← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17094

مقاصد الشريعة الإسلامية

ابن عاشور

Полный текст (1 856 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

فلا يجدر بحال أن يكون معنى صلوحية التشريع للبشر أن الناس يُحملون على اتّباع أحوال أمة خاصة مثل أحوال العرب في زمان التشريع، ولا على اتباع تفريعات الأحكام وجزئيات الأقضية المراعى فيها صلاح خاص لمن كان التشريعُ بين ظهرانيهم، سواءً لاءم ذلك أحوالَ بقية الأمم والعصور أم لم يلائم، فتكون صلوحيتهُم مشوبةً بحرج ومخالفةً ما لا يستطيع الناس الانقطاعَ عنه. وَيُعلَّل معنى الصلوحية بأن يعمل الناسُ بها في كل عصر فلا يهلكوا ولا يُعنَتوا، إذ لو كان هذا هو معنى صلوحية الشريعة لكل زمان ومكان لما كان هذا من مزايا شريعة الإسلام وخصائصها، إذ لا نجد في شريعة من الشرائع المتّبعة أحكاماً، لو حُمِل الناس عليها لهلكوا أو صاروا فوضى. إذن يكون في مستطاع أهل كل شريعة أن ينحلوا شريعتهم وصف الدوام. فتعين أن يكون معنى صلوحية شريعة الإسلام لكل زمان أن تكون أحكامها كليات ومعاني مشتملةً على حِكَم ومصالح، صالحةً لأن تتفرع منها أحكام مختلفةُ الصور متحدةُ المقاصد. ولذلك كانت أصول التشريع الإسلامي تتجنب التفريع والتحديد كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ (١) ولم يذكر ضرباً ولا رجماً. وورد في القرآن والسنة النهي عن كثرة السؤال عن الأحكام. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا

стр. 1542

بِهَا كَافِرِينَ﴾ (١). وفي الحديث: "وسكتَ (أي الله) عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها" (٢)، وفي الحديث: "إن شر الناس من سأل عن شيء فحُرِّم من أجل مسألته" (٣). [وقد كان النبي ﷺ نهى أن يكتبوا عنه غير القرآن، لأنه كان يقول أقوالاً، ويعامل الناس معاملة هي أثر أحوال خاصة قد يظن الناقلون أنها صالحة للاطراد مثل حديث: "قضى بالشفعة للجار". قال علماؤنا لا حجة فيه لاحتمال خصوصية لذلك الجار. أي بأن صادف كونه شريكاً وجاراً فظن الراوي أن القضاء له لأجل الجوار] (٤). وكان مالك يكره افتراض النوازل للتفقّه، ويقول لمن يسأله عن حادثة مفروضة الوقوع: دعها حتى تقع (٥). غير أن القرآن لما أنزل في أحوال مختلفة الصور، وكان المقصد منه إرشاد الأمة إلى طرق من الإرشاد كثيرة، وكان المقصد من لفظه الإعجاز، نجده قد اشتمل على أنواع من أساليب التشريع. ففيه التشريع العام الكلِّي، وفيه التشريعات الجزئية النازلة في صورة أحكامٍ

стр. 1543

لنوازلَ حلَّت، وهي أيضاً بمنزلة الأمثلة والنظائر لفهم الكليات. ففي القرآن جزئيات تساوي الجزئيات التي وردت في السنة مثل قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١)، وقوله: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (٢)، وفيه التشريعات المنسوخة تماماً (٣) لكن الغالب على أنواع التشريع منه هو النوع الكلّي. وأما السنة فقد أحصاها العلماءُ من الصحابة، ومن تلقّى منهم. واختلفت الدواعي للإحصاء، كما اختلفت الشروط في القبول. فكان في معظمها تشريعاتٌ جزئية لأنّها في قضايا عينية، وكان فيها تشريعات كلية واضحة صالحة لأن تكون أساسَ التشريع. فمن أجل ذلك لم يكن للمجتهدين غُنية عن تقسيم التشريع إلى قسميه، وعن صرف جميع الوُسع من النظر العقلي في تمييز ما اشتمل عليه الكتاب والسنة من موارد التشريع، وإلحاق كلّ نصّ بنوعه. وهذا عمل عظيم ليس بالهيّن. وقد بذل فيه سلف علمائنا غاية المقدور، وحصلوا من البصيرة فيه على شيء غير منزور.

стр. 1544

ي - المساواة ومن أول الأشياء التي تنشأ عن عموم الشريعة، ويتوقف النظرُ فيها على تحقيق معرفة عمومها ومواقع ذلك العموم وكيفيته، المساواةُ بين الأمة في تناول الشريعة أفرَادَها، وتحقيقُ مقدار اعتبار تلك المساواة ومقدار إلغائها. ذلك أن المسلمين مستوون في الانتساب إلى الجامعة الإسلامية بحكم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١). فمعنى الأخوة يشمل التساوي على الإجمال بجعل المسلمين سواءً في الحقوق المخوَّلة في الشريعة، بدون تفاوت فيما لا أثر للتفاوت فيه بين المسلمين من حيث إنهم مسلمون. فإذا علمنا أن المسلمين سواءٌ بأصل الخلقة واتحاد الدين تحققنا أنهم أحقاء بالتساوي في تعلق خطاب الشريعة بهم، لا يؤثر على ذلك التساوي مؤثرٌ من قوة أو ضعف، فلا تكون عزة العزيز زائدةً له من آثار التشريع، ولا ضعف الذليل حائلاً بينه وبين مساواته غيرَه في آثار التشريع. وبناء على الأصل الأصيل، وهو أن الإسلام دين الفطرة، فكلُّ ما شهدت الفطرة بالتساوي فيه بين المسلمين، يفرضُ فيه التساوي بينهم. وكل ما شهدت الفطرة بتفاوت البشرية فيه فالتشريع بمعزل عن

