والطلبة والإدارة، وهو يشمل الدروس وتعيينها، وأوقات إلقائها، ونظامِ الامتحانات وترتيباتها، والعطل والإجازات الجامعية. كما يُعنى بالتدريس والدروس وأحوال المدرسين والفنون والكتب، وأحوال التلامذة والتأليف. وقد رأينا الشيخ ابن عاشور منكباً على هذه القضايا كلها، فكراً ونظراً، منهجاً وتطبيقاً. كما ينطق بذلك كتابه: أليس الصبح بقريب، وإنجازاته، على مدى العمر كله، مباشرة أو بواسطة المتخرّجين على يديه والمنفذين لخططه. وهذا ما يدعونا إلى متابعة المسيرة بياناً

стр. 199

للأوضاع السابقة ونقداً لها، واقتراحاً لما ينبغي أن نوفره من وجوه الإصلاح، للنهوض بالزيتونة وعلمائها ومناهجها، وتطور العلوم بها. نظام التعليم سابقاً بجامع الزيتونة: يتم ترسيم التلميذ للتعلم بالزيتونة على مراحل تمثل إجراءات حتمية إدارية: ١ - اختياره دروساً بحسب ما يبلغه، مما يتناقله أهل الجامع، من معلومات عن الفنون اللازم قراءتها على الشيوخ. وهي المواد الأساسية لهذه المرحلة: التجويد والتوحيد والفقه والنحو. ٢ - الشروع في حضور تلك الدروس، والاستمرار على ذلك أياماً، حتى يحصل التعرّف منه على الشيوخ الذين يزاول عليهم الدراسة، وليعرفَه الشيوخ. ٣ - اقتناؤه دفتر الدروس. وهو عبارة عن سجل في القالب الربعي، يشتمل على مائة صفحة، في كل صفحة ثلاثة جداول: يسجل في الأول منها اسم الكتاب، وفي الثاني اسم الشيخ المدرس يضعه بخطه، وفي الثالث موضع شهادة الشيخ للتلميذ بما حضره من دروس الكتاب المقرر إلى تاريخ تسجيل تلك الشهادة. ٤ - ذهابه، مع أحد شيوخه الذين حضر دروسهم وتعرّف عليهم، إلى مكتب النظارة العلمية، ليقدمه إلى كاتب النظارة إن لم يكن معروفاً. فيكتب له هذا في أول ورقة من دفتره اسمه وبلده وعدد ترسيمه العمومي وتاريخ تسليم الدفتر إليه. فإن لم يكن التلميذ ممن حضر تلك الدروس، وإنما ورد من خارج الحاضرة (١)، أعلم الإدارة

стр. 200

بما قرأه في بلده، واختبره النائبان عن الوزير، وهما اللذان يكتبان له بعد ذلك، في بطاقة يمضيانها ويسلمانها للمشايخ النظار، ما يظهر لهما من أهليته. فيُكتب له في دفتره خِطَابٌ من النظار إلى المدرسين بالجامع، بأنه أهل لقراءة ما تبيّنت أهليته له. وهكذا يمكن لهم كتابة الشهادات له بما حضره من الدروس. ولا يجوز لهم الشهادة لمن لم يحضر دروسهم إلا متى اشتمل دفتر الطالب على شهادة كفاءة لذلك الكتاب؛ إما بهذا الاختبار، وإما بالاختبار العمومي. وعلى هذه الطريقة يستمر الطالب كامل سنيّ دراسته، لا ينتقل من دراسة كتاب إلى ما فوقه، أي من سنة إلى أخرى فوقها، إلا بما يشهد له به الاختبار العمومي السنوي (١). عناصر نظام التدريس: أولها: التعليم بالجامع ليس بالضرورة أن يكون محدداً من طرف الإدارة: فللمدرِّس أن يختار ما شاء من الفنون أي المواد، والكتب، والأوقات، والمراتب، وعدد الدروس. كما يمكنه الشروع في الدروس بدون حصول على إذن من النظارة. ذلك أن الفصل ٢٢ من الترتيب الصادقي ١٢٩٢ لا يلزم الشيوخ بالاستئذان في إقراء كتب كانوا درّسوها أو في إقراء ما دونها. وللتلميذ أيضاً حق اختيار المدرس، وعدد الفنون، والدروس. ويلاحظ العلامة الشيخ ابن عاشور أن من نتائج هذه الحرية أو شبه الاختيار من المدرس ومن التلميذ ما يترقب عليه إغفال فنون

стр. 201

كثيرة، أو ضعف التكوُّن في بعضها، وما يحصل بسبب ذلك بوجه عام من التفاوت بين الطلبة المنتسبين إلى مرتبة واحدة (١). ثانيها: طريقة اختيار الدروس وتعيينها: لم يحدد النظام ترتيباً لهذا، بل جعل الأمر موكولاً إلى الجهات الثلاث: الطالب، والمدرس، والنظارة. فلكلٍّ الحق في الاختيار والتحديد. فللطلاب أن يعرضوا على الشيخ إقراء كتاب يعيّنونه، كما أن لهم أثناء الدراسة عندما يختمون كتاباً أو يناهزون ختمه، أن يزيدوا بمقتضى القانون ما يريدونه من المواد، ليتم لهم النصاب المشروط من الفنون للمشاركة في امتحان شهادة التطويع. والمواد التي هم مطالبون بها في المرحلة الثانية من التعليم، بحسب الإصلاح أو النظام، عشرة: علوم الحديث، والتوحيد، والتجويد، والفقه، والفرائض، وأصول الفقه، والنحو، والصرف، والبلاغة، والمنطق. وهذه - كما قال الشيخ ابن عاشور - متفاوتة فيما يشترط على التلميذ من كثرة كتبها. وللشيوخ أن يعرضوا على طلبتهم دراسة كتاب بعينه فيجيبونهم إلى ذلك. كما أن للنظارة العلمية اقتراح زيادة دروس مما يعيّنونه من الكتب للمصلحة (٢).

стр. 202

والملاحظ هنا أن التعليم في الجامع كان تعليم كتب أكثر منه تعليم فنون ومواد. ولعلهم ميَّزوا لذلك بين سني الدراسة لا بالعدد، ولكن بذكر أسماء كتب العربية التي كانت تدرس بالمعهد، فقالوا: سيدي خالد يريدون السنة الأولى، وعنونوا بالقطر للسنة الثانية، وبالمكودي للسنة الثالثة، وهكذا دواليك. وما من شك في أنهم كانوا على طريقة المتقدمين في المنهج والأسلوب. يؤثرون الحفظ والرواية في أولى سني الدراسة، فيلزمون الطلاب بالاستظهار لكونه زينة العالم، ولما فيه من قدرة على الإلمام بالمسائل، وعلى الاحتفاظ بقواعد وقوانين العلوم، كما وجّه إلى ذلك الشيخ الرئيس ابن سينا أخاه في أرجوزته المنطقية حين قال: فيا عليّ اجعلْه ظهرَ القلب ... حتى إذا بلغت سنّ اللُبِّ عقلتَ، فاستظهرت منه عقلاً ... وصرت للخير الكثير أهلاً (١) وما من شك في كون هذه الطريقة لا تصلح في مراتب الدراسة كلها، لأن الطالب يحتاج معها إلى توفر ملكتي الفهم والنقد لتتفتَّق مواهبه وتتَّسع مداركه. أوقات الدروس بالجامع: لم تكن ساعات مزاولة الدروس بالجامع خاضعة لضوابط إدارية أو لنظام معين يطبَّق على كل الشيوخ والمدرسين. ولكنها في الغالب تقرر وفق المصالح الشخصية للشيوخ والطلبة. فيقع تحديدها والاتفاق عليها فيما بينهم، أو يكون تعيينها على أساس ما يتوفر لهؤلاء وأولئك من فراغ وإمكانات. ومن ثم فإن ساعات التدريس لا تكون

стр. 203

في الغالب مضبوطة البدايات ولا النهايات. وقد نشأ عن ذلك تداخل بين أوقات الدروس بما أورث من فوضى، وتفويت للانتفاع المطلوب من دراسة المواد العلمية، دراسة كاملة ودقيقة عن طريق الكتب المعيّنة لذلك. لكن الطلبة، وهم يدركون بالتأكيد عيوب هذه الطريقة ويستخفّون بما يحصل منها، يطمحون من وراء ذلك إلى ضمان تكثير عدد الدروس قصد ملء دفاتر شهادات دروسهم، والوفاء في المدة المحددة لهم بالأنصبة المطلوبة في كل سنة دراسية بأيسر وجه يرونه، واستكمال المشروط من المواد للتقدم بها في نهاية مراحل التعليم إلى امتحان شهادة التطويع. وقد انبنى على سوء التصرّف في تعيين أوقات الدروس على هذا النحو توزُّعُها على كامل اليوم على الوجه التالي: بإثر صلاة الفجر أي قبل الشروق، وخلال الساعتين السابعة والثامنة صباحاً. ثم تسير الدروس متناقصة إلى العاشرة، وتكثر ابتداءً من الحادية عشرة إلى الثانية عشرة والنصف. ثم تنقطع وتعود فيما بين الساعة الثانية والثالثة ظهراً، وتستمر إلى الغروب بحسب طول النهار وقصره، ومنها ما ينتظم بين العشاءين (١). التدريس والدراسة: يمكن لنا هنا أن نضمَّ قضايا عديدة ومختلفة، وإن كانت متلاقية الأطراف، مرتبطاً بعضها ببعض. وهذه هي التدريس والمدرس والدرس والطالب. فللأول - وهو التدريس - ضوابط وترتيبات نص عليها قانون خير الدين:

стр. 204

منها أن يكون الجامع معموراً بالفنون والكتب المقرّرة في النظام، موازَناً بينها في الإقراء، تكثر وتقلّ بحسب الداعي والحاجة. وهذا ما تضمّنه الفصل السادس من القانون، وأكّد عليه الفصل التاسع والعشرون منه. ومنها بيان المنهج الذي يتعيّن اتباعه في كيفية إلقاء الدروس. وهو ما تضمّنه الفصل الثامن من القانون نفسه. ومنها المنع من قطع تدريس الكتاب قبل ختمه. وهو ما نصّ عليه الفصل الثامن عشر من النظام المذكور. والمدرس يحضر ويتغيّب. ويثبت حضورَه القيِّمُ الذي بيده قائمة الشيوخ المدرسين. وعلى هذا الأساس تجرى لهم الجرايات في آخر الشهر، ويُثَبَّتُ حضورُه بوجوده بالجامع وإن لم يلقِ درساً. وربما اكتفى في القيام بواجبه بإلقاء درس واحد من الدرسين المشروطين عليه في اليوم. وبمثل هذا التصرّف ينزل من نسبة التدريس للمواد المقرّرة نحو الخمس أو الربع عند وقوع ذلك واطراده من عامة المدرسين. وهناك أخلال كثيرة أخرى في مجال التدريس: منها ما يكون بسبب تطوّع المدرسين بحصص من التدريس يؤدونها في الوقت الذي يختارونه، ويكونون بذلك في سعة من الحضور خصوصاً إذا عيّنوها ليوم الخميس، وهو اليوم الذي تعطل فيه الدروس بالجامع بمقتضى ترتيب ١٢٥٨. ومنها أن أكثر المتطوّعين بتلك الزيادات لا يقومون في الغالب بجميع ما يلتزمون به من ذلك. ومنها اختصار بعض المدرّسين حصص إلقاء دروسهم. فلا

стр. 205

يبلغون بها النصاب المقرَّرَ لها، وهو خمس وأربعون دقيقة. وكم نشأ عن هذا من نتائج سيئة، كالفوضى بسبب تداخل الدروس، والتمديد في أوقات الوفاء بالمقرّرات، وعدم التوصل إلى ختم الكتب في الآجال المناسبة. ومنها الإهمال للتمارين الضرورية لتدريب الطلاب، وتكميل قدراتهم العملية ومواهبهم. فإن هذه، إن أجريت، كانت في الغالب مقصورة على المرحلة الابتدائية بالوقوف عند الشواهد والقيام بإعرابها (١). وقد استوفى الشيخ ابن عاشور ذكر عوامل تأخّر التعليم في الجامع في كتابه. وجعلها خمسة عشر سبباً (٢). المدرسون: أحسب أن هؤلاء المدرّسين أكثرهم من كبار الشيوخ المعارضين للإصلاح والمقاومين لكل تطوّر أو تجديد، أو هم من الأصناف الثلاثة الدنيا التي أشار إليها الشيخ ابن عاشور في حديثه عن مراتب المدرسين بالجامع. وذلك قوله: "والمدرسون خمسة أنواع: ١ - عالم نحرير يميّز الصحيح من الفاسد، بنقد وفهم مصيب، مع التضلّع بما في الكتب الأصول والمصادر. وهذا النوع قليل بالجامع الأعظم. ٢ - مدرس نحرير متمرّن بكُتب التدريس، واقف على

стр. 206

اصطلاحاتها، مقتدر على تدريس المهمّ منها بالفهم والإفهام على ما هي عليه من غير خطأ. ٣ - ناقل لما في الكتب، مكدٌّ لحافظته، ليس من أهل النقد أو التحرير في شيء. وهو أتعب خلق الله عيشاً، وأقلُّهم تدريساً، لاعتياده أن لا يُقرئ إلا ما طالع. ٤ - فريق يفهم ويدرس، لكنه لا يميّز في ذلك الصحيح من الفاسد. ٥ - طائفة كثيرة دأبها صُراح الخَطَا، وزلق الخُطَى، والستر على العيب" (١). ومعيار الاختلاف بين المدرسين في كفاءاتهم، وتفاوت قدراتهم ومنازلهم، يظهر جلياً في طريقة إلقاء الدرس. وهي عرض المدرس من نقله درسَه مرتباً بصورة دقيقة تشهد له بسعة الحافظة والقدرة على التعبير عما يريد. وقد بدأ العمل بهذه الطريقة بتونس من عهد الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد السلام الهواري، الفقيه المدرس والقاضي ٧٤٩. وهو يرجع بها إلى الإمام عبد الله محمد بن علي المازري ٥٣٦، أخذها عن علماء القيروان أمثال الشيخين الجليلين أبي الحسن علي بن محمد الربعي اللخمي ٤٧٨، وأبي محمد عبد الحميد ابن الصائغ ٤٨٦، نقلاً عن رحّاليهم إلى المشرق والأندلس. وقد شاع اعتمادها منهجاً تدريسياً أوائل القرن الثالث عشر. أخذ بها ونشرها بين المدرسين العلامة الشيخ إبراهيم الرياحي. وهذه الطريقة تحسُن ممن

стр. 207

لا يتكلّفها، ويأتي بها عفواً، أو يعدّ لها أدنى إعداد في أوّل الأمر، حتى تصبح له عادة. ولا يقدر عليها أو يتمكّن منها إلا من رُزق فصاحة اللسان وقوّة الفكر، وتمرّس بالألفاظ العلمية والأساليب العربية. ومن ليس هذا شأنه من المدرسين لجأ أولاً إلى التملّي من أقوال المؤلفين، ونقل عباراتهم لئلا يكون درسه مختلاً، ويضيع وقته في القشر دون اللباب. وهذا العناء والتكلّف يحمل المدرس في هذه الحالة على تحاشي تلقي الأسئلة من التلاميذ كي لا يتشتّت عليه ما أعدّه من ترتيب لمسائل الدرس. وهو، لعدم ضلاعته وضعفه، يسرع إلى تعطيل الدرس متى ألهاه شاغل أو انحراف مزاج في ليلته، حيث لم يطالع الدرس بما يكون له تمام الإعداد. وهذا واقع مشاهد عند كثير من المدرّسين قديماً وحديثاً. والدروس بالجامع لم تكن أسعد حالاً ولا أكثر حظاً في العناية بها والإقبال عليها. وموادها في القانون الصادقي: ١٢ فناً في المرتبة الابتدائية، ٢١ في المتوسطة، ١٥ في العليا (١). يذكر الشيخ ابن عاشور أن سبعة فنون منها كانت قد احتجبت مدّةً لم تدرس فيها وهي: التصوّف، والتاريخ، والرسم التوقيفي، والعروض، والهندسة، والهيئة، والمساحة. وكان يقلّ تدريس اللغة والأدب، وآداب البحث والميقات والحساب إلا أن يكون حسابَ الفرائض. ولم تكن الكتب المذكورة لكل فن تُدَرَّسُ كلُّها. ويلاحظ هذا

стр. 208

بالخصوص في المرتبة المتوسطة لاستكثار الطلبة عدد الفنون فيها، أو لانحصار دروس الامتحان في بعض منها. وكُتب المرحلة العليا لا تجد ما تستحقّه من العناية، لأن التأهّل لها محصور في الناجحين في امتحان شهادة التطويع. ولا يمارس ذلك منهم إلا من رزق الرغبة في استكمال الدراسة على الشيوخ المتطوّعين المباشرين للتدريس بالجامع. ونسبة المقبلين عليها منهم محصورة. الطلاب: كان عدد التلامذة لا يزيد على الألف سنوياً. للمرحلة الابتدائية ٥٠٠ تلميذ، وللمتوسطة ٤٠٠، وللعليا أو منتهى المتوسطة ١٠٠ (١). ولما ألمعنا إليه قبل من حق اختيار الطلاب للدروس، تجد الحضور بها غيرَ مطّرد ولا متعادل. فبعض حلقات العلم لا تجد بها غير العدد النزر من الطلاب، وبعضها الآخر تكون الواحدة منها مزدحمة يحضرها المائتان منهم. وهذا ناشىء عن نبذ النظام، وعدم تطبيق القرار الوزاري ٢٢/ ٣/ ١٩٠٠، فيما ينصّ عليه الفصل الثالث منه، من لزوم تعيين تلامذة لكل درس، لتتم مراعاة التوقيت في الدروس، وليتمكن المدرس من معرفة تلامذته. وقد ترتّب على ذلك تزاحم التلامذة للحصول على الأمكنة في الحلقات، وتشويش بينهم،

стр. 209

وإضاعة للوقت، وتدخل إداري من حين إلى آخر. ومع ذلك يلاحظ أن الطلاب لم يكن لهم كبير محافظة على الحضور، وأن أكثر من يشهد الدروس منهم شاردُ العقل مشغولُ البال. أما سيرتهم داخل المعهد، ومع الشيوخ فقد كانت جيّدة. ليس عليهم ما يؤاخذون به سوى بعض الخصومات، والتلاكم أحياناً فيما بينهم. وليست هناك زواجر محدّدة لقمع ذلك والمنع منه. وإنما هي التهديدات والتوبيخ الموكول إلى النظارة، تقوم به طبق الفصول ١٢، ٦٧ من النظام. وإذا تعلّق الأمر بتزوير شهادات الشيوخ في دفاترهم سحبت منهم الدفاتر، وكتب الشيوخ فيها نصاً بعدم تأهّلهم للدرجة التي اختاروها، وأعيدوا وجوباً إلى ما دونها، أو إلى ما يشهد لهم الشيوخ باستحقاقه من الرتبة. وبتتبّعِ أحوال الطلبة من حيث النباهة والتحصيل يتبيّن لنا بوضوح أن الوافدين منهم على الجامع من خارج العاصمة أكمل رأياً وفكراً، وأكثر إتقاناً واستحضاراً، وأحسن استعداداً وكفاءة للتقدم والفوز. وإن كان وضع عموم الطلبة يتطلّب مراقبة ورعاية. وذلك بسبب ما نجدهم عليه في الأكثر من إهمال التمرين وقلّة المراجعة للدروس، وعدم مطالبتهم باستذكار ما تعلّموه، وعدم تكليفهم بحفظ المتون، وترك تعويدهم على فهمها. فيكونون في حالة اضطراب وخوف، وحيرة وقلق، كلما دنت مواعيد الامتحان، ولمّا يستعدّوا له أدنى استعداد. أما وضع الطلبة خارج المعهد وبخاصة الفقراء ممن ليس لهم من يعولهم، أو من الواردين من خارج العاصمة، أو من البلاد

стр. 210

المجاورة، فهو أسوأ حالاً وأشدّ فساداً من حيث السكنى والمأوى، ونظام العيش، والأحوال الصحيّة، وفقدان أبسط الحاجيات. وقد توالت الشهادات على هذا من ذلك العهد إلى قيام حركات الطلاب بالمطالبة بالتغيير والإصلاح. ورأينا منها ما يحزن القلب ويؤلم النفس، ويعوق الطلبة الشباب عن السير سيراً عادياً ليتضلّعوا بالمعارف النافعة والقيام بالواجبات المتعيّنة. وأنّى لهم ذلك، وقد توالت عليهم مختلف المصاعب، وحاقت بهم ألوان المصائب. فأكثرهم إلى جانب مزاولتهم للدروس في ظروف سيئة، يقيمون بمدارس سكناهم الشبيهة بالجحور، كلُّ ثلاثة أو أربعة منهم في غرفة ضيّقة واحدة فاسدة الهواء، كثيرة الرطوبة، تفتقر في غالب الأحيان إلى أبسط أحوال حفظ الصحة. ويزداد أمرهم ضيقاً باحتياجهم المتكرّر إلى الغذاء والتموين. وتتحول بيوتهم الصغيرة إلى محلات يقومون فيها بمختلف شؤونهم المنزلية، مع افتقادهم وافتقارهم إلى الماء الصالح للشراب، وإلى النور "الكهرباء"، وإلى قنوات تصريف المياه. فصحن مدارس سكنى الطلبة الزيتونيين يبقى ملطخاً بالأوساخ، وبالفواضل القَذِرة، والمياه. كما ترى فئات من المتطوّعين يجوبون الشوارع بأسمال بالية، يتصدّقون الناس. وإنها لمشاهد محزنة للغاية، تحمل على التبرّم من العيش، وتدفع بهذه الطبقة المثقفة الكادحة من شباب الأمة إلى مشاعر من الانحطاط الاجتماعي، والبؤس البيئي، والانكسار النفسي. وهو ما يقود حتماً إلى الغضب والثورة (١).

стр. 211

الامتحانات: يجتاز التلميذ بجامع الزيتونة امتحانات ثلاثة: الأول: عند التحاقه بالدراسة لأوّل مرّة. وهو امتحان الكفاءة الذي تقدّم ذكره. الثاني: الامتحان العمومي السنوي، وهو امتحان نقله من سنة إلى ما فوقها، أو من كتاب إلى ما فوقه. ويكون ذلك بعد تمام القراءة للكتاب مدة سنة. ويشهد بذلك الشيوخ في دفتر دروس التلميذ. فإن خالف التلميذ ذلك بارتكاب مغالطة، وحضور دروس لم يتهيأ لها، ولا أذنت له فيها لجنة الامتحان سحب منه الدفتر كما قدمنا، ومنع من مزاولة ما لم يؤذن له فيه من الدروس. وامتحان النقلة هذا تعيّنه النظارة العلمية وتُكَلَّف به لجنة من المدرسين الرسميين، يجتمعون له مساءً بالجامع. وينفرد كل عضو من أعضاء اللجنة بتلميذ يسأله في العلوم التي زاولها ذلك العام. وما يكتشف الشيخ من حال التلميذ يَكتبه الممتحن شاهداً به في دفتر دروس التلميذ، ناصاً على تقدّمه، أو استمراره على دروس سنته، أو على النزول به عن مرتبته إلى ما دونها. ويلاحظ بخصوص امتحان النقلة أن كثيراً من الطلبة ممّن لا حاجة لهم إلى الحصول على شهادة الإعفاء من المجبى (١)، لم يكونوا يحرصون على المشاركة فيه في الأول. وقد حاول الشيوخ

стр. 212

حملهم على ذلك وإلزامهم به بشتى الوسائل النافعة، للتحقّق من نتائج دراساتهم. امتحان التطويع: هو امتحان نهاية الدراسة بالجامع. تتوّج به مزاولة التعليم سبع سنوات بالمعهد، يتنقَّل الطالب فيها في كل سنة من درجة إلى ما فوقها. ويحصل الناجح فيه على شهادة التخرج من الزيتونة، واسمها التطويع. ولا يقبل الطالب للمشاركة في هذا الامتحان إلا بشروط: عرضه لدفتر شهادات دروسه على لجنة مخصصة بذلك، تتولى تصفّح شهادات الشيوخ له، للتأكّد من حصوله على النصاب المطلوب من الدروس في مختلف الفنون للمشاركة في الامتحان. وعند قبول اللجنة ترشّحه، يكلّف الطالب بإلقاء درس أمام لجنة الامتحان المعيّنة لذلك، يختاره بنفسه من كتاب مقرّر للدراسة أو تعيّنه له اللجنة. ويقضي من الوقت نصف ساعة في الإعداد لإلقاء الدرس. وبتمام هذا الإجراء يُسجَّل الطالب في قائمة المرشّحين للمشاركة في امتحان التطويع. ومواد الامتحان ثلاث، متنوعة بين كتابي وشفاهي. ويعرف الامتحان الكتابي في اصطلاح جامع الزيتونة بالمقالة. ويكون في موضوع من موضوعات الفقه، إمّا في العبادات وإمّا في المعاملات. ويحدَّد الموضوع بالإعلان عنه في وقته، أمام الطلبة المشاركين في الامتحان، على طريق القرعة بسحب ورقة من الأوراق المتضمّنة لموضوعات المقالة.

стр. 213

فإذا اجتاز الطالب هذه المرحلة بنجاح أجري عليه الامتحان الشفاهي. ويتكوّن من مادتين هما؛ الدرس والأسئلة. ولا يقبل للمشاركة في الأسئلة إلا من ثبت نجاحه في الدرس. وتُعيّن الدروس بسحب كل تلميذ بطاقة من بطائق مختلطة تكون بصندوق، تُحدَّد موضوع درسه من الكتاب المعيّن له. وفي المرحلة الأخيرة يشارك المترشّح في مادة الأسئلة التي تجرى عليه في علوم: الفقه، والنحو، والصرف، والبلاغة، والمنطق، والحساب، والمساحة، والتاريخ، والجغرافية. والملاحظ أنها تكون مشتركة بين تلامذة اليوم الواحد من المتقدّمين للامتحان الشفاهي. وحفاظاً على سريّتها وعدم تسرّب شيء منها أو من أجوبتها إلى من ينتظر دوره لاجتياز الامتحان في هذه المادة، يجمع الطلبة ما سوى الأول منهم، في قاعة تُشدّد الحراسة عليها، قطعاً لضروب التحيُّل والتسمّع إلى ما يجري خارجها بقاعة الامتحان (١). العطل والإجازات: يأذن النظام في تعطيل الدروس بجامع الزيتونة مدّة طويلة في كل عام. وهي تستغرق شهرين من الصيف من منتصف شهر ٧ إلى منتصف شهر ٩ الميلاديين، وكاملَ شهر رمضان، والأسبوع الأول من شوال، و٩ أيام في عيد الأضحى، و٤ أيام في المولد، ويوماً واحداً يوم عاشوراء. وهذه الفترات منظور في تقديرها إلى أسباب عبادية أو مواسم وتقاليد، فلا تكون موزّعة على السنة الدراسية توزيعاً يوفر الراحة والاستجمام. وإنها مع ذلك لتجد من الطلبة

стр. 214

تذييلاً أولاً وآخراً. فعطلة الصيف تبدأ عملياً من بداية يونيو، والعطل القصيرة تتقدمها من المتطوّعين أيامُ ارتقابها مما يعوق انتظام الدراسة على الوجه المطلوب، ويحول دون الوفاء بالمقرّرات وختم الكتب (١). تلك هي عامة الأوضاع والملابسات التي كانت تقارن حياة هذا الشباب من طلاب المعهد. فلا يُرجى من ورائها تحريك الطاقات والمواهب، ولا شحذ ملكات الإبداع، ولا إبراز علامات النبوغ، ولكنها، واحسرتاه، تَصرِف عن العمل والدرس، وعن مباهج الحياة إلى الحرص على اختصار مرحلة الانتساب إلى المعهد، للخروج إلى معترك الحياة قصد سدّ الحاجة والاندساس في مجتمعات أغنى وأرقى. ولسان حالهم يردّد قول علي بن الجهم: والناس منهم عاملان فعامل ... قد مات من عطش وآخر يغرق لو يرزقون الناسُ حسب عقولهم ... ألفيت أكثر من ترى يتصدّق (٢) وبعد العرض المُزجي الموجز لأوضاع التعليم بالجامع الأعظم، جامع الزيتونة، إثر صدور ترتيب خير الدين - وهو عرض تجنبنا فيه الكثير من التفاصيل والجزئيات التي لا يتسع لها المقام - أحببنا أن نقف عند مطلبين هامين: التآليف والعلوم، تماماً كما فعل الإمام الأكبر الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور. ذلك أن بيان المنهج الإصلاحي يعتمد أساساً على التآليف التي يكون بها تقدّم العلوم، وتطوّرها، وتبلّغ القصد من الدرس، وتحقّق الانتفاع الشامل والكامل لرواد المعرفة وطلاب العلم.

стр. 215

المطلب الأول: الكتب والمصنفات المقررة للدراسة: أغراض التأليف: سبق لنا ذكر هذا الموضوع، بطريقة سريعة، عند الحديث عن الدروس. وإنا لنذكّر في بداية هذا المطلب بالأغراض السبعة التي فيها يُكتَب، ومن أجلها يؤلّف. جمع ذلك المتقدمون في قولهم: ألا فاعلمن أن التآليف سبعة ... لكل لبيب في النصيحة خالصِ فشرح لإغلاق، وتصحيح مخطىءٍ، ... وإبداع حَبْرٍ مُقدِم غيرِ ناكص وترتيب منثور، وجمع مفرق، ... وتقصير تطويل، وتتميم ناقص والذي حمل العلماء ورجال الفكر على طلب هذه الأغراض، والحرص على العناية بها، وتوفير الجهد في مجالاتها، تقديمُ شيء نافع لمن حولهم ولمن يليهم من الأجيال ممّن وقفوا على التراث العلمي الإسلامي الذي وصل غزيراً إلى أشياخهم، ولم يقدروا على الاستفادة منه مباشرة بأنفسهم، استفادة صالحة، أو ممّن كان هذا التراث محجوباً عنهم غيرَ واقع في حوزتهم، وهم في حاجة إلى التعرّف عليه والإفادة منه. التأليف بعد القرن السادس: بعد خمسمائة عام من العطاء الفكري والعمل الجاد العلمي، كان من الطبيعي أن تختلف طرائق اللاحقين عن طرائق الأئمة السابقين، لاقتناعهم بما فيه غنى مما هو متوفّر من التصانيف في نظرهم. وبدل التقدم بالعلوم، ومواصلة النشاط الإبداعي، طفِقَ أكثرهم يختصر ويزيد وينقص حسب ما يبدو له. وعلى هذا الأساس نشأت عقدة اللسان، واختفت مسائل العلم تحت الألفاظ، وانشغل المؤلفون عن النقد. وحمل هذا كثيراً منهم على العناية باختزال
следующие страницы →