← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

الضروري وبين ما في تفويته حد. ولذلك لم يَعدَّه الغزالي وابن الحاجب ضرورياً. وهذا الصنف الضروري قليل التعرض إليه في الشريعة، لأن البشر قد أخذوا حيطتهم لأنفسهم منذ القدم فأصبح مركوزاً في الطبائع. ولم تخل جماعة من البشر ذات تمدن من أخذ الحيطة له. وإنما تتفاضل الشرائع بكيفية وسائله. ولننتقلْ إلى صنف الحاجي، وهو ما تحتاج الأمة إليه لاقتناء مصالحها وانتظام أمورها على وجه حسن، بحيث لولا مراعاتُه لَمَا فسد النظام، ولكنه كان على حالة غير منتظمة فلذلك كان لا يبلغ مبلغ الضروري. قال الشاطبي: "هو ما يفتقر إليه من حيث التوسعة ورفع الحرج. فلو لم يراعَ دخَل على المكلَّفين الحرجُ والمشقةُ [على الجملة]، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد [العادي] المتوقع في المصالح العامة" (١) اهـ. ومثّله الأصوليون بالبيوع والإجارات والقراض والمساقاة. ويظهر أن معظم قسم المباح في المعاملات راجع إلى الحاجي. والنكاح الشرعي من قبيل الحاجي. وحفظ الأنساب، بمعنى إلحاق الأولاد بآبائهم من الحاجي للأولاد وللآباء. فللأولاد للقيام عليهم فيما يحتاجون ولتربيتهم النافعة لهم، وللآباء لاعتزاز العشيرة وحفظ العائلة.

стр. 1507

وحفظ الأعراض - أي حفظ أعراض الناس من الاعتداء عليها - هو من الحاجي، لينكف الناس عن الأذى بأسهل وسائله وهو الكلام. ومن الحاجي ما هو تكملة للضروري، كسد بعض ذرائع الفساد، وكإقامة القضاة والوزعة والشرطة لتنفيذ الشريعة. ومن الحاجي ما يدخل في الكليات الخمسة المتقدمة في الضروري إلّا أنه ليس بالغاً حد الضرورة. كما أشرنا إليه فيما مضى من الأمثلة. فبعض أحكام النكاح ليست من الضروري ولكنها من الحاجي مثل اشتراط الولي والشهرة. وبعض أحكام البيوع ليست من الضروري، مثل بيوع الآجال المحظورة لأجل سد الذريعة، ومثل تحريم الربا، وأخذ الأجر على الضمان، وعلى بذل الشفاعة. فإن كثيراً من تلك الأحكام تكميلية لحفظ المال، وليست داخلة في أصل حفظ المال. وعناية الشريعة بالحاجي تقرب من عنايتها بالضروري. ولذلك رتّبت الحد على تفويت بعض أنواعه، كحد القذف (١). وفيما دونه مجال للمجتهدين. فلذلك نراهم مختلفين في حد الشرب لقليل من المسكر (٢)،

стр. 1508

وفي تحريم نكاح المتعة (١). والمصالح التحسينية هي عندي ما كان بها كمال حال الأمة في نظامها حتى تعيش آمنة مطمئنة، ولها بهجة منظر المجتمع في مرأى بقية الأمم، حتى تكون الأمة الإسلامية مرغوباً في الاندماج فيها أو في التقرب منها. فإن لمحاسن العادات مدخلًا في ذلك سواء كانت عادات عامة كستر العورة، أم خاصة ببعض الأمم كخصال الفطرة وإعفاء اللحية. والحاصل أنها مما تراعى فيها المدارك الراقية البشرية. قال الغزالي: "هي التي تقع موقع التحسين والتيسير للمزايا ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات، مثاله: سلب العبد أهلية الشهادة مع قبول فتواه وروايته، لأن العبد ضعيف المنزلة باستسخار المالك إياه، فلا يليق بمنصبه التصدي للشهادة" (٢) اهـ.

стр. 1509

ومن التحسيني سد ذرائع الفساد (١). فهو أحسن من انتظار التورّط فيه. فهذه أنواع المصالح باعتبار آثارها في قوام أمر الأمة. ولقد تتبع العلماء تصاريف الشريعة في أحكامها فوجدوها دائرة حول هذه الأنواع الثلاثة. ووجدوها لا تكاد تفيت شيئاً منها ما وجدت السبيل إلى تحصيله حيث لا يعارضه معارض من جلب مصلحة أعظم أو درء مفسدة كبرى. وليس غرضنا من بيان هذه الأنواع مجردَ معرفة مراعاة الشريعة إياها في أحكامها المتلقاة عنها، لأن ذلك مجرد تفقه في الأحكام. وهو دون غرضنا من علم مقاصد الشرعية، ولا أن نقيس النظائر على جزئيات تلك المصالح، لأن ذلك ملحق بالقياس وهو من غرض الفقهاء. وإنما غرضنا من ذلك أن نعرف كثيراً من صور المصالح المختلفة الأنواع المعروف قصدُ الشريعة إياها، حتى يحصل لنا من تلك المعرفة يقين بصور كلية من أنواع هاته المصالح. فمتى حلت الحوادث التي لم يسبق حلولها في زمن الشارع، ولا لها نظائر ذات أحكام متلقاة منه، عرفنا كيف ندخلها تحت تلك الصور الكلية، فنثبت لها من الأحكام أمثال ما ثبت لكلياتها، ونطمئن بأننا في ذلك مثبتون أحكاماً شرعية إسلامية.