стр. 1545

فرض أحكام متساوية فيه. ويكون ذلك موكولاً إلى النظم المدنية التي تتعلق بها سياسةُ الإسلام لا تشريعه. ففي المقام الأول قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ (١)، وفي المقام الثاني قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ (٢). فالمساواة في التشريع للأمة ناظرةٌ إلى تساويهم في الخلقة وفروعها، ممَّا لا يؤثر التمايز فيه أثرًا في صلاح العالَم. فالناس سواء في البشرية "كلكم من آدم" (٣)، وفي حقوق الحياة في هذا العالم بحسب الفطرة ولا أثَرَ لما بينهم من الاختلاف بالألوان والصور والسلائل والمواطن. فلا جرم نشأ عن هذا الاستواء فيما ذكر تساويهم في أصول التشريع، مثل حق الوجود المُعَبَّر عنه بحفظ النفس وحفظ النسب، وفي وسائل الحياة المعبَّر عنها بحفظ المال. ومن أول ذلك حقوق القرار في الأرض التي اكتسبوها أو نشأوا فيها مثل مواطن القبائل، وفي أسباب البقاء على حالة نافعة وهو المعبَّر عنه بحفظ العقل وحفظ العرض. وأعظم ذلك حق الانتساب إلى الجامعة الدينية المعبَّر عنه بحفظ الدين. ووسائل كل ذلك ومكمَّلاته لاحقةٌ بالمُتوسَّل إليه وبالمكمَّل. فظهر تساوي الناس في نظر التشريع في الضروري

стр. 1546

والحاجي، ولا نجد بينهم فروقاً في الضروري، وقلَّما نجد فروقاً في الحاجي، مثل سلب العبد أهلية التصرف في المال إلَّا بإذن سيده، وإنما تنشأ الفروق عند وجود موانع معتبرة تمنع اعتبار المساواة. فالمساواة في التشريع أصلٌ لا يتخلّف إلَّا عند وجود مانع. فلا يحتاج إثباتُ التساوي في التشريع بين الأفراد أو الأصناف إلى البحث عن موجب المساواة، بل يكتفي بعدم وجود مانع من اعتبار التساوي. ولذلك صرّح علماء الأمة بأن خطاب القرآن بصيغة التذكير يشمل النساء. ولا تحتاج العباراتُ من الكتاب والسنة في إجراء أحكام الشريعة على النساء إلى تغيير الخطاب من تذكير إلى تأنيث ولا عكسَ ذلك (١). وفي صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند النبي ﷺ فقال: "أتبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ... " وقرأ آية النساء ... الحديث (٢) ... وإن الأصل في

стр. 1547

الأفعال الصادرة من رسول الله ﷺ أنها مشروعة للأمة حتى يدلَّ دليل على الخصوصية. وموانع المساواة هي العوارض التي إذا تحقّقت تقتضي إلغاءَ حكم المساواة لظهور مصلحة راجحة في ذلك الإلغاء، أو لظهور مفسدة عند إجراء المساواة. وأعني بالعوارض اعتباراتٍ تلوح في أحوال معروضات المساواة، فيصير إجراءُ المساواة في أحوال تلك المعروضات غير عائد بالصلاح في بابه، ويكون الصلاح في ضدّ ذلك، أو يكون إجراء المساواة عندها - أي عند تلك العوارض - فساداً راجحاً أو خالصاً. وليست تسميتُها بالعوارض مراداً منه أنها أمور عارضة مؤقتة، لأن هذه العوارض قد تكون دائمةً أو غالبةَ الحصول. وإنما تسميتُها بالعوارض من حيث أنها تبطل أصلاً منظوراً إليه في الشريعة نظراً أول فجعلت لأجل ذلك أموراً عارضة إذ كانت مُبطِلةً أصلاً أصيلاً، لأننا بيَّنا أن المساواة هي الأصل في التشريع. وقاعدة اعتبار هذه الموانع واعتبار تأثيرها في منع المساواة أنَّ اعتبارها يكون بمقدار تحقّقها وبمقدار دوامها أو غلبة حصولها، وأنّ اعتبارها موانعَ للمساواة يكون في الغرض الذي من حقّها أن تمنع المساواة فيه لا مطلقاً. فالفضائل مثلاً تمنع مساواة الفاضل للمفضول في الجزاء والمنح، ولا تمنع مساواتَهما في الحقوق الأخرى. والمرجِع في معرفة تقدير ما تمنع هذه الموانعُ التساويَ فيه هو إما المعنى الذي اقتضى المنع، وإما قواعد التقنين. فمعرفة مساواة العالِم بعلم مّا لمن ليس بعالِم به في آثار ذلك العلم ترجع إلى المعنى. وكذلك معرفةُ عدم مساواة غير المسلمين من أهل ذمّة

стр. 1548

الإسلام للمسلمين في بعض الحقوق، مثل ولاية المناصب الدينية، ترجع إلى المعنى، لأن صلاح الاعتقاد من أصول الإسلام. فيكون اختلالُ اعتقاد غير المسلم موجباً انحطاطه في نظر الشريعة عن الكفاءة لولاية أمور المسلمين، لأن ذلك الاختلال لا ينضبط عندنا، فلا ندري مقدار ما ينجزُ للجامعة من تصرفاته إذا أُسندت إليه. ولذلك اتفق العلماء على منع ولاية غير المسلم في كثير من الولايات، واختلفوا في بعضها مثل الكتابة والحسابة (١).

стр. 1549

وأما معرفة عدم مساواة غير المسلم للمسلم في بعض الأحكام في المعاملات مثل منع مساواة غير المسلم لقريبه المسلم في إرث قريبهما المسلم باتفاق العلماء (١)، ومثل منع مساواة غير المسلم للمسلم في القصاص له من المسلم (٢)، وفي قبول الشهادة على

стр. 1550

اختلاف بين العلماء في ذلك (١)، فترجع إلى قواعد التقنين من فروع الشريعة. وهي من نظر الفقيه في الدين. وأما معرفة مساواة غير المسلم للمسلم في معظم الحقوق في المعاملات الثابتة بقول رسول الله ﷺ : "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" (٢)،

стр. 1551

فتلك حاصلة من العلم بأصل المساواة بين الخاضعين لحكومة واحدة فلا يحتاج إلى التعليل. وإنما قال رسول الله ﷺ قوله ذلك تنبيهاً على أن ذلك الأصل مقرر ثابت. ومن موانع المساواة ما ليس في الحقيقة بمانع، ولكنه حال تعذرت فيها أسباب المساواة مثل امتناع مساواة أحد من الأمة في فضيلة أصحابَ رسول الله ﷺ لفوات المزية وهي مزية رؤية نور الرسول مع الإيمان به. ثم إن العوارض المانعة من المساواة في بعض الأحكام أقسام أربعة: جبلية، وشرعية، واجتماعية، وسياسية. وكلها قد تكون دائمة أو مؤقتة، طويلة أو قصيرة. فالجبلية والشرعية والاجتماعية تتعلق بالأخلاق، واحترام حق الغير، وبانتظام الجامعة على أحسن وجه. والسياسية تتعلق بحفظ الحكومة الإسلامية من وصول الوهن إليها. فالموانع الجبلية الدائمة: كمنع مساواة المرأة للرجل فيما تقصر فيه عنه بموجب أصل الخلقة، مثل إمارة الجيش والخلافة عند جميع العلماء (١)، ومثل القضاء في قول جمهور من علماء

стр. 1552

الإسلام (١). وكمنع مساواة الرجل للمرأة في حق كفالة الأبناء الصغار (٢). ويلحق بالجبلي ما هو من آثار الجبلة كمنع مساواة الرجل

стр. 1553

للمرأة في أن زوجته تنفق عليه لما تقرر في العوائد من كون الرجل هو الكاسب للعائلة. وتلك العادة من آثار جبلة الرجل المخوِّلة إياه بالقدرة على الاكتساب ونَصَبه. ويلحق بالجبلي أيضاً صفات مكتسبة ناشئة عن قابليةٍ وعن سعي تترك آثاراً في الخلقة لا يبلغ إلى مثلها إلَّا من اكتسب أسبابها فتفيد كمالَه في الإحساس والتفكير، مثل تفاوت العقول والمواهب في الصلاحية لإدراك المدركات الخفية. فلا مساواة بين العالم وغيره في كل عمل فيه أثر بيّن لتفاوت الإدراك، مثل التصدّي لتفهم الشريعة، والقدرة على تلقّي ما طريق تلقيه الاستنباط، والمقدرة على تعرف أحكام الشريعة في مختلف النوازل، وعلى تنزيلها في الأحوال الصالحة لها كإدراك التفرقة بين مشتبه النوازل، وإدراك حيل الخصوم، وعدالة الشهود. فلذلك كان بلوغ مرتبة الاجتهاد موجباً ترجيح صاحبه لولاية القضاء، ومانعاً من مساواته لمن هو دون مرتبته من العلماء، وكذلك القرب من مرتبة الاجتهاد بالنسبة لذي البعد عنها (١).

стр. 1554

فحقيق بالفقهاء وولاة الأمور أن يراعوا هذه الموانع ومقاديرها وتأصَّلها، فيُعملوا آثارها في المساواة بعد تحقّق ثبوتها، ويَعلَموا ما كان منها متعلقاً تعلقاً ضعيفاً بالجبلة يقبل الزوال لحصول أضداد أسبابه، فلا ينوطوا به أحكاماً دائمة. وما كان منها خفياً حصولُه لا ينبغي مراعاته إلَّا بعد التجربة. وأما الموانع الشرعية فهي ما كان تأثيرُها بتعيين التشريع الحق، إذ التشريع الحق لا يكون إلَّا مستَنِداً لحكمة وعلَّة معتبرة. ثم تلك الحكمةُ قد تكون جليةَ وقد تكون خفية. فالشريعة هي القدوة في تحديد هذه الموانع، وتحديد ما ينشأ عن مراعاة أصول تشريعية تَعتبر إجراءها أرجحَ من إجراء المساواة. وتُعرف هذه الأصول إمَّا بالقواعد، مثل قاعدة حفظ الأنساب في منع مساواة المرأة للرجل في إباحة تعدد الأزواج، إذ لو أبيح للمرأة لما حصل حفظُ لحاق الأنساب، ومثل قاعدة إزالة الضر، فإنها منعت مساواةَ المرأة الشريفة لغيرها من الأزواج في إلزامها بإرضاع الولد عند مالك؛ وإمّا أن تُعرف بتتبع الجزئيات المنتشرة في الشريعة مثل اعتبار شهادة المرأتين في خصوص الأموال (١).

стр. 1555

وأما الموانع الاجتماعية فأكثرُها مبنيٌ على ما فيه صلاح المجتمع، وبعضُها يرجع إلى المعاني المعقولة، وبعضُها يرجع إلى ما تواضع عليه الناس واعتادوه فتأصّل فيهم. مثال الأول منع مساواة الجاهل للعالِم في التصدِّي للنظر في مصالح الأمة. ومثال الثاني منع مساواة العبيد للأحرار في قبول الشهادة. ومعظم الموانع الاجتماعية نجده مجالاً للاجتهاد، ولا نجد فيه تحديدات شرعية إلَّا نادراً. وأما الموانع السياسية فهي الأحوال التي تؤثر في سياسة الأمة، فتقتضي إبطالَ حكم المساواة بين أصناف أو أشخاص، أو في أحوال خاصة. كل ذلك لمصلحة من مصالح دولة الأمة. وهذا النوع من الموانع يكثر فيها اعتبار التوقيت. فمثال الدائم منه اختصاص قريش بإمامة الأمة (١).

стр. 1556

ومثال المؤقّت منه قول رسول الله ﷺ يوم الفتح: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (١).

стр. 1557

يا - ليست الشريعة بنكاية لقد تأصَّل مما أفضنا به القول في مبحث سماحة الشريعة ونفي الحرج عنها ما فيه مَقنع من اليقين بأن الشريعة لا تشتمل على نكاية بالأمة. فإن من خصائص شريعة الإسلام أنها شريعة عملية تسعى إلى تحصيل مقاصدها في عموم الأمة وفي خويصة الأفراد. فلذلك كان الأهمُّ في نظرها إمكانَ تحصيل مقاصدها، ولا يتم إلا بسلوك طريقة التيسير والرفق. وأحسب أن انتفاء النكاية عن التشريع هو من خصائص شريعة الإسلام لما دل عليه القرآن من أنه قد أوقع النكاية ببعض الأمم في تشريع لها. قال الله تعالى ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ (١). فدلَّ على أن تحريم بعض الطيبات على بني إسرائيل كان عقاباً لهم على ما صدر منهم من التوغّل في مخالفة الشريعة. فالإسلام إذا رخّص وسهّل فقد جاء على الظاهر من سماحته، وإذا شدَّد أو نسخ حكماً من إباحة إلى تحريم أو نحو ذلك فلرَعْيِ صالح الأمة والتدرج بها إلى مدارج الإصلاح مع الرفق. فتحريم الخمر مقصود للإسلام من أول البعثة. وأما السكوت عليه مدة حتى بقي مباحاً ثم تحريمُه في وقت الصلاة فذلك تمهيد لتحريمه الباتّ (٢).

стр. 1558

ولذلك لم يجز أن تكون الزواجرُ والعقوباتُ والحدودُ إلَّا إصلاحاً لحال الناس بما هو اللّازم في نفعهم دون ما دونه ودون ما فوقه، لأنه لو أصلحهم ما دونه لما تجاوزته الشريعةُ إلى ما فوقه، ولأنه لو كان العقابُ فوق اللازم للنفع لكان قد خرج إلى النكاية دون مجرد الإصلاح. ولهذا كان معظم العقوبات أذًى في الأبدان لأنه الأذى الذي لا يختلف إحساس البشر في التألم منه، بخلاف العقوبة بالمال فإنها لم تَجِئْ في الشريعة، وإنما جاء غرم الضرر (١). فلو نزلت الجنايات التي لم يثبت لها عقاب في الشريعة وكان الباعث عليها حب الاستكثار من المال لم يكن بعيداً في نظر المجتهد أن يعاقب عليها بمصادرة مالية، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ في عقاب رويشد الثقفي الذي كان اتخذ بيته حانة يجمع إليها الشِّرب لمعاقرة الخمر. فقد أمر عمر بحرق ذلك البيت (٢)، وقد روى يحيى عن مالك أن تحرق بيت

стр. 1559

الخمار (١). ووقع في الواضحة عن مالك أنه رأى أن تُباع الدارُ التي تُجعل مأوى لأهل الفسوق (٢). وقول ابن القاسم خلاف ذلك في المسألتين (٢). ومن قبيل العقوبة التي تتردد بين النكاية وبين كونها أذى في الناحية التي هي مثار الجناية القولُ بتأبيد تحريم المرأة المعتدّة على من يتزوجها في عدّتها ويبني بها فيها. وقد قضى به عمر بن الخطاب وقال به مالك (٣). ومن الأئمة من يفسخ النكاح ولا يرى تأبيد التحريم. وهو أقرب (٤). ولذلك استحسن بعض فقهاء المالكية أن

стр. 1560

للقاضي إذا حكم بفسخ نكاح الذي يبني بالمعتدة في عِدّتها ألّا يزيد في حكمه تأبيد التحريم، إذ لعلهما يجري أمرهما على رأي من لا يرى تأبيد التحريم. وكذلك مسألة من يفسد المرأة على زوجها ويهرب بها ليتزوّجها (١). ولا يشكل على هذا ما في صحيح البخاري عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ علم أن بعض أصحابه يواصل الصيام فنهاهم. فقال له رجل: يا رسول الله إنك تواصل. فقال: وأيُكم مثلي إِني أَبيت يطعُمني ربي ويسقيني. فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يوماً ثم يوماً ثم رأوا الهلال فقال لهم: لو تأخر الشهر لزدتكم" (٢)

стр. 1561

كالمنكِّل بهم حين أبوا أن ينتهوا، لأن فعل رسول الله ﷺ هذا لا يعدّ من التشريع العام، بل هو من تربية الأصحاب وخاصةِ الرجل. فهو من باب النصيحة لأصحابه لا من باب التشريع العام.

стр. 1562

يب - مقصد الشريعة من التشريع تغييرٌ وتقريرٌ قد يَستكِنُّ في معتقد كثير من العلماء قبل الفحص والتغوّص في تصرفات التشريع أن الشريعة إنما جاءت لتغيير أحوال الناس. والتحقيق أن للتشريع مقامين: المقام الأول تغيير الأحوال الفاسدة وإعلان فسادها. وهذا المقام هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢). والتغيير قد يكون إلى شدّة على الناس رعيًا لصلاحهم، وقد يكون إلى تخفيف إبطالاً لغلوِّهِم. مثل تغيير اعتداد المرأة المتوفّى زوجها من تربص سنة إلى تربص أربعة أشهر وعشر (٣)، إذ لا فائدة فيما زاد على ذلك، إذ التربّص لا تظهر منه فائدة للميت ولا للمرأة، إلَّا لحفظ نسب الميت لو ظهر حمل. وتلك المدّة كافية لظهور الحمل وتحرّكه. وكذلك تغيير حكم الإحداد بتهذيبه، إذ كانت المرأة

стр. 1563

- في الجاهلية - المتوفّى زوجها تلبس شر الثياب وتمكث في حفش، وهو بيت حقير، ولا تتنظّف ولا تتطيّب مدة سنة، فأبطل الإسلام ذلك بأن لا تلبس المصبوغ إلا الأسود ولا تتطيّب ولا تكتحل مدة أربعة أشهر وعشر. ومن حكمة التغيير الحرصُ على المحافظة عليه، لأنّه يتطرّقه التساهل من طرفيه. فإن كان تغييراً إلى أشد تطرقه طلب التفصي منه، وإن كان إلى أخف تطرّقه توهم أن تخفيفه عذر للأمة في نقصه. فلذلك لم يرخِّص رسول الله ﷺ للمرأة السائلة عن اكتحال عيني ابنتها في عدّة وفاة من زوجها لعذر مرض عينيها، وقال لها: "لا لا (مرتين أو ثلاثاً) إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية تَرمي بالبعرة على رأس الحول". رواه مالك في الموطأ من حديث أم سلمة ﵂. قالت زينب بنت أبي سلمة: كانوا إذا مضى الحول أتوا للمرأة بدابةٍ حمار أو شاة أو طائر فتفتض به ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها (١). قال مالك: تفتض أي تمسح جلدها به كالنُّشرة (٢). والمقام الثاني تقريرُ أحوال صالحة قد اتبعها الناس. وهي الأحوال المعبَّرِ عنها بالمعروف في قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣). وأنت إذا افتقدت الأشياء التي انتحاها البشر منذ

стр. 1564

القدم، وأقاموا عليها قواعد المدنية البشرية، تجدها أموراً كثيرة من الصلاح والخير تُوُورِثَت من نصائح الآباء والمعلمين والمربين والرسل والحكماء والحكام العادلين حتى رسخت في البشر، مثل إغاثة الملهوف، ودفع الصائل، وحراسة القبيلة والمدينة، والتجمع في الأعياد، واتخاذ الزوجة، وكفالة الصغار، والميراث. إلَّا أن هذه الفضائل والصالحات ليست متساويةً الفشو في الأمم والقبائل. فلذلك لم يكن للشريعة العامة غُنية عن تطرّق هذه الأمور ببيان أحكامها من وجوب أو ندب أو إباحة، وبتحديد حدودها التي تناط أحكامُها عندها. فالنظر إلى اختلاف الأمم والقبائل في الأحوال من أهم ما تقصده شريعة عامة كما أنبأ عن ذلك حديث الموطأ (١) وصحيح مسلم: "أن رسول الله ﷺ قال: لقد هممت أن أحرّم الغِيلَة (في الرضاع) لولا أن قوماً من فارس يفعلونها ولا تضرّ أطفالهم" (٢).

стр. 1565

وكذلك النظر إلى اختلاف النفوس في التسرع إلى النزوع عن الصالحات عند طرو معارضها في شهواتهم من جهة ما في الصالحات من الكلفة. كما ترى من تحريض الشريعة على التزوج (١)،

стр. 1566

ومن إيجابها نفقة القرابة (١). وأكثر ما يحتاج إليه في مقام التقرير هو حكم الإباحة لإبطال غلو المتغالين بحملهم على مستوى السواد الأعظم من البشر الصالح كما قال الله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٢). فإن الطيبات تناولتها الناس وشذَّ فيها بعضُ الأمم وبعضُ القبائل فحَرَّموا على أنفسهم طيبات كثيرة. وقد كان ذلك فاشياً في قبائل العرب مثل تحريم بني سُليم على أنفسهم أكلَ الضب لزعمهم أنه مسخ من اليهود (٣)، وتحريم كثير من العرب ما تلده البَحيرة والسائبة

стр. 1567

حيّاً على النساء دون الرجال (١)، وما تلده ميتاً حلال للفريقين كما وصف الله تعالى بقوله: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ (٢)، وقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٣)، ثم قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (٤). ويحتاج أيضاً فيه إلى دفع ما يعلق بالأوهام من العوارض يخيل إليهم أن الصالحات مفاسد لصدورها من المتلبس بالفساد. فقد سأل حكيم بن حزام رسول الله ﷺ فقال: أرأيت أعمالاً كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة وعتق وصلة رحم، [فهل فيها من أجر؟] فقال رسول الله ﷺ : "أسلمت على ما سلف من خير" (٥).

стр. 1568

ولهذا قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (١). وقد قرر الإسلام من أنكحة الجاهلية النكاح المعروف وأبطل البغاء والاستبضاع والسفاح (٢). والتقرير لا يحتاج إلى القول. فقد علمت أن الاحتياج إلى القول فيه لا يكون إلَّا عن سبب دعا إلى القول من إبطال وهم، أو جواب سؤال، أو تحريض على التناول. وفيما عدا تلك الأسباب ونحوها يعتبر سكوت الشارع تقريراً لما عليه الناس. فلذلك كانت الإباحة أكثر أحكام الشريعة لأن أنواع متعلقاتها لا تنحصر. وقد تواتر هذا المعنى تواتراً من أقوال النبي ﷺ وتصرّفاته. ويشهد له ويعضده الحديث الذي رواه الدارقطني وغيره عن أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها" (٣)، ولأجل هذا كره

стр. 1569

رسول الله ﷺ المسائل لأن السؤال عن غير المشكل عبث. ولا يُستثنى من دلالة السكوت على التقرير إلَّا الأحوالُ التي دلَّ العقل على إلحاقها بأصولٍ لها حكمٌ غير الإباحة، وهي دلالة القياس بمراتبها. وليس مرادنا بالتغيير تغييرَ أحوال العرب خاصة، ولا بالتقرير تقريرَ أحوالهم كذلك، بل مرادنا تغيير أحوال البشر وتقريرُ أحوالهم سواءٌ كانوا العرب أم غيرهم. وذلك أن جماعات البشر كانوا غيرَ خالين من أحوال صالحة هي بقايا الشرائع أو النصائح أو اتفاق العقول السليمة. فقد كان العرب على بقية من الحنيفية، وكانت اليهود على بقية من شريعة عظيمة، وكانت النصارى على بقية منها ومن تعاليم المسيح ﵇. وكان مجموع البشر على بقية من مجموع الشرائع الصالحة نحو شرائع المصريين واليونان والروم، وعلى اتباع ما دلت عليه الفطرة السليمة مثل عدّ قتل النفس جريمة. فالتغيير والتقرير قد يصادفان أحوالَ بعض الأمم دون بعض وهو الغالب، مثل تحريم الربا، ووجوب المهر، وأداء الدّية. وقد يصادفان أحوال البشر كلَّهم مثل تحريم الخمر، وإبطال الوصية لوارث، وبما زاد على الثلث، وتقرير أنكحة الذين يدخلون في الإسلام. ومن رحمة الشريعة أنها أبقت للأمم مُعتادَها وأحوالَها الخاصة إذا لم يكن فيها استرسال على فساد. ففي الموطأ: "أن رسول الله ﷺ قال: أيما دار أو أرض قسمت في الجاهلية فهي على قَسْم الجاهلية، وأيما دار أو أرض أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قَسْم الإسلام" (١).

стр. 1570

وقد قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "وهل ترك لنا عقيل من دار! " (١)، يريد أن عقيل بن أبي طالب فوتها في حكم الجاهلية فلم ينقضه رسول الله ﷺ حين فتح مكة.

стр. 1571

يج - نوط الأحكام الشرعية بمعانٍ وأوصاف لا بأسماء وأشكال (١) إذ قد علمتَ ما تقدم من المبحثين قبل هذا، وفي مبحث المقصد العام من التشريع، والمباحث المتفرّعة عليه، لا يعوزك أن تعلم هنا أن مقصدَ الشريعة من أحكامها كلِّها إثباتُ أجناس تلك الأحكام (٢) * لأحوال وأوصاف وأفعال من التصرِّفات خاصَّها وعامِّها، باعتبار ما تشتمل عليه تلك الأحوالُ والأوصافُ والأفعالُ من المعاني المنتجة صلاحاً ونفعاً، أو فساداً وضراً، قويين أو ضعيفين. فإيّاك أن تتوهم أن بعض الأحكام منوطٌ بأسماء الأشياء أو بأشكالها الصورية غير المستوفاة المعاني الشرعية فتقع في أخطاء في الفقه، مثل قول بعض الفقهاء في صنف من الحيتان يسميه البعض خنزير البحر، أنه يحرم أكله، لأنه خنزير (٣) *، ومن يقول بتحريم

стр. 1572

نكاح امرأة زوّجها إياه وليها بمهر، وزوج هو ذلك الولي امرأة هو وليها بمهر مساوٍ لمهر الأخرى، أو غير مساوٍ باعتقاد أن هذا من الشغار، لأن شكله الظاهر كشكل الشغار، مُغْمَضَ العينين عن المعنى والوصف الذي لأجله أبطلت الشريعة نكاح الشغار (١).

стр. 1573

وإنما حقُّ الفقيه أن ينظر إلى الأسماء الموضوعة للمسمَّى أصالة أيام التشريع، وإلى الأشكال المنظور إليها عند التشريع، من حيث إنهما طريق لتعرف الحالة الملحوظة وقت التشريع، لتهدينا إلى الوصف المرعي للشارع كما سيجيء في مبحث نوط التشريع بالضبط والتحديد. ولقد أخطأ من هنا بعض الفقهاء أخطاء كثيرة، مثل ما أفتى بعض الفقهاء بقتل المشعوذ باعتبار أنهم يسمّونه سحاراً، مغمضين أعينهم عن تحقيق معنى السحر الذي ناط الشارع به حكم القتل (١) *. فمن حقّ الفقيه إذا تكلّم على السحر أو سئل عنه أن يبيّن

стр. 1574

أو يستبين صفته وحقيقته، وأن لا يفتي بمجرد ذكر اسم السحر فيقول: يقتل الساحر ولا تقبل توبته، فإن ذلك عظيم. وقد غلط بعض المفتين فأفتى بحرمة التدخين بورق التبغ في الفم، لأنه لما ظهر التدخين به في أوائل القرن الثامن عشر سمّوه الحشيش، وتوهّموه أنه الحشيش المخدِّر الذي يدخن به الحشاشون (١)، وكذلك لما ظهرت الحبوب اليمانية التي نسميها قهوة أفتى بعض العلماء أول القرن العاشر بحرمة منقوعها لأنهم سمّوها القهوة الذي هو اسم الخمر في اللغة العربية، مع أن تسمية تلك الحبوب قهوة اسم محرف من اسم غير عربي هو كفا. [Cafe] ولم يزل الفقهاء يتوخّون التفرقة بين الأوصاف المقصودة للتشريع وبين الأوصاف المقارنة لها، التي لا يتعلق بها غرض الشارع، ويسمّونها الأوصاف الطردية وإن كانت هي الغالبة على الحقيقة الشرعية مثل الكون في البرية في حقيقة الحرابة. فإن ذلك أمر غالب وليس هو مقصودَ الشارع. فلذلك أفتى حذاق الفقهاء باعتبار حكم الحرابة في المدينة إذا كان الجاني حاملاً للسلاح ومخيفاً لأهل المدينة. ولذلك فإن الأسماء الشرعية إنما تعتبر باعتبار مطابقتها للمعاني الملحوظة شرعاً في مسميّاتها عند وضع المصطلحات الشرعية. فإذا تغير المسمَّى لم يكن لوجود الاسم اعتبار. ولذلك يقول فقهاء المالكية: إن صيغ التبرعات قد يستعمل بعضها في بعض. فالعمرى

стр. 1575

المعقّبة تصير إلى معنى الحبس (١)، والحبس المجعول فيه شرط البيع يؤول إلى معنى العمرى (٢)، والصدقة المشروط فيها حق الاعتصار تؤول إلى الهبة (٣)، والعطايا المشروط فيها تصرف المعطي في

стр. 1576

المعطى إلى موته تؤول إلى الوصية، وإن سَمَّوها حبساً أو هبة أو عمرى. وقالوا: إذا قال ولي المرأة: "وهبت فلانة إليك بمهر كذا" كانت تلك صيغة نكاح ولو سماها هبة (١). وقد أنذر النبي ﷺ ، إنذاراً بإنكارٍ بناس من أمته، يشربون الخمر يُسمّونها بغير اسمها. رواه أحمد (٢) وابن أبي شيبة (٣). فكما كان تغيير الاسم غير مؤثر في تحليل الحرام كذلك لا يكون مؤثراً في تحريم الحلال. وبعبارة أشمل لا تكون التسمية مناط الأحكام،

стр. 1577

ولكنها تدلّ على مسمًّى ذي أوصاف؛ تلك الأوصاف هي مناط الأحكام. فالمنظور إليه هو الأوصاف خاصَّة. ومن هذا القبيل النهي عن الانتباذ في الحنتم والجر والمزفت. والمقصود أنها يسرع إليها الاختمار، وليس ذلك لمجرد الأسماء.

стр. 1578

يد - أحكام الشريعة قابلة للقياس باعتبار العلل والمقاصد القريبة والعالية لا أحسب لمن يتطرّقه شك في قبول الأحكام للقياس حساباً من سعة النظر في الشريعة، ولا أعدّه إلَّا عاكفاً على تلقي الجزئيات المأثورة دون شعور بجهات الاتحاد بين متماثلها في الأحكام، ولا أحسبه إلَّا متحيّراً عند تطلب أحكام لصور وأعمال غير ثابتة في الآثار أحكامٌ لها، وأنه لا يلبث إلَّا أن يجد نفسه مضطراً للقياس، وإذا افتقد نفسه وجد نفسه قد قاس. فإن استقراء الشريعة في تصرّفاتها قد أكسب فقهاء الأمة يقيناً بأنها ما سوّت في جنس حكم من الأحكام جزئيات متكاثرة إلا ولتلك الجزئيات اشتراك في وصف يتعيّن عندهم أن يكون هو موجب إعطائها حكماً متماثلاً. ومن ثمّ استقام لهم من عهد الصحابة إلى هلم جرًا أن يقيسوا بعض الأشياء على بعض، فينوطوا بالمقيسة نفس الأحكام الثابتة بالشرع للمقيس عليها في الأوصاف التي أنبئوا أنها سبب نوط الحكم، وأنها مقصود الشارع من أحكامه. فإن كانت تلك الأوصاف فرعيَّة قريبة سميناها عللاً مثل الإسكار، وإن كانت كليات سميناها مقاصد قريبة مثل حفظ العقل، وإن كانت كليات عالية سميناها مقاصد عالية، وهي نوعان مصلحة ومفسدة. وقد تقدّم ذلك كله. وإنما هرع الفقهاء في التشريع والتفريع إلى القياس على النظائر

стр. 1579

والجزئيات، ولم يعمدوا إلى الفحص عن المعاني الكليات القريبة، ولا إلى الفحص عن إثبات وجود الكليين العاليين وهما المصلحة والمفسدة، لأنهم رأوا دلالة النظير على نظيره أقربَ إرشاداً إلى المعنى الذي صرّح الشارع باعتباره في نظيره، أو أومأ إلى اعتباره فيه، أو أوصل الظنُ بأن الشارع ما راعى في حكم النظير إلا ذلك المعنى. فإن دلالة النظير على المعنى المرعي للشارع حين حكم له بحكم مَّا دلالة مضبوطة ظاهرة مصحوبة بمثالها. فقد قال بعض أساطين علمائنا (١) *: "ولاستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خفيات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق" (٢). فتكفي الفقيه مؤونة الانتشار في البحث عن المعنى من أجناسه العالية. ثم بما فيها من التمثيل والضبط تنتقل بالمجتهد إلى المعنى الذي اشتمل عليه النظير غير المعروف حكمُه، فَيُلْحقُه في الحكم بحُكم كلياته القريبة، ثم بحكم كلياته العالية، إذ لا يعسر عليه ذلك الانتقالُ حينئذ فتتجلى له المراتب الثلاث انجلاء بيِّنًا. ولم يزل من طرق الاستدلال لدى ذوي العقول من الحكماء والرياضيين الوصول إلى الأشياء الدقيقة السامية بواسطة الأشياء الواضحة القريبة. فكذلك نعدّ الفقهاء في عدادهم إذ هي طريقة مثلى لجميع أهل المدارك العالية.

стр. 1580

فإذا تقرّر عندك هذا علمتَ أن الأصل في الأحكام الشرعية كلها قبولُ القياس عليها، ما قامت منها معان ملحوظة للشارع. فيجب أن تكون أنواعُ الأحكام التي لا يجري في مثلها القياس قليلةً جداً. من أجل ذلك اختلف أئمة الفقه في جريان القياس في الحدود والكفارات والرُّخَص (١)، وفي الأسباب والشروط والموانع (٢). ومن أجل ذلك اتفقوا على امتناع القياس في إثبات أصول العبادات (٣). وقد قاس أبو بكر وعمر ﵄ الجدة للأب على الجدة للأم في الميراث، فجعل أبو بكر السدس بينها وبين الجدة للأم. ففي الموطأ: "جاءت الجدتان إلى أبي بكر. فأراد أن يجعل
следующие страницы →