стр. 1510

وهذا ما يسمى بالمصالح المرسلة (١). ومعنى كونها مرسلة أن الشريعة أرسلتها فلم تُنِط بها حكماً معيناً، ولا يُلفى في الشريعة لها نظير معين له حكم شرعي فتقاس هي عليه. فهي إذن كالفرس المرسل غير المقيَّد. ولا ينبغي التردد في صحة الاستناد إليها، لأننا إذا كنا نقول بحجية القياس الذي هو إلحاق جزئي حادث لا يُعرف له حكمٌ في الشرع بجزئي ثابت حكمُه في الشريعة للمماثلة بينهما في العلة المستنبطة، وهي مصلحة جزئية ظنّية غالباً لقلة صور العلة المنصوصة، فَلَأَنْ نقول بحجية قياس مصلحة كلية حادثة في الأمة لا يُعرف لها حكم على كلية ثابت اعتبارُها في الشريعة باستقراء أدلة الشريعة الذي هو قطعي أو ظني قريب من القطعي أولى بنا وأجدرُ بالقياس وأدخلُ في الاحتجاج الشرعي. وإني لأعجب فَرط العجب من إمام الحرمين - على جلالة علمه ونفاذ فهمه - كيف تردّد في هذا المقام (٢). وأما الغزالي، فأقبل

стр. 1511

وأدبر، فلحق مرّة بطرف الوفاق لاعتبار المصالح المرسلة، ومرّة بطرف رأي إمام الحرمين إذ تردد في مقدار المصلحة (١).

стр. 1512

وجلبُ كلام إمام الحرمين في كتاب البرهان وكلام الغزالي في المستصفى يطول. ثم إني أقفي على أثرهما فأقول: لا ينبغي الاختلاف بين العلماء بتصاريف الشريعة المحيطين بأدلتها في وجوب اعتبار مصالح هذه الأمة ومفاسد أحوالها عندما تنزل بها النوازل وتحدث لها النوائب. وإنه لا يترقب حتى يجد المصالح المثبتة أحكامها بالتعيين، أو الملحقة بأحكام نظائرها بالقياس. بل يجب عليه تحصيل المصالح غير المثبتة أحكامها بالتعيين، ولا الملحقة بأحكام نظائرها بالقياس. وكيف يخالف عالم في وجوب اعتبار جنسها على الجملة، وبدون دخول في التفاصيل ابتداء، ثقةً بأن الشارع قد اعتبر أجناسَ نظائرها التي ربما كان صلاحُ بعضها أضعفَ من صلاح بعض هذه الحوادث. ثم لا أحسب أن عالماً يتردّد - بعد التأمل - في أن قياس هذه الأجناس، - المحدثة على أجناس نظائرها الثابتة في زمن الشارع أو

стр. 1513

زمان المُعتَبَرين من قدوة الأمة المجمعين على نظائرها - أولى وأجدر بالاعتبار من قياس جزئيات المصالح عامها وخاصها بعضها على بعض، لأن جزئيات المصالح قد يطرق الاحتمال: ١ - إلى أدلة أصول أقيستها. ٢ - وإلى تعيين الأوصاف التي جُعلت مشابهاتها فيها بسبب الإلحاق والقياس، وهي الأوصاف المسماة بالعلل. ٣ - وإلى صحة المشابهة فيها. فهذه مطارق احتمالات ثلاثة، بخلاف أجناس المصالح. فإن أدلة اعتبارها حاصلة من استقراء الشريعة قطعاً أو ظناً قريباً من القطع، وأن أوصاف الحكمة قائمة بذواتها غير محتاجة إلى تشبيه فرع بأصل، وإنها واضحة للناظر فيها وضوحاً متفاوتاً لكنه غير محتاج إلى استنباط ولا إلى سلوك مسالكه. أفليست بهذه الامتيازات أجدرَ وأحقَّ بأن تقاس على نظائر أجناسها الثابتة في الشريعة المستقراة من تصاريفها. فإن كان بعض تلك المصالح مصالح محضة بحيث لا تعارضها مصالح أخرى ولا تخالطها مفاسدٌ، فلا يحسنُ بأهل النظر في الشرع أن يختلفوا في تحصيلها. وإن كانت تعارضها مصالحُ أخرى أو تخالطُها مفاسد، فهي حينئذ يُرجَع بها إلى حكم تعارض المصالح والمفاسد المشروح في المبحث قبل هذا (١). وإنه مجال للاجتهاد بحسب قوة آثار المصالح المجتَلبَة وقوة ما يعارضها من المصالح والمفاسد، وبحسب تفاوت مراتب العلم بقوتها، فتلحق بنظائر أجناسها الثابت بالاستقراء

стр. 1514

كونُها مقصودةً للشارع في تحصيل الراجح وإهمال المرجوح، وفي اعتبار عموم الحاجة إلى التحصيل وخصوصها. ويشبه أن يكون المخالف في تحصيلها بدون تردّد ملحقاً بنفاة القياس. على أنك إذا افتقدت أحوال تحصيل المصالح ودرء المفاسد تجدها مختلفة. فليس أحوال إجراء العدل بين الناس في حقوقهم الخاصة والاجتماعية التي هي قوام المدنية في حالة السِّلم بمماثلة لأحوال مختلف إجراء المصالح الجندية والسياسية الحربية في حال الحرب والخوف عند مواجهة العدو، لأن أوقات الحروب ليس فيها متَّسع للتأمل والنظر في جزئيات المصالح، بل هي ساعات مُكنَة أو خروج من ضيقة تقتضي البدار إلى تحصيل أو دفع ما عنَّ من الفرص بقطع النظر عما عسى أن يلحقها من الأضرار الجزئية اللاحقة أو المصالح الجزئية الفائتة. على أنك تجد فرقاً واضحاً بين حالة دفع جيش العدو النازل وبين حالة قصدنا إلى بلاد العدو من حيث ما يتسع من التأمل لموازنة المصالح. ونحن إذا افتقدنا إجماع سلف الأمة، من عصر الصحابة فمن تبعهم، نجدهم ما اعتمدوا في أكثر إجماعهم - فيما عدا المعلوم من الدين بالضرورة - إلّا الاستناد إلى المصالح المرسلة العامة أو الغالبة بحسب اجتهادهم الذي صير تواطؤَهُم عليه أدلة للظنية قريبة من القطع. وإنهم قلّما كان مستندهم في إجماعهم دليلاً من كتاب أو سنة، ولأجل ذلك عدّ الإجماع دليلاً ثالثاً، لأنه لا يدرى مستنده. ولو انحصر مستنده في دليل الكتاب والسنة لكان ملحقاً بالكتاب والسنة ولم يكن قسيماً لهما. مثاله: جمع القرآن في المصحف. قد أمر به أبو بكر بطلب من

стр. 1515

عمر، وتبعه بقية الصحابة. روى البخاري أن زيد بن ثابت قال: "أرسَلَ إليّ أبو بكر مَقتلَ أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟. قال عمر: هو والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك. وإنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ . قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله؟ قال أبو بكر: هو والله خير" (١). فقول عمر: "هو والله خير"، ثم انشراح صدر أبي بكر، نعلم منه أنه من المصالح، لأن الخير مراد به الصلاح للأمة. وقول أبي بكر وزيد بن ثابت: "لم يفعله رسول الله ﷺ "، نعلم منه أنه مصلحة مرسلة ليس في الشريعة ما يشهد لاعتبارها. وقد أجمع الصحابة على اعتبار ذلك. وكذلك إجماعهم على جعل حد شارب الخمر ثمانين جلدة في خلافة عمر، وتبعه الخلفاء وقضاة الإسلام (٢). وتدوين ديوان

стр. 1516

العطاء (١). وترك عمر قسمة المغانم من أرض سواد العراق (٢)، لتكون عُدة لنوائب المسلمين إذا قلَّتْ الفتوح، وكتابة حديث

стр. 1517

رسول الله ﷺ في زمن عمر بن عبد العزيز (١). وقول عمر بن عبد العزيز: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور" (٢). فقد تبعه على جعله أصلاً كثيرٌ من العلماء، منهم مالك بن أنس (٣)،

стр. 1518

وكذلك ما أحدثه قضاة الإسلام وأئمته من أساليب المرافعات، وضرب الآجال، واستفسار الشهود، والسجن للمُلِدٍّ عن الجواب، وإحداث يمين القضاء لمن أثبت لنفسه حقًّا بالحجة على ميت أو غائب ونحو ذلك. ولننتقل الآن إلى التقسيم الثاني للمصالح. وذلك باعتبار تعلقها بعموم الأمة أو جماعتها أو أفرادها. فتنقسم بهذا الاعتبار إلى كلية وجزئية. ويراد بالكلية في اصطلاحهم ما كان عائداً على عموم الأمة عوداً متماثلاً، وما كان عائداً على جماعة عظيمة من الأمة أو قطر، وبالجزئية ما عدا ذلك. فالمصلحة العامة لجميع الأمة قليلة الأمثلة، وهي مثل حماية البيضة، وحفظ الجماعة من التفرق، وحفظ الدين من الزوال، وحماية الحرمين حرم مكة وحرم المدينة من أن يقعا في أيدي غير المسلمين، وحفظ القرآن من التلاشي العام أو التغيير العام بانقضاء حفاظه وتلف مصاحفه معاً، وحفظ علم السنة من دخول الموضوعات، ونحو ذلك مما صلاحُه وفسادُه يتناول جميعَ الأمة وكلَّ فرد منها، وبعض صور الضروري والحاجي مما يتعلق بجميع الأمة. وأما المصلحة والمفسدة اللتان تعودان على الجماعات العظيمة، فهي الضروريات والحاجيات والتحسينيات المتعلقة بالأمصار والقبائل والأقطار على حسب مبلغ حاجاتها، مثل التشريعات القضائية لفصل النوازل، والعهود المنعقدة بين أمراء

стр. 1519

المسلمين وبين ملوك الأمم المخالفة في تأمين تجار المسلمين بأقطار غيرهم إذا دخلوها للتجارة، وتأمين البحار التي تحت سلطة غير المسلمين لتمكين المسلمين من مخرها آمنين إذا مروا بأسْماتِ شطوط غير المسلمين، والعقود المنعقدة مع تجار غير المسلمين إذا دخلوا إلى مراسي الإسلام على عُشُر أثمان ما يبيعونه ببلاد الإسلام من السلع والطعام أو على نصف العُشُر إذا جلبوا الطعام إلى الحرمين خاصة (١). والمصلحة الجزئية الخاصة، هي مصلحة الفرد أو الأفراد القليلة. وهي أنواع ومراتب. وقد تكفلت بحفظها أحكام الشريعة في المعاملات. وأما التقسيم باعتبار تحقّق الحاجة إلى جلبها أو دفع الفساد عن أن يحيق بها، فتنقسم بذلك إلى: قطعية، وظنية، ووهمية.

стр. 1520

فالقطعية هي التي دلت عليها أدلةٌ من قبيل النصّ الذي لا يحتمل تأويلاً نحو: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١)، وما تظافرت الأدلّةُ الكثيرةُ عليها مما مُستَندُه استقراء الشريعة، مثل الكليات الضرورية المتقدمة. أو ما دل العقل على أن في تحصيله صلاحاً عظيماً، أو في حصول ضدّه ضر عظيم على الأمة، مثل قتال مانعي الزكاة في زمن أبي بكر (٢) ﵁ في الضروري. وأما الظنية فمنها ما اقتضى العقلُ ظنَّه، مثل اتخاذ كلاب

стр. 1521

الحراسة في الدور في الحضر في زمن الخوف في القيروان (١): كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد اتخذ كلباً بداره فقيل له: إن مالكاً كره اتخاذ الكلاب في الحضر. فقال: لو أدرك مالك مثل هذا الزمن لاتخذ أسداً على باب داره (٢)؛ أو دلّ عليه دليلٌ ظنِّيٌ من الشرع، مثل حديث: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (٣).

стр. 1522

وأما الوهمية فهي التي يُتَخَيَّل فيها صلاحٌ وخيرٌ، وهو عند التأمل ضر: إما لخفاء ضُرّه، مثل تناول المخدرات من الأفيون والحشيشة والكوكايين والهروين. فإن الحاصل بها لمتناوليها ملائِم لنفوسهم، وليس هو بصلاح لهم. وإما لكون الصلاح مغموراً بفساد، كما أنبأنا عنه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (١). هذا جماعُ القول في المصالح المُعتَبَرة شرعاً. ولإطالة الكلام في ذلك فائدة عظيمة، ليتعلّمَ مزاولُ هذا العلم أن طريق المصالح هو أوسع طريق يسلكه الفقيه في تدبير أمور الأمة عند نوازلها ونوائبها إذا التبست عليه المسالك. وأنه إن لم يتبع هذا المسلكَ الواضح والمحجةَ البيضاءَ فقد عطَّل الإسلام عن أن يكون ديناً عاماً وباقياً. [ولم يأمن أن يسلك وادياً أخوف إلا ما وفى الله ساريا] (٢). وللمصالح والمفاسد تقسيم آخر باعتبار كونها حاصلةً من

стр. 1523

الأفعال بالقصد، أو حاصلةً بالمآل. وهو تقسيم يسترعي حذق الفقيه. فإن أصول المصالح والمفاسد قد لا تكاد تخفى على أهل العقول المستقيمة. فمقام الشرائع في اجتلاب صالحها ودرء فاسدها مقام سهل، والامتثال إليه فيها هيَّن، واتفاق علماء الشرائع في شأنها يسير. فأما دقاق المصالح والمفاسد وآثارها ووسائل تحصيلها وانخرامها فذاك المقام المرتبك. وفيه تتفاوت مدارك العقلاء اهتداء وغفلة، وقبولاً وإعراضاً، فتطلع فيه الحيل والذرائع. وفيه التفطن للعلل وضدُّه، وفيه ظهر تفاوت الشرائع، وفازت شريعة الإسلام فيه بأنها الصالحة للعموم والدوام. وسيظهر ذلك في مبحث الحيل (١)، ومبحث سد الذرائع (٢).

стр. 1524

ط - عمومُ شريعة الإسلام معلومٌ بالضرورة من الدين أن شريعة الإسلام جاءت شريعة عامةً داعيةً جميع البشر إلى اتباعها، لأنها لما كانت خاتمة الشرائع استلزم ذلك عمومها - لا محالة - سائرَ أقطار المعمورة، وفي سائر أزمنة هذا العالم. والأدلة على ذلك كثيرة من نصوص القرآن والسنة الصحيحة، بحيث بلغت مبلغ التواتر المعنوي. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ (١). وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٢). وفي الحديث الصحيح: "أُعطيت خمساً لم يُعطَهن أحدٌ قبلي" فعدّ منها: "وكان الرسول يُبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" (٣).

стр. 1525

فعمومُ الشريعة معلومٌ للمسلمين بالضرورة، فلا حاجة بنا إلى الإطالة به، إذ لسنا الآن في مقام إثباته على منكريه، وإنما غرضنا الإفضاء إلى ما يترتّب عليه. وإذ قد أراد الله بحكمته أن يكون الإسلام آخر الأديان التي خاطب الله بها عباده تعَيَّن أن يكون أصلُه الذي ينبني عليه وصفاً مشتركاً بين سائر البشر، ومستقراً في نفوسهم، ومرتاضةً عليه العقولُ السليمة منهم، ألا وهو وصف الفطرة، حتى تكون أحكام الشريعة مقبولة عند أهل الآراء الراجحة من الناس، الذين يستطيعون فهم مغزاها، فيتقبّلوا ما يأتيهم منها بنفوس مطمئنة، وصدور مثلجة، فيتبعوها دون تردد ولا انقطاع، وحتى يتسنّى لأرفعهم قدراً في الفهم محاذاةُ نظائرها وتفريعاتُ فروعها، وحتى يكون تلقّي بقيَّة طبقات الأمة الذين لم يبلغوا مستوى أهل الآراء الراجحة إياها تلقياً عن طيب نفس، ويسهل امتثالُهم لما يؤمرون به منها. وإذ قد تعذّر أن يكون الجائي بالشريعة جماعة من الرسل من جميع أجناس البشر أو قبائلهم، إذ لا يستقيم الأمر في ذلك التعدد، اختار الله تعالى للإرسال بهذه الشريعة رسولاً من الأمة العربية، إذ هو واحد من البشر كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ (١). ولله تعالى حِكَمٌ جَمَّة في أن اختار لهذه الرسالة رجلاً

стр. 1526

عربياً - ليس هذا موضع بيان ما بلغ إليه العلم من تلك الحِكَم - وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (١). بَيْدَ أنا نقول: إن رسول الله ﷺ لما كان عربياً كان بحكم الضرورة يتكلّم بلسان العرب. فلزم أن يكون المتَلَقُّون منه الشريعة بادئ ذي بدء عرباً. فالعرب هم حملة شريعة الإسلام إلى سائر المخاطبين بها، وهم من جملتهم. واختارهم الله لهذه الأمانة لأنهم يومئذ امتازوا من بين سائر الأمم باجتماع صفات أربع لم تجتمع في التاريخ لأمة من الأمم. وتلك هي جودة الأذهان، وقوة الحوافظ، وبساطة الحضارة والتشريع، والبعد عن الاختلاط ببقية أمم العالم. فهم بالوصف الأول أهلٌ لفهم الدين وتلقينه. وبالوصف الثاني أهل لحفظه وعدم الاضطراب في تلقّيه. وبالوصف الثالث أهل لسرعة التخلّق به، إذ هم أقرب إلى الفطرة السليمة ولم يكونوا على شريعة معتد بها متماثلة حتى يصمِّموا على نصرها (٢) *. وبالوصف الرابع أهلٌ لمعاشرة بقية الأمم، إذ لا حزازات بينهم وبين الأمم الأخرى. فإن حزازات العرب ما كانت إلّا بين قبائلهم، بخلاف حال الفرس مع الروم، وحال القبط مع الإسرائيليين. ولا عبرة بما جرى بين بعض قبائل العرب وبين الفرس والروم في نحو

стр. 1527

يوم ذي قار (١) ويوم حليمة (٢)، لأنها حوادث نادرة. على أن العرب كانوا فيها يقاتلون انتصاراً لغيرهم من الفرس أو الروم فإحنهم معهم محجوبة بإحن من قاتلوا هم وراءهم. ومن أعظم ما يقتضيه عموم الشريعة أن تكون أحكامها سواءً لسائر الأمم المتبعين لها بقدر الاستطاعة، لأن التماثل في إجراء الأحكام والقوانين عون على حصول الوحدة الاجتماعية في الأمة. ولهذه الحِكمة والخصوصية جعل الله هذه الشريعة مبنيةً على اعتبار الحِكم والعلل التي هي من مُدركات العقول لا تختلف باختلاف الأمم والعوائد. وقد أجمع علماء الإسلام في سائر العصور، إلّا الذين لا يُعتدُّ بمخالفتهم، على أن علماء الأمة مأمورون بالاعتبار في أحكام الشريعة، والاستنباط منها. وجعلوا من أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣)، وقوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي

стр. 1528

الْأَبْصَارِ﴾ (١). وهما دليلان خطابيان، ولكننا نتمسك في هذا بالإجماع وعمل الصحابة وعلماء الأمة في سائر العصور. ومن آثار ذلك ورود الكليات الكثيرة في آي القرآن نحو قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٣)، وقوله: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٥). وفي الأحاديث نجد القواعد العامة، مثل قول النبي ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم وأبشاركم عليكم حرام" (٦)، وقوله: "ما أسكر كثيره

стр. 1529

فقليله حرام" (١)، وقوله: "لا ضرر ولا ضرار" (٢). وكذلك المُجملات والمُطلقات التي في القرآن معظمُها مُرادٌ إطلاقُه وإجمالُه. وللفقهاء في تَطَلُّب بيان المجمل وتقييد المطلق بحمل اللفظ المطلق في موضع على مقيد في موضع آخر - وإن لم يكونا من نوع واحد - طرائق. وقد وقع ذلك في عصر الصحابة في فهم عبد الله بن مسعود وهو بالكوفة قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ (٣) أن العقد على الأم لا يحرم البنت حتى يدخل بالأم حملاً على قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (٤) حتى رجع ابن مسعود إلى المدينة فأخبر أن السنة مضت على اعتبار الإطلاق

стр. 1530

في أمهات نسائكم. ومن العجيب أن أهل الأصول توسّعوا في حمل المطلق على المقيد ولو كان الإطلاق في حكم والتقييد في جنسه. وما كان من التشريعات جزئياً، وهي قضايا الأعيان، تحتمل أن يراد تعميمها، وتحتمل أن يراد تخصيصها. ولعل هذا النوع هو الذي نهى رسول الله ﷺ عن كتابته فقال: "لا تكتبوا عني غير القرآن" (١) خشية أن تتخذ الجزئياتُ الخاصة كلياتٍ عامة. ولذلك احتاج المسلمون إلى صدور إذن من الرسول ﵊ حين أراد أبو شاة أن يكتبوا له قول رسول الله ﵊ في تحديد الحرم، فقال لهم: "اكتبوا لأبي شاة" (٢). ولذلك نجد بين العلماء

стр. 1531

اختلافاً كثيراً في الاحتجاج بقضايا الأعيان، وبأخبار الآحاد إذا خالفت القواعد أي الكليات اللفظية أو المعنوية، أو خالفت القياس، أو خالفت عمل أهل المدينة على مذاهب معروفة في أصول الفقه (١).

стр. 1532

إذن فمراعاةُ عوائد الأمم المختلفة هو خلاف الأصل في التشريع الإلزامي. وإنما يسعه تشريع الإباحة حتى يتمتع كل فريق من الناس ببقاء عوائدهم. لكن الإباحة لما كان أصلها الدلالة على أن المباح ليس فيه مصلحة لازمة ولا مفسدة معتبرة لزم أن يراعى ذلك في العوائد. فمتى اشتملت على مصلحة ضرورية أو حاجية للأمة كلها، أو ظهرت فيها مفسدة معتبرة لأهلها لزم أن يصار بتلك العوائد إلى الانزواء تحت القواعد التشريعية العامة من وجوب أو تحريم، ولهذا نرى التشريعَ لم يتعرّض لتعيين الأزياء والمساكن والمراكب،

стр. 1533

فلم يندب الناس إلى ركوب الإبل في الأسفار. ولم يمنع أهل مصر والعراق من ركوب الحمير، ولا أهل الهند والترك من الحمل على البقر. ولذلك لم يحتج المسلمون إلى تطلب دليل على إباحة استعمال العجل والعربات والأرتال. وكذلك أصناف المطاعم التي لا تشتمل على شيء محرم الأكل بحيث لا يسأل عن ذلك إلّا من جاهل بالتركيب أو جاهل بكيفية التشريع. فنحن نوقن أن عادات قوم ليست يحق لها - بما هي عادات - أن يُحمَل عليها قوم آخرون في التشريع، ولا أن يُحمل عليها أصحابُها كذلك. نعم يراعي التشريع حمل أصحابها عليها ما داموا لم يغيّروها، لأن التزامهم إياها واطرادها فيهم يجعلها مُنَزَّلة مَنْزِلَة الشروط بينهم يُحملون عليها في معاملتهم إذا سكتوا عما يضادُّها. ومثاله قول مالك ﵀: بأن المرأة ذات القدر لا تجبر على إرضاع ولدها في العصمة، لأن ذلك عرف تعارفه الناس، فهو كالشرط (١)، وجعل قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٢)

стр. 1534

مخصوصاً بغير ذات القدر، أو جعله مسوقاً لغرض التحديد بالمدة، وليس مسوقاً لأصل إيجاب الإرضاع. ومن معنى حمل القبيلة على عوائدها في التشريع - إذا روعي في تلك العوائد شيء يقتضي الإيجاب أو التحريم - يتضح لنا دفع حيرة وإشكال عظيم يعرض للعلماء في فهم كثير من نهي الشريعة عن أشياء لا تجد فيها وجه مفسدة بحال، مثل تحريم وصل الشعر للمرأة، وتفليج الأسنان، والوشم، في حديث ابن مسعود: "أن رسول الله ﷺ لعن الواصلات والمستوصلات، والواشمات والمستوشمات، والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن، المغيّرات خلق الله" (١). فإن الفهم يكاد يضل في هذا إذ يرى ذلك صنفاً من أصناف التزين المأذون في جنسه للمرأة كالتحمير والخلوق والسواك فيتعجب من النهي الغليظ عنه. ووجهه عنديَ الذي لم أر من أفصح عنه، أن تلك الأحوال كانت في العرب أماراتٍ على ضعف حصانة المرأة. فالنهي عنها نهي عن الباعث عليها أو عن التعرض لهتك العرض بسببها. وفي القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ

стр. 1535

يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (١). فهذا شرع روعيت فيه عادة العرب. فالأقوام الذين لا يتخذون الجلابيب لا ينالهم من هذا التشريع نصيب. والتفقه في هذا والتهمّمُ بإدراك علل التشريع في مثله يلوح لنا منه بارقُ فرق بين ما يصلح من جزئيات الشريعة لأن يكون أصلاً يقاس عليه نظيره، وبين ما لا يصلح لذلك. فليس الأمر في التشريع على سواء. ولقد يُعدّ مما يناسب عموم الشريعة أنها أوكلت أموراً كثيرة لاجتهاد علمائها مما لم يقم دليل على تعيين حكمه وإرادة راويه. وفي الحديث: "إن الله حدَّد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها" (٢). وإلى هذا يرجع ما قدمنا عن نهي الرسول ﷺ أن يكتبوا عنه غير القرآن خشية التباس التشريع العام بالتشريع الخاص، وقد كان الصحابة يتأسون ما فعله رسول الله ﷺ ، أو قضى به، ولم يرد فيه نص لفظي يقتضي الدوام لأنه ينير لهم وجوه الحق، ولأن أحوالهم كانت قريبة من الحال التي

стр. 1536

كانت في زمن رسول الله ﵊. ولذلك أمر عمر بن عبد العزيز في خلافته أو إمارته أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (١) بكتابة ما روي عن رسول الله ﷺ من الآثار، أَحْسَب أنه أراد أن تكون نبراساً يستضيء به علماء الأمة في تفهّم مقاصد الشريعة ومنازعها، إذ قد يضيق الوقت ويقصر النظر عن الاستنباط من أصول أدلة الشريعة مع أنهم ربما جدّدوا أحكاماً لتلك الجزئيات إذا تجدّدت الأحوال. وقد قال عمر بن عبد العزيز: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور" (٢). ومثال هذا أن رسول الله ﷺ ضرب في شرب الخمر ضرباً غير محصور العدد ولا الآلة. وضرب أبو بكر وعمر أربعين سَوطاً، ثم ضرب عمر ثمانين برأي من علي إذ قال له: "إن السكران إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. فأرى أن عليه حد الفرية" (٣). فيه إقامة الحد مع الشك في حصول مسببه اعتباراً بالظِنَّة، وهو منزع غريب. ومن الأمثلة في التحديد عكوف الفقهاء على ما صدر في عصر الخلفاء من تحديد مقادير الجزية والخراج والديات وأروش الجنايات، مع أن بعض تلك المقادير قد يطرأ عليه نقص القيمة أو الرواج، فلا يصلح لأن يبقى عوضاً لما عُوض به فيما مضى. ومن أمثلة ذلك ما حدّد به فقهاء المالكية مقادير الآجال

стр. 1537

للحجج ونحوها (١).

стр. 1538

وما ذهب إليه فقهاء المذاهب من ألفاظ الطلاق والأيمان. فتسمع ألفاظاً لم يبقَ للناس عهد بها مثل اللازمة والحرام (١) ونحو

стр. 1539

ذلك من كلمات تجري على الألسن، ولم يبق للناس علم بمدلولها. فهذه أمثلة نتأمل فيها ونحتذيها. فعموم الشريعة ساير البشر في سائر العصور مما أجمع عليه المسلمون. وقد أجمعوا على أنها مع عمومها صالحة للناس في كل زمان ومكان. ولم يبيّنوا كيفية هذه الصلوحية. وهي عندي تحتمل أن تتصور بكيفيتين: الكيفية الأولى أن هذه الشريعة قابلةٌ بأصولها وكليّاتها للانطباق على مختلف الأحوال بحيث تساير أحكامُها مختلفَ الأحوال دون حرج ولا مشقة ولا عسر. وشواهد هذه الكيفية ما نجده من محامل علماء الأمة أدلةً كثيرة من أدلة الأحكام على مختلف الأحوال. ولكل من أئمة الشريعة نصيب من هذه المحامل. فإذا جُمعت أنصباؤهم تَجَمَّعَ منها شيء وفير من تأويل ظواهر الأحكام على محامل صالحة لمختلف أحوال الناس. مثاله النهيُ عن كراء الأرض. قال مالك والجمهور: محملُ النهي على التورّع وقصدِ مواساة بعض المسلمين بعضاً دون جزم بنقض عقدة كراء الأرض (١)، وكالنهي عن جر السلف منفعة (٢). وقد حمله جماعة من فقهاء الحنفية على ما ليس فيه

стр. 1540

ضرورة. ولذا رخّصوا في بيع الوفاء في كروم بخارى (١). الكيفية الثانية أن يكون مختلف أحوال العصور والأمم قابلاً للتشكيل على نحو أحكام الإسلام دون حرج ولا مشقة ولا عسر، كما أمكن تغيير الإسلام لبعض أحوال العرب والفرس والقبط والبربر والروم والتتار والهنود والصين والترك من غير أن يجدوا حرجاً ولا عسراً في الإقلاع عما نزعوه من قديم أحوالهم الباطلة. ومن دون أن يلجؤوا إلى الانسلاخ عما اعتادوه وتعارفوه من العوائد المقبولة. [وهاتان الكيفيتان متآيلتان وقد جمعهما معاً مغزى قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾] (٢).

стр. 1541

فلا يجدر بحال أن يكون معنى صلوحية التشريع للبشر أن الناس يُحملون على اتّباع أحوال أمة خاصة مثل أحوال العرب في زمان التشريع، ولا على اتباع تفريعات الأحكام وجزئيات الأقضية المراعى فيها صلاح خاص لمن كان التشريعُ بين ظهرانيهم، سواءً لاءم ذلك أحوالَ بقية الأمم والعصور أم لم يلائم، فتكون صلوحيتهُم مشوبةً بحرج ومخالفةً ما لا يستطيع الناس الانقطاعَ عنه. وَيُعلَّل معنى الصلوحية بأن يعمل الناسُ بها في كل عصر فلا يهلكوا ولا يُعنَتوا، إذ لو كان هذا هو معنى صلوحية الشريعة لكل زمان ومكان لما كان هذا من مزايا شريعة الإسلام وخصائصها، إذ لا نجد في شريعة من الشرائع المتّبعة أحكاماً، لو حُمِل الناس عليها لهلكوا أو صاروا فوضى. إذن يكون في مستطاع أهل كل شريعة أن ينحلوا شريعتهم وصف الدوام. فتعين أن يكون معنى صلوحية شريعة الإسلام لكل زمان أن تكون أحكامها كليات ومعاني مشتملةً على حِكَم ومصالح، صالحةً لأن تتفرع منها أحكام مختلفةُ الصور متحدةُ المقاصد. ولذلك كانت أصول التشريع الإسلامي تتجنب التفريع والتحديد كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ (١) ولم يذكر ضرباً ولا رجماً. وورد في القرآن والسنة النهي عن كثرة السؤال عن الأحكام. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا

стр. 1542

بِهَا كَافِرِينَ﴾ (١). وفي الحديث: "وسكتَ (أي الله) عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها" (٢)، وفي الحديث: "إن شر الناس من سأل عن شيء فحُرِّم من أجل مسألته" (٣). [وقد كان النبي ﷺ نهى أن يكتبوا عنه غير القرآن، لأنه كان يقول أقوالاً، ويعامل الناس معاملة هي أثر أحوال خاصة قد يظن الناقلون أنها صالحة للاطراد مثل حديث: "قضى بالشفعة للجار". قال علماؤنا لا حجة فيه لاحتمال خصوصية لذلك الجار. أي بأن صادف كونه شريكاً وجاراً فظن الراوي أن القضاء له لأجل الجوار] (٤). وكان مالك يكره افتراض النوازل للتفقّه، ويقول لمن يسأله عن حادثة مفروضة الوقوع: دعها حتى تقع (٥). غير أن القرآن لما أنزل في أحوال مختلفة الصور، وكان المقصد منه إرشاد الأمة إلى طرق من الإرشاد كثيرة، وكان المقصد من لفظه الإعجاز، نجده قد اشتمل على أنواع من أساليب التشريع. ففيه التشريع العام الكلِّي، وفيه التشريعات الجزئية النازلة في صورة أحكامٍ

стр. 1543

لنوازلَ حلَّت، وهي أيضاً بمنزلة الأمثلة والنظائر لفهم الكليات. ففي القرآن جزئيات تساوي الجزئيات التي وردت في السنة مثل قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١)، وقوله: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (٢)، وفيه التشريعات المنسوخة تماماً (٣) لكن الغالب على أنواع التشريع منه هو النوع الكلّي. وأما السنة فقد أحصاها العلماءُ من الصحابة، ومن تلقّى منهم. واختلفت الدواعي للإحصاء، كما اختلفت الشروط في القبول. فكان في معظمها تشريعاتٌ جزئية لأنّها في قضايا عينية، وكان فيها تشريعات كلية واضحة صالحة لأن تكون أساسَ التشريع. فمن أجل ذلك لم يكن للمجتهدين غُنية عن تقسيم التشريع إلى قسميه، وعن صرف جميع الوُسع من النظر العقلي في تمييز ما اشتمل عليه الكتاب والسنة من موارد التشريع، وإلحاق كلّ نصّ بنوعه. وهذا عمل عظيم ليس بالهيّن. وقد بذل فيه سلف علمائنا غاية المقدور، وحصلوا من البصيرة فيه على شيء غير منزور.

стр. 1544

ي - المساواة ومن أول الأشياء التي تنشأ عن عموم الشريعة، ويتوقف النظرُ فيها على تحقيق معرفة عمومها ومواقع ذلك العموم وكيفيته، المساواةُ بين الأمة في تناول الشريعة أفرَادَها، وتحقيقُ مقدار اعتبار تلك المساواة ومقدار إلغائها. ذلك أن المسلمين مستوون في الانتساب إلى الجامعة الإسلامية بحكم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١). فمعنى الأخوة يشمل التساوي على الإجمال بجعل المسلمين سواءً في الحقوق المخوَّلة في الشريعة، بدون تفاوت فيما لا أثر للتفاوت فيه بين المسلمين من حيث إنهم مسلمون. فإذا علمنا أن المسلمين سواءٌ بأصل الخلقة واتحاد الدين تحققنا أنهم أحقاء بالتساوي في تعلق خطاب الشريعة بهم، لا يؤثر على ذلك التساوي مؤثرٌ من قوة أو ضعف، فلا تكون عزة العزيز زائدةً له من آثار التشريع، ولا ضعف الذليل حائلاً بينه وبين مساواته غيرَه في آثار التشريع. وبناء على الأصل الأصيل، وهو أن الإسلام دين الفطرة، فكلُّ ما شهدت الفطرة بالتساوي فيه بين المسلمين، يفرضُ فيه التساوي بينهم. وكل ما شهدت الفطرة بتفاوت البشرية فيه فالتشريع بمعزل عن

стр. 1545

فرض أحكام متساوية فيه. ويكون ذلك موكولاً إلى النظم المدنية التي تتعلق بها سياسةُ الإسلام لا تشريعه. ففي المقام الأول قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ (١)، وفي المقام الثاني قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ (٢). فالمساواة في التشريع للأمة ناظرةٌ إلى تساويهم في الخلقة وفروعها، ممَّا لا يؤثر التمايز فيه أثرًا في صلاح العالَم. فالناس سواء في البشرية "كلكم من آدم" (٣)، وفي حقوق الحياة في هذا العالم بحسب الفطرة ولا أثَرَ لما بينهم من الاختلاف بالألوان والصور والسلائل والمواطن. فلا جرم نشأ عن هذا الاستواء فيما ذكر تساويهم في أصول التشريع، مثل حق الوجود المُعَبَّر عنه بحفظ النفس وحفظ النسب، وفي وسائل الحياة المعبَّر عنها بحفظ المال. ومن أول ذلك حقوق القرار في الأرض التي اكتسبوها أو نشأوا فيها مثل مواطن القبائل، وفي أسباب البقاء على حالة نافعة وهو المعبَّر عنه بحفظ العقل وحفظ العرض. وأعظم ذلك حق الانتساب إلى الجامعة الدينية المعبَّر عنه بحفظ الدين. ووسائل كل ذلك ومكمَّلاته لاحقةٌ بالمُتوسَّل إليه وبالمكمَّل. فظهر تساوي الناس في نظر التشريع في الضروري
следующие страницы